Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
مكروهات الصلاة
ولا يلتفتُ يميناً وشمالاً.
قوله: (ولا يلتفتُ يميناً وشمالاً)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((إياكم والالتفات في الصلاة، فإنه هَلَكَةٌ))(١).
- والالتفات المكروه: أن يلويَ عنقَه حتى يُخرِجَ وجهَه عن جهة
القبلة.
وأما إذا التفت بصدره: فسدت صلاته.
- ولو نظر بمُؤخِرِ عينه يمنةً أو يسرةً من غير أن يلويَ عنقَه: لا يكره؛
(لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظُ أصحابَه في صلاته بمُوق
عينيه))(٢).
مُوْق العين: طَرَفُها مما يلي الأنف.
واللَّحاظ: طَرَفها مما يلي الأذن.
ومُؤْخِرُ عينيه: بضم الميم، وكسر الخاء، مخفَّفاً: طَرَفُها الذي يلي
الصَّدْغ.
- ويكره أن يرفع رأسه إلى السماء؛ لأنه كالالتفات.
- وأن يطأطئ رأسَه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى أن يُدَّبِّحَ
(١) سنن الترمذي (٥٨٩)، وقال: حسن صحيح.
(٢) قال في نصب الراية ٨٩/٢: غريب بهذا اللفظ، ثم خرَّج أحاديث بمعناه.
(٣) هو الذي يطأطئ رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من ظهره، وقيل: دبَّح
تدبيحاً: إذا طأطأ رأسه. النهاية لابن الأثير ٢ /٩٧.

٤٠٢
مكروهات الصلاة
ولا يُقْعِي إقعاء الكلب، ولا يَفترشُ ذراعَيْه.
الرجلُ في صلاته تدبيحَ الحِمار))(١).
- ويكره أن يتمايل على يمناه، أو يُسراه.
* قوله: (ولا يُقْعِي إقعاء الكلب، ولا يَفترشُ ذراعيه)، وهو أن
ینصب عقبیه، ويجلس عليهما.
وقيل: هو أن ينصب ركبتيه، ويضع يديه على الأرض كالكلب، إلا
أن إقعاءَ الكلب: في نصب اليدين، وإقعاءَ الآدمي: في نصب الركبتين إلى
صدره.
وفي ((النهاية)): هو أن يضع أليتيه على الأرض، وينصبَ ركبتيه نصباً،
وهذا أصح؛ لأن إقعاء الكلب بهذه الصفة.
- ويكره أن يفترش ذراعيه؛ لقول أبي ذر رضي الله عنه: ((نهاني خليلي
عليه السلام عن ثلاث: أن أنقُر نَقْرَ الدِّيك، وأن أُقعيَ إقعاءَ الكلب، وأن
أفترش افتراشَ الثعلب))(٢).
- ويكره أن يتمطَّى، أو يتثاءب.
- فإن غَلَبَه شيءٌ من ذلك: كَظَمَ، وجعل يده علىُ فِيْه؛ لأنه لا يأمن
أن يدخل في حلقه شيء من الهوامّ.
(١) سنن الدار قطني ١١٨/١، وفي الحديث كلام ينظر البدر المنير ١٥٥/٨.
(٢) روي بمعناه في صحيح مسلم (٤٩٨)، وباللفظ المذكور في الكامل لابن
عدي (١٦٠١)، وفيه ضعف، ينظر التعريف والإخبار ١/ ١٨١ ط الفاروق.

