Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
وَمَنْ شَرَطَ الَبَرَاءَةَ مِنْ كُلّ عَيْبٍ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ أَصْلاً، وَإِذَا باعَهُ الْمُشْتَرِى
مُثَُّرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ إِنْ قَبِلَهُ بِقَضَاءِ رَدَّهُ عَلَى بائِعِهِ، وَإِنْ قَبِلَهُ بِغَيْرِ
قَضَاءٍ لَمْ بَرُدَّهُ، وَيَسْقُطُ الرَّدُّ بِما يَسْقُطُ بِهِ خِيارُ الشَّرْطِ.
الكسر عيب حادث فيرجع بالنقصان لما بينا . قال (ومن شرط البراءة من كلّ عيب فليس
له الردّ أصلا) لأنه إسقاط والإسقاط لا يفضى إلى المنازعة فيجوز مع الجهالة ، ولو حدث
عيب بعد البيع قبل القبض دخل فى البراءة عند أبى يوسف خلافا لمحمد وزفر لأنه لم يوجد
وقت الإبراء فلا يتناوله ، ولأبى يوسف أن المقصود سقوط حق الفسخ بالعيب وذلك
البراءة عن الموجود والحادث ، ولو أبرأه من كلّ غائلة . قال أبو يوسف : هى السرقة
والإباق والفجور دون المرض ، لأن الغائلة تختصّ بالفعل، وإن أبرأه من كل داء . قال
أبو حنيفة : الداء مافی الجوف من طحال أو کبد أو فساد حیض ، وما سوى ذلك یسمی
مرضا . وقال أبو يوسف هو المرض . ولو قال برئت إليك من كل عيب بعينه فإذا هو
أعور ، أو من كل عيب بيده فإذا هو أقطع لا يبرأ لأنه ليس بعيب بالمحلّ بل هو عدم المحلّ
.. قال ( وإذا باعه المشترى ثم ردّ عليه بعيب إن قبله بقضاء ردّه على بائعه ) لأنه فسخ من
الأصل فجعل كأن لم يكن ، وهو وإن أنكر فقد صار مكذبا شرعا ( وإن قبله بغير قضاء
لم يردّه) لأنه بيع جديد فى حقّ ثالث لوجود حدّه وهو التمليك والتملك ، وإن ردّ عليه
بعيب لا يحدث مثله ردّه عليه أيضا لأن الردّ متعين فيه فيستوى فيه القضاء وعدمه . قال
( ويسقط الرِدّ بما يسقط به خيار الشرط ) وقد ذكرت فيه ، وذكر البعض هنا أيضاً .
فصل فى التلجئة
وهى فى اللغة : ما ألجئ إليه الإنسان بغير اختياره ، ولما كان هذا العقد إنما يعقد عند
الضرورة سموه تلجئة لما فيه من معنى الإكراه ، وفيه ثلاث مسائل : إحداها أن تكون
التلجئة فى نفس المبيع ، مثل أن يخاف على سلعته ظالما أو سلطانا فيقول : أنا أظهر البيع
وليس ببيع حقيقة وإنما هو تلجئة ويشهد على ذلك ، ثم يبيعها فى الظاهر من غير شرط .
حكى المعلى عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أن العقد جائز . وروى محمد فى الإملاء أنه باطل
ولم يحك خلافا ، وهو قول أبى يوسف ومحمد . وجه الأولى أنهما عقدا عقدا صحيحا وما
شرطاه لم يذكراه فيه ، فلا يؤثر فيه كما إذا اتفقا أن يشرطا شرطا فاسدا ثم تبايعا من غير
شرط . ووجه الثانية أنهما اتفقا على أنهما لم يقصدا العقد فصارا كالهازلين فلا ينعقد .
الثانية أن تكون فى البدل بأن يتفقا على ألف فى السرّ ويتبايعا فى الظاهر بألفين . روى المعلى
عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أن الثمن ثمن العلانية. وروى محمد فى الإملاء أن الثمن ثمن

- ٢٢ -
باب البيع الفاسد
وَهُوَ يُفِيدُ المِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَلِكُلّ وَاحِدٍ مِنَ المُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ،
وَيُشْتَرَطُ قِيامُ المَبِيعِ حالَةَ الفَسْخِ، فإنْ باعَهُ أَوْ أعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ
القَبْضِ جازٌ ،
السرّ من غير خلاف وهو قولهما، لأنهما اتفقا أنهما لم يقصد؛ الألف الزائدة فكأنهما هزلا
بها . وجه الأوّل أن المذكور فى العقد هو الذى يصحّ العقد به ، وما ذكراه سرّا لم يذكراه
حالة العقد فسقط حكمه . الثالثة اتفقا أن الثمن ألف درهم وتبايعا على مائة دينار . قال محمد :
القياس أن يبطل العقد ، والاستحسان أن يصحّ بمائة دينار . وجه القياس أن الثمن الباطن
لم يذكراه فى العقد والمذكورلم يقصداه فسقط فبقى بلا ثمن فلا يصحّ . وجه الاستحسان أن
المقصود البيع الجائز لا الباطل ، ولا جائز إلا بثمن العلانية كأنهما أضربا عن السرّ وذكرا
الظاهر ، وليس هذا كالمسئلة الأولى لأن المشروط سرّاً مذكور فى العقد وزيادة وتعلق
العقد به ، ويثبت لهما الخيار فى بيع التلجئة لأنهما لم يقصدا زوال الملك فصار كشرط الخيار
لهما فيتوقف على إجازتهما ، ولو ادّعى أحدهما التلجئة لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه يدّعى
انفساخ العقد بعد انعقاده ، ويستحلف الآخر لأنه منكر .
باب البيع الفاسد
( وهو يفيد الملك بالقبض) بأمر البائع صريحا أو دلالة كما إذا قبضه فى المجلس وسكت
حتى يجوز له التصرّف فيه إلا الانتفاع، لما روى (( أن عائشة لما أرادت أن تشترى بريرة
فأبى مواليها أن يبيعوها إلا بشرط أن يكون الولاء لهم ، فاشترت وشرطت الولاء لهم ثم
أعتقها، وذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاز العتق وأبطل الشرط)) فالنبىّ
عليه الصلاة والسلام أجاز العتق مع فساد البيع بالشرط ، ولأن ركن التمليك وهو قوله :
بعت واشتريت صدر من أهله هو المكلف المخاطب مضافا إلى محله وهو المال عن ولاية ،
إذ الكلام فيهما فينعقد لكونه وسيلة إلى المصالح والفساد لمعنى يجاوره كالبيع وقت النداء ،
والنهى لا ينفى الانعقاد بل يقرّره لأنه يقتضى تصوّر المنهى عنه والقدرة عليه ، لأن النهى
عما لا يتصوّر وعن غير المقدور قبيح ، إلا أنه يفبد ملكا خبيثا لمكان النهى ( و) لهذا كان
( لكلّ واحد من المتعاقدين فسخه ) إزالة للخبث ورفعا للفساد ( ويشترط قيام المبيع حالة
الفسخ ) لأن الفسخ بدونه محال ( فان باعه أو أعتقه أو وهبه بعد القبض جاز ) لمصادفة
هذه التصرّفات ملكه ومنع الفسخ ، وكذا كلّ تصرّف لايفسخ كالتدبير والاستيلاد ،
وما يحتمل الفسخ يفسخ كالإجارة ، فانها تفسخ بالأعذار وهذا عذر ، والرهن يمنع الفخّ
١

- ٢٣ -
وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ إِنْ كانَ مِنْ ذَوَاتِ القِيَمِ، أَوْ مِثْلُهُ إنْ كانَ
مِثْلِيا، وَالباطِلُ لايُفيدُ المِلْكَ وَيَكُونُ أمانَةً فى يَدِهِ (سم)، وَبَيْحُ المَبْتَةِ
وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَالْخِْزِيرِ وَالْحُرّ وَأُمّ الوَلَدِ والْمُدَبَّرِ وَالْجَمْعُ بْنَ حُرّ وَعَبْدٍ (سم)
وَمَيَْةٍ وَذَكِيةٍ (سم) باطِلٌ، وَبَيْعُ الْمُكَاتَبِ بَاطِلٌّ إِلاَّ أنْ يُحِيزَهُ فَيَجُوزُ، وَبَيْعُ
السمَكِ وَالطَّيْرِ قَبْل صَيْدِهِما، وَالآبِقِ والحَمْلِ وَالنَّتَاجِ وَاللَّبَنِ فى الضَّرْعِ،
وَالصُّوْفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَاللَّحْمِ فى الشَّةِ، وَجِدْعٍ فِى سَقْفٍ، وَتَوْبٌ منْ
ثَوْبَیْنِ فاسِدٌ ،
فان عاد الرهن فله الفسخ ، وهذا لأن النقض لرفع حكمه حقا للشرع ، وهذه التصرّفات
تعلق بها حقّ العبد وأنه مقدّم لما عرف، ( وعليه قيمته يوم قبضه إن كان من ذوات القيم
أو مثله إن كان مثليا) لأنه كالغصب من حيث أنه منهىّ عن قبضه ، ولما كان هذا العقد
ضعيفا لمجاورته المفسد توقف إفادة الملك على القبض كالهبة . قال ( والباطل لا يفيد الملك ).
لأن الباطل هو الخالى عن العوض والفائدة ( ويكون أمانة فى يده ) يهلك بغير شيء ، وهذا
عند أبى حنيفة وعندهما يهلك بالقيمة لأن البث ما رضى بقبضه جاز ، وله أنه لما باع بما
ليس بمال وأمره بقبضه فقد رضى بقبضه بغير بدل مالى فلا يضمن كالمودع . قال ( وبيع
الميتة والدم والخمر والخنزير والحرّ وأمّ الولد والمدبّر، والجمع بين حرّ وعبد ، وميتة
وذكية باطل ) أما الميتة والدم والحرّ فلأنها ليست بمال ، والبيع والتمليك مال بمال ، وأما
الخمر والخنزير فكذلك لأنهما ليسا بمال فى حقنا ، وكذلك أمّ الولد والمدبّر لأنهما
استحقا العتق بأمر كائن لامحالة فأشبها الحرّ ، وأما الجمع بين حرّ وعبد وميتة وذكية فلأن
الصفقة واحدة ، والحرّ والميتة لا يدخلان تحت العقد لعدم المالية ، ومتى بطل فى البعض
بطل فى الكل "، لأن الصفقة غير متجزئة، وكذا الجمع بين دنين أحدهما خلّ والآخر خمر
ومتروك التسمية كالميتة ، وإذا لم يكن الجرّ والميتة ما لا لايقابلهما شىء من الثمن، فيبقى
العبد والذكية مجهولة الثمن ، ولأن القبول فى الحرّ والميتة شرط للبيع فى العبد والذكية وأنه
باطل . وقال أبو يوسف ومحمد : إن سمى لكلّ واحد منهما ثمنا جاز فى العبد والذكية
كالجمع بين أخته وأجنبية فى النكاح . قلنا : النكاح لا يبطل بالشروط المفسدة ولا كذلك
البيع . قال (وبيع المكاتب باطل ) لأنه استحقّ جهة حرية وهو ثبوت يده على نفسه ( إلا
أن يجيزه فيجوز) لأنه إذا أجازه فكأنه عجز نفسه فيعود قنا فيجوز بيعه . قال ( وبيع
السمك والطير قبل صيدهما ، والآبق والحمل والنتاج ، واللبن فى الضرع ، والصوف على
الظهر ، واللحم فى الشاة ، وجذع فى سقف ، وثوب من ثوبين فاسد ) أما السمك والطير
•فلعدم الملك ، ولو كان السمك مجتمعا فى أجمة إن اجتمع بغير صنعه لا يجوز لعدم الملك ،

