Indexed OCR Text

Pages 41-60

١٤ - خلف بن أحمد ، يعرف بابن أبي جعفر ، أبو القاسم القرطبي (ت
٣٩٣ هـ ) ، وانظر رواية ابن عبد البر عنه في هذا الكتاب برقم : ٣٣ .
١٥ - إبراهيم بن شاكر بن خطاب بن شاكر اللِّحائي اللَّهجام، أبو إسحاق
القرطبي ، انظر رواية ابن عبد البر عنه في هذا الكتاب برقم : ٣٦
٤٧، ٤٩، ٥٠، ٠٥١
00
0
٣٧

المبحث الثالث
تلاميذه(١)
لما اشتهر ابن عبد البر وفاق رجال عصره علما وفضلا ، اتجه إليه الطلبة من
كل مكان قصد النهل من علومه ، والظفر بعلو سنده ، لذلك فقد كثر
تلاميذه بشكل كبير يجعلهم لا يحصون كثرة ، ونظرا لضيق المقام فإنني
سأذكر بعضا من أشهرهم في هذا المبحث مع الإحالة إلى مظان تراجمهم :
١ - الإمام الحافظ المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم
القرطبي ( ت ٤٥٦ هـ ) صاحب التصانيف(٢).
٢ - الحافظ أبو الحسن طاهر بن مفوز بن أحمد المعافري الشاطبي
( ت ٤٨٤ هـ )، كان من أهل العلم مقدما في المعرفة والفهم ، وهو
الذي صلى على أبي عمر بن عبد البر حين توفي(٣).
٣ - الحافظ الحسين بن محمد بن أحمد الغساني ، أبو علي الجياني
( ت ٤٩٨ هـ ) ، رئيس المحدثين بقرطبة ، وكان من جهابذة المحدثين
وكبار العلماء المسندين ، له كتاب تقييد المهمل وتمييز المشكل(٤).
٤ - الحافظ الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي نصر، فتوح بن عبد الله بن
فتوح بن حميد الأزدي الحُمَيْدي ، من كبار المحدثين ، له كتب كثيرة
(١) ذكر محمد بن يعيش في كتابه ابن عبدالبر حياته وآثاره ومنهجه ومنهجه في فقه السنة ص
١٢٩ - ١٤٤ قائمة طويلة بأسماء تلاميذه ، فليراجع .
(٢) انظر الصلة ٢ / ٤١٥ .
(٣) المصدر السابق ١ / ٢٤٠ .
(٤) المصدر السابق ١ / ١٤٢.
٣٨

منها الجمع بين الصحيحين وجذوة المقتبس(١).
٥ - المحدث سفيان بن العاصي، أبو بحر الأسدي الأندلسي
( ت ٥٢٠ هـ )، من جلة العلماء بقرطبة في عصره(٢).
٦ - سليمان بن أبي القاسم نجاح مولى أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله ، أبو
داود المقرئ ( ت ٤٩٦ هـ ) من كبار علماء الأندلس برع في علم
القراءات(٣).
٧ - موسى بن عبد الرحمن بن خلف بن موسى بن أبي تليد الشاطبي
( ت ٥١٧ هـ ) فقيه حافظ ومحدث مشهور (٤) .
٨ - عبد الرحمن بن محمد بن عَّاب بن محسن ، أبو محمد القرطبي
(ت ٥٢٠ هـ) ، آخر الشيوخ الجلة الأكابر بالأندلس في علو الإسناد
وسعة الرواية (٥) .
(١) انظر السير ١٩ / ١٢٠.
(٢) انظر الصلة ١ / ٢٣٠.
(٣) المصدر السابق ١ / ٢٠٣ .
(٤) المصدر السابق ٢ / ٦١٠ .
(٥) انظر الصلة ٢ / ٣٤٨ .
٣٩

