Indexed OCR Text

Pages 121-140

- ١٢١ -
كتاب الطلاق
وَهُوَ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهِ: أَحْسَنُ، وَحَسَنٌ، وَبِدْعِىُّ. فَأَحْسَنُهُ أنْ يُطَلِّفَها
وَاحِدَةٌ فى طُهْرٍ لا جِمَاعَ فِيهِ ، وَيَتْرُكَهَا حَتى تَنْقَضَىَّ عِدَّتُهَا.
أخته من الأب . تزوج صغيرتين فأرضعتهما معا أو متعاقبا حرمتا عليه ، وعليه لكلّ واحدة
نصف المهر لأنها مجبورة على الإرضاع بحكم الطبع ، ويرجع على المرضعة إن تعمدت الفساد
على الوجه الذى بينا ؛ وإن كنّ ثلاثا فأرضعتهن على التعاقب حرمت الأولى ، والثانية
دون الثالثة لأنها لماصارت أختا لهما لم يبق الجمع فى النكاح ؛ وإن أرضعتهنّ معا ، بأن ألقت
ثديها فى فم اثنتين وكانت حلبت قبل ذلك فأوجرت الثالثة واتفق وصول اللبن إليهن معا
حرمن جميعا ، وعلى هذا تخرّج جميع مسائل هذا الجنس ، والله أعلم .
كتاب الطلاق
وهو فى اللغة : إزالة القيد والتخلية ، تقول : أطلقت إبلى وأطلقت أسيرى . وفى الشرع:
إزالة النكاح الذى هو قيد معنى ، وهو قضية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع وضرب
من المعقول . أما الكتاب فلقوله تعالى - فطلقوهنّ لعدتهنّ - وقوله - الطلاق مرّتان -
والسنة قوله عليه الصلاة والسلام ((كلّ طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبىّ)) وقال عليه
الصلاة والسلام ((أبغض المباحات إلى اللّه الطلاق)) وعلى وقوعه انعقد الإجماع، ولأن
استباحة البضع ملك الزوج على الخصوص ؛ والمالك الصحيح القول يملك إزالة ملكه
كما فى سائر الأملاك ، ولأن مصالح النكاح قد تنقلب مفاسد ، والتوافق بين الزوجين قد
يصير تنافرا ، فالبقاء على النكاح حينئذ يشتمل على مفاسد من التباغض والعداوة والمقت
وغير ذلك ، فشرع الطلاق دفعا لهذه المفاسد ، ومتى وقع لغير حاجة فهو مباح مبغوض
لأنه قاطع للمصالح ، وإنما أبيحت الواحدة للحاجة وهو الخلاص على ما تقدّم، وفى الحديث
(( ما خلق الله تعالى مباحا أحبّ إليه من لعتاق، ولا خلق مباحا أبغض إليه من الطلاق)).
( وهو على ثلاثة أوجه : أحسن ، وسن ، وبدعى. فأحسنه أن يطلقها واحدة فى طهر
لاجماع فيه ويتركها حتى تنقضى عدتها ) لما روى عن إبراهيم النخعى أن أصحاب رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غيرها حتى
تنقضى عدتها . وفى رواية : وكان ذلك أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا فى ثلاثة
أطهار ، ولأنه إذا جامعها لا يؤمن الحبل وهو لا يعلم به ، فإذا ظهر ندم فكان ما ذكرناه
أبعد من الندم فكان أولى ، وفى التى لا تحيض لصغر أو كبر يطلقها أى وقت شاء لعدم

١٢١
وَحَسَنُهُ: أَنْ يُطَلَّقَهَا ثَلاَثًا فِى ثَلاَثَةِ أَطْهَارِ ولاَ جِمَاعَ فِيهَا وَالشَّهْرُ لِلآيِسَةِ
وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ كالحَيْضَةِ، وَيَجُوزُ طَلَاقُهُنَّ عَقِيبَ الجِماعِ. وَالبِدْعَةُ أنْ
يُطَلَّفَهَا ثَلاثا أَوْ تِنْتَيْنِ بِكَلَمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِ طُهْرٍ لارَجْعَةَ فيهِ، أَوْ
يُطَلِّفَهَا وَهىَ حائضٌ فَيَقَعُ وَيَكُونُ عاصِيا،
ما ذكرنا ، ولأنه أبيح للحاجة على ما تقدم ، والحاجة تندفع بالواحدة ( وحسنه ) طلاق
السنة، وهو ( أن يطلقها ثلاثا فى ثلاثة أطهار لاجماع فيها) لما روى ((أن عبد الله بن عمر
رضى الله عنهما طلق امرأته وهى حائض فقال عليه الصلاة والسلام : ما هكذا أمر ربك
يا ابن عمر، إنما أمرك أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكلّ طهر تطليقة)) وفى رواية
قال لعمر ((أخطأ ابنك السنة مره فليراجعها، فإن طهرت فان شاء طلقها طاهرا من غير
جماع أو حاملا قد استبان حملها ، فتلك العدّة التى أمر الله أن يطلق لها النساء)) ( والشهر
الآيسة والصغيرة والحامل كالحيضة ) لقيامه مقامها فى العدّة بنصّ الكتاب (ويجوز
طلاقهنّ عقيب الجماع ) لما تقدم . وأما الحامل فانه زمان الرغبة فى الوطء لكونه غير
معلق ، ويطلقها ثلاثا للسنة يفصل بين كل تطليقتين بشهر . وقال محمد : لاتطلق للسنة
إلا واحدة ، لأن الشهر إنما قام مقام الحيضة فى الصغيرة والآيسة ، والحامل ليست
فى معناهما لأنها من ذوات الحيض فصارت كالممتد طهرها . ولهما أن الشهر دليل الحاجة
لأنه زمان تجدد الرغبة على ما عليه الطباع السليمة فصارت فى معنى الآيسة ، والإباحة بقدر
الحاجة فصلح الشهر دليلا ، بخلاف الممتدّ طهرها ، لأن دليل تجدد الرغبة الطهر وهو
مرجوّ فى حقها دون الحامل فافترقا . وطلاق السنة فى العدد والوقت على ما بينا ؛
والسنة فى العدد يستوى فيها المدخول بها وغير المدخول بها والصغيرة والآيسة ، والحامل
والحائل لما بينا أنها شرعت للحاجة والكلّ فيه سواء؛ والسنة فى الوقت تختصّ بالمدخول
بها لأن طهرا لاجماع فيه لا يتصوّر فى غير المدخول بها ، ولأن المحظور هو تطويل العدّة
لو وقع فى الحيض فإنها لاتحتسب من العدّة ، ولا عدة على غير المدخول بها ( والبدعة أن
يطلقها ثلاثا أو ثنتين بكلمة واحدة ، أو فى طهر لارجعة فيه ، أو يطلقها وهى حائض
فيقع ويكون عاصيا ) أما الثلاث والثنتين فلما بينا أنه خلاف السنة والمشروعية للحاجة
وهى تندفع بالواحدة . وأما حالة الحيض فلقوله عليه الصلاة والسلام فى حديث ابن عمر
((قد أخطأ السنة)) وأما الوقوع فلقوله عليه الصلاة والسلام لعمر («مر ابنك فليراجعها))
وكان طلقها حالة الحيض ، ولولا الوقوع لما راجعها. وكذلك روى أن ابن عمر قال
للنبىّ عليه الصلاة والسلام (( أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكانت تحلّ لى ؟ قال لا ويكون
معصية)) وروى أن بعض أبناء عبادة بن الصامت طلق امرأته ألفا، فذكر عبادة ذلك للنبي
عليه الصلاة والسلام، فقال ((بانت بثلاث فى معصية، وتسعمائة وسبع وتسعون فيما لا يملك))

- ١٢٣ -
وَطَلَاقُ غْرِ المَدْخُولِ بِهَا حالَةَ الحَيْضِ لَيْسَ بِبِدْعِىُّ، وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأتَهُ
حالَةَ الحَيْضِ فَعَلَيْهِ أنْ يُرَاجِعَها، فإذَا طَهُرَهْ فإنْ شاءَ طَلَّقَها وَإنْ شاءَ
أمْسَكَهَا، وَإِذَا قالَ لإِمْرَأْتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثا لِلسُّنَّةِ وَقَعَ
عِنْدَ كُلّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةٌ، وَإِنْ نَوَى وُقُوعَهُنَّ السَّاعَةَ وَقَعْنَ (ز)؛ وَطَلَاقُ
الحُرَّةِ ثَلاثٌ، وَالأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَلا اعْتِبَارَ بالرَّجُلِ فِى عَدَدِ الطَلاقِ؛
ولقوله عليه الصلاة والسلام ((كلّ طلاق واقع)) الحديث . وأما كونه عاصيا فلمخالفة
السنة وإجماع الصحابة ، وقوله : فى طهر لارجعة فيه إشارة إلى مذهب أبى حنيفة ، وهو
أنه لو طلقها فى طهر لم يجامعها فيه فراجعها ثم طلقها لايكره فيه ، وهو قول زفر ،
وعندهما يكره ؛ وعلى هذا لو طلقها فى الحيض ثم راجعها فطهرت فطلقها ؛ وكذا لو مسها
بشهوة ثم قال لها : أنت طالق ثلاثا للسنة وقعن للحال عنده ، لأن الأولى وقعت فصار
مراجعا باللمس بشهوة فوقعت أخرى ، ثم صار مراجعا فوقعت الثالثة ؛ والشهر الواحد
فى حقّ الآيسة والصغيرة على الخلاف . فالحاصل أن الرجعة فاصلة بين الطلاقين عنده ،
والنكاح فاصل بالإجماع . لهما أن بالطلاق فى الطهر خرج من أن يكون وقتا لطلاق السنة ،
ولهذا لو أوقعه قبل الرجعة يكره . وله أن بالمراجعة ارتفع حكم الطلاق الأوّل فصار كأن
لم يكن ، فإذا ارتفع لا يصير جامعا والكراهة باعتباره ، ولأنها عادت إلى الحالة الأولى
بسبب من جهته فصار كما لو أبانها فى الطهر ثم تزوّجها . قال ( وطلاق غير المدخول بها
حالة الحيض ليس ببدعىّ ) لما مرّ. قال ( وإذا طلق امرأته حالة الحيض فعليه أن يراجعها )
لورود الأمر به فى حديث ابن عمر رضى الله عنه على ما تقدم ، ولما فيه من رفع الفعل
الحزام برفع أثره ( فإذا طهرت فان شاء طلقها وإن شاء أمسكها ) لحديث ابن عمر رضى الله
عنهما. قال ( وإذا قال لامرأته المدخول بها : أنت طالق ثلاثا للسنة وقع عند كلّ طهر
تطليقة) لأن معناه لوقت السنة ، ووقتها طهر لاجماع فيه لما مرّ ( وإن نوى وقوعهنّ الساعة
وقعن ) خلافا لزفر لأن الجمع بدعة فلا يكون سنة . ولنا أنه سنى وقوعا لا إيقاعا ، لأنا
إنما عرفنا وقوع الثلاث جملة بالسنة فكان محتمل كلامه فينتظمه عند النية دون الإطلاق .
قال ( وطلاق الحرّة ثلاث ، والأمة ثنتان ، ولا اعتبار بالرجل فى عدد الطلاق ) لقوله
تعالى - فطلقوهنّ لعدّهنّ - أى الأطهار عدتهنّ فتكون الطلقات على عدد الأطهار ؛
وأطهار الحرّة فى العدّة ثلاثة والأمة ثنتان، فيكون التطليق كذلك، ولأن الحرّ لو ملك
على الأمة ثلاثا لملك تفريقهنّ على أوقات السنة ولا يملك بالإجماع ، وقال عليه الصلاة
والسلام ((طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان ((وأما قوله عليه الصلاة والسلام)) الطلاق
بالرجال والعدة بالنساء )) فمعناه وجود الطلاق أو وقوع الطلاق بالرجال ، كما أن العدة

- ١٢٤ -
وَيَقْعُ طَلَاقُ كُلّ زَوْجٍ عاقِلٍ بالغِ مُسْتَيْقِظٍ. وَطَلَاقُ الْمُكْرَهِ (ف) وَاقِعٌ؛
وَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَاقِعٌ؛ وَيَفَعُ طَلَاقُ الْأخْرَسِ بالإشارَةِ، وكَذَلكَ اللَعبُ
بِالطَّلَاقِ وَالهَازِلُ به ؛
بالنساء؛ وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((لا يطلق العبد أكثر من اثنتين)) يعنى زوجته
الأمة توفيقا بين الأحاديث والدلائل ، أو لأن الغالب أن العبد إنما يتزوّج الأمة ، فخرج
مخرج الغالب ، ولأن النكاح نعمة فى حقها والرقّ مؤثر فى تنصيف النعم ، فوجب أن يعتبر
برقها ، وقضيته طلقة ونصف ، لكن لما لم تتنصف الطلقة كملتا . قال (ويقع طلاق كل
زوج عاقل بالغ مستيقظ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((كل" طلاق واقع إلا طلاق الصبى
والمعتوه)) وفى رواية ((إلا طلاق الصبىّ والمجنون)) ولا يقع طلاق الصبي والمجنون لما روينا،
ولأنهما عديما العقل والتمييز والأهلية بهما ؛ ولو طلق الصبىّ أو النائم ثم بلغ أو استيقظ
وقال أجزت ذلك الطلاق لايقع ، ولو قال: أوقعته وقع ( وطلاق المكره واقع ) لما روى
أن امرأة اعتقلت زوجها وجلست على صدره ومعها شفرة وقالت: لتطلقنى ثلاثا أو
لأقتلنك فناشدها اللّه أن لاتفعل فأبت فطلقها ثلاثا ثم ذكر ذلك للنبيّ عليه الصلاة والسلام
فقال (( لاقيلولة فى الطلاق)) ولأنه قصد الطلاق ولم يرض بالوقوع فصار كالهازل، ولأنه
معنى تقع به الفرقة فيستوى فيه الإكراه والطوع كالرضاع ، ثم عندنا كلّ ما صحّ فيه
شرط الخيار، فالإكراه يؤثر فيه كالبيع والإجارة ونحوهما ؛ وما لا يصحّ فيه الشرط لايؤثر
فيه كالنكاح والطلاق والعتاق ونحوها . قال ( وطلاق السكران واقع ) وقال الطحاوى :
لا يقع ، وهو اختيار الكرخى اعتبارا بزوال عقله بالبنج والدواء . ولنا أنه مكلف بدليل
أنه مخاطب بأداء الفرائض، ويلزمه حدّ القذف والقود بالقتل ، وطلاق المكلف واقع
كغير السكران ، بخلاف المنَّج لأنه ليس له حكم التكليف، ولأن السكران بالخمر والنبيذ
زال عقله بسبب هو معصية فيجعل باقيا زجرا حتى لو شرب فصدع رأسه وزال عقله
بالصداع نقول لايقع ، والغالب فيمن شرب البنج والدواء التداوى لا المعصية ، ولذلك
انتفى التكليف عنهم ( ويقع طلاق الأخرس بالإشارة ) والمراد إذا كانت إشارته معلومة
وقد عرف فى موضعه . قال ( وكذلك اللاعب بالطلاق والهازل به ) لقوله عليه الصلاة
والسلام (( ثلاث جدّ هنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطلاق والنكاح والعتاق)) وقال عليه الصلاة
والسلام ((من طلق لاعبا جاز ذلك عليه)) وعن أبى الدرداء أنه قال : من لعب بطلاق
أو عتاق لزمه ، قال : وفيه نزل - ولا تتخذوا آيات الله هزوا - وكذلك إذا أراد غير
الطلاق فسبق لسانه بالطلاق وقع ، لأنه عدم القصد وهو غير معتبر فيه . وروى هشام
عن محمد عن أبى حنيفة أن من أراد أن يقول لامرأته اسقنى الماء فقال أنت طالق وقع ؛
ويعمّ" هذه الفصول كلها قوله عليه الصلاة والسلام ((كلّ" طلاق واقع)) الحديث

- ١٢٥ -
وَمَنْ مَلَكَ امْرَأَتَهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهَا أَوْ مَلَكَتْهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهُ وَقَعَتِ الفُرْقَة
٠٠٠,
بيهما .
وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ لاَ يُحْتَاجُ إلى نِيَّةَ، وَهُوَ نَوْعانِ: أحَدُهُما أنْتِ طالِقٌ
وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّفْتُكِ. وَالثَّانِى أَنْتِ الطَّلاقُ، وأنْتِ طالِقٌ الطَّلَاقَ، وأَنْتِ
طالِقٌ طَلاقا؛ فالأوَّلُ تَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ
الثِّنْدَْيْنِ وَالثَّلاثِ. والثَّانِى تَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَتَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلاثِ
دُونَ الثِّنْتَْنِ (ز)، وَلَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ أنْتِ طالِقٌ وَاحِدَةً، وَبَقَوْلِهِ طَلاقا
أُخْرَى وَقَعَنَا ،
قال ( ومن ملك امرأته أو شقصا منها ، أو ملكته أو شقصا منه وقعت الفرقة بينهما ) لأن
المالكية تمنع ابتداء النكاح لما سبق فى النكاح فتمنعه بقاء كالمحرمية والمصاهرة والرضاع .
فصل
( وصريح الطلاق لايحتاج إلى نية ) لأنه موضوع له شرعا فكان حقيقة ، والحقيقة
لاتحتاج إلى نية، ويعقب الرجعة لقوله تعالى - وبعولتهنّ أحقّ بردهنّ - ولو نوى الإبانة
فهو رجعى لأنه نوى ضدّ ما وضع له شرعا ( وهو نوعان : أحدهما أنت طالق وم طلقة
وطلقتك . والثانى أنت الطلاق ، وأنت طالق الطلاق ، وأنت طالق طلاقا . فالأوّل تقع
به طلقة واحدة رجعية ولا تصحّ فيه نية الثنتين والثلاث ) لأنه نعت فرد يقال للواحدة
طالق وللثنتين طالقان وللثلاث طوالق ، ونعت الفرد لا يحتمل العدد لأنه ضدّه ؛ ولئن قال
قائل : ذكر الطالق ذكر للطلاق حتى صحّ ذكر العدد تفسيرا له وأنه دليل المصدرية
والمصدر يحتمل الثلاث . قلنا هو ذكر لطلاق تتصف به المرأة ، والعدد المذكور بعده نعت
المصدر محذوف تقديره طلاقا ثلاثا كقولهم ضربته وجيعا وأعطيته جزيلا . (و) النوع
( الثانى تقع به واحدة رجعية ، وتصحّ فيه نية الثلاث دون الثنتين ) لأنه ذكر المصدر وهو
يحتمل العموم لأنه اسم جنس ويحتمل الأدنى ، فعند الإطلاق يحمل على الواحدة لأنه متيقن،
وإن نوى الثلاث وقعن لأنه محتمل كلامه ، وإنما لا تصحّ نية الثنتين لأنها جنس الطلاق
لامن حيث العددية حتى لو كانت الزوجة أمة صحت نية الثنتين من حيث الجنسية . وقال
زفر : تصحّ نية الثنتين لأنها بعض الثلاث وجوابه ما قلنا ( ولو نوى بقوله : أنت طالق
واحدة ، وبقوله طلاقا أخرى وقعتا ) لأن كلّ واحد من اللفظين يحتمل الإيقاع فصار
كقوله أنت طالق أنت طلاقا فانه يقع ثنتان كذا ههنا ، وهكذا الحكم فى قوله أنت طالق
الطلاق ، ولو قال أنت طالق وقال عنيت به عن وثاق لايصدّق قضاء ، ولو قال عن.

- ١٢٦ -
وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلى جُمْلَيْهَا أَوْ ما يُعََّرُ بِهِ عَنِ الْجُمْلَةِ كَالرَّقَبَةِ وَالْوَجْهُ
وَالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، أَوْ إلى جُزْءٍ شائعٍ مِنْهَا وَقَعَ، وَنِصْفُ الطَّلْفَةِ تَطْلِقَةٌ،
وكَذَلِكَ الثُّلُثُ، وَثَلاثَةُ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَتْنِ ثَلاثٌ، وَثَلاثَةُ أَنْصَافٍ تَطْلِقَةٍ
ثذْتان ،
العمل يدين أيضا ، ولو قال أنت طالق من وثاق أومن هذا القيد لم يقع شىء فى القضاء ؛
ولو قال أنت طالق من هذا العمل وقع قضاء لاديانة ، ولو قال أنت طالق ثلاثا من هذا
العمل طلقت ثلاثاء، ولا يصدّق قضاء أنه لم ينو الطلاق. قال ( وإذا أضاف الطلاق إلى
جملتها أو ما يعبر به عن الجملة كالرقبة والوجه والروح والجسد ، أو إلى جزء شائع منها
وقع ) لأنها محلّ الطلاق، فإذا قال أنت طالق فقد أضاف الطلاق إلى محله فيصحّ . وهذه
الأشياء يعبر بها عن جملة البدن . قال تعالى - فتحرير رقبة - والمراد الجملة ، ويقال يا وجه
العرب، وقال عليه الصلاة والسلام ((لعن اللّه الفروج على السروج)) ويقال : أنا بخير
ماسلم رأسك وما بقيت روحك ويراد الجميع . والجسد عبارة عن الجميع وكذلك العنق .
قال تعالى - فظلت أعناقهم - وكذلك الدم يقال دمه هدر، وهذا على ما ذكر فى الكفالة أنه
لو تكفل بدمه يصحّ، وأشار فى كتاب العتق أنه لا يقع لأنه قال : لو قال لعبده دمك حرّ
لا يعتق ، وفى الظهر والبطن روايتان ، وإنما يقع بالإضافة إلى هذه الأعضاء باعتبار أنه
يعبر بها عن جميع البدن لا بالإضافة إليها حتى لوقال الرأس منك طالق أو الوجه . أو وضع
يده على الرأس أو العنق وقال هذا العضو طالق لايقع . وأما الجزء الشائع كالثلث والربع
فلأنه قابل لسائر التصرّفات بيعا وإجارة وغيرهما ، ولهذا يصحّ إضافة النكاح إليه فكذا
الطلاق ، لكن لا يتجزى فى حكم الطلاق فيثبت فى الكلّ، ولو أضافه إلى اليد والرجل
ونحوهما مما لا يعبر به عن البدن لايقع كالأصبع والشعر لأنه أضافه إلى غير محله فصار
كاضافته إلى الريق والظفر ، وهذا لأن الطلاق رفع القيد ولا قيد فى هذه الأعضاء لأنه
لا يصحّ إضافة النكاح إليها ، بخلاف الجزء الشائع على ما بينا ، ولو تعارف قوم أن اليد
يعبر بها عن البدن عرفا ظاهرا يقع الطلاق . قال ( ونصف الطلقة تطليقة وكذلك الثلث )
فلو قال لها أنت خالق نصف تطليقة أو ثلث تطليقة وقعت تطليقة ، لأن ذكر بعض
مالا يتجزى كذكر كله . وكذلك كلّ جزء شائع من التطليقة لما قلنا ( وثلاثة أنصاف
تطليقتين ثلاث ) لأن نصف التطليقتين واحدة فكأنه قال أنت طالق ثلاثا ( وثلاثة أنصاف
تطليقة ثنتان ) لأن ثلاثة أنصاف تطليقة تطليقة ونصف وإنه لا يتجزى فيكمل النصف فيصير
تطليقتين ، وقيل ثلاث لأنه يكمل كل نصف فيكون ثلاثا ، ولوقال نصفى طليقة فهى
واحدة كنصفى درهم يكون درهما . ولو قال نصفى تطليقتين فثتان كنصفى درهمين ،
ولو قال أنت طالق نصف تطلبقة وثلث تطليقة وسدس تطليقة يقع ثلاث . ولو قال

- ١٢٧ -
وَلَوْ قالَ: أنْتِ طالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلى ثَلاثٍ بَقَحُ أَيِنْتَانٍ (سم) وَإِلَى ثِنْتَيْنِ تَقَعُ
وَاحِدَةٌ (سم)، وَلَوْ قالَ: وَاحِدَةٌ فى ثِنْتَْنِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَئِنْتَبْنِ
فى ثِنْتَْنِ اثْنَتَانِ وَإِنْ نَوَى الحسابَ، وَلَوْ قالَ: أنْتٍ طالِقٌ مِنْ هُنَا إلى الشَّامِ
فَهِىَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ وَلَوْقَالَ: أَنْتِ طالِقٌ بِمَكَّةَ أوْ فِى مَكَّةٌ طَلُقَتْ
فى الحالِ فى جميعِ البِلادِ؛ وَلَوْ قالَ: أَنْتِ طالِقٌ غَدًا تَقَعُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ،
وَلَوْ نَوَى آخرَ الَّهَارِ صُدِّقَ دِيانَةٌ ؛
نصف تطليقة وثلثها وسدسها تقع واحدة لأنه أضاف الأجزاء إلى تطليقة واحدة ، وفى
الأولى أضاف كل جزء إلى تطليقة منكرة ، فاقتضى كل جزء تطليقة على حدة ، فإن
جاوز المجموع الأجزاء كقوله نصف تطليقة وثلثها وربعها قيل واحدة ، وقيل ثنتان وهو
المختار ، لأن الزيادة على الواحدة من تطليقة أخرى ، فكأنه أوقع واحدة وبعض أخرى
فتتكامل ؛ ولو قال لنسائه وهن أربع : بينكن تطليقة تقع على كل واحدة تطليقة ، لأن
الواحدة إذا قسمت بينهن أصاب كل واحدة ربعها فتكمل ؛ وكذلك ثنتان أو ثلاث أو أربع ،
لأن الثنتین إذا قسمتا بيهن أصاب كلّ واحدة نصف ، ومن الثلاث ثلاثة أرباع فتكمل ،
ومن الأربع كل واحدة واحدة ، ولا يقسم كل واحدة وحدها لأن القسمة فى الجنس الذى
لا يتفاوت يقع على جملته ؛ وإنما يقسم الآحاد إذا كان متفاوتا ، فان نوى قسمة كل واحدة
بانفرادها وقع كذلك لأنه شدّد على نفسه ؛ ولو قال خمس طلقت كل واحدة ثنتين وكذلك
إلى ثمانية ؛ ولو قال تسع تطليقات طلقت كل واخدة ثلاثا لما مرّ ؛ ولو قال فلانة طالق
ثلاثا وفلانة معها ، أو قال أشركت فلانة معها فى الطلاق طلقتا ثلاثا ثلاثا ؛ ولو قال لأربع
نسوة أنتنّ طوالق ثلاثا طلقت كل واحدة ثلاثا ( ولو قال أنت طالق من واحدة إلى ثلاث
يقع ثنتان ، وإلى ثنتين تقع واحدة ) وقالا : يقع فى الأولى ثلاث ، وفى الثانية ثنتان وقد
مرّت فى الإقرار ( ولو قال واحدة فى ثنتين وقعت واحدة ، وثنتين فى ثنتين اثنتان ، وإن
نوى الحساب ) وقد مرّ فى الإقرار أيضا . قال (ولو قال أنت طالق من هنا إلى الشام فهى
واحدة رجعية ) لأنه لم يزدها وصفا بقوله إلى الشام لأنها متى طلقت يقع فى جميع الأماكن
( ولو قال أنت طالق بمكة أو فى مكة طلقت فى الحال فى جميع البلاد ) لما بينا ، وإن عنى
به إذا أتيت مكة لم يصدّق قضاء لأن الإضمار خلاف الظاهر ، ولوقال : فى دخولك مكة
تعلق الطلاق بالدخول لأنه تعذّر الظرفية والشرط قريب من الظرف فيحمل عليه . قال
( ولو قال أنت طالق غدا تقع بطلوع الفجر ) لأنه وصفها بالطالقية فى جميع الغد فلزم أن
تکون طالقا فی جمیعه ولا ذلك إلا بوقرعه فى أوّل جزء منه ( ولو نوى آخر النهار صدّق
ديانة ) لاقضاء لأنه مخالف للظاهر ، إلا أنه يحتمله لأنه تخصيص فيصدق ديانة ،

- ١٢٨ -
وَلَوْ قَالَ: فى غَدٍ صَحَّتْ قَضَاءٌ (سم) أيْضًا؛ وَلَوْ قالَ: أَنْتِ طالِقٌ اليَوْمَ غَدًا،
أوْ غَدًا اليَوْمَ يُؤْخَذُ بِأوَّ لِهِما ذِكْرًا، وَلَوْ قالَ : أنْتِ طالِقٌ قَبْلَ أنْ أَتَزَوَّجَكِ
فَلَيْسَ بِشَىْءٍ ؛ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طالِقٌ مَا لَمْ أطَلِّفْكِ، أوْ مَتى ما لَمْ أُطَلِّفْكِ،
أَوْ مَى لَمْ أَطَلِّفْكِ وَسَكَتَ طَلُفَتْ، وَإِنْ قالَ: إِنْ كَمْ أطَلِّفْكِ، أوْ إذَا
كَمْ (سم) أُطَلِّفْكِ، أَوْ إذا ماَلَمْ (سم) أُطَلِّفْكِ لَمْ تَطْلُقْ حَّى تُمُوتَ؛ وَلَوْ قالَ
أُنْتِ طالِقٌٍ ثَلاثا ما لَمْ أُطَلِّفْكِ أنْتِ طالِقٌ فَهِىَ طالِقٌ هَذِهِ الوَاحِدَةَ؛
( ولو قال فى غد صحت قضاء أيضا ) لأنه حقيقة كلامه لأن الظرف لا يوجب استيعاب
المظروف ، وإنما يتعين الجزء الأوّل عند عدم النية لعدم المزاحمة ، وقالا: هو والأوّل
سواء ، لأن المراد منهما الظرفية لأن نصب غدا على الظرفية فلا فرق . وجوابه أن قوله
غدا للاستيعاب ، ونظيره قوله لا أكلمك شهرا وفى الشهر ، ودهرا وفى الدهر ؛ وإذا كان
للاستيعاب فإذا نوى البعض فقد نوى التخصيص كما بينا ، وعلى هذا الخلاف أنت طالق
فى رمضان ونوى آخره ( ولو قال أنت طالق اليوم غدا ، أو غدا اليوم يؤخذ بأولهما ذكرا )
لأن قوله اليوم تنجيز فلا يتأخر ، وقوله غدا إضافة ، والتنجيز إبطال للإضافة فيلغو .
قال ( ولو قال أنت طالق قبل أن أتزوّجك فليس بشىء ) وكذا أمس وقد تزوّجها اليوم
لأنه أسند إلى حالة منافية لوقوع الطلاق فلا يقع كقوله قبل أن أخلق ، ولو كان تزوّجها
أوّل من أمس وقع الساعة فى الفصل الثانى لأنه أوقع الطلاق فى ملكه فيقع ( ولو قال أنت
طالق مالم أطلقك ، أو متى مالم أطلقك ، أو متى لم أطلقك وسكت طلقت ) لوجود شرط
الوقوع بالسكوت ، وهو زمان خال عن التطليق ، لأن هذه الألفاظ للوقت ؛ أما منى
ومتى ما فحقيقة فيه ، وأما ما فانه يستعمل فيه ، قال تعالى - ما دمت حيا - أى وقت الحياة
( وإن قال إن لم أطلقك، أو إذا لم أطلقك، أو إذا ما لم أطلقك لم تطلق حتى تموت ) لأن
هذه الألفاظ للشرط فكان الطلاق معلقا بعدم التعليق فلا يتحقق العدم إلا بالموت ، أما إن
فظاهر، وأما إذا وإذا ما فكذلك عنده ، وقالا : هما بمعنى متى ، قال تعالى - إذا السماء
انشقت - وأمثالها والمراد الوقت ، ولأبى حنيفة أنها تستعمل للشرط أيضا ، قال :
* وإذا تصبك خصاصة فتحمل . جزم بها وهى دليل الشرطية، وإذا استعملت
فى الأمرين لا يقع الطلاق بالشكّ لاحتمال إرادة كلّ واحد منهما على الانفراد ، بخلاف
قوله طلقى نفسك إذا شئت حيث لا يخرج الأمر من يدها بالقيام عن المجلس ويحمل على
الوقت لأنه لما احتملهما وقد ملكها فلا يخرج الأمر من يدها بالشكّ ( ولوقال أنت طالق
ثلاثا مالم أنفك أنت طالق فهى طالق هذه الواحدة) لأنه وجد شرط البروهو عدم الوقت

- ١٢٩ -
وَلَوْ قَالَ: أنا مِنْكِ طالِقٌ لَمْ يَقَعْ شَىْءٌ وَإِنْ نَوَى؛ وَلَوْ قَالَ : أنا مِنْكِ بائِن
أَوْ عَلَيْكِ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بائِنَةٌ؛ وَلَوْ قالَ: أَنْتِ طالِقٌ
هَكَذَاً وأشارَ بأصَابِعِهِ الثَّلاثِ فَثَلاثٌ، وَبَالوَاحِدَةِ وَاحِدَةٌ، وَبَالثِّمْتَيْنِ
ثِفْتَانِ، والمُعْتَبَرُ الْمَنْشُورَةُ، وَإِنْ أشارَ بِظُهُورِها فالمُعْتَبَرُ الْمَضْمُومَةُ.
الخالى عن التطليق ( ولو قال أنا منك طالق لم يقعشىء وإن نوى ، ولو قال أنا منك بائن
أو عليك حرام ونوى الطلاق فواحدة بائنة ) والفرق أن الطلاق إزالة القيد ، والقيد قائم
بالمرأة دون الرجل ، أو لإزالة الملك وهى المملوكة وهو المالك ؛ أما الإبانة فلقطع الوصلة
والتحريم لرفع الحلّ والوصلة، والحلّ مشترك بينهما فصحّ إضافتهما إليهما دون الطلاق
( ولو قال أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه الثلاث فثلاث ، وبالواحدة واحدة ،
وبالثنتين ثنتان ، والمعتبر المنشورة ) لأنها للإعلام بالعدد ، قال عليه الصلاة والسلام
((الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخمس إبهامه)) وأراد فى النوبة الثالثة التسعة وعليه العرف،
ولو أراد المضمومتين أو الكفّ لم يصدق قضاء لأنه خلاف الظاهر ( وإن أشار بظهورها
فالمعتبر المضمومة ) لأنه يريد إعلام العدد بقدر المضمومة رجوعا إلى العادة بين الناس ؛
ولو قال أنت طالق ولم يقل هكذا وقعت واحدة ، لأنه لما لم يذكر العدد بقى مجرّد قوله
أنت طالق فتقع واحدة؛ ولو قال أنت طالق واحدة أو قال ثنتين أوقال ثلاثا فماتت بعد
قوله أنت طالق قبل ذكر العدد لم يقع شىء ، لأنه متى ذكر العدد فالواقع هو العدد ، فإذا
ماتت قبل ذكر العدد فات المحلّ قبل الإيقاع فبطل ؛ وفى الفتاوى: إذا قال أنت طالق
كذا كذا طلقت ثلاثا ، لأنه إذا أقرّ بكذا كذا لزمه أحد عشر على ما عرف ، فكأنه قال
أنت طالق أحد عشر ؛ ولو قال كذلك طلقت ثلاثا كذلك هنا .
فصل فى وصف الطلاق
أصله أنه متى وصف الطلاق بوصف لايوصف به ولا يحتمله وقع الطلاق وبطل
الوصف كقوله أنت طالق طلاقا لم يقع ، فانه يقع واحدة لأن الطلاق لم يوصف بذلك ،
ومتى وقع الطلاق لايرتفع ؛ وكذا إذا قال أنت طالق وأنا بالخيار ثلاثة أيام يقع ويبطل
الشرط ، ومتى وصفه بوصف يوصف به ، فلا يخلو إما إن كان ينبئ عن زيادة شدّة
وغلظة أولا ، فان کان لا ينئِّ عن ذلك فهو رجعی ، وإن کان ینی فهو بائن ؛ مثال
الأوّل : أنت طالق أفضل الطلاق أو أكمله أو أحسنه أو أعدله أو أسنه أو خيره فانه
تقع واحدة رجعية ، لأنه لاوصف لها ينى عن الشدّة ، والبينونة وصف شدّة فلا يقع.
٩ - الاختيار - ثالث

- ١٣٠ -
وَلَوْ قالَ: أَنْتِ طالِقٌ بَائِنَّ أَوْ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ أَوْ أَخْبَفَهُ أَوْ أَشَدّهُ أَوْ أَعْظَمَهُ
أَوْ أَكَبَرَهُ أَوْ أَشَرَّهُ أوْ أسْوأهُ أوْ طَلَاقَ الشَّيْطانِ أوِ البِدْعَةِ أَوْ كالجَلِ أَوْ مِلَّ
البَيْتِ، أَوْ تَطْلِقَةٌ شَدِيدَةٌ أَوْ طَوِيلَةً أَوْ عَرِيضَةً فَهِىَ وَاحِدَةٌ بائِنَةٌ، وَإِنْ
نَوَى الثَّلاثَ فَثَلاتٌ.
(و) مثال الثانى ( لو قال: أنت طالق بائن أو أفحش الطلاق أو أخبثه أو أشدّه أو أعظمه
أو أكبره أو أشرّه أو أسوأه أو طلاق الشيطان أو البدعة أو كالجبل أو ملء البيت ،
أو تطليقة شديدة أو طويلة أو عريضة فهى واحدة بائنة ) لأن هذه الأوصاف تنبئ عن
الشدّة ، والبائن : هو الشديد الذى لا يقدر على رجعتها ، بخلاف الرجعى لأنه ليس بشديد
عليه حتى يملك رجعتها بدون أمرها . قال (وإن نوى الثلاث فثلاث) لأن الشدّة والبدعة
وطلاق الشيطان يتنوّع إلى نوعين : شدّة ضعيفة وقوية ، فالضعيفة الواحدة البائنة ،
فعند عدم النية يتصرّف إليها للتيقن ؛ وإذا نوى الثلاث فقد نوى أحد نوعيه فيصدق ، وكذا
لو قال أنت طالق كألف لأنه يشبه بها فى القوّة. قال . وواحد كالألف إن أمر عنى .
ويشبه بها فى العدد فأيهما نوى صحّ، وعند عدمها يثبت الأقلّ لما مرّ. وعن محمد أنه.
يقع الثلاث عند عدم النية لأنه عدد فالظاهر هو التشبيه فى العدد . ثم عند أبى حنيفة ومحمد
منى شبه الطلاق فهو بائن ، لأن التشبيه يقتضى زيادة الوصف وذلك بالبينونة ، لأن عند
عدم التشبيه يكون رجعيا ، وعند أبى يوسف ، وقيل هو قول محمد إن ذكر العظم كان
بائنا وإلا فلا ، وسواء كان المشبه به عظيما فى نفسه أولا لأنه يحتمل التشبيه فىنفس التوحيد،
فإذا ذكر العظم علمنا أنه أراد الزيادة . وعند زفر إن شبه بما هو عظيم فى نفسه كان بائنا
وإلا فهو رجعى، والخلاف يظهر فى قوله : أنت طالق مثل رأس الإبرة ، مثل عظم رأس
الإبرة ، مثل الجبل ، مثل عظم الجبل ، فعند أبى حنيفة هو بائن فى الجميع ، وعند
أبى يوسف هو بائن فى الثانية والرابعة ، رجعى فى الباقى ؛ وعند زفر هو بائن فى الثالثة
والرابعة ، رجعى فى الباقى ؛ ولو قال أنت طالق مثل عدد كذا لشىء لاعدد له كالشمس
والقمر فواحدة بائنة عند أبى حنيفة ، رجعية عند أبى يوسف ؛ ولو قال كالنجوم فواحدة
عند محمد ، لأن معناه كالنجوم ضياء إلا أن ينوى العدد فثلاث ؛ ولو قال أنت طالق
لا قليل ولا کثیر یقع ثلاثا ؛ ولو قال لا كثير ولا قليل تقع واحدة فيثبت ضدّ ما نفاه
أوّلاً ، لأن بالنفى ثبت ضدّه فلا يرتفع ؛ ولو طلق امرأته واحدة رجعية ثم قال جعلتها بائنة
أو ثلاثا يكون كذلك عند أبى حنيفة . وقال أبو يوسف : يصير بائنا لاثلاثا لأن الواحدة
لا تحتمل العدد وتحتمل التبديل إلى صفة أخرى . وقال محمد : لا يكون بائنا ولا ثلاثا لأنه.
إذا وقع بصفة لا يملك تغييره لأن تغيير الواقع لا يصحّ . ولأبى حنيفة أن الإبانة مملوكة له
فيملك إثباتها بعد الإيقاع ويملك إيقاع العدد فيملك إلحاق الثنتين بالواحدة وضمهما إليها
١

- ١٣١ -
وَمَنْ طَّقَ امْرَأْتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ثَلاثا وَقَعْنَ؛ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طالِقِّ
وَطَالِقٌ، أَوْ طالِقٌ طالِقٌ، أوْ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، أوْ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ ،
أُوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ؛ وَلَوْ قالَ أنْتِ طالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا
وَأَحِدةٌ، أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَئِنْتَانِ، وَلَوْ قالَ: مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةً
فَئِنْتَانِ أَيْضًا؛ وَلَوْ قالَ لَمَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً
فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ (سم)؛ وَلَوْ قالَ: أَنْتِ طالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إِنْ
دَخَلْتِ الدَّارَ فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ ثِنْتَانٍ.
فصل
( ومن طلق امرأته قبل الدخول ثلاثا وقعن ) لأن قوله أنت طالق ثلاثا إيقاع المصدر
محذوف تقديره طلاقا ثلاثا فيقعن جملة ، وليس قوله أنت طالق إيقاعا على حدة ( ولو قال
أنت طالق وطالق ، أو طالق طالق ، أو واحدة وواحدة ، أو واحدة قبل واحدة ،
أو بعدها واحدة وقعت واحدة ) لأنه ما لم يعلق الكلام بشرط أو يذكر فى آخره ما يغير
صدره كان كل لفظ إيقاعا على حدة ، فيقع الأوّل وتبين لا إلى عدة فتصادفها الثانية وهى
بائن فلا تقع . وأما القبلية والبعدية فالأصل فيها أنه متى ذكر حرف الظرف مقرونا بهاء
الكناية بين طلاقين كان الظرف صفة للمذكور آخرا ، وإن لم يقرنه بهاء الكتابة فهو صفة
للمذكور أوّلا ، مثاله جاءنى زيد قبله عمرو، وجاءنى زيد قبل عمرو ، فالقبلية فى الأوّل
صفة لعمرو ، وفى الثانى صفة لزيد ، فقوله أنت طالق واحدة قبل واحدة ، فالقبلية صفة
للأولى ، والإيقاع فى الماضى إيقاع للحال ، لأن الإخبارات إنشاءات شرعا فوقعت
الواحدة فبانت بها فلا يقع ما بعدها ، وقوله بعدها واحدة فالبعدية صفة للأخيرة وقد
حصلت الإبانة قبلها فلا يقع ( ولو قال أنت طالق واحدة قبلها واحدة ، أو بعد واحدة
فئنتان ) لأن القبلية صفة للأخرى فاقتضى إيقاعها فى الماضى وإيقاع الأولى فى الحال ،
وقد بينا أن الإيقاع فى الماضى إيقاع فى الحال فيقترنان . وفى المسألة الثانية البعدية صفة
للأولى فاقتضى إيقاع الواحدة فى الحال وإيقاع أخرى قبلها فيقترنان (ولو قال مع واحدة
أو معها واحدة فثنتان أيضا ) لأن كلمة مع للمقارنة ( ولو قال لها إن دخلت الدار فأنت
طالق واحدة وواحدة فدخلت وقعت واحدة ) وقالا ثنتان ( ولو قال أنت طالق واحدة
وواحدة إن دخلت الدار فدخلت وقعت ثنتان ) بالإجماع. لهما أن حرف الواو الجمع
الملطق ، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع ، ولا فرق بينهما إذا أخر الجزاء

- ١٣٢ -
وكِناياتُ الطَّلاقِ لا يَقَعُ بِهَا إِلاَّ بِنِيَّةٍ أَوْ بِدَلالَةِ الحالِ، وَيَقَعُ بائِنا إلاَّ
اعْتَدَىُ وَاسْتَبْرِفِى رَحِكِ وأَنْتِ وَاحِدَةٌ فَيَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ .
أو قدمه لأنه تعليق بحرف الجمع . وله أن الشرط إذا تأخر بغير صدر الكلام فيتوقف عليه جميع
الكلام فتقع جملة، أما إذا تقدم لامغير له فلا يتوقف ، والجميع يحتمل الترتيب ويحتمل القران ،
فعلى تقدير احتمال الترتيب لاتقع إلا واحدة كما إذا صرّح به فلا يقع الزائد عليه بالشكّ؛
ولو عطف بحرف الفاء . قال الكرخى : هو على الخلاف ، وقال أبو الليث : تقع واحدة
بالإجماع لأن الفاء للتعقيب ، قالوا : وهو الأصحّ ، ولو قال لغير المدخول بها أنت طالق
طالق إن دخلت الدار بانت بالأولى ولم تتعلق بالثانية ، وفى المدخول بها تقع واحدة للحال
وتتعلق الثانية بالدخول .
فصل
( وكنايات الطلاق لايقع بها إلا بنية أو بدلالة الحال ) لاحتمالها الطلاق وغيره لأنها
غير موضوعة له فلا يتعين إلا بالتعيين ، وهو أن ينويه أو تدل عليه الحال فتترجح إرادته .
قال ( ويقع بائنا ) لأنه يملك إيقاع البائن وأنه أحد نوعى البينونة فيملكه كالثلاث وقد
أوقعه بقوله أنت بائن أو أنت طالق بائن أو أبنتك بطلقة ونحو ذلك ، فان هذه الألفاظ تدل
على البينونة بصريحها ومعناها ، فان قوله بائن صريح ، وبتة وبتلة ينبئان عن القطع وذلك
فى البائن دون الرجعى ، وكذا سائر الألفاظ إذا تأملت معناها. قال (إلا اعتدى واستبرقّ.
رحمك وأنت واحدة فيقع بها واحدة رجعية ) لأن قوله اعتدى يحتمل اعتدى نعم الله تعالى ،
ويحتمل اعتدى عدّة الطلاق فاذا نواها يصير كأنه قال طلقتك فاعتدى ، وذلك يوجب
الرجعة . وأما قوله استبرئى رحمك فلأنه يستعمل للعدة إذ هو المقصود منها ، ويحتمل
استبرئى لأطلقك، فان نوى الأوّل كان فى معناه فيكون رجعيا لما مرّ ، وقوله أنت واحدة
يصلح نعتا لمصدر محذوف ويصلح وصفا لها بالتوحيد عنده ، فإذا نوى الطلاق تعين الأوّلـ
ومثله جائز كقوله أعطيتك جزيلا : أى عطاء جزيلا ، وإذا احتمله فاذا نواه تعين مجملا
فيصير كأنه قال أنت طالق طلقة واحدة ؛ ولو قال ذلك كان رجعيا فكذا هذا ، ولهذا قال
بعض أصحابنا : إذا أعرب الواحدة بالرفع لا يقع شىء وإن نوى لأنه صفة لشخصها
وإن أعرب بالنصب تقع واحدة من غير نية لأنه نعت مصدر محذوف ، وإن سكر
يحتاج إلى نيته، وعامة المشايخ قالوا: الكلّ سواء، لأن العامة لا يميزون بين ذلك
فلا يبنى حكم يرجع إليهم عليه ، ولا يقع بهذه الألفاظ الثلاثة إلا واحدة ، لأن قول
أنت طالق مضمر فيها أو مقتضى ، ولو أظهر لا يقع إلا واحدة لما بينا ، كذا هذا
١

- ١٣٣ -
وألْفاظُ البائِنِ قَوْلُهُ: أَنْتِ بائِنٌّ، بَنَّةٌ، بَتْلَةٌ، حَرَامٌ ، حَبْلُكِ عَلى غارِيِك،
خَلِيَّةٌ، بَرِبَّةٌ، الْحِقِى بِأَهْلِكِ، وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ، سَرَّحْتُكِ، فَارَقْتُكِ،
أَمْرُكِ بِيَدِكِ، تَقَنَِّى، اسْتَتِرِى، أنْتِ حُرَّةٌ، اغْرُبِى، اخْرُجِى، ابْتَغِى
الْأَزْوَاجَ؛ وَيَصِحِ فِيها نِيَّةُ الوَاحِدَةِ وَالثَّلاثِ، وَلَوْ نَوَى الثُّنْتَْنِ فَوَاحِدَةٌ ،
وَلَوْ قالَ لَهَا : اخْتَارِى يَنْوِى الطَّلَاقَ فَلَها أنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِى عَجْلِسٍ عِلْمِها،
وَيَبْظُلُ خِيَارُها بالقِيامِ، وَيَتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ،
قال ( وألفاظ البائن قوله : أنت بائن ، بتة ، بتلة ، حرام ، حبلك على غاربك ، خلية ،
برية ، الحقفى بأهلك ، وهبتك لأهلك ، سرّحتك ، فارقتك ، أمرك بيدك ، تقنعى ،
المترى ، أنت حرّة ، اغربى، اخرجى، ابتغى الأزواج ؛ ويصحّ فيها نية الواحدة
والثلاث ) لأن البينونة خفيفة وغليظة فأيهما نوى صحّ ، وإن نوى نفس الطلاق فواحدة
لأنه الأدنى (ولو نوى الثنتين فواحدة ) لأنهما عدد واللفظ لا يدلّ على العدد ، وفيه
خلاف زفر وقد تقدّم ، ولا يقع إلا بالنية أو فى حال مذاكرة الطلاق لأنه دليل عليه فيقع
فى القضاء ولا يقع ديانة إلا بالنية ، وتقع واحدة لأنه أدنى . ثم هى ثلاثة أقسام : منها
! يصلح جوابا لاغير ، وهى ثلاثة : أمرك بيدك ، اختارى ، اعتدى . ومنها ما يصلح
جوابا وردًا لاغير وهى سبعة : اخرجى ، اذهبى ، اغربى ، قومى ، تقنعى ، استترى ،
تخمرى . ومنها ما يصلح جوابا وردًا شتيمة وهى خمسة : خلية ، برية ، بتة ، بائن ، حرام .
وعن أبى يوسف أنه ألحق بالقسم الأوّل خمسة أخرى : خليت سبيلك ، سرّحتك ، لاماك
لى عليك، لاسبيل لى عليك، الحفى بأهلك . والأحوال ثلاثة : حالة مطلقة وهى حالة
الرضا ، وحالة مذاكرة طلاقها ، وحالة غضب . أما حالة الرضا فلا يقع الطلاق بشىء
من ذلك إلا بالنية لما تقدّم ، والقول قول الزوج فى عدم النية لأنه لا يطلع غيره عليه
والحال لا يدل عليه . وفى حال مذاكرة الطلاق يقع الطلاق قضاء ولا يصدق على عدمه
إلا فيما يصلح جوابا وردًا لأنه لا يحتمل الردّ وهو الأدنى فيصدق فيه . وفى حالة الغضب
يصدق إلا فيما يصلح جوابا لاغير ، لأنه يصلح للطلاق الذى يدل عليه الغضب فيجعل
طلاقا . قال ( ولو قال لها اختارى ينوى الطلاق فلها أن تطلق نفسها فى مجلس علمها ) فإن
كانت حاضرة فبسماعها ، وإن كانت غائبة فبالإخبار لأن المخيرة لها المجلس باجماع الصحابة
رضى الله عنهم ، ولأنه ملكها فعل الاختيار ، والتمليكات تقتضى جوابا فى المجلس كالبيع
والهبة ونحوهما ( ويبطل خيارها بالقيام ) لأنه دليل الإعراض ( وبتبدّل المجلس ) حقيقة
بالانتقال إلى مجلس آخر ، ومعنى بتبدل الأفعال فمجلس الأكل غير مجلس القتال ، ومجلس
القتال غير مجلس البيع والشراء ؛ ويبطل بتبدّل المجلس . وإن كانت معذورة فان محمدا

- ١٣٤ -
فإذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِىَ وَاحِدَةٌ بائِنَةٌ، وَلا يَكُونُ ثَلاثا وَإِنْ نَوَاها، وَلا بُدّ
مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ أَوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِى كَلامِهِ أَوْ كَلامِها ،
رحمه الله قال: إذا أخذ الزوج بيدها وأقامها من المجلس بطل خيارها ، ولو كانت فى صلاة
مكتوبة أو وتر فأتمتها لا يبطل ، وكذا فى التطوّع إن تمت ركعتين لأنها ممنوعة عن قطعها ،
وإن تمت أربعا بطل لأن الزيادة على ركعتين فى النفل كالدخول فى صلاة أخرى . وعن
محمد فى الأربع قبل الظهر لاتبطل وإن أتمتها أربعا ، وهو الصحيح ، ولو كانت قائمة
فقعدت فهى على خيارها لأنه دليل التروى ، فان القعود أجمع للرأى ، وكذا إذا كانت
قاعدة فاتكأت ، أو متكئة فقعدت ، لأنه انتقال من جلسة إلى جلسة وليس باعراض ،
كما إذا تربعت بعد أن كانت محتبية . وقيل إذا كانت قاعدة فاتكأت بطل خيارها لأنه
إظهار للتهاون بالأمر فكان إعراضا ، والأوّل أصحّ ، ولو كانت قاعدة فاضطجعت فعن
أبى يوسف روايتان ، وإن كانت تسير على دابة أو فى محمل فوقفت فهى على خيارها ،
وإن سارت بطل خيارها ، إلا أن تختار مع سكوت الزوج ، لأن سير الدابة ووقوفها
مضاف إليها ، فإذا سارت كان كمجلس آخر ( فإذا اختارت نفسها فهى واحدة بائنة ) لأن
اختيارها نفسها یوجب اختصاصها بها دون غيرها وذلك بالبينونة ( ولا يكون ثلاثا وإن
نواها ) لأن الاختيار لا يتنوّع ( ولا بدّ من ذكر النفس أو ما يدلّ عليه فى كلامه أو كلامها)
مثل أن يقول اختارى نفسك فتقول اخترت ، أو يقول لها اختارى فتقوا، اخترت نفسى
لأن ذلك عرف باجماع الصحابة"، وأنه المفسر من أحد الجانبين، ولأن، المبهم لا يصلح
تفسيرا للمبهم ، حتى لوقال لها اختارى ، فقالت اخترت فليس بشىء ، لأن الاختيار ليس
من ألفاظ الطلاق وضعا ، وإنما جعل بالسنة فيما إذا كان مفسرا ، فاذا لم يكن كذلك لايقع
به شىء ، ولأن قوله اختارى ، وقولها اخترت ليس له مخصص بها فلا يقع الطلاق ،
فإذا ذكرت النفس تخصص الاختيار لها فيقع . وقال فى المحيط : ولابدّ من ذكر النفس
أو التطليقة أو الاختيارة فى أحد الكلامين لوقوع الطلاق ؛ أما ذكر النفس فلما ذكرنا ؛
وأما ذكر التطليقة فظاهر ؛ وأما الاختيارة فلأن الهاء تنبئ عن التفرّد ، واختيارها نفسها
هو الذى يتحد مرّة ويتعدّد أخرى ، فصار مفسرا من جانبه . والقياس أن لايقع بالتخيير
طلاق . إن نوى، لأنه لا يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ فلا يملك التفويض إلى غيره ،
ولأن قولها أنا أختارنفسى يحتمل الوعد فلا يكون جوابا مع الاحتمال . وجه الاستحسان
إجماع الصحابة رضى الله عنهم ، ولأن الشرع جعل هذا إيجابا وجوابا لما روى أنه لما
نزل قوله تعالى - يا أيها النبيّ قل لأزواجك إن كنتنّ تردن الحياة الدنيا وزينتها - الآية،
(( بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضى الله عنها، فقال: إنى أخبرك بشيء
فما عليك ألا تجيبينى حتى تستأمرى أبويك ثم أخبرها بالآية ، فقالت : أفى هذا أستأمر

- ١٣٥ -
وَلَوْقالَ لهَا: اخْتَارِى اخْتَارِى اخْتَارِى، فَقَالَتِ: اخْتَّرْتُ اخْتِيارَةً، أوْ قالَت
اخْتَرْتُ الأُولى أوِ الوُسْطَى أوِ الأخيرَةَ فَهِىَ ثَلاثٌ (سم)، وَلَوْ قالَتْ: طَلَّقْتُ
نَفْسٍِ أوِ اخْتَرْتُ نَفْسِيٍ بِتَطْلِقَةٍ فَهِىَ رَجَعِيَّةٌ؛ وَلَوْ قالَ اخْتَارِى نَفْسَكِ
أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ بِتَطْلِقَةٍ، فاختارَتْ نَفْسَهَا فَهِىَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ وَلَوْ
خَّرَها فَقالَتِ: اخْتَرْتُ نَفْسِى لابَلْ زَوْجِى لايَقَعُ، وَلَوْ قالَتْ: نَفْسِى
أوْ زَوْجِى لَايَقَعُ، وَلَوْ قالَتْ: نَفْسِى وَزَوْجِى طَلُقَتْ، وَالأمْرُ بِالْبَدِ
كالتَّخْبِيرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى المَجْلِسِ، إلاَّ أنَّهُ إذَا قالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَنَوَى
الثَّلاثَ صَحّ؛
أبوىّ يارسول الله؟ لا، بل أختار الله ورسوله)) وأرادت بذلك الاختيار للحال، وأعدّ،
رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا وإيجابا ، ولأن له أن يستديم النكاح وله أن يفارقها ،
فله أن يقيمها مقام نفسه فى ذلك ( ولو قال لها : اختارى اختارى اختارى ، فقالت :
اخترت اختيارة ، أو قالت : اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة فهى ثلاث ) ولا
يحتاج إلى نية الزوج ، لأن تكرار هذا الكلام إنما يكون فى الطلاق دون غيره . أما قولها
اختيارة فلأنها للمرة ، ولوصرحت بالمرّة كانت ثلاثا فكذا هذا ، ولأنها للتأكيد والتأكيد
بوقوع الثلاث . وأما قولها الأولى أو الوسطى أو الأخيرة فمذهب أبى حنيفة . وقالا نقع
واحدة ، لأن ذكر الأولى أو الوسطى أو الأخيرة إن كان لا يفيد الترتيب يفيد الإفراد
لأنه يدلّ عليه فيعتبر فيه . وله أنها إنما تتصرّف فيما ملكته، إذ المجتمع فى الملك كالمجتمع
فى المكان ، وذلك لا يحتمل الترتيب ، فان القوم المجتمعين فى مكان لايقال هذا أوّل وهذا
آخر ، ويقال هذا جاء أوّلا وهذا آخرا ، فيكون الترتيب فى مجينهما لافى ذاتهما ، وإذا
كان كذلك لغا قولها الأولى أو الوسطى فيفى قولها اخترت ؛ ولو قالت اخترت وسكتت
وقعت الثلاث كذا هذا ( ولوقالت طلقت نفسى أو اخترت نفسى بتطليقة فهى رجعية )
لأنها اختارت نفسها بعد انقضاء العدّة ، لأن هذا يوجب الانطلاق بعد انقضاء العدّة
( ولو قال : اختارى نفسك أو أمرك بيدك بتطليقة فاختارت نفسها فهى واحدة رجعية )
لأن ذكر الطلاق يعقب الرجعة ، وصار كأنه قال : طلقى نفسك ( ولو خيرها فقالت :
اخترت نفسى لابل زوجى لايقع ) لأنه للإضراب عن الأوّل فلا يقع ( ولو قالت : نفسى
أو زوجى لايقع ) لأن أو للشكّ فلا يقع الطلاق بالشكّ، وخرج الأمر من يدها لاشتغالها
بشىء آخر ( ولو قالت : نفسى وزوجى طلقت ) ولا يصحّ العطف ( والأمر باليد
كالتخيير يتوقف على المجلس ) على ما ذكرنا ( إلا أنه إذا قال : أمرك بيدك ونوى الثلاث
صحّ ) لأنه يحتمل العموم والخصوص ، والاختيار لايحتمل العموم ، فان الأمر بالبد

- ١٣٦ -
وَلَوْ قالَتْ فى جَوَّابِ الأُمْرِ باليّدِ: اخْتَرْتُ نَفْسٍ بِوَاحِدَةٍ قَهِىَ ثَلاثٌ؛ وَلَوّ
قالَ لَمَا: أمْرُكِ بِيَدِكِ فاخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَقَعُ؛ وَلَوْ قالَ لَهَا: طَلِّقِى نَفْسَكِ
فَلَهَا أنْ تُطَلَّقْ فى المَجْلِسِ وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ
عَنْهُ، وَإِنْ طَلَّغْتْ نَفْسَهَا ثَلاثَا وَقَدْ أَرَادَها الزَّوْجُ وَقَعْنَ، وَلا تَصِحُّ نِيَّةُ
الثَّفْعْنِ (ز) إلاَّ أنْ تَكُونَ أَمَةً فَيَصِحُّ، وَلَوْ كانَتْ حُرَّةً وَقَدْ طَلَّفَها وَاحِدَةً
لا يَصِحُّ فِيَّةُ القُّنْتَيْنِ. وَلَوْ قالَتْ: أَبَنْتُ نَفْسِ طَلُفَتْ وَاحِدَةَ رَجْعِيَّةً؛
وَلَوْ قَالَ لَمَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَقَالَتْ: أَنْتَ عَلىَّ حَرَامٌ، أوْ أنْتَ مِّى بائِنَّ،
أوْ أنا عَلَيْكَ حَرَامٌ، أَوْ أنا مِنْكَ بائِنّ، فَهُوَ جَوَابٌ وَطَلُقَتْ،
ينى عن التمليك وضعا، قال تعالى - والأمر يومئذ لله - والاختيار عرف تمليكا شرعا
لاوضعا ، والإجماع انعقد فى الطلقة الواحدة لاغير ، فلهذا محت نية الثلاث فى الأمر باليد
دون التخيير ( ولو قالت فى جواب الأمر باليد : اخترت نفسى بواحدة فهى ثلاث )
لأنها صفة الاختيارة ، لأن الاختيارة تصلح جوابا للأمر باليد لكونه تمليكا كالتخيير
فصار كما إذا قالت : اخترت نفسى مرّة واحدة ، وبذلك يقع الثلاث ( ولو قال لها :
أمرك بيدك فاختارت نفسها ) قيل لايقع ، والأصحّ أنه ( يقع ) ولو قال لها : إن دخلت
الدار فأمرك بيدك إن طلقت نفسها كما وقعت قدمها فيها طلقت ، وإن طلقت بعد ما ششت
خطوتين لم تطلق ( ولو قال لها : طلقى نفسك فلها أن تطلق فى المجلس ) لأن المرأة لاتكون.
وکیلة فی حق نفسها فكان تمليكا ( وتقع واحدة رجعية ، وليس له أن يرجع عنه ) لأنه
تمليك فيه معنى التعليق ، لأنه علق الطلاق بتطليقها ، وكذا قوله أنت طالق إن شئت.
أو أحببت أو هويت أو أردت أو رضيت ، لأن كله تعليق بفعل القلب فهو كالخيار
( وإن طلقت نفسها ثلاثا وقد أرادها الزوج وقعن ) لأن معناه افعلى الطلاق وهو اسم
جنس فيتناول الأدنى مع الجميع كسائر أسماء الأجناس فتصحّ نية الثلاث وينصرف إلى
الأدنى عند عدمها على ما مرّ (ولا تصحّ نية الثنتين ) لأنه عدد خلافا لزفر وقد بيناه.
( إلا أن تكون أمة فيصحّ ) لأنه الجنس فى حقها ( ولو كانت حرّة وقد طلقها واحدة لاتصحّ
نية الثنتين ) لأنه ليس بجنس فى حقها ( ولو قالت : أبنت نفسى طلقت واحدة رجعية )
لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق ، إلا أنها زادت فيها وصف الإبانة فيلغو ، كما إذا قالت
طلقت نفسى بائنة . وعن أبى حنيفة : لايقع شىء لأنها أتت بغير ما فوّض إليها ، ويتقيد.
بالمجلس كما فى المخيرة لأنه تمليك أيضا ( ولو قال لها: أمرك بيدك، فقالت أنت علىّ
حرام ، أو أنت منى بائن ، أو أنا عليك حرام ، أو أنا منك بائن ، فهو جواب وطلقت )
لأن هذه الألفاظ تفيد الطلاق كما إذا قالت طلقت نفسى ، ول قالت أنت منى طالق لم يقع

- ١٣٧ -
وَلَوْ قالَتْ: أنا مِنْكَ طَالِقٌ، أَوْ أنا طالِقٌ وَقَعَ؛ وَلَوْ قَالَ لَمَا: طَلِِّ نَفْسَكِ
مَّى شِئْتٍ، أوْ مَتَى مَاشِئْتٍ، أَوْ إذَا شِئْتٍ، أَوْ إذَا ما شِئْتِ لا يَتْقَبَّدُ
بالمَجْلِسِ، وَلَوْ رَدَّتْهُ لا يَرْتَدُّ، وَكَذَا لَوْ قالَ لِغْرِهِ: طَلِّقِ امْرأتى، وَلَوْ
قالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِس (ز)؛ وَلَوْ قالَ لَمَا: طَلِِّ نَفْسَكِ
كُلَّمَا شِئْتِ فَلَها أن تُفَرّقَ الثَّلاثَ وَلَيْسَ لَمَا أنْ تَجْمَعَها؛ وَلَوْ قالَ طَلِِّى
نَفْسَكِ ثَلاثا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً فَهِىَ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قالَ: وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ
ثَلاثا لَمْ يَفَعْ شَىْءٌ (سم) ؛
شىء ( ولو قالت : أنا منك طالق ، أو أنا طالق وقع ) لأن المرأة توصف بالطلاق دون
الرجال ( ولو قال لها : طلقى نفسك متى شئت ، أومتى ماشئت ، أو إذا شئت ، أو إذا
ما شئت لا يتقيد بالمجلس ) لأنها لعموم الأوقات كأنه قال : فى أىّ وقت شئت ، وهذا
فى متى ومتى ما ظاهر؛ وأما إذا وإذاما فقد سبق الكلام فيه والعذر عنه (ولو ردّته لا يرتدّ)
لأنه ملكها الطلاق فى أىّ وقت شاءت فلم يكن تمليكا قبل المشيئة فلا يرتدّ بالرد" (وكذا
لو قال لغيره : طلق امرأتى) لا يتقيد بالمجلس لأنه توكيل ( ولو قال له : إن شئت اقتصر
على المجلس) وقال زفر: هو والأوّل سواء لأنه توكيل كما إذا سكت عن المشيئة . ولنا أنه
تمليك حيث علقه بالمشيئة ، والمالك يتصرّف بالمشيئة ، والتمليك يقتصر على المجلس لما
عرف؛ ولو قال لها : أنت طالق إن أحببت، فقالت شئت وقع؛ ولوقال : إن شئت فقالت
أحببت لايقع؛ والفرق أن المشيئة إرادة وإيجاب وفيها معنى المحبة وزيادة فقد وجد الشرط فى
الأولى وزيادة والمحبة ليس فيها إيجاب فلم يوجد فى المسئلة الثانية المشيئة بتلك الصفة فلم يوجد
الشرط ( ولو قال لها : طلقى نفسك كلما شئت فلها أن تفرق الثلاث ) لأن كلما تقتضى تكرار
الفعل ويقتصر على المملوك من الطلاق فى النكاح القائم حتى لوطلقها ثلاثاعادت إليه بعد زوج
آخر لا تملك التطليق (وليس لها أن تجمعها) لأنها توجب عموم الانفراد لاعموم الاجتماع
وقال زفر : لا يقتصر على المملوك فى النكاح حتى كان لها أن تطلق نفسها بعد زوج آخر
عملا بحقيقة كلمة كلما . ولنا أنه تمليك؛ فلا يصحّ إلا فيما هو فى ملكه ، ولا يملك أكثر
من الثلاث ، وعلى هذا الإيلاء إذا وقع به ثلاث طلقات ثم عادت إليه لا يعود الإيلاء
عندنا ، وعنده يعود ( ولو قال : طلقى نفسك ثلاثا فطلقت واحدة فهى واحدة ) لأنها
أوقعت بعض ما ملكت ( ولو قال : واحدة فطلقت ثلاثا لم يقع شىء ) عند أبى حنيفة ،
وقالا: تقع واحدة لأنها ملكت الواحدة ، وقد أتت بالزيادة عليها فتلغو كما إذا قال !!
أنت طالق أربعا ، فانه يقع الثلاث ويلغو الزائد . وله أن الواحدة غير الثلاث لفظا ومعنى
فقد أتت بغير ما ملكها فكان كلاما مبتدأ فلا يقع ، بخلاف الزوج لأنه يملك الثلاث

-١٣٨ -
وَلَوْ قالَ لَمَا: طَلِِّى نَفْسُكِ وَاحِدَةً أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، فَقَالَتْ: طَلَّفْتُ
نَفْسٍ وَاحِدَةً بائِنَةٌ فَهِىَ رَجْعيَّةٌ؛ وَلَوْ قالَ: وَاحدَةً بائنَةٌ، فَقَالَتْ:
طَلَقْتُ رَجْعَيَّةً فَهِىَ بائِنَةٌ؛ وَلَوْ قالَ لَمَا: أنْتِ طالِقٌ كَبْفَ شِئْتٍ وَقَعَتْ
وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ تَشْأ فانْ شاءتْ بائِنَةً أَوْ ثَلاثا وَقَدْ أَادَ الزَّوْجُ
ذلكَ وَقَعَ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَشِيئَُهَا وَإِرَادَتُهُ فَوَاحِدَةٌ (سم) رَجْعِيَّةٌ ؛
وَلَوْ قالَ : أَنْتِ طالِقٌ مَا شِئْتٍ أو كَمْ شِئْتِ فَلَهَا أنْ تُطَلِّقَ نَفْسَها ما شاءَتْ؛
وَلَوْ قالَ لَهَا طَلُِّ نَفْسِكٍ منْ ثَلاثٍ ما شِئْتٍ فَلَيْسَ لَمَا أنْ تُطَلَّقَ ثَلاثا
وَتُطَلِّقَ مَا دوّنَهَا (سم).
فيتصرّف فيها بحكم الملك ، والزائد عليها انو فبطل ( ولو قال لها : طلقى نفسك واحدة
أملك الرجعة ، فقالت: طلقت نفسى واحدة بائنة فهى رجعية ) لأنها أتت بالأصل فصح
ووقع ما أمرها به ثم أتت بزيادة وصف فيلغو إذ لاحاجة إليه ( ولو قال: واحدة بائنة ،
فقالت : طلقت رجعية فهى بائنة) لما قلنا ( ولوقال لها : أنت طالق كيف شئت وقعت
واحدة رجعية وإن لم تشأ ، فإن شاءت بائنة أو ثلاثا وقد أراد الزوج ذلك وقع ) للاتفاق
بينَ إرادته ومشيئتها (وإن اختلفت مشيتها وإرادته فواحدة رجعية ) لأنها لما خالفته لغا
تصرّفها فبقى أصل الإيقاع . وقال أبو يوسف ومحمد : لا يقع شىء ما لم توقع المراه فتشاء
ثلاثا أو واحدة رجعية أو بائنة والعتق على هذا الخلاف . لهما أنه فوّض إليها التطليق على
أى صفة شاءت فوجب أن يتعلق بمشيئتها أصل الطلاق حتى تملك ذلك قبل الدخول وبعده ،
ولو وقع بمجرّد إيقاعه لا يملك قبل الدخول . ولأبى حنيفة أنّ كيف للاستيصاف فتقتضى
ثبوت أصل الطلاق ، ويكون التفويض إليها فى الصفة عملا بحقيقة كلمة كيف ( ولو قال :
أنت طالق ما شئت أو كم شئت فلها أن تطلق نفسها ما شاءت ) لأنهما يستعملان للعدد فقد
فوّض إليها أى شىء شاءت من العدد ( ولو قال لها : طلقى نفسك من ثلاث ما شئت فليس
لها أن تطلق ثلاثا وتطلق ما دونها ) وقالا: لها أن تطلق ثلاثا إن شاءت ، لأن ما للعموم
ومن تستعمل للتمییز فيحمل على تمییز الجنس کقوله : کل من طعامی ما شئت. ولأبى حنيفة.
أن من حقيقة للتبعيض ، وما للتعميم فيعمل بهما ، فجعلنا المفوّض إليها بعض الثلاث ،
لكن بعضا له عموم وهو ثنتان، وإنما ترك التبعيض فى النظير لدلالة الحال ، وهو إظهار
السماحة والكرم ؛ ولو قال : إن شئت فأنت طالق إذا شئت ، فهما مشيئتان : إحداهما على
المجلس ، والثانية مطلقة معلقة بالوقت ، فان قامت بطلتا أما المؤقتة فلتوقتها بالمجلس ،
وأما المطلقة فلتعلقها بها ، وإن شاءت يصير كأنه قال لها فى ذلك الوقت: أنت طالق إذا

- ١٣٩ -
شئت ، ولو قيل له : ألك امرأة ؟ فقال لا ونوى الطلاق وقع ، ذكره فى المحيط وقال
هو الصحيح ؛ وكذا لو قالت : لست لى بزوج ، فقال الزوج : صدقت ونوى الطلاق ؛
وكذا قوله : لست لى بامرأة ، أو ما أنت لى بامرأة ، أو لست لك بزوج ، أو ما أنا لك
بزوج ونوى الطلاق يقع ؛ وقالا : لا يقع لأنه إخبار كذب فلا يقع وإن نوى . وله أنه
يحتمل الطلاق بالإضمار تقديره : لست لى بامرأة لأنى طلقتك ، وإذا احتمل ذلك ونواه
صحت نيته فيقع الطلاق ؛ ولو قال له آخر : هل امرأتك إلا طالق ؟ فقال الزوج : لا طلقت
ولو قال نعم لا تطلق ، لأن قوله نعم معناه نعم امرأتى غير طالق ، وقوله لا معناه ليس امرأتى
إلا طالق ؛ ولوقال لامرأته : قولى أنا طالق لم تطلق حتى تقول لأنه أمر بالإنشاء ؛ ولو قال
لغيره : قل لامرأتى إنها طالق طلقت قال أو لم يقل ، لأنه أمره بالإخبار وأنه يستدعى سبق
المخبر به ؛ ولو قال له آخر : إن لم تقض حتى اليوم فامرأتك طالق ، قال نعم وأراد جوابه
انعقدت يمينه ، لأن الجواب يستدعى إعادة السؤال ، فكأنه قال : نعم امرأتى طالق إن لم
أقض حقك ؛ ولو قال لها : اعتدی اعتدى اعتدى وقال نويت واحدة صدق ديانة ويقع
ثلاثا فى القضاء ؛ ولو قال : عنيت بالثانية العدة صدق قضاء ؛ ولو قال : نويت بالأولى
طلاقا ولم أنو بالثانية والثالثة شيئا فهى ثلاث لأنهما فى حال مذاكرة الطلاق فتتعين له .
ومن الكنايات الكتابة ، فاذا كتب طلاق امرأته فى كتاب أو لوح أو على حائط أو أرض
لا يقع إلا بنية. وأصله أن الكتابة حروف منظومة تدلّ على معان مفهومة كالكلام ، وكتب
رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت مقام قوله فى الدعاء إلى الإسلام حتى وجب على كل
ممن بلغته ، فنقول : إذا كتب ما لا يستبين أو كتب فى الهواء فليس بشىء ، لأن ما لا يستبين
فى الكتابة كالمجمجة (١) والكلام الغير المفهوم ، وإذا كتب ما يستبين فلا يخلو إما إن كان
على وجه المخاطبة أولا ، فإن لم يكن على وجه المخاطبة مثل أن يكتب امرأته طالق فانه يتوقف
على النية ، لأن الكتابة تقوم مقام الكلام كالكتابة مع الصريح ، وإن كتب على وجه
الخطاب والرسالة مثل أن يقول : يا فلانة أنت طالق ، أو إذا وصل إليك كتابى فأنت
طالق ، فانه يقع به الطلاق من غيرنية ، ولا يصدق لأنه مانوى أنه ظاهر فيه ، ثم إن كان
بغير تعليق وقع للحال كأنه قال لها أنت طالق ، وإن كان معلقا بأن كتب إذا جاءك كتابى فأنت
طالق لا يقع حتى يصل إليها ، لأنه علق الوقوع بشرط فلا يقع قبله ، كما إذا علقه بدخول
الدار، فان وصل الكتاب إلى أبيها فمزّقه ولم يدفعه إليها إن كان هو المتصرّف فى أمورها
وقع الطلاق لأنه كالوصول إليها ، وإن لم يكن هو المتصرّف فى أمورها لا يقع وإن أخبرها
(١) الحجاج : الريق، ومجمج الخط: خلطه وأفسده بالقلم وغيره اه مغرب .

- ١٤٠ -
وألْفاظُ الشَّرْطِ: إِنْ وَإِذَا وَإِذَاما وَمَنِى وَمَنِّى ما وَكُلُّ وَكُلَّمَا، فَاذَا عَلَّقَ
الطَّلَاقَ بِشَرْطِ وَقَعَ عَقِبَهُ وَاْحَلَّتِ الْيَمِينُ وَانْسَهَتْ إِلاَّ فِى كُلَّمَا، وَلا يَصِحُّ
التعْلِيقُ إلاَّ أنْ يَكُونَ الحالِفُ مالِكًا كَقَوْلِهِ لإِمْرَأْتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ
فأنْتِ طالِقٌ؛ أوْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: إِنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا فَأنْتَ حُرُّ؛ أوْ يُضِيفُهُ إلى
مِلْكِ كَقَوْلِهِ لِأَجْتَبِيَّةِ: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طالِقٌ، أَوْ كُلّ امْرأةٍ
أَتَزَوَّجُها فَهِىَ طَالِقٌ أَوْ كُلّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٍّ . وَزَوَالُ المِلْكِ لا يُبْطِلُ
اليَمِينَ، فإنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فى مِيكِ الْحَلَّتْ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ وُجِدَ فى غْرِ
مِلْكِ الْحَلَّتْ وَلَمْ يَقَعْ شَىْءٌ؛ وَإِذَا اخْتَلَفا فى وُجُودِ الشَّرْطِ فالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ
وَالْبَيِّنَّةُ لِلْمَرَأَةٍ ،
ما لم يدفعه إليها لأنه كالأجنبى قال (١) (وألفاظ الشرط: إن وإذا وإذاما ومتى ومتى ما
وكلّ وكلما) لأنها مستعملة فيه وضعا . أما إن فشرط محض ليس فيه معنى الوقت وماوراءها
فيها معنى الوقت على ما بيناه ؛ وكلمة كل ليست بشرط لأنها يليها الاسم ، والشرط ما يليه
الفعل لأنه يتعلق به الجزاء وهو فعل ، إلا أنه لتعلق الفعل بالاسم الذى يليها ألحق بالشرط مثل
قوله : كُلّ عبد اشتريته فهو حرّ. قال ( فإذا علق الطلاق بشرط وقع عقيبه وانحلت اليمين
وانتهت) لأن الفعل إذا وجد ثمّ الشرط فلا تبقى اليمين ( إلا فى كلما ) فانها لعموم الأفعال ،
قال تعالى - كلما نضجت جلودهم - الآية ، وإذا كانت للعموم يلزم التكرار ضرورة حتى
تقع الثلاث المملوكات فى النكاح القائم ، فلو تزوّجها بعد زوج آخر ووجد الشرط لم يقع
شىء خلافا لزفر لمقتضى العموم . ولنا أنه إنما علق ما يملكه من الطلقات ، وقد انتهى
ذلك وهو الجزاء فتنتهى اليمين ضرورة . قال ( ولا يصحّ التعليق إلا أن يكون الحالف مالكا
كقوله لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق ، أو يقول لعبده : إن كلمت زيدا فأنت
حرّ ، أو يضيفه إلى ملك كقوله الأجنبية : إن تزوّجتك فأنت طالق ، أو كل امرأة أتزوّجها
فهى طالق ، أو كل عبد أشتريه فهو حرّ ) لأنه لابدّ أن يكون الجزاء ظاهرا ليكون مخوّفا
ليتحقق معنى اليمين وهو القوّة على المنع أو الحمل ، ولا ظهور له إلا بأحد هذين . قال
( وزوال الملك لا يبطل اليمين ) لأنه لم يوجد الشرط ( فإن وجد الشرط فى ملك انحلت ) اليمين
( ووقع الطلاق ) لأن الشرط وجد والمحلّ قابل للجزاء فينزل وينتهى اليمين لمامرّ (وإن
وجد فى غير ملك انحلت ) لوجود الشرط (ولم يقع شىء ) لعدم قبول المحلّ ؛ وفى كلما
لاتنحلّ اليمين بوجود الشرط حتى يقع الثلاث على ما بيناه (وإذا اختلفا فى وجود الشرط
فالقول للزوج ) لأنه منكر ومتمسك بالأصل وهو العدم ( والبينة للمرأة) لأنها مدعية مثبتة .
(١) مسائل التعليق بالشرط .