- ٢٤ -
وَبَيْعُ الْمُزَابَنَةِ والمُحَاقَلَةِ فاسِدٌ، وَلَوْ باعَ عَيْنا عَلى أنْ يُسَلِّمَها إلى رَأسِ
الشَّهْرِ فَهُوّ فاسِدٌ، وَبَيْعُ جَارِيّةٍ إِلاَّ حَمْلَها فاسِدٌ وَلَوْ باعَهُ جارِيَةٌ عَلَى أنْ
يَسْتَوْلدَهَا الْمُشْتَرِى أوْ يَعْتِقَها أوْ يَسْتَخْدِمَا البائعُ أوْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِى
دَرَاهِمَ أَوْ ثَوْبًا عَلَى أنْ يَخِيطَهُ البائعُ فَهُوَ فَاسِدٌ ،
وإن اجتمع بصنعه إن قدر على أخذه من غير اصطياد جاز لأنه ملكه ويقدر على تسليمه ،.
وللمشترى خيار الرؤية ، وإن لم يقدر عليه إلا بالاصطياد لا يجوز وأما الآبق فلأنه لا يقدر
على تسليمه حتى لو عاد الآبق جاز البيع . وعن محمد أنه لا يجوز ، ولو باعه من زعم أنه
عنده يجوز كبيع المغصوب من الغاصب وأما الحمل والنتاج (١) فلنهيه عليه الصلاة والسلام
عنه ؛ وأما اللبن فى الضرع فللجهالة واختلاط المبيع بغيره ؛ وأما الصوف على الظهر
فلاختلاط المبيع بغيره ، ولوقوع التنازع فى موضع القطع بخلاف القصیل لأنه يمكن قلعه ،
وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع الصوف على ظهر الغنم وعن لبن فى ضرع وسمن
فى لبن . وعن أبى يوسف أنه يجوز قياسا على شجر الخلاف . قلنا شجر الخلاف ينبت من
أعلاه ، فتكون الزيادة فى ملك المشترى، والصوف ينبت من أسفله فيحدث على ملك
البائع فيختلطان ؛ وأما اللحم فى الشاة والجذع فى السقف فلا يمكن تسليمه إلا بضرر
لا يستحقّ عليه ، وكذلك ذراع من ثوب وحلية فى سيف ، وإن قلعه وسلمه قبل نقض
البيع جاز ، وليس للمشترى الامتناع ، وهذا بخلاف ما إذا باعه ذراعا من كرباس وعشرة
دراهم من هذه النقرة حيث يجوز لأنه لاضرر فيه ؛ وأما ثوب من ثوبين فلجهالة المبيع ،
ولو قال على أن يأخذ أيهما شاء جاز لعدم المنازعة . قال ( وبيع المزابنة والمحاقلة فاسد)
لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عنهما. والمزابنة: بيع الثمر على النخل بتمر على الأرض مثله
كيلا حزرا . والمحاقلة : بيع الحنطة فى سنبلها بمثلها من الجنطة كيلا حزرا ، ولأنه بيع
الكيلى بجنسه مجازفة فلا يجوز . قال ( ولو بأع عينا على أن يسلمها إلى رأس الشهر فهو
فاسد ) لأن تأجيل الأعيان باطل إذ لافائدة فيه ، لأن التأجهى شرع فى الأثمان ترفها عليه
ليتمكن من تحصيله وأنه معدوم فى الأعيان فكان شرطا فاسدا . قال ( وبيع جارية إلا حملها
فاسد) لأن الحمل بمنزلة طرف الحيوان لاتصاله به خلقة ، ألا ترى أنه يدخل فى البيع من
غير ذكر فلا يجوز استثناؤه كسائر الأطراف ( ولو باعه جارية على أن يستولدها المشترى
أو يعتقها أو يستخدمها البائع أو يقرضه المشترى دراهم أو ثوبا على أن يخيطه البائع فهو
فاسد ) لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وشرط .
(١) الحمل : ما كان فى البطن . والنتاج : ما يحمله هذا الحمل .

- ٢٥ -
وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إِلاَّ مَعَ الكُوَّارَاتِ (م)، وَلَا دُودِ القَزّ إلاَّ مَعَ القَزّ (م) ،
والجملة فى ذلك أن البيع بالشرط ثلاثة أنواع : نوع البيع والشرط جائزان ، وهو كل
شرط يقتضيه العقد ويلائمه كما إذا اشترى جارية على أن يستخدمها ، أو طعاما على أن يأكله
أو دابة على أن يركبها ؛ ولو اشترى أمة على أن يطأها فهو فاسد لأن فيه نفعا للبائع لأنه
يمتنع به الردّ بالعيب ، وقالا : لا يفسد لأنه شرط يقتضيه العقد وجوابه ما قلنا . ونوع
كلاهما فاسدان ، وهو كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين ،
وهو مامرّ من الشروط فى هذه المسائل ونحوها ، أو للمعقود عليه إذا كان من أهل
الاستحقاق كعتق العبد ، فلو أعتقه انقلب جائزا ، فيجب الثمن عند أبى حنيفة لأنه ينتهى
به ، والشىء يتأكد بانتهائه . وعندهما تجب القيمة ، وهو فاسد على حاله لأن به تقرّر
الشرط الفاسد . ونوع البيع جائز والشرط باطل ، وهو كلّ شرط لا يقتضيه العقد وفيه
مضرّة لأحدهما ، أو ليس فيه منفعة ولا مضرّة لأحد ، أو فيه منفعة لغير المتعاقدين والمبيع
كشرط أن لا يبيع المبيع ولا يهبه ، ولا يلبس الثوب ، ولا يركب الدابة ، ولا يأكل الطعام ،
ولا يطأ الجارية ، أو على أن يقرض أجنبيا دراهم ونحو ذلك ، فانه يجوز البيع ويبطل الشرط.
لأنه لا يستحقه أحد فيلغو بخلوّه عن الفائدة ، ويبتنى على هذه الأصول مسائل كثيرة تعرف
بالتأمل إن شاء الله تعالى. قال (ولا يجوز بيع النحل إلا مع الكوّرات) (١) وقال محمد:
يجوز إذا كان مجموعا لأنه حيوان منتفع به مقدور التسليم فيجوز كغيره من الحيوانات
ولهما أنه لا ينتفع بعينه ولا بجزء من أجزائه فلا يجوز كالزنابير ، ولا اعتبار بما يتولد منه
من العسل لأنه معدوم ؛ أما إذا باعها مع الكوّارات وفيها عسل يجوز تبعا ، هكذا علله
الكرخى فى جامعه ، ثم أنكر ذلك وقال : إنما يدخل فى البيع بطريق التبع ما هو من حقوق.
المبيع وأتباعه ، والنحل ليس من حقوق العسل وأتباعه . وجوابه أن يقال : إن الكوّارات
لما لم يكن لها فائدة بدون النحل جعل النحل من جملة حقوقها تجوّزا ألا ترى أنه لا يجوز
بيع الشرب مقصودا ، ويجوز تبعا للأرض لما أنه لاانتفاع بالأرض بدون الشرب ،
وأمثاله كثيرة . قال (ولا دود القزّ إلا مع القزّ) وقال محمد: يجوز، والعلة فيه مامر من
الطرفين فى النحل ، وقالا : يجوز بيع بيضه والسلم فيه كيلا فى حينه ، لأنه بزر يتولد منه
ما ينتفع به وصار كبزر البطيخ . وقال أبو حنيفة : لا يجوز بيعه لأنه لا ينتفع بعينه ، وكان
محمد يضمن من قتل دود القزّ بناء على جواز بيعه ، ولا يضمنه أبو حنيفة بناء على عدم
(١) قال فى المغرب: الكوّارة بالضم والتشديد: معسل النحل إذا سوّى من الطين اهـ
مصححه .

