Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
باب الظهار
وَهُوَ أنْ يُشَبِّهَ امْرَأْتَهُ أَوْ عُضْوًا يُعَّبِرُ بِهِ عَنْ بَدَ نِها أوْ جُزْءًا شائِعًا مِّها
بِعُضْوٍ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْ أَعْضَاءِ مَنْ لاَ يحِلُّ لَهُ نِكَاحُها عَلَى التأبِيدِ؛
وَحُكْمُهُ: حُرْمَةُ الجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ حَتى يُكَفِّرَ ،
إذنه لأنها محجورة عن التبرّعات ؛ ولو اختلعت الأمة وأم الولد بإذن المولى نزمهما للحال
وإذا خلع الأمة مولاها من زوجها الحرّ على رقبتها صحّ الخلع بغير شيء ؛ ولو كان الزوج
مكاتبا أو عبدا أو مدبرا جاز الخلع وصارت أمة للسيد ، والفرق أنها تصير مملوكة للمولى
فلا ينفسخ النكاح ، وفى الحرّ لو صارت مملوكة له بطل النكاح فيبطل الخلع .
أمتان تحت حرّ خلعهما المولى على رقبة إحداهما بعينها بطل الخلع فيها وصحّ فى الأخرى
ويقسم الثمن على مهرهما ، فما أصاب مهر التى صحّ خلعها فهو للزوج من رقبة الأخرى ،
ولو خلع كل واحدة منهما على رقبة الأخرى وقع الطلاقان بائنين بغير شيء ، لأنه قارن
وقوع الطلاق على كلّ واحدة وقوع الملك فى رقبتها فتعذّر إيجاب العوض ، ولو طلق
كلّ واحدة على رقبة صاحبتها يقع رجعيا .
باب الظهار
وهو فى اللغة مشتقّ من لفظ الظهر ، يقال : ظاهر يظاهر ظهارا ، وأصله قول الرجل
لامرأته : أنت علىّ كظهر أمى، ثم انتقل إلى غيره من الأعضاء، وإلى غيرها من المحرّمات
( وهو أن يشبه امرأته أو عضوا يعبر به عن بدنها ) كالرأس والوجه ( أو جزءا شائعا منها )
كالثلث والربع ( بعضو لا يحلّ النظر إليه) كالظهر والفخذ والبطن والفرج، لأن الكل"
فى معنى الظهر فى الحرمة ( من أعضاء من لا يحل له نكاحها على التأبيد) كأمه وبنته وجدته
وعمته وخالته وأخته وغير هنّ من المحرّمات على التأبيد، لأن الكلّ كالأم فى تأبيد الحرمة
( وحكمه : حرمة الجماع ودواعيه حتى يكفر ) تحرّزا عن الوقوع فيه كما فى الإحرام ،
بخلاف الحيض فانه يكثر وقوعه فيحرج ولا كذلك الظهار ، وكان فى الجاهلية طلاقا
فجعله الشرع موجبا حرمة متناهية بالكفارة . والأصل فيه حديث خولة بنت ثعلبة ، وقيل
بنت خويلد كانت تحت أوس بن الصامت وكانا من الأنصار فأرادها فأبت عليه ، فقال :
أنت علىّ كظهر أمى فكان أوّل ظهار فى الإسلام ، ثم ندم وكان الظهار طلاقا فى الجاهلية ،
فقال: ما أظنك إلا قد حرمت علىّ، فقالت: والله ما ذاك بطلاق، فأتت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوسا تزوّجنى وأنا شابة غنية ذات مال وأهل، حتى
١١ - الاختيار - ثالث

- ١٦٢ -
فإنْ جامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ اسْتَغْفَرَ اللّهَ تَعالى، وَالعَوْدُ الَّذِى تَجِبُ بِهِ الكَفَّارَةُ
أَنْ يَعْزِمَ عَلَى وَطِْها، وَيَنْبَغِى لَهَا أنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْهُ وَتُطالِبَهُ بالكَفَّارَةِ
وَيَحْثُبُرُهُ القاضِى عَلْها؛ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلىَّ مِثْلُ أُمِى أَوْ كَأُمِّ،
إذا أكل مالى وأفنى شبابى وتفرّق أهلى وكبرت سنى ظاهر منى وقد ندم ، فهل من شىء
يجمعنى وإياه تنعشنى به ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : حرمت عليه ، فجعلت تراجع رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم، وإذا قال لها: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى اللّه فاقتى
وشدّة حالى ، وأن لى صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلىّ جاءوا ،
وجعلت تقول : اللهمّ إنى أشكو إليك، اللهمّ فأنزل على لسان نبيك، فتغشى رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم الوحى كما كان يتغشاه، فلما سرّى عنه قال: با خولة قد أنزل الله
فيك وفى أوس قرآنا وتلا - قد سمع اللّه قول التى تجادلك فى زوجها - الآيات ، والظهار
جائز ممن يجوز طلاقه من المسلمين لأن كل واحد منهما يوجب حرمة الزوجة ، ولا يكون
من المطلقة بائنا لأنها حرام عليه . قال ( فإن جامع قبل التكفير استغفر الله تعالى ) لما روى
ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا ظاهر من امرأته فرأى خلخالها فى القمر فوقع عليها ،
ثم جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، فقال له استغفر الله تعالى ولا تعد حتى
تكفر ، ولأنه فعل فعلا محرّ ما والأفعال المحرّمة توجب الاستغفار ولا شيء عليه غيره ، لأنه
لو كان لبينه عليه الصلاة والسلام، ولا يحلّ قربانها بعد زوج آخر ولا بملك اليمين حتى
يكفر لقوله تعالى - فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا - قال ( والعود الذى تجب به الكفارة أن
يعزم على وطئها) لقوله عليه الصلاة والسلام ((ولا تعد حتى تكفر)) نهى عن الوطء إلى
غاية التكفير فتنتهى حرمة الوطء بالتكفير ( وينبغى لها أن تمنع نفسها منه لأنه حرام وتطالبه
بالكفارة ويجبره القاضى عليها ) إيفاء لحقها ، وكلّ ما لا يصدقه القاضى فيه لا يسع المرأة أن
تصد قه فيه ، فلو قال أردت الإخبار عما مضى بكذب لم يصدق قضاء وصدق ديانة ؛
ولو قال : أنا منك مظاهر ، أو ظاهرت منك یصیر مظاهرا لأنه صريح فيه ؛ ولو شبهها
بامرأة زنى بها أبوه أو ابنه أو بابنة مزنيته فهو مظاهر عند أبى يوسف خلافا لمحمد بناء على
أن القاضى إذا قضى بجواز نكاحها ينفذ عند محمد خلافا لأبى يوسف . وسئل محمد عن
المرأة تقول لزوجها : أنت علىّ كظهر أمى؟ قال: ليس بشىء، لأن المرأة لا تملك التحريم
كالطلاق. وسئل أبو يوسف فقال : عليها الكفارة ، لأن الظهار تحريم يرتفع بالكفارة وهى
من أهل الكفارة فصحّ أن توجبها على نفسها . وسئل الحسن بن زياد فقال : هما شيخا الفقه
أخطئا ، عليها كفارة يمين ، لأن الظهار يقتضى التحريم فكأنها قالت لزوجها : أنت علىّ
حرام ، فيجب عليها كفارة يمين إذا وطئها (ولو قال : أنت علىّ مثل أمى أو كأمى )

- ١٦٣ -
فإِنْ أَرَادَ الكَرَامَةَ صُدّقَ، وَإِنْ أَرَادَ الظَّهارَ فَظِهارٌ، وَإنْ أَرَادَ الطَّلاقَ
فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِشَىْءٍ ؛ وَلَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ:
أنْسُتْن عَلَىَّ كَظَهْرٍ أُمِّى فَعَلَيْهِ لِكُلّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ ظاهَرَ مِّهَا
مِرَارًا فى عَجْلِس وَاحِدٍ أوْ فِى مَجَلِسَ فَعَلَيْهِ لِكُلّ ظِهارٍ كَفَّارَةٌ.
وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ يُحْزِئُ فيها مُطْلَقِ الرَّفَبَةِ السَّلِيمَةِ، وَلا يُحْزِئٌ
المُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ
فهو کنایة یرجع إلى نيته ( فإن أراد الكرامة صدق ) لأن ذلك من محتملات كلامه وهو
مشهور بين الناس ( وإن أراد الظهار فظهار ) لأنه شبهها بجميعها ، وفى ذلك تشبيه بالعضو
المحرّم فيصحّ عند نيته ( وإن أراد الطلاق فواحدة بائنة ) ويصير تشبيها لها فى الحرمة كأنه
قال: أنت علىّ حرام (وإن لم يكن له نية فليس بشىء) لأنه كناية يحتمل وجوها فلا يتعين
أحدها إلا بمرجح . وقال محمد : هو ظهار لأنه تشبيه حقيقة والتشبيه بالعضو. ظهار ،
فالتشبيه بالكلّ أولى . وعن أبى يوسف إن كان فى حالة الغضب فهو ظهار ، وإن عنى به
التحريم فهو إيلاء إثباتا لأدنى الحرمتين . وعند محمد ظهار ، وقيل ظهار بالإجماع . وإن
نوى الكذب قال محمد فى نوادر هشام : يدين إلا أن يكون فى حالة الغضب فهو يمين ؛
وإن قال: أنت علىّ حرام كأمى ونوى ظهارا فظهار للتشبيه ، وإن نوى طلاقا فطلاق
للتحريم ، وإن نوی التحريم فظهار ، وإن لم یکن له نية فإيلاء . وعند محمد ظهار وقد مرّ
وجهها ( ولو قال لنسائه : أنتنّ علىّ كظهر أمى فعليه لكل واحدة كفارة ) لأنه يصير
مظاهرا من كل واحدة منهنّ بإضافة الظهار إليهنّ، كما إذا قال : أنتنّ طوالق تطلق كلّ
واحدة منهنّ ، وإذا كان مظاهرا من كل واحدة منهنّ تثبت الحرمة فى كل واحدة والكفارة
لإنهاء الحرمة فتتعدد بتعدد الحرمة ( وإن ظاهر منها مرارا فى مجلس واحد أو فى مجالس فعليه
لكل ظهار كفارة ) كما فى تكرار اليمين . وروى الحسن عن أبى حنيفة : إذا قال لامرأته :
أنت علىّ كظهر أمى مائة مرّة وجبت عليه مائة كفارة وهو حالف مائة مرّة .
فصل
( والكفارة عتق رقبة ) قبل المسيس للنصّ (يجزئ فيها مطلق الرقبة السليمة ) فينطلق
على المسلم والكافر والذكر والأنثى والصغير والكبير عملا بالإطلاق ، وهو قوله تعالى
- فتحرير رقبة - والرقبة عبارة عن الذات المرقوقة المملوكة من كل وجه ، وعند الإطلاق
ينصرف إلى السليمة ، فمن قيدها بوصف زائد فقد زاد على النصّ فيرد" عليه . قال (ولا
يجزئ المدبر وأمّ الولد ) لأن الرقّ فيهم ناقص لاستحقاقهم العتق بجهة أخرى ،

- ١٦٤ -
وَالْمُكَاتَّبُ الَّذِى أدَّى بَعْضَ كتابَتَهِ، وَلا مَقْطُوعُ اليَدَيْنِ أَوْ أبْهَاَ مْيهما
أوِ الرّجْلَْنِ، وَلا الأعْمَى وَلا الأصمُّ وَلا الأُخْرَسُ وَلا المَجْنُونُ المُطْبَقُ وَلا
مِعْتَقُ الْبَعْضِ؛ وَإِنِ اشْتَرَى أباهُ أوِ ابْنَهُ يَنْوِىِ الكَفَّارَةَ أَجْزأهُ؛ وَإِنْ أَعْتَقَ
لِصْفَ عَبْدٍهٍ ثم جامَعَهَا ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيَّهُ لَمْ يُجْزِهِ (سم)، وَإِنْ كَمْ يُجَا مِعْ بْنَ
الإعتاقَيْنِ أجزأهُ ؛
(و) لا (المكاتب الذى أدّى بعض كتابته) لأنه يشبه العتق ببدل ، ويجوز المكاتب الذى
لم يؤدّ شيئا، لأن الرقّ قائم به، قال عليه الصلاة والسلام ((المكاتب عبد ما بقى عليه درهم)
وما ذكرناه من المعنى فيمن أدّى البعض منتف ، على أنه روى عن أبى حنيفة أنه يجوز من
أدّى البعض أيضا لأنه عبد بالحديث حتى لو فسخت الكتابة عاد رقيقا ، بخلاف أمّ الولد
والمدبر فإن ذلك لا يفسخ أصلا . قال ( ولا مقطوع اليدين أو إبهاميهما أو الرجلين ، ولا
الأعمى ولا الأصمّ ولا الأخرس ولا المجنون المطبق) لأن جنس المنفعة تفوت فى هؤلاء،
وهو البطش والسعى والسمع والبصر والانتفاع بالجوارح بالعقل والمجنون فائت المنفعة ،
وبطش اليدين بالإبهامين فبفوتهما تفوت جنس المنفعة وأنه مانع؛ لأن قيام الرقبة بقيام المنفعة
وإذا فات جنس المنفعة صارت الرقبة هالكة من وجه فكانت ناقصة فلا يتناولها الاسم ،
أما إذا اختلت المنفعة فليس بمانع ، لأن العيب القليل ليس بمانع لتعذر الاحتراز عنه ،
وذلك كالأعور ومقطوع إحدى اليدين أو إحدى الرجلين من خلاف ، ولا يجوز إذا
قطعا من جانب واحد لنوات جنس منفعة الشىء ، ولا يجوز المعتوه والمفلوج اليابس
الشقّ لما بينا، وثلاثة أصابع من اليدها حكم الكلّ، ويجوز عتق الخصىّ والمجبوب لأن
ذلك يزيد القيمة لاينقصها ، ويجوز مقطوع الأذنين لأنه لاضرر فيه ، ويجوز مقطوع
الشفتين إن كان يقدر على الأكل وإلا فلا ( ولا) يجوز ( معتق البعض ) لأنه ليس برقبة
كاملة . قال ( وإن اشترى أباه أو ابنه ينوى الكفارة أجزأه ) لأن شراء القريب إعتاق ،
قال عليه الصلاة والسلام ((لن يجزئ ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)) أخبر
عليه الصلاة والسلام أن الابن قادر على إعتاق الأب فيكون قادرا تصديقاً له فيما أخبر ،
ولا يقدر على إعتاقه قبل الشراء لعدم الملك ولا بعد الشراء لأنه يعتق عليه بالشراء ، فيكون
نفس الشراء إعتاقا ، فإذا نوى بالشراء الكفارة يصير إعتاقا عن الكفارة فيصحّ ويجزئه
( وإن أعتق نصف عبده ثم جامعها ثم أعتق باقيه لم يجزه ) عنده. وعندهما محزئه بناء على
تجزى الإعتاق ، فعندهما لما أعتق نصفه كان إعتاقا للجميع، وعنده لا فقد أعتق النصف
قبل المسيس والنصف بعده ، والشرط أن يكون الإعتاق قبل المسيس فلا يجزئه فيستأنف
عتق رقبة أخرى (وإن لم يجامع بين الإعتاقين أجزأه ) بالإجماع ، أما عندها فظاهر،

- ١٦٥ -
وَالْعَبْدُ لأُيُحْزِئُهُ فِى الظِّهارِ إلاَّ الصَّوْمَ، فإنْ لمْ يَجِدْ ما يَعْتِقُ صَامَ تَهْرَيْنِ
مُتْتَابِعْنٍ لَيْسَ فِيهِما رَمَضَانُ وَيَوْما العِيدِ وأيَّامُ النَّشْرِيقِ، فإنْ جامَعَها
فى الشَّهْرَيْنِ لَيْلاً أوْ نَهَرًا عامِدًا أوْ ناسِيا بِعُدْرِ أوْ بَغْيرِ عُدْرِ اسْتَقْبَلَ (س)،
فإنْ لَمْ يَسْتَطِيعِ الصّيامَ أَطْعَمَ سِنِّيْنَ مسْكِينا، وَيُطْعمُ كما ذَكَرْنا فى صَدَقَة
الفطْرِ أوْ قيمَةَ ذلكَ ، فإنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ جازَ ،
وأما عنده فلأنه أعتقه بكلامين ، وما حصل فيه من النقص حصل بسبب الإعتاق للكفارة
وأنه غير مانع ، كما إذا أصابت السكين عين شاة الأضحية وقد أضجعها للذبح ؛ وعلى
هذا لو أعتق نصف عبد مشترك لا يجزئه موسرا كان أو معسرا بناء على ما مرّ ، وعندهما إن
كان موسرا أجزأه ، لأنه يملك نصيب شريكه بالضمان وكان معتقا للكلّ ، وإن كان معسرا
لايجزئه ، لأن السعاية وجبت للشريك فى نصيبه فلم يوجد منه عتق الجميع . قال ( والعبد
لا يجزئه فى الظهار إلا الصوم ) لأنه عاجز عن الإعتاق والإطعام لأنه لا يملك شيئا ، قال
عليه الصلاة والسلام ((لا يملك العبد إلا الطلاق)). قال (فان لم يجد) المظاهر ( ما يعتق صام
شهرين متتابعين ) لقوله تعالى - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا - .
قال ( ليس فيهما رمضان ويوما العيد وأيام التشريق ) أما رمضان فلأنه يقع عن الفرض
لتعينه على ما مرّ فى الصوم فلا يقع عن غيره ؛ وأما الباقى فلأن الصوم فيها حرام فكان ناقصا
فلا يتأدّى به الواجب . قال ( فإن جامعها فى الشهرين ليلا أو نهارا عامدا أن ناسيا بعذر
أو بغير عذر استقبل ) لقوله تعالى - من قبل أن يتماسا - وقال أبو يوسف: إن جامع ليلا
عامدا أو نهارا ناسيا لم يستأنف لأن ذلك لا يمنع التتابع حتى لا يفسد به الصوم . وجوابه أن
النصّ شرط كونه قبل المسيس وأنه ينعدم بالمسيس فيستأنف، ولو حاضت المرأة فى كفارة
الصوم لاتستقبل ، وإن أفطرت لمرض استقبلت ، ولو حاضت فى كفارة اليمين استقبلت ،
لأن الحيض يتكرّر فى كل شهر ولا كذلك المرض . وعن محمد : لو صامت شهرا ثم
حاضت ثم أيست استقبلت . وعن أبى يوسف : لو حبلت فى الشهر الثانى بنت ، ومن
له دين ليس له غيره ولا يقدر على استخلاصه كفر بالصوم ؛ ولو حنث موسرا ثم أعسر
أو بالعكس فالمعتبر حالة التكفير ، ولو أيسر فى خلال الصوم أعتق كالمتيمم إذا وجد الماء
فى صلاته . قال ( فإن لم يستطع الصيام أطعم ستين مسكينا ) لقوله تعالى - فمن لم يستطع
فإطعام ستين مسكينا - ( ويطعم كما ذكرنا فى صدقة الفطر ) لقوله عليه الصلاة والسلام
فى حديث سهل بن صخر أو أوس بن الصامت ((لكلّ مسكين نصف صاع من برّ)) ولأنه
لحاجة المسكين فى اليوم فاعتبرت بصدقة الفطر . قال ( أو قيمة ذلك ) لما مرّ فى دفع القيم
فى الزكاة. قال ( فإن غدّاهم وعشاهم جاز) قال تعالى - فإطعام ستين مسكينا - وهو التمكيز

- ١٦٦ -
وِلا بُدَّ منْ شِعِهِمْ فى الأكْلَقَْنِ، وَلابُدَّ منَ الإدامِ فى خُْزِ الشَّعِيرِ دُونَ
الحِنْطَةِ، وَلَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينا سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزأهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ فى يَوْمٍ وَاحِدٍ
عَنِ الكُلّ أجْزأهُ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ، فإنْ جَامَعَها فى خِلالِ الإِطْعَامِ لَمْ يَستَأتِفْ،
وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ أَوْ صَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أوْ أَطْعَمَ مائَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِينا
عَنْ كَفَّارَتَىْ ظِهارٍ أَجْزأهُ عَنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يُعَِِّنْ، وَإِنْ أَطْعَمَ سِنِّيْنَ مِسْكِينا
كلِّ مِسْكِينٍ صَاعًا منْ بُرُّ عَنْ كَفَّارَتَْنِ كَمْ يُجْزِهِ إِلاَّ عَنْ وَاحدَةٍ (م) ،
من الطعم ( ولا بدّ من شبعهم فى الأكلتين ) اعتبارا للعادة ( ولا بدّ من الإدام فى خبز
الشعير دون الحنطة ) لأنه لا يتمكن من الشبع فى خبز الشعير دون الإدام فانه قلما ينساغ
دونه ، ولا كذلك خبز الحنطة . وعن أبى حنيفة رحمه الله: لو غدّاهم وعشاهم خبزا وإداما
أو خبزا بغير إدام أو خبز الشعير أو سويقا أو تمرا جاز ، ولو غدّى ستين وٍعشى ستين
غيرهم لم يجزه إلا أن يعيد على ستين منهم غداء أو عشاء ؛ ويجوز غداءان أو عشاءان
أو عشاء وسحور ، وكذا لو غدّاهم يوما وعشاهم يوما آخر لوجود أكلتين مشبعتين ، ولو
عشاهم فى رمضان لكل مسكين ليلتين أجزأه ، والمستحبّ غداء وعشاء ؛ ولو أطعم كلّ
مسكين مدّا فعليه أن يعطيه مدّاً آخر ، ولا يجوز أن يعطيه غيرهم لأن الواجب شيئان :
مراعاة عدد المساكين ، والمقدار فى الوظيفة لكل المسكين . قال ( ولو أطعم مسكينا ) واحدا
(ستين يوما أجزأه ) لأن المعتبر دفع حاجة المسكين وأنها تتجدد بتجدد اليوم (وإن أعطاه
فى يوم واحد عن الكلّ أجزأه عن يوم واحد) لاندفاع الحاجة بالمرّة الأولى، وهذا لاخلاف
فيه فى الإباحة ، فأما التمليك منه فى يوم واحد فى دفعات قيل لا يجزئه ، وقيل يجزئه لأن
الحاجة إلى التمليك تتجدّد فى اليوم مرّات؛ ولو دفع الكلّ إليه مرّة واحدة لا يجوز لأن
التفريق واجب بالنصّ . قال ( فإن جامعها فى خلال الإطعام لم يستأنف ) لأن النصّ
لم يشرط فى الإطعام قبل المسيس ، إلا أنا أوجبناه قبل المسيس لاحتمال القدرة على الإعتاق
أو الصوم فيقعان بعد المسيس والمنع لمعنى فى غيره لاينافى المشروعية . قال ( ومن أعتق
رقبتين ، أو صام أربعة أشهر ، أو أطعم مائة وعشرين مسكينا عن كفارتى ظهار أجزأه
عنهما وإن لم يعين ) لأن الجنس متحد فلا حاجة إلى التعيين . وقال زفر رحمه الله : لا يجوز
عن واحدة منهما مالم يعتق عن كلّ واحدة واحدة لأنه لما أعتق عنهما انقسم كلّ إعتاق عليهما
فيقع العتق أشقاصا عن كل واحدة ، فلا يجوز كما إذا اختلف الجنس . ولنا أن الواجب
تكميل العدد دون التعيين ، إذ التعيين لا يفيد فى الجنس الواحد على ما عرف ، بخلاف
اختلاف الجنس ، لأن التعيين مفيد فيه فيشترط ( وإن أطعم ستين مسكينا كلّ مسكين
صاعا من برّ عن كفارتين لم يجزه إلا عن واحدة ) وقال محمد رحمه الله: عنهما ، وإن أطعم

- ١٦٧ -
وَإِنْ أَعْتَقَ وَصَامَ عَنْ كَفَّارَتَىْ ظِهارٍ فَلَهُ أنْ يَجْعَلَ ذلكَ عَنْ أَيهِما شاء .
باب اللعان
وَيَجِبُ بِقَدْفِ الزَّوْجَةِ بالزّنا أوْ بِنَفْئِ الوَلَدِ إذَا كانا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِىَ
مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا وَطالَبَتْهُ بِذَلِكَ،
ذلك عن ظهار وإفطار أجزأه عنهما بالإجماع ، وعليه قياس محمد رحمه اللّه ، وهذا لأن
بالمؤُدّى وفاء بهما ، والمصروف إليه محلّ لهما فيقع عنهما وصار كما إذا فرّق الدفع . ولهما
أن النية تعتبر فى الجنسين لافى جنس واحد ، وإذا لغت النية فى الجنس الواحد بقى أصل
النية فيجزى عن الواحدة كما إذا قال عن كفارة ظهار ( وإن أعتق وصام عن كفارتى
ظهار فله أن يجعل ذلك عن أيهما شاء ) لأن النية معتبرة عند اختلاف الجنس .
باب اللعان
وهو مصدر لاعن يلاعن ملاعنة كقاتل يقاتل مقاتلة ، والملاعنة مفاعلة من اللعن ،
ولا يكون هذا الوزن إلا بين اثنين ، إلا ما شذّ كراهقت الحلم وطارقت النعل وعاقبت
اللصَ ونحوه، وهو لفظ عامّ. وفى الشرع هو مختصّ بملاعنة تجرى بين الزوجين بسبب
مخصوص بصفة مخصوصة على ما يأتيك إن شاء الله تعالى ، وهو شهادات مؤكدات بالأيمان
موثقة باللعن والغضب من اللّه تعالى كما نطق به الكتاب ، وقد كان موجب القذف فى الحدّ
فى الأجنبية والزوجة بقوله تعالى - والذين يرمون المحصنات - الآية فنسخ فى الزوجات إلى
اللعان بقوله تعالى - والذين يرمون أزواجهم - الآية ، وسبب ذلك ما روى ابن عباس
رضى الله عنه ((أن هلال بن أمية قذف امرأته خولة بشريك بن السمحاء عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقال : رأيت بعيني وسمعت بأذنى ، فاشتدّ ذلك على رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم ، فقال سعد بن عبادة : الآن يضرب هلال وتردّ شهادته ، ثم قال عليه
الصلاة والسلام : البيئة أو حدّ فى ظهرك ، فقال: يا رسول اللّه إذا رأى أحدنا على امرأته
رجلا ينطلق يلتمس البينة ، فجعل صلى اللّه عليه وسلم يقول : البينة أو حدّ فى ظهرك،
فقال هلال : والذى بعثك بالحقّ إنى الصادق ولينزلنّ اللّه ما يبرئ ظهرى من الحدّ،
فنزل - والذين يرمون أزواجهم - إلى قوله - إن كان من الصادقين - فلاعن عليه الصلاة
والسلام بينهما ، وقال عند ذكر اللعنة والغضب: آمين، وقال القوم: آمين )). قال
(ويجب بقذف الزوجة بالزنا) لما تلونا ( أو بنفى الولد) لأنه فى معناه . قال (إذا كانا من
أهل الشهادة وهى ممن يحدّ قاذفها وطالبته بذلك ) لأن الركن فيه الشهادة . قال تعالى
،

- ١٦٨ -
فإنِ امْتَنَعَ مِنْهُ حُبِسَ حَّى يُلاعِنَّ أَوْ يُكَذّبَ نَفْسَهُ فَيُحَدّ، فإِذَا لاعَنَّ
وَجَبَ عَلْهَا اللَّعَانُ، وُتُحْبَسُ حَتّى تُلاعنَ أَوْ تُصَدَّقَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الزَّوْجُ
مِنْ أهْلِ الشَّهَادَةِ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وَإنْ كانَ منْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِىَ مِمَّنْ
لأُيُحَدُّ قاذِفُها فَلا حَدَّ عَلَيْهِ وَلا لَعَانَ وَيُعَزَّرُ .
- ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم -. والشهادة لاتكون معتبرة إلا إذا صدرت
من أهلها ، فوجوب الشهادة عليهما اشتراط كونهما من أهل الشهادة ، ولا بدّ من أن تكون
ممن يحدّ قاذفها، لأن اللعان فى حقها كحدّ القذف لما أن اللعان عقوبة ، فإن کان کاذبا
التحق به كالحدّ حتى لانقبل شهادته بعد اللعان أبدا، وهو فى حقها كحدّ الزنا لأن الغضب
فى حقها من الله تعالى عقوبة شديدة يلتحق بها إن كانت كاذبة فقام مقام حدّ الزنا ، ولهذا
لا يثبت اللعان بالشهادة على الشهادة ، ولا بكتاب القاضى ، ولا بشهادة النساء كالحدود ،
ولا بدّ من طلبها لها لأن الحقّ كما فى حدّ القذف. وشرط اللعان قيام الزوجية بينهما
بنكاح صحيح دون الفاسد ، لأن مطلق الزوجية ينصرف إلى الصحيح. قال ( فإن امتنع منه
حبس حتی یلاعن) لأنه حد وجب عليه فيحبس فيه لقدرته عليه ( أو يكذب نفسه فيحد )
لأنه إذا أكذب نفسه سقط اللعان ، وإذا سقط اللعان وجب عليه الحدّ ، لأن القذف
لا يخلو عن موجب ، فإذا سقط اللعان صرنا إلى حدّ القذف، إذ هو الأصل ( فاذا لاعن
وجب عليها اللعان ) بالنصّ ( وتحبس حتى تلاعن ) لما بينا ( أو تصدقه ) فلا حاجة إلى
اللعان ولا يجب عليها حدّ الزنا ، لأن من شرطه الأقارير الأربعة عندنا على ما يأتى بيانه ،
ولهذا قال الشافعى رحمه الله تحدّ لأن الزانى يحدّ عنده بالإقرار مرّة واحدة، ويبتدئ
فى اللعان بالزوج لأنه هو المدعى ، ولأنه عليه الصلاة والسلام بدأ بالزوج ، فلما التعنا
فرّق بينهما ، فإن التعنت المرأة أوّلا ثم الزوج أعادت ليكون على الترتيب المشروع ، فإن
فرّق بينهما قبل الإعادة جاز لأن المقصود تلاعنهما وقد وجد . قال ( وإذا لم يكن الزوج
من أهل الشهادة ) بأن كان عبدا أو محدودا فى قذف أو كافرا ( فعليه الحدّ) لأن اللعان امتنع
المعنى من جهته فيرجع إلى الموجب الأصلى (وإن كان من أهل الشهادة وهى ممن لا يحدّ
قاذفها ) بأن كانت أمة أو كافرة أو محدودة فى قذف أو صبية أو مجنونة أو زانية ( فلا حدّ
عليه ولا لعان) لأن المانع من جهتها فصار كما إذا صدقته ( ويعزّر ) لأنه آذاها وألحق
الشين بها ولم يجب الحدّ فيجب التعزير حسما لهذا الباب، ولو كانا محدودين فىقذ ف حدّ
لأن اللعان امتنع من جهته لأنه يبدأ به وهو ليس من أهل الشهادة ، والأصل فيه قوله عليه
الصلاة والسلام ((أربعة لالعان بينهم وبين نسائهم : اليهودية والنصرانية تحد المسلم ،
والمملوكة تحت الحرّ، والحرّة تحت المملوك)) وفى رواية ((والمسلم تحته كافرة ، والكافر

- ١٦٩ -
وَصِفَةُ اللَّعَانِ أنْ يَبْتَدِئَ القاضِى بِالزَّوْجِ فَيَشْهَدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فى كُلّ
مَرَّةٍ أَشْهَدُ باللّهِ إنى لمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَّيْتُكِ بِهِ مِنَ الزّنا، وَيَقُولُ فى الخامسة
لَعْنَةُ اللّهُ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الكَاذِ بِينَ فِيما رَمَيْتُكٍ بِهِ مِنَ الزّنَا؛ وَإنْ كانَ
القَدْفُ بِوَلَدٍ يَقُولُ: فِيما رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ نَفْئِ الوَلَدِ . وَإِنْ كَانَ بِمَا
يَقُولُ: فيما رمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزّنا ومِنْ نَفْىِ الولّدِ. ثُمَّ تَشْهَدُ المرأةُ
أَرْبَعْ مَرَّاتٍ تَقُولُ فى كُلّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ باللّهِ إِنَّهُ لمِنَ الكاذبِينَ فِيما رَمَانِى بِهِ
مِنَ الزّنَا، وَتَقُولُ فى الخامِسَةِ: غَضَبُ اللّهُ عَلْها إنْ كانَ مِنَّ الصَّادِقِينَ فِيما
رَمَانى بِهِ مِنَ الزّنا، وفِى نَفْىِ الوَلَدِ تَذْكُرُهُ؛ فإذَا الْتَعَنَا فَرَّقَ الحاكِمِ
"بْيَهُما، فاذَا فَرَّقَ بْيَهُما كانَتْ تَطْلِيقَةَ بائِنَةَ (س) ،
تحته مسلمة)) وصورته : إذا كانا كافرين فأسلمت فقذفها قبل عرض الإسلام عليه .
( وصفة اللعان أن يبتدئ القاضى بالزوج فيشهد أربع مرات يقول فى كلّ مرّة : أشهد
باللّه إنى لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا ، ويقول فى الخامسة: لعنة اللّه عليه إن كان
من الكاذبين فما رمیتك به من الزنا ؛ وإن كان القذف بولد یقول : فما رمیتك به من نفى
الولد ، وإن كان بهما يقول: فيما رميتك به من الزناومن نفى الولد ) لأنه المقصود باليمين
( ثم تشهد المرأة أربع مرّات تقول فى كلّ مرّة: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رمانى به من
الزنا ، وتقول فى الخامسة : غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رمانى به من الزنا ،
وفى نفى الولد تذكره ) كما تقدّم ( فاذا التعنا فرّق الحاكم بينهما) ولاتقع الفرقة قبل الحكم
حتى لومات أحدهما قبل التفريق ورثه الآخر . وقال زفر : تقع الفرقة بينهما بالتلاعن
لوقوع الحرمة المؤبدّة بينهما بالنصّ وهو المقصود من الفرقة. ولنا ما روى(( أن النبى عليه
الصلاة والسلام لما لاعن بينهما قال الزوج : كذبت عليها إن أمسكتها هى طالق ثلاثا)).
قال الراوى : ففارقها قبل أن يأمره رسول اللّه بفراقها ، فأمضى عليه ذلك فصار سنة
المتلاعنين ، ولو وقعت الفرقة بتلاعنهما لم يقع الطلاق ولما أمضاه عليه الصلاة والسلام
ولبين له بطلان اعتقاده فى وقوع الطلاق ، ولأن حرمة الاستمتاع تثبت باللعان ، لأن
اللعن والغضب نزل بأحدهما بيقين وأثره بطلان النعمة ، وحلّ الاستمتاع نعمة والزوجية
نعمة ، وحلّ الاستمتاع أقلهما فيحرم ، وهذه الحرمة جاءت من قبله لأنها بسبب قذفه فقد
فوّت عليها الإمساك بالمعروف فيجب عليه التسريح بالإحسان ، فاذا لم يشرحها وهو قادر
عليه كان ظالما لها فينوب القاضى منابه دفعا للظلم ( فإذا فرّق بينهما كانت تطليقة بائنة) لأنه
كفعل الزوج كما فى الجبّ والعنة . وقال أبو يوسف: هو تحريم مؤبد، وثمرته إذا أكذب

- ١٧٠ -
فإنْ كانَ القَدْفُ بِوَلَّدٍ نَفى القاضِى نَسَبَهُ والحَقَهُ بِأُمٍِّ، وَإِذَا قالَ: حَمْلُكِ
لَيْسَ مِنْ فَلا لِعانَ (سم).
نفسه حدّه القاضى وعاد خاطبا، وعنده لا لقوله عليه الصلاة والسلام ((المتلاعنان لا يجتمعان
أبدا ، ولنا أنه إذا أكذب نفسه لم يصيرا متلاعنين ولا يبقى حكمه ، ولهذا وجب عليه الحدّ
بالإكذاب ، ولأن اللعان شهادة وهى تبطل بتكذيب الشاهد نفسه فلم يبقيا متلاعنين لاحقيقة
ولا حكما فلم يتناولهما النصّ . قال ( فإن كان القذف بولد نفى القاضى نسبه وألحقه بأمه )
لأنه عليه الصلاة والسلام نفى ولد امرأة هلال وألحقه بأمه . وإذا قذف الأعمى امرأته العمياء
أو الفاسق امرأته يجب اللعان لأنهما من أهل الشهادة ؛ ولو كان أحدهما أخرس لاحدّ ولا
لعان لأنه ليس من أهل الشهادة ؛ ولو خرس أحدهما أو ارتدّ أو أكذب نفسه أو قذف
أحلاهما إنسانا فحدّ للقذف، أو وطئت -راما بعد اللعان قبل التفريق بطل اللعان ولا حدّ
ولا تفريق ، لأن ما منع الوجوب منع الإمضاء لوجود الشبهة ؛ ولو وطئت بشبهة فقذفها
زوجها لالعان عليه ولا حدّ على قاذفها . وعن أبى يوسف أنه رجع وقال : يجب اللعان
والحدّ لأنه وطء يجب فيه المهر ويثبت النسب . وجه الظاهر أنه وطء فى غير ملك فأشبه
الزنا وصار شبهة فى إسقاط الحدّ عن القاذف ؛ ولو قذفها ثم وطئت حراما لالعان بينهما
لما بينا ، ولو لم يفرّق الحاكم بينهما حتى عزل أو مات فالحاكم الثانى يستقبل اللعان بينهما .
وقال محمد : لا يستقبل لأن اللعان قائم مقام الحدّ فصار كإقامة الحدّ حقيقة ، وذلك لا يؤثر
فيه عزل الحاكم وموته . ولهما أن تمام الإمضاء فى التفريق والإنهاء فلا يتناهى قبله فيجب
الاستقبال ؛ ولو طلقها بعد القذف ثلاثا أو بائنا فلا حدّ ولا لعان ، ولو كان رجعيا لاعن
لقيام الزوجية ؛ ولو تزوّجها بعد الطلاق البائن فلا لعان ولا حدّ بذلك القذف ؛ ولو قال:
أنت طالق ثلاثا يا زانية فعليه الحدّ دون اللعان لأنه قذف أجنبية؛ ولو قال: يا زانية أنت
طالق ثلاثا فلا حدّ ولا لعان ، لأنه طلقها ثلاثا بعد وجوب اللعان فسقط بالبينونة ؛ ولو
قذف أربع نسوة لاعن مع كلّ واحدة منهنّ ؛ ولو قذف أربع أجنبيات حدّ لهنّ حدّاً
واحدا ، والفرق أن المقصود فى الثانية الزجر ، وهو يحصل بحدّ واحد ، أما الأوّل
فالمقصود باللعان دفع العار عن المرأة وإبطال نكاحها عليه وذلك لا يحصل بلعان واحد . قال
( وإذا قال : ليس حملك منى فلا لعان ) وقالا: إن ولدت لأقلّ من ستة أشهر من يوم
القذف يجب اللعان لأنا تيقنا بقيام الحمل يومئذ ، وله أنه يومئذ لم يتيقن بقيام الحمل فلم يصر
قاذفا ، وإذا لم يكن قاذفا فى الحال يصير كأنه قال : إن كان يك حمل فليس منى ولا يثبت
حكم القذف إذا كان معلقا بالشرط ، وأجمعوا أنه لا ينتفى نسب الحمل قبل الولادة لأنه حكم
عابه ولاحكم على الجنين قبل الولادة كالإرث والوصية ؛ ولو نفى ولد زوجته الحرّة فصدقته

- ١٧١ -
وَيَصِحُّ نَفْىُ الوَلَدِ عَقِيبَ الوِلَادَةِ وَفِي حَالَةِ الََّهْنِئَةِ وَابْتِياعٍ آلَةِ الولادَةِ
فَيُلاعِنُ وَيَنْفِيهِ القَاضِى، وَبَعْدَ ذلكَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيُلاعِنُ، وَإنْ كانَ غائِبا
فَعَلِمَ فكأنْهَا وَلَدَتْ حالَ عِلْمِهِ؛ وَمَنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِى بَطْنٍ وَاحدٍ
فَاعْتَرَفَ بِالأوَّلِ وَنَفى الثَّانِىَ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا وَلاعَنَ، وَإِنْ عَكَسَ فَنَفى الأوَّلِّ
وَاعْتَرَفَ بِالثَّانِى ثَبَتَ نَسَُهُمَا وَحُدَّ .
فلا حدّ ولا لعان وهو ابنهما لا يصدقان على نفيه، لأن النسب حقّ الولد والأمّ لاتملك
إسقاط حقّ ولدها فلا ينتفى بتصديقها؛ وإنما لم يجب الحدّ واللعان لتصديقها لأنه لا يجوز
لها أن تشهد أنه لمن الكاذبين وقد قالت إنه لصادق ، وإذا تعذّر اللعان لا ينتفى النسب .
قال ( ويصحّ نفى الولد عقيب الولادة وفى حالة التهنئة وابتياع آلة الولادة فيلاعن وينفيه
القاضى وبعد ذلك يثبت نسبه ويلاعن ) وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه مقدّر بسبعة أيام
لأن أثر الولادة والتهنئة فيها اعتبارا بالعقيقة ، وقالا : يصحّ نفيه فى مدّة النفاس لأنه أثر
الولادة ، وله أن الزوج لو نفاه عقيب الولادة انتفى بالإجماع ، ولو لم ينفه حتى طالت المدة
لم يكن له نفيه بالإجماع فلا بدّ من حدّ فاصل ، ومعلوم أن الإنسان لايشهد عليه بنسب
ولده ، وإنما يستدلّ على ذلك بقبوله التهنئة وابتياع متاع الولادة وقبول هدية الأصدقاء،
فاذا فعل ذلك أو مضى مدّة يفعل فيه ذلك عادة وهو ممسك كان اعترافا ظاهرا فلا يصحّ
نفيه بعده . قال ( وإن كان غائبا فعلم فكأنها ولدت حال علمه ) معناه : أنه يصحّ نفيه
عندهما فى مدة النفاس بعد العلم . وعنده مدّة التهنئة على ما بينا ، لأنه لا يجوز أن يلزمه النسب
مع عدم علمه فصار حال علمه كحالة الولادة على الأصلين . وعن أبى يوسف إن علم
قبل الفصال فهو مقدّر بمدة النفاس وبعده ليس له أن ينفيه ، لأن قبل الفصال كمدّة النفاس
حيث لم ينتقل عن غذائه الأوّل وبعده ينتقل ويخرج عن حالة الصغر فيقبح نفيه كما لو بقى
شيخا . قال ( ومن ولدت ولدين فى بطن واحد فاعترف بالأوّل ونفى الثانى ثبت نسبهما
ولاعن ، وإن عكس فنفى الأوّل واعترف بالثانى ثبت نسبهما وحدّ ) أما ثبوت النسب
فلأنهما توعمان خلقا من ماء واحد ، فمتى ثبت نسب أحدهما باعترافه ثبت نسب الآخر
ضرورة . وأما اللعان فى الأولى والحدّ فى الثانية فلأنه لما نفى الثانى لم يكن مكذبا نفسه
فيلاعن ، وفى الثانية لما نفى الأوّل صار مكذّبًا نفسه باعترافه الثانى فيحدّ ، ولو قال
فى المسئلة الثانية : هما ابناى لا يحدّ ولا يكون تكذيبا لأنه صادق لأنهما لزماه من طريق
الحكم فكان مخبرا عما ثبت بالحكم .

- ١٧٢ -
باب العدة
عِدَّةُ الحُرَّةِ الَّتِى تَحِيضُ فى الطَّلَاقِ وَالفَسْخِ بَعْدَ الدُّخُولِ ثَلاثُ حِيَضٍ،
وَالصَّغِيرَةِ وَالْآمِسَةِ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ؛ وَعِدَّ تُهُنَّ فى الوَفاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ
أيَّامٍ ؛ وَعِدَّةُ الأُمَةِ فِى الطَّلَاقِ حَيْضَتَانٍ، وفِى الصّغَرِ وَالإِياسِ شَهْرٌ وَنِصْفٌ ؛
وَعِدَّهَا فِى الوَفَاةِ شَهْرَانِ وَمْسَةُ أَيَّامٍ؛ وَعِدَّةُ الكُلّ فى الحَمْلِ وَضْعُهُ ؛
باب العدة
وهو مصدر عده بعده، وسئل عليه الصلاة والسلام (( متى تكون القيامة ؟ قال : إذا
تكاملت العدّتان )) أى عدّة أهل الجنة وعدّة أهل النار: أى عددهم، وسمى الزمان الذى
تتربص فيه المرأة عقيب الطلاق والموت عدّة لأنها تعد الأيام المضروبة عليها وتنتظر أوان
الفرج الموعود لها . والأصل فى وجوبها قوله تعالى - والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة
قروء - وقوله تعالى - والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهنّ أربعة أشهر
وعشرا - وقوله - واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى
لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهنّ - وقوله تعالى - فطلقوهنّ لعدّتهنّ
وأحصوا العدّة - وهى ثلاثة أنواع: الحيض ، والشهور، ووضع الحمل ، وبكلّ ذلك
نطق الكتاب. وتجب بثلاثة أشياء: بالطلاق ، وبالوفاة ، وبالوطء على ما نبينه إن شاء اللّه
تعالى . قال ( عدّة الحرّة التى تحيض فى الطلاق والفسخ بعد الدخول ثلاث حيض ،
والصغيرة والآيسة ثلاثة أشهر؛ وعدتهنّ فى الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام) لما تلونا من
الآيات ؛ والفرقة بالفسخ كالطلاق ، لأن العدّة للتعرّف عن براءة الرحم وأنه يشملهما
(وعدّة الأمة فى الطلاق حيضتان) لقوله عليه الصلاة والسلام ((طلاق الأمة ثنتان وعدتها
حيضتان)) (وفى الصغر والإياس شهر ونصف ) لأنّ الرق منصف إلا أن الحيضة لاتتجزى
فكملت احتياطا ، وقد قال عمر رضى الله عنه: لو استطعت لجعلتها حيضة ونصفا. أما
الشهر فيتجزى فجعلناه شهرا ونصفا ( وعدتها فى الوفاة شهران وخمسة أيام ) لما بينا ( وعدّة
الكل" فى الحمل وضعه) لعموم قوله تعالى - وأولات الأحمال أجلهن" أن يضعن حملهن" -
ولأن المقصود التعرّف عن براءة الرحم ولا براءة مع وجود الحمل ولاشغل بعد وضعه ،
وإليه الإشارة بقول عمر رضى الله عنه:" لو وضعت وزوجها على سريره لانقضت عدتها وحلّ"
لها أن تتزوّج ، وعن ابن مسعود رضى الله عنه: من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى :
يعنى سورة الطلاق قوله تعالى - وأولات الأحمال أجلهن" أن بضعن حملهنّ نزلت بعد التى

- ١٧٣ -
وَلَا عِدَّةٌ فِى الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلا عَلَى الذّهِّيَّةِ فى طَلاقِ الذّمَىّ ؛
وَعِدَّةُ أُمّ الوَلّدِ مِنْ مَوْتٍ سَيِّدِها وَالإِعْنَاقِ ثَلاثُ حِيَضٍ أوْ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ؛
وَالعِدَّةُ فى النِّكَاحِ الفاسِدِ وَالوَطْءٍ بِشُْهَةٍ بِالحَيْضِ فِى الْمَوْتِ وَالفُرْقَةِ؛
وَعِدَّةُ امْرأةِ الفارَ أَبْعَدُ الْأجَلَيْنِ فى البائِنِ (س) وَعِدَّةُ الوَفَاةِ فى الرَّجْعِىّ ؛
وَلَوْ أُعْتِقَِتِ الأَمَةُ فى العِدَّةِ مِنْ طَلاقٍ رَجْعِىّ انْتَقْلَتْ عِدّتها إلى عِدَّةٍ
الحَرَائِرِ وفِى البائِنِ لا، وَلَوْ اعْتَدَّتِ الآيِسَةُ بِالأشْهُرِ ثُمَّ رأتِ الدَّمَ
فى سورة البقرة : يعنى - والذين يتوفون منكم ويذرون - الآية؛ وإن أسقطت سقطا استبان
بعض خلقه انقضت العدّة وإلافلا لأنه إذا استبان فهو ولد ، وإذا لم يستبن جاز أن يكون
ولدا وغير ولد فلا تنقضى العدة بالشكّ. قال ( ولاعدة فى الطلاق قبل الدخول ) لقوله
تعالى فيه ـ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها - قال (ولا على الذمية) وقد مرّ فى النكاح،
ولا عدّة فى نكاح الفضولى قبل الإجازة ، لأن النسب لايثبت فيه لأنه موقوف فلم ينعقد
فى حقّ حكمه فلا يورث شبهة الملك والحلّ، والعدّة وجبت صيانة للماء المحترم عن الخلط
واحترازا عن اشتباه الأنساب . قال ( وعدّة أمّ الولد من موت سيدها والإعتاق ثلاث
حيض أو ثلاثة أشهر ) إن كانت ممن لاتحيض لما روى أن مارية القبطية أمّ ولد رسول
اللّه عليه الصلاة والسلام اعتدت بعد وفاته بثلاثة أقراء ولم ينكر عليها أحد من الصحابة رضى
اللّه عنهم، فإما أنها نقلته عن النبىّ عليه الصلاة والسلام، وإما أن يكون إجماعا منهم ، وكل
ذلك حجة . وعن عمر رضى الله عنه أنه قال : عدّة أم الولد ثلاث حيض ، ولو زوّجها
المولى ثم مات فلاعدّة عليها لأن الفراش انتقل إلى الزوج، فإن طلقها الزوج وانقضت
عدتها ثم مات المولى فعليها العدّة لأن الفراش عاد إليه وقد زال بالموت. قال ( والعدّة
فى النكاح الفاسد والوطء بشبهة بالحيض فى الموت والفرقة ) لأنه للتعرّف عن براءة الرحم
ولا تجب عدّة الوفاة لأنها ليست بزوجة ، قال ( وعدّة امرأة الفارّ أبعد الأجلين فى البائن
وعدّة الوفاة فى الرجعى ) وهى إذا طلقها وهو مريض فورثت وهى فى العدّة . وقال
أبو يوسف : عدتها ثلاث حيض فى البائن لأن النكاح انقطع بالطلاق ولزمتها العدّة
بالحيض إلا أنه بقى أثره فى الإرث لما بينا لافى تغيير العدّة وبخلاف الرجعى لأن النكاح
باق من كلّ وجه. ولهما أنه بقى فى حقّ الإرث فلأن يبقى فى حقّ العدّة أولى، لأن
العدّة مما يحتاط فيها فيجب أبعد الأجلين : قال ( ولو أعتقت الأمة فى العدة من طلاق
رجعى انتقلت عدتها إلى عدّة الحرائر، وفى البائن لا ) لأن النكاح قائم من كلّ وجه
فى الرجعى دون البائن، وموته كالبينونة. قال (راواعتدّت الآيسة بالأشهر ثم رأت الدم

- ١٧٤ -
بَعْدَ ذلكَ أوِ الصَّغِيرَةِ ◌ُثُمَّ رَأتْهُ فى خِلالِ الشَّهْرِ اسْتَأَنَفَتْ بِالخَيْضِ؛ وَلَوٍ
اعْتَدَّتْ بِحَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثْمَّ أَبِسَتْ اسْتَأْنَفَتْ بِالشُّهُورِ.
وَابْتِدَاءُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ عَقِبَهُ وَالوَفَاةِ عَقِيَبها، وتَنْقَضِى بِمُضِىّ المُدَّةِ
وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهِما ؛
بعد ذلك أو الصغيرة ثم رأته فى خلال الشهر استأنفت بالحيض ) أما الآيسة فلأن بالعود
علمنا أنها غير آيسة وأن عدتها الحيض وصارت كالممتدّ طهرها فتستأنف، وأما الصغيرة
فلأن الجمع فى عدّة واحدة بين لحيض والأشهر ممتنع ، لما فيه من الجمع بين البدل
والمبدل ، ولأنه لم يرد به أثر ولم يقل به بشر، وقد تعذّر الاعتداد بالأشهر فتعين الحيض ؛
أو نقول الأشهر خلف عن الحيض وقد قدرت على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف
فيجب عليها كالمتيمم إذا وجد الماء فى صلاته ( ولواعتدّت بحيضة أو حيضتين ثم أيست
استأنفت بالشهور ) لما بينا .
فصل
الأقراء : الحيض ، وهو قول أبى بكر وعمر وعلىّ وابن مسعود وابن عباس وأبى الدر داء
وابن الصامت وجماعة من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين . وقال زيد بن ثابت وعبد الله
ابن عمر وعائشة رضى الله عنهم : إنها الأطهار ، وحاصله أن اسم القرء يقع على الحيض
والطهر جميعا لغة حقيقة، يقال : أقرأت المرأة إذا حاضت، وأقرأت إذا طهرت ، وأصله
الوقت لمجىء الشىء وذهابه ، يقال : رجع فلان لقرئه : أى لوقته الذى يرجع فيه ، وثمرة
الخلاف تظهر فى انقضاء العدّة ؛ فمن قال إنها الحيض يقول: لاتنقضى إلا باستكمال
ثلاث حيض ، ومن قال إنها الأطهار يقول : إذا شرعت فى الحيضة الثالثة انقضت العدّة ،
والحمل على الحيض أولى بالنص والمعقول. أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام للمستحاضة
((دعى الصلاة أيام أقرائك)) وإنما تترك الصلاة أيام الحيض بالإجماع، وقوله عليه الصلاة
والسلام (( عدّة الأمة حيضتان)) والمعقول أنه ذكره بلفظ الجمع ؛ فمن قال إنه للحيض قال :
لابدّ من ثلاث حيض فيتحقق الجمع، ومن قال إنه الأطهار لا يتحقق الجمع على قوله ،
لأن الطلاق لووقع فى آخر الطهر انقضت العدّة بطهرين آخرين وبالشروع فى الثالث
فلا يوجد الجمع، والعمل بما يوافق لفظ النصّ أولى. قال ( وابتداء عدّة الطلاق عقيبه
والوفاة عقيبها وتنقضى بمضى المدة وإن لم تعلم بهما ) لأن الطلاق والوفاة هو السبب فيعتبر
ابتداؤها من وقت وجود السبب ، وإن أقر أنه طلق امرأته من وقت كذا فكذبته أو قالت
لاأدرى وجبت العدة من وقت الإقرار ويجعل هذا إنشاء احتياطا ، وإن صدقته فمن وقت

- ١٧٥ -
وَابْتِدَاءُ عِدَّةِالنكاحِ الفاسدِ عَقِيبَ التَّفْرِيقِ أَوْ عَزْمِهِ عَلَى تَرْكِ الوطْءِ (ز)،
وَإِذَا وَطِئَتِ الْمُعْتَدَّةُ بِشُبْبِهَةٍ فَعَدَيها عدَّةٌ وَأُخْرَى وَيَتَدَاخَلانِ، فإن حَاضَتْ
حَيْضَةً ثُمَّ وُطِئَتْ كَمَّلَها بِثَلاثٍ أُخَرَ، وأَقَلُّ مُدَّةِ العِدَّةِ شَهْرَانٍ (سم) ،
الطلاق واختيار المشايخ أنه يجب من وقت الإقرار تحرّزا عن المواضعة وزجرا له عن كتمان
طلاقها لأنه يصير مسببا لوقوعها فى المحرم ولا تجب لها نفقة العدّة ، ولها أن تأخذ منه مهرا
ثانيا إن وجد الدخول من وقت الطلاق إلى وقت الإقرار لأنه أقرّ بذلك وقد صدقته . قال
( وابتداء عدّة النكاح الفاسد عقيب التفريق أو عزمه على ترك الوطء ) وقال زفر : من
آخر الوطئات لأن الوطء هو الموجب للعدّة . ولنا أن التمكين من الوطء على وجه الشبهة
أقيم مقام حقيقة الوطء لخفائه فيجعل واطئا حكماً إلى حالة التفريق أو عزم الترك فتجب
العدّة من حين انقطاع الوطء حقيقة وشرعا أخذا بالاحتياط . قال ( وإذا وطئت المعتدة
بشبهة فعليها عدّة أخرى ) لوجود السبب ( ويتداخلان ، فإن حاضت حيضة ثم وطئت
كملتها بثلاث أخر ) وتحسب حيضتان من العدّتين وتكمل الأولى والثالثة تتمة للثانية ، لأن
المقصود من العدّة التعرّف عن براءة الرحم ، وأنه حاصل بالعدّة الواحدة لأنه لابدّ من
ثلاث حيض بعد الوطء الثانى وبه تتعرّف براءة الرحم ، والثانى أن يتزوّجها بعد استكمال
الأولى لأنها فى عدّه ؛ ولو وطئت المعتدّة عن وفاة تممتها ، وما تراه من الحيض فيها
يحتسب من الثانية ، فإن استكملت فيها ثلاث حيض فقد انقضتا معا وإلا تممت الثانية بما
بقى من حيضها لما بينا . قال ( وأقلّ مدّة العدّة شهران ) أى مدّة تنقضى فيها ثلاث حيص.
وقالا : أقلها تسعة وثلاثون يوما وثلاث ساعات لأنهما يعتبران أقلّ مدّة الحيض وهى ثلاثة
أيام ، وأقلّ الطهر وهو خمسة عشر يوما ، ثم يقدر أن وقوع الطلاق قبل أوان الحيض
بساعة فثلاثة أيام حيض ، وخمسة عشر طهر، ثم ثلاثة حيض ، ثم خمسة عشر طهر ،
ثم ثلاثة حيض فكملت العدّة . وأبو حنيفة يخرجه من طريقين : أحدهما يعتبر أكثر الحيض
احتياطا ، فيبدأ بالحيض عشرة ، ثم خمسة عشر طهر ، ثم عشرة حيض ، ثم خمسة عشر
طهر ، ثم عشرة حيض فذلك ستون يوما ، وهذه رواية محمد ، والآخر وهو رواية
الحسن بن زياد أنه يعتبر الوسط من الحيض وهو خمسة أيام ، ويجعل مبدأ الطلاق فى أوّل
المطهر عملا بالسنة ؛ فخمسة عشر يوما طهر وخمسة حيض ، هكذا ثلاث مرّات يكون
ستين يوما ؛ والأمة تصدق عندهما فى أحد وعشرين يوما ، ستة أيام حيضتان ، وخمسة عشر
يوما طهر بينهما . وعند أبى حنيفة على رواية الحسن أربعين يوما ، وعلى رواية محمد
خمسة وثلاثين ، ولو كانت حاملا وقد علق طلاقها بالولادة ، فعلی قیاس رواية محمد عن
أبى حنيفة لا يصدق فى أقل من خمسة وثمانين يوما ، وعلى قياس رواية الحسن مائة يوم ،

- ١٧٦ -
وَلا يَنْبَغِى أَنُْمُخْطَبَ الْمُعْتَدَّةُ، وَلا بأسَ بالتَّعْرِيضِ،
وعلى قياس قول أبى يوسف خمسة وستون ، وفى الأمة على رواية محمد خمسة وستون ،
ورواية الحسن خمسة وسبعون ، وعن أبى يوسف سبعة وأربعون ، وعن محمد ستة وثلاثون
وثلاث ساعات، ويعرف ذلك لمن يتأمله بتوفيق الله تعالى. ثم إن وقع الطلاق للآيسة والصغيرة
أو الموت غرّة الشهر اعتبرت الشهور بالأهلة بالإجماع وإن نقص عددها ، وإن وقع ذلك
فى وسط الشهر تعتبر بالأيام فتعتدّ فى الطلاق بتسعين يوما ، وفى الوفاة مائة وثلاثين يوما
وهو رواية عن أبى يوسف ، وروى عنه وهو قول محمد تعتدّ بقية الشهر بالأيام وتكمله
من الشهر الرابع ، وتعتدّ بشهرين فيما بينهما بالأهلة ، لأن الأصل اعتبار الشهور بالأهلة
إلا عند التعذّر، وقد تعذر فى الأوّل فيعمل فيه بالأيام لأنها كالبدل عن الأهلة ، ويعمل
فى الباقى بالأصل . ولأبى حنيفة أنه لا يدخل الشهر الثانى ولا يعدّ إلا بعد انقضاء الأوّل،
ولا انقضاء للأوّل إلا بعد استكماله فيكمل الأوّل من الثانى، وهكذا الثانى مع الثالث فتعذر
اعتبار الأهلة فى الكلّ، وعلى هذا مدّة الإيلاء واليمين إذا حلف لا يفعل كذا سنة والإجارات
ونحوها ، وإذا قالت: انقضت عدتى صدقت لأنها أمينة فإن كذبها الزوج حلفت كالمودع.
واختلف أصحابنا فى حدّ الإياس ، قال بعضهم : يعتبر بأقرانها من قرابتها ، وقيل يعتبر
بتركيبها لأنه يختلف بالسمن والهزال . وعن محمد أنه قدره بستين سنة . وعنه فى الروميات
بخمس وخمسين ، وفى المولدات ستين، وقيل خمسين سنة، والفتوى على خمس وخمسين
من غير فصل وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة ، وعنه أيضا ما بين خمس وخمسين إلى
ستين . وذكر محمد فى نوادر الصلاة : العجوز الكبيرة إذا رأت الدم مدّة الحيض فهو
حيض إذا لم يكن عن آفة . وقال محمد بن مقاتل الرازى: هذا إذا لم يحكم بإياسها ، فأما
إذا حكم بإياسها ثم رأت الدم لا يكون حيضا وهو الصحيح. والمرأة إذا لم تحض أبدا حتى
بلغت مبلغا لا يحيض فيه أمثالها غالبا حكم بإياسها . وذكر فى الجامع الصغير : إذا بلغت
ثلاثين سنة ولم تحض حكم بإياسها . قال ( ولا ينبغى أن تخطب المعتدّة) لقوله تعالى - ولا
جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء - المراد به المعتدات بالإجماع ، لأن الله تعالى نفى
الجناح فى التعريض وأنه يدلّ على أن تركه أولى فيلزم كراهة التصريح بطريق الأولى
( ولا بأس بالتعريض) لأنه تعالى نفى الجناح فإنه دليل الإباحة. وروى (( أنه عليه الصلاة
والسلام دخل على أم سلمة وهى فى العدّة فذكر منزلته من الله تعالى وهو متحامل على يده
حتى أثر الحصير على يده من شدّة تخامله عليها وأنه تعريض، والتعريض مثل أن يقول :
إنى فيك الراغب، وأودّ أن أتزوجك، وإن تزوّجتك لأحسننّ إليك ، ومثلك من يرغب
فيه ويصلح للرجال ونحوه . وعن النخعى لا بأس بأن يهدى إليها ويقوم بشغلها فى العدّة

- ١٧٧ -
وعَلَ المُغْتَدَةِ مِنْ نِكاحٍ صَحِيحٍ عَنْ وَقَاةٍ أَوْ طَلاقٍ بائِنِ إذَا كانَتْ بِالِغَةَ
مِسْلِمَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةَ الحِدَاءُ، وَهُوَ تَرْكُ الطِّيبِ وَالزّينَةِ والكُحْلِ وَالدُّمْنِ
وَالِحِنَّاءِ إِلاَّ مِنْ عُدْرٍ؛
إن كانت من شأنه ، والتصريح قوله : أنكحك ، وأتزوّج بك ونحوه وأنه مكروه ،
قال تعالى - ولكن لاتواعدوهنّ سرًا - قال عليه الصلاة والسلام ((السرّ النكاح)) وهذا
كله فى المبتوتة (١) والمتوفى عنها زوجها . أما المطلقة الرجعية فلا يجوز التصريح ولا التلويح
لأن نكاح الأوّل قائم على ما بينا .
فصل
( وعلى المعتدّة من نكاح صحيح عن وفاة أو طلاق بائن إذا كانت بالغة مسلمة حرّة
أو أمة الحداد) ويقال الإحداد. والأصل فيه ما روى ((أن امرأة مات عنها زوجها فجاءت
إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تستأذنه فى الانتقال فقال : كانت إحداكن تمكث فى أشرّ
أحلاسها إلى الحول ، أفلا أربعة أشهر وعشرا ؟)) فدل أنه يلزمها أن تقيم فى شرّ أحلاسها أربعة
أشهر وعشرا. وقال عليه الصلاة والسلام ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ"
على ميت ثلاثة أيام فما فوقها إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا)) وروى ((أنه عليه الصلاة
والسلام نهى المعتدة أن تختضب بالحناء وقال: الحناء طيب)) وأنه عام فى كلّ معتدة،
ولأنه لما حرم عليها النكاح فى العدة أمرت بتجنب الزينة حتى لا تكون بصفة الملتمسة
للأزواج وأنه يعمّ الفصلين، ولأنها وجبت إظهارا للتأسف على فوت نعمة النكاح الذى
كان سبب مئونتها وكفايتها من النفقة والسكنى وغير ذلك، وأنه موجود فى المبتوتة والمتوفى
عنها . قال ( وهو ترك الطيب والزينة والكحل والدهن والحناء إلا من عذر ) لنهيه عليه
الصلاة والسلام عن الحناء، وقوله ((الحناء طيب)) فدلَّ على أن الطيب محظور عليها ،
ويدخل فيه الثوب المطيب والمعصفر والمزعفر حتى قالوا : لو كان غسيلا لاينفض جاز
لأنه لم يبق له رائحة ، فإن لم يكن لها إلا ثوب واحد مصبوغ لا بأس به لأنه عذر ، ولا تمتشط
لأنه زينة ، فإن كان فالأسنان المنفرجة دون المضمومة ، ولا تلبس حليا لأنه زينة ، ولا
تلبس قصبا ولا خزانة لأنه زينة . وعن أبى يوسف لا بأس بالقصب والخزّ الأحمر .
فالحاصل أن ذلك يلبس للحاجة ويلبس للزينة فيعتبر القصد فى لبسه، وقد صحّ ((أن النبىّ
عليه الصلاة والسلام لم يأذن للبمتوتة فى الاكتحال ، بخلاف حالة التداوى لأنه عذر ،
(١) قوله وهذا كله فى المبتوتة، ليس مذهبا لنا لأن مذهبنا جواز التعريض خام،
بالمتوفى عنها .
١٢ - الاختيار - ثالث
....

- ١٧٨ -
وَلا تَخْرُجُ الْمَبْتُوتَةُ مِنْ بْبِهَا لَيْلاً وَلا نَهَرًا، وَالمُعْتَدَّةُ عَنْ وَفاةٍ تَخْرُجُ
"نْهَارًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ وَتَّبِيتُ فى مَنْزِلِهَا، وَالأُمَّةُ تَخْرُجُ لِحَاجَةِ المَوْلى فى العدَّتْنِ
فى الوَقْتَْنِ جَمِيعا، وَتَعْدُ فى البَيْتِ الَّذى كانَتْ تَسْكُنُهُ حالَ وُقُوعِ الفُرْفَةِ
إلاَّ أنْ يْهَدِمَ أوْ تَخْرَجَ مِنْهُ أَوْ لا تَقْدِرَ عَلى أُجْرَتِهِ فَتَنْتَقِلَ.
فكان ضرورة دون التزين ؛ وكذا إذا خافت من ترك الدهن والكحل حدوث مرض بأن
كانت معتادة لذلك يباح لها ذلك . ولا إحداد على صغيرة ولا مجنونة لعدم الخطاب ولأنها
عبادة حتى لاتجب على الكافرة ؛ بخلاف الأمة لأنها أهل للعبادات وليس فيها إبطال حقّ
المولى ، وليس فى عدة النكاح الفاسد إحداد لأنه لا يتأسف على زواله لأنه واجب الزوال
ولأنه نقمة فزواله نعمة . قال ( ولا تخرج المبتوتة من بيتها ليلا ولا نهارا ) لقوله تعالى
- لا تخرجوهنّ من بيوتمهنّ ولا يخرجن - ولأن نفقتها واجبة على الزوج فلا حاجة لها إلى
الخروج كالزوجة ، حتى لو اختلعت على أن لانفقة لها قيل تخرج نهارا لمعاشها ، وقيل لا
وهو الأصحّ، لأنها اختارت إسقاط نفقتها فلا يؤثر فى إبطال حقّ المختلعة عليها على أن
لاسكنى لها لا يجوز لها الخروج. قال ( والمعتدة عن وفاة تخرج نهارا وبعض الليل وتبيت
فى منزلها ) لأنه لانفقة لها فتضطرّ إلى الخروج لإصلاح معاشها وربما امتدّ ذلك إلى الليل .
وعن محمد لا بأس بأن تبيت فى غير منزلها أقل من نصف الليل لما بينا ( والأمة تخرج لحاجة
المولى فى العدتين فى الوقتين جميعا ) لما فى المنع من إبطال حقه ، وحقّ العبد مقدّم على حق
اللّه تعالى ، وإن كان المولى بوّأها لم تخرج ما دامت على ذلك إلا أن يخرجها المولى ، وكذلك
المكاتبة والكتابية تخرج إلا إذا منعها الزوج لصيانة مائه ، والمجنونة والمعتوهة كالذمية ،
والصبية تخرج لأنها لا يلزمها العبادات ، ولاحق" للزوج لأنه لحفظ الولد، ولا ولد إلا
فى الطلاق الرجعى، فلا تخرج إلا باذن الزوج لبقاء الزوجية على ما مرّ ( وتعتدّ فى البيت
الذى كانت تسكنه حال وقوع الفرقة) لأنه البيت المضاف إليه بقوله تعالى - من بيوتهنّ -
لأنه هو الذى تسكنه ، وقال عليه الصلاة والسلام للتى قتل زوجها (( اسكنى فى بيتك حتى
يبلغ الكتاب أجله)). قال ( إلا أن ينهدم أو تخرج منه أو لاتقدر على أجرته فتنتقل ) لما
يلحقها من الضرر فى ذلك . أما إذا انهدم فلأن السكنى فى الخربة لاتأمن على نفسها ومالها،
ثم قيل تنتقل حيث شاءت إلا أن تكون مبتوتة فتنتقل إلى حيث شاء الرجل لأنه المخاطب
بقوله تعالى - أسكنوهنّ - وإذا حوّلها الورثة أو صاحب المنزل فهى معذورة فى ذلك .
وروى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أنه نقل ابنته أم كلثوم لما قل عمر رضى الله
عنه لأنها كانت فى دار الإمارة وعائشة رضى الله عنها نقلت أختها لما قتل طلحة رضى الله

- ١٧٩ -
فصل
أَقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِنَّهُ أَشْهُرٍ وَأكْثَرُها سَنَّتَانٍ، وَإِذَا أَقَرَّتْ بَانْقِضَاءِ العِدَّةِ
"ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلّدٍ لِأَقَلِّ مِنْسنَّةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَلِسْتَّةٍ أَشْهُرٍ لا؛ وَيَثْبُتُ
نَسّبُ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَإِنْ جاءَتْ بِهِ لِأُكْثَرَ مِنْ سَنَّتْنٍ مالَمْ
تُفِرَّ بِانْقِضَاءِ العِدَّةِ، فإنْ جاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَلَقَْنٍ بانَتْ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ
وَلا يَصِيرُ مُرَاجِعا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسَنَقْنٍ أَوْ أَكْثُرَ كَانَ رَجْعَةً، وَيَثْبُتُ
نَسّبُ وَلَدِ المَبْتَوْنَةِ وَالْمُتَوَفيَّ عْهَا زَوْجُها لِأُقَلْ مِنْ سَنْتَسْنٍ،
عنه ، ولو طلب منها أكثر من أجرة المثل فلما يلحقها من الضرر ، وصار كثمن الماء
للمسافر يجوز له التيمم إذا كان بأكثر من ثمن المثل ، ولو أبانها والمنزل واحد يجعل بينه
وبينها سترة ، وكذلك الورثة فى الوفاة ، فان لم يجعلوا انتقلت تحرّرا عن الفتنة ، وإذا كان
المطلق غائبا وطلب أهل المنزل الأجرة أعطتهم باذن القاضى ويصير دينا على الزوج .
فصل
( أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر) لما روى أن رجلا تزوّج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر
فهمّ عثمان برجمها، فقال ابن عباس: لو خاصمتكم بكتاب الله الخصمتكم، فان الله تعالى
يقول - وحمله وفصاله ثلاثون شهرا - وقال - والولدات برصعن أولادهنّ حولين كاملين -
فبقى لمدة الحمل ستة أشهر . قال ( وأكثرها سنتان ) لما روى عن عائشة أنها قالت : لايبقى
الولد فى رحم أمه أكثر من سنتين ولو بفركة مغزل ، وذلك لا يعرف إلا توقيفا إذ ليس
للعقل فيه مجال ، فكأنها روته عن النبيّ عليه الصلاة والسلام. قال ( وإذا أقرّت بانقضاء
العدّة ثم جاءت بولد لأقلّ من سنة أشهر ثبت نسبه ) لأنه ظهر كذبها بيقين فصار كأنها
لم تقرّ به (و) إن جاءت به ( لستة أشهر لا) يثبت ، لأنه لم يظهر كذبها فيكون من حمل حادث
بعده فلا يثبت نسبه ، قال ( ويثبت نسب ولد المطلقة الرجعية ، وإن جاءت به لأكثر من
سنتين مالم تقرّ بانقضاء العدّة) لاحتمال الوطء والعلوق فى العدّة لجواز أن تكون ممتدّة
الطهر ( فإن جاءت به لأقل من سنتين بانت ) لانقضاء العدّة ( ويثبت النسب ) لوجود
العلوق فى النكاح أو فى العدّة (ولا يصير مراجعا) لأنه يحتمل العلوق قبل الطلاق ، ويحتمل
بعده فلا يصير مراجعه بالشكّ (وإن جاءت به لسنتين أو أكثر كان رجعة ) لأن العلوق
بعد الطلاق، والظاهر أنه منه وأنه وطئها فى العدّة حملا لحالهما على الأحسن والأصلح .
قال ( ويثبت نسب ولد المبتوتة والمتوفى عنها زوجها لأقل ◌ّمن سنتين) لاحتمال أن الحمل

- ١٨٠ -
وَلا يَثْبُتُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذلكَ إلاَّ أنْ يَدَّعِيَّهُ (ز)؛ وَلا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَد
المُعْتَدَّةِ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلْنِ (سم)، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأْتَْنِ، أَوْ حَبَلٍ ظاهِرٍ ،
أوِ اغْتِرَافِ الزَّوْجِ، أَوْ تَصْدِيقِ الوَرَثَةِ؛ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ المُطَلَّقَةِ
الصَّغِيرَةِ رَجْعِيَّةً (س) كانَتْ أَوْ مَبْتُوتَةٌ (س) إلاَّ أنْ تأتىَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ
تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وفِى عِدَّةِ الوفاةِ لِأَقَلْ مِنْ عَشَرَةٍ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةٍ أَيَّامٍ بِساعَةٍ ،
وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ وَلَدْتِ فَأَنَتِ طَالِقٌ فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ بالوِلادَةٍ لَمْ تَطْلُقْ (سم) ،
كان قائما وقت الطلاق فلا يكون الفراش زائلا بيقين فيثبت النسب احتياطا ( ولا يثبت
لأكثر من ذلك إلا أن يدعيه ) لأنا تيقنا بحدوث الحمل بعد الطلاق فلا يكون منه إلا أن
بدعيه فيجعل كأنه وطها بشبهة العدّة. وقال زفر : فى عدّة الوفاة إذا جاءت به بعد
انقضائها لستة أشهر لايثبت ، لأن الشرع حكم بانقضائها بالأشهر فصار كإقرارها . وجوابه
أنه لانقضاء العدّة وجه آخر وهو وضع الحمل ، بخلاف الصغيرة لأن الأصل عدم الحمل
فيها لعدم المحلية فوقع الشك فى البلوغ . قال ( ولا يثبت نسب ولد المعتدة إلا بشهادة
رجلين ، أو رجل وامرأتين ، أو حبل ظاهر ، أو اعتراف الزوج ، أو تصديق الورثة )
وقالا : يثبت بشهادة امرأة واحدة لأن الفراش قائم لقيام العدّة ، وهو ملزم للنسب كقيام
النكاح . ولأبى حنيفة أنها لو أقرّت بوضع الحمل انقضت العدة ، والمنقضى لا يكون حجة
فيحتاج إلى إثبات النسب فلا بدّ من حجة كاملة . أما إذا ظهر الحبل أو اعترف به الزوج
فالنسب ثابت قبل الولادة والحاجة إلى التعيين وأنه يثبت بشهادتها، وكذا إذا اعترف به
الورثة بعد الموت . وهذا فى حق ◌ّالإرث ظاهر لأنه حقهم . وأما النسب فإن كانوا من
أهل الشهادة ثبت بشهادتهم ، ولا يثبت فى حقهم باعترافهم ويثبت فى حقّ غير هم تبعا
لثبوت فى حقهم . قال ( ولا يثبت نسب ولد المطلقة الصغيرة رجعية كانت أو مبتوتة إلا
أن تأتى به لأقلّ من تسعة أشهر، وفى عدة الوفاة لأقلّ من عشرة أشهر وعشرة أيام بساعة )
وقال أبو يوسف فى المبتوتة : يثبت إلى سنتين لأنها معتدة لم تقرّ بانقضاء العدّة ، ويحتمل أن
تكون حاملا وصارت كالبالغة . ولهما أنه تعين لانقضاء عدتها جهة واحدة وهى الأشهر،
فإذا مضت حكم الشرع بانقضائها وهو أقوى من الإقرار لاحتمال الخلف فى الإقرار دونه .
وأما الرجعى ، قال أبو يوسف : يثبت إلى سبعة وعشرين شهرا لأنه يجعل واطئا فى آخر
العدّة وهى ثلاثة أشهر ثم تأتى به لأكثر مدة الحمل وهى سنتان ؛ ولو ادعت الصغيرة
الحبل فى العدّة فهى كالكبيرة فى الحكم لأنه ثبت بلوغها باقرارها ( ولو قال لها : إن ولدت
فأنت طالق فشهدت امرأة بالولادة لم تطلق ) وقالا : تطلق لقوله عليه الصلاة والسلام