Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب الصوم
ومَن رأى هلالَ الفطر وحدَه : لم يُقطر.
وإن كانت بالسماء عِلَّةٌ : لم تُقبَل في هلال الفِطْر إلا شهادةُ رجلينٍ،
أو رجلٍ وامرأتين.
السَّحور: اسمٌ لما يُؤكل في وقت السَّحَر، وهو السدس الأخير من
الليل، وفي الحديث إضمارٌ، تقديره: فإن في أكل السَّحور بركة.
والمراد بالبركة: زيادة القوة في أداء الصوم.
ويجوز أن يكون المراد به: نيل الثواب؛ لاستنانه بأكل السَّحور بسُنَن
المرسلين، وعملِه بما هو مخصوصٌ بأهل الإسلام، قال عليه الصلاة
والسلام: ((فَرْق ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكل السحور))(١).
* قوله: (ومَن رأى هلالَ الفطر وحدَه: لم يُقطر).
- فإن أفطر: فعليه القضاء، ولا كفارة عليه، وقال بعضهم: يفطر سراً.
* قوله: (وإن كانت بالسماء عِلَّةٌ: لم يُقبل في هلال الفطر إلا شهادة
رجلين، أو رجلٍ وامرأتين)؛ لأنه تعلَّق به نفعُ العباد، وهو الفطر، فأشبه
سائر حقوقهم.
- والأضحى: كالفطر؛ لأنه تعلّق به نفعُ العباد، وهو التوسع بلحوم
الأضاحي.
- ولا بدَّ أن يكونوا عدولاً، غير محدودين في القذف؛ لأنه خروجٌ
من عبادة، فيُحتاط فيها.
(١) مصنف عبد الرزاق (٧٦٠٢).

٣٠٢
كتاب الصوم
وإن لم تكن بالسماء عِلَّةٌ: لم تُقبَل إلا شهادةُ جَمْعٍ كثيرٍ يقعُ العلمُ
بخبرهم.
- وهل يُشترط لفظ الشهادة؟
قال في ((الفتاوى)): يُشترط؛ لأنها بمنزلة الشهادة على الحقوق.
وقال بعضهم: لا يشترط؛ لأنها بمنزلة الخبر الديني.
* قوله: (وإن لم تكن بالسماء عِلَّةٌ: لم تُقبل) في هلال الفطر (إلا
شهادة جمع كثيرٍ يقعُ العلمُ بخبرهم)، وقد بيَّنَّا ذلك في هلال رمضان.

٣٠٣
باب الاعتكاف
باب الاعتكاف
الاعتكافُ مستحبٌّ، .
باب الاعتكاف
أخَّرِه عن الصوم؛ لأن الصوم شرطُه، والشرطُ مقدَّمٌ طبعاً، فكذلك
وضعاً، كما قُدِّمت الطهارة على الصلاة.
- ومحاسنُ الاعتكاف ظاهرٌ، فإن فيه تسلیم المعتکِف کُلُیتَه إلى طاعة
الله؛ لطلب الزُّلْفى، وتبعيدِ النفس عن شُغْل الدنيا، التي هي مانعةٌ عما
يستوجبه العبدُ من القُربى، ولهذا كُره إحضارُ السِّلَع في المسجد.
- ومن محاسنه أيضاً: اشتراطُ الصوم في حقه، والصائمُ ضيفُ الله
تعالى، فالألیقُ به أن یکون في بيت الله.
- والاعتكافُ في اللغة: مشتقٌّ من العُكوف، وهو الملازمة والحبس
والمنع، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَالْحَدِىَ مَعْكُوْفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. الفتح/ ٢٥: أي
ممنوعاً عن أن يَبلغ مَحِلَّه، وهو الحرم موضع نحره.
- وفي الشرع هو: اللَّبث والقَرار في المسجد، مع نية الاعتكاف.
* قال رحمه الله: (الاعتكافُ: مستحبٌّ)، يعني في سائر الأزمان.

