Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
مصنفاته
مصنفاته
لقد وُفِّق الإمام أبو بكر الحداد إلى مصنفاتٍ حسنة عظيمة بديعة،
عالية القَدْر والمكانة، في الفقه الحنفي خاصة، وفي علم التفسير أيضاً،
وكَتَبَ الله لها القبولَ والتداول والانتشار في حياته، وبعد مماته إلى
يومنا هذا.
ومَن طالَعَ نُسَخَ كُتبه الخطية في مكتبات العالم: وجدها كثيرةً جداً،
وخاصة شَرْحَي مختصر القدوري: ((الجوهرة النيرة))، و((السراج الوهاج)).
وكان من أسباب انتشار ((الجوهرة النيرة)) وتداولها في القرن الماضي
أنه طُبع في السلطنة العثمانية في تركيا، سنة ١٣٠١هـ، ثم طُبع عدة
طبعات أخرى، واستقبلته أيدي الطلاب كثيراً بحفاوة وكل ترحيب،
وانتفع الناسُ به في كل مكان.
وكذلك كان حال تفسيره للقرآن العظيم، مشهوراً عند طلاب العلم
في حياة مؤلفه، وبعد حياته، متداولاً بين أيديهم بنُسخه الخطية الكثيرة،
إلى زمن العلامة الشوكاني، المتوفى سنة ١٢٥٠هـ، وقد طُبع الآن،
وأصبح متداولاً أيضاً، وهذا كله رزقٌ من الله تعالى، وبركة يمنحها الله
تعالىُ مَن يشاء من عباده من المؤلفين.
* وقد أثنى على مصنفاته العلماء الكبار، بل كل مترجميه،

٢٢
مصنفاته
وكلُّ مَن عَرَفَه وعَرَفها، ومن ذلك:
- ما قاله العلامة المؤرِّخ الخزرجي في ((العقود اللؤلؤية))(١):
((وله مصنَّفات حسنةٌ، وبه تفقَّه طائفةٌ من أهل زبيد، وانتفع به الطلبة
نفعاً عظيماً)). اهـ
- وقال الإمام الشرجي الزبيدي في ((طبقات الخواص))(٢):
((وله في مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه مصنفاتٌ جليلة، لم
يصنّف أحدٌ من علماء الحنفية في اليمن منذ الإسلام إلى عصرنا مثلها كثرةً
وإفادةً)). اهـ
وقد ((بلغ حجم مصنفاته في المذهب الحنفي نحو عشرين مجلداً))(٣).
* وسأذكر فيما يلي أسماء كتبه، وبجانب كلّ منها حجمَه بحسب ما
ذكره له مترجموه، ومعلومٌ أن كلاً منهم يصف النسخة التي اطلع عليها،
وإن حجمَ النُّسَخ الخطية وتباينها أمرٌ ظاهرٌ، بسبب اختلاف الناسخ
وقاعدته في النسخ.
وأقدِّم في ذِكر مصنفاته كتابَه في تفسير القرآن الكريم، وأؤخِّر ذِكْرَ
شرَحَيه على مختصر القدوري؛ لأتوسّع في الكلام عنهما فيما بعد بشكل
خاص، مع نقل نماذج منهما.
(١) ٢٩٦/٢.
(٢) ص ٣٩١.
(٣) طبقات الخواص ص٣٩٢.

٢٣
مصنفاته
وقد بلغ عدد أسماء كتبه ستة كتب ضخمة فخمةٍ كبيرة، كل كتاب
منها في مجلدات عدة، وقبل الكلام عنها مفصلاً آتي على ذكر أسمائها
هنا مجمَلةً متتالية؛ ليقف عليها القارئ الكريم جملةً واحدةً، ثم يأتي
تفصيل الكلام عنها :
١ - تفسير الحداد.
٢- النور المستنير شرح المنظومة النسفية في الخلافيات، لنجم الدين
النسفي عمر بن محمد (ت ٥٣٧هـ).
٣- سراج الظلام وبدر التمام شرح المنظومة الهاملية (في الفقه
الحنفي).
٤- الرحيق المختوم شرح منظومة: قَيْد الأوابد لما فيه من تأليف
الشوارد، لنجم الدين النسفي (ت ٥٣٧هـ)، صاحب المنظومة في
الخلافيات.
٥- السراج الوهاج، الشرح الكبير لمختصر القدوري .
٦ - الجوهرة النيرة، وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
وفاته رحمه الله تعالی :
قضى الإمام أبو بكر الحداد عُمُراً عامراً بالعلم والعمل، والتقرُّب إلى
الله تعالى بأنواعٍ من العبادات والطاعات، مع كل خُلُقٍ حَسَن جميل،
حتى كُفَّ بصرُه قبل موته بمدة يسيرة، ثم توفي رحمه الله تعالى ليلة
السبت، في اليوم السادس من شهر جمادى الأولى، سنة ثمانمائة (٨٠٠)

٢٤
مصنفاته
من الهجرة النبوية(١).
((وكان عمره يوم توفي ثمانين سنة، ودُفن رحمه الله بمقبرة باب
(القَرتب)، من مدينة زبيد، وقبرُهُ هنالك مشهورٌ يُزار))(٢). اهـ
(١) كما في تاج التراجم ص ١٤١، العقود اللؤلؤية ٢٩٦/٢.
(٢) طبقات الخواص ص ٣٩٢.

٢٥
وصف مؤلفاته
وصف مؤلفاته
١- تفسير الحداد، وقد سمّاه: (كشف التنزيل في تحقيق المباحث
والتأويل).
قال عنه صاحب ((طبقات الخواص))(١): ((تفسيرٌ حَسَنٌ مفيد، في قدر
التفسير الوسيط، للواحدي)). اهـ
وقال عنه الشوكاني في البدر الطالع (٣): ((تفسيرٌ حَسَنٌ مشهورٌ الآن عند
الناس، يسمونه: تفسیر الحداد». اهـ
وقال عن حجمه حاجي خليفة في كشف الظنون(٣): ((إنه في مجلدين
ضخمین)).
ومع انتشاره سابقاً قبل أيام الطباعة، وشُهرته بين العلماء آنذاك، فقد
تمَّ طبعه الآن، وتداولتْه دور النشر في العالم كله، وكانت الطبعة الأولى
منه محققة سنة ٢٠٠٣م، في دار المدار الإسلامي، في بيروت، في سبع
مجلدات، بتحقيق الدكتور محمد إبراهيم يحيى، أستاذ التفسير في
الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية، زليتن، ليبيا، وذلك على عدة نسخ
خطیة، من تونس وترکیا وفرنسا.
(١) ص٣٩٢.
(٢) ١٦٦/١.
(٣) ١٤٨٨/٢.

٢٦
وصف مؤلفاته
ولم يجعل المحقق في مقدمته ترجمةً للمؤلف، ولا دراسةً عن
الكتاب، وذكر أنه صَدَرَت له دراسة بعنوان: (المدخل إلى تفسير القرآن
الكريم - الحدادُ نموذجاً)، في ٥٠٠ صفحة، عن دار المدار الإسلامي
ببيروت، سنة ٢٠٠٢م.
* ومن الأعمال العلمية الجامعية التي قامت على هذا التفسير أيضاً:
دراسة متخصصة في مرحلة الدكتوراه، سنة ٢٠٠٦م، بعنوان: ((الشيخ أبو
بكر الحداد ومنهجه في التفسير))، قدَّمها الدكتور رفعت حسين عبورة، في
اليمن.
٢- النور المستنير شرح المنظومة النسفية، (المنظومة في الخلافيات)،
للنسفي نجم الدين عمر بن محمد، ت ٥٣٧هـ، وقد جاءت المنظومة في
٢٦٦٦ بيتاً، وجاء هذا الشرح في مجلد كبير، كما في كشف الظنون(١).
وتوجد منه نسخة خطية في جامع الزيتونة، بتونس (٦٠١/٢٤٤٣)،
تقع في ٣٣٧ ورقة (٢).
٣- سراجُ الظلام وبدرُ الَّمَام شرح المنظومة الهاملية، في فروع
الحنفية، واسم هذه المنظومة: ((دُرُّ المهتدي وذُخر المقتدي))، لشيخه
الإمام العلامة السراج أبي بكر بن علي بن موسى الهاملي الحنفي اليمني،
المتوفى سنة ٧٦٩هـ، وتقدم ذكره في شيوخه.
وكتاب الحداد ((سراج الظلام)) هذا يقع في مجلدين كبيرين، كما جاء
(١) ١٨٦٨/٢.
(٢) الفهرس الشامل (آل البيت) ٣٤٩/١١.