المبحث الرابع
رحلاته
الرحلة في طلب العلم - ولاسيما الحديث - عادة متبعة عند العلماء منذ
عصر الصحابة والتابعين ، لما لها من فوائد عظيمة كارتياد مراكز العلم
واللقاء بكبار الشيوخ والحفاظ والأخذ عنهم واستجازتهم والرواية عنهم ،
أيضا التثبت من الحديث وطلب السند العالي وغيرها من الفوائد التي قد لا
يتمكن المحدث من الحصول عليها في حالة عدم خروجه من بلده .
وارتبطت الرحلة العلمية بالأندلس منذ استقرار الخلافة بها بالرغبة في أداء
فريضة الحج ، هذا بالنسبة للذين رحلوا إلى المشرق ، أما الذين رحلوا داخل
الأندلس فكانت رحلاتهم في الغالب بدافع الاضطرار ، ومترجمنا الحافظ
ابن عبد البر لم يخرج من الأندلس طيلة حياته ، لكنه تنقل بين أرجائها
وكان دافعه إلى الرحلة هو العامل السياسي ، فقد أشار المؤرخون إلى أنه
جلي عن وطنه قرطبة ، وذلك بسبب الفتنة البربرية التي عرفت فيها
الأوضاع تدهورا كبيرا ومعاناة مريرة ، فقد هاجم سليمان بن الحكم الذي
تزعم البربر قرطبة قصد انتزاع الخلافة من المهدي محمد بن هشام الأموي
فاجتمع مع البربر سنة ٤٠٠ هـ ، وقاموا بمهاجمة قرطبة والاستيلاء عليها ،
واستمرت الحرب قرابة سبع سنوات شهدت فيها قرطبة مذابح رهيبة أودت
بحياة عدد من العلماء منهم أبو الوليد ابن الفرضي أحد شيوخ ابن عبد البر
البارزين ، ومن هول ما شهدته قرطبة من حوادث أليمة اضطر الناس للهجرة
حفاظا على أرواحهم ، وكان من ضمن المهاجرين أبو عمر بن عبد البر
٤٠

الذي استمر بقية حياته متنقلا بين ربوع الأندلس ، وقد استغل هجرته هذه
في الاستماع إلى كبار علماء عصره والأخذ عنهم(١)، فكان في الغرب
مدة ، ثم تحول إلى شرق الأندلس وسكن منه دائية وبلنسية وشاطبة (٢).
وتذكر المصادر أنه استقر بدانية ، وهي مدينة في أقصى شرق الأندلس(٣)
كان يحكمها أمير يحترم العلم ويقرب العلماء ، وهو الأمير مجاهد العامري
وبدانية قضى ابن عبد البر أجمل أيامه ، إذ فيها وجد راحته ، فأقبل على
التدريس والتأليف (٤).
يقول ابن سعيد: (( الأفق الداني الذي ظهر فيه علمه وعند ملوكه خفق
علمه))(٥) لكن مقامه بدانية لم يدم حيث اتجه غرب الأندلس ، فاتصل بالمظفر
بن الأفطس صاحب بطليوس وولاه القضاء على أشْبُونَه (٦) وشَتْتَرِين(٧)، (٨).
(١) انظر ما كتبه حول عصر ابن عبدالبر والأحوال العامة فيه كل من: محمد مرسي الخولي في تقديمه
لكتاب بهجة المجالس، وليث سعود جاسم في كتابه ابن عبدالبر وجهوده في التاريخ ص ١٧ - ٩٦ ،
ومحمد بن يعيش في كتابه ابن عبدالبر حياته وآثاره ومنهجه في فقه السنة ص ١٣ - ٣٨ .
(٢) انظر الصلة ٢ / ٦٧٩، والسير ١٨ / ١٥٦، والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ٢ / ١٨٨.
(٣) انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ٢ / ٤٩٤، ومراصد الاطلاع للبغدادي ٢ / ٥١٠،
والروض المعطار للحميري ص ٢٣١ .
(٤) انظر ابن عبدالبر حياته وآثاره ومنهجه في فقه السنة لمحمد بن يعيش ص ٧٤
(٥) المغرب في حلى المغرب لابن سعيد ٢ / ٤٠٧ .
(٦) مدينة في غرب الأندلس تتصل بشنترين قريبة من البحر المحيط ، وتسمى الآن لشبونه باللام ،
وهي عاصمة البرتغال حاليا، وانظر معجم البلدان ١ / ٢٣١، ومراصد الاطلاع ١ / ٨٠
(٧) مدينة في غربي الأندلس غربي قرطبة ، يطلق عليها حاليا SANTAREM ، وانظر
معجم البلدان ٣ / ٤١٦، ومراصد الاطلاع ٢ / ٨١٥، والروض المعطار ص ٣٤٦
(٨) انظر وفيات الأعيان لابن خلكان ٧ / ٦٧، والسير للذهبي ١٨ / ١٥٦ ، والمختصر في أخبار
البشر لأبى القداء ٢ / ٨٨ .
٤١