٣٠٤
باب الاعتكاف
وهو اللَّبْثُ في المسجد مع الصوم، ونيةِ الاعتكاف.
أما في العشر الأواخر من رمضان: فهو سُنَّةٌ مؤكّدةً؛ ((لأن النبي عليه
الصلاة والسلام واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان))(١).
والمواظبة: دليلُ السُّنَّة.
قال الزُّهري: ((يا عجباً للناس! تركوا الاعتكافَ وما تركه النبيُّ صلى
الله عليه وسلم منذ دخل المدينةَ إلى أن توفاه الله)).
وهو أشرف الأعمال؛ لأنه جَمَعَ بين عبادتين: الصومِ، والجلوسِ في
المسجد، وفيه تفريغُ القلب، وتسليمُ النفس إلى بارئها، والتحصُّن بحِصنٍ
حصين.
* قوله: (وهو اللَّبث في المسجد)، يعني مسجدَ الجماعة.
واللَّبْث: بفتح اللام: المُكْث.
* قوله: (مع الصوم، ونية الاعتكاف).
أما اللَّبْث: فركنه؛ لأن وجوده به، وأما الصوم: فشرطه، والنيةُ شرطٌ
في سائر العبادات، والصومُ شرطٌ لصحة الواجب منه، روايةً واحدةً.
ولصحة التطوع، فيما روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا اعتكاف إلا بصوم))(٢).
(١) صحيح البخاري (٢٠٢٦)، صحيح مسلم (١١٧٢).
(٢) سنن أبي داود (٢٤٧٣)، سنن الدار قطني ١٨٧/٣، وفيه كلام، وله شواهد
عديدة، ينظر نصب الراية ٤٨٦/٢، التعريف والإخبار ١٣٦/٢.

٣٠٥
باب الاعتكاف
فعلى هذه الرواية: لا يكون أقلّ من يوم.
وفي رواية ((الأصل))، وهو قول محمد: أقله ساعة، فيكون من غير
صوم؛ لأن مبنى النفل: على المساهلة، ألا ترى أنه يقعد في صلاة النفل
مع القدرة على القيام، وراكباً مع القدرة على النزول.
- ولو شَرَع فيه، ثم قطعه: لا يلزمه القضاء، في رواية الأصل؛ لأنه
غير مقدّر.
وفي رواية الحسن: يلزمه؛ لأنه مقدَّرٌ باليوم، كالصوم.
- ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجدِ جماعةٍ، تُصلى فيه الصلوات
الخمس كلها، بإمامٍ ومؤذِّنٍ معلوم.
- وأفضل الاعتكاف: في المسجد الحرام؛ لأنه مأمَنُ الخلق، ومهبطُ
الوحي، ومنزلُ الرحمة.
ثم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أفضل المساجد
بعد المسجد الحرام.
ثم في مسجد بيت المقدس، ثم في المساجد التي کثر جماعتها، فكل
مسجد کثرت جماعتُه: فهو أفضل.
* والاعتكاف ضربان: واجبٌ، ونفلٌ:
فالنفلُ: يجوز بغير صوم، وهو أن يدخل المسجد بنية الاعتكاف، من
غير أن يوجبه على نفسه، فيكون معتكفاً بقدرٍ ما أقام، فإذا خرج: انتهى
اعتكافه.

٣٠٦
باب الاعتكاف
ويَحْرِمُ على المعتكِف الوطءَ، واللمسُ، والقُبلة.
والواجب منه: لا يصح إلا مع الصوم.
* قوله: (ويَحرُمُ على المعتكف الوطء)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا
و
تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾. البقرة/ ١٨٧.
- فإن قيل: كيف يستقيم ذكر الوطء في المساجد، وهو حرامٌ في
المسجد لغير المعتكف أيضاً؟
قيل: لأنه لما قال: ولا يَخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، فربما
يُتوهَّم أنه من حاجة الإنسان، فلهذا قال: ويحرم على المعتكف الوطء.
قوله: (واللمسُ، والقُبلة)؛ لأنهما من دواعي الجماع، فحَرُما
عليه، إذ الوطء محظورُ الاعتكاف، كما في حالة الإحرام.
- فإن قيل: لم حُرِّمت القُبلة على المعتكف، دون الصائم؟
قيل: لأن الجماع في الاعتكاف منصوصٌ على تحريمه في القرآن
صريحاً، فحُرِّمت دواعيه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ
فِى الْمَسَجِدِ ﴾. البقرة/ ١٨٧.
بخلاف الصوم، فإنه إنما ثبت تحريم الجماع فيه دلالةَ، بقوله تعالى:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اُلْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾. البقرة/ ١٨٧.
لمَّا خصَّ الليل بالحِلِّ: دلَّ على أنه حرامٌ بالنهار

٣٠٧
باب الاعتكاف
ءُ
وإن أنزل بقُبْلةٍ، أو لمسٍ : فَسَدَ اعتكافُه، وعليه القضاء.
قال في ((النهاية)): التقبيلُ واللمسُ لا يَحرُم بالصوم، ويَحرُم
بالاعتكاف؛ لأن الجماع ليس بحرامٍ في باب الصوم؛ لأنه مباحٌ ليلاً.
وأوضح من هذا كله: أن حرمة الوطء إذا ثبتت بالنهي: تعدّت الحرمة
إلى الدواعي، كحرمة الوطء في حق المُحرِم، والمعتكف، ومشتري
و
الجارية، فإن الحرمة ثبتت في هذه المواضع بقوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلَا
فُسُوقَ﴾. البقرة/ ١٩٧.
وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾. البقرة/ ١٨٧.
وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا
حائلٌ حتى تُستبرأ بحيضة))(١).
وإذا ثبتت حرمة الوطء بالأمر: لا تتعدى الحرمة إلى الدواعي، كما
في حالة الحيض، وحالة الصوم، فإن الحرمة ثبتت فيهما بالأمر، بقوله
تعالى: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾. البقرة/ ٢٢٢.
وبقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾. البقرة/ ١٨٧، بعد ذكر
المفطِّرات الثلاث.
* فإن قبَّل المعتكف، أو لمس ولم يُنزل: لم يفسد اعتكافُه، (وإن
أنزل: فسد).
(١) سنن أبي داود (٢١٥٧)، المستدرك للحاكم ١٩٥/١، وإسناده حسن، كما
في التلخيص الحبير ١٧١/١، وينظر نصب الراية ٢٥٢/٤.

٣٠٨
باب الاعتكاف
ولا يَخرجُ المعتكِفُ من المسجد إلا لحاجة الإنسان، أو الجمعة.
- وإن نَظَرَ إلى امرأة، فأنزل: لم يفسد اعتكافُه؛ لأنه إنزالٌ من غير
مباشرة، فأشبه الاحتلام.
* قوله: (ولا يَخرج المعتكِفُ من المسجد، إلا لحاجة الإنسان)،
وهي الغائط والبول؛ لأنه معلومٌ وقوعها، فلا بدَّ من الخروج لأجلها.
- ولا يمكث بعد فراغه من الطهور، فإن مكث: فسد اعتكافُه عند أبي
حنيفة، وعندهما: لا يفسد حتى يكون المكثُ أكثرَ من نصف يوم.
۔ وفي نصف يوم: روایتان.
- وكذا إذا خرج من المسجد ساعةً لغير عذر: فسد اعتكافه عند أبي
حنيفة؛ لوجود المُنافي.
وعندهما: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم؛ لأن اليسير من
الخروج: عفوٌ؛ للضرورة.
إلا أن أبا حنيفة يقول: ركن الاعتكاف هو المقام في المسجد،
والخروج ضدُّ، فيكون مُقوِّتاً ركنَ العبادة، فالكثير فيه والقليل سواء،
كالأكل في الصوم، والحدث في الطهارة.
* قوله: (أو الجمعة)؛ لأنها من أهم حوائجه، وهي معلومٌ وقوعها.
وقال الشافعي(١): الخروج إليها مفسِدٌ؛ لأنه يمكنه الاعتكاف في
المسجد الجامع.
(١) المجموع ٥١٤/٦.

٣٠٩
باب الاعتكاف
قلنا: الاعتكاف في كل مسجدٍ مشروع.
- فإن قيل: الجمعة تسقط بأعذار كثيرة، من السفر، والرِّق، وغير
ذلك، فجاز أن تسقط بهذا العذر.
قلنا: لا يجوز أن تسقط الجمعة؛ لصيانة الاعتكاف؛ لأنه دونَها
وجوباً؛ لأنه وجب بالنذر، والجمعة وجبت بإیجاب الله تعالى، وما وجب
بإیجاب الله تعالی: لیس للعبد أن يُسقطه بإيجابه بنذره.
- قوله: أو الجمعةِ: يَخرجُ إليها في كل وقت يمكنه أن يصليَ فيه أربع
ركعات، أو ست ركعات، فالأربع سنة، والركعتان: تحية المسجد.
- ويمكث بعدها مقدارَ ما يصلي أربعاً.
- فإن مکث یوماً وليلة، أو أتمّ اعتكافه فیه: لا يفسد، ویکره.
وإنما لا يفسد: لأنه موضعُ الاعتكاف، إلا أنه يكره؛ لأنه التزم أداءه
في مسجدٍ واحدٍ، فلا يُتْمُّه في مسجدين من غير ضرورة.
- ويَخرج لصلاة العيدين أيضاً.
- ولا يخرج لعيادة المريض.
- ولا لصلاة الجنازة إذا كان معها غيرُه، فإذا لم يكن: جاز الخروج
بمقدار الدفن.
- وعلى هذا إذا دُعي لأداء شهادة: إن لم يكن مع المدعي مَن يقطع
الحكم بشهادته غيرُه: جاز له الخروج بمقدار أداء الشهادة، وإن كان معه

٣١٠
باب الاعتكاف
ولو خرج من المسجد ساعةً بغير عذرٍ : فَسَدَ عند أبي حنيفة، وقالا :
لا يفسدُ حتى یکونَ أکثر من نصف يومٍ.
غيرُه: لا يخرج، فإن خرج: فسد اعتكافُه.
- ولو كان المؤذِّن هو المعتكفُ، فصعد المنارةَ للأذان: لا يفسد
اعتكافُه ولو کان بابُها خارج المسجد.
- وإن انهدم المسجدُ، فخرج إلى مسجدٍ آخر من ساعته، أو أخرجه
السلطان كرهاً، فدخل مسجداً آخر: لم يفسد اعتكافُه؛ لأنه مضطرٌ في
الخروج، فصار عفواً؛ وذلك لأن المسجد بعد الانهدام: خرج من أن يكون
معتَكَفَاً، إذ المعتكَفُ: مسجدٌ تصلي فيه الجماعةُ الصلوات الخمس، ولا
يتأتى ذلك في المهدوم، فكان عذراً في التحول إلى مسجد آخر.
- ولو كان بقرب المسجد بيتُ صديقٍ له: لم يلزمه قضاء الحاجة فيه.
- وإن كان له بيتان: قريبٌ وبعيدٌ:
قال بعضهم: لا يجوز أن يمضيَ إلى البعيد، فإن مضى: بطل اعتكافه.
وقال بعضهم: يجوز.
- ويأكل المعتكفُ، وينام في معتكفه؛ لأنه يمكنه ذلك في المسجد،
فلا ضرورة إلى الخروج.
* (ولو (١) خرج المعتكِفُ من المسجد ساعةً بغير عذر: فسد اعتكافه
عند أبي حنيفة، وقالا: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم).
(١) هذه المسألة مثبتة في نسخة القدوري ٨٩٢هـ.

٣١١
باب الاعتكاف
ولا بأس بأن يبيع، ويبتاع في المسجد من غير أن يُحضِرِ السلعة .
ولا يتكلّمُ إلا بخيرٍ، ویکره له الصمت.
* قوله: (ولا بأس بأن يبيع، ويبتاع في المسجد من غير أن يُحضر
السلعة).
يعني ما لا بدَّ منه، كالطعام والكسوة؛ لأنه قد يَحتاج إلى ذلك، بأن
لا يجد من یقوم بحاجته.
إلا أنه يكره إحضار السلعة؛ لأن المسجد منزّهٌ عن حقوق العباد.
- وأما البيع والشراء للتجارة: فمكروهٌ للمعتكف، وغيرِهِ، إلا أن
المعتكف أشدُّ في الكراهة.
- وكذلك تكره أشغال الدنيا في المساجد، كتحبيل العقائد،
والخياطة، والنِّساجة.
- والتعليم: إن كان يعمله بأجرة، وإن كان بغير أجرة، أو يعمله
لنفسه: لا یکره إذا لم يضرُّ بالمسجد.
- ويجوز للمعتكف أن يتزوَّج، ويراجع.
* قوله: (ولا يتكلّم إلا بخير)، هذا يتناول المعتكفَ وغيره، إلا أنه
في المعتكِف أشدُّ.
قوله: (ويكره له الصمتُ)، يعني صمتاً يعتقده عبادةً، كما كانت
تفعله الأمم المتقدمة، فإنه ليس بقُربة في شريعتنا.

٣١٢
باب الاعتكاف
فإن جامع المعتكفُ ليلاً أو نهاراً: بَطَل اعتكافه.
ومَن أوجب على نفسه اعتکاف أیامٍ : لزمه اعتكافُها بلیالیھا،
- أما الصمت عن معاصي اللسان: فمن أعظم العبادات.
* قوله: (فإن جامع المعتكفُ ليلاً أو نهاراً، عامداً أو ناسياً: بطل
اعتكافُه)، أنزل أو لم ينزل؛ لأن الليل محلّ للاعتكاف، ولكن لا يفسد
صومُه إذا كان ناسياً.
والفرق: أن حالة الاعتكاف مذكِّرةٌ، وهو كونُه في المسجد، فلا يُعذر
بالنسيان فيه؛ قياساً على الإحرام، فإن هيئة المُحرِمين مذكِّرَةٌ.
- ولو جامع فيما دون الفرج، فأنزل، أو قبَّل، أو لمس فأنزل: بطل
اعتكافُه؛ لأنه في معنى الجماع، حتى إنه يفسد به الصوم.
- فإن لم يُنزل: لم يفسد وإن كان مُحرِماً؛ لأنه ليس في معنى الجماع،
ولهذا لا يفسد به الصوم.
* قوله: (ومَن أوجب على نفسه اعتكافَ أيامٍ: لزمه اعتكافها
بلياليها)؛ لأن ذِكْر الأيام على سبيل الجمع: يتناول ما بإزائها من الليالي،
وذلك بأن يقول: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثين يوماً، أو شهراً.
- وقيدَّ بقوله: أيام: ليحترز مما إذا نذر اعتكافَ يوم، فإن الليلة لا
تدخل، فإنه إذا نذر اعتكاف يوم: يدخل المسجدَ قبل طلوع الفجر،
فيعتكف يومَه، ويصوم، ويَخرجُ بعد الغروب.

٣١٣
باب الاعتكاف
- وإن أوجب اعتكافَ يومين: يلزمانه بليلتيهما، ويدخل قبل غروب
الشمس، فإن غربت من اليوم الثاني: فقد وفِّئُ بنذره.
وقال أبو يوسف: لا يدخل الليلة الأولى؛ لأن المُثَنَّى غير الجمع،
وفي دخول الليلة المتوسطة ضرورة الاتصال.
ووجه الظاهر: أن في المثنى معنى الجمع، فيلحق به احتياطاً؛ الأمر
العبادة.
والدليل على أن للمثنى حكمَ الجمع: قوله عليه الصلاة والسلام:
(الاثنان فما فوقَهما جماعةٌ))(١).
- وهذا إذا لم تكن له نيةٌ، أما إذا نوى اعتكافَ يومين، دون ليلتيهما:
صحّت نيتُه، ويلزمه اعتکاف یومین بغیر ليلة، وهو بالخيار: إن شاء تابع،
وإن شاء فرَّق، ويدخل المسجدَ في كل يوم قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد
الغروب.
- ولو أوجب اعتكاف ليلة: لا يلزمه شيء؛ لأن الاعتكاف الواجب لا
يصح إلا بالصوم.
- وإن أوجب اعتكافَ ليلتين ولم تكن له نيةً: لزمه اعتكافهما
ویومیهما.
(١) سنن ابن ماجه (٩٧٢)، المستدرك للحاكم ٣٣٤/٤، وله طرق عديدة ينظر
لها: البدر المنير ٥٨/١٨، نصب الراية ١٩٨/٢، التلخيص الحبير ٨١/٣.

٣١٤
باب الاعتكاف
وكانت متتابعةً وإن لم يَشترطِ التتابعَ فيها .
- وكذا إذا أوجب اعتكاف ثلاث ليال، أو أكثر، فإذا أراد أن يؤدي:
دخل المسجدَ قبل الغروب.
- فإن قال: نويتُ الليل، دون النهار: صحَّت نيته، ولا يلزمه شيء؛
لأنه نوی حقيقة لفظه.
قوله: (وكانت متتابعةً وإن لم يَشترطِ التتابعَ فيها)؛ لأن مبنىُ
الاعتكاف فيها على التتابع؛ لأن الأوقات كلَّها قابلةٌ له، بخلاف الصوم،
فإن مبناه على التفريق؛ لأن الليالي غيرُ قابلة للصوم، فيجب على التفريق
حتى ينصَّ على التتابع.
- وإن نوى الأيامَ خاصةً في الاعتكاف: صحت نيته؛ لأنه نوى حقيقة لفظه.
- وإذا أوجب اعتكافَ شهرٍ بغير عينه: لزمه اعتكافُ شهرٍ بصومٍ
متتابعٍ، سواء ذكر التتابع في إيجابه، أوْ لا، وتعيين ذلك الشهر إليه.
- فإذا أراد أن يؤديَ نَذْره: دخل قبل الغروب، فيعتكف ثلاثين يوماً،
وثلاثين ليلة، ويخرج بعد استكمالها بعد الغروب.
- بخلاف ما إذا أوجب صومَ شهرٍ بغير عينه، ولم يذكر التتابعَ، ولا
نواه: فإنه إن شاء تابع، وإن شاء فرَّق.
۔ ولو نوی عند النذر الأیامَ، دون اللیالی: لم یُصدّق فیه، ویلزمه شھرٌ
بالليالي والأيام؛ لأن الشهر يقع على ثلاثين يوماً، وثلاثين ليلة.

٣١٥
باب الاعتكاف
إلا إذا قال عند النذر: لله عليَّ اعتكافُ شهرٍ بالنهار، دون الليل:
فحينئذ تلزمه الأيام خاصة، إن شاء تابع، وإن شاء فرَّق؛ لأنه ذَكَرَ لفظ
النهار، دون اللیل.
- وإن قال: لله عليَّ اعتكاف ثلاثين يوماً، وقال: نويتُ النهارَ، دون
الليل: صُدِّق، وله أن يفرِّق إن شاء، ولم يلزمه التتابع، إلا بالشرط.
- وإن قال: نويتُ الليلَ، دون النهار: لم يُصدّق، ولزمه الليل والنهار.
- وإن قال: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثين ليلةً، وقال: نويتُ الليلَ خاصةً:
صُدِّق، ولم يلزمه شيء، والله أعلم.

٣١٦
كتاب الحج
كتاب الحج
الحَجُ واجبٌ .
كتاب الحج
الحَجُّ في اللغة: عبارةٌ عن القصد.
وفي الشرع: عبارة عن قصد البيت على وجه التعظيم؛ لأداء ركنٍ من
الدین عظیم.
- والعباداتُ ثلاثٌ:
بدنيَّ مَحْضٌ، كالصلاة والصوم.
وماليٌّ مَحْضٌ، کالزكاة.
ومركّبٌ منهما، وهو الحج.
فلما فرغ من البدنيّ والماليُّ: شرع في المركّب.
* قال رحمه الله: (الحجُّ: واجبٌ): أي فرضٌ مُحكَمٌ.
وإنما ذكره بلفظ: الوجوب؛ لأن الواجب أعمُّ؛ لأن كل فرض:
واجبٌ، وليس كلُّ واجبٍ فرضاً.
- والمشروعات أربعةٌ: فريضةٌ، وواجبٌ، وسُنَّةٌ، ونافلةٌ.

٣١٧
كتاب الحج
فالفريضة: ما ثبت بدليلٍ قطعي لا شبهة فيه، كالكتاب والخبر المتواتر.
والواجب: ما ثبت بدليل فيه شبهةً، کخبر الواحد.
والسُّنّة: هي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، أُمرنا بإحيائها.
والنافلة هي: ما شُرعت لتحصيل الثواب، ولا يَلحق تاركَها مَأْثمٌ، ولا
عقابٌ.
فالحج فرضٌ مُحكَمٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
الآية. آل عمران / ٩٧.
- وهل وجوبه على الفور أم على التراخي؟
فعند أبي يوسف: على الفور؛ لأنه يختص بوقت خاص، والموت في
سنةٍ واحدة غيرُ نادر.
وعند محمد: على التراخي؛ لأنه وظيفةُ العمر.
والخلاف فيما إذا كان غالبُ ظنه السلامة، أما إذا كان غالب ظنه
الموت، إما بسبب المرض أو الهرم: فإنه يتضيق عليه الوجوب، إجماعاً.
فعند أبي يوسف: لا يباح له التأخير عند الإمكان، فإن أخَّرَه: كان
آئماً، وحجته: قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن ملك زاداً وراحلةً تبلِّغه إلى
بيت الله الحرام، فلم يحجّ: فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانيا) (١).
(١) سنن الترمذي (٨١٢)، والحديث له عدة طرق وفيها مقال، ينظر البدر

٣١٨
كتاب الحج
على الأحرار،
وحُجَّةُ محمد: أن الله تعالىْ فَرَضَه سنةَ ستٍّ، وحجَّ رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم سنة عشر، ولو كان وجوبه على الفور: لم يؤخِّرْه.
والجواب لأبي يوسف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بطريق
الوحي أنه يعيش إلى أن يؤدِّيَه، فكان آمنا من فواته.
* قوله: (على الأحرار).
إنما ذكره بلفظ الجمع؛ لأنه لا يؤدَّى بمنفرد، بل يُقام بجمعٍ عظيم،
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾. آل عمران/ ٩٧.
- وإنما شرط الحرية؛ لأن العبد ليس من أهله، قال عليه الصلاة
والسلام: ((أيما عبدٍ حجَّ ولو عَشر حِجَج ثم أُعتق: فعليه حجة الإسلام))(١).
- فإن قيل: ما الفرق بين الصلاة والصوم، وبين الحج في حق العبد،
حتى وجبا علیه، دون الحج؟
قيل: لأن الحج لا يتأنَّى إلا بالمال غالباً، والعبد لا يملك شيئاً، قال
الله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوَكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾. النحل / ٧٥.
ولأن حق المولى في الحج يفوتُ في مدةٍ طويلة، فقُدِّم حق العبد
المنير ١٥/ ١٠٥، التعريف والإخبار ١٦٣/٤، نصب الراية ٤١٠/٤.
(١) مسند الحارث بن أسامة (بغية الحارث) ٤٣٩/١، وفيه ضعفٌ، وبدون
لفظ: عشر: في غيره أيضاً، ينظر التعريف والإخبار ١٤٥/٢.

٣١٩
كتاب الحج
المسلمين، البالغين، العقلاءِ، الأصِحَّاءِ،
على حق الله؛ لافتقار العبد، وغنى الله، بخلاف الصلاة والصوم، فإنهما
يتأدَّيان بغير المال، ولا تنقطع خدمة المولى بهما.
قوله: (المسلمين(١)، البالغين): احترازاً عن الصبيان؛ لأن العبادات
موضوعة عنهم؛ لأنهم غير مكلفين.
* قوله: (العقلاء): يحترز عن المجانين، قال عليه الصلاة والسلام:
((رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يُقيق،
وعن النائم حتى يستيقظ))(٢).
* قوله: (الأصحَّاء): أي أصحاء البدن والجوارح، حتى لا يجب على
المريض والمقعَد ومقطوعٍ اليد والرِّجل، والزَّمِن؛ لأن العجز عن العبادة
يؤثِّر في سقوطها ما دام العجز باقياً.
- واختلفوا في الأعمى:
فعند أبي حنيفة: لا حجَّ عليه وإن وجد قائداً، ويجب في ماله.
وعندهما: يجب عليه إذا وجد قائداً، وزاداً، وراحلةً، ومَن يكفيه
مؤنة سفره في خدمته، ولا يجزئه أن يحج عنه غيرُه.
(١) لفظ: المسلمين: ثابتٌ في نسخة القدوري ٧٤٥هـ، ١٣٠٩هـ، وينظر
الاختيار ١٤٠/١.
(٢) سنن أبي داود (٤٣٩٨)، سنن النسائي ١٥٦/٦، سنن ابن ماجه (٢٠٤١)،
وصححه ابن الملقن في البدر المنير ١٤٨/٦.

٣٢٠
كتاب الحج
إذا قَدِروا علىُ الزاد والراحلةِ،
- وأما العجز بالمرض إن كان مرضاً يُرجى زوالُه: لزمه الحج بعد
ارتفاعه، ولا يجزئه حجُّ غيرِه عنه، ويتوجه عليه أن يحج بنفسه بعد البرء.
* قوله: (إذا قدروا على الزاد والراحلة).
يعني بطريق الملك، لا بطريق الإباحة، والعارية، سواء كانت الإباحة
من جهة مَن لا مِنَّة له عليه، كالوالدين، والمولودِين، أو من غيرهم.
- وإنما تُشترط الراحلة في حق مَن بينه وبين مكة ثلاثة أيام، فصاعداً،
أما فيما دونها: لا تُشترط إذا كان قادراً على المشي.
- ولكن لا بدَّ أن يكون لهم من الطعام مقدار ما يكفيهم، وعيالَهم
بالمعروف إلى عَوْدهم.
- فإن قيل: ما الأفضل أن يحجَّ ماشياً، أو راكباً؟
قيل: روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الحج راكباً أفضل؛ لأن المشي
يُسيء خُلُقَه.
وروي أن الحج ماشياً أفضل؛ لأن الله تعالى قدَّم المشاةَ، فقال تعالى:
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. الحج/ ٢٧.
وفي الحديث: ((مَن حجَّ ماشياً: كتب الله له بكل خطوة حسنة من
حسنات الحرم، قيل: يا رسول الله! وما حسنات الحرم؟ قال: الواحدة
بسبعمائة))(١).
(١) المستدرك للحاكم ٤٦١/١، لكن فيه: بكل حسنة مائة ألف حسنة، قال: