Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ باب التيمم كالتراب، والرَّمْلِ، والحجرِ، والحِصِّ، والنُّوْرَةِ، والكُحْلِ، والزَّرْنیخِ. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجوز إلا بالتراب، والرملِ خاصةً. : قوله: (كالتراب، والرمل، والحجر، والجِصِّ، والنُّورةِ، والكُحل، والزَّرْنيخ): - قدَّم التراب؛ لأنه مُجمَعٌ عليه. - وكذا يجوز التيمم بالحصى، والآجرِّ المدقوق، والخزفِ المدقوق. كذا في ((الخُجندي))، يعني إذا كان من طينٍ خالص. - وأما إذا خالطه ما ليس من جنس الأرض، وكان المخالطُ أكثرَ منه: لا يجوز به التیمم. * قوله: (وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب خاصةً). - وله في الرمل روايتان: أصحهما: عدم الجواز. - والخلاف مع وجود التراب، أما إذا عُدِمٍ: فقولُه: كقولهما. - ولو تيمَّم على حجرٍ أملس لا غبارَ عليه، أو على حائطِ، أو على موضع نديٌّ من الأرض: أجزأه عند أبي حنيفة وزفر، وعند محمد روايتان. - وإن تيمم بالملح: إن كان مائياً: لا يجوز، وإن كان جبلياً: جاز. كذا في ((الخُجندي))، و((الفتاوى)). وقال شمس الأئمة: الأصح عندي أنه لا يجوز. ٢٠٢ باب التیمم - ولو لم يجد إلا الطينَ: فإنه يلطَّخ به طرفَ ثوبه أو غيره حتى يجفَّ، ثم یتیمم به. وإن لم يُمكنه ذلك: قال الخُجَنديُّ: لا يصلي ما لم يجد الماءَ، أو الترابَ اليابس، أو الأشياء التي يجوز بها التيمم. وفي ((الكرخي)): يجوز التيمم بالطين الرَّطْب وإن لم يَعْلَقْ بيديه. والصحيح: جواز التيمم بالطين عند أبي حنيفة وزفر. - ولو اختلط ما لا يجوز به التيمم بالتراب، کالدقيق والرماد: إن كان التراب هو الأكثر: جاز التيمم به، وإن كان التراب أقلّ: لا يجوز. - ولو حُبس في السجن ولم يجد فيه ماء، ولا ترابا طاهراً: قال أبو حنيفة: لا يصلي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاة إلا بطهور)) (١)، والطهور: هو الماء عند وجوده، والتراب: عند عدمه. وقال أبو يوسف: يصلي، ثم إذا خرج من الحبس: يُعيد. - وإن لم يجد الماءَ، ووجد الترابَ الطاهر: يتيمم ويصلي عند أصحابنا الثلاثة، خلافاً لزفر. - وهل تلزمه الإعادة؟ (١) سنن أبي داود (١٠١)، سنن ابن ماجه (٣٩٩)، مسند أحمد ٤١٨/٢، وله طرق متعددة بألفاظ متقاربة، ينظر البدر المنير ٢٢٦/٣. ٢٠٣ باب التیمم والنيةُ فرضٌ في التيمم، مستحبَّةً في الوضوء. ذكر محمد في ((الزيادات)): أنه يُعيد؛ استحساناً؛ لأن العذر حصل من جهة آدمي، وذلك لا يؤثّر في وجوب الإعادة، کمن قيَّد رجلاً حتى صلى قاعداً، ثم أزال ذلك عنه: فإنه تلزمه الإعادة، إجماعاً. وذكر أبو يوسف أنه إذا تيمم في الحبس بالتراب الطاهر، ثم خرج: لا تلزمه الإعادة؛ لأنه قد جُوِّر له الصلاة بالتيمم لأجل العذر، فصار کالمسافر. * قوله: (والنيةُ فرضٌ في التيمم، مستحبَّةٌ في الوضوء). وقال زفر: ليست بفرض فيه؛ لأنه خَلَفٌ عن الوضوء، فلا يخالفه في وصفه. ولنا: أن التيمم هو القصد، والقصد هو الإرادة، وهي النية، فلا يمكن فصل التيمم عنها، بخلاف الوضوء، فإنه اسمٌ لغَسلٍ ومسحٍ في أعضاء مخصوصةٍ، فافترقا. وإن شئتَ قلتَ: إن الماء مطهِّر بنفسه، فلا يَحتاج إلى نية التطهير، والترابَ ملوِّثٌ، فلم يكن طهارةً إلا بالنية. - قال الخُجَندي: إذا تيمم لصلاة الجنازة، أو لسجدة التلاوة، أو للنافلة، أو لقراءة القرآن: جاز أن يصليَ به سائرَ الصلوات؛ لأن سجود التلاوة والقراءةَ بعضٌ من أبعاض الصلاة، ألا ترى أنه لا بدَّ للصلاة من القراءة. ٢٠٤ باب التيمم وفي ((الفتاوى)): الصحيحُ أنه إذا تيمم لقراءة القرآن: لا تجوز به الصلاة. - ولو تيمَّم لِمَسِّ المصحف، أو لدخول المسجد، أو لزيارة القبور، أو لعيادة المريض، أو للأذان: لم يجز أن يصليَ به، إجماعاً؛ لأن التيمم لم يحصل للصلاة، ولا لجزءٍ منها. - ولو تيمم كافرٌ يريد به الإسلامَ، ثم أسلم: لم يكن متیمماً عندهما؛ لأنه ليس بأهلٍ للنية. وقال أبو يوسف: هو متيممٌ؛ لأنه نوى قُربةً مقصودةً. قلنا: هو قُربةٌ مقصودةٌ تصح بدون الطهارة، بخلاف سجدة التلاوة، فإنها قربةٌ مقصودة لا تصح بدون الطهارة. - ولو تيمم هذا الكافر يريد الصلاةَ، ثم أسلم بعد التيمم: لا يكون متيمماً، إجماعاً؛ لأن الصلاة لا تصح منه، فكان وجود النية: كعدمها، والإسلام يصح منه. - ولو تيمم المسلم، ثم ارتدَّ - والعياذُ بالله -، ثم أسلم: فهو على تیممه. - ولو توضأ الكافر لا يريد الإسلامَ، ثم أسلم: فهو متوضئء عندنا. ٢٠٥ باب التیمم ويَنقضُ التيممَ كلّ شيءٍ يَنقضُ الوضوءَ. ويَنقضُهُ أيضاً رؤيةُ الماء إذا قَدَر على استعماله. خلافاً للشافعي(١) رحمه الله؛ بناءً على اشتراط النية عنده في الوضوء. وعندنا: الوضوء لا يفتقر إلى النية، فاستوى فيه المسلم والكافر، فصار كإزالة النجاسة. [ما ينقض التيمم : ] * قوله: (ويَنقضُ التيممَ كلّ شيءٍ يَنقضُ الوضوءَ)؛ لأنه في حكمه، وخَلَفٌ عنه. * قوله: (وينقضُهُ أيضاً رؤيةُ الماء إذا قَدَرَ على استعماله). رؤية الماء غيرُ ناقضة؛ لأنها ليست بخارجٍ نجِسٍ، فلم تكن حدثاً، وإنما الناقضُ الحدث السابق، وإنما أضاف الانتقاضَ إليها؛ لأن عمل الناقض السابق يظهر عندها، فأُضيف إليها مجازاً. - والمراد: رؤية ما يكفي لرفع حدثه، أما لو رأى ما لا يكفيه، أو يكفيه إلا أنه محتاجٌ إليه للعطش، أو للعَجْن: لم ينتقض تيممُهُ. - وإنما قال: إذا قدر على استعماله: لأن القدرة هي المراد بالوجود الذي هو غايةٌ لطهورية التراب. - وخائفُ العدوِّ، والسبُع: عاجزٌ غيرُ قادرِ حُكماً. (١) مغني المحتاج ٤٧/١. ٢٠٦ باب التيمم ولا يجوز التيممُ إلا بصعيدٍ طاهرٍ . - ولو مرَّ على الماء وهو لا يعلم به: إن كان نائماً: لم ينتقض تيممه. - وإن مرَّ عليه وهو في موضعٍ لا يستطيع النزولَ إليه، لخوف عدوٍّ، أو سُبُعٍ: لم ينتقض أيضاً. وفي ((الفتاوى)): إذا مرَّ على الماء وهو نائمٌ، أو لا يعلم به: لا يبطل تیممه. ــ وهذا إنما يُتُصوَّر فيمن تيمم للجنابة، أو مرَّ في الصلاة راكباً أو ماشياً وهو نائم، وإلا: فقد انتقض تيممه بالنوم. وقال بعضهم: إذا مرَّ بالماء وهو نائمٌ: فعند أبي يوسف: لا ينتقض تیممه، وعند محمد: ينتقض، وعند أبي حنيفة: مثل قول محمد. وفي ((الهداية))(١): والنائم عند أبي حنيفة: قادرٌ تقديراً، وخائفُ السُبُع: عاجزٌ حكماً. والفرق بين النائم والخائف: أن النوم في حالة السفر على وجه لا يشعر بالماء: نادرٌ، خصوصاً على وجهِ لا تتخلَّلُه اليقظة المشعرة بالماء، فلم يُعتبر نومه، فجعل کالیقظان حكماً. * قوله: (ولا يجوز التيمم إلا بالصعيد الطاهر). الصعيدُ: وجهُ الأرض، وقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. المائدة/٦ : أي طاهراً. (١) ٢٦/١. ٢٠٧ باب التیمم ويُستحبُّ لمَن لم يَجِدِ الماءَ في أول الوقت، وهو يرجو أن يجدَه في آخر الوقت: أن يؤخِّر الصلاةَ إلى آخر الوقت، فإن وَجَدَ الماءَ : توضأ به، وصلَّى، وإلا: تيمَّم، وصلَّى. - ولو تيمَّم رجلٌ من موضعٍ، وتيمَّم آخرُ بعده منه: جاز؛ لأن التيمم لا يُكسِبُ الترابَ الاستعمالَ. * قوله: (ويُستحب لمَن لم يجدِ الماءَ في أول الوقت وهو يرجو أن يجدَه في آخر الوقت: أن يُؤْخِّر الصلاةَ إلى آخر الوقت، فإن وجد الماء: توضأ به، وإلا: تیمم وصلی). - وهل يؤخِّر إلى آخر وقت الجواز، أو إلى آخر وقت الاستحباب؟ قال الخُجندي: إلى آخر وقت الجواز. وقال غيرُه: إلى آخر وقت الاستحباب، وهو الصحيح. وقيل: إن كان على ثقةٍ: فإلى آخر وقت الجواز، وإن كان علىُ طَمَعٍ: فإلى آخر وقت الاستحباب، وإن لم يكن على طمعٍ من الماء: لم يؤخِّر، ويتيمم في أول الوقت، ويصلي. - قوله: وهو يرجو: أي يطمع. - قال الإمام حافظُ الدين: هذه المسألة تدل على أن الصلاة في أول الوقت عندنا أفضل، إلا إذا تضمَّن التأخيرُ فضيلةً، كتكثير الجماعة. وأنكر ذلك بعض المتأخرين، وقال: قد ثبت بصريح أقوال علمائنا أن الأفضل الإسفارُ بالفجر مطلقاً، والإبرادُ بالظهر في الصيف، وتأخيرُ ٢٠٨ باب التیمم ويصلي بتيمُّمِه ما شاء من الفرائض، والنوافل. العصر ما لم تتغير الشمس من غير اشتراط جماعة، فكيف يُترك هذا الصريحُ بالمفهوم؟ ويُجاب لحافظ الدين: أن الصريح محمولٌ على ما إذا تضمن ذلك فضيلةً، كتكثير الجماعة؛ لأنه إذا لم يتضمن ذلك: لم يكن للتأخير فائدة. * قوله: (ويصلي بتيمُّمه ما شاء من الفرائض والنوافل). وعند الشافعي(١): يتيمم لكل فرض؛ لأنه طهارةٌ ضرورية، فلا يصلي به أكثر من فريضة واحدة، وما شاء من النوافل(٢) ما دام في الوقت. ولنا: قولُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُوا﴾ النساء/ ٤٣ والمائدة/٦. و. وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((الصعيد وضوء المسلم ما لم يجد الماء))(٣)، فجعل الطهارةَ ممتدةً إلى غاية وجود الماء. - ولو تيمم للنافلة: جاز أن يؤديَ به الفريضة. وعند الشافعي(4): لا يجوز. - ولو تيمم للصلاة قبل دخول وقتها: جاز. (١) مغني المحتاج ١٠٣/١. (٢) أي ويصلي به ما شاء من النوافل. (٣) سنن الترمذي (١٢٤)، وقال: حسن صحيح، سنن أبي داود (٣٣٢)، وينظر البدر المنير ٣٢٣/٥. (٤) مغني المحتاج ١٠٢/١. ٢٠٩ باب التیمم ويجوز التيممُ للصحيح في المصر إذا حضرت جنازةٌ والوليُّ غيرُه، فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوتَه الصلاةُ : فإنه يتيمم ويصلي. وعند الشافعي(١): لا يجوز. * قوله: (ويجوز التيممُ للصحيح في المصر إذا حضرتْ جنازةٌ والولىُّ غيرُهُ، فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوتَه الصلاةُ: فإنه يتيمم ويصلي). - قَيَّد: بالصحيح؛ لأن في المريض لا يتقيد بحضور الجنازة. - وقيَّد بالمصر؛ لأن الظاهر في المفازة عدمُ الماء. - قوله: والوليّ غيرُه: فيه إشارةٌ إلى أنه لا يجوز للولي؛ لأن له الإعادةَ. وقال في ((الهداية))(٢): لا يجوز للولي، وهو الصحيح. وفي ((النوادر)): لا يجوز للولي أيضاً. - وكذا إذا كان إماماً: لا يجوز له التيمم؛ لأنه لا يَخشىُ فواتَها. - فإن أَذِن الوليُّ لغيره أن يصليَ، فصلى: لا تجوز له الإعادة. فعلى هذا: يجوز له التيمم إذا أذن لغيره. - ولا فرق في جواز هذا التيمم للمحدِث والجنُبِ والحائضِ إذا انقطع دمُها لعشرة أيامٍ في المصر وغيره. (١) مغني المحتاج ١٠٥/١. (٢) ١/ ٢٧. ٢١٠ باب التيمم وكذلك مَن حضر العيدَ، فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوتَه صلاةٌ العيد : فإنه يتيمَّم ويصلي. و وإن خاف مَن شهد الجمعةَ إن اشتغل بالطهارة أن تفوتَه صلاةً الجمعة: لم يتيمم، ولكنه يتوضأ، فإن أدرك الجمعةَ: صلاَّها، وإلا: صلَّى الظهرَ أربعاً. - ولو تيمم لصلاة الجنازة لخوف الفَوات، فصلى عليها، ثم حضرت أخرى: جاز أن يصليَ عليها بذلك التيمم عندهما. وقال محمدٌ: يتيمم ثانياً. - والخلاف فيما إذا لم يتمكن من التوضئ بينهما، أما إذا تمكَّن، بأن ءِ كان الماءُ قريباً منه، ثم فات التمكّن: فإنه يعيد التيمم، إجماعاً. * قوله: (وكذلك مَن حضر صلاة العيد، فخشيَ إن اشتغل بالطهارة أن تفوتَه صلاةُ العيد: فإنه يتيمم ويصلي). - يعني جميعها، أما إذا كان يُدرك بعضَها: لم يتيمم. - والأصل: أن كل موضعٍ يفوت فيه الأداءَ لا إلى خَلَفٍ: فإنه يجوز له ٩ التيمم، كصلاة الجنازة والعيد، وما يفوتُ إلى خلف: لا يجوز له التيمم، كالجمعة، وخشيةٍ فوات الصلاة. * قوله: (وإن خاف مَن شهد الجمعةَ إذا اشتغل بالطهارة فاتّتُه: فإنه لا يتيمم)؛ لأن لها خَلَفاً، وهو الظهر. * قوله: (ولكنه يتوضأ، فإن أدرك الجمعةَ: صلاها، وإلا: صلى الظهر أربعاً). ٢١١ باب التیمم وكذلك إذا ضاق الوقتُ، فخشيَ إن توضأ فاتَه الوقتُ: لم يتيمم، ولكنه يتوضأ، ويصليها فائتةً. والمسافرُ إذا نسيَ الماءَ في رَحْله، فتيمَّم وصلى، ثم ذَكَر الماءَ في الوقت، لم يُعِدْ صلاتَه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله : يُعيدُها. إنما قيَّد بقوله: أربعاً: وإن كان الظهر لا محالة أربعاً؛ لإزالة الشبهة، إذ الجمعة خلفٌ عن الظهر عندنا، فتَرِدُ الشبهةُ على السامع أنه يصلي ركعتين، فأزال الشبهةَ بقوله: أربعاً. - وكذا لا يتيمم لسجدة التلاوة؛ لأنها لا تسقط بمضيِّ الوقت. * قوله: (وكذلك إذا ضاق الوقتُ، فخاف إن توضأ فاته الوقت: لم يتيمم، ولكنه يتوضأ، ويصليها فائتةً)؛ لأن الفوات إلى الخلف، وهو القضاء. * قوله: (والمسافرُ إذا نسيَ الماءَ في رَحْله، فتيمم، وصلىُ، ثم ذَكَرَ الماءَ بعد ذلك: لم يُعِدْ صلاتَه عندهما، وقال أبو يوسف: يُعيد). - قيَّد: بالمسافر وإن كان غيرُهُ كذلك؛ لأن الغالب أن حَمْل الماء لا یکون إلا للمسافر. - وقيَّد: بالنسيان؛ احترازاً مما إذا شكَّ أو ظنَّ أن ماءَه قد فنيَ، فصلى، ثم وجده: فإنه يُعيد، إجماعاً. - وقيَّد بقوله: في رَحْله؛ لأنه لو كان على ظهره، أو معلّقاً في عنقه، أو موضوعاً بين يديه، فنسيه، وتيمَّم: لا يجوز، إجماعاً؛ لأنه نسيَ ما لا ٢١٢ باب التيمم وليس على المتيمم إذا لم يَغلب على ظنِّه أن بقُرْبه ماءً، أن يطلب الماءَ. يُنسى، فلا يُعتبر نسیانه. - وكذا لو كان في مُؤْخِرة الدابة، وهو سائقُها، أو في مقدَّمها وهو قائدُها أو راكبُها: لا يجوز تيممه، إجماعاً. * قوله: وصلى ثم ذَكَرَ الماءَ: يُحترز عما إذا ذكر وهو في الصلاة: فإنه يقطع، ويُعيد، إجماعاً، وسواء ذكر في الوقت أو بعده. - ووَضَعَ في كتاب الصلاة (١): إذا صلى ومعه ماءً في رحله لا يَعلم به، فذكر: بلفظ: العلم، وهنا ذَكَرَ بلفظ: النسيان: وفائدة الخلاف بين الموضعين: فيما إذا وضع الماءَ غيرُه في رحله، فتيمم وصلى، ثم وجده: فعلى وضع الشيخ: يجوز، إجماعاً؛ لأنه لم يوجد منه نسيان، وعلى وَضْع كتاب الصلاة: على الخلاف. - وقيَّد بنسيان الماء: احترازاً عما إذا نسيَ ثوبَه، وصلى عرياناً: فإنه يعيد، إجماعاً، على الصحيح. وقيل: على الخلاف أيضاً. - ولو كان على الاتفاق أنه يُعيد: ففَرْض السَّتْرِ يفوتُ لا إلى خلف، والطهارةُ إلى خلف، وهو التيمم. * قوله: (وليس على المتيمم إذا لم يَغلِبْ على ظنه أن بقُرْبه ماءَ: أن يطلبَ الماء). (١) لعله في كتاب الأصل لمحمد، والله أعلم. ٢١٣ باب التیمم فإن غَلَبَ على ظنِّه أن هناك ماءَ: لم يَجُزْ له أن يتيمَّم حتى يطلبَه. - هذا في الفلوات، أما في العمرانات: يجب الطلب؛ لأن العادة عدم الماء في الفلوات. - وهذا القول يتضمَّن ما إذا شكَّ، وما إذا لم يشكّ، لكن يفترقان فيما إذا شك: يُستحب له الطلب مقدارَ الغَلوة، ومقدارُها: ما بين ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة(١)، وإن لم يشك: يتيمم. وعن أبي حنيفة: إذا شكَّ: وجب عليه الطلب. - وقوله: بقُرْبِه: حدُّ القُرْب: ما دون المِيل. وعن أبي يوسف قال: سألتُ أبا حنيفة عن المسافر لا يجد الماء، أيطلب عن يمين الطريق، ويساره؟ قال: إن طمع فيه: فليفعل، ولا يُبعِد، فيَضرَّ بأصحابه: إن انتظروه، وبنفسه: إن انقطع عنهم. وقيل: يطلب مقدارَ ما يَسمع صوتَ أصحابه، ويسمعون صوته. * قوله: (فإن غلب على ظنه أن بقُربه ماءً: لم يجز تيممه حتى يطلبه). - ويكون طلبُه مقدارَ الغَلوة ونحوها، ولا يبلغ میلاً. - ولو بَعَثَ مَن يطلبه: كفاه عن الطلب بنفسه. (١) أي نحو ١٤٠ متراً، إلى ١٨٥. ينظر حسابها فيما علقته على اللباب ٧١/٢. ٢١٤ باب التیمم وإن كان مع رفيقه ماءً : طَلَبه منه قبل أن يتيمَّم . - ولو تيمم في هذه المسألة من غير طلب، وصلى، ثم طلبه بعد ذلك، فلم يجده: وجب عليه الإعادةُ عندهما، خلافاً لأبي يوسف. * قوله: (وإن كان مع رفيقه ماء: طَلَبَه منه قبل أن يتيمم). أما وجوب الطلب: فقولهما، وعند أبي حنيفة: لا يجب؛ لأن سؤال ملك الغير ذُلٌّ عند المنع، وتحمُّلٌ منه عند الدفع. وعندهما: إن غلب على ظنه أنه لا يعطيه: لا يجب عليه الطلب أيضاً، وإن شكَّ: وجب عليه الطلب. - وتفريع قول أبي حنيفة: إذا لم يجب الطلب، وتيمم قبله: أجزأه. - ولو وُهِبَ له، أو أُبيح له، أو بُذِل له الثوبَ: قال بعضُهم: يأخذ في المسألتين، فإن لم يأخذ، وصلى: لا يجوز، وهو اختيار أبي علي النسفي. وقال بعضُهم: تفسد صلاتُه في فصل الماء، دون الثوب. والصحيح: وجوب استعمال الماء والسَّتْر؛ لأن الملك ليس بمقصود، وإنما المقصود القدرة على الاستعمال، ألا ترى أنه لو كان معه ثوبٌ عاريةً، فتركه وصلى عرياناً: فإنه لا تجوز صلاتُه، فهذا يدل على أن الملك غيرُ مشروط. ٢١٥ باب التيمم فإن مَنَعَه منه : تيمَّم، وصلَّى. - ولو مَلَكَ ثمنَ الثوب، هل يُكلَّف شراءه؟ قال بعضُهم: لا. - وإن ملك ثمنَ الماء: يُكلَّف شراءه. وقال أبو علي النسفي، وعبد الله بن الفضل: يجب أن يكونا سواء، ويكلَّف شراء الثوب، كما يكلّف شراء الماء. - وتفريع قولهما في وجوب الطلب إذا شكَّ في الإعطاء وصلى، ثم سأله، وأعطاه: وجب عليه الإعادةُ باتفاقهما. وإن منعه: فعند أبي يوسف: صلاتُه جائزةً، وعند محمد: يعيد. - وإن غلب على ظنه أنه يمنعه، فصلى، ثم أعطاه: توضأ به، وأعاد. - وإن غلب على ظنه الدفع إليه، فصلى، ثم سأله، فمنعه: أعاد عند محمد، وعند أبي يوسف: لا یعید. - ولو رأى رجلاً معه ماءً، فلم يسأله، فصلى، ثم أعطاه بعد فراغه من غير سؤال: توضأ به وأعاد، وإن لم يعطه: فصلاته تامة. ولو سأله، فمنعه، فصلى، ثم سأله بعد صلاته، فأعطاه: فلا إعادة علیه، ولکن ینتقض تیممه. * قوله: (فإن مَنَعَه منه: تيمم، وصلىُ)؛ لتحقّق العجز. - ولو أبى أن يعطيَه الماءَ إلا بثمن: إن كان عنده ثمنُه: لا يجزئه التيمم. ٢١٦ باب التيمم - ولا يلزمه تحمُّل الغَبْن الفاحش، وهو النصف. وقيل: الضِّعْفُ. وقيل: ما لا يَدخل تحت تقويم المُقَوِّمين. ٢١٧ باب المسح على الخَّفَّيْن باب المسح على الخُفَّيْن المسحُ على الخُفَّيْنِ جائزٌ بالسُّنَّة باب المسح على الخُّفَّيْن المسح في اللغة: هو الإصابة. وفي الشرع: عبارةٌ عن رخصة مقدَّرةٍ، جُعلت للمقيم: يوماً وليلةً، وللمسافر: ثلاثة أيام ولياليها. - وعقّبه بالتيمم؛ لأن كلاَّ منهما طهارةُ مسحٍ. أو: لأن كلاً منهما بدلٌ عن الغَسل. وكان ينبغي أن يُقَدَّم على التيمم؛ لأنه طهارةُ غَسْلٍ، إلا أنه قَدَّم التيمم؛ لأنه بوضع الله تعالى، وهذا باختيار العبد، فكان التيمم أقوى. أو: لأن التيمم بدلٌ عن الكل، وهذا بدلٌ عن غَسل الرِّجلين، لا غير. أو: لأن التيمم ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة، وهذا بالسُّنَّة، لا غير. * قال رحمه الله: (المسحُ على الخفين جائزٌ بالسُّنَّة): - إنما قال: جائزٌ، ولم يقل: واجبٌ؛ لأن العبد مخيَّرٌ بین فعله وتركه. - ولم يقل: مستحبٌّ؛ لأن مَن اعتقد جوازَه، ولم يفعله: كان أفضل. ٢١٨ باب المسح على الخَّفَّيْن من كلِّ حَدَثٍ موجِبٍ للوضوء. إذا لَبِسَ الخفين على طهارةٍ كاملةٍ، ثم أحدث، فإن كان مقيماً: مَسَحَ يوماً وليلة. وإن كان مسافراً: مَسَحَ ثلاثةَ أيامٍ ولياليها، - ثم قال: بالسُّنَّة، ولم يقل: بالحديث؛ لأن السنة تشمل على القول والفعل، وهو ثابتٌ بهما. - وفي قوله: بالسُّنَّة: ردُّ لقول مَن قال: إن المسح ثبوتُه بالقرآن على قراءة الخفض، وقولُهم هذا: فاسدٌ، وإنما ثبت بالسنة المشهورة. * قوله: (مِن كل حدثٍ موجِبٍ للوضوء). يُحترز به عما يوجب الغُسلَ. * قوله: (إذا لَبِسَ الخُفَّيْن على طهارةٍ، ثم أحدث): وفي بعض النُّسَخ(١): على طهارةٍ كاملة. وكلاهما غيرُ شرط؛ لأنه لا يُشترط الكمالُ وقت اللبس، بل وقت الحدث، حتى لو غسل رجليه، ولَبِسَ خفيه، ثم أكمل بقيةَ الوضوء، ثم أحدث: يجزئه المسح، وإنما الشرط: أن يصادف الحدثُ طهارةً كاملة. * قوله: (فإن كان مقيماً: مَسَحَ يوماً وليلةَ، وإن كان مسافراً: مَسَحَ ثلاثة أيام ولياليها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يَمسحُ المقيمُ يوماً (١) أي نُسَخ مختصر القدوري. ٢١٩ باب المسح على الخُّفَّيْن ابتداؤها عَقِيب الحدث. والمسحُ على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع، وليلة، والمسافرُ ثلاثةَ أيام ولياليها))(١). * قوله: (ابتداؤها: عَقِيب الحدث): يعني من وقت الحدث إلى مثله، للمقيم: يوماً وليلةً، وإلى مثله في الثلاث: للمسافر. - والرجلُ والمرأة فیه سواء. * قوله: (والمسحُ على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع). - هذا هو المسنون، ولو مسح براحته: جاز. - وقوله: خطوطاً: إشارةٌ إلى أنه لا يُشترط التكرار؛ لأن بالتكرار تنعدم الخطوط. - وصورة المسح: أن يضع أصابعَ يدِه اليمنىُ على مُقَدَّم خُقُّه الأيمن، وأصابعَ يدِهِ اليسرى علىُ مُقدَّم خُقِّه الأيسر، ويَمُدَّهما جميعاً إلى الساق فوق الكعبين، ويُفرِّجَ بين أصابعه، هذا هو المسنون. - وأما المفروض: فمقدار ثلاث أصابع، سواء مَسَحَ بالأصابع، أو خاض في الماء، أو أصاب خفيه ماء المطر مقدارَ ثلاث أصابع. وكذا لو مسح بعُودٍ. - أو من قِبَل الساق إلى الأصابع. (١) صحيح مسلم (٢٧٦). ٢٢٠ باب المسح على الخُّفَيْن يبدأ من رؤوس أصابع الرِّجْل إلى الساق. وفَرْضُ ذلك مقدارُ ثلاثِ أصابع من أصغرِ أصابع الید . ولا يجوز المسحُ علیُ خُقِّ فیه خُرْقٌ كبيرٌ . - أو مسح عليهما عرضاً: أجزأه، إلا أنه غير مسنون. - وكذا إذا مسح بثلاث أصابع موضوعةٍ غير ممدودة: يجزئه. - ولو مشى على الحشيش المبتلِّ بالماء أو بالمطر: أجزأه. - ولو مسح بأصبع واحدة، أو بأصبعين: لا يجزئه. - والمستحب أن يمسح بباطن الكف، ولو مسح بظاهر كفيه: أجزأه. - ولو مسح على باطن خفيه، أو من قِبَل العَقِب، أو من جوانبهما: لا يجز ئه. * قوله: (يبتدئ من رؤوس الأصابع إلى الساق). - هذا هو المسنون، ويكفيه المسحُ مرةً واحدةً. - ولو بدأ من الساق إلى الأصابع: جاز. * قوله: (وفَرْضُ ذلك: مقدارُ ثلاثِ أصابع من أصابع اليد). وقال الكرخي: من أصابع الرِّجل. والأول أصحُّ؛ اعتباراً لآلة المسح؛ لأن المسح بها يقع. * قوله: (ولا يجوز المسحُ على خُفِّ فيه خُرْقٌ كبيرٌ).