واستمر في غرب الأندلس زمنا طويلا من سنة ٤٣٨ هـ إلى وفاة المظفر بن
الأفطس سنة ٤٦٠ هـ (١).
وبعد هذا رجع إلى شرق الأندلس متنقلا بين بلنسية وشاطبة(٢)، وتذكر
بعض المصادر أنه دخل إشبيلية قاصدا المعتضد بن عباد من أجل ابنه محمد
الذي كان أحد الكتاب والأدباء عند هذا الأمير قبل أن يتغير عليه ويودعه
السجن ، فجاء أبوه ابن عبد البر ودخل على المعتضد ، ولأول دخوله نادى
رافعا صوته : ابني يامعتضد ، فشفعه فيه ، وأخرج ابنه من السجن ، فانصرفا
محفوفين بالإكرام ومكنوفين بالاحترام(٣)، وفي نهاية المطاف استقر بشاطبة
وبها توفي(٤) رحمه الله رحمة واسعة .
وهكذا عاش ابن عبدالبر حياته متنقلا بين أرجاء الأندلس ، ويمكن أن
نقول : إن أول جولته الاضطرارية هذه قضاه في الاستماع إلى علماء تلك
البلاد التي حل فيها ، وفي الوقت نفسه بدأ يقطع طريقه إلى الشهرة ، حتى
صار علما من أعلام المحدثين بالديار الأندلسية ، بل صار أحفظ أهل المغرب
بلا منازع ، يتنافس الطلبة في السماع منه والأخذ عنه .
°
(١) انظر كتاب ابن عبدالبر حياته وآثاره ومنهجه في فقه السنة لمحمد بن يعيش ص ٧٤ .
(٢) انظر إعتاب الكتاب لابن الآبار ص ٢٢١ .
(٣) انظر المغرب لابن سعيد ٢ / ٤٠٨، وإعتاب الكتاب ص ٢٢٠ - ٢٢١،
(٤) انظر السير للذهبي ١٨ / ١٥٦.
٤٢

المبحث الخامس
مذهبه الفقهي
اختلفت أنظار أهل العلم في تحديد مذهب ابن عبد البر الفقهي
فتذكر بعض المصادر أنه كان ظاهريا أثريا لمدة طويلة ، ثم رجع إلى القول
بالقياس(١) ، أما بعد رجوعه عن المذهب الظاهري ، فمن أهل العلم من
ذهب إلى أنه صار شافعيا ، ومنهم من ذهب إلى أنه تمذهب بالمذهب
المالكي ، وهناك رأي آخر يقول بأنه صار مجتهدا لا يقلد أحدا ، وفيما يلي
عرض لهذه الأقوال مع مناقشتها وبيان الراجح منها :
١ - ذهب الحميدي إلى أن ابن عبد البر يميل في الفقه إلى مذهب الشافعي
رحمه الله (٢) .
٢ - وذهب الذهبي إلى أنه مالكي ، فقال بعد نقله كلام الحميدي :
((المعروف أنه مالكي))(٣).
٣ - وجزم ابن كثير بأنه كان مالكيا مع ميل إلى أقوال الشافعي ، فقال بعد
أن ترجم له في كتابه طبقات الشافعية ما يلي: (( ولا يشك إنسان من
أهل العلم أنه كان مالكي المذهب، فرَّع عليه وأصَّل، وشرح الموطأ
بالتمهيد واختصر ، وإنما حملنا على إيراده مع الشافعية قول أبي عبد الله
الحميدي : كان أبو عمر حافظا مكثرا عالما بالقراءات والخلاف وبعلوم
(١) انظر السير للذهبي ١٨ / ١٥٧ .
(٢) الجذوة ص ٣٦٧ .
(٣) السير ١٨ / ١٦٠.
٤٣

الحديث والرجال ، قديم السماع لم يخرج من الأندلس مثله ، وكان
يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي .
قلت : - أي ابن كثير - من جملة ميله إلى مذهب الشافعي تصنيفه في
الجهر بالبسملة وانتصاره لذلك(١)، وهي من المسائل المشهورة في
المذهب ، بل من أفراده وهي كالسّعار(٢) على أصحابنا من دون سائر
الفقهاء))(٣).
٤ - وخالف الكتاني الآراء السابقة في تعيين مذهب ابن عبد البر الفقهي
فذهب إلى أنه كان مجتهدا مع اعتماده ورجوعه لأصول مالك ، وفيما
يلي كلامه: (( وأقول من تتبع كتب ابن عبد البر علم أنه أبعد الناس عن
التقليد الأعمى والاسترسال فيه ، وتحقق أنه كان يختار مع اعتماده
ورجوعه لأصول مالك ومذهبه رحمه الله ، وأقل نظرة يرسلها الرجل
في كتاب فضل العلم له يرى الأمر جليا )) (٤).
هذه بعض آراء أهل العلم حول مذهب ابن عبد البر الفقهي ، ومن خلال
(١) يقصد ابن كثير هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه ، وقوله بأن في هذا الكتاب ميلا لمذهب
الشافعي تابع فيه أباشامة المقدسي ، والحق أن ابن عبدالبر لم يمل إلى مذهب الشافعي ولا إلى
مذهب غيره من الأئمة ، بل وضع كتابه هذا ليقف به الناظر على ما كان عليه علماء السلف في
قراءة البسملة كما صرح بذلك في مقدمة كتابه هذا ، وانظر ص ١١٣ من هذا الكتاب .
(٢) الشعار: بالضم الحر والتوهج، وقيل أيضا الجنون . وانظر اللسان ٤ / ٣٦٥، والقاموس ص
٥٢٢ .
(٣) طبقات الشافعية ق ١٤٢ / ب ( مخطوط ) ، وقد طبع هذا الكتاب مؤخرا طبعة تجارية مليئة
بالسقط والتصحيف ، ولذلك أعرضت عن الإحالة إليها هنا .
(٤) فهرس الفهارس ٢ / ٨٤٣ .
٤٤

تأملي ودراستي لها تبين لي أن ما نص عليه الكتاني هو الأقرب للصواب ،
فابن عبد البر كان مجتهدا توفرت له أدوات الاجتهاد وهذه كتبه شاهدة
بذلك ، فكل من تتبعها سوف يلمس الاستقلال الفكري عنده في دراسة
النصوص الشرعية ، فهو يخوض فيها حسب الأصول والقواعد الاجتهادية
المتعارف عليها ، فإن صادف رأيه رأي أحد من أئمة المذاهب صوبه ورجحه
وإن خالف رأيه رأيهم رد عليهم مؤيدا قوله بالبراهين والحجج النقلية
والعقلية .
وقد بين منهجه هذا فقال : (( الواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل
من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها ، وذلك لا يعدم
فإن استوت الأدلة ، وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة ، فإذا
لم يَين ذلك وجب التوقف، ولم يجز القطع إلا بيقين ... ))(١).
وله في هذا أيضا أبيات شعرية ذمَّ فيها التقليد وبيَّن الواجب عند اختلاف
العلماء منها :
لافرق بين مقلد وبهيمة
تنقاد بين جنادل ودعائر
تبا لقاض أولفت لايرى
عللا ومعنى للمقال السائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة
المبعوث بالدين الحنيف الطاهر
(١) جامع بيان العلم وفضله ٢ / ٨٠ - ٨١ .
٤٥

وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد
ومع الدليل فمِل بفهم وافر
وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس
فرعا بفرع كالجهول الحائر (١)
ويؤيد ما رجحته هنا صنيع الإمام ابن حزم الأندلسي حيث جعل ابن عبد
البر في رسالته: ((أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في
كثرة الفتيا )) من أهل الاجتهاد وأهل العناية والتوفر على طلب أحكام القرآن
وفقه كلام رسول الله عَّةٍ وإجماع العلماء واختلافهم والاحتياط لأنفسهم
فيما يدينون به ربهم تعالى(٢) .
00
(١) جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١١٥ .
(٢) انظر رسالة أصحاب الفتيا ضمن: جوامع السيرة وخمس رسائل أخرى لابن حزم ص ٣٣٥.
٤٦

رِقُ
عبد الَّحمي التجري
أسليس اللي الفروق
www.moswarat.com
الفصل الرابع
جهوده العلمية وثناء الناس عليه
O وفيه أربعة مباحث :
المبحث الأول : جهوده فى الحديث والفقه .
المبحث الثانى : جهوده فى علوم أخرى .
المبحث الثالث : جهوده فى تقرير عقيدة السلف .
المبحث الرابع : ثناء الناس عليه .

عبد المَحرير التجري
أسيّى اللهُ الفردوس
www.moswarat.com

عبد الرّحمي التجريٌّ
أسكت اللهُ الفراق
www.moswarat.com
المبحث الأول
جهوده في الحديث والفقه
ساعدت روافد ثقافة ابن عبد البر العلمية من تحصيل علو الإسناد وقدم
السماع ولقاء الحفاظ والمذاكرة معهم والاستفادة منهم في بزوغ نجمه
وظهور علمه في ميدان الحديث والفقه ، فله جهود مشكورة وأثر واضح في
إثراء العلوم الإسلامية بشكل عام وعلم الحديث والفقه بشكل خاص
ويظهر ذلك في العديد من الأمور التي لا يسعني المجال هنا للاستطراد فيها
والتفصيل في بيانها ، وإنما سأحاول الإشارة إلى بعضها في هذا المبحث .
فأقول وبالله التوفيق : يتجلى أثر ابن عبد البر في علم الحديث وعلم الفقه
في الأمور التالية :
١ - اهتمامه بالرواية ، فهو أحد الأئمة المسندين ، وقد روى كمّا هائلا من
الأحاديث والآثار ، توجد منثورة داخل كتبه لو قام أحد بجمعها
لشكلت مسندا خاصا به .
٢ - دراسته النقدية للأحاديث، فهو يتكلم على الأحاديث تصحيحا
وتضعيفا مع بيان عللها ووجه الوهم فيها .
٣ - عنايته بالجرح والتعديل ، فقد تكلم على عدد كثير من الرواة جرحا
وتعديلا خصوصا في كتابه التمهيد .
٤ - قدرته على الاستنباط وذكر الأحكام الفقهية من خلال دراسته
للأحاديث ، ويظهر جانب فقه الحديث وبراعة ابن عبد البر فيه بجلاء
في كتاب التمهيد ، مما جعل ابن حزم ينوه بكتاب التمهيد قائلًا :
٤٩

((كتاب التمهيد لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر - وهو الآن بعد
في الحياة لم يبلغ سن الشيخوخة - وهو كتاب لا أعلم في الكلام على
فقه الحديث مثله أصلا، فكيف أحسن منه ))(١) .
ومن أهم ما ينبغي أن يسجل ضمن جهود ابن عبد البر في الميدان
الفقهي دعوته إلى نبذ التقليد والتعصب لأئمة المذاهب ، ومناداته
بضرورة اتباع الكتاب والسنة إن صح الدليل ، وقد سبق أن ذكرت هذا
في المبحث الذي خصصته لبيان مذهبه الفقهي (٢).
وفي ختام هذا المبحث أذكر بعضا من اختيارات ابن عبد البر الفقهية :
١ - اختياره أن التيمم ضربتان .
٢ - اختياره أن تارك الصلاة ليس بكافر .
٣ - اختياره أن الصلاة الوسطى مبهمة .
٤ - اختياره جواز الصلاة في المقبرة والحمام .
٥ - اختياره أن الإفراد من الحج أفضل .
٦ - اختياره أن وجوب الحج على التراخي لا على الفور(٣).
(١) رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها لابن حزم ( ضمن رسائل ابن حزم) ٢ / ١٧٩.
(٢) تقدم في ص ٤٣ .
(٣) انظر نماذج من اختيارات فقه ابن عبدالبر للوافي المهدي ص ٢٩ - ٥٠ ، فقد تناول عددا من
اختيارات ابن عبدالبر الفقهية بالدراسة والتحليل .
٥٠

المبحث الثاني
جهوده في علوم أخرى
رغم اشتغال ابن عبد البر بعلم الحديث والفقه ، فإن ذلك لم يمنعه من
العناية بعلوم أخرى ، فقد كانت له مشاركات في التاريخ والأنساب وأيضا
في علم القراءات ، بل برز في هذا العلم حتى أنه ألف فيه أربعة كتب(١)
هذا مع اشتهاره بالشعر والأدب .
يقول أبو علي الغساني: ((وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه
والمعاني له بسطة كبيرة في علم النسب والأخبار))(٢).
ووصفه ابن سعيد بأنه في الأدب فارس ، قال: ((وكفاك دليلا على ذلك
كتاب بهجة المجالس ))(٣) .
وذكر المقري بأن ابن عبد البر من الشعراء الأندلسيين المتوقدي الذهن
والسريعي البديهة ، وبأن طابع الحكمة والنصح والزهد يغلب على شعره(٤).
وفيما يلي ذكر مقاطع من شعره ، يقول في التنفير من داء حب الرياسة
وما يصيب صاحبها من حقد وحسد :
حب الرياسة داء يخلف الدنيا
ويجعل الحب حربا للمحبينا
(١) انظر هذه الكتب في المبحث الخاص بذكر مصنفاته ص ٦٣.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٥٦.
(٣) المغرب في حلى المغرب ٢ / ٤٠٨ .
(٤) انظر نفح الطيب للمقري ٤ / ٢٨.
٥١

يفري الحلاقم والأرحام يقطعها
فلا مروءة يبقي ولا دينا
من ساد بالجهل أو قبل الرسوخ فلا
تراه إلا عدوا للمحقينا
يبغي ويحسد قوما وهو دونهم
ضاهى بذلك أعداء النبيينا(٥)
وقال يوصي ابنه بالتقوى والزهد :
تجاف عن الدنيا وهَوِّن لقدرها
ووف سبيل الدين بالعروة الوثقى(٦)
٥
000
(٥) جامع بيان العلم وفضله ١ / ١٤٣ - ١٤٤ .
(٦) انظر نفح الطيب ٤ / ٢٨ .
٥٢

المبحث الثالث
جهوده في تقرير عقيدة السلف
نهج ابن عبد البر طريقة السلف في الاعتقاد ، فعمل على توضيحها
وتقريرها من خلال كتبه ، فها هو يدعو إلى التمسك بمذهب السلف في
صفات الباري جل وعلا ، وهو إمرارها كما جاءت والسكوت عنها وعدم
الخوض فيها بالجدال والمناظرة والتأويل .
* فيقول: ((رواها السلف وسكتوا عنها وهم كانوا أعمق الناس علما
وأوسعهم فهما وأقلهم تكلفا ولم يكن سكوتهم عن عَيّ ، فمن لم يسعه ما
وسعهم فقد خاب وخسر))(١).
* وقال أيضًا: ((أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها
في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا
يكيفون شيئا من ذلك ، ولا يحدون فيه صفة محصورة ، وأما أهل البدع
والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحملون شيئا منها على
الحقيقة ، ويزعمون أن من أقر بها مشبه ، وهم عند إثباتها نافون للمعبود ،
والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة
الجماعة والحمد لله ... )) (٢).
هكذا وضح ابن عبد البر منهج أهل السنة والجماعة في صفات الباري عز
وجل وفند شبه أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والخوارج المنكرين
(١) جامع بيان العلم وفضله ٢ / ٩٧ .
(٢) التمهيد ٧ / ١٤٥ .
٥٣

للصفات ، وفي حديث أن ﴿ قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن بيَّن أن
القرآن كلام الله وصفة من صفاته ليس بمخلوق .
* قال رحمه الله: ((وقد ثبت عن النبي عَّةٍ ذلك ، ونحن نقول بما ثبت
عنه، ولا نعدوه ونكل ما جهلنا من معناه إليه عَّ فَبِه علمنا ما علمنا وهو
المبين عن الله مراده ، والقرآن عندنا مع هذا كله كلام الله وصفة من صفاته
ليس بمخلوق ))(١).
وكلام ابن عبد البر في تقرير مسائل الاعتقاد لا يسعه هذا المقام ويكفي أن
نعرف أنه صاحب سنة واتباع(٢)، ولم أجد من أهل العلم من أخذ عليه
شيئا مما يتعلق بالعقيدة سوى ما ذكره ابن تيمية من أن فيه تشيعا يسيرا .
* قال رحمه الله - وهو يتحدث عن تشيع الحاكم صاحب المستدرك - :
(( لكن تشيعه وتشيع أمثاله من أهل العلم بالحديث كالنسائي وابن عبد البر
وأمثالهما لا يبلغ إلى تفضيله - أي عليا - على أبي بكر وعمر، فلا يعرف
في علماء الحديث من يفضله عليهما ، بل غاية المتشيع منهم أن يفضله على
عثمان أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن من قاتله ونحو ذلك
لأن علماء الحديث قد عصمهم وقيدهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة
الدالة على أفضلية الشيخين))(٣).
قلت : تشيع ابن عبد البر - إن صح أن نسميه تشيعا - خفيف جدا فهو لا
(١) التمهيد ١٩ / ٢٣١.
(٢) وصفه بهذا الإمام الذهبي في السير ١٨ / ١٥٧، وقال عنه في تاريخ الاسلام ( حوادث
٤٦١ - ٤٧٠ هـ ) ص ١٤٢: ((وكان سلفي الاعتقاد متين الديانة)).
(٣) منهاج السنة النبوية ٧ / ٣٧٣ .
٥٤

يبلغ درجة تفضيل علي على عثمان ، والدليل على ذلك أنه لم يقدمه عليه
أثناء كلامه على الخلفاء الراشدين .
قال رحمه الله في كتابه الجامع: ((الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر
وعمر وعثمان وعلي، وهم أفضل الناس بعد رسول الله عَ ليه))(١).
والذي صح عن ابن عبد البر في هذا الباب هو إيراده لكثير مما شجر بين
الصحابة في كتابه الاستيعاب ، وقد عاب هذا عليه ابن الصلاح(٢).
وقد درس ليث سعود جاسم هذه المسألة ، وخرج بالخلاصة التالية :
١ - إمساك ابن عبد البر الكلام في ترجمة معاوية وفي التراجم التي يكثر
فيها النقد .
٢ - يبدو في ترجمته لمن ناصر عليا أكثر ميلا، فيذكر بطولاتهم ويصفهم
بالتشيع ومناصرة علي مع تقديم أبي بكر وعمر .
٣ - لم يستعمل لفظا جارحا واكتفى بعرض الخلاف ، وكان على قدر كبير
من التحري والالتزام في سرد الأحداث ونقدها وتصويب اجتهاد بعض
الصحابة وتخطئة البعض الآخر ، ويذكر محاسن من ينتقدهم مع ذكر
بعض المآخذ عليهم كما في ترجمته لمعاوية ومروان بن الحكم (٣).
هذا مع الإشارة إلى أن الرافضة يطعنون في ابن عبد البر ويعتبرونه ناصبيا
فقد طعن فيه ميرزا الخوانساري فقال: ((كان سنيا متعصبا ناصبيا ، ويظهر
من مطاوي كتابه الاستيعاب وإثارات بعض ما ضم الأصحاب أنه كان من
(١) جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١٨٣.
(٢) علوم الحديث ، أو مقدمة ابن الصلاح ص ٤٨٥ .
(٣) ابن عبدالبر وجهوده في التاريخ ص ٤٢٦
٥٥

جملة غرائب النصاب وعجائب المعاندين مع آل محمد الأجلة
الأطیاب ))(١)
(١) روضات الجنات للخوانساري ٨ / ٣٣٣، نقلا عن ابن عبدالبر وجهوده في التاريخ ص ٤٣٠
- ٤٣١ .
٥٦