Indexed OCR Text

Pages 1-20

الاخْتَيَاب
التعليل المختار
تأليف
عبد الله بن محمود بن مودود
الموصلى الحنفى
وعليه تعليقات لفضيلة المرحوم
الشيخ محمود أبو دقيقة
من أكابر علماء الحنفية والمدرس بكلية أصول الدين سابقا
الجزء الرابع
مقرر تدريسه لطلبة السنة الرابعة الثانوية بالجامعة الأزهرية
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

وِعِبْ من: دار الكتب العلمية بيروت- لبنان
حرب: ١١/٩٤٢٤ تلكس: Nasher 41245Le
هاتف : ٣٦٦١٣٥ - ٨١٥٥٧٣

مَنْ يُرِدٍ اللّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فى الدِّينِ
[ حديث شريف ]
باب النفقة
وتَجِبُ لِزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِها إذَا سَلَّمَتْ إلَيْهِ نَفْسَهَا فِى مَنْزِلِهِ نَفَقَُها
وَكِسْوَُتْهَا وَسُكْنَاهَا
بسم الله الرحمن الرحيم
باب النفقة
الأصل فى وجوبها قوله تعالى - أسكنوهن من حيث سکنم من وجد كم ولا تضاروهنّ
لتضيقوا عليهنّ - ثم قال - لينفق ذو سعة من سعته - وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه
- أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهنّ من وجد كم - وقراءته کروايته عن رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى - وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن" بالمعروف - وقال
تعالى - الرجال قوّامون على النساء - ثم قال - وبما أنفقوا من أموالهم - وروى أبو حمزة
الرقاشى عن عمه قال «كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام
التشريق إذ ودعه الناس فقال: اتقوا الله فى النساء)) وذكر الحديث إلى أن قال (( ولهن
عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ" بالمعروف)) وقال عليه الصلاة والسلام لهند امرأة أبى سفيان
((خذى من مال زوجك ما يكفيك وولدك بالمعروف)» ولولا وجوبها عليه لما أمرها
بذلك . وسبب وجوبها احتباسها عند الزوج إذا كان يتهيأ له الاستمتاع وطئا أو دواعيه
أو التحضين لمائه بعد زوال النكاح لأنها لما صارت محبوسة عنده فى حقه عجزت عن
الاكتساب والإنفاق على نفسها ، فلو لم تستحقّ النفقة عليه لماتت جوعا.
قال ( وتجب للزوجة على زوجها إذا سلمت إليه نفسها فى منزله نفقتها وكسوتها وسكناها)

-٤ -
نَعْتَبرُ بِقَدْرٍ حالِهِ، وَهُوَ مُقَدِّرٌ بِكِفِايَِها بِلا تَقْثِيرٍ وَلا إِسْرَافٍ، وَيُفْرَضُ
"َمَا نَفَقَةُ كُلّ شَهْرٍ وَتُسَلَّمُ إَلْها، وَلكِسْوَةُ كُلّ سِنْةٍ أَشْهُرٍ، وَيُفْرَضُِ
"لَمَا نَفَقَةُ خادِمٍ وَاحِدٍ (س) ؛
-
لما مرّ من الدلائل ( تعتبر بقدر حاله) لقوله تعالى - لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه
رزقه فلينفق مما آتاه الله - كذا اختاره الكرخى ، واختار الخصاف الاعتبار بحالهما، فان
كانا موسرين لها نفقة الموسر، وإن كانا معسرين فنفقة المعسر ، وإن كانت موسرة وهو
معسر فلها فوق نفقة المعسرة، وإن كان بالعكس فدون نفقة الموسرة وإن كان أحدهما مفرطا
فى اليسار والآخر مفرطا فى الإعسار يقضى عليه بنفقة الوسط ، والقول قوله فى إعساره فى
حق النفقة لأنه منكر والبينة بينتها لأنها مدعية. قال( وهو مقدّر بكفايتها بلا تقتير ولا إسراف)
لما تقدّم من حديث هند ، وليس فيها تقدير لازم لاختلاف ذلك باختلاف الأوقات
والطباع والرخص والغلاء والوسط خبز البر والإدام بقدر كفايتها ( ويفرض لها نفقة كل
شهر وتسلم إليها ) لأنه يتعذّر القضاء بها كل ساعة، ويتعذّر لجميع المدة فقد رناه بالشهر
لأنه الوسط وهو أقرب الآجال ( والكسوة كلّ ستة أشهر ) لأنه يحتاج إليها فى كل ستة
أشهر باختلاف الحرّ والبرد . وللزوج أن يلى الإنفاق بنفسه ، إلا أن يظهر عند القاضى
أنه لا ينفق عليها فيفرض لها كل شهر على ما بينا ، ويقدّر النفقة بقدر الغلاء والرخص
فى كل وقت ، ولا يقدر بالدراهم والدنانير ؛ ولو صالحته من النفقة على ما لا يكفيها كملها
القاضى إن طلبت ذلك ، وإن كان الرجل صاحب مائدة لا يفرض عليه النفقة ويفرض
الكسوة . قال ( ویفرض لها نفقة خادم واحد ) وليس له أن يعطيها من خدمه من يخدمها
بغير رضاها . وقال أبويوسف : يفرض لخادمين لأنها تحتاج إلى أحدهما لداخل البيت
والآخر لخارجه . ولهما أن الواحد يكفى لذلك فلا حاجة إلى اثنين حتى قيل لو كفاها بنفسه
لم يلزمه نفقة خادم؛ وقيل إن كانت من بنات الأشراف فلها نفقة خادمين أحدهما للخدمة
والآخر للرسالة وأمور خارج البيت . وروى الحسن عن أبى حنيفة : إن كان الزوج
معسرا لا يفرض لها نفقة خادم أصلا ، وإن لم يكن لها خادم لا يفرض لها نفقة خادم ، وكذا
إذا كانت فقيرة وتخدم نفسها ، رواه الحسن عن أبى حنيفة ؛ وكسوة الصيف قميص
ومقنعة وملحفة ؛ وفى الشتاء مع ذلك جبة وسراويل على قدر حاله ؛ وعلى الموسر درع
سابورى وخمار إبريسم وملحفة كتان ، وتزاد فى الشتاء جبة ولحافا ، وإن طلبت فراشا تنام
عليه لها ذلك ، لأن النوم على الأرض ربما يؤذيها ويمرضها ، وما تغطى به دفعالحر والبرد
ويختلف ذلك باختلاف العادات والبقاع ، ولخادمها قميص كرباس وإزار فى الصيف،
وفى الشتاء قميص وإزار وجبة وكساء وخفان ، فان امتنعت الخادمة عن الخدمة لانفقة لها .

- ٥ -
فإِنْ نَشَرَتِ الْمَرَأَةُ فَلا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَّى يُوَفِِّيَها مَهْرَها
فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَلَوْ كانَتْ كَبِيرَةً وَالزَّوْجُ صَغِيرٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَبَالعَكْسِ لا،
وَلَوْ كانا صَغِيرَيْنِ فَلا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَوْ حَجَّتْ أوْ حُبِسَتْ بِدَيْنٍ أَوْ غَصَبَها
غاصِبٌ فَذَهَبَ بِهَا فَلا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ حَجَّ مَعَها فَلَهَا نَفَقَةُ الحَضَرِ ؛
وَإِنْ مَرِضَتْ فِى مَنْزِلِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ ؛
لأنها مقابلة بالخدمة ، بخلاف الزوجة لأنها مقابلة بالحبس لاغير ؛ ولا تجبر المرأة على الطبخ
والخبز إذا امتنعت ، ويأتيها بمن يخبز ويطبخ ، لأن الواجب عليه الطعام ، قالوا : وهذا
إذا كانت لاتقدر على ذلك، أو كانت من بنات الأشراف ، وإن كانت تقدر وتخدم نفسها
تجبر عليه لأنها متعنتة. قال ( فان نشرت المرأة فلا نفقة لها) لما روى ((أن فاطمة بنت قيس
نشزت على أحمائها فنقلها عليه الصلاة والسلام إلى بيت ابن أم مكتوم ولم يجعل لها نفقة ولا
سكنى)) ولأن الموجب للنفقة الاحتباس وقد زال ، بخلاف ما إذا امتنعت من التمكين لأنه
لايفوت الاحتباس وهو يقدر عليه كرها ، فان عادت إلى منز له عادت النفقة لعود الاحتباس
( وإن منعت نفسها حتى يوفيها مهرها فلها النفقة ) لأن لها الامتناع لتستوفى حقها ، فلو
سقطت النفقة تتضرّر ، والضرر يجب إلحاقه بالزوج الظالم الممتنع عن إيفاء حقها ، ولأن
المنع بسبب من جهته فصار كالعدم ، وسواء كان قبل الدخول أو بعده ، وقالا : إن كان
بعد الدخول فلا نفقة لها لأنها سلمت المعوّض فليس لها أن تمنعه لقبض العوض كالبائع إذا
سلم المبيع . ولأبى حنيفة أنها سلمت بعض المعوّض لأن المهر مقابل بجميع الوطئات على
ما تقرر فى كتاب النكاح ، فالبائع إذا سلم بعض المبيع له حبس الباقى كذا هذا ( ولو كانت
كبيرة والزوج صغير فلها النفقة، وبالعكس لا) أما الأوّل فلأنها سلمت نفسها والعجز من
جهته فصار كالمحبوب والعنين، وأما الثانى فالمرأة صغيرة لا يستمتع بها لأن المراد من الاحتباس
ما يكون وسيلة إلى المقصود من النكاح وأنه ممتنع بسبب منها فصار كالعدم ( ولو كانا
صغيرين فلا نفقة لها ) لما مرّ ، ولو سكن دارا غصبا فامتنعت أن تسكن معه فليست
بناشزة لأنها امتنعت بحقّ ؛ وإن كانت ساكنة فى دارها فمنعته من دخولها وقالت: حوّلنى
إلى منزلك أو اكبر لى دارا فلها النفقة لما بينا . قال ( ولو حجت أو حيست بدين أو غصبها
غاصب فذهب بها فلا نفقة لها ) لزوال الاحتباس لامن جهته . وعن أبى يوسف أن الحجّ
الفرض لايسقط النفقة ذكره فى الأمالى لأنه عذر ، لكن تجب نفقة الحضر لأنها المستحقة
فيعطيها نفقة شهر والباقى إذا رجعت ( وإن حجّ معها فلها نفقة الحضر ) لأنها كالمقيمة
فى منزله ولا يجب عليه الكراء ( وإن مرضت فى منزله فلها النفقة ) وكذلك إذا جاءت إليه
مريضة لأن الاحتباس موجود فانه يستأنس بها وتحفظ متاعه ويستمتع بها لمسا وغيره ،

-٦ -
وَلِلْأَمَةِ والْمُدَبَّرَةِ وَأُمّ الوَلَدِ النَّفَقَةُ إِنْ بَوَّأُها مَوْلاها بَيْتَ الزَّوْجِ وَإلاَّ فَلا ؛
فانْ بَوَّأُها (ثُمَّ اسْتَخْدَمَهَا سَقَطَتْ؛ وَمَنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ لَمْ يُفَرَقْ بَيَهُما
وَتُؤْمِنَرُ بِالإِسْتِدَانَةِ، وَإِذَا قُضِىَ لَهَا بِنَفَقَةِ الإِعْسَارِ ثْمَّ أَيْسَرَ تَّمَ لَمَا نَفَقَةَ
المُوسِيرِ، وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ ولَمْ يُنْفِقِْ عَلْهَا سَقَطَتْ، إلاَّ أنْ يَكُونَ قُضِىَ
بِهَا أوْ صَالحَتْهُ عَلَى مِقْدَارِها ،
ومنع الوطء لعارض كالحيض والنفاس ، والقياس أن لانفقة لها إذا كان مرضا يمنع
الجماع كالصغيرة . وعن أبى يوسف إن مرضت عنده لها النفقة لأنه صحّ التسليم ، ولو
سلمت إليه مريضة لانفقة لها لأن التسليم ما صحّ ، وقوله مرضت فى منزله إشارة إليه وإذا
طالبته بالنفقة قبل أن يحوّلها إلى منزله وهى بالغة فلها النفقة إذا لم يطالبها بالنقلة ، لأن النقلة
حقه والنفقة حقها ، فلا يسقط حقها بتركه حقه ، فان طالبها بالنقلة فامتنعت فلا نفقة لها
إلا أن يكون بحقّ على ما بينا. قال ( وللأمة والمدبرة وأمّ الولد النفقة إن بوأها مولاها
بيت الزوج ) لوجود الاحتباس ( وإلا فلا ) لعدمه ( فان بوأها ثم استخدمها سقطت )
النفقة لفوات الاحتباس . قال ( ومن أعسر بالنفقة لم يفرق بينهما وتؤمر بالاستدانة )
لتحيل عليه لأن فى التفريق إبطال حقه وفى الاستدانة تأخير حقها والإبطال أضرّ فكان
دفعه أولى ، فاذا فرض لها القاضى وأمرها بالاستدانة صارت دينا عليه فيتمكن من الإحالة
عليه والرجوع فى تركته لو مات ، ولو استدانت بغير أمر القاضى تكون المطالبة عليها
ولا يمكنها الإحالة عليه ولا ترجع فى تركته لأنها لاولاية لها عليه ، فلهذا قال : تؤمر
بالاستدانة عليه ، ومعنى الاستدانة أن تشترى بالدين . قال ( وإذا قضى لها بنفقة الإعسار
ثم أيسر تهم لها نفقة الموسر ) لأنها تختلف باختلاف الأحوال ، وما فرض تقدير لنفقة
لم تجب بعد ، فإذا تبدّلت حاله لها المطالبة بقدرها ، وكذلك لو قضى بنفقة اليسار ثم أعسر
فرض لها نفقة المعسر لما بينا . قال ( وإذا مضت مدّة لم ينفق عليها سقطت إلا أن يكون
قضى بها أو صالحته على مقدارها ) فيقضى لها بنفقة ما مضى لأن النفقة لم تجب عوضا عن
البضع ، لأن المهر وجب عوضا عنه ، والعقد الواحد لا يوجب عوضين عن شىء واحد
ولا عوضا عن الاستمتاع ، لأن الاستمتاع تصرّف فى ملكه ، والإنسان لايجب عليه
شىء بالتصرّف فى ملكه ، فبقى وجوبه جزاء عن الاحتباس صلة ورزقا لاعوضا ، لأن
الله تعالى سماه رزقا بقوله - وعلى المولود له رزقهنّ - والرزق اسم لما يذكر صلة،
والصلات لاتملك إلا بالتسليم حقيقة أو بقضاء القاضى كما فى الهبة أو بالتزامه بالتراضى ،
لأنه لما لزمه بقضاء القاضى فلأن يلزمه بالتزامه كان أولى ، لأن ولايته على نفسه أقوى .

- ٧ -
تقانْ ماتَ أحَدُهُمَا بَعْدَ القَضَاءِ أَوْ الإِصْطِلاحِ قَبْلَ القَبْضِ سَقَطَتْ، وَإِنْ
أسْلَفَهَا النَّفَقَةَ أوِ الكِسْوَةَ ◌ٌثُمَّ ماتَ أحَدُهُما لَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ؛ وَإذَا كانَّ
لِلْغَائِبِ مالٌ حاضِرٌ فِيَ مْزِلِهِ أوْ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ أَوْ دَيْنٌ وَعَلِمَ القاضِى بِهِ
وَبَالنَّكاحِ، أوِ اعْتَرَفَ بِهِما مَنِ الْمَالُ فِىِ يَدِهِ يُفْرَضُ فِيهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ
وَوَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَهَذَا إذَا كانَ المَالُ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ وَيُحَلِّفُها
أنّهَا ما أخَذَّهَا وَيَأْخُذُ مِنْهَا كَفِيلاً بِهَا؛ وَإنْ كَمْ يَعْلَمِ القَاضِى بِذَلِكَ وأنْكَرَ
مَنْ فِى يَدِهِ الْمَالُ الزَّوْجِيَّةَ أَوِ الْمَالَ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَهُهَا عَلَيْهِ ؛
قال ( فان مات أحدهما بعد القضاء أو الاصطلاح قبل القبض سقطت ، لما بينا أنها صلة ،
والصلة تسقط بالموت كالهبة قبل القبض . قال ( وإن أسلفها النفقة أو الكسوة ثم مات
أحدهما لم يرجع بشىء ) وقال محمد : يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقى للزوج لأنها
استعجلت عوضا عما تستحقه عليه بالاحتباس ، وقد بطل استحقاقها بالموت فيبطل من
العوض بقدره . ولهما ما بينا أنها صلة ، وقد اتصل القبض بها فيبطل الرجوع بالموت كما
فى الهبة ، ألا ترى أنها لو هلكت من غير استهلاك لا يرجع بشىء بالإجماع . قال (وإذا
كان للغائب مال حاضر فى منزله أو وديعة أو مضاربة أو دين علم القاضى به وبالنكاح
أو اعترف بهما من المال فى يده يفرض فيه نفقة زوجته ووالديه وولده الصغير ) لأن الذى
فى يده المال أو عليه لما أقرّ بالزوجية فقد أقرّ بثبوت حقها فيه، لأن لها أن تأخذ من مال
زوجها حقا من غير رضاه ، وإقرار صاحب اليد فى حقّ نفسه صحيح فيقضى القاضى عليه
باعترافه ، فيقع القضاء عليه أوّلا ثم يسرى إلى الغائب ، بخلاف ما إذا جحد أحد الأمرين
لأنه إن جحد الزوجية لاتسمع البينة عليه لأنه ليس بخصم فى الزوجية ، وإن جحد المال فھی
ليست خصما فى إثباته ، وعلم القاضى خجة يجوز له القضاء به فى محلّ ولايته على ما عرف .
ونفقة الوالدين والولد الصغير كنفقة الزوجة لأنها تجب بغير قضاء ، بخلاف غيرهم من
الأقارب حیث لاتجب نفقتهم إلا بالقضاء لما أن وجوبها مختلف فيه . قال ( وهذا إذا كان
المال من جنس النفقة ) كالدراهم والدنانير والطعام والكسوة لأن لها أن تأخذه بغير رضاه ؛
أما إذا كان من خلاف جنسها لا يفرض فيه النفقة لأنه يحتاج إلى بيعه ولا بيع على الغائب .
أما عند أبى حنيفة فلأنه لايباع على الحاضر فكذا على الغائب . وأما عندهما فلأنه إنما يباع
على الحاضر لظهور ظلمه بامتناعه ولا كذلك فى الغائب . قال ( ويحلفها أنها ما أخذتها ويأخذ
منها كفيلا بها ) نظرا للغائب واحتياطا له لاحتمال حضوره فيقيم البينة على الطلاق أو على أنه
أسلفها ( وإن لم يعلم القاضى بذلك وأنكر من فى يده المال الزوجية أو المال لم تقبل بينها
عليه) لما بينا ، وإن لم يكن له مال ، وأرادت أن تقيم البينة على الزوجية ليفرض لها

- ٨ -
وَعَلَيْهِ أنْ يُسْكِّنها دَارًا مُفْرَدَةٌ لَيْسَ فِيها أَحَدٌّ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَهُ أنْ يَمْنَعَ
أَهْلَهَا وَوَلَدَها مِنْ غيرِهِ الدُّخُولَ عَلْها، وَلَا يَمْنَعُهُمْ كَلامَها وَالنَّظَرَ إَلْها،
وَلا يَمْنَعُهُمَا مِنَ الدُّخُولِ اَلْها كُلّ ◌ُجُمُعَةٍ وَغْرُهُمْ مِنَ الأقارِيبِ كُلَّ سَنَةٍ .
وَلِلْمُطَلَّفَةِ النَّفَقَةُ وَالسُّكَْى فِى عِدََّها بائِنا كانَ أوْ رَجْعِيًّا،
القاضى النفقة ويأمرها بالاستدانة عليه لاتقبل لأنه قضاء على الغائب . وقال زفر : تقبل
ويقضى بالنفقة ، واستحسنوا ذلك للحاجة ، وعليه القضاة اليوم وهو مجتهد فيه فينفذ .
قال ( وعليه أن يسكنها دارا مفردة ليس فيها أحد من أهله) أما وجوب السكرى فلأنها من
الحوائج الأصلية وهى من الكفاية فتجب كالطعام والشراب ، وقد قال تعالى - سكنوهنّ -
فكان واجبا حقا لها ، وتكون بين قوم صالحير ليعينوها على مصالح دنياها ويمنعونه من
ظلمها لو أراد ، وليس له أن يشرك معها غيرها ، لأنه قد لاتأمن على متاعها ولا تتخلى
لاستمتاعها إلا أن تختار ذلك لأنها رضيت بنقص حقها ؛ ولو كان فى الدار بيوت وأبت أن
تسكن مع ضرّها أو مع أحد من أهله إن أخلى لها بيتا منها وجعل له مرافق وغلقا (١)
على حدة ليس لها أن تطلب بيتا آخر ، وإن لم يكن إلا بيت واحد فلها ذلك . قال ( وله أن
يمنع أهلها وولدها من غيره الدخول عليها ) لأن المنزل ملكه ( ولا يمنعهم كلامها والنظر
إليها ) أيّ وقت شاء لما فيه من قطيعة الرحم ولا ضرر فيه إنما الضرر فى المقام . وقيل
لا يمنعها من الخروج إلى الوالدين ، وقيل يمنع ( ولا يمنعهما من الدخول إليها كل جمعة
وغيرهم من الأقارب كل سنة ) وهو المختار .
فصل
( وللمطلقة النفقة والسكنى فى عدّتها بائنا كان، أو رجعياً ) أما الرجعى فلما تقدّم أن
النكاح قائم بينهما حتى يحلّ له الوطء وغيره. وأما البائن غلأنها محبوسة فى حقه، وهو
صيانة الولد بحفظ الماء عن الاختلاط ، والحبس لحقه موجب للنفقة كما تقدّم . وأما
حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت : طلقنى زوجى ثلاثا فلم يفرض لى رسول الله سكنى
ولا نفقة ردّه عمر وزيد بن ثابت وجابر وعائشة ، قال عمر : لاندع كتاب ربنا وسنة نبينا
بقول امرأة لاندرى أصدقت أم كذبت ، حفظت أم نسيت ، سمعت رسول الله عليه الصلاة
والسلام يقول ((للمطلقة الثلاث النفقة والسكنى ما دامت فى العدّة)) ويروى ((المبتوتة لها
النفقة والسكنى)) ولأنه ورد مخالفا قوله تعالى - أسكنوهن" - ومخالفا للإجماع فى السكنى،
فان ادّعت أنها حامل أنفق عليها إلى سنتين منذ طلقها احتياطا للعدّة، فان قالت: كنت
(١) قال فى مختار الصحاح : الغلق بفتحتين : المغلاق ، وهو ما يغلق به الباب .

-٩-
وَلَا نَفَقَةَ للْمُتَوَّ فِى عْهَا زَوْجُها؛ وَكُلُّ فُرْقَةٍ جاءَتْ مِنْ قِبَلِ المَرأةِ
بِمَعْصِيّةٍ كالرّدَةِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ فَلا نَفَقَةَ لَمَا؛ وَإنْ جاءَتْ بَغْرِ
مَعْصِيَةٍ كَخِيارِ العِثْقِ وَالبُلُوعِ وَعَدَمِ الكَفَاءَةِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإنْ كانَتْ
مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَلَها النَّفَقَةُ بِكُلّ حالٍ، وإنْ طَلَّقَها ثلاثا ثمَّ ارْتَدَّتْ
سَقَطَتِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ مَكَّنْتِ ابْنَ زَوْجِهَا لَمْ تَسْقُطْ ..
أتوهم أنى حامل ولم أحض إلى هذه الغاية : يعنى أنها ممتدّة الطهر وطلبت النفقة ، فلها
النفقة ما لم تدخل فى حدّ الإياس لأنها معتدّة ، فاذا دخلت فى حدّ الإياس استأنفت العدة
ثلاثة أشهر . قال (ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها) لأنها محبوسة لحقّ الشرع لاللزوج فلا
يجب عليه ، ألا يرى أنه لا يشترط فيها الحيض الذى تعرف به براءة الرحم والحمل الذى
هو حقه، ولأن المال انتقل إلى الورثة فلا تجب فى مالهم. قال ( وكلّ فرقة جاءت من
قبل المرأة بمعصية كالردّة وتقبيل ابن الزوج فلا نفقة لها ، وإن جاءت بغير معصية كخيار
العتق والبلوغ وعدم الكفاءة فلها النفقة وإن كانت) الفرقة ( من جهة الزوج فلها النفقة
بكل حال ) لأن النفقة صلة على مامر ، وبعصيان الزوج لا تحرم من النفقة وتحرم بعصيانها
مجازاة وعقوبة ، ولأنها حبست نفسها بغير حقّ فصارت كالناشزة، بخلاف ما إذا كان
بغير معصية لأنها حبست نفسها بحق وذلك لا يسقط النفقة لما تقدم وكذلك إن وقعت
الفرقة باللعان أو الإيلاء أو بالجبّ والعنة بعد الدخول أو الخلوة لها النفقة لما بينا ؛ وإذا
طلقت الأمة المبرأة لها نفقة العدّة، فإن استخدمها المولى سقطت، وكلّ امرأة لانفقة لها
يوم الطلاق لانفقة لها فى العدّة كالمعتدّةّ من نكاح فاسد ؛ والأمة إذا لم يبوئها المولى بيتا
إلا الناشزة لأنها محبوسة فى حقه ؛ والمطلقة إذا لم تطلب نفقتها حتى انقضت عدتها سقطت
كالمنكوحة ( وإن طلقها ثلاثا ثم ارتدّت سقطت النفقة ) لأنها صارت محبوسة فى حقّ
الشرع، وهذا إذا خرجت من بيت الزوج للحبس ، وما لم تخرج من بيته فلها النفقة
( وإن مكنت ابن زوجها لم تسقط ) لأن الفرقة تثبت بالطلاق الثلاث ولا أثر للتمكين
فى ذلك وهى معتدّة محبوسة فى حقه وتجب النفقة؛ ولو كان الطلاق رجعيا فلا نفقة لها
لأن الفرقة جاءت من قبلها بالتمكين وهو معصية فلا تستحقّ النفقة لما بينا؛ ولو صالح
امرأته على نفقة العدّة إن كانت بالشهور جاز لأنها معلومة ، وإن كانت بالحيض لايجوز
لأنها مجهولة المدّة فتكون النفقة مجهولة .

- ١٠ -
فصل
وَنَفَقَةُ الأَوْلادِ الصّغارِ عَلَى الأَبِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَيْسَ عَلَى الأُم
إِرْضَاعُ الصَّيِّ إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَتْ، فَيَجِبُ عَلْها، وَيَسْتَأْجِرُ الأُبُ مَنْ تُرْضِعُهُ
عِنْدَها، فإنِ اسْتْأَجَرَ زَوْجَتَهُ أوْ مُعْتَدَّتَهُ لُرْضِعَ وَلَدَها لَمْ يَجُزْ، وَبَعْدَ
انْقِضَاءِ العِدَّةِ هِىَ أَوْلى مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ إِلاَّ أنْ تَطْلُبَ زِيادَةَ أُجْرَةٍ؛ وَنَفَقَةُ
الآباءِ وَالأَجْدَادِ إذَا كانُوا فُقَرَاءَ عَلَى الأَوْلادِ الذُّكُورِ وَالإناثِ ؛
فصل
( ونفقة الأولاد الصغار على الأب إذا كانوا فقراء ) لقوله تعالى - وعلى المولود له
رزقهن وكسوتهنّ" بالمعروف - (وليس على الأمّ إرضاع الصبىّ) لأن أجرة الإرضاع
من نفقته وهى على الأب . قال ( إلا إذا تعينت ) بأن لم يجد غير ها أو لا يأخذ من لبن غيرها
( فيجب عليها ) حينئذ صيانة للصغير عن الهلاك . قال ( ويستأجر الأب من ترضعه عندها )
لأن الأجرة عليه والحضانة لها ( فان استأجر زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز ) لأن
الإرضاع مستحقّ عليها بالأصل، لقوله تعالى - والوالدات يرضعن أولادهنّ - فاذا
امتنعت حماه على العجز فجعلناه عذرا ، فاذا أقدمت عليه بالأجر علمنا قدرتها فكان واجبا
عليها فلا يحل لها أخذ الأجر على فعل وجب عليها ، ولا خلاف فى المعتدة الرجعية . وأما
المبتوتة فکذلك فی رواية لأن النكاح قائم من وجه ؛ وقیل یجوز لأن النكاح قد زال بينهما
فصارت أجنبية . وذكر الخصاف إذا لم يكن للصبىّ ولا لأبيه مال أجبرت الأمّ على
الإرضاع وهو الصحيح لأنها ذات يسار فى اللبن ، فان طلبت من القاضى أن يقضى 16
بنعقة الإرضاع حتى ترجع بها على الأب إذا أيسر فعل كما لو كان معسرا وهى موسرة تجبر
على الإنفاق على الصغير ثم ترجع على الأب إذا أيسر ، وإن كان للصبيّ مال روى عن
محمد أنه يفرض لها نفقة الإرضاع فى مال الصبىّ. قال ( وبعد انقضاء العدّة هى أولى
من الأجنبية ) فانها أشفق وفى ذلك نظر للصغير ( إلا أن تطلب زيادة أجرة ) لما فيه من
ضرر الأب ، وقيل فى قوله تعالى - لاتضارّ والدة بولدها - هو أن ترضى بأجرة المثل
فلا يدفع إليها - ولا مولود له بولده - أن يؤخذ منه أكثر من أجر المثل. قال (ونفقة الآباء
والأجداد إذا كانوا فقراء على الأولاد الذكور والإناث ) قال تعالى - ولا تقل لهما أفّ ..
نهاه عن الإضرار بهما بهذا القدر وترك الإنفاق عليهما عند حاجتهما أكثر إضرارا من
ذلك. وقال عليه الصلاة والسلام ((أنت ومالك لأبيك)) وقال ((إن أطيب ما أكل الرجل

- ١١ -
ولا تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلافٍ الدّينِ إلاَّ لِزَّوْجَةِ وقَرَابَةِ الوِلادِ أعْلَى وأسْفَلُ،
ونَفَقَةُ ذِى الرَّحِيمِ سِوى الوَالِدَيْنِ والولَدِ تَجِبُ عَلى قَدْرِ المِيراثِ، وأَنّمَا
تَجِبُ إذا كان فَقِيرًا بِهِ زمانَةٌ لايَقْدِرُ عَلى الكَسْبِ، أوْ تَكُونُ أَنْثَى فَقِيرةٌ،
وكذا مَنْ لاَ يَحْسِنُ الكَسْبَ لِحُرْقِهِ أوْ لِكَوْنِهِ مِن البُيُوتَاتِ ، أَوْ طالِبَ عِلْمٍ ،
من کسبه ، وإنّ ولده من کسبه ، فكلوا من كسب أولاد كم )) فاذا كان مال الابن يضاف
إلى الأب بأنه كسبه صار غنيا به فتجب نفقته فيه ، وقال تعالى - ووصينا الإنسان بوالديه
حسنا - أى يحسن إليهما ، وليس إحسانا تركهما محتاجين مع قدرته على دفع حاجتهما ،
وقال تعالى فى حق الوالدين الكافرين - وصاحبهما فى الدنيا معروفا - وليس من المعروف
تركهما جائعين وهو قادر على إشباعهما ، وهو على الذكور والإناث على السواء فى رواية،
وهو المختار لاستوائهما فى العلة والخطاب ، وقيل على قدر الإرث لقوله تعالى - وعلى
الوارث مثل ذلك - ويشترط فقرهم لأن إيجاب نفقة الغنىّ فى ماله أولى . رجل معسر له
أولاد صغار محاويج وله ابن كبير موسر يجبر على نفقتهم . قال ( ولا تجب النفقة مع
اختلاف الدين إلا للزوجة وقرابة الولاد أعلى وأسفل ) لإطلاق النصوص ، ولأن نفقة.
الزوجة جزاء الاحتباس كما مرّ أو بالعقد كالمهر ، وذلك لايختلف باختلاف الدين ، ولهذا
تجب مع يسارها ؛ وأما قرابة الولاد فلمكان الجزئية ، إذ الجزئية فى معنى النفس ، ونفقة
النفس تجب مع الكفر فكذا الجزء ، وهذا إذا كانوا ذمة ، فإن كانوا حربا لاتجب وإن.
كانوا مستأمنين لقوله تعالى - إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين - الآية،
بخلاف غيرهم من ذوى الأرحام ، لأن الإرث منقطع فيما بيهم ولابدّ من اعتباره بالنصّ.
قال ( ونفقة ذى الرحم سوى الوالدين والولد تجب على قدر الميراث ) كالإخوة والأخوات
والأعمام والعمات والأخوال والحالات ، ولا تجب لرحم ليس بمحرم ، والأصل فيه
قوله تعالى - وعلى الوارث مثل ذلك - وفى قراءة ابن مسعود - وعلى الوارث ذى الرحم
المحرم مثل ذلك - فذكره الوارث إشارة إلى اعتبار قدر الميراث وليكون الغرم بالغنم (وإنما
تجب إذا كان فقيرا يه زمانة لايقدر على الكسب ) أما الفقر فلما مرّ ، وأما العجز عن
الكسب فلأنه يكون غنيا بكسبه ، ولا كذلك الوالدان حيث تجب نفقتهما مع القدرة على
الكسب لما يلحقهما فيه من التعب والنصب، والولد مأمور بدفع الضرر عنهما ، فيجب
عليه أن يدفع عنهما ضرر الاكتساب وذلك بالإنفاق عليهما . قال ( أو تكون أنثى فقيرة) لأنه
أمارة الحاجة ( وكذا من لا يحسن الكسب لحرقه (١) أو لكونه من البيوتات أو طالب علم)
لأن العجز عن الاكتساب فى حقّ هؤلاء ثابت ، لأن شرط وجوب نفقة الكبير العجز
(١) الخرق بالخاء المعجمة والقاف : هو عدم معرفة عمل اليد اهـ .

- ١٢ -
ونَفَقَةُ زوْجَةِ الأُبِ عَلَى ابْنِهِ، ونَفَقَةُ زوْجَةِ الإِبْنِ عَلى أبيهِ إنّ كان صَغيرًا
فَقيرًا أوْ زَمِنا، ولا تجبُ النَّفَقَةُ عَلَى فَقيرٍ إلاَّ لِزَّوْجَةِ والوَلَدِ الصَّغَيرِ،
والمُعْتَبَرُ الغَنِىَ المُحَرِّمُ لِلصَّدَقَةِ ؛
عن الكسب حقيقة كالزمن والأعمى ونحوهما ، أو معنى كمن به خرق ونحوه ( ونفقة زوجة
الأب على ابنه ) رواه هشام عن أبى يوسف ( ونفقة زوجة الابن على أبيه إن كان صغيرا
فقيرا أو زمنا ) لأنه من كفاية الصغير . وذكر فى المبسوط لا يجبر الأب على نفقة زوجة
الابن ، ويجب على الابن نفقة خادم الأب إذا احتاج إليه لأن خدمة الأب مستحقة على
الابن فكذا نفقة من يخدمه ولا كذلك زوجة الابن . قال ( ولا تجب النفقة على فقير إلا
للزوجة والولد الصغير) لقوله تعالى - ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. وقال - وعلى
المولود له رزقهنّ - ولأن نفقة الزوجة مجازاة وذلك يجب مع الفقر ، ولا تجب لغيرهم مع
الفقر لأنها صلة ، فلو وجبت للفقير على الفقير لم يكن إيجابها عليه أولى من إيجابها له
( والمعتبر الغنى المحرّم للصدقة) هو المختار . وعن أبى يوسف أنه قدره بالنصاب . وعن
محمد إذا فضل عن نفقة شهر له و لعياله يجب عليه نفقة أقار به وإن لم یکن له شىءويكتسب
كلّ يوم درهما يكفيه أربعة دوانيق فانه ينفق الفضل على أقربائه ، ومن له مسكن وخادم
وهو محتاج تحلّ له الصدقة وتجب نفقته على أقاربه ، فإن كان فى مساكنه فضل يكفيه
بعضه يؤمر ببيع البعض وينفق على نفسه ، وكذا إذا كانت له دابة نفيسة يؤمر ببيعها
ويشترى الأوكس وينفق الفضل ؛ ومن كان يأكل من الناس تسقط نفقته عن القريب ،
وإن أعطوه قدر نصف كفايته يسقط نصف النفقة . وقال أبو يوسف : إذا كان الابن
فقيرا كسوبا والأب زمن شاركه فى القوت بالمعروف ، ومن لم يقدر على الكسب للزمانة
أو كان مقعدا يتكفف الناس فنفقته ونفقة ولده فى بيت المال ؛ ولو كان الأب . معسرا
والأم موسرة تؤمر الأمّ بالنفقة على الولد ثم ترجع على الأب إذا أيسر ؛ وكذلك إذا كان
للأب المعسر أخ موسر يؤمر بالإنفاق على الصغير ثم يرجع على الأب ، وكذلك المرأة
المعسرة إذا كان زوجها معسرا ولها ابن من غيره موسر أو أخ موسر فنفقتها على زوجها
ويؤمر الابن أو الأخ بالإنفاق عليها وترجع على زوجها إذا أيسر، ويحبس الابن أو الأخ
إذا امتنع لأن هذا من المعروف ، وإذا كان للفقير أب غنىّ وابن غنىّ فالنفقة على الابن
"لأن شبهته فى مال الابن أكثر، قال عليه الصلاة والسلام ((أنت ومالك لأبيك)) ويعتبر
فى تهمقة قرابة الولاد الأقرب فالأقرب دون الإرث ، لأن الله أوجب النفقة على المولود
له وأنه مشتقّ من الولاد وهو الجزئية والبعضية باعتبار التولد والتفرّع عنه ، وفى نفقة
ذى الرحم المحرم يعتبر كونه أهل الإرث ، ويجب بقدر الميراث عند الاجتماع لأنه تعالى

- ١٣ -
وَإِذَا باعَ الأبُ مَتَاعَ ابْنِهِ فِى نَفَقَتِهِ جازَ (سم)، وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مالٍ لَهُ فىِيَدِهِ
جازَ، وَإِذَا قَضَى القَاضِى بِالنَّفَقَةِ ◌ُثُمَّ مَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ إلاَّ أنْ يَكُونَ
القاضِى أمَرَ بالإِسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ، وَعَلى المَوْلى أنْ يُنْفِقَِ عَلَى رَقِيقِهِ، فانِ امْتَنَعَ
اكتَسَبُوا وأنْفَقُوا، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كَسْبٌ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِمْ،
أوجبها باسم الوراثة . فقير له ابن وبنت فنفقته عليهما نصفان ، ولو كان له بنت وأخ
فنفقته على بنته لأنها أقرب . له بنت وابن ابن موسران فنفقته على البنت لأنها أقرب ، ولو
كان له بنت بنت وابن بنت وأخ موسرون فنفقته على أولاد أولاده دون الأخ لما بينا .
فقير له أخ وأخت لأب وأمّ فالنفقة عليهما بقدر ميراثهما ، ولو كان له أخت وعمّ
فعليهما نصفان ، ولو كان له أمّ وجدَ فعليهما أثلاثا . وروى الحسن عن أبى حنيفة كلها
على الجدّ ، ولو كان له أمّ وجدّ وأخ فالثلث على الأم والباقى على الجدّ ، وعندهما الباقى
على الأخ والجدّ نصفان. له عمّ وخال النفقة على العمّ. له خال وابن عمّ النفقة على
الحال والميراث لابن العمّ ، وفى العمة والخالة ثلثان وثلث . قال ( وإذا باع الأب متاع ابنه
فى نفقته جاز ) وقالا : لا يجوز ، وفى العقار لا يجوز بالإجماع ( ولو أنفق من مال له فى يده
جاز ) بالإجماع لأنه ظفر بجنس حقه فله أن يأخذه لأن نفقته واجبة قبل القضاء لما بدا
والأمّ فى هذا كالأب. لهما أن بالبلوغ انقطعت ولايته عنه وعن ماله حتى لا يملك ذلك
فى حضرته ولا فى دين غير النفقة وصار كالأمّ . وله وهو الاستحسان أن للأب أن يحفظ
مال ابنه الغائب كالوصىّ ، وبل أولى لأنه أوفر شفقة وبيع النقلى من باب الحفظ ، فاذا
باعه فالثمن من جنس حقه وهو نفقته فيأخذ منه حقه ، ولا كذلك العقار فانه محفوظ بنفسه
وبخلاف الأم وغيرها من الأقارب لأنه لاولاية لهم حال صغره ، ولا ولاية الحفظ حالة
الغيبة مع الكبر فافترقا . قال ( وإذا قضى القاضى بالنفقة ثم مضت مدّة سقطت ) لأنها إنما
وجبت دفعا للحاجة وقد اندفعت ، بخلاف الزوجة إذا قضى لها لأنها وجبت مع اليسار
لالدفع الحاجة فلا تسقط بحصول الاستغناء. قال ( إلا أن يكون القاضى أمر بالاستدانة
عليه ) لأن ولاية القاضى عامة ، فكأن الغائب أمره بذلك فتصير دينا فى ذمته فلا تسقط .
قال ( وعلى المولى أن ينفق على رقيقه) لقوله عليه الصلاة والسلام فى حقهم ((أطعموهم
مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تعذّبوا عباد الله)) ولأنهم مشغولون بخدمتهم
محبوسون فى ملكهم فيجب عليهم الإنفاق عليهم لئلا يهلكوا جوعا ( فان امتنع اكتسبوا
وأنفقوا ) لأن فيه رعاية للجانبين : جانبه ببقاء ملكه، وجانبهم بدفع حاجتهم (وإن
لم يكن لهم كسب ) كالزمن والأعمى والجارية المستحسنة التى لا تؤجر (أجبر على بيعهم )
لأن الرقيق من أهل الاستحقاق وفى بيعهم إيفاء حقهم وإيفاء حقّ المولى بنقله إلى الخلف ،

- ١٤ -
وَسَائِرُ الحَيَوَانَاتِ يُحْبَرُ فيما بَيْنَهُ وَبْنَ اللّهِ تَعَالى.
فصل فى الحضانة
وَإِذَا اخْتَصَمَ الزّوْجَانِ فِى الوَلّدِ قَبْلَ الفُرْقَةِ أَوْ بَعْدَها فالأُمُّ أَحَقُّ، ثُمَّ
أُمُّهَا ثُمَّ أُمّ الأُبِ ثُمَّ الأُخْتُ لْأَبَوَيْنِ ثُمَّ لأمّ
ولا يلزم على هذا الإعسار بنفقة الزوجة ، لأن نفقتها تصير دينا عليه فتتمكن من مطالبته
وحبسه ، ولا دين للعبد على مولاه ، ولأنه يفوت ملكه فى النكاح لا إلى خلف ، وههنا
يفوت إلى الثمن ، على أن البيع هنا يقع باختياره وعقده والفسخ لابفعله . قال ( وسائر
الحيوانات يجبر فيما بينه وبين اللّه تعالى ) لما فيه من إضاعة المال وتعذيب الحيوان ،
وقد ورد النهى عنهما ، وليست من أهل الاستحقاق ليقضى لها بجبر المولى على نفقتها
أو بيعها .
فصل فى الحضانة
وهى من الحضن ، وهو مادون الإبط إلى الكشح ، وحضنا الشىء : جانباه ، وحضن
الطائر بيضه يحضنه : إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه ، فكأن المربى للولد يتخذه فى حضنه
وإلى جنبه ، ولما كان الصغير عاجزا عن النظر فى مصالح نفسه جعل الله تعالى ذلك إلى
من يلى عليهم ، ففوّض الولاية فى المال والعقود إلى الرجال ، لأنهم بذلك أقوم وعليه
أقدر، وفوّض التربية إلى النساء لأنهنّ أشفق وأحنى وأقدر على التربية من الرجال
وأقوى. قال ( وإذا اختصم الزوجان فى الولد قبل الفرقة أو بعدها فالأمّ أحقّ ) لما روى
((أن امرأة أتت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله إن ابنى هذا كان
بطنى له وعاء ، وحجرى له حواء ، وثدبى له سقاء ، وزعم أبوه أنه ينتزعه منى ، فقال
عليه الصلاة والسلام: أنت أحقّ به مالم تنكحى)). وروى سعيد بن المسيب أن عمر
ابن الخطاب رضى الله عنه طلق زوجته أمّ ابنه عاصم ، فتنازعا وارتفعا إلى أبى بكر
الصدّيق رضى الله عنه ، فقال له أبو بكر : ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر ،
ودفعه إليها والصحابة حاضرون متكاثرون ، ولأنها أقوم بالتربية وأقدر عليها من الأب
فكان الدفع إليها أنظر للصبىّ ، وكلّ من له حضانة لا يدفع إليه الولد ما لم يطلبه فعساه
يعجز عنه ، بخلاف الأب إذا امتنع عن أخذه بعد الاستغناء عن الحضانة حيث يجبر على
أخذه إذا امتنع ، لأن الصيانة عليه . قال ( ثم أمها ثم أمّ الأب ثم الأخت لأبوين ثم لأم

- ١٥ -
ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ الحالاتُ كَذَلِكَ، ثُمَّ العَمَّتُ كَذَلِكَ أيْضًا، وَبَنَاتُ الأُخْتِ
أوْلى مِنْ بَناتِ الآخِ، وَهُنَّ أَوْلِى مِنَ العَمََّت، وَمَنْ لَهَا الحَضانَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ
بأجْنَبِىُّ سَقَطَ حَقُّها، فإنْ فارَقَتْهُ عادَ حَقُّهَا، وَالقَوْلُ قَوْلُ المَرأة فى نَفْى
الزَّوْجِ، وَيَكُونُ الغُلامُ عِنْدَهُنَّ حَّى يَسْتَغْنِىَ عَن الخِدْمَةِ، وَتَكُونُ
الجارِيّةُ عِنْدَ الأُمّ وَالجَدَّةِ حَتى تَحِيضَ وَعِنْدَ غيرِهِما حَّى تَسْتَغْنِىَ،
ثم لأب ، ثم الحالات كذلك ، ثم العمات كذلك أيضا ، وبنات الأخت أولى من بنات
الأخ ، وهنّ أولى من العمات ) والأصل فى ذلك أن هذه الولاية تستفاد من قبل الأمهات
لما قدمناه ، فكانت جهة الأم مقدمة على جهة الأب ، ولأن الجدّات أقرب من الأخوات،
والأخوات أقرب من الحالات والعمات . وروى محمد عن أبى حنيفة أن الحالة مقدمة على
الأخت لأب، لأن الحالة بمنزلة الأمّ، قال عليه الصلاة والسلام ((الحالة والدة)) والحالات
مساويات للعمات فى القرب ، وإنما تقدّم الحالات لأن قرابتهنّ من جهة الأم ، وتقدم
من كانت لأب وأمّ لأنها تدلى بجهتين فتكون أولى ثم من الأم ثم من الأب ترجيحا لقرابة
الأمّ ، ولا حقّ لمن لهنّ رحم غير محرم كبنات الأعمام والعمات وبنات الأخوال والحالات
قال ( ومن لها الحضانة إذا تزوجت بأجنبى سقط حقها ) لقوله عليه الصلاة والسلام
((أنت أحقّ به ما لم تنكحى)) وفى رواية ((ما لم تزوّجى)) وفى حديث أبى بكر (( أمه أولى
به ما لم يشبّ أو تتزوّج)) ولأن الصبيّ يلحقه من زوج أمه جفاء فيسقط حقها للمضرّة،
لأن حقها إنما يثبت فى الحضانة لشفقتها نظرا له ، فاذا زالت زال ، بخلاف ما إذا تزوّجت
بذى رحم محرم من الصبىّ حيث لاتسقط لشفقته عليه ، كما إذا تزوّجت الأمّ بعمه والجدّة
بالجدّ لأنه لا يلحقه جفاء من جدّه وعمه. قال ( فان فارقته عاد حقها ) لأن المانع قد زال
( والقول قول المرأة فى نفى الزوج ) لأنها تنكر بطلان حقها فى الحضانة . قال ( ويكون
الغلام عندهنّ حتى يستغنى عن الخدمة ) فيأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده
ويستنجى وحده ، وقدّره أبوبكر الرازى بتسع سنين ، والخصاف بسبع اعتبارا للغالب ،
وإليه الإشارة بقول الصدّيق رضى الله عنه: هى أحقّ به حتى يشبّ، ولأنه إذا استغنى
يحتاج إلى التأدب بآداب الرجال والتخلق بأخلاقهم وتعليم القرآن والعلم والحرف ، والأب
على ذلك أقدر فكان أولى وأجدر . قال ( وتكون الجارية عند الأمّ والجدّة حتى تحيض
وعند غيرهما حتى تستغنى ) وقيل حتى تشتهى ، لأن الجارية بعد الاستغناء تحتاج إلى
التأدّبِ بآداب النساء وتعلم أشغالهنّ، والأمّ أقدر على ذلك، فاذا بلغت احتاجت إلى
الحفظ والصيانة ، والأب على ذلك أقدر ؛ وأما غير الأم والجدّة فلأنها لاتقدر على
استخدامها فلا يحصل التأدّب ، ولا كذلك الأمّ والجدّة. وعن محمد إذا بلغت حدّاً

- ١٦ -
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ امْرَأةٌ أَخَذَه الرّجالُ، وأوْلاهُمْ أَقْرُ بَهُمْ تَعْصِيبًا،
وَلا تُدْفَعُ الصَّبِيَّةُ إلى غيرِ مَحْرَمٍ، وَلا إلى ◌َحْرَمِ ماجِنٍ فاسِقٍ ؛ وَإذَا اجْتَمَعَ
مُسْتَحِقَّ الحَضَانَةِ فِى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَوْرَعُهُمْ أوْلى ◌ُثُمَّ أَكْتَبَرُهُمْ، وَلا
حَقَّ لِلأمَةِ وَأُمّ الوَلَدِ فى الحَضَانَةِ؛ وَالذَّمَّيَّةُ أَحَقُّ بِوَلَدِها المُسْلِمِ ماَمْ
يُخَفْ عَلَيْهِ الكُفْرُ؛ وَلَيْسَ لِلأَبِ أنْ يَخْرُجَ بِوَلَدِهِ مِنْ بَلَدِهِ حتى يَبْلُغَ
حَدَّ الإِسْتِغْنَاءِ، وَلَيْسَ لِلأمّ ذلكَ إلاَّ أنْ تَخْرِجَهُ إلى وَطَِهَا وَقَدْ وَقَعَ العَقْدُ
فِيهِ، إلاَّ أنْ يَكُونَ تَزَوَّجَها فى دَارِ الحَرْبِ وَهُو وَطَُّها .
تشتهى يأخذها الأب من الأم للحاجة إلى الحفظ . وسئل محمد: إذا اجتمع النساء ولهن
أزواج ؟ قال: يضعه القاضى حيث شاء لأنه لاحقّ لهنّ كمن لاقرابة له . قال ( وإذا لم يكن
للصغير امرأة أخذه الرجال ) صونا له ( وأولاهم أقربهم تعصيبا) لأن الولاية عليه بالقرب .
وكذلك إذا استغنى عن الحضانة ، فالأولى بالحفظ أقربهم تعصيبا . قال ( ولا تدفع الصبية
إلى غير محرم ) كابن العمّ ومولى العتاقة خوفا من الوقوع فى المعصية (ولا إلى محرم ماجن
فاسق ) لأنه لا يؤمن فسقه فان لم يكن لها إلا ابن عمّ فان شاء القاضى ضمها إليه إن كان
أصلح ، وإلا وضعها عند أمينة ؛ ولو كان الأخ مخوفاعليها يضعها القاضى عند امرأة ثقة .
الثيب المأمونة لها حقّ التفرّد بالسكنى، فان لم تكن مأمونة فالأب يضمها إليه ، وليس
للبكر حقّ التفرّد، فان دخلت فى السنّ وكان لها رأى فلها أن تنفرد. قال ( وإذا اجتمع
مستحقو الحضانة فى درجة واحدة فأورعهم أولى ثم أكبرهم ، ولا حقّ للأمة وأمّ الولد
فى الحضانة ) لأنها من باب الولاية وليستا من أهلها، فاذا أعتقتا فهما كالحرّة ( والذمية
أحقّ بولدها المسلم ما لم يخف عليه الكفر ) لأن النظر له فى حضانتها قبل ذلك وبعده عليه
فيه الضرر . قال ( وليس للأب أن يخرج بولده من بلده حتى يبلغ حدّ الاستغناء ) لما فيه
من إبطال حقّ الأمّ من الحضانة ( وليس للأم ذلك إلا أن تخرجه إلى وطنها وقد وقع
العقد فيه ) لأن التزوّج فيه دليل المقام فيه ظاهرا فقد التزم المقام فى بلدها ، وإنما لزمها
اتباعه بحكم الزوجية ، فإذا زالت الزوجية جاز لها أن تعود إليه لأنه رضى بذلك ( إلا أن
يكون تزوّجها فى دار الحرب وهو وطنها ؛ لأنه ضرر بالصبيّ لأنه يتعوّد أخلاق الكفار
وربما يألفهم ، وإذا أرادت أن تخرجه إلى بلدها ولم يقع العقد فيه ليس لها ذلك ، لأنه
لم يلتزم لها ذلك لأنه لم يلتزم لها المقام فيه فلا يجوز لها التفريق بينه وبين الولد من غير
التزامه. وعن شريح: إذا تفرّقت الدار فالعصبة أحقّ بالولد ، وإن كان العقد فى غير
وطنها فأرادت أن تنقله إليه ليس لها ذلك ، لأنه دار غربة كالبلد الذى فيه الزوج ،