٤٠٣
مكروهات الصلاة
ولا يردُّ السلامَ بلسانه ولا بيده.
ولا يَتربَّعُ إلا من عذر.
ولا يأكلُ، ولا يشربُ.
- ويكره أن يُغمض عينيه في الصلاة.
- وأن يغطيَ فاه؛ لأنه يُشبِه فعلَ المجوس، إلا إذا تثاءب: فله ذلك؛
لما ذكرناه آنفاً.
* قوله: (ولا يردُّ السلامَ بلسانه، ولا بيده).
- فإن ردَّ بلسانه: بطلت صلاته.
- وكذا إذا صافح بنية السلام: تفسد أيضاً.
- وإن أشار بردِّ السلام برأسه، أو بيده، أو بأصبعه: لا تفسد، إلا أنه
یکره.
- ويكره السلام على القارئ، والمصلي، والجالس على البول والغائط.
* قوله: (ولا يتربَّع إلا من عذر)؛ لأن فيه تركَ سُنَّةِ القعود.
فإن كان به عذرٌ: جاز؛ لأن الأعذار تؤثّر في فروض الصلاة، فكذا في
هيئتها.
* قوله: (ولا يأكلُ، ولا يشرب).
فإن فعل ذلك: بطلت صلاته، سواء أكل عامداً أو ناسياً؛ لأنه معنىً
ينافي الصلاة، وحالةُ الصلاة مذكِّرةٌ.

٤٠٤
مكروهات الصلاة
- قال في ((الغاية)): ما أفسد الصومَ: أفسد الصلاة، وما لا: فلا.
حتى إذا كان بين أسنانه شيء من طعامٍ، فابتلعه:
إن كان دون الحِمِّصة: لم تفسد صلاتُه؛ لأنه تبعٌ لريقه، إلا أنه یکره.
وإن كان قدر الحِمِّصة، فصاعداً: أفسد الصلاةَ والصومَ.
- ولو ابتلع دماً بين أسنانه: لم تفسد صلاته إذا كانت الغلبةُ للريق.
- وإن ابتلع سِمْسِمةً: أفسدت على المشهور، وعن أبي حنيفة: لا
تفسد.

٤٠٥
أحكام سَبْق الحدث
[أحكام سَبْق الحدث]
فإن سَبَقه الحدثُ: انصرف، وتوضأ، وبنى على صلاته إن لم يكن
إماماً.
أحكام سَبْق الحدث
* قوله: (فإن سَبَقَه الحدثُ، أو غَلَبَه: انصرف، وبنى(١)).
السَّبْق: بغير علمه وقصده.
والغلبة: بعلمه، لكن لم يقدر على ضبطه.
- ولو عطس، فسبقه الحدثُ، أو تنحنح، أو سعل، فخرج بقوته
ريحٌ: فإنه لا يبني، هو الصحيح.
- قوله: انصرف: أي من ساعته من غير توقف، فإن لبث ساعةً قدر ما
يؤدي ركناً: بطلت صلاته.
- وإذا انصرف: يباح له المشيُ، والاغترافُ من الإناء، والانحرافُ
عن القبلة، وغسلُ النجاسة، والاستنجاءَ إذا أمكنه من غير كشف عورته،
٩
بأن يكون من تحت القميص.
(١) وفي نسخة القدوري ١٣٠٩هـ: ((استخلف وتوضأ وبنى على صلاته إن لم
يكن إماماً)). وينظر اللباب ١٨٦/٢.

٤٠٦
أحكام سَبْق الحدث
فإن كان إماماً : استَخلفَ، وتوضأ، وبنى على صلاته ما لم يتكلّم، ..
- ولو وجد ماء في مكانٍ، وجاوزه إلى مكان آخر: تفسد صلاتُه؛ لأن
هذا مشيٌ من غير حاجة.
- قوله: وبنى: من شرط جواز البناء: أن لا يفعل فعلاً ينافي الصلاةَ،
من الأكل والشرب والكلام، والاستقاء من البئر.
وفي المرغيناني: له أن يستقيَ من البئر إذا لم يكن عنده ماءً آخر.
وقال الكرخي: لا يبني مع الاستقاء من البئر.
- ولو بال أو تغوَّط: لا يبني؛ لأن هذا حدثٌ عمدٌ، وهو يمنع البناء.
- وإن ملأَ الإناءَ، وحَمَلَه بيدين: لا يبني.
وإن حَمَلَه بيدٍ واحدةٍ: جاز له البناء؛ لأن الحَمْلِ بيدين عملٌ كثيرٌ.
* قوله: (فإن كان إماماً: استخلف، وتوضأ، وبنى على صلاته ما لم
یتکلم).
كيفية الاستخلاف: أن يجرّه بثوبه إلى المحراب.
- ثم المصلي لا يخلو: إما أن يكون منفرداً، أو مقتدياً، أو إماماً:
١- أما إذا كان منفرداً، وسَبَقَه الحدث، فانصرف وتوضأ، فهو
بالخيار: إن شاء أتمّ صلاته في الموضع الذي توضأ فيه، وإن شاء عاد إلى
مصلاه، والأفضل العَوْدُ، وهو اختيار السرخسي(١)؛ ليكون مؤدِّياً جميعَها
(١) المبسوط ١٦٩/١.

٤٠٧
أحكام سَبْق الحدث
والاستئنافُ أفضل.
في مكان واحد.
وقيل: الأفضل في الموضع الذي توضأ فيه؛ لما فيه من تقليل المشي.
٢- وأما إذا كان مقتدياً، فانصرف وتوضأ: فإنه يعود إلى مكانه، إلا أن
يكون إمامُه قد فرغ من صلاته، أو لا يكون بينهما حائلٌ: فيجوز له
الاقتداء به وهو في موضعه الذي توضأ فیه.
وإن كان الإمام قد فرغ: جاز له أن يبنيَ على صلاته في الموضع الذي
توضأ فیه.
٣- وأما إذا كان إماماً، فانصرف وتوضأ، وعاد إلى مصلاّه: صار
مأموماً، والإمامُ هو الثاني؛ لأنه لما خرج من المسجد: خرج من الإمامة،
وصار مؤتماً.
- ولو أن الإمام أفسد صلاتَه قبل أن يقوم الثاني مكانَه: فسدت
صلاتُهم جميعاً.
* قوله: (والاستئنافُ: أفضلُ)؛ تحرزاً عن شبهة الخلاف.
- وهذا في حق الكل عند بعض المشايخ.
وقيل: هذا في حق المنفرد قطعاً، وأما الإمام والمأموم: إن كانا يجدان
جماعةً: فالاستئناف أفضل أيضاً.
وإن كانا لا يجدان: فالبناء أفضلُ؛ صيانةً لفضيلة الجماعة، وصَحَّحَ
هذا في ((الفتاوى)).

٤٠٨
أحكام سَبْق الحدث
وإن نام فاحتلم، أو جُنَّ، أو أُغميَ عليه، أو قَهْقَه في الصلاة :
استأنف الوضوءَ، والصلاةَ جميعاً.
وإن تكلّم في الصلاة عامداً، أو ساهياً: بطلت صلاته.
وقال بعضهم: إن كان في الوقت سعة: فالأفضل الاستئناف.
وفي ((الكرخي)): الأفضل أن يتوضأ، ويتكلم، ويستأنف؛ لأنه يؤدي
فرضه من غیر مشي، ولا اختلافٍ، فهو أولى.
قوله: (فإن نام فاحتلم، أو نَظَرَ إلى امرأةٍ فأنزل، أو جُنَّ، أو أُغمي
عليه، أو قَهْقَه في الصلاة: استأنف الوضوءَ والصلاةَ جميعاً).
لأن هذه العوارض يندر وجودها في الصلاة، فلم تكن في معنى ما
ورد به النص.
- وكذا القهقهة؛ لأنها بمنزلة الكلام.
قال في ((المبسوط))(١): هي أفحش من الكلام عند المناجاة، حتى
نقضت الوضوء، ثم سوَّى بين النسيان والعمد في الكلام، ففي القهقهة
أُوْلی.
* قوله: (فإن تكلّم في صلاته عامداً أو ساهياً: بطلت صلاته).
يعني كلاماً يُعرَف في متفاهَم الناس، سواء حصلت به حروفٌ، أم
لا، حتى لو قال ما يُساق به الحمار: فسدت صلاته.
(١) ١/ ١٧١ .

٤٠٩
أحكام سَبْق الحدث
- فإن أنَّ في صلاته، أو تأوَّه، أو بكى، فارتفع بكاؤه، أي حصل به
حروفٌ:
إن كان من ذكر الجنة أو النار: لم يضرَّه؛ لأنه يدل على زيادة
الخشوع، فكان في معنى التسبيح.
والدليل على أن البكاء في الصلاة من خوف الله لا يقطع الصلاة: أن الله
تعالىُ مَدَحَ على ذلك، فقال: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾. الإسراء/١٠٩،
أي يَخرُون سجوداً على الوجوه يبكون، والمراد بالأذقان: الوجوه.
((وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي فُيُسمَع لصدره
أزيزٌ كأزيز المِرْجَل من البكاء))(١).
((وعن عبد الله بن شداد قال: كنت أصلي خلف عمر رضي الله عنه
صلاةَ الصبح، وكان يقرأ سورة يوسف، حتى إذا بلغ: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ
بَنِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾. يوسف /٨٦: سمعتُ نشيجَه وأنا آخر الصفوف))(٢).
الأزيز: غليان القِدر، والمِرْجَل: القدر.
- وإن كان من وجع، أو مصيبة: قَطَعَ الصلاةَ؛ لأن فيه إظهارَ الجزع
والتأسف، فكان من كلام الناس.
(١) مسند أحمد ٢٥/٤، سنن النسائي ١٣/٣ (١٢١٤).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٨٥).

٤١٠
أحكام سَبْق الحدث
وعن أبي يوسف: الأنينُ من الوجع: إن كان يمكنُه الامتناع منه: قَطَعَ
الصلاةَ، وإلا: فلا.
وعن محمد: إن كان المرض خفيفاً: يقطع الصلاةَ، وإلا: فلا.
- وإن نفخ الترابَ عن موضع سجوده: إن كان غيرَ مسموع: لا يُفسد،
إجماعاً، وإن كان مسموعاً: أفسد عندهما.
وقال أبو يوسف: لا يُفسد.
- وإن تنحنح لغير عذر، بأن لم يكن مضطراً إليه، وحصل به حروفٌ،
نحو: أَخْ أَخْ: بالفتح أو الضم: ينبغي أن تفسد صلاته عند أبي حنيفة
ومحمد.
- وإن كان مضطراً، بأن اجتمع البلغم في حلقه: فهو عفوٌ، كالعطاس
لا يفسد الصلاة.
وفي ((المبسوط))(١): إذا تنحنح لإصلاح القراءة: لا تفسد؛ لأنه حينئذ لا
یمکنه الاحتراز عنه.
- وإن قبَّلت المصلي امرأتُه، ولم يُقبِّلها هو: لا تفسد صلاتُه، وإن قبَّلها
هو: فسدت صلاته.
- وكذا لو كانت هي تصلي فقبَّلها: لا تفسد صلاتُها.
(١) ٣٣/١.

٤١١
أحكام سَبْق الحدث
وإن سَبَقَه الحدثُ بعد ما قَعَدَ قَدْرَ التشهد : توضأ، وسلّم.
وإن تعمَّد الحدثَ في هذه الحالة، أو تكلّم، أو عَمِلَ عملاً ينافي
الصلاةَ: تمَّت صلاتُه.
: قوله: (وإن سبقه الحدث بعد التشهد: توضأ وسلَّم)؛ لأن التسليم
واجبٌ، فلا بدَّ من التوضئ ليأتي به.
* قوله: (وإن تعمَّد الحدثَ في هذه الحالة): أي بعد التشهد.
* قوله: (أو تكلّم، أو عَمِلَ عملاً ينافي الصلاةَ: تمَّت صلاته)؛ لأنه
تعذّر البناء لوجود القاطع، ولم يبق عليه شيء من الأركان.
- قال الخُجَندي: الإمام إذا قهقه بعد ما قعد قدر التشهد، أو أحدث
متعمداً وخلفه لاحقون ومسبوقون، فهذا على خمسة أوجه:
القهقهة، والحدث العمد، والسلام، والكلام، والقيام:
ففي ثلاثةٍ منها: صلاةُ الكلِّ تامةٌ، في السلام، والقيام، والكلام،
بالاتفاق.
وأما القهقهة، والحدث العمد: فصلاة الإمام ومَن هو بمثل حاله:
تامة.
وأما صلاة المسبوقين: ففاسدةً عند أبي حنيفة؛ لأن القهقهة مفسدةً
للجزء الذي تلاقيه من صلاة الإمام، فيفسد مثلُه من صلاة المقتدي، غير
أن الإمام لا يحتاج إلى البناء، والمسبوقَ محتاجٌ إليه، والبناءَ على الفاسد:
٩
فاسدٌ.

٤١٢
أحكام سَبْق الحدث
وإن رأى المتيممُ الماءَ في صلاته : بطلت صلاته.
بخلاف السلام؛ لأنه منه، والكلامُ: في معناه، وينتقض وضوء الإمام
لوجود القهقهة في حرمة الصلاة.
وعندهما: لا تفسد صلاة المسبوقين؛ لأن صلاة المقتدي بناء على
صلاة الإمام جوازاً وفساداً، ولم تفسد صلاة الإمام، فكذا صلاتهم، فصار
كالسلام والكلام.
- ولو أن الإمام قهقه بعد ما قعد قدر التشهد، أو أحدث متعمداً: فإن
القوم يذهبون من غير سلام.
- وإن سلَّم أو تكلم: كان عليهم أن يُسلِّموا؛ لأن السلام والكلام
منهيان، والقهقهة والحدث مفسدان.
* قوله: (وإذا رأى المتيممُ الماءَ في صلاته: بطلت صلاته).
- وكذا إذا علم، بأن أخبره عدلٌ بقُرب الماء.
- وهذا إذا لم يسبقه الحدث، أما إذا سبقه، فانصرف ليتوضأ، فوجد
الماءَ: فإنه يتوضأ، ويبني، ولا تبطل صلاته. كذا في ((النهاية)).
وقال في ((الإملاء)): يستقبل، ولا يبني.
- وقوله: بطلت: هذا إذا كان الماء مباحاً، أو كان مع أخيه أو
صديقه، أما لو رآه مع أجنبي: لا تبطل، ویمضي على صلاته.
- فإذا فرغ وطَلَبَه منه، فأعطاه: توضأ به، واستأنف، وإن لم يعطه:
فهو علی تیممه.

٤١٣
أحكام سَبْق الحدث
١ - وإن رآه بعد ما قَعَد قَدْرَ التشهد .
٢- أو كان ماسحاً على الخفين، فانقضتْ مدةُ مسحه.
[المسائل الاثنا عشرية : ]
* قوله: (١ - فإن رآه بعد ما قعد قدر التشهد.
٢- أو كان ماسحاً على الخفين فانقضت مدةُ مسحه ... إلى آخره).
الأصل في هذه المسائل: أن الخروج بصُنْعه: فرضٌ عند أبي حنيفة،
فاعتراض هذه الأشياء في هذه الحالة: كاعتراضها في خلال الصلاة عنده.
وعندهما: الخروج ليس بفرض، فاعتراض هذه الأشياء: كاعتراضها
بعد السلام؛ لأن الخروج لو كان فرضاً: لكان لا يتأدى إلا بفعلٍ هو قُربةٌ،
كسائر الأركان من الركوع والسجود.
ولأنه لو كان فرضاً: لما تأدى بالحدث العمد؛ لاستحالة أن يقال: إن
فروض الصلاة تتأدى بالحدث العمد والقهقهة.
ولأبي حنيفة: أن هذه عبادةٌ لها تحريمٌ وتحليلٌ، فلا يَخرج منها على
وجه التمام إلا بصنعه، کالحج.
ولأنه بعد التشهد لو أراد استدامةَ التحريمة إلى خروج الوقت، أو
دخول وقت صلاة أخرى: منع من ذلك، بالاتفاق، فلو لم يبق عليه شيء
من الصلاة: لما منع من البقاء على القعود.
ولأنه لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج من هذه.

٤١٤
أحكام سَبْق الحدث
٣ - أو خَلَعِ خُقَيْه بعملٍ رَفيق .
٤ - أو كان أُمِّاً، فتعلَّم سورةً.
* قوله: أو كان ماسحاً على الخفين فانقضت مدةُ مسحه، حتى لو
سَبَقَه الحدث في الصلاة وهو ماسحٌ، فذهب ليتوضأ، فانقضت مدة
مسحه: فإنه يتوضأ، ويغسل رجليه، ويستأنف الصلاة، ولا يجوز له
البناء، على الصحيح؛ لأن عند انقضاء المدة: يظهر الحدث السابق على
الشروع، فيصير كأنه شرع في الصلاة من غير غسلهما.
- قوله: فانقضت مدةُ مسحه: هذا إذا وَجَدَ الماءَ، أما إذا لم يجده، أو
كان بحالٍ إذا نزع خفيه: خاف التلف على رجليه: لم تفسد، إجماعاً.
* قوله: (٣- أو خَلَعَ خُقَيْه بعملٍ رفيق).
- يُحترز به مما إذا كان بعمل كثير: فإن صلاته تصح، إجماعاً.
- وإنما يُتصور خلعه بعملٍ رفيق: بأن يكون الخف واسعاً، لا يحتاج
في نَزْعه إلى المعالجة.
: قوله: (٤- أو كان أُمِّياً فتعلَّم سورةً): أي تذكَّرها، أو سمع مَن يقرأ
سورةً أو آیةً فحفظها.
- أما إذا تعلَّم متلقّئاً من غيره: فهو عملٌ كثير: فلا تصح، إجماعاً.
- وهذا أيضاً إذا كان إماماً، أو منفرداً، أما إذا كان مأموماً: لا تبطل،
إجماعاً ولو تعلمها وهو في وسط الصلاة؛ لأنه لا قراءة عليه.

٤١٥
أحكام سَبْق الحدث
٥ - أو عُرِياناً، فَوَجَدَ ثوباً.
٦- أو مُومِياً، فَقَدَر على الركوع والسجود.
٧- أو تذكَّر أن عليه صلاةً قبل هذه الصلاة.
٨- أو أحدث الإمامُ القارىءُ، فاستخلف أُمِّياً.
* قوله: (٥- أو عُرياناً فوجد ثوباً)، يعني بالملك.
- أما بالإباحة: فهو على الخلاف المتقدم في التيمم.
* (٦ - أو مُومِياً(١) فقَدَرَ على الركوع والسجود)(٢).
* قوله: (٧- أو تذكَّر أن عليه صلاةً فائتةً قبل هذه الصلاة)، ولو كانت
وتراً.
- وهذا إذا كان في الوقت سعة، وهي في حيِّز الترتيب، وإلا: لم
تبطل.
* قوله: (٨- أو أحدث الإمامُ القارئُ فاستخلف أُمِياً).
قيل: إن الصلاة لا تصح في هذه المسألة، إجماعاً؛ لأن الاستخلاف
(١) لعجزه عن الركوع والسجود.
(٢) هذه المسألة: أو مومياً فقدر على الركوع والسجود: لم أجدها في نُسَخ
الجوهرة، مع أنها من المسائل الاثني عشرية، وقد أضفتُها هنا من مختصر القدوري،
وكذلك ذكرها في السراج الوهاج أولاً حين سرد المسائل الاثني عشرية، لكنه لم
یذکرها حین شرحها.

٤١٦
أحكام سَبْق الحدث
٩ - أو طلعت الشمسُ في صلاة الفجر.
١٠ - أو دخل وقتُ العصر وهو في الجمعة.
١١ - أو كان ماسحاً على الجَبِيرة، فسقطت عن بُرْءٍ.
١٢ - أو كان صاحبَ عذرٍ، فانقطع عذرُهُ، كالمستحاضة، ومَن بمعناها.
عملٌ كثيرٌ(١)، وقيل: لا تفسد؛ لأنه عمل غير مفسد.
* قوله: (٩ - أو طلعت الشمسُ وهو في صلاة الفجر).
ليس المراد أن يَنظر إلى القرص، بل إذا رأى الشعاعَ الذي لو لم يكن
ثمَّ جبلٌ يمنعه: لرأى القرصَ، كما في بلادنا(٢): فإنها تبطل.
* قوله: (١٠ - أو دخل وقتُ العصر وهو في الجمعة).
هذا على اختلاف القولين عندهما، إذا صار ظل كل شيء مثله، وعند
أبي حنيفة: مثليه.
؛ قوله: (١١ - أو كان ماسحاً على الجبيرة، فسقطت عن بُرْء).
وكذا إذا كانت أمةً، فأُعتقت وهي مكشوفة الرأس.
* قوله: (١٢ - أو كان صاحبَ عُذْرٍ، فانقطع عذرُه، كالمستحاضة،
ومَن في معناها).
(١) في نفسه، وإنما لا يؤثر ضرورةً، ولا ضرورةَ هنا؛ لعدم الاحتياج إلى إمام
لا يصلح، وهو الأمي. ينظر النهر الفائق ٢٦٢/١، ابن عابدين ٣٣/٤.
(٢) أي بلاد اليمن المبارك السعيد بلاد المؤلف.

٤١٧
أحكام سَبْق الحدث
بطلت صلاته في هذه الحالات كلُّها في قول أبي حنيفة.
ولو عرض هذا كله بعد ما عاد إلى سجدتي السهو: فهو على هذا
الخلاف. كذا في ((الخُجندي)).
- فيحتمل أن يكون قولُه: على الخلاف: يعني أن عند أبي حنيفة إن
كان بعد ما قعد قدر التشهد: فصلاتُه فاسدةٌ، وعندهما: صحيحة.
وإن كان قبل قعوده قدر التشهد: فهي فاسدةٌ، إجماعاً.
ويحتمل أن تكون عندهما صحيحة.
- ولو لم يقعد قدرَ التشهد بعد سجود السهو: فعنده فاسدةٌ؛ لأن
سجود السهو یرفع التشهد.
- وإن اعترض له شيء من هذا بعد ما سلم قبل أن يسجد للسهو:
فصلاتُه تامةٌ، إجماعاً.
أما عندهما: فظاهرٌ، وأما عنده؛ فلأنه بالسلام يخرج من التحريمة.
ولهذا لا يتغير فرض المسافر بنية الإقامة في هذه الحالة.
- وكذا إذا سلّم إحدى التسليمتين؛ لأن انقطاع التحريمة يحصل
بتسليمة واحدة.
* قوله: (بطلت صلاتُه في هذه الحالات كلها عند أبي حنيفة).
ولا تنقلب نفلاً، إلا في ثلاث مسائل، وهي:
١ - إذا تذكَّر فائتةً. ٢- أو طلعت الشمس. ٣- أو خرج وقت الظهر في

٤١٨
أحكام سَبْق الحدث
وقال أبو يوسف ومحمد : تمَّت صلاتُه في هذه المسائل كلِّها.
الجمعة، وفيما عدا هذه لا تنقلب نفلاً.
* قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: تمت صلاتُه في هذه المسائل
كلها)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا قلتَ هذا، أو فعلتَ هذا: فقد
تمَّت صلاتُك))(١).
قلنا: معناه: قاربتَ التمامَ، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن وقف
بعرفة: فقد تمَّ حجُّه))(٢)، أي: قارب التمام.
وله: أنه لا يمكنه أداء صلاةٍ أخرى إلا بالخروج من هذه الصلاة، وما
لا يُتوصل إلى الفرض إلا به: يكون فرضاً.
(١) سنن أبي داود (٩٦٢)، وسكت عنه، وينظر نصب الراية ٣٠٦/١.
(٢) سنن الدار قطني ٢٤٠/٢، وساق له عدة طرق، وينظر نصب الراية ٩٢/٣.

٤١٩
باب قضاء الفوائت
باب قضاء الفوائت
ومَن فاتته صلاةٌ : قضاها إذا ذَكَرها.
باب قضاء الفوائت
لمَّا فَرَغَ من بيان أحكام الأداء، وما يتعلق به، وهو الأصل، شَرَعَ في
و
القضاء، وهو خَلَفُه، إذ الأداء: عبارةٌ عن تسليم نفس الواجب، والقضاء:
عبارةٌ عن تسليم مثل الواجب، والتسليمُ بمثل الواجب إنما يكون عند
العجز عن تسليم نفسه، كما في المضمونات من حقوق العباد.
والأداء يجوز بلفظ القضاء، إجماعاً.
وفي القضاء بلفظ الأداء: خلافٌ، والصحيح أنه يجوز.
- وإنما قال: قضاء الفوائت، ولم يقل: قضاء المتروكات؛ لأن الظاهر
من حال المسلم أنه لا يترك الصلاة عمداً، بل تفوتُه، باعتبار غفلة، أو
نومٍ، أو نسيان.
ــ وإنما ذكر الفوائت بلفظ الجمع، وقال في الحج: باب الفَوات:
بلفظ الواحد؛ لأن الحج لا يجب في العمر إلا مرةً واحدة.
* قال رحمه الله: (ومَن فاتته صلاةٌ: قضاها إذا ذَكَرَها).
- وكذا إذا تركها عمداً فسقاً، أو مَجَانةً، أي قلةَ مبالاة: يجب القضاء

٤٢٠
باب قضاء الفوائت
وقدَّمها لزوماً على صلاة الوقت، إلا أن يَخافَ فَوْتَ صلاةٍ الوقت :
فيُقدِّم صلاةَ الوقت على صلاة الفائتة، ثم يقضيها .
أيضاً، لكنْ للمسلم عقلاً وديناً لا يَرِدُ عليه التفويتُ قصداً، فعبّر عنه
بالتفويت؛ لحُسن ظنه به، وحملاً لأمره على الصلاح.
** قوله: (وقدَّمها لزوماً على صلاة الوقت، إلا أن يخاف فَوْتَ صلاة
الوقت: فيقدِّم صلاةَ الوقت على الفائتة، ثم يقضيها).
الترتيبُ بين الفوائت وفرضِ الوقت عندنا: شرطٌ مستَحَقٌّ، ويُسقطه
ثلاثةُ أشياء: ضيقُ الوقت، والنسيانُ، ودخولُ الفوائت في حيِّز التكرار.
- قوله: إلا أن يخاف فوتَ صلاةِ الوقت فيقدِّمَ صلاةَ الوقت على
الفائتة: فلو قدَّم الفائتةَ: جاز؛ لأن النهي عن تقديمها لمعنىَ في غير المنهيِّ
عنه، وهو صَوْنُ الوقتية عن الفوات.
- بخلاف ما إذا كان في الوقت سعةٌ، وقدَّم الوقتيةَ: حيث لا
يجوز؛ لأنه أداها قبل وقتها الثابت لها بالحديث، وهو قوله عليه الصلاة
والسلام: ((مَن نام عن صلاةٍ، أو نسيها: فليصلُّها إذا ذَكَرَها، فإن ذلك
وقتها فیه))(١).
ولأن النهي عن صلاة الوقتية إذا كأن الوقت يتسع لهما: لمعنىً يختص
بها، ألا ترى أنه لو تنفل في ذلك الحال: لم يُنْهَ عنه، وإنما يُنهى عن صلاة
الوقت خاصةً، والنهي إذا اختص بالمنهي عنه: اقتضى الفساد.
(١) صحيح البخاري (٥٩٧)، صحيح مسلم (٣١٤، ٦٨٤).