٢٧
وصف مؤلفاته
في كشف الظنون(١).
وتوجد منه نُسَخٌ خطية عديدة، ذكر منها أصحاب الفهرس الشامل(٢)
أكثرَ من عشر نسخ، إحداها تقع في ٤١١ ورقة، وأخرى في ٣٤٨ ورقة.
وأُذكِّر هنا للفائدة أن مِن كتب الفقه الحنفي المتداولة في مدينة
الأحساء عند الأسرة الكريمة: آل الملا، من الحنفية، كتاب: ((تحفة
الطلاب))، وهو منظومة شعرية في الفقه الحنفي، وصل عدد أبياتها إلى
١٩٥٠ بيتاً، للشيخ الجليل أبي بكر بن محمد بن عمر الملا (١١٩٨ هـ ـ
١٢٧٠ هـ)، رحمه الله تعالى، وقد صرَّح في مقدمته أنه اختصر من منظومة
الهاملي، حيث قال:
مختصِراً نَظمَ السراجِ الفاضلِ نَجْلٍ عليٍّ بن موسى الهامِلي
وهو مطبوعٌ في مجلد لطيف، وعلَّق عليه الأستاذ يحيى بن محمد بن
أبي بكر الملا.
٤- الرحيق المختوم شرح منظومة: ((قيد الأوابد لما فيه من تأليف
الشوارد))، في فروع الفقه الحنفي، لنجم الدين النسفي عمر بن محمد،
ت ٥٣٧هـ، صاحب المنظومة في الخلافيات.
وهو شرحٌ في مجلد واحد لطيف، كما جاء في تاج التراجم(١)،
(١) ١٨٦٨/٢.
(٢) ٤ / ٦٢٤.
(٣) ص١٤١.

٢٨
وصف مؤلفاته
وتوجد منه عدة نسخ، ينظر لها الفهرس الشامل(١).
وأما نظم ((قيد الأوابد))، فتوجد منه نسخةً في دار الكتب المصرية
(٨٢٢)، ضمن مجموع، كما في الفهرس الشامل(٢).
٥- السراج الوهَّاج :
هكذا سمَّاه مؤلِّفُه في مقدمته، أما صاحب كشف الظنون ١٦٣١/٢
فسمَّاه: ((السراج الوهاج الموضِّح لكلّ طالبٍ مُحتاج)).
وهو شرحٌ لمختصر القدوري، وقد بيَّنْتُ عظيمَ قدر مختصر
القدوري، وعلوَّ منزلته في المذهب الحنفي بتوسع، فيما كتبتُه في المجلد
الخاص عن دراسة القدوري، الذي جعلتُه المجلدَ الأولَ في تحقيقي
لكتاب ((اللباب في شرح الكتاب))، للعلامة الميداني (ت١٢٩٨هـ)، فمَن
رام ذلك فليراجعه هناك.
* وأما عن حجم كتاب ((السراج الوهاج)) وقدره، فقد ذكر العلامة
قاسم(٣) أنه في ثماني مجلدات (٤)، وأن مختصَرَه لمؤلّفه: ((الجوهرة النّيِّرة)):
في أربع مجلدات.
وأما صاحب كشف الظنون(٥)، فذكر أنه يقع في ثلاث مجلدات،
(١) ٢٩٥/٤
(٢) ٢١١/٨.
(٣) تاج التراجم ص ١٤٢.
(٤) وينظر الفهرس الشامل ٤ /٦٣٧.
(٥) ١٦٣١/٢.

٢٩
وصف مؤلفاته
وهكذا كلّ يصف النسخة التي وقف عليها.
وللكتاب نسخٌ عديدة في مكتبات العالم، وقد بلغ عدد أوراق النسخة
الأزهرية منه: (٣٨٧١) ورقة، ويوجد أيضاً من الكتاب نُسَخٌ في المكتبة
المحمودية بالمدينة المنورة برقم (١٠٣٦)، (١٢٨٦)، وينظر الفهرس
الشامل (آل البيت) ٦٣٤/٤.
* منهج المؤلف في السراج الوهاج أصل الجوهرة :
وأما عن حال كتاب ((السراج الوهاج)) ومكانته، ومنهج مؤلفه فيه،
فقد قال المؤلف في مقدمته، مبيّناً عمله فيه، ومنهجه الذي سار عليه:
(( ... هذا كتابٌ ألَّفتُه شرحاً لمختصر القدوري، موضِّحاً لمشكلاته،
ومبيِّناً لمعضلاته، متوسِّطاً بين الإقلال والإكثار، معتدلاً بين الإسهاب
والاختصار، جمعتُه بألفاظِ وجيزة، ومعانٍ مفيدة، سَهْلَ المأخَذ والمَقَادة،
قريبَ المعنى والاستفادة، أوضحتُه لكل طالبٍ محتاجٍ، وسمَّيته: ((السرَّاج
الوهَّاج))، واستعنتُ في ذلك بالرحمن الرحيم، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلتُ، وهو ربُّ العرش العظيم، سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتَنَا، إنك
أنت العلیم الحکیم). اهـ
قلتُ: وهو شرحٌ فخمٌ عظيمٌ، يهتمُّ بذكر الأدلة، مع المناقشات غير
المطوَّلة، ويُكثر من ذكر الأمثلة للمسائل بما يوضِّحها، ويزيل اللَّبْس
عنها، ويجعلها مصوَّرة في ذهن القارئ، مع فروع كثيرةٍ زادها علىُ
مختصر القدوري، يأتي بها من واسع اطلاعه على كتب الحنفية، من
الشروح المطولة، وكتب الفتاوى، وغيرها، كما يذكر خلاف بقية
المذاهب الأربعة في مسائل كثيرة.

٣٠
وصف مؤلفاته
وأما ما قيل من عدم اعتماد ((السراج الوهاج)) في المذهب، وأنه
غير معتبر، فإنني أُورد نصَّ ما قيل في ذلك، ثم أُعقبه بالمناقشة والتفنيد:
نَقَلَ صاحبُ ((كشف الظنون)»(١) ((عن المولىُ المعروف بـ: بِيْركِلي، أنه
عدَّ كتاب: (السراج الوهاج)) من جملة الكتب المتداولة الضعيفة غير
المعتبرة)». اهـ
وتابعه على ذلك العلامة اللكنوي (٢) بدون أي تعقّب.
قلتُ: والجواب عن ذلك: أن المنقول عنه هذا الحكم على هذا
الكتاب هو محمد بن بير علي الرومي، المشهور بـ: بِرُكوي، المتوفى سنة
٩٨١هـ، وقد ترجم له الزركلي(٣)، ووَصَفَه بأنه عالم بالعربية، وهو
صاحب كتاب ((الطريقة المحمدية))، في الوعظ والإرشاد، كما ترجم له
البغدادي في هدية العارفين(٤)، ووَصَفَه بالفقيه الصوفي الحنفي.
ومثل هذا الحكم في ((السراج الوهاج)) يَحتاج إلى تحريرٍ وتدقيق، ولا
يحقُّ جَرْح الكتاب وتمريضه بمثل هذه الكلمة المُجمَلة غير المفسَّرة من
قائلها غير المتخصص بالمذهب الحنفي.
ومَن راجع ترجمة الإمام أبي بكر الحداد صاحب السراج الوهاج رأى
ثناءً عظيماً عليه في فقهه، وعلى كتبه ومصنفاته، وبخاصة في فقه المذهب
الحنفي كما تقدم، بل قالوا:
(١) ١٦٣١/٢.
(٢) عمدة الرعاية ص ١١ - ١٢.
(٣) الأعلام ٦١/٦، وينظر العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم ص ٤٣٦.
(٤) ٢/ ٢٥٢.

٣١
وصف مؤلفاته
((إن له في مذهب أبي حنيفة مصنفات جليلةً، لم يُصنّفْ أحدٌ من
العلماء الحنفية باليمن منذ الإسلام إلى عهدنا مثلها كثرةً وإفادة)). اهـ
وقالوا: ((له مصنَّفات حسنةٌ، وبه تفقه طائفةٌ من أهل زبيد، وانتفع به
الطلبة نفعاً عظيماً)). اهـ
وقالوا: ((بلغت مصنَّفاته في المذهب عشرين مصنَّفاً)). اهـ
ومَن كان هذا وصف حاله، وحال مصنفاته، فإن ما تقدم من جرحٍ
غير مفسَّر ومن غير متخصص لا يُسقط اعتبارَ مصنفاته العالية القدر في
المذهب أبداً.
* ومما يدل على الاعتماد الكبير على ((السراج الوهَّاج)) عند علماء
المذهب، حالُ الإمام المقدَّم في المذهب ابن نجيم صاحب ((البحر
الرائق))، فإنه ذَكَرَ في مقدمته المصادر التي اعتمدها في البحر الرائق، وعدَّ
منها: ((السراج الوهاج))، وهذا واقع البحر الرائق، فقد أكثر النقل عنه
معتمداً عليه.
وكذلك الحال من اعتباره في كتب المذهب، كالحصكفي في ((الدر
المختار))، وابن عابدين في حاشيته وغيرهما.
بل أسبق مَن وجدتُه ينقل عن ((السراج الوهاج)) بكثرةِ معتمداً عليه:
الإمام الفقيه الحنفي الكبير ضياء الدين القرشي، المتوفى سنة ٨٥٤هـ، في
كتابه: ((البحر العميق في مناسك المعتمر والحاج إلى بيت الله العتيق)).
* فإن قيل: إن في السراج الوهاج بعض الروايات والأقوال الضعيفة
المنقولة.

٣٢
وصف مؤلفاته
قلت: يُجاب عنه بأنه إن كان كذلك فلا يمنع هذا من اعتماده وقبوله،
ولا نجعل ذلك سبباً لهدمه وعدم اعتباره، وعدّه من الكتب غير المعتمدة
في المذهب، فهذا شأن كثيرٍ من كتب المذهب حين يذكرون روايةً ضعيفةً
للإعلام بها، والتنبيه إليها، أو تكون مرجحة عند فريق من علماء
المذهب، دون آخرين، وليس المقام هنا مناسباً لبسط ذلك.
ويبقى ((السراج الوهاج)) في مقامه العالي المعتمد، ولا يضرُّه ما قيل فيه.
* وأذكِّر هنا بأنه قام مجموعةٌ من طلاب الماجستير والدكتوراه بتحقيق
((السراج الوهاج))، في جامعة الأزهر، وجامعة الدمام، وجامعة الملك
فيصل في الأحساء، ولكن لم يُنسَّق بين أعمالهم، ولم يُطبع الكتاب بعد.
٦- الجوهرة النيرة :
وهو شرحٌ لمختصر القدوري، اختصره من كتابه: ((السراج الوهاج))،
كما ذكر هذا صاحب كشف الظنون (١)، ولم يصرِّح بهذا المؤلف في
مقدمة الجوهرة، والواقع يشهد أنه اختصارٌ له، ويعزو إليه في مواطن
عديدة من الجوهرة، وفيما يلي دراسةٌ خاصة عنه، تبيِّن منهج مؤلفه فيه،
وحال الكتاب، وتُبرز مكانته وميزاته، ثم أُعقب ذلك بذكر نماذج منه ومن
أصله ((السراج الوهاج))؛ ليقارن القارئ الكريم بينهما، ويقف على حقيقة
الفرق بينهما عن قُرْبٍ ومعاينة.
(١) ١٦٣١/٢، وفي ترجمته في البدر الطالع ١٦٦/١ قال الشوكاني: ((له
شرحان لمختصر القدوري: صغیرٌ، وکبیرٌ)).

٣٣
دراسة عن الجوهرة النيرة
دراسة عن الجوهرة النيرة
مع بيان منهج المؤلف فيه، وذكر مكانته وميزاته
أما عن منهج المؤلف في الجوهرة النيرة، فقد قال في مقدمته:
(( ... وبعد: فهذا شرحٌ لمختصر القدوري، جمعتُه بألفاظِ مختصرة،
وعبارات ظاهرة، يشتمل على كثيرٍ من المعاني والمذاكرة، أوضحتُه لذوي
الأفهام القاصرة، والهِمَم المتقاصرة، وسمَّتُه بـ: (الجوهرة النيرة) ... )). اهـ
ومن فحوى كلامه هذا، ومن مخالطتي الطويلة للكتاب، يمكن إظهار
منهجه وخطته التي سار عليها، وذلك في النقاط التالية:
١ - إن الجوهرة النيرة شرحٌ كاملٌ لمختصر القدوري، وليس حاشيةً
وتعليقاً عليه.
٢ - جَمَعَ المؤلف هذا الشرح المبارك من مصادر كثيرة عالية، وانتقى
بذكاءِ نصوصَه الغالية، ومسائله النادرة النافعة، وأَلَّف بينها ونسَّق، وحقّق
فيها ودقّق، ولم يكن مختصِراً لكتابٍ معيَّن ممن تقدَّمه، أو شرحٍ محدّدٍ
مما وقف عليه، وإنما سَبَقَ جَمْعُه هو لهذه النصوص، وبأوسع من هذا في
شرحه الكبير: ((السراج الوهاج))، والذي اختصره هنا في الجوهرة النيرة،
محرِّراً له ومُجَوِّداً، ومُحَسِّناً له ومنوِّراً.

٣٤
دراسة عن الجوهرة النيرة
٣- إنه شرحٌ مختصر بالنسبة لغيره من الشروح المطوَّلة، ويمكن القول
بأنه شرحٌ متوسطٌ.
٤- جاءت عبارات ((الجوهرة النيرة)) وجيزةً مختصرةً مفيدةً، وخيرُ
الكلام ما قلَّ ودلّ.
٥- إن عبارات الكتاب منفتحةً ظاهرةً واضحة للقارئ، ليس فيها
غموضٌ ولا انغلاق.
٦- جاء هذا الشرح للمتفقَّهين المبتدئين، ممن قَصُرت أفهامُهم، ولم
تُشحَذ هِممهم.
٧- حوى هذا الشرح فقهاً كثيراً، وعلماً جمَّاً فيَّاضاً، كما ضمَّ فروعاً
فقهية كثيرة أضافها المؤلف على مسائل القدوري.
٨- يزيد المؤلف أحياناً باباً أو فصلاً على مختصر القدوري يرى أن
الحاجة تدعو لوجوده، وإيقاف القارئ عليه، كما فعل هذا في باب
الاستبراء، فقد ذكره في كتاب البيوع، حين تكلم عن بيع الإماء، وقال:
(باب الاستبراء: هذا بابٌ لم يذكره الشيخ - أي القدوري - وهو لا
يُستغنى عنه)). اهـ، ثم جاء بمسائله كاملة.
٩- يُشير في كثير من المواطن إلى اختيارات الإمام القدوري في
مختصره حال أختلاف الروايات في المذهب، أو اختلاف علمائه، مصرِّحاً
بذلك بقوله: ((وهو اختيار الشيخ)».اهـ
١٠- من منهج المؤلف أنه يذكر الخلافَ الحاصل بين علماء
المذهب، كما يذكر كثيراً خلاف الشافعية، وبأقل منه خلاف المالكية،

٣٥
دراسة عن الجوهرة النيرة
وأحياناً يذكر خلاف الحنابلة.
١١ - كثيراً ما ينقل المؤلف عن المصادر بتصرف يسير أو كبير، وهذا
شأن كثير من المصنفين.
١٢ - يهتمُّ المؤلف بالردِّ على مَن يُسمِّيهم: ((المتقشِّقة)»، وكأنه أراد
بهم المتزهِّدة الجهَّال البعيدين عن الفقه، كما جاء في كتاب الرهن، حيث
ردَّ على قولهم في مسألةٍ من مسائل الرهن، حيث يقولون: إن ما يكون
مُعَداً للطاعة: لا يجوز رهنه؛ لأنه في صورة حَبْسه عن الطاعة، كما يردُّ
على الظاهرية، ويسميهم: ((أصحاب الظاهر))، وذلك في أقوالهم الفقهية
الظاهرة الفساد، البعيدة عن الحق.
١٣ - لاحظتُ خلال نَقْل المؤلف فروعاً ومسائلَ عن أكثر من مصدرٍ
أن ذلك يؤدي أحياناً إلى تكرار ذِكرٍ بعض المسائل، وذلك بسبب ذكرها
في كلِّ من النصَّيْن.
١٤ - يذكر المؤلف في كثير من المواضع بعد ذكره لعدة فروعٍ يذكر
الضابط الفقهي لها، أو القاعدة الفقهية التي تضم تلك الفروع ونحوها من
أبواب أخرى.

٣٦
ميزات كتاب الجوهرة النيرة
ميزات كتاب الجوهرة النيرة
لكتاب (الجوهرة النيرة) مزايا عظيمة بهية يتألّق بها على غيره، وقد
ذكر مترجمو الإمام الحداد ثناء عطراً على مؤلفات الإمام الحداد في
المذهب الحنفي، كما تقدم، ومنها: ((الجوهرة النيرة)).
كما رأيت ثناءً خاصاً على الجوهرة النيرة في آخر النسخة الخطية التي
گُتبت بتاریخ ١٠٤١ هـ، حیث کتب في آخرها:
((تمَّ هذا الكتاب المبارك، الذي لم يَسمح الدهرُ بمثاله، ولم يَنسُجْ
ناسجٌ علی مِنواله)». اهـ
ويمكن إبراز هذه الميزات البارعة للجوهرة النيرة في النقاط التالية:
١- وضوح عبارة الكتاب، وسهولةُ ألفاظه، مع سلاستها، وبُعده عن
العبارات المُغْلَقة المعقَّدة، مما أدى إلى فهمه والقُرب من معناه، وقد
صدَّق واقعُه ما صرَّح به مؤلّفه في مقدمة كتابه، حیث قال:
((فهذا شرحُ مختصر القدوري، جمعتُه بألفاظ مختصرة، وعبارات
ظاهرة، تشتمل على كثيرٍ من المعاني والمذاكرة، أوضحتُه لذوي الأفهام
القاصرة، والهِمَم المتقاصرة ... )". اهـ
وكذلك جاء في مقدمة أصل الجوهرة النيرة، وهو السراج الوهاج،
قال واصفاً له:
((جمعتُه بألفاظ وجيزة، ومعانٍ مفيدةٍ، سهل المأخذ والمَقَادة، قريب
ء
المعنى والاستفادة، أوضحتُه لكلِّ طالبٍ محتاج)). اهـ

٣٧
ميزات كتاب الجوهرة النيرة
٢- اهتمامه وبخاصة في مسائل فقه المعاملات بتصوير المسائل،
وضَرْب الأمثلة عليها، مما يجعلها قريبةً إلى عقل القارئ، واضحةً
المطلوب والمراد، بيِّنَةً مفهومةً بسهولة، إذ بالمثال يتّضح المقال.
٣- يمتاز كتاب الجوهرة النيرة بتوسط حجمه، فهو ليس بالشرح
الطويل المُمِلِّ، ولا بالقصير المُخِلِّ، وخيرُ الأمور أوساطها.
٤- ذكره لخلاف أئمة المذهب الحنفي مع قول الإمام أبي حنيفة،
وبخاصة أبي يوسف ومحمد، مع الإكثار من ذكر خلاف زفر، وأحياناً
خلاف الحسن بن زياد، وكذلك خلاف بقية المذاهب الأربعة، فهو كتابٌ
في الفقه المقارن، يرى فيه القارئ* سعةً خلاف الفقهاء، وما فيه من رحمةٍ
وتوسعة على الأمة، ودفع ضيقٍ ومشقات.
٥- ذكره في مسائل كثيرة للراجح في المذهب المعتمد فيه، إما نقلاً
عن غيره، وإما ذاكراً له منشئاً بدون عزوٍ لأحد، فهو من الكتب التي تهتم
بذكر الراجح في المذهب، المعتمد فيه، مع التنبيه هنا إلى أنه قد يخالفُه
غيرُه من علماء المذهب في ذلك الرأي المختار، فهذا شيء طبيعي جداً،
وليس المجال هنا متسعاً لبسط هذه الفكرة.
٦- كثرة فروعه الفقهية ومسائله الرائعة التي انتقاها من بطون كتب
الحنفية، وأهداها للقارئ؛ ليكون على ذُكرِ منها، وفائدة وإفادة.
٧- كثرة مصادره المتنوعة من كتب المذهب، ووفرة نقوله المنتقاة
الرائعة.
٨- ذكره في مواطن عديدة فوارقَ لنسخ مختصر القدوري الذي
يشرحه، وذلك إذا كان الفرق بينها مهماً، وله أثر في المعنى، مع توجيهها
وبيانها.
٩- إعطاءَ المؤلّفِ القارئَ في كثيرٍ من المسائل الثمرةَ والزبدةَ في
31

٣٨
ميزات كتاب الجوهرة النيرة
خلاف علماء المذهب بشكلٍ مختصرٍ جداً، وأحياناً يذكر الخلافَ بدون
ذکر أصحابه.
١٠- ومما ظهر لي من مزايا وفوائد الجوهرة النيرة: أن الإمام الحداد
حين ذكر في الجوهرة في كتاب اللعان ضبطَ كلمة: (زَنَتْ)): التي وردت
في مختصر القدوري، قال:
((وفي روايةٍ للفقيه ابن دعَّاس ـ أبي بكر بن عمر الفارسي، المتوفى
سنة ٦٦٧ هـ ـ: زُنَّت: بالتشديد: أي قُذِفت)). اهـ
وبهذا قد استفدت من هذه الجملة فائدةً نادرةً جديدةً مهمة، لم أقف
عليها خلال دراستي السابقة عن مختصر القدوري عند خدمتي لشرح
اللباب للميداني، وهي أن لكتاب مختصر القدوري أئمةٌ رواةٌ فقهاء، روَوْه
عن مؤلَّفه بالسند المتصل، ولكل راوٍ ضبطٌ معيَّنٌ لنص نسخته، وأن من
هؤلاء الرواة: الإمام ابنُ الدعَّاس المذكور.
ويثير هذا النصُّ تطلّع النفس لمعرفة بقية رواة مختصر القدوري
ءُ
وطبقاتهم إلى عصرنا هذا، وبهذه المناسبة أذكر هنا أن الله تعالى قد
أكرمني ولله الحمد بسندٍ عامٍّ وخاصٍّ، عالٍ متصل في الحديث النبوي
وغيره من العلوم الشرعية، ومنها سندٌ إلى فقهاء المذاهب الأربعة، ومنهم
السادة الحنفية.
وذلك من طريق شيخنا العلامة الشهير المحدِّث الفقيه المسند الكبير
الشيخ محمد ياسين الفاداني المكي، المتوفى بمكة المكرمة سنة
١٤١٠ هـ، وأيضاً من طريق شيخنا العلامة المحدِّث الناقد المحقق البارع
الفقيه الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني، المتوفى في باكستان سنة
١٤٢٠ هـ، وكذلك من طريق غيرهما من كبار سادات علماء الحرمين

٣٩
ميزات كتاب الجوهرة النيرة
الشريفين، وعلماء الشام ومصر وتركيا، وبلاد الهند والسند وباكستان،
وعلماء المغرب وتونس وليبيا، وغيرهم من بلادٍ شتى، جَمَعَنا الله بهم في
مستقرِّ رحمته على أحسن حالٍ مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وصحبه الكرام رضي الله عنهم.
١٢ - ومن المزايا الرائعة التي وقفتُ عليها في الجوهرة، ما ذَكَرَه من
تقسيمٍ منطقي جميلٍ لموضوعات الدين والفقه الإسلامي كله، وأضع فيما
يلي هذا التقسيم أمام القارئ الكريم؛ ليرى ذلك بنفسه، فقد قال رحمه
الله في مطلع كتاب الزكاة من الجوهرة النيرة:
(المشروعاتُ خمسةٌ:
اعتقاداتٌ، وعباداتٌ، ومعاملاتٌ، وعقوباتٌ، وكفاراتٌ.
١- فالاعتقادات خمسةً: الإيمان بالله، وملائكته، وكُتُبِه، ورُسُلِه،
واليوم الآخر.
٢- والعباداتُ خمسةٌ: الصلاةُ، والصومُ، والزكاةُ، والحجُّ، والجهادُ.
٣- والمعاملات خمسةٌ: المعاوضات، والمناكحات، والمخاصمات،
والأمانات، والشركات.
٤- والعقوبات خمسةُ مَزَاجِر: مَزجرةُ قتلِ النفس، كالقصاص،
ومزجرةُ أخذ المال، كالقطع في السرقة، ومزجرة هَتْك السَّتَر، كالجلد
والرجم، ومزجرة ثَلْب العِرض، كحد القذف، ومزجرةُ خَلْعِ البَيْضة،
كالقتل على الرِّدة.
٥- والكفارات خمسةٌ: كفارةُ القتل، وكفارةُ الظِّهار، وكفارة الإفطار،
وكفارة اليمين، وكفارةُ جنايات الحج.

٤٠
ميزات كتاب الجوهرة النيرة
وترجع العبادات الخمس إلى ثلاثة أنواع:
- بدنيْ مَحْضٌ، كالصلاة والصوم والجهاد.
ـ وماليَّ مَحضٌ، كالزكاة.
۔ ومركّبٌ منهما، کالحج)). اهـ من كلامه رحمه الله.
١٣- وفي هذه المناسبة أذكر أن من فوائد خدمتي للجوهرة النيرة،
ومراجعتي خلال العمل للنسخ الخطية لمختصر القدوري: أنه تكشّفت لي
فوائد جديدة تتعلق بنص مختصر القدوري، ما بين تحسيني منها
وتكميلي، وبذلك تمّ صَفْل نصِّه أكثر وأكثر، مع زيادةٍ في تحريره وتدقيقه
وتقريره، وكذلك كان الحال بالنسبة لشرحه اللباب للميداني، وهذا فضل
من الله تعالى، ولم يكن ذلك بالحُسْبان، لكنه توفيق الله وعونه، وسيكون
لهذا كله إن شاء الله أثرٌ تحسيني وتكميلي في الطبعة الثالثة القادمة إن
شاء الله لمتن القدوري، وشرحِه اللباب للعلامة الميداني.
١٤ - ومن فوائد الجوهرة النادرة أن صاحبها ألمع إلينا بشيءٍ عن منهج
الإمام القدوري في مختصره، مما لم أرَ مَن نَّه أو أشار إليه، فقد قال
رحمه الله في نواقض الوضوء:
((ومِن دأب الشيخ - الإمام القدوري - أنه يبدأ بالمتَّفَق عليه، ثم
بالمختلف فیه». اهـ
أي يبدأ الإمام القدوري في ذكر المسائل وعَرْضها في الباب بما اتفق
عليه أئمة المذهب، ثم يأتي بالمختلف فيه فيما بينهم.