- ١٧ -
-..
كتاب العتق
وإذا تساويا لم يجز لها نقله ، وقيل لها ذلك لأن العقد وجد فيه فيوجب أحكامه فيه فلا بدّ
فى النقطة من الوطن ووقوع العقد فيه ، وهذا إذا كان بين المصرين مسافة ، أما إذا كان
بينهما ما يمكن الأب الاطلاع عليه ويبيت فى منزله فلا بأس به ، لأنه لا يلحقه بذلك
ضرر ، وصار كالنقلة من محلة إلى أخرى فى المصر المتباعد الأطراف ، والقريتان كالمصرين،
وكذا لو انتقلت من القرية إلى المصر ، لأن فيه نظرا للصغير حيث يتحلق بأخلاق أهل
المصر ، وبالعكس لا ، لأن أخلاق أهل السواد أجنى فكان فيه ضرر بالصبىّ فلا يجوز .
كتاب العتق
وهو فى اللغة : القوّة ، يقال : عتق الطائر إذا قوى على الطيران ، وعتاق الطير :
كواسبها لقوّتها على الكسب ، وعتقت الخمر : قويت واشتدّت ، ويستعمل للجمال ،
يقال : فرس عتيق: أى رائع جميل ، وسمى الصديق عتيقا لجماله ، ويستعمل للكرم ،
ومنه البيت العتيق : أى الكريم ، ويستعمل للسعة والجودة ، ومنه رزق عاتق : أى جيد
واسع . وفى الشرع : زوال الرقّ عن المملوك وفيه هذه المعانى اللغوية فانه بالعتق يقوى
على ما لم يكن قادرا عليه قبله من الأقوال والأفعال ، ويورثه جمالا وكرامة بين الناس
ويزول عنه ما كان فيه من ضيق الحجر والعبودية فيتسع رزقه بسبب القدرة على الكسب .
والحرية: الخلاص، والحرّ: الخالص، ومنه طبن حرّ: خالص لارمل قيه، وأرض
حرّة : خالصة من الخراج والنوائب . والتحرير: إثبات الحرية وهو الخلوص فى الذات عن
شائبة الرقّ. والرق" فى اللغة: الضعف، ومنه ثوب رقيق، وصوت رقيق : أى ضعيف.
وفى الشرع : ضعف معنوىّ ، وهو العجز عما يقدر عليه الحرّ من الولايات والشهادات
والخروج إلى الحجّ والجهاد وصلاة الجمعة والجنائز وغيرها من العبادات، وبالإعتاق
والتحرير تثبت له القوّة على هذه الأفعال وتخلصه عن شوائب الرقّ والإذلال. وقال
القدورى رحمه الله: العتق إسقاط الحقّ عن الرقّ، والحقوق تسقط بالإسقاط،
فاسقاط الحقّ عن الرقّ عتق، وعن استباحة البضع طلاق، وعن الديون براءة ، فانه
إذا أسقط حقه عن هذه الأشياء لم يبق شىء يحتاج إلى النقل فيسقط ، ولا كذلك الأعيان
فانه لا يصحّ إسقاط الحقّ عنها، لأن العين بعد الإسقاط تبقى غير منتقلة فلا يسقط حقه
وهو قضية مشروعة وقربة مندوبة . أما شرعيتها فلقوله تعالى - فتحرير رقبة - وقال
- فتحرير رقبة مؤمنة - كلفنا بتحرير الرقبة ، ولولا شرعيته لما كلفناه ، إذ تكليف
٢ - الاختيار - رابع

- ١٨ -
وَلا يَقَعُ إِلاَّ مِنْ مالِكِ قادرٍ عَلَى التَّبَرُّعاتِ. وألفاظُهُ: صَرِيحٌ ، وكِنايَةٌ.
فالصَّرِيحُ يَقَعُ بَغْيرِ نِيَّةٍ، وَهُوّ قَوْلُهُ: أنْتَ حُرٍّ ، أوُْحَرَّرٌ، أَوْ عَتِيقُ
أوْ مُعْتَقٌ، وأعْتَقْتُكَ، أَوْ حَرَّرْتُكَ، وَهَذَا مَوْلايَ، أوْ يا مَوْلايَ، أَوْ هَذِهِ
مَوْلَانِى، وَيَاحُرُّ، وَيَا عَتَيْقُ، إلاَّ أنْ يُجْعَلَ ذلكَ اسْاَ لَهُ فَلا يَعْتِقُ؛ وكَذَلِك
إِضَافَةُ الحُرِّيَّةَ إلى ما يُعَدَّرُ بِهِ عَنِ البَدَنِ.
ما ليس بمشروع قبيح، والنبىّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه أعتقوا ، والإجماع على شرعيته ،
وأما الندبية فلقوله تعالى - فكّ رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة - والندبية تدل على
المشروعية أيضا. وروى ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((أيما مؤمن أعتق
مؤمنا فى الدنيا أعتق الله بكلّ عضو منه عضوا منه من النار)) وسأل أعرابى رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم فقال: ((علمنى عملا يدخلنى الجنة، فقال: لئن أقصرت الخطبة لقد عرضت
المسئلة أعتق النسمة وفكّ الرقبة ، قال : أليسا واحدا ؟ قال لا ، عتق الرقبة أن تنفرد
بعتقها ، وفكّ الرقبة أن تعين فى ثمنها)) ثم العتق قد يقع قربة ومباحا ومعصية، فان أعتقه
لوجه الله تعالى أو عن كفارة فهو قربة ، وإن أعتقه من غير نية أو أعتقه لفلان فهو مباح
وليس بقربة ، وإن أعتقه للصم أو الشيطان فهو معصية . ويستحبّ أن يكتب له كتابا
بالعتق ويشهد عليه به توثقا وخوفا من التجاحد ( ولا يقع إلا من مالك قادر على التبرّعات )
أما الملك فلقوله عليه الصلاة والسلام ((لاعتق فيما لا يملكه ابن آدم))، وكذلك إذا أضافه
إلى ملكه كما مرّ فى الطلاق، وأما كونه قادرا على التبرّعات فلأنه تبرّع . قال ( وألفاظه
صريح وكناية ، فالصريح يقع بغير نية ) كما قلنا فى الطلاق ( وهو قوله : أنت حرّ ،
أو محرّر، أو عتيق ، أو معتق ) وإن نوى به الخلوص والقدم صدّق ديانة لاقضاء ،
لأنه خلاف الظاهر وهو يحتمله ( و ) قوله ( أعتقتك ، أو حرّرتك ) صريح أيضا
( و) كذلك ( هذا مولاى، أو يا مولاى، أو هذه مولاتى ) لأنه يستعمل فى المعتق والمعتق
فاذا انتفى أحدهما ثبت الآخر ضرورة ، ولو نوى النصرة والمحبة صدّق ديانة لاقضاء
لما بينا ، ولو قال : أنت حرّ من هذا العمل ، أو أنت حرّ اليوم من هذا العمل عنق
قضاء لأنه متى صار حرّا فى شىء صار حرّاً فى كلّ الأشياء، لأن الحرّية لاتتجزى
( ويا حرّ ، ويا عتيق ) صريح أيضا ( إلا أن يجعل ذلك اسما له فلا يعتق ) إلا أن يريد به
الإنشاء . قال ( وكذلك إضافة الحرّية إلى ما يعبر به عن البدن ) وهو كالطلاق فى التفصيل
والحكم والخلاف والعلة ، ولو أعتق جزءا شائعا كالثلث والربع عتق ذلك الجزء عند
أبى حنيفة ويسعى العبد فى الباقى، وعندهما يعتق كله على ما نبينه؛ ولو قال: بعضك حرّ

- ١٩ -
وَالكِناياتُ تحتاجُ إلى النِّيَّةِ، وَذلكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: لامِلْكَ لِى عَلَيْكَ ، وَلا
سَبِيلَ لى عَلَيْكَ، وَلا رِقَّ، وَخَرَجْتَ مِنْ مِلْكى؛ وكذَلِكَ لَوْقَالَ لِأَمَتِهِ :.
أَطْلَقْتُكِ، وَلَوْ قالَ طَلَّقْتُك لاتَعْتِقُ وَإنْ نَوَى؛ وَإِنْ قالَ: هَذَا ابْنِى
أوْ أبى أوْ أمِّى عَتَقَ (سم)،
أو جزؤك عتق كله عندهما . وعند أبى حنيفة يؤمر بالبيان . ولو قال : دمك حرّ فيه
روايتان . وعن أبى يوسف لو قال لأمته : فرجك حرّ من الجماع عتقت، ولو قال لعبده:
فرجك حرّ يعتق ؛ وقيل لا يعتق لأن فرج المرأة يعبر به عن جميع البدن لافرج الرجل ، قال
عليه الصلاة والسلام ((لعن الله الفروج على السروج)) والمراد النساء، وفى الاست والدبر
الأصحّ أنه لا يعتق لأنه لا يعبر به عن البدن ؛ وفى العنق روايتان . ومما يلحق بالصريح قوله
لعبده : وهبت لك نفسك ، أو بعتك نفسك فانه يعتق بغير نية قبل العبد أو لم يقبل ، لأن
ذلك يقتضى زوال الملك إلى العبد فيزول ملكه بازالته صريحا ، فلم يكن صريحا فى العتق
لأنه ليس بموضوع لغة ، لكنه ملحق بالصريح من حيث إنه يقع بغير نية ، وإنما يملك
العبد النفسية دون المالية لأنه بغير عوض فيكون إعتاقا فلا يحتاج إلى القبول ، حتى لو قال
له : بعت منك نفسك بكذا افتقر إلى القبول لمكان العوض ( والكنايات تحتاج إلى النية )
لاحتمال اللفظ العتق وغيره فلا يتعين أحدهما إلا بالنية كما قلنا فى الطلاق ( وذلك مثل قوله:
لاملك لى عليك ، ولا سبيل لى عليك، ولا رقّ، وخرجت من ملكى) لأنه يحتمل لاملك
لى عليك لأنى بعتك أو وهبتك ، ويحتمل لأنى أعتقتك ، وكذا سائرها فاحتاج إلى النية ،
وكذا خليت سبيلك ، ولا سبيل لى عليك ، لأن نفى السبيل يكون بالبيع ويكون بالكتابة
ويكون بالعتق فلا يتعين إلا بالنية ( وكذا لو قال لأمته : أطلقتك ) لأنه بمعنى خليت سبيلك
( ولوقال : طلقتك لا تعتق وإن نوى ) وكذلك سائر ألفاظ صريح الطلاق وكناياته ، لأن
ملك اليمين أقوى من ملك النكاح ، وما يزيل الأقوى يزيل الأضعف بطريق الأولى ، أما
ما يكون مزيلا للأضعف لايلزم أن يكون مزيلا للأقوى ، ولأن العتق إثبات للقوّة على
ما قدمناه ، والطلاق رفع القيد ، وبين الإثبات والرفع تضادّ، ولأن صريح الطلاق
وكناياته مستعملة لحرمة الوطء ، وحرمة الوطء تنافى النكاح ولا تنافى المملوكية فلا يقع
كناية عنه ، ولو قال لأمته : أنت حر أو لعبده : أنت حرة لا تعتق إلا بالنية ، لأنه ليس
صريحا فيه، ولو قال: لاحقّ لى عليك يعتق إذا نوى، روى ذلك عن أبى حنيفة ومحمد ،
لأن الحقّ عبارة عن الملك فكأنه قال: لاملك لى عليك؛ ولو قال: أنت لله، أو جعلتك
خالصا لله، روى عن أبى حنيفة أنه لا يعتق لأن الأشياء كلها لله تعالى بحكم التخليق . وعنهما
أنه يعتق لأن الخلوص لله تعالى لا يتحقق إلا بالعتق . قال (وإن قال هذا ابنى أو أبى أو أمى عتق)

- ٢٠ -
وَلَوْ قالَ: هَذَ أَخِى لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قالَ: يا ابْنِى أَوْ يا أخِى لَمْ يَعْتِقْ، وَلَو
قالَ: أنْتَ مِثْلُ الحُرّ لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قالَ: ما أنْتَ إلا حُرُّ عَشَقَ، وَلَوْ قالَ:
لاسُلْطانَ لى عَلَيْكَ
وكذلك قوله : هذا عى أو خالى ؛ ثم إن كان العبد يصلح والدا أو ولدا وهو مجهول النسب
يثبت نسبه أيضا ، لأن له ولاية الدعوة والعبد محتاج إلى النسب فيثبت ويعتق بالإجماع ،
وإن كان لايصلح والدا فى قوله هذا أبى بأن كان أصغر منه ، ولا ولدا فى قوله هذا ابنى
بأن كان أكبر منه ، أو مقارنه عتق أيضا عملا بمجاز اللفظ وهو الحرّية عليه من حين ملكه
ولا يثبت النسب لتعذّره . وقال أبو يوسف ومحمد : لا يعتق لأنه كذب ، فصار كقوله
أعتقتك قبل أن أخلق . ولأبى حنيفة أنه إن تعذّر العمل بحقيقته أمكن العمل بمجازه ، لأن
الحرّية ملازمة للبنوّة فى الملوك والملازمة من طريق المجاز تحرّزا عن إلغاء كلام العاقل ،
بخلاف ما ذكر لأنه لاوجه للمجاز فيه فتعين الإلغاء ، ثم قيل لا يشترط تصديق العبد لأن
إقرار المالك على مملوكه يصحّ من غير تصديقه ، وقيل يشترط التصديق فيما سوى دعوة
البنوّة ، لأن غير البنوّة حمل النسب على غيره فيكون دعوى على العبد يلزمه بعد الحرّية
فيشترط تصديقه ، وإن كان العبد معروف النسب لايثبت نسبه منه للتعذّر ، ويعتق عملاً
بما ذكرنا من المجاز ( ولو قال : هذا أخى لم يعتق ) فى ظاهر الرواية لأنه يراد به الأخ
فى الدين عرفا وشرعا ، قال تعالى - إنما المؤمنون إخوة - وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه
يعتق لأن ملك الأخ موجب للعتق ، والأخوة عند الإطلاق تنصرف إلى النسب ( ولو قال :
يا ابنى أو يا أخى لم يعتق ) فى ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه لا يعتق بالنداء
إلا بخمسة ألفاظ : يا ابنى ، يا بنتى، يا عتيق، يا حرّ ، يا مولاى . وقال محمد فى النوادر :
لا يعتق إلا بالثلاثة الأخيرة ، لأن النداء وضع لإعلام المنادى لالتحقيق معنى النداء فى المنادى
حتى يقال للبصير يا أعمى ، وللأبيض يا أسود ، إلا فيما تعارف الناس إثبات العتق به وهى
الألفاظ الثلاثة . ولأبى حنيفة أنه تعذّر جعله إعلاما لأن المذكور ليس باسم له وضعا
فجعلناه لإثبات معنى النداء فى المنادى وهو الحرّية صونا لكلامه عن الإلغاء ؛ ولو قال
لعبده : هذه بنتى ، أو لأمته : هذا ابنى عتق عند أبى حنيفة عملا بالإشارة ، وقيل لا يعتق
لأن الإشارة والتسمية اجتمعا فى جنسين فكانت العبرة للتسمية والمسمى معدوم ( ولو قال :
أنت مثل الحرّ لم يعتق) لأن هذا اللفظ يراد به المشاركة فى بعض المعانى عرفا وقد وجد فلا
يعتق بالشكّ . وقال بعض المشايخ : يعتق إذا نوى كقوله لامرأته : أنت مثل امرأة فلان
وفلان قد آلى من امرأته إن نوى الإيلاء يصير موليا ( ولو قال: ما أنت إلا حرّ عتق) لأن
هذا إثبات من النفى فهو أبلغ فى التأكيد كلفظة الشهادة ( ولو قال : لاسلطان لى عليك.