- ٢٦ -
وَالبَيْعُ إِلى النَّْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ وَصَوْمِ النصَارَى وَفِطْرِ الَيَهُودِ إِذَا جَهَلَا ذلكَ
فاسِدٌ ، وَالبَيْعُ إلى الحَّصَادِ وَالقِطافِ وَالدّيّاسِ وَقُدُومِ الحاجّ فاسِدٌ، وَإِنْ أسْقَطا
الأَجَلَ قَبْلَهُ جازَ (ز)، وَمَنْ جَمَعَ بْنَ عَبْد وَمُدَبَّرِ أَوْ عَبْدِ الغَيْرِ جازٌ
فى عَبْدِهِ بِحِصَّتِهِ. وَيُكْرَهُ البَيْعُ عِنْدَ أذانِ الْجُمُعَةِ، وكذا بَيْعُ الحاضِرِ
لِلْبَادِى، وكَذَا السوْمُ عَلَى سَوْمِ أخِيهِ ،
جوازه. قال ( والبيع إلى النيروز والمهرجان (١) وصوم النصارى وفطر اليهود إذا جهلا
ذلك فاسد ) لأن الجهالة مفضية إلى المنازعة ، وإن علما ذاك جاز كالأهلة ، ولو اشترى
إلى فطر النصارى وقد دخلوا فى الصوم جاز لأنه معلوم ، وقبل دخولهم لا يجوز لأنه مجهول .
قال ( والبيع إلى الحصاد والقطاف والدياس وقدوم الحاج فاسد ) للجهالة لأنها تتقدّم
وتتأخر ( وإن أسقطا الأجل قبله جاز) البيع خلافا لزفر، وقد مرّ فى خيار الشرط . وروى
الكرخى عن أصحابنا أن سائر البياعات الفاسدة تنقلب جائزة بحذف المفسد . قال ( ومن
جمع بين عبد ومدبر أو عبد الغير جاز فى عبده بحصته ) والمكاتب وأمّ الولد كالمدبر لأنها
أموال ، ألا ترى أن الغير لو أجاز البيع فى عبده جاز ، وكذا لو قضى القاضى بجواز البيع
فى المدبر وأمّ الولد، وكذا لو رضى المكاتب فصار كما إذا باع عبدين فهلك أحدهما قبل
القبض فانه يجوز فى الباقى بحصته كذا هذا . قال ( ويكره البيع عند أذان الجمعة ) لقوله
تعالى - وذروا البيع : (وكذا بيع الحاضر للبادى) لقوله عليه الصلاة والسلام (( لا يبيع حاضر
لباد)) وهو أن يجلب البادى السلعة فيأخذها الحاضر ليبيعها بعد وقت بأغلى من السعر الموجود
وقت الجلب ، وكراهته لما فيه من الضرر بأهل البلد حتى لو لم يضرّ لا بأس به لما فيه من نفع
البادى من غير تضرّر غيره ( وكذا السوم على سوم أخيه) قال عليه الصلاة والسلام (( لا يستام
الرجل على سوم أخيه)) وهو أن يرضى المتعاقدان بالبيع ويستقرّ الثمن بينهما ولم يبق إلا
العقد فيزيد عليه ويبطل بيعه ؛ أما لو زاد عليه قبل التراضى يجوز وهو المعتاد بين الناس
فى جميع البلاد والأعصار ، وقد صحّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم باع حلسا (٢) فى بيع
(١) النيروز: معرّب، وأصله نوروز، وهو يوم فى طرف الربيع. وكذا المهرجان
معرّب ، وأصله مهركان ، وهو يوم فى طرف الخريف . قال فخر الإسلام البزدوى :
هما عيدا المجوس اهـ .
(٢) الحلس بكسر الحاء وسكون اللام. قال فى الجمهرة : هو كساء يطرح على ظهر
البعير أو الحمار. وروى الترمذى من حديث أنس رضى الله عنه قال (( أنى رجل من
الأنصار يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : =
١

- ٢٧ -
وَكَذَا النَّجَشُ، وَلَقَّى الجَلَبِ مَكْرُوهٌ وَيُجُوزُ البَيْعُ؛ وَمَنْ مَلَكَ صَغِيرَيْنٍ
أوْ صَغِيرًاً وكَبِيرًا أحَدُهُما ذُو رَحِمٍ ◌َحْرَمٍ مِنَ الآخَرِ كُرِهِ لَهُ أنْ يُفَرّقَ
بْيَهُمَا، وَلا يُكْرَهُ فى الكَبِيرَيْنِ.
من يزيد ( وكذا النجش وتلفى الجلب مكروه ) والنجش : أن يزيد فى السلعة ولا يريد
شراءها ليرغب غيره فيها ، وتلقى الجلب : أن يتلقاهم وهم غير عالمين بالسعر ، أو يلبس
عليهم السعر ليشتريه ويبيعه فى المصر ، فان لم يلبس عليهم أو كان ذلك لايضرّ أهل المصر
لابأس به ، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن تلقى الجلب . وقال عليه الصلاة والسلام
((لا تناجشوا)) ( ويجوز البيع) فى هذه المسائل كلها، لأن النهى ليس فى معنى العقد وشرائطه
بل لمعنى خارج فيجوز . قال ( ومن ملك صغيرين أو صغيرا وكبيرا أحدهما ذو رحم محرم
من الآخر كره له أن يفرق بينهما) قال عليه الصلاة والسلام (( من فرّق بين والدة بولدها
فرّق الله بينه وبين أحبته فى الجنة)) وقال عليه الصلاة والسلام (( لا تجمعوا عليهم السبى
والتفريق حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية )) ولأن الكبير يشفق على الصغير ويربيه ،
والصغير ان يتآ لفان فيتضرّران بالتفريق ((ووهب عليه الصلاة والسلام لعلىّ أخوين صغيرين
ثم سأله عنهما ، فقال : بعت أحدهما ، فقال عليه الصلاة والسلام : بعهما أو ردّهما))
وفى رواية ((اذهب فاستردّه)) (ولا يكره فى الكبيرين) لقوله عليه الصلاة والسلام
((حتى يبلغ الغلام أو تحيض الجارية)) والنبىّ عليه الصلاة السلام ((فرّق بين مارية
وسيرين وكانتا أختين كبيرتين ، فاستولد مارية ووهب سيرين)) فإن لم يكن بينهما
محرمية يجوز كابن العم، لأن النصّ ورد على خلاف القياس فيقتصر عليه وكذا إذا
أما فى بيتك شىء ؟ قال : بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه ، وقعب نشرب فيه
لماء ، فقال اثتنى بهما ، فأتاه بهما ، فأخذهما صلى اللّه عليه وسلم وقال: من يشترى هذين؟
قال رجل : أنا آخذهما بدرهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يزيد على درهم
قالها تين أو ثلاثا. قال رجل : أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه ، وأخذ الدرهمين
فأعطاهما الرجل وقال : اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك ، واشتر بالآخر قدوما فأتنى
له ، فأتى به ، فشدّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال: اذهب فاحتطب
وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما ، ففعل ثم جاء وقد أصاب عشرة دراهم ، فاشترى ببعضها
ثوبا وببعضها طعاما ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجىء
المسألة نكتة فى وجهك يوم القيامة ، إن المسألة لاتحلّ إلا لذى فقر مدقع ، أو ذى غرم
مفظع، أو لذى دم موجع)) اهـ ، تجريد الأصول للبارزى . وقوله قعب، القعب : القصعة،
كذا فى الشلی علی الزيلعی اهـ مصححه .

- ٢٨ -
باب التولية
التَّوْلِيَّةُ بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الأوَّلِ، وَالْمُرَابَجَةُ بِزِيادَةٍ، وَالوَضيعَةُ بِنَقِيصَةٍ ،
وَلا يَصِحُّ ذلكَ حتى يَكُونَ الثمَنُ الأوَّلُ مِثْليَّا أَوْ فِى مَلْكِ الْمُشْتَرِى.
كانت المحرمية لغير نسب كالمصاهرة والرضاع ، وكذا بين الزوجين لما ذكرنا ،
فإن باع الصغير وفرّق بينهما جاز خلافا لأبى يوسف فى قرابة الولاد ولزفر فى الإخوة،
وهو رواية عن أبى يوسف أيضا . ووجه ما تقدّم من حديث على أمره عليه الصلاة
والسلام بالرد ، وهو دليل عدم الجواز. وروى ( أنه عليه الصلاة والسلام رأى فى السبايا
امرأة والهة (١) فسأل عنها ، فقيل: بيع ولدها، فأمرهم بالرّد)) وذلك يدلّ على عدم
الجواز ، وكذلك تعليقه الوعيد بالتفريق فى الحديث الأولّ يدل على حرمة التفريق .
ولنا أنه باع ملكه بيعا جامعا شرائط الصحة فيجوز ، والنهى لمعنى خارج عن العقد ،
وهو ما يلحق الصبىّ من الضرر فلا يفسده كالبيع عند النداء فأوجب الكراهة والإثم ،
وله أن يدفعه فى الدين والجناية ، ويردّه بالعيب بعد القبض، لأن التفريق مكروه وإيفاء
الحقوق واجب ، ولا يكره عتق أحدهما ولا كتابته ، لأن نفعه فى ذلك أكثر من تضرّره
بالتفريق فكان أولى .
باب التولية
( التولية بيع بالثمن الأوّل، والمرابحة بزيادة، والوضيعة بنقيصة) لأن الاسم ينبىء
عن ذلك وميناها على الأمانة ، لأن المشترى يأتمن البائع فى خبره معتمدا على قوله ، فيجب
على البائع التنزه عن الخيانة والتجنب عن الكذب لئلا يقع المشترى فى بحس وغرور،
فاذا ظهرت الخيانة يرد أو يختار على ما يأتيك إن شاء الله تعالى . وهى عقود مشروعة
لوجود شرائطها ، وقد تعاملها الناس من لدن الصدر الأوّل إلى يومنا هذا ، وقد صح
((أنه عليه الصلاة والسلام لما أراد الهجرة قال لأبى بكر رضى الله عنه وقد اشترى بعيرين
ولنى أحدهما)) وللناس حاجة إلى ذلك لأن فيهم من لا يعرف قيمة الأشياء فيستعين بمن
يعرفها ويطيب قلبه بما اشتراه وزيادة ، ولهذا كان مبناها على الأمانة ورأس المال
فى المواضعة حقه فله أن يحط منه. قال ( ولا يصح ذلك حتى يكون الثمن الأوّل مثليا
أو فى ملك المشترى ) لأنه يجب عليه مثل الثمن الأوّل ، فاذا كان مثليا يقدر عليه ؛
فکذلك إذا کان من ذوات القيم وهوفی یدہ لقدرته على أدائه ، وإن لم يت فی بده فهر
باطل ، لأنه يجب عليه مثل الأوّل ، وهذا من ذوات القيم ، والقيم مجهولة إنما تعم بالظن
والتخمين ، والثمن الأوّل هو ما عقد به لا ما نقد ، فان اشترى بدراهم وافع بها ثوبا فالنمن
(١) قوله والهة ، الوله : ذهاب العقل والتحير من شدّة الوجد .

- ٢٩ -
وَيَجُوزُ أنْ يَضُمَّ إلى الثَّمَنِ الأوَّلِ أُجْرَةَ الصَّبْغِ وَالطِّرَازِ وَحَمْلِ الطَّعامِ وَالسُّمْسَارِ
وَسَائِقِ الغَمِ وَيَقُولُ: قَامَ عَلَىَّ بِكَذَا، وَلَا يَضُمُّ نَفَقَتَهُ وَأُجْرَةَ الرَّاعِىِ
وَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِ وَالرَّيضِ وَجُعْلَّ الآبِقِ وَكَرَّهُ، فإنْ عَلِمَ بِخِيَانَةٍ
فى التَّوْلِيَةِ أَسْقَطَها (م) مِنَ الشمَنِ؛ وفى المُرَابِحَةِ إِنْ شاءَ (س) أخَذَهُ يجَميعِ
الثمَنِ، وَإنْ شاءَ رَدَّهُ .
دراهم ، ولا بدّ أن يكون الريح أو الوضيعة معلوما لئلا يؤدى إلى الجهالة والمنازعة ،
فلوباعه بربح ((ده يازده)) لا يجوز إلا أن يعلم بالثمن فى المجلس لأنه مجهول قبله ، ولو كان
المبيع مثليا فله بيع نصفه مرابحة بحصته ، ولو كان ثوبا أونحوه لا يبيع جزءا منه لأنه لا يمكن
تسليمه إلا بضرر . قال ( ويجوز أن يضمّ إلى الثمن الأوّل أجرة الصبغ والطراز وحمل الطعام
والسمسار وسائق الغنم ويقول : قام علىّ بكذا ، ولا يضمّ نفقته وأجرة الراعى والطبيب
والمعلم والرايض (١) وجعل الآبق وكراه ) وأصله أن كل ما تعارف التجار إلحاقه برأس
المال يلحق به ، وما لا فلا ؛ وقد جرت العادة بالقسم الأول دون الثانى وما تزداد به
قيمة المبيع أو عينه يلحق به ، وأنه موجود فى القسم الأول ؛ أما الصبغ والطراز فظاهر؛
وأما الحمل والسوق فلأن القيمة تزداد باختلاف الأمكنة ، ولا كذلك القسم الثانى ؛ أما
الراعى فلأنه لم یوقع فيه فعلا وإنما هو حافظ فصار گالبیت و جعل الآبق نادر ولم يز د فيهشيئا ؛
وكذلك الطبيب وماثبت بالمعلم والرايض لمعنى فيه وهو ذكاؤه وفطنته ولو ضم إلى الثمن مالا يجوز
ضمه فهو خيانة وكذلك إن أمسك جزءا من المبيع أو بدله أوكتم وصف الثمن أو الأجل فيه ،
أو عيبا بفعله أو فعل غيره ، ولو عاب بآفة سماوية فليس بخيانة ، ولو كتم أجرة المبيع أو
غلته فليس بخيانة و لو اشتراه ممن لاتقبل شهادته له لا يبيعه مرابحة حتى یبین عند أبى حنيفة خلافا
لهما ولو اشتراه من عبده أو مكاتبه يبين بالإجماع ، ولو اشتراه ممن له عليه دين بدينه لم يبين
بالإجماع . لهما فى الخلافية أنهما متباينان فى الأملاك فصارا كالأجنبى ، وله أن المنافع بينهم
متحدة فكأنه اشتراه من نفسه ، ولأن العادة جارية بالتسامح والمحاباة بين هؤلاء فى المعاملات
فيجب البيان كما لو اشتراه من عبد. قال ( فان علم بخيانة فى التولية أسقطها من الثمن ) وهو
القياس فى الوضيعة ( وفى المرابحة إن شاء أخذه بجميع الثمن ، وإن شاء ردّه ) وهذا عند
أبى حنيفة . وقال أبو يوسف : يحطّ فيهما وحصة الخيانة من الربح . وقال محمد : يخير
فيهما لأنه فاته وصف مرغوب فى الثمن فيتخير كوصف السلامة . ولأبى يوسف أنه بيع
تعلق بمثل الثمن الأول فانه ينعقد بقوله : وليتك بالثمن الأوّل ، وبعتك مرابحة أو مواضعة
على الثمن الأوّل ، وقدر الخيانة لم يكن فى الثمن الأوّل فيحط . ولأبى حنيفة أن إثبات
الزيادة فى المرابحة لاتبطل معناها ، إلا أنه فاته وصف مرغوب كما قال محمد فيخير ،
(١) رضت المهر أروضه رياضا ورياضة: إذا علمته السير فهو مروض.

- ٣٠ -
باب الربا
وَعِلَّتُهُ عِنْدَنَا الْكَيْلُ أَوِ الوَزْنُ (ف) مَعَ الجِنْسِ.
وإثبات الزيادة يبطل معنى التولية ، فتلغو التسمية وتحطّ الزيادة تحقيقا لمعنى التولية ، ومعنى
قوله وهو القياس فى الوضيعة : أى إذا خان خيانة تنفى الوضيعة ؛ أما إذا كانت خيانة
توجد الوضيعة معها فهو بالخيار ، وهذا على قياس قول أبى حنيفة وقول أبى يوسف يحط
فيهما ، ومحمد يخير فيهما .
باب الربا
وهو فى اللغة : الزيادة ، ومنه الربوة للمكان الزائد على غيره فى الارتفاع . وفى الشرع :
الزيادة المشروطة فى العقد ، وهذا إنما يكون عند المقابلة بالجنس . وقيل الربا فى الشرع
عبارة عن عقد فاسد بصفة سواء كان فيه زيادة أو لم يكن ، فان بيع الدراهم بالدنانير نسيئة
ربا ولا زيادة فيه. والأصل فى تحريمه قوله تعالى - وأحلّ اللّه البيع وحرّم الربا - وقوله
- لا تأكلوا الربا - والحديث المشهور، وهو قوله عليه الصلاة والسلام (( الذهب بالذهب
مثلا بمثل وزنا بوزن يدا بيد والفضل ربا ، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل كيلا بكيل يدا بيد
والفضل ربا ، والشعير بالشعير مثلا بمثل كيلا بكيل يدا بيد والفضل ربا)) والتمر بالتمر مثلا
بمثل كيلا بكيل يدا بيد والفضل ربا ، والملح بالملح مثلا بمثل كيلا بكيل يدا بيد والفضل ربا))
وأجمعت الأمة على تعدّى الحكم منها إلى غيرها إلا ما يروى عن عثمان البنى وداود الظاهرى
ولااعتماد عليه .. قال ( وعلته عندنا الكيل أو الوزن مع الجنس) لقوله عليه الصلاة والسلام فى
آخر الحديث ((وكذلك كل مايكال ويوزن)) رواها مالك بن أنس ومحمد بن إسحق الحنظلى
بين أن العلة هى الكيل والوزن ، وقوله عليه الصلاة والسلام ((لا تبيعوا الصاع بالصاعين ،
ولا الصاعين بالثلاثة )) وهذا عام فى كلّ مكيل سواء كان مطعوما أو لم يكن ، ولأن الحكم
متعلق بالكيل والوزن ، إما إجماعا ، أو لأن التساوى حقيقة لا يعرف إلا بهما ، وجعل العلة
ما هو متعلق الحكم إجماعا ، أو معرف للتساوى حقيقة أولى من المصير إلى ما اختلفوا فيه ،
ولا يعرف التساوى حقيقة ، ولأن التساوى والمماثلة شرط لقوله عليه الصلاة والسلام
(((مثلا بمثل)) وفى بعض الروايات ((سواء بسواء)) أو صيانة لأموال الناس، والمماثلة
بالصورة والمعنى أتمّ وذلك فيما قلناه ، لأن الكيل والوزن يوجب المماثلة صورة ، والجنسية
توجبها معنى فكان أولى . وهذا أصلى ينبنى عليه عامة مسائل الربا ، فنذكر بعضها تنبيها
على الباقى لمن يتأملها : منها لو باع حفنة طعام بحفنتين ، أو تفاحة بتفاحتين يجوز لعدم

- ٣١ -
فاذًا وُجِدَا حَرُمَ التَّفْاضُلُ وَالنَّساءُ، وَإِذَا عُد ما حَلاَّ، وَإذَا وُجِدَ أحَدُهُما
خاصَّةٌ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ (ف)، وَجَيِّدُ مالِ الرَّا وَرَدِيثُهُ عِنْدَ
المُقَابَلَةِ بِجِنْسِهِ سَوَاء، وَمَا وَرَدِ النَّصُّ بِكَيْلِهِ فَهُوَ كَيْلِىِّ أَبَّدًا، وَمَا وَرَدَ
بِوَزْنِهِ فَوَزْنِىٌّ أَبَدًا؛ وَعَقْدُ الصَّرْفِ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَبْضُ عِوَضَيْهِ فِى الْمَجْلِسِ،
وَمَا سِوَاهُمِنَ الرّبَوِيَّاتِ يَكْفِى فِيهِ التَّعْبِيِنُ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ فَلْسٍ بِفَلْسَْنٍ
يأعْيانهما (م)،
الكيل والوزن ، وإذا ثبت أن العلة ماذكرنا ( فإذا وجدا حرم التفاضل والنساء ) عملا بالعلة
( وإذا عدما حلا) لعدم العلة المحرّمة ، ولإطلاق قوله تعالى - وأحلّ اللّه البيع - (وإذا
وجد أحدهما خاصة حلّ العفاضل وحرم النساء) أما إذا وجد المعيار وعدم الجنس كالحنطة
بالشعير والذهب بالفضة، فلقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا اختلف الجنسان)) ويروى
((النوعان، فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد)). وأما إذا وجدت الجنسية وعدم
المعيار كالهروى بالهروى ، فان المعجل خير من المؤجل وله فضل عليه ، فيكون الفضل
من حيث التعجيل ربا ، لأنه فضل يمكن الاحتراز عنه وهو مشروط فى العقد فيحرم .
قال ( وجيد مال الربا ورديئه عند المقابلة بجنسه سواء) لقوله عليه الصلاة والسلام ((جيدها
وردينها سواء)) ولأن فى اعتباره سدّ باب البياعات فيلغو. قال ( وما ورد النصّ بكيله
فهو كيلىّ أبدا، وما ورد بوزنه فوزنىّ أبدا) اتباعا للنص" . وعن أبى يوسف أنه يعتبر
فيه العرف أيضا ، لأن النصّ ورد على عادتهم فتعتبر العادة ، وما لانصّ فيه يعتبر فيه
العرف لأنه من الدلائل الشرعية . قال ( وعقد الصرف يعتبر فيه قبض عوضيه فى المجلس )
لقوله عليه الصلاة والسلام ((الفضة بالفضة هاء وهاء، والذهب بالذهب هاء وهاء)) أى
يدا بيد ( وما سواه من الربويات يكفى فيه التعيين ) لأنه يتعين بالتعيين ويتمكن من
التصرّف فيه ، فلا يشترط قبضه كالثياب بخلاف الصرف ، لأن القبض شرط فيه للتعبين ،
فانه لا يتعين بدون القبض على ما يأتى إن شاء الله تعالى ، ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام
((يدا بيد )) أى عينا بعين ، وهو كذلك فى رواية ابن الصامت . قال ( ويجوز بيع فلس
بفلسين بأعيانهما ) وقال محمد : لا يجوز لأنها أثمان فصارت كالدراهم والدنانير ، وكما
إذا كانا بغير أعيانهما . ولهما أن ثمنيتها بالاصطلاح فيبطل به أيضا ، وقد اصطلحا على
إبطالها ، إذ لاولاية عليهما فى هذا الباب، بخلاف الدراهم والدنانير لأنها خلقت ثمنا ،
وبخلاف ما إذا كانا بغير أعيانهما، لأنه بيع الكالى بالكالى (١)، وهو منهىّ عنه .
(١) قوله الكالى، قال فى مختار الصحاح: الكالى: النسيئة، وفى الحديث (( أنه عليه
الصلاة والسلام نهى عن الكالى بالكالى، وهو بيع النسيئة بالنسيئة)) اهـ مصححه .

- ٣٢ -
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَلا بِالسَِّيقِ وَلا بالنَّخالَةِ ، وَلا الدقِيقِ
بالسَِّيقٍ (سم)، وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ وَبَالتَّمْرِ (سم) ◌َُمَائِلاً ،
قال ( ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق ولا بالنخالة ، ولا الدقيق بالسويق )
والأصل فيه أن شبهة الربا وشبهة الجنسية ملحقة بالحقيقة فى باب الربا احتياطا للحرمة ،
وهذه الأشياء جنس واحد نظرا إلى الأصل ، والمخلص هو التساوى فى الكيل ، وأنه متعذر
لانكباس الدقيق فى المكيال أكثر من غيره ، وإذا عدم المخلص حرم البيع ؛ وكذا لاتجوز
المقلية بغير المقلية ولا بالسويق والدقيق ، ولا المطبوخة بغير المطبوخة لتعذر التساوى بينهما
بفعل العبد ، وفعله لايؤثر فى إسقاط ما شرط عليه ، ويجوز بيع المبلولة بمثلها وباليابسة ،
والرطبة بمثلها وباليابسة لأن التفاوت بينهما بصنع الله تعالى فيجوز ؛ وأما المبلولة فلأنها
فى الأصل خلقت ندية ، فالبلّ يعيدها إلى ما خلقت عليه كأنها لم تتغير فصارت كالسليمة
بالمسوسة والعلكة (١) بالرخوة . وقال أبو يوسف ومحمد : يجوز بيع الدقيق بالسويق
لأنهما جنسان نظرا إلى اختلاف المقصود ، وجوابه ما بينا ، ولأن معظم المقصود التغذى
وهو يشملهما ، ويجوز بيع هذه الأشياء بعضها ببعض مماثلا للتساوى ؛ ويجوز بيع الخبز
بالدقیق والحنطة کیف کان لأنه عددی أو وزنی بکیلی ، وكذلك إذا کان أحدهما نسيئة
والآخر نقدا ، وفى هذه المسائل اختلاف وتفصيل والفتوى على ما ذكرته . قال ( ويجوز
بيع الرطب بالرطب وبالتمر متماثلا) وكذا التمر بالبسر والرطب بالبسر ، لأن الجنس واحد
باعتبار الأصل. قال عليه الصلاة والسلام ((التمر بالتمر مثلا بمثل)) وصار كاختلاف أنواع
التمر . وقال أبويوسف ومحمد : لا يجوز بيع الرطب بالتمر لما روى أنه صلى الله عليه وسلم
سئل عنه فقال ((أو ينقص إذا جفّ؟ قالوا نعم، قال لا إذا )) ولأن الرطب ينكبس أكثر
من التمر . ولأبى حنيفة ماروى أنه لما دخل العراق سئل عن ذلك، فقال يجوز ، لأن الطب
إن كان من جنس التمر جاز لقوله عليه الصلاة والسلام ((التمر بالتمر مثلا بمثل)) وإن لم يكن
تمرا جاز، لقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم)) ورد"
ما روياه من الحديث وقال : مداره على زيد بن عياش وهو ضعيف ، حتى قال عبد الله
ابن المبارك : كيف يقال إن أبا حنيفة لايعرف الحديث وقد عرف مثل هذا الإسناد ؟
ولأنه باع التمر بالتمر لأن الرطب تمر ، قال عليه الصلاة والسلام لما أهدى له رطب من
خيبر ((أكل" تمر خيبر هكذا؟)) وقوله: الرطب ينكبس أكثر من التمر ، قلنا هذا
التفاوت نشأ من الصفات الفطرية ، وأنه موضوع عنا فيما شرط علينا من رعاية المماثلة لأنه
جاء من قبل صاحب الحقّ ، وقد تعذر الاحتراز عنه ، بخلاف ما إذا جاء من جهة العبد
(١) قوله العلكة ، قال الكمال : العلكة : الجيدة السالمة من السوس ، ومن ذلك يعلم
أن الرخوة ضدّها اهـ مصححه .
١

- ٣٣ -
وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بالْحَيَوَانِ (م)، وَيَجُوزُ بَيْعُ الكِرْبَاسِ بالقُطْنِ، وَلا يَجُوزُ
يَبْعُ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ، وَلا السَّمْسِمِ بِالشَّْرَجِ إِلاَّ بِطَرِيقِ الاِعْتِبارِ ، وَلا رِبا
◌َبْنَ الْمُسْلِمِ والحَرْبِىّ فى دارِ الحَرْبِ (س)، وَيُكْرَهُ السَّفَاتِجُ.
باب السلم
على ما مرّ آنفا . قال ( ويجوز بيع اللحم بالحيوان ) وقال محمد : لا يجوز إذا باعه يجنسه
إلا بطريق الاعتبار ، وهو أن يكون اللحم المفرز أكثر من اللحم الذى فى الشاة ليكون
الفاضل بالسقط تحرّزا عن الربا ، وهو زيادة السقط وصار كالزيت بالزيتون . ولهما أنه
باع موزونا بعددى ولا يعرف ما فيه من اللحم بالوزن ، لأن الحيوان يخفف نفسه فى الميزان
مرّة ويثقلها أخرى بخلاف الزيت والزيتون ، لأن ذلك يعرف عند أهل الخبرة به فافترقا .
قال ( ويجوز بيع الكرباس (١) بالقطن ) لاختلاف الجنس باعتبار المقصود والمعيار ولا
خلاف فيه ، والقطن بالغزل يجوز عند محمد لما ذكرنا ، خلافا لأبى يوسف للمجانسة
والفتوى على قول محمد . قال ( ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون ، ولا السمسم بالشيرج إلا
بطريق الاعتبار ) تحرّزا عن الربا وشبهته ، وكذلك كلّ ما شابهه كالعنب بدبسه والجوز
بدهنه وأمثاله، واللحمان أجناس مختلفة يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا حتى لايكمل
نصاب بعضها من الآخر ، إلا أن البقر والجواميس جنس ، والمعز، والضأن جنس ،
والبخت والعراب جنس ، وكذلك الألبان والشحم والآلية جنسان ، وشحم الجنب لحم
ويعرف تمامه فى الأيمان . قال ( ولا ربا بين المسلم والخربىّ فى دار الحرب ) خلافا
لأبى يوسف ، وعلى هذا القمار لأن الربا والقمار حرام ، ولا يحلّ فى دارهم كالمستأمن فىدارنا.
ولهما أن مالهم مباح ، إلا أنه بالأمان حرم عليه التعرّض بغير رضاهم تحرّزا عن الغدر
ونقض العهد ، فاذا رضوا به حلّ أخذه بأىّ طريق كان بخلاف المستأمن ، لأن ماله صار
محظورا بالأمان . قال ( ويكره السفاتج ) وهو قرض استفاد به المقرض أمن الطريق ،
لقوله عليه الصلاة والسلام ((كل قرض جرّ منفعة فهو ربا)) وصورته أن يقرضه دراهم
على أن يعطيه عوضها فى بلده ، أو على أن يحميه فى الطريق .
باب السلم
وهو فى اللغة : التقديم والتسليم وكذلك السلف . وهو فى الشرع : اسم لعقد يوجب
الملك فى الثمن عاجلا وفى المثمن آجلا ، وسمى به لما فيه من وجوب تقديم الثمن ، وقال
(١) قوله الكرباس بكسر الكاف : ثوب من القطن الأبيض ، كذا فى القاموس .
٣ - الاختیار- ثان

- ٣٤ -
كُلّ مَا أَمْكَنَ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ جازَ السَّلَمُ فِيهِ، وَمَالا فَلا.
وَشَرَائِطُهُ: تَسْمِيَةُ الجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالوَصْفِ وَالأَجَلِ وَالقَدْرِ وَمَكانٍ
الإيفاءِ (سم) إنْ كانَ لَهُ حَمْلٌ وَمَثُونَةٌ، وَقَدْرِ (سم) رَ أسِ المَالِ فى المَكِيلِ
وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ، وَقَبْضُ رَأسِ المَالِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ،
القدورى : السلم فى لغة العرب : عقد يتضمن تعجيل أحد البدلين وتأجيل الآخر ، وهو
نوع من البيع ، لكن لما اختص بحكم وهو تعجيل الثمن اختصّ باسم كالصرف لما
اختصّ بوجوب تعجيل البدلين اختص باسم ، وهو عقد شرع على خلاف القياس لكونه
بيع المعدوم ، إلا أنا تركنا القياس بالكتاب والسنة والإجماع ؛ أما الكتاب فقوله تعالى
- يا أيها الذين آمنوا إذا تدايتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه - قال ابن عباس : أشهد أن
اللّه تعالى أجاز السلم وأنزل فيه أطول آية فى كتابه وتلا هذه الآية . وأما السنة قوله عليه
الصلاة والسلام ((من أسلم منكم فليسلم فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم )) وروى
أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخصٍ فى السلم وعليه الإجماع،
ويسمى بيع المفاليس شرع لحاجتهم إلى رأس المال ، لأن أغلب من يعقده من لايكون
المسلم فيه فى ملكه ، لأنه لو كان فى ملكه يبيعه بأوفر الثمنين فلا يحتاج إلى السلم ، وينعقد
يلفظ السلم ، وهو أن يقول : أسلمت إليك عشرة دراهم فى كرّ حنطة لأنه حقيقة فيه ،
وبلفظ السلف أيضا لأنه بمعناه ، وبلفظ البيع فى رواية الحسن لأنه نوع بيع ، وفى رواية
المجرّد لا، والأوّل أصح. قال. (كل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره جاز السلم فيه)
لأنه لا يؤدّى إلى المنازعة ( وما لا فلا ) لأنه يكون مجهولا فيؤدّى إلى المنازعة ، وهذه
قاعدة يبتنى عليها أكثر مسائل السلم ، ولا بدّ من ذكر بعضها ليعرف باقيها بالتأمُّل فيها
فنقول : يجوز فى المكيلات والموزونات والمزروعات والمعدودات المتقاربة كالجوز
والبيض ، لأنه يمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره ، ولا يجوز فى العدديات المتفاوتة كالبطيخ
والزمان وأشباههما ، ولا فى الجوهر والخرز لأنه لا يمكن فيه ذلك ، ويجوز فى الطست
والقمقم والخفين ونحوها لما ذكرنا ، ولا يجوز فى الخبز لتفاوته تفاوتا فاحشا بالثخانة
والرقة والنضج ، ويجوز عندهما وهو المختار لحاجة الناس ، ولا يجوز استقراضه عند
أبى حنيفة لتفاوته عددا من حيث الخفة والثقل ، ووزنا من حيث الصنعة . وعند أبى يوسف
يجوز وزنا لاعددا ، لأن الوزن أعدل. وعند محمد يجوز بهما وهو المختار لتعامل الناس به
وحاجتهم إليه . قال ( وشرائطه تسمية الجنس والنوع والوصف والأجل والقدر ومكان
الإيفاء إن كان له حمل ومئونة وقدر رأس المال فى المكيل والموزون والمعدود وقبض،
رأس المال قبل المفارقة) لأن بذكر هذه الأشياء تنفى الجهالة وتقطع المنازعة، وعند عدمها

- ٣٥ -
يكون المسلم فيه مجهولا فتفضى إلى المنازعة ، فالجنس كالحنطة والتمر والنوع كالبرنى ،
والمكتوم فى التمر وفى الحنطة كسهلية وجبلية ، والوصف كالجيد والردىء ، والأجل كقوله
إلي شهر ونحوه وهو شرط، قال عليه الصلاة والسلام ((إلى أجل معلوم)) ولما بينا أنه شرع
دفعا لحاجة المفاليس ، فلا بدّ من التأجيل ليقدر على التحصيل وتقديره إلى المتعاقدين ،
ذكره الكرخى . وعن الطحاوى أقله ثلاثة أيام ، رواه عن أصحابنا اعتبارا بمدّة الخيار .
وروى عنهم لو شرط نصف يوم جاز لأن أدنى مدّة الخيار لاتتقدر فكذلك أجل السلم .
وعن محمد شهر وهو الأصح ، لأنه أدنى الآجل وأقصى العاجل . وأما القدر فقوله كذا
قفيزا وكذا رطلا، وهو شرط لقوله عليه الصلاة والسلام (( فليسلم فی کیل معلوم ووزن
معلوم)) وأما مكان الإيفاء فقولنا فى مكان كذا ، وإنما يشترط إذا كان له حمل ومئونة ،
وقالا : لا يشترط ويوفيه فى مكان العقد ، لأن مكان العقد متعين لعدم المزاحمة كما فى البيع
وكما فيما لاحمل له . وله أن التسليم غير واجب فى الحال ، وإنما يجب إذا حلّ الأجل ولا
يدرى أين يكون عند حلوله فيحتاج إلى بيان موضع الإيفاء قطعا للمنازعة ، ولأن القيمة
تختلف باختلاف الأماكن ، بخلاف البيع لأنه يوجب التسليم فى الحال ، ولا منازعة فيما
لاحمل له ، وعلى هذا الخلاف الأجرة والثمن إذا كان له حمل ، والقسمة وهو أن يزيد على
أحد النصيبين شيئا له حمل ومئونة ، وإذا شرط مكانا يتعين عملا بالشرط ؛ وأما ما ليس له
حمل ومئونة كالمسك والكافور ونحوهما لا يشترط ذلك بالإجماع ، وهل يتعين مكان العقد ؟
عنه روايتان ، الأصحّ أنه يتعين ، ولو شرط له مكانا قيل لا يتعين لعدم الفائدة ، وقيل.
يتعين للفائدة ، لأن قيمة العنبر فى المصر أكثر منها فى السواد ، ولأن فيه أمن خطر الطريق .
وأما بيان قدر رأس المال فذهب أبى حنيفة ، وقالا : يكتفى بالإشارة لأنه يصير معلوما بها
وصار كالثوب إذا كان رأس المال . وله أنه يفضى إلى المنازعة لأنه ربما يجد بعضها زيوفا
وقد أنفق البعض فيردّه ولا يستبدل فى المجلس ، وفى المثليات ينقسم المسلم فيه على قدر رأس
المال فينتقض السلم بقدر ماردّ ، ولا يدرى قدر الباقى فيفضى إلى المنازعة ، والموهوم
فى هذا العقد كالمتحقق لشرعيته على خلاف القياس ، بخلاف الثوب لأن العقد لا يتعلق على
مقداره ، وعلى هذا إذا أسلم فى جنسين ولم يبين رأس مال كل واحد منهما ، أو أسلم
الدراهم والدنانير ولم يبين مقدار أحدهما . وصورة المسئلة أن يقول : أسلمت إليك هذه
الدراهم فى كرّ حنطة ونحوه ، أو أسلمت إليك هذه الدراهم العشرة وهذه الدنانير فى كذا ،
أو يقول : أسلمت إليك عشرة دراهم فى كرّحنطة وكرّ شعير ، أو فى ثوبين مختلفين ولم
يبين حصة كل واحد منهما ، ولو كان رأس المال غير مثلى كالثوب والحيوان يجوز
وإن لم يعلم قيمته وذرعه ، لأن المسلم فيه لاينقسم على عدد الذرعان لتفاوتها فى الجودة ،

- ٣٦ -
ولا على القيمة لأنها غير داخلة فى العقد فلا يفيد معرفتها فلا يعتبر . وأما قبض رأس المال
قبل المفارقة فلأن السلم أخذ عاجل بآجل على مامرّ ، فيجب قبض أحد البدلين ليتحقق معنى
الاسم ، ولا يجب قبض المسلم فيه فى الحال فيجب قبض رأس المال ، ثم إن كان رأس
المال دينا يصير كالئا بكالىْ وإنه منهىّ عنه . وإن كان عينا فالقياس أن القبض ليس بشرط
لأنه يتعين فقد افترقا عن دين بعين ، والاستحسان أنه شرط عملا بالخبر ومقتضى لفظ السلم ،
ولهذا لا يجوز فيه خيار الشرط لأنه يمنع صحة التسليم فيخلّ به ، ولا يجوز أخذ عوض رأس
المال من جنس آخر لأنه يفوّت قبض رأس المال المشروط ، وكذا لا يجوز الإبراء منه
لما بينا، فان قبل الإبراءسقط القبض وبطل العقد، وإن ردّه لم يبطل لأنه صحّ بتراضيهما فلايبطل
إلا بتراضيهما، فإن أعطاه من جنسه أرداً منه ورضى المسلم إليه به جاز لأنه ليس بعوض وإن خالف
فى الصفة ، وكذلك إن أعطى أجود منه ، ويجبر على الأخذ خلافا لزفر . له أنه تبرّع عليه
بالجودة فله أن لا يقبل . ولنا أن الجودة لاتخرجه عن الجنس وهى غير منفردة عن العين
فلا يعتبر فيه الرضى إذا تبرّع بها كالرجحان فى الوزن . وأما المسلم فيه فالإبراء عنه صحيح
لأنه دين لا يجب قبضه فى المجلس فيصحّ الإبراء عنه كسائر الديون ، ولا يجوز أن يأخذ
عوضه من خلاف جنسه . قال عليه الصلاة والسلام ((من أسلم فى شىء فلا يصرفه إلى غيره))
وعن الصحابة موقوفا ومرفوعا (( ليس لك إلا سلمك أو رأس مالك)) فان أعطاه من الجنس
أجود أو أردأ جاز على ما تقدّم . وشرط آخر وهو أن لا يجتمع فى البدلين أحد وصفى علة
الربا حتى لا يجوز إسلام الهروى فى الهروى ، ولا إسلام الكيلى فى الكيلى كالحنطة فى الشعير
ولا الوزنى فى الوزنى كالحديد فى الصفر أو فى الزعفران ونحو ذلك لقوله ((إذا اختلف
الجنسان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد ، ولا خير فى نسيئة)) وهذا مطرد إلا
فى الأثمان فانه يجوز إسلامها فى الوزنيات ضرورة لحاجة الناس ، ولأن الأثمان تخالف
غيرها من الوزنيات فى صفة الوزن ، لأنها توزن بصنجات الدراهم والدنانير ، وغيرها
يوزن بالأرطال والأمنان ، والأثمان لاتتعين بالتعيين وغيرها يتعين فلم يجمعهما أحد وصفى
العلة من كل وجه ، فجاز إسلام أحدهما فى الآخر ، ولو أسلم مکیلا فى مكيل وموزون
ولم يبين حصة كل واحد منهما كما إذا أسلم كرّ حنطة فى كرّ شعير وعشرة أرطال زيت
فانه يبطل فى الكلّ، وقالا : يجوز فى حصة الموزون بناء على أن الصفقة متى فسدت
فى البعض فسدت فى الكلّ عنده ، وعندهما يفسد بقدر المفسد لأنه وجد فى البعض فيقتصر
عليه ، كما إذا باع عبدين أحدهما مدبر ، وله أنه فساد قوى تمكن فى صلب العقد فيشيع
فى الكلّ كما إذا ظهر أحد العبدين حرّا أو أحد الدنين خمرا ، بخلاف المدبر فان حرمة بيعه
ليس مجمعاً عليه ، ولا يجوز السلم فى ما لا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير ، لأن البيع
بها يجوز نسيئة فلا حاجة إلى السلم فيهما ، وهل يجوز فى التبر ؟ فيه روايتان ، ويجوز

- ٣٧ -
ولا يصحُّ فى المُنْقَطِعِ وَلا فى الجَوَاهِرِ، وَلا فى الحَيَوَانِ وَحْمِهِ (سم) وَأَطْرَافِهِ
وَجُلُودِهِ، وَيَصِحُّ فِى السَّمَكِ الْمَالِحِ وَزْنا، وَلَا يَصِحُّ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ
لا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ، وَلَا فى طَعَامِ قَرْيَةٍ بِعَيِْها ،
فى الحلى لأنه يتعين ، وفى الفلوس. عندهما خلافا لمحمد وقد مرّ. قال (ولا يصحّ فى المنقطع )
بمعنى أنه لابدّ من وجوده من وقت العقد إلى وقت المحلّ لأن القدرة على التسليم إنما تكون
بالقدرة على الاكتساب فى المدّة ، وفى مدّة انقطاعه لا يقدر على ذلك ، وربما أفضى إلى
العجز عن التسليم وقت المحلّ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام ((لا تسلفوا
فی المار حتی یبدو صلاحها » والانقطاع أن لا يوجد فى سوقه الذی یباع فيه وإن کان یوجد
فى البيوت ، ولا يجوز فيما لا يوجد فى ذلك الإقليم كالرطب فى خراسان وإن كان يوجد
فى غيره من الأقاليم لأنه فى معنى المنقطع ، ولو حلّ السلم فلم يقبضه حتى انقطع عن أبى حنيفة
رحمه الله أنه يبطل السلم، وقيل إن شاء انتظر وجوده ، وإن شاء أخذ رأس ماله ، كاباق
العبد المبيع وتخمر العصير قبل القبض . قال ( ولا فى الجواهر ) لتفاوت آحادها تفاوتا فاحشا
حتى لو لم تتفاوت كصغار اللوَّلوْ الذى يباع وزنا ، قالوا يجوز لأنه وزنى . قال ( ولا
فى الحيوان ولحمه وأطرافه وجلوده ) لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن السلم فى الحيوان
لأنه مما يتفاوت آحاده تفاوتا فاحشا باعتبار معانيه الباطنة ، وذلك يوجب التفاوت فى المالية
فيؤدّى إلى النزاع . وأما اللحم فمذهب أبى حنيفة رحمه اللّه، وقالا: إذا سمى من اللحم
موضعا معلوما بصفة معلومة جاز لأنه وزنىّ معلوم القدر والصفة فيجوز . وله أنه يتفاوت
تفاوتا فاحشا بكبر العظم وصغره ، فعلى هذا يجوز فى منزوع العظم ، وهى رواية الحسن ،
ويتفاوت بالسمن والهزال أيضا ، فعلى هذا لا يجوز أصلا وهو رواية ابن شجاع ، ولو
استهلك لحما ضمنه بالقيمة عند أبى حنيفة رحمه اللّه ذكره فى المنتقى . وقال فى الجامع بالمثل
ويجوز استقراضه فى الأصح ، والفرق لأبى حنيفة أن القرض والضمان يجبان حالا فتكون
صفته معلومة ولا كذلك السلم . وأما أطرافه وجلوده فلأنها عددى متفاوت تفاوتا يؤدى إلى
المنازعة ، والمراد بالأطراف الرءوس والأكارع . أما الشحوم والألية يجوز السلم فيها لأنها
وزنى معلوم القدر والصفة. قال ( ويصحّ فى السمك المالح وزنا) لأنه لا ينقطع ، وكذلك
الطرىّ الصغار فى حينه . وفى الكبار عن أبى حنيفة روايتان ، المختار الجواز وهو قولهما لأن
السمن والهزال غير معتبر فيه عادة . وقيل الخلاف فى لحم الكبار منه . قال ( ولا يصحّ
بمكيال بعينه لا يعرف مقداره ) لأنه ربما هلك المكيال قبل حلول الأجل فيعجز عن التسليم .
وكذا ذراع بعينه ، أو وزن حجر بعينه ، ولا بدّ أن يكون المكيال مما لا ينقبض وينبسط
كالخشب والحديد ليكون معلوما فلا يؤدى إلى النزاع . أما ما ينقبض وينبسط كالحراب
والزنبيل يزداد وينتقص فيؤدى إلى النزاع. قال ( ولا فى طعام قرية بعينها ) لأنه قد لا يسلم

- ٣٨ -
وَيَجُوزُ فى الثِّيَابِ إِذَا. ◌َمَّى طُولاً وَعَرْضًا وَرُفْعَةً، وفى اللَّبِنِ إِذَا عَيْنَ المِلَْبنَ،
وَلاَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِى الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ القَبَصِ ولا فى رأسِ المَالِ قَبْلَ القَبْضِ
وَإِذا اسْتَصْنَعَ شَيْئًا جازَ اسْتِحْسانا (ز)، وَلِلْمُشْتَرِى خِيَارُ الرَّؤْيَّة، وَالصَّانِعِ
سَبْعُهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ،
طعامها إما بآفة أو لاتنبت شيئا ، وكذا ثمرة نخلة بعينها . قال عليه الصلاة والسلام (( أرأيت
لو أذهب الله الثمرة بم يستحل" أحدكم مال صاحبه؟)) وروى (( أنه عليه الصلاة والسلام أسلم
إلى زيد بن سعفة فى تمر فقال : أسلم إلىّ فى تمر نخلة بعينها فقال عليه الصلاة والسلام: أما
فى تمر نخلة بعينها فلا )). قال ( ويجوز فى الثياب إذا سمى طولا وعرضا ورقعة ) لأنه إذا
ذكر مع الجنس والنوع والصفة فالتفاوت بعده يسير غير معتبر ، وهذا استحسان لحاجة
الناس إليه ، وهل يشترط الوزن فى الحرير ؟ الأصحّ اشتراطه ، لأن التفاوت فيه من حيث
الوزن معتبر ؛ وقيل إن كان إذا ذكر الطول والعرض والرقعة لايتفاوت وزنه لاحاجة إلى
ذكر الوزن لعدم التفاوت ، وإن كان يختلف وزنه فلا بدّ من ذكر الوزن، واختاره
القدورى ، وإذا أطلق الذراع فله الوسط إلا أن يكون معتادا فله المعتاد . قال ( وفى اللبن
إذا عين الملبن ) (١) لأنه عددى متقارب إذا بين الملبن وكذلك الآجر. وعن أبى حنيفة:
لو بأع مائة آجرّة من أتون (٢) لا يجوز للتفاوت فى النضج . قال (ولا يجوز التصرّف
فى المسلم فيه قبل القبض ) لأنه مبيع ، وقد بينا أن التصرّف فى المبيع قبل القبض لا يجوز ، ،
وكذلك الشركة والتولية لأنهما تصرّف ( ولا فى رأس المال قبل القبض ) لأنه يجب قبضه
للحال لما بينا ، فإذا تصرّف فيه فات القبض فلا يجوز .
فصل
( وإذا استصنع شيئا جاز استحسانا ) اعلم أن القياس يأبى الجواز وهو قول زفر ، لأنه
بيع المعدوم لكن استحسنا جوازه للتعامل بين الناس من غير نكير فكان إجماعا ، وبمثله
يترك القياس والنظر ويخصّ الكتاب والخبر، ثم قيل هى مواعدة حتى يكون لكلّ واحد
منهما الخيار ، والأصح أنها معاقدة لأن فيه قياسا واستحسانا ، وفرق بين ما جرت به العادة
وما لا ، وذلك من خصائص العقود ، وينعقد على العين دون العمل حتى لو جاء بعين من
غير عمله جاز ( وللمشترى خيار الرؤية ) لأنه اشترى ما لم يره ( وللصانع بيعه قبل الرؤية )
لأنه ملكه والعقد لم يقع على هذا بعينه ، فإذا رآه المستصنع ورضى به لم يكن للصانع بيعه
(١) قوله الملبن ، ضبطه فى مختار الصحاح بكسر الميم وفتح الباء وهو قالب اللبن :
(٢) الأتون بالتشديد : الموقد ، والعامَّة تخففه .
أى الطوب الأخضر .

- ٣٩ -
وَإِنْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلاً صَارَ سَلَمَا (سم) .
باب الصرف
وَهُوَ بَيْعُ جِنْسِ الأَثْمَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَيَسْتَوِى فى ذلكَ مَضْرُؤُهُما
وَمَصُوغُهُمَا وَتِْرُهُما، فإنْ باعَ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبَا بِذَهَبٍ كَمْ يَحُزْ إلاَّ
مِثْلاً بمِثْلٍ بَدًا بِيدٍ .
لأنه تعين ، ثم إنما يجوز فيما جرت به العادة من أوانى الصفر والنجاس والزجاج والعيدان
والخفاف والقلانس والأوعية من الأدم والمناطق وجميع الأسلحة ، ولا يجوز فيما لا تعامل
فيه كالجباب ونسج الثياب ، لأن المجوّز له هو التعامل على ما مرّ فيقتصر عليه . قال (وإن
ضرب له أجلا صار سلما ) فيشترط له شرائط السلم ، وقالا : لا يصير سلما لأنه
استصناع حقيقة ، فبضرب الأجل لا يصير سلما ، كما لا يصير السلم استصناعا بحذف
الأجل . ولأبى حنيفة أنه أتى بمعنى السلم فيكون سلما ، لأن العبرة للمعانى لاالصور ،
ولأنه أمكن جعله سلما فيجعل لورود النصّ بجواز السلم دون الاستصناع . وجوابهما أن
حذف الأجل ليس من خواص الاستصناع ، أما الأجل من خواص السلم ويكتوْ،
فى الاستصناع بصفة معروفة تحتمل الإدراك ، ولا بدّ فى السلم من استقصاء الصفة على
وجه يتيقن بالإدراك فافترقا .
باب الصرف
وهو فى اللغة الدفع والردّ، ومنه الدعاء : اصرف عنا كيد الكائدين ، وصرف الله
عنك السوء . وفى الشريعة : بيع الأثمان بعضها ببعض ، سمى به لوجوب دفع ما فى يد
كل واحد من المتعاقدين إلى صاحبه فى المجلس . قال (وهو بيع جنس الأثمان بعضه ببعض ،
ويستوى فى ذلك مضروبهما ومصوغهما وتبرهما ، فان باع فضة بفضة أو ذهبا بذهب
لم يجز إلا مثلا بمثل يدا بيد) والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام ((الذهب بالذهب
مثلا بمثل يدابيد والفضل ربا والفضة بالفضة مثلا بمثل يدابيد والفضل ربا )) ولقول عمر رضى
الله عنه: وإن استنظرك إلى وراء السارية فلا تنظره . ولأنه لابدّ من قبض أحد العوضين
ليخرج من بيع الكالى* بالكالى وليس أحدهما أولى من الآخر فيقبضان ، ولأنه إذا قبض
أحدهما يجب قبض الآخر تحقيقا للمساواة ، والمعتبر فى ذلك المفارقة بالأبدان حتى لو تصارفا
وسارا عن مجلسهما كثيرا ثم تقابضا جاز مالم يفترقا ، وكذلك مجلس عقد السلم ، ولو
تصارفا ووكلا بالقبض فالمعتبر تفرّق العاقدين لا تفرّق الوكيلين ، ولو ناما جالسين لم يكن

- ٤٠ -
وَلا اعْتِبَارَ بالصّاغَةِ وَالجَوْدَةِ، فانْ باعَها مَجَازَفَةٌ ◌ُثُمَّ عُرِفَ النَّسَاوِى فى الْمَجْلِس
جازَ وَإلاَّ فَلَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتْفَاضِلاً وَمَجَازَفَةً مُقَابَضَةً ،
وَيَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمَْنٍ وَدِ ينارٍ بِدِ ينارَيْنِ وَدِرْهَمْ وَبَيْعُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَما
بِعَشْرَةٍ وَدِ ينارٍ (ز)، وَمَنْ باعَ سَيْفًا مُحَلَّى بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الحِلَْةِ جازٌ
وَلابُدَّ مِنْ قَبَضٍْ قَدْرِ الحِلْيَةِ قَبْلَ الافْتِرَاقِ.
فرقة ، ولو ناما مضطجعين كان فرقة ، ولا يجوز خيار الشرط لأنه ينفى استحقاق القبض
ولا الأجل لأنه يفوت القبض الذى هو شرط الصحة، فان أسقطهما قبل التفرّق جاز خلاف
لزفر وقد مرّ ، ولو اشترى بثمن الصرف عرضا قبل قبضه فهو فاسد ، لأنه يفوّت
القبض المستحق" بالعقد، وكذا كل تصرّف فى بدل الصرف قبل قبضه لما بينا، قال
( ولا اعتبار بالصياغة والجودة ) لقوله عليه الصلاة والسلام فى آخر الحديث (( جيدها
وردينها فيه سواء )) ( فان باعها مجازفة ثم عرف التساوى فى المجلس جاز وإلا فلا ) لما
عرف أن ساعات المجلس كساعة واحدة فصار كالعلم فى ابتدائه ؛ وإن لم يعلما لا يجوز
لاحتمال الربا ، لأن الشرط وهو المساواة يجب علينا تحصيله ، أما وجوده فى علم الله تعالى
لايصلح أن يكون شرطا ، لأن الأحكام تنبنى على أفعال العباد تحقيقا لمعنى الابتلاء ،
وتعتبر فى الدارهم والدنانير الغلبة كما تقدّم فى الزكاة ، فان تساويا فهى كالجياد
فى الصرف احتياطًا للحرمة . قال ( ويجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا ومجازفة مقابضة:
لقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد)).
وقال عليه الصلاة والسلام ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء ، ولو افترقا قبل القبض
بطل العقد لفوات الشرط . قال ( ويجوز بيع درهمين ودينار بدينارين ودرهم ، وبيع
أحد عشر درهما بعشرة ودينار ) وكذا درهمين ودينارين بدينار ودرهم ، وكذا كرّى
حنطة وكرّ شعير بكرّ حنطة وكرّى شعير. والأصل فى ذلك أن عندنا يصرف كلّ واحد
من الجنسين إلى خلافه حملا لتصرفهما على الصحة ، وفيه خلاف زفر ، فانه يصرف
الجنس إلى جنسه لأنه أسهل عند المقابلة . ولنا أنهما قصدا الصلة ظاهرا فيحمل عليه
تحقيقا لقصدهما ودفعا لحاجتهما ؛ ولو باع الجنس بمثله وأحدهما أقل ومعه عرض إن بلغت
قيمة العرض قدر النقصان جاز ولا كراهة فيه ، وإن لم تبلغ جاز مع الكراهة ، وإن كان
مما لا قيمة له لا يجوز لأنه ربا . قال ( ومن باع سيفا محلى بثمن أكثر من قدر الحلية جاز )
ومراده إذا كان الثمن من جنس الحلية جاز لتكون الحلية بمثلها والزيادة بالنصل والحمائل
والجفن ، وإن كان مثلها أو أقل لا يجوز لأنه ربا ، وإن کان بخلاف جنسها جاز كيف
كان لجواز التفاضل على ما بينا ( ولا بدّ من قