Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
باب الجنائز
ويمشون به مُسْرِعين دون الخَبَب.
وحَمْلُ الجنازة عبادةٌ، فينبغي لكل أحدٍ أن يبادر في العبادة، فقد
حَمَلَ الجنازةَ سيدُ المرسلين صلى الله عليه وسلم، ((فإنه حَمَلَ جنازةَ سعد
بن معاذ رضي الله عنه))(١).
* قوله: (ويمشون به مُسرِعِين دون الخَبَب)؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((عجِّلوا بموتاكم، فإن يكُ خيراً: قدَّمتموهم إليه، وإن يكُ شراً:
ألقيتموه عن أعناقكم))(٢).
أو قال: ((فُبُعداً لأهل النار)).
الخَبَبَ: ضَرْبٌ من العَدْو، دون العَنَقِ، وَالعَنَق: خَطْوٌ فسيحٌ.
- والمشي أمام الجنازة: لا بأس به، والمشيُ خلفها: أفضل عندنا.
وقال الشافعي(٣): أمامها: أفضل.
- وعلى متَّبعي الجنازة الصمتُ، ويكره لهم رفعُ الصوت بالذكر،
والقراءة.
الراية ٢٨٦/٢، وينظر مصنف عبد الرزاق (٦٥١٧)، سنن البيهقي ١٩/٤.
(١) عزاه في التعريف والإخبار ٤٠٠/١ لطبقات ابن سعد ٤٣١/٣، وقال:
وضعف سنده.
(٢) تقدم تخريجه ص٩٢.
(٣) مغني المحتاج ٣٤٠/١.

١٢٢
باب الجنائز
فإذا بَلَغوا إلى قبره : كُره للناس أن يجلسوا قبل أن تُوضَع عن أعناق
الرجال.
* قوله: (فإذا بلغوا إلى قبره: كره للناس القعودُ قَبْل أن تُوضع عن
أعناق الرجال)؛ لأنه قد تقع الحاجةُ إلى التعاون، والقيامُ أمكن فيه.
- ويكره نقل الميت من بلد إلى بلد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((عجِّلوا بموتاكم))(١)، وفي نَقْله: تأخیر دفنه.
- قومٌ غربت عليهم الشمس وهم يريدون الصلاةَ على الجنازة:
فالأفضل أن يبدؤوا بالمغرب، ثم يصلون بعد ذلك على الجنازة؛ لأنه
يكره تأخير المغرب، وهي آكدُ من صلاة الجنازة.
- ولا بأس أن يذهب إلى الجنازة راكباً، غير أنه يكره له التقدُّم أمامها،
بخلاف الماشي؛ لأنه إذا تقدم راكباً: تأذى به حاملوها ومَن هو معها.
وفي ((المصابيح)) ما يدل على كراهية الركوب، قال فيه:
((عن ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة،
فرأى قوماً ركباناً، فقال: ألا تستحيون؟! إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم
على ظهور الدواب؟!))(٢).
(١) تقدم ص٩٢.
(٢) سنن الترمذي (١٠١٢)، قال: وروي موقوفاً، قال محمد: الموقوف أصح،
سنن ابن ماجه (١٤٨٠)، المستدرك للحاكم ٣٥٦/١.

١٢٣
باب الجنائز
ولأن الركوب تنعُّمٌ وتلذَّذْ، وذلك لا يليق في مثل هذه الحالة؛ لأن
هذه حالةُ حسرة وندامة، وعِظَةٍ واعتبار.
- ولا ينبغي للنساء أن يَخرجن مع الجنازة؛ لما روي ((أن النبي عليه
الصلاة والسلام لما رأى النساء في الجنازة: قال لهن: أتحمِلن مع مَن
يحمل؟! أتُدلين فيمن يُدلي؟! أتصلين فيمن يصلي؟!
قلن: لا.
قال: فانصرِفْنَ مأزورات، غيرَ مأجورات))(١).
ولأنهن لا يحملن، ولا يدفنَّ، ولا يضعن في القبر: فلا معنى
لحضورهن.
- وإذا كان مع الجنازة نائحةٌ: تُزْجَر وتُمنع؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((النائحة ومَن حولها من مستمعيها: فعليهم لعنةُ الله والملائكة
والناس أجمعين))(٢).
وأجمعت الأمة على تحريم النَّوْحِ، والدعاءِ بالويل والثبور، ولَطْمِ
الخدود، وشَقِّ الجيوب، وخَمْشِ الوجوه؛ لأن هذا فعل الجاهلية.
(١) سنن ابن ماجه (١٥٧٨)، وفي زوائد البوصيري أن في إسناده مَن تُكلِّم فيه.
(٢) بلفظ: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة)): في سنن
أبي داود (٣١٢٠)، وسكت عنه، مسند أحمد ١١٢/٧ (مع بلوغ الأماني)، وينظر
فيض القدير ٢٧٢/٥، فقد ذكره بلفظ: ((لعن الله النائحة والمستمعة)).

١٢٤
باب الجنائز
قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا بريء من الصالقة، والحالقة، والشاقَّة))(١).
فالصالقة: التي تَرفع صوتَها بالنياحة، والحالقة: التي تحلق رأسها عند
المصيبة، والشاقّة: التي تشق قميصَها، أو ثوبَها عند المصيبة.
((وعن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في
البيعة أن لا ننوح))(٢).
والنياحة هي: رفع الصوت بالنَّدْب، والنَّدْب: تعديد النادبة بصوتها
محاسنَ الميت.
- ويكره أيضاً الإفراط في رفع الصوت بالبكاء.
وأما البكاء: فلا بأس به إذا لم يكن فيه ندبٌ، ولا نَوْحٌ، ولا إفراطٌ في
رفع الصوت.
(لأن النبي عليه الصلاة والسلام بكى على ولده إبراهيم، وقال: العينُ
تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول ما يُسخط الربَّ، وإنا عليك يا إبراهيم
لمحزونون، لولا أنه قولُ حقِّ، ووعدُ صدقٍ، وطريقُ ميتنا: لحَزِنَّا أكثرَ من
هذا، ثم فاضت عيناه.
فقال له سعدٌ: ما هذا يا رسول الله؟!
(١) صحيح البخاري (١٢٩٦)، صحيح مسلم (١٠٤).
(٢) صحيح البخاري (١٣٠٦).

١٢٥
باب الجنائز
ويُحِفَرُ القبرُ، ويُلْحَدُ، ويُدخَلُ الميتُ مما يلي القبلةَ.
قال: إنها رحمةً يضعها الله في قلب مَن يشاء، وإنما يرحم الله من
و
عباده الرحماء.
فقال: يا رسول الله! ألستَ قد نَهَيْتَ عن البكاء؟
قال: لا، إنما نَهيتُ عن النَّوْح))(١).
قوله: (ويُحِفَر القبرُ، ويُلحَد).
إنما أخَّر الشيخُ ذِكر القبر؛ لأنه آخر جهاز الميت.
- وينبغي أن يكون مقدارَ عمقه إلى صدر رجلٍ وسطِ القامة، وكلما
زاد: فهو أفضل؛ لأن فيه صيانةَ الميت عن الضياع.
- ولو حفروا قبراً: فوجدوا فيه ميتاً، أو عظاماً:
قيل: يحفرون غيرَه، ويدفنون هذا، إلا أن يكون قد فُرغ منه، وظَهَرَ
فيه عظامٌ: فإنهم يجعلون العظامَ في جانب القبر، ويدفنون الميت معها.
* قوله: (ويُدخَلُ الميتُ مما يلي القِبلة).
وهذا إذا لم يُخش على القبر أن ينهار، أما إذا خُشي عليه ذلك: فإنه
يُسَلُّ من قِبَل رأسه؛ لأجل الضرورة.
- وذوو الرحم والمَحرَم أَوْلى بإدخال المرأة القبرَ من غيرهم.
(١) صحيح البخاري (١٣٠٣)، وينظر لروايات الحديث: فتح الباري ١٧٤/٣.

١٢٦
باب الجنائز
فإذا وُضِعَ في لَحْده : قال الذي يضعه: باسم الله، وعلىُ مِلَّة رسولِ
الله .
ور " وُ
ويُوَجِّهُه إلى القبلة،
- ويُسجَّى قبرُها بثوب إلى أن يُسوَّى اللَّبِنُ عليها؛ لأن بدنها عورة،
فلا يُؤمَن أن ينكشف شيء منه حال إنزالها في القبر، ولأنها تُغطى بالنعش
لهذه العلة.
۔ ولا یسجَّى قبرُ الرجل، كما لا يُغطى سريره بالنعش.
* قوله: (فإذا وُضع في لَحده: قال الذي يضعُه: باسم الله، وعلى ملة
رسول الله): أي باسم الله وضعناكَ، وعلى ملة رسول الله سلمناك: أي
على شريعته.
- ولا بأس أن يُدخِله قبرَه من الرجال شفعٌ، أو وترٌ؛ ((لأن النبي صلى
الله عليه وسلم أدخله قبرَه عليٌّ والعباسُ والفضلُ بن العباس وصهيب))(١).
* قوله: (ويُوجَّه إلى القبلة).
بذلك ((أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين مات رجلٌ من بني
عبد المطلب، فقال: يا علي! استقبِل به القبلةَ استقبالاً، وقولوا جميعاً:
باسم الله، وعلى ملة رسول الله، وضَعُوه لجنبه، ولا تكبُّوه لوجهه، ولا
(١) في موارد الظمآن (٢١٦١): أنه ((دخل قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم العباس
وعلي والفضل رضون الله عليهم، وسوَّى لحده رجل من الأنصار))، وينظر مجمع
الزوائد ٣٧/٩، وهو في الإحسان ١٤/ ٦٠١ (٦٦٣٣).

١٢٧
باب الجنائز
ويَحُلُّ العُقدةَ عنه.
ويُسوَّى اللَّبِنُ عليه، ويُكره الآجُرُّ، والخشبُ،
تُلْقوه لظهره))(١).
* قوله: (وتُحَلُّ العُقَدُ عنه)؛ لأنها إنما فُعلت: لئلا تنتشر الأكفان،
وقد أُمِن من ذلك، وإن دُفنت معه: فلا بأس به.
* قوله: (ويُسوَّى اللَّبِنُ عليه)؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام جُعل
علىْ لَحْدُهُ اللَِّنُ)(٢).
وفي ((الفتاوى)): وُضع عليه(٣) حُزمةٌ من قَصَب، والقصب في معنى
اللَِّن في قُربه من البِلاء.
* قوله: (ويُكره الآجرُّ، والخشبُ)؛ لأنهما لإحكام البناء، وهو لا
يليق بالميت؛ لأن القبر موضعُ البِلاء، فعلى هذا تكره الأحجار.
وقيل: إنما يكره الآجرُّ؛ لأنه مسَّتْه النار، فلا يُتفاءل به، فعلى هذا: لا
یکره الحجر والخشب.
وقال في ((النهاية)): هذا التعليل ليس بصحيح، فإن مساس النار في
(١) بلفظ قريب في مسند الإمام زيد ص١٥٣، وأما قوله: ((بسم الله، وعلى
ملة ... )): ففي سنن الترمذي (١٠٤٦)، وسنن أبي داود (٣٢١٣)، وغيرهما.
(٢) صحيح مسلم (٩٦٦).
(٣) أي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما صرَّح المؤلف في السراج
الوهاج، وينظر لهذا الحديث نصب الراية ٣٠٣/٢ (٣١٩٤).

١٢٨
باب الجنائز
ولا بأس بالقَصَب.
ثم ◌ُهال الترابُ عليه.
الآجر لا يَصلح علةً للكراهة، فإن السُّنَّة أن يُغسَّل الميت بالماء الحار وقد
مسته النار.
قال السرخسي(١): والأوجه في التعليل أن يقال: لأن فيه إحكامَ البناء؛
لأنه جَمَعَ بين الآجرِّ والخشب، والخشبُ لا يوجد فيه أثرُ النار.
وقال مشايخ بخارى: لا يكره الآجرُّ في بلادنا؛ لمساس الحاجة إليه؛
لضعف الأراضي.
حتى قال محمد بن الفضل: لو اتخذوا تابوتاً من حدید: لم أر به بأساً
في هذه الديار، لكن ينبغي أن يوضع مما يلي الميت اللَّبِن.
وقال التمرتاشي: إنما يكره الآجر إذا كان مما يلي الميت، أما إذا كان
من فوق اللَّبِن: لا يكره؛ لأنه يكون عصمةً من السبع، وصيانة عن النَّبْش.
قال في ((الفتاوى)): على قول محمد بن الفضل: إذا اتخذوا التابوت
من الحدید: ينبغي أن يُفرش فيه التراب.
* قوله: (ولا بأس بالقَصَب): يعني غير المنسوج، أما المنسوج:
فيكره عند بعضهم، والمنسوجُ: هو المحبوك.
* قوله: (ثم يُهَال الترابُ عليه).
(١) المبسوط ٦٢/٢.

١٢٩
باب الجنائز
ويُستَّمُ القبرُ، ولا يُسطَّح.
ولا بأس بأن يُهيلوا بأيديهم، وبالمَسَاحي، وبكل ما أمكن.
يقال: هلتُ الترابَ: إذا صببتُه، وأرسلتُه.
وكذلك يقال: حَثًا الترابَ أيضاً: إذا صبَّه، إلا أن الحَئِيَ لا يكون إلا
مع رفع التراب، والهَيْل: الإرسال من غير رفع.
ويقال: هِلتُ الدقيقَ في الجِراب: إذا صبيتُه من غير كيل.
- ويُستحبُّ لمَن شهد دَفْنَ ميتِ أن يَحثوَ في قبره ثلاثَ حَثَيات من
التراب بيديه جميعاً، ويكون من قِبَل رأس الميت، ويقول في الحثية الأولى:
أَمِنْهَا خَلَقْتَكُمْ﴾. طه /٥٥، وفي الثانية: ﴿وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ﴾، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا
نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾
وقيل: يقول في الأُولىُ: اللهم جافِ الأرضَ عن جنبَيْه.
وفي الثانية: اللهم افتح أبواب السماء لروحه.
وفي الثالثة: اللهم زوِّجه من الحور العين.
- وإن كانت امرأةً: قال في الثالثة: اللهم أدخلها الجنة برحمتك.
قوله: (ويُستَم القبرُ، ولا يُسطَّح): أي ولا يربَّع؛ لما روي (عن
إبراهيم النخعي قال: ((أخبرني مَن شاهد قبرَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم وصاحبيه وهي مسئَّمة، عليها فِلَقٌ من مَدَرَ))(١).
(١) الآثار لمحمد بن الحسن ص ٥٢، من طريق الإمام أبي حنيفة.

١٣٠
باب الجنائز
- ويكره تطيين القبور، وتخصيصها، والبناء عليها، والكَتْبُ عليها.
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تُجَصِّصوا القبورَ، ولا تَبْنوا عليها،
ولا تَقعدوا عليها، ولا تكتبوا عليها))(١).
- ولا بأس برشِّ الماء عليها؛ لأنه يُفعل لتسوية التراب.
وعن أبي يوسف: أنه كره الرشَّ أيضاً؛ لأنه يجري مجرى التطيين.
- ولا بأس بالدفن بالليل، ولكنه بالنهار أمكن؛ ((لأن النبي عليه
الصلاة والسلام دُفن ليلة الأربعاء)(٢).
و کذلك عثمان رضي الله عنه دُفن ليلاً.
ودُفنت عائشةُ، وفاطمةُ رضي الله عنهما ليلاً.
- والأفضل الدفنُ في المقبرة التي فيها قبور الصالحين.
- ويستحب إذا دُفن الميت: أن يجلسوا ساعةً عند القبر بعد الفراغ
بقدر ما يُنحر جَزورٌ، ويُقسّم لحمُها، يتلون القرآنَ، ويدعون للميت.
قال في سنن أبي داود(٣): ((كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من
دفن الميت: وقف على قبره، وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا الله له
(١) صحيح مسلم (٩٧٠)، سنن الترمذي (١٠٥٢)، مسند أحمد (٢٦٥٥٥)،
وينظر لألفاظه وطرقه: التعريف والإخبار ٤١٣/١، نصب الراية ٣٠٤/٢.
(٢) نصب الراية ٣٠٥/٢، نقلاً عن مغازي الواقدي، وفيه: ليلة الثلاثاء.
(٣) (٣٢١٣)، وسكت عنه.

١٣١
باب الجنائز
التثبيت، فإنه الآن يُسأل)).
((وكان ابن عمر يَستحبُّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أولَ سورة
البقرة، وخاتمتها))(١).
وروي ((أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال وهو في سياق الموت:
إذا أنا متُّ: فلا تصحَبْني نائحةٌ، ولا نارٌ، فإذا دفنتموني: فشتُّوا عليَّ
التراب شنّاً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما يُنحر جزورٌ، ويُقسَّم لحمها؛
حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع رُسَلَ ربي))(٢).
قوله: فشُّوا عليَّ التراب: بالشين المعجمة: أي صبُّوه قليلاً قليلاً.
- وتُستحب التعزية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن عزَّى مصاباً:
فله مثل أجره))(٣).
و: ((مَن عزَّىُ ثَكْلِىُ: كُسِيَ بُرْداً في الجنة))(٤).
و: ((مَن عزَّى مصاباً: كَسَاه الله من حُلَل الكرامة يوم القيامة)) (٥).
(١) سنن البيهقي ٥٦/٤، وينظر البدر المنير ٢٩٩/١٣.
(٢) صحيح مسلم ١/ ١١٢ (١٢١).
(٣) سنن الترمذي (١٠٧٣)، سنن ابن ماجه (١٦٠٢)، وفي الحديث كلامٌ،
ينظر البدر المنير ٣٣٤/١٣، وضعَّفه النووي في المجموع ٣٠٥/٥.
(٤) سنن الترمذي (١٠٧٦)، وقال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي.
(٥) سنن ابن ماجه (١٦٠١)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٣٤٣/٤،

١٣٢
باب الجنائز
- ووقتها: من حين يموت إلى ثلاثة أيام، وتكره بعد ذلك؛ لأنها
تُجدِّد الحزنَ، إلا أن يكون المعزَّى أو المعزِّي غائباً: فلا بأس بها.
- وهي بعد الدفن: أفضل منها قبله؛ لأن أهل الميت مشغولون قبل
الدفن بتجهيز الميت، ولأن وحشتهم بعد الدفن لفراقه أکثر.
- وهذا إذا لم يُرَ منه جَزَعٌ شديد، فإن رأوا ذلك: قُدِّمت التعزية؛
لتسکینھم.
ـ ولفظ التعزية: ((أعظم الله أجرَكَ، وأحسن عَزَاءكَ، وغفر لميتك،
وألهمك صبراً، وأجزل لنا ولك بالصبر أجراً».
وأحسن من ذلك: تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحدى
بناته، كان قد مات لها ولدٌ، فقال: ((إن لله ما أَخَذَ، وله ما أعطى، وكل
شيء عنده بأجلٍ مسمَّىَ)(١).
- ومعنى قوله: إن لله ما أخذ: أي: العالَمُ كله ملكُ الله، فلم يأخذ ما
هو لكم، بل أخذ ملكه، وهو عندكم عاريةٌ.
ومعنى قوله: وله ما أعطىُ: أي ما وهبه لكم: ليس هو خارجٌ عن
ملکه، بل هو له.
ولم يتعقبه بشيء.
(١) صحيح مسلم (٩٢٣).

١٣٣
باب الجنائز
* ومَن استُّهَلَّ بعد الولادة: سُمِّيَ، وغُسِّلَ، وكُفِّنَ، وصُلِّيَ عليه.
وإن لم يَستهلَّ : أُدرج في خِرقةٍ، ولم يُصلَّ عليه.
وِ
وقوله: وكلّ شيء عنده بأجلٍ مسمىً: أي: مَن قد قَبَضَه: فقد انقضى
أجلُه المسمىُ، فلا تجزعوا، واصبروا، واحتسبوا.
[حكم السِّقْط ومَن مات بعد استهلاله :]
* قوله: (ومَنْ اسْتَهَلَّ بعد الولادة: سُمِّي، وغُسِّل، وكُفِّن، وصُلِّي عليه).
قال في ((النهاية)): استَهلّ: بفتح التاء: على بناء الفاعل؛ لأن المراد به:
رفعُ الصوت، واستهلال الصبي: أن يرفع صوته بالبكاء عند ولادته، أو
يوجد منه ما يدل على الحياة: من تحريك عضوٍ، أو صُراخٍ، أو عُطاس،
أو تثاؤب، أو غير ذلك، مما يدل على حياةٍ مستقرّة.
ولا عبرة بالانتفاض، وبَسْطِ اليد وقَبْضِها؛ لأن هذه الأشياء حركة
المذبوح، ولا عبرة بها، حتى لو ذُبح رجلٌ، فمات أبوه وهو يتحرك: لم
يرثه المذبوح؛ لأن له في هذه الحالة حكم الميت.
- وتشترط الحیاةُ عند تمام الانفصال، حتى لو خرج رأسه، ثم صاح،
وخرج باقيه ميتاً: لا يُحكم بحياته.
وقال أبو القاسم الصفار: إنما يكون الاستهلال إذا صاح بعد خروج
أکثره.
* قوله: (وإن لم يَستَهِلَّ: أُدرج في خِرقة، ولم يُصلِّ عليه).
- وفي الغُسل: روايتان، الصحيح أنه لا يُغسَّل.

١٣٤
باب الجنائز
وقال الطحاوي: يُغسَّل.
وفي ((الهداية))(١): يُغسَّل، في غير الظاهر من الرواية، وهو المختار.
- ولو شهدت القابلةُ باستهلاله: قُبِلت في حق الصلاة عليه.
- وكذا: الأم.
وأما في حق الميراث: فلا يُقبل قول الأم، بالإجماع؛ لأنها مثَّهَمةٌ.
- وأما القابلة: فلا تُقبل أيضاً في حق الميراث عند أبي حنيفة،
وعندهما: تُقبل إذا كانت عَدْلةً. كذا في ((الخُجَندي))، والله أعلم.
(١) ١ / ٩٣.

١٣٥
باب الشهيد
باب الشهید
الشهيدُ: مَن قَتَلَه المشركون،
باب الشهید
سُمِّي شهيداً؛ لأن الملائكة يشهدون موتَه.
وقيل: لأنه مشهودٌ له بالجنة.
وقيل: لأنه حيٌّ عند الله حاضر.
ـ ومناسبتُه لما قبله: لأنه میتٌ بأجله.
* قال رحمه الله: (الشهيدُ: مَن قَتَلَه المشركون).
سواء كان مباشرةً، أو تسبُّباً بحديدٍ، أو غيره.
- وفي معنى المشركين: قُطَّاع الطريق، والبغاة.
- وكذا إذا وطأته دوابُّ العدوِّ وهم راكبوها أو سائقوها أو قائدوها.
- وأما إذا نَفَرَ فَرَسُ المسلم من دابة العدوِّ من غير تنفيرٍ منهم، أو من
رايات العدوِّ، أو مِن سَوادهم، حتى ألقى راكبه، فمات: لا يكون شهيداً.
ــ وكذا المسلمون إذا انهزموا، فألقَوْا أنفسَهم في الخندق، أو من
السُّوْر، فماتوا: لم يكونوا شهداء، إلا أن يكون العدوُّ هم الذين ألقَوْهم
بالطعن، أو الدفع، أو الكَرِّ عليهم.

١٣٦
باب الشهید
أو وُجد في المعركة وبه أثرُ الجراحة، أو قَتَلَه المسلمون ظلماً، ولم
تجب بقتله دِیَةٌ.
قوله: (أو وُجد في المعركة وبه أثرٌ) المعركة موضع القتال.
والأثر: الجراحة، وخروجُ الدم من موضعٍ غير معتاد، كالعين، والأُذُن.
- وإن خرج من أنفه، أو دُبُره، أو ذَكَره: غُسِّل؛ لأنه قد يرعف،
ویبول دماً.
- وإن خرج من فمه: إن كان من جهة رأسه: غُسِّل، وإن كان من
الجَوْف: لم يُغسَّل.
ويُعرف ذلك بلون الدم، فالنازل من الرأس: صافٍ، والمرتقي من
الجوف: عَلَقٌ.
- ولو انفلتت دابةُ المشرك، وليس عليها أحدٌ، ولا لها سائقٌ، ولا
قائدٌ، فأوطأت مسلماً في القتال، فقتلَتْه:
غُسِّل عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن قَتْلَه غيرُ مضاف إلى العدوِّ، بل
بمجرد فعل العَجماء، وفعلُها غيرُ موصوفٍ بالظلم.
وعند أبي يوسف: لا يُغسَّل؛ لأنه صار قتيلاً في قتال أهل الحرب.
* قوله: (أو قَتَلَه المسلمون ظُلْماً).
قيَّد بالظلم؛ احترازاً عن الرجم في الزنا، والقصاص، والهَدْم،
والغَرَق، وافتراس السبع، والتردِّي من الجبل، وأشباه ذلك.
* قوله: (ولم تجب بقتله ديةٌ): يعني مبتدأة؛ لئلا يلزم عليه: ما إذا

١٣٧
باب الشهيد
فيُكفَّنُ، ويُصلَّى عليه، ولا يُغسَّل.
قتل الأبُ ولدَه: فإنه تجب الدية، وهو شهيدٌ؛ لأنها ليست مبتدأة، بل
الواجبُ أوَّلاً القصاص، ثم سقط بالشبهة، ووجبت الدية بعد ذلك.
- ويُحترز أيضاً مما إذا قُتل ظلماً، ووجبت بقتله الدية، كالمقتول
خطأً، أو قُتِل ولم يُعلم قاتلُه في المَحِلَّة: فإنه ليس بشهيد.
- فإن قَتَلَه المسلمون بما لا يَقتل غالباً: فليس بشهيد، بالإجماع.
- وإن قتلوه بالمُثَقّل: فكذا هو عند أبي حنيفة، وعندهما: هو شهيدٌ.
* قوله: (فيُكفَّنُ) أي يُلَفُ في ثيابه.
* قوله: (ويُصلَّى عليه، ولا يُغسَّل).
وقال الشافعي(١): لا يصلى عليه؛ لأن الله تعالى وصف الشهداء بأنهم
أحياء، والصلاة إنما هي على الموتى.
ولأن ((السيفَ محَّاءٌ للذنوب))(٢)، فأغنى عن الشفاعة له، والصلاةَ هي
و
شفاعة.
ولنا: ما روي ((أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على شهداء
أُحُد)(٣).
(١) مغني المحتاج ٣٤٠/١.
(٢) سنن البيهقي ١٦٢/٩، صحيح ابن حبان (٤٦٦٣)، وغيرهما.
(٣) صحيح البخاري (١٣٤٤)، وينظر نصب الراية ٣٠٨/٢.

١٣٨
باب الشهید
ءِ
وإذا استُشهد الجُنُب: غُسِّلَ عند أبي حنيفة، وكذلك الصبيّ.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((صلوا على مَن قال لا إله إلا الله))(١).
ولأن الصلاة على الميت؛ لإظهار كرامته، والشهيدُ أَوْلی بها.
والطاهر عن الذنوب: لا يستغني عن الدعاء، كالنبي صلى الله عليه
وسلم، والصبي.
- وأما قوله: إن الشهيد حيٌّ:
قلنا: هو حيٌّ في أحكام الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ
رَبِّهِمْ﴾. آل عمران/١٦٩، وأما في أحكام الدنيا: فهو ميتٌ، حتى إنه
يُورَث مالُه، وتتزوج امرأتُه.
* قوله: (وإذا استُشهد الجُنُب: غُسِّل عند أبي حنيفة).
ويُعلَم كونُه جُنُباً: بقوله قبل القتل، أو بقول امرأته؛ لأن الشهادة
عُرفت مانعة، لا رافعة، فلا تَرفع الجنابة، ألا ترى أنه لو كان في ثوب
الشهيد نجاسةُ غير الدم: تُغسَل تلك النجاسة، ولا يُغسَل الدم؛ لما ذكرنا،
ومعناه: أنها منعت دمه من كونه نجساً، ولم ترفع النجاسةَ التي هي غير
الدم.
* قوله: (وكذا الصبيّ): يعني إذا استشهد الصبيُّ: غُسِّل عنده أيضاً.
(١) سنن الدار قطني ٥٦/٢، قال ابن الملقن في البدر المنير ١٥١/١١ بعد أن
ذكر له عدة طرق: والحاصل أن هذا الحديث من جميع طرقه لا يثبت. اهـ

١٣٩
باب الشهید
وقالا : لا يُغسَّلان.
ولا يُغْسَلُ عن الشهید دمُهُ،
.
- وكذا المجنون؛ لأن ((السيف محَّاءٌ للذنوب))(١)، وليس عليهما
ذنوبٌ، فكان القتل فيهما: كالموت حَتْفَ أنفهما.
* قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يُغسَّلان)؛ لأن ما وجب
بالجنابة: سقط بالموت، أي أن السبب الموجب للوضوء والغُسل:
الصلاةُ، وقد سقطت بالموت، فسقط وجوب الغُسل؛ لسقوط الموجِب،
وهو الصلاة.
والغُسل الثاني الذي للموت: سَقَطَ بالشهادة.
ولأن الاستشهاد أُقيم مَقَامَ الغُسل، كالذكاة في الشاة: أُقيمت مقام
الدباغ في طهارة الجلد.
وكذا الصبي والمجنون: لا يُغسَّلان عندهما أيضاً؛ لأن الشهيد إنما لا
يُغسَّل لإبقاء أثر الظلم، والظلمُ في حقهما أشد.
: قوله: (ولا يُغسَل عن الشهيد دمُه)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في
شهداء أُحُد: ((زَمِّلوهم بدمائهم وكُلُومهم))(٢).
- ودم الشهيد طاهرٌ في حق نفسه، نجسٌ في حق غيره، حتى إنه إذا
(١) تقدم قريباً ص ١٣٧.
(٢) مسند أحمد (٢٣٦٥٩)، وينظر لروايات الحديث وألفاظه: نصب الراية
٣٠٧/٢، التعريف والإخبار ٤١٥/١.

١٤٠
باب الشهید
ولا تُنْزَعُ عنه ثيابُهُ، ويُنزَعُ عنه الفَرْوُ، والخُفُّ، والحَشْوُ، والسلاحُ.
ومَن ارتُثَّ: غُسِّل
صلى حاملاً الشهیدَ: تجوز صلاته، وإن وقع دمُه في ثوب إنسانٍ: لا تجوز
الصلاة فيه.
* قوله: (ولا تُنزَعُ عنه ثيابُه، ويُنْزَعُ عنه الفَرْؤُ، والخُفُّ، والحَشْوِ،
والسلاحُ).
الفَرْوُ: المصنوعُ من جلود الفِراء، والحَشْو: الثوب المَحشُوُّ قُطناً؛
لأنه إنما لَبِسَ هذه الأشياء لدفع بأس العدوِّ، وقد استَغنى عن ذلك.
* قوله: (ومَن ارتُثَّ: غُسِّل).
ارتُثَّ: على ما لم يُسمَّ فاعلُه: أي حُمِل من المعركة رَئيثاً، أي جريحاً
وبِه رَمَقٌ، والرَّثَّ: الشيء البالي الخَلَقُ، وهذا صار خَلَقاً في حكم الشهادة
النيل مرافق الحياة؛ لأن بذلك يخفُّ أثر الظلم.
وتحقيق هذا أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. التوبة/ ١١١.
وقد تقرر في الشرع أن الدائن إذا ملك العبدَ المديون: سقط عنه
الدينُ؛ لأن المولى لا يثبت له على عبده دينٌ، وهنا قد سلَّم نفسَه المبيعةَ
وعليها ديونٌ، بمعنى الذنوب: فتسقط.