Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب صلاة الخوف
- قال في ((النهاية)): هنا قيدُ الناسُ عنه غافلون، وهو: أن هذا الفعل
إنما يُحتاج إليه أن لو تنازع القومُ في الصلاة خلف إمامٍ واحدٍ.
أما إذا لم يتنازعوا: فإن الأفضل للإمام أن يَجعلَهم طائفتين، فيأمرَ
طائفةً تقومُ بإزاء العدوِّ، ويصلي بالطائفة التي معه تمامَ الصلاة، ثم يأمر
رجلاً للطائفة التي بإزاء العدوِّ ويصلي بهم تمامَ الصلاة، وتقف الطائفةُ
التي قد صلَّت بإزاء العدوِّ.
وإنما ذكر الشيخُ ذلك؛ لأنهم قد لا يريدون كلُّهم إلا إماماً واحداً، أو
یکون الوقتُ قد ضاق.
- وأنكر أبو يوسف شرعيةَ صلاة الخوف في زماننا، وقال: لم تكن
مشروعةً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالىُ شَرَطَ كونه
فيهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ﴾. النساء / ١٠٢، لأنهم كانوا يرغبون
في الصلاة خلفَه ما لا يرغبون خلفَ غيره.
ولنا: أن الصحابة رضي الله عنهم أقاموها بعده صلى الله عليه
(١)
وسلم(١).
ومعنى الآية: وإذا كنتَ أنتَ، أو مَن يقوم مقامَك، كقوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾. التوبة/ ١٠٣.
(١) سنن أبي داود (١٢٤٦)، سنن النسائي ١٦٧/٣، صحيح ابن حبان
(١٤٥٢)، مصنف ابن أبي شيبة (٨٣٦٠)، وينظر التعريف والإخبار ٣٥٩/١.

٨٢
باب صلاة الخوف
فيصلي بهذه الطائفة ركعةً، وسجدتين.
فإذا رفع رأسَه من السجدة الثانية، مَضَتْ هذه الطائفةُ إلى وجه
العدوِّ، وجاءت تلك الطائفةُ، فيصلي بهم الإمامُ ركعةً، وسجدتین،
وتشهَّد، وسلَّم الإمامُ، ولم يسلِّموا، وذهبوا إلى وجه العدوِّ.
وجاءت الطائفةُ الأولىُ، فصلَّوْا وُحداناً ركعة، وسجدتين، بغير
قراءة، .
* قوله: (فيصلي بهذه الطائفة ركعةً وسجدتين).
يجوز عطف الشيء على ما تضمنه، كقوله تعالى: ﴿وَمَلَبِكَتِهِ،
وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾. البقرة/٩٨، وقوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾. البقرة/٢٣٨، وقد دخلتْ في الصلوات.
* قوله: (فإذا رفع رأسَه من السجدة الثانية: مضتْ هذه الطائفة إلى
وجه العدوِّ): يعني مشاةً، فإذا ركبوا في مضيِّهم: بطلت صلاتُهم؛ لأن
الركوب عملٌ كثيرٌ.
* قوله: (وجاءتْ تلك الطائفةُ الأخرى، فيصلي بهم الإمامُ ركعةً
وسجدتين، وتشهَّد، وسلَّم، ولم يُسلِّموا)؛ لأن صلاة الإمام قد كَمُلت.
* قوله: (وذهبوا إلى وجه العدوِّ، وجاءت الطائفةُ الأُولى، فيصلون
وُحداناً ركعةً وسجدتين بغير قراءة)؛ لأنهم لاحقون.
- ولو حاذتهم امرأةٌ صلَّت معهم: فسدت صلاتُهم.

٨٣
باب صلاة الخوف
وتشهَّدوا، وسلَّموا، ومضَوْا إلى وجه العدوِّ.
وجاءت الطائفةُ الأخرىُ، فصلَّوْا ركعةً وسجدتين بقراءةٍ، وتشهَّدوا،
وسلَّموا.
قوله: (وتشهَّدوا، وسلَّموا)؛ لأن صلاتهم قد كَمُلَت، (ومضَوْا إلى
وجه العدوِّ، وجاءت الطائفةُ الأخرى، فيصلون ركعةً وسجدتين بقراءة)؛
لأنهم مسبوقون.
- ولو حاذتهم امرأةٌ فصلَّت معهم: لا تفسد صلاتُهم.
- (وتشهَّدوا، وسلَّموا).
- وهذا إذا كان الإمامُ والقومُ مسافرين، فإذا كان الإمام مسافراً، وهم
مقيمون: صلىُ بالطائفة الأُولىُ ركعةً وسجدتين، وينصرفون، وبالثانية
كذلك، ثم يسلِّم، ثم تجيء الطائفةُ الأُولىُ، فتصلي ثلاث ركعات بغير
قراءةٍ؛ لأنهم لاحقون.
فالركعة الأولىُ بلا إشكال؛ لأنهم فيها كمَن هو خلف الإمام، وكذا
الأُخريان؛ لأن التحريمة انعقدت، وهي غيرُ موجبةٍ للقراءة.
- وأما السهو فيما يقضون إذا سهَوْا فيه: فإنهم كالمسبوق، يعني أنهم
يسجدون.
ثم تجيء الطائفةُ الأخرى، فيصلون ثلاث ركعات بقراءةٍ؛ لأنهم
مسبوقون، يقرؤون في الأَولىُ الفاتحةَ والسورةَ، وفي الأُخريين الفاتحةَ،
لا غير.

٨٤
باب صلاة الخوف
فإن كان الإمامُ مقيماً : صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعتين.
- وقال مالك(١): كيفية صلاة الخوف: أن يصليَ بالطائفة الأُولىُ ركعةً
وسجدتين، ثم ينتظرهم الإمامُ حتى يصلوا ركعةً، ويسلموا، وينصرفوا إلى
وجه العدوِّ، وتأتي الطائفةُ الأخرى، فيصلي بهم ركعةً وسجدتين،
ويسلِّم، ثم يقومون، فيُتُمُّون.
- وقال الشافعي(٢): كذلك، إلا أنه قال: لا يسلم الإمام، ولكنه
ينتظرهم حتى يُتُمُّوا، ويسلِّم بهم.
: قوله: (فإن كان الإمامُ مقيماً: صلى بالطائفة الأُولى ركعتين، وبالثانية
ركعتين)؛ لأنه إذا كان مقيماً: تصير صلاةُ مَن اقتدى به أربعاً؛ للتبعية.
- فإن صلىُ بالأُولىُ ركعةً، فانصرفوا، ثم بالثانية ركعةً، فانصرفوا، ثم
بالأُولىُ ركعةً، فانصرفوا، ثم بالثانية الرابعةَ، فانصرفوا: فصلاةُ الكلِّ فاسدةٌ.
أما الأُولىُ: فظاهرٌ، وأما الثانية: فإنها تستحق ركعتين لا انصرافَ
فيهما، وهي هنا انصرفت بعد ركعة.
وأصله: أن الانصراف في غير أوانه: مفسِدٌ، وتَرْكُه في أوانه: غير مفسدٍ.
- فعلى هذا: لو جعلهم أربعَ طوائف، وصلى بكل طائفة ركعةً:
فصلاة الأولى والثالثة فاسدةٌ، وصلاةُ الثانية والرابعة: صحيحة.
- وتقرأ كلّ طائفة فيما سُبقت، ولا تقرأ فيما لَحِقت.
(١) الشرح الكبير ١/ ٣٩٢.
(٢) مغني المحتاج ١/ ٣٠١.

٨٥
باب صلاة الخوف
ويصلي بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب، وبالثانية ركعةً.
- فإن عادت الطائفةُ الثانية: صلَّوْا الركعةَ الثالثة والرابعةَ بغير قراءة؛
لأنهم فيهما: في حكم مَن هو خلف الإمام؛ لأنه ما سبقهم إلا بالركعة
الأولى، ثم يقضون الركعة الأولى بقراءة؛ لأنهم فيها مسبوقون.
ثم تأتي الطائفةُ الرابعةُ فتصلي ثلاثاً بقراءة؛ لأنهم فيهن مسبوقون،
فيصلون ركعةً بالفاتحة وسورةً، ويقعدون، ثم يقومون فيصلون أخرى
بالفاتحة وسورةً، ولا يقعدون، ثم يصلون ركعةً ثالثةً بالفاتحة، لا غير،
ويقعدون، ويسلِّمون.
* قوله: (ويصلي بالطائفة الأولى من المغرب ركعتين، وبالثانية
ركعةً)؛ لأن الطائفة الأولى تستحق نصفَ الصلاة، وتنصيف الركعة غير
ممكن، فجَعْلُها في الأُولىُ: أَوْلى؛ بحكم السبق.
- فلو أخطأ وصلى بالأُولىُ ركعةً، فانصرفوا، وبالثانية ركعتين:
فسدت صلاتهم جميعاً؛ لأن الطائفة الأُولى فسادُها ظاهرٌ، وكذا الثانية؛
لأنهم من الأُولى حقيقة، وقد انصرفوا بعد القعدة في الثانية.
- ولو صلىُ بالأُولىُ ركعةً، فانصرفوا، ثم بالثانية ركعةً، فانصرفوا، ثم
بالأُولىُ الثالثةَ: فصلاةُ الأُولى فاسدةٌ؛ لأنها انصرفت في غير أوانه، وصلاة
الثانية جائزةٌ؛ لأنهم من الأولى وقد انصرفوا في أوانه(١)، ويقضون
ركعتين، إحداهما بغير قراءة، والثانية بقراءة.
(١) أي بعد القعدة الأُولى. كما في السراج الوهاج.

٨٦
باب صلاة الخوف
ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن فعلوا ذلك : بطلت صلاتُهم.
وإن اشتدَّ الخوفُ: صلَّوْا ركباناً وُحْداناً، يومئون بالركوع والسجود
إلى أيِّ جهةٍ شاءوا إذا لم يَقدِروا على التوجه إلى القبلة.
- ولو جعلهم في المغرب ثلاثَ طوائف، فصلى بكل طائفة ركعةً:
فصلاة الأُولىُ فاسدةٌ، وصلاة الثانية والثالثة جائزةٌ.
وتقضي الثانيةُ ركعتين: الركعةَ الثانيةَ بغير قراءة؛ لأنها فيها لاحقةٌ،
والطائفةُ الثالثة تقضي ركعتين بقراءة.
* قوله: (ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن قاتلوا: بطلت صلاتُهم)؛
لأن القتال عملٌ كثيرٌ ليس من أعمال الصلاة.
- وكذا مَن رَكَبَ حالَ انصرافه؛ لأن الركوب عملٌ كثيرٌ، بخلاف المشي،
فإنه لا بدَّ منه.
* قوله: (وإن اشتدَّ الخوفُ: صلَّوْا رُكباناً وُحداناً، يومئون بالركوع
والسجود إلى أيِّ جهةٍ شاؤوا إذا لم يقدورا على التوجُّه إلى القبلة).
لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. البقرة/٢٣٩.
معنى: فرِجالاً: أي قياماً على أرجلكم.
- واشتدادُ الخوف هنا: أن لا يَدَعَهم العدوُّ يصلون نازلين، بل
يهجمونهم بالمحاربة.

٨٧
باب صلاة الخوف
- وليس لهم أن يصلوا جماعةً رُكباناً؛ لانعدام الاتحاد في المكان.
ــ وكما تسقط الأركان عن الراكب: يسقط عنه أيضاً الاستقبال إلى
القبلة.

٨٨
باب الجنائز
باب صلاة الجنائز
إذا احتُضر الرجلُ : وُجِّه إلى القبلة على شِقِّه الأیمن،
باب الجنائز
هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، إذ الوجوبُ: بحضور الجنازة.
- والجنائز: جمع: جنازة، وهو بفتح الجيم: اسمٌ للميت، وبكسرها:
اسمٌ للنعش، أو السرير.
- ووجه المناسبة: أن الخوف قد يُفضي إلى الموت، بأن يَفزع عند
التقاء الصفَّيْن: فيموت فزعاً، ألا تراهم يقولون: مَن وُجد في المعركة ميتاً
ليس به أثرٌ: غُسِّل؛ لأن الظاهر أنه مات فزعاً.
أو نقول: إنه لمَّا فرغ من بيان الصلاة في حال الحياة: شرع في بيان
الصلاة في حال الممات.
* قال رحمه الله: (إذا احتُضر الرجلُ): أي حضرَتْه الوفاةُ، أو حضرَتْه
ملائكةُ الموت.
وعلامةُ الاحتضار: أن تسترخيَ قدماه، ويَنْعَوِجَ أَنفُهُ، وينخسفَ
صَدغاه، وتمتدَّ جلدةُ وجهه، فلا يُرى فيها تعطُّفُ.
* قوله: (وُجِّه وجهُه إلى القبلة على شقَّه الأيمن). هذا هو السُّنَّةُ،

٨٩
باب الجنائز
ولُقْن الشهادتين.
والمختار: أنه يوضع مستلقياً على قفاه نحو القبلة؛ لأنه أيسرُ لخروج روحه.
قوله: (ولُقِّن الشهادتين)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لقُّنوا
موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله)) (١)، والمرادُ: الذي قَرُب من الموت.
- وصورة التلقين: أن يقال عنده في حالة النزع جهراً وهو يسمع:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
وسُمِّيًا شهادتين؛ لأنهما شهادةً بوحدانية الله، وشهادة برسالة محمد
صلى الله عليه وسلم.
- ولا يقال له: قُلْ.
- ويُلقَّن قبل الغَرْغَرة.
- ولا يُلَحُّ عليه في قولها؛ مخافةَ أن يَضجر.
- فإذا قالها مرةً: لا يُعيدها عليه المُلقُّنُ، إلا أن يتكلم بكلامٍ غيرها،
قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان آخر كلامه لا إله إلا الله: دخل
الجنة))(٢).
(١) صحيح مسلم (٩١٦).
(٢) سنن أبي داود (٣١١٦)، مسند أحمد ٢٣٣/٥، المستدرك ٣٥١/١، ونقل
الزيلعي في نصب الراية ٢٥٣/٢ تصحيح الحديث عن النووي، وينظر المجموع
١١١/٥، وينظر البدر المنير ١٢/ ٤٨٢.

٩٠
باب الجنائز
فإذا مات : شَدُّوا لَحْيِيه، وغَمَّضوا عَيْنَيْه.
* وأما تلقين الميت في القبر: فمشروعٌ عند أهل السُّنَّة؛ لأن الله تعالى
يُحْييه في القبر.
وصورته: أن يقال: يا فلانَ بنَ فلان، أو: يا عبدَ الله بنَ عبد الله! اذكُرْ
دينَك الذي كنتَ عليه، وقل: رضيتُ بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً.
- فإن قيل: إذا مات: متى يُسأل؟
اختلفوا فيه: قال بعضُهم : حتى يُدفن.
وقال بعضُهم: في بيته تُقبض عليه الأرض، وتنطبق عليه كالقبر.
والقولُ الأول أشهر؛ لأن الآثار وردت به.
- فإن قيل: هل يُسأل الطفل الرضيع؟
فالجواب: أن کل ذي روح من بني آدم فإنه يُسأل في قبره، بإجماع
أهل السنة، لكن يلقَّتُه الملَكُ.
فيقول له: مَن ربك؟ ثم يقول له: قل: الله ربي، ثم يقول له: ما دينك؟
ثم يقول له: قل: ديني الإسلام، ثم يقول له: مَن نبيك؟ ثم يقول له: قل:
نبي محمدٌ صلی الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: لا يلقَنُه، بل يُلهمه الله حتى يجيب، كما أُلهم عيسىُ
عليه السلام في المهد.
* قوله: (فإذا مات: شدُّوا لَحْيَيْه، وغَمَّضوا عينيه).

٩١
باب الجنائز
((لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شُقَّ بصرُه،
فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قُبض: أتبعه البصر))(١).
ولأنه إذا لم يُغمَّض، ولم يُشدَّ لَحياه: يصير كَرِيْهَ المَنظر، وربما
تدخل الهوامُّ عينيه وفاهُ إذا لم يُفعل به ذلك.
- وصورته: أن يتولى أرفقُ أهله به - إما ولدُه، أو والدُه - إغماضَه
بأسهل ما يقدر عليه، ويَشدُّ لَحياه بعصابة عريضة، يشدُّها من لَحيه
الأسفل، ويربطُها فوق رأسه، ويليِّنُ مفاصلَه، ويردُّ ذراعيه إلى عضديه،
ثم یمدُّهما، ویردُّ أصابع یدیہ إلی کفیه، ثم یمدُّها، ویردُّ فخذیه إلى بطنه،
وساقیه إلى فخذیه، ثم يمدُّهما.
- ويستحب أن يُعلَم جيرانُه وأصدقاؤه بموته؛ حتى يؤدوا حقَّه
بالصلاة علیه، والدعاء له.
- ويكره النداء في الشوارع والأسواق.
وقال في ((المحيط)): لا بأس به، على الأصح؛ لأن فيه تكثيرَ الجماعة من
المصلين عليه، والمستغفرين له، وتحريضَ الناس على الطهارة والاعتبار.
- ويستحب أيضاً أن يسارَعَ إلى قضاء ديونه، وإبرائه منه؛ لأن نفس
المیت معلّقةٌ بدینه حتى يُقضى عنه.
(١) صحيح مسلم (٩٢٠)، صحيح ابن حبان (٧٠٤١).

٩٢
باب الجنائز
وإذا أرادوا غَسْلَه : وضعوہ علی سریٍ،
- ويُبادَر إلى تجهيزه، ولا يؤخَّر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((عجِّلوا
بموتاكم؛ فإن يكُ خيراً: قدَّمتموه إليه، وإن يكُ شراً: فبُعداً لأهل النار))(١).
- فإن مات فُجاءةَ: تُرك حتى يُتیقَّن موته.
فُجاءة: بضم الفاء، والمد.
- ويكره تمني الموت؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يتمنينَّ أحدُكم
الموتَ لضيقٍ نزل به، فإن كان لا بدَّ متمنِّياً فليقل: اللهم أحيني ما دامت
الحياةُ خيراً لي، وتوفّني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي)) (٢).
[كيفية تغسيل الميت : ]
* قوله : (فإذا أرادوا غَسْلَه: وضعوه على سريرٍ)؛ لينصبَّ الماءَ عنه،
ولأنه إذا وُضع على الأرض يتلطَّخ بالطين.
وصورةُ الوضع: مستلقياً على قفاه، والأصح: أنه يوضع كيف تيسر
علیھم.
- ويستحب أن يكون الغاسل ثقةً؛ ليستوفيَ الغسل، ويكتمَ ما يرىُ من
قبيح، ويُظهِرَ ما يرى من جميل، فإن رأى ما يُعجبه: مِن تهلُّل وجهه،
وطِیب ريحه، وأشباه ذلك: استُحبّ له أن يُحدِّث به الناسَ.
(١) صحيح البخاري (٥٦٧١).
(٢) صحيح مسلم (٢٦٨٠).

٩٣
باب الجنائز
وإن رأى ما يكره: من اسوداد وجهه، ونتن رائحته، وانقلاب
صورته، وغير ذلك: لم يجز له أن يحدِّث به أحداً؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((اذكروا محاسنَ موتاكم، وكُفّوا عن مساوئهم))(١).
- ويستحب أن يكون بقُرب الغاسل مجْمَرةٌ فيها بخُّورٌ؛ لئلا تظهر من
الميت رائحة كريهة، فتُضعِفَ نفسَ الغاسل ومَن يُعينه.
- ويستحب أن يَستر الموضع الذي يُغسَّل فيه الميت، فلا يراه إلا
غاسلُه أو مَن يُعينه، ويَغضُّون أبصارَهم إلا فيما لا يمكن؛ لأنه قد يكون
فیه عيبٌ یکتمُه.
* وغُسْلُ الميت واجبٌ؛ ((لأن الملائكة غَسَّلت آدم عليه السلام،
وقالت لولده: هذه سُنَّةُ موتاكم))(٢).
وغسَّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمينَ، وغسَّله المسلمون
حین مات.
- واختلف المشايخ لأي علةٍ وجب غسل الميت؟
(١) سنن أبي داود (٤٩٠٠)، وسكت عنه، سنن الترمذي (٤٧٣٢)، وقال:
غريب، صحيح ابن حبان (٣٠٨٤)، ورمز السيوطي لصحته في الجامع الصغير
٤٥٧/١، لكن المناوي لم يوافقه، وأن أحد رواته منكر الحديث، وللحديث شواهد
يتقوى بها، ينظر المقاصد الحسنة ص ٦٨، كشف الخفاء ١١٤/١.
(٢) المعجم الأوسط للطبراني (٩٢٥٩)، مسند أحمد (٢١٢٤٠)، وفيه مقال،
ينظر بلوغ الأماني للبنا ٧/ ١٥٤.

٩٤
باب الجنائز
قال بعضهم: لأجل الحدث، لا لنجاسةِ ثبتت بالموت؛ لأن النجاسة
التي ثبتت بالموت: لا تزول بالغُسل، كما في سائر الحيوانات، والحدث
مما يزول بالغُسل حال الحياة، فكذا بعد الوفاة، والآدميُّ لا ينجس
بالموت؛ كرامةً له، ولكن يصير مُحدثاً؛ لأن الموت سببٌ لاسترخاء
المفاصل، وزوال العقل قبل الموت، وهو الحدث.
وكان يجب أن يكون مقصوراً على أعضاء الوضوء، كما في حال
الحياة، إلا أن القياس في حال الحياة: غَسْلُ جميع البدن في الحدث، كما
في الجنابة، لكن اكتُفي بغَسل الأعضاء الأربعة؛ نفياً هنا للحرج؛ لأنه
يتكرر في كل يوم، والجنابةُ لمَّا لم تتكرر: لم يُكتفَ بغسل الأعضاء
الأربعة، فكذا الحدث بسبب الموت لا يتكرر، فلا يؤدي غسل جميع
البدن إلى الحرج، فأخذنا فيه بالقياس.
و
وكان أبو عبد الله الجرجاني وغيرُه من مشايخ العراق يقولون: بأن
غَسْلَه وجب بنجاسة الموت، لا بسبب الحدث؛ لأن الآدمي له دمٌ سائلٌ،
فيتنجس بالموت؛ قياساً على سائر الحيوانات التي لها دمٌ.
والدليل على أنه يتنجس بالموت: أن المسلم إذا مات في البئر: يُنزح
جميعُ مائها.
وكذا لو حَمَل ميتاً قبل الغُسل، وصلَّى معه: لا تجوز الصلاة، ولو
كان الغُسل واجباً لإزالة الحدث لا غير: لكان تجوز الصلاة مع حمل
المیت قبل الغسل، کما لو حَمَل محدثاً فصلی معه.

٩٥
باب الجنائز
وجعلوا على عورته خرقً،
والدليل عليه أيضاً: أنه لا يُمسح برأسه، ولو كان للحدث: لكان
یمسح برأسه، كما في الحدث.
* ثم الموتى على مراتب:
١ - منهم مَن يُصلى عليه، ولا يُغسَّل، وهو الشهيد.
٢ - ومنهم مَن يُغسَّل، ويصلى عليه، وهو المسلم غير الشهيد.
٣- ومنهم مَن يُغسَّل، ولا يصلى عليه، وهو الباغي، وقاطعُ الطريق،
والكافرُ الذي له ولي مسلم.
٤- ومنهم مَن لا يُغسَّل، ولا يصلى عليه، وهو الكافر الذي ليس له
وليّ من المسلمين.
* قوله: (وجعلوا على عورته خِرقةً)؛ لأن ستر العورة واجبٌ على
كل حال، والآدميُّ محترمٌ حياً وميتاً، ألا ترى أنه لا يجوز للرجال غَسل
النساء، ولا للنساء غَسل الرجال الأجانب بعد الوفاة.
وقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: ((لا تنظر إلى فخذِ حيِّ
ولا ميت))(١).
وتُجعل الخرقة من سرته إلى ركبته.
(١) سنن أبي داود (٤٠١١)، (٣١٣٢)، وقال: فيه نكارة اهـ، سنن ابن ماجه
(١٤٦٠)، وينظر البدر المنير ٢١٣/٩ ففيه كلام طويل عن الحديث، مع ذكر شواهد
له.

٩٦
باب الجنائز
ونزعوا عنه ثيابه، ووضّؤوه،
وفي ((الهداية))(١): يُكتفى بستر العورة الغليظة، يعني القَبُّل والدبر؛ هو
الصحيح؛ تيسيراً.
* قوله (ونَزَعوا عنه ثيابَه)؛ لأن الغسل بعد الموت: كالغسل في حال
الحياة، فكما أن الحي يتجرد عن ثيابه: فكذا الميت.
- وهل يُستنجی الميت؟
قال أبو حنيفة ومحمد: نعم؛ لأن موضع الاستنجاء لا يخلو عن
نجاسة، فتجب إزالتها.
وقال أبو يوسف: لا يُستنجى؛ لأن المفاصل ترتخي بالموت، فربما
يزداد الاسترخاء بالاستنجاء، فيخرج عن باطنه نجاسة.
وصورة استنجائه: أن يَلفَّ الغاسلُ على يده خرقةً، ويَغسل السَّوأة؛
لأن مس العورة حرامٌ، كالنظر إليها.
* قوله: (ووضَّؤْوه)؛ لأن الغُسل في الحياة يقدَّم عليه الوضوء: فكذا
بعد الموت، ولا يُمسح برأسه؛ لأن المقصود من غُسله النظافة، والمسح
لا يوجد فيه ذلك.
- ولا يُؤخَّر غسل رجليه في وضوئه؛ لأنهما إنما أُخِّرتا في غُسل
الجنابة؛ لأن الماء المستعمل يجتمع تحتهما، وهذا لا يوجد هنا.
(١) ١ / ٩٠.

٩٧
باب الجنائز
ولا يُمَضْمِضُونَه، ولا يَسْتَنْشِقونَہ، ثم يُقیضون الماءَ علیه،
- ويُوضَّأ كل ميت يُغسَّل، إلا الصبيَّ الذي لا يعقل؛ لأن الوضوء لا
يثبت في حقه في حال الحياة: فكذا بعد الموت.
- ولا يُحتاج في غُسل الميت إلى النية.
* قوله: (ولا يُمَضْمِضونه ولا ينشِّفونه)؛ لأنهما لا يتأتَّيان من الميت؛
لأن المضمضة: أن يُدير الماءَ في فِيه، ثم يمجَّه، والاستنشاقُ: أن يَجذِب
الماء بنَفَسه إلی خیاشیمه، ثم يُرُسلَه.
وقال بعضهم: يَجعل الغاسلُ على أصبعه خرقةً رقيقة، ويُدخل أصبعه
في فم الميت، ويمسحُ بها أسنانه ولَهاته وشفتيه.
قال الحَلواني: وعليه عمل الناس اليوم.
- ولا يَغسل يد الميت قبل غُسله إلى الرسغ كما يبدأ بهما الحي في
غُسله.
* قوله: (ثم يُفيضون الماءَ على رأسه وسائر جسده).
ظاهر هذا: أنه يُصَبُّ الماءُ عليه صبّاً بعد الوضوء.
وفي ((الخُجندي)): أنه يُوضَّأ أوَّلاً وضوءه للصلاة، فإذا فرغ منه: يُغسَل
رأسُهُ ولحيتُه بالخِطْمِي، فإن لم يكن: فالصابون، فإن لم يكن: فالحُرْض،
فإن لم يكن: فيكفيه الماء القَراح، وهذا كله قبل غُسله.
ثم يُضجِعه على شقه الأيسر: فيَغسل الأيمن، ثم على الأيمن: فيَغسل
الأيسرَ.

٩٨
باب الجنائز
ويُجمَّر سريره وتراً.
ويُغلى الماءُ بالسِّدْر، أو بالحُرْض، فإن لم يكن: فالماءُ القَرَاحُ.
ويُغْسَلُ رأسُه ولحيتُه بالخِطْميِّ.
ثم يُضجَعُ علىُ شِقُّه الأيسر، فيُغسَل بالماء والسِّدْر، حتى يُرَى أن
الماءَ قد وصل إلى ما يلي الثَّخْتَ منه.
قوله: (ويُجمَّرُ سريرُهُ وِتراً): أي يُجمَّر بالمِجْمرة إذا أرادوا غُسله،
ولا يُزاد على الخمس.
* قوله: (ويُغلى الماءُ بالسِّدْر)، يعني الورق، (أو بالحُرْض)، وهو
الأُشنان قبل الطحن؛ لأن الماء الحارَّ أبلغُ في إزالة الدَّرَن، وغُسل الميت
شُرع للتنظيف، وهذا أبلغ في النظافة.
* قوله: (فإن لم يكن: فالماءَ القَرَاح)، وهو الذي لم يُخالطه شيء.
* قوله: (ويُغسل رأسُه ولحيتُه بالخِطْمي)، وهو نبتٌ بالعراق، طيِّبُ
الرائحة.
وهذا إذا كان له شعرٌ على رأسه، أما إذا لم يكن: لم يُحتج إلى ذلك.
* قوله: (ثم يُضجِعه على شقه الأيسر)؛ لأنه إذا أضجعه عليه بدا شقه
الأيمن.
قوله: (فَغسلُ) شقَّه الأيمنَ (بالماء) القَرَاح (حتى) ينقِّيُه، و(يُرى أن
الماء قد وصل إلى ما يلي التَّختَ منه.

٩٩
باب الجنائز
ثم يُضجَعُ علىُ شِقَّه الأيمن، فيُغسَل بالماء، والسِّدر، حتى يُرى أن
الماء قد وصل إلى ما يلي التختَ منه.
ثم يُجلِسُهُ، ويُسْنِدُهُ إليه، ويَمسحُ بطنَه مسحاً رفيقاً، فإن خرج منه
شيء : غَسَله، ولا يُعيد غَسْلَه، .
.
ثم يُضجعُه على شقه الأيمن، فيغسلُ) شقَّه الأيسرَ (بالماء) المغلي
بالسدر (حتى) ينقيه، و(يُرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التختَ منه).
- وغُسل المرأة: كغُسل الرجل؛ لأن غسلهما في حال الحياة واحدٌ:
فكذا بعد الموت.
* قوله: (ثم يُجلِسه، ويُسندُه إليه، ويَمسح بطنَه مَسحاً رفيقاً، فإن
خرج منه شيء: غَسَلَه)؛ تحرزاً عن تلويث الأكفان.
: قوله: (ولا يُعيد غَسْلَه)، ولا وضوءَه.
وقال ابن سيرين: يعيدون غَسلَه.
وقال الشافعي(١): يعيدون وضوءه.
* واعلم أنه يُغْسِّلُ الرجالُ الرجالَ، والنساءُ النساءَ، ولا يُغسِّل
أحدهما الآخرَ.
- فإن كان الميت صغيراً لا يُشتهى: جاز أن يُغسِّله النساء.
و
- وكذا إذا كانت صغيرةً لا تُشتهى: جاز للرجال غُسلُها.
(١) مغني المحتاج ٣٣٤/١.

١٠٠
باب الجنائز
- والمجبوبُ والخَصِيُّ في ذلك: کالفحل.
۔ ويجوز للمرأة أن تُغسِّل زوجها إذا لم يحدث بعد موته ما یوجب
البينونةَ، من تقبيل ابنٍ زوجها، أو أبيه، فإن حدث ذلك بعد موته: لم يجز
لها غُسلُه، خلافاً لزفر.
- وأما هو: فلا يُغسِّلُها إذا ماتت عندنا.
وقال الشافعي(١): يُغسِّلُها.
- فإن طلَّقها رجعياً، ومات وهي في العدة: يجوز لها أن تُغسله؛ لأن
الرجعي لا يزيل الزوجيةَ، ألا ترى أنهما يتوارثان ما داما في العدة، وتجب
عليها عدة الوفاة، وتبطل عدة الطلاق.
- وإن مات على الزوجية، ثم ارتدَّت، أو قبَّلت ابنَ زوجها أو أباه
لشهوةٍ: لم يجز لها أن تُغسِّله عندنا.
وقال زفر: إن لها أن تُغسِّله، هو يَعتبر حالةَ الوفاة، فإن كان لها أن
تُغسله حالةَ الوفاة: لم يبطل ذلك لمعنىّ بعده، وإن لم يكن لها حال الوفاة
أن تُغسله: لم يكن لها بعد ذلك أن تُغسله لحدوث معنى آخر.
وأصحابُنا الثلاثةُ اعتبروا وقت الغُسل: فإن كان لها أن تُغسله وقت
الوفاة: یبطل ذلك بحدوث معنی بعده.
(١) مغني المحتاج ٣٣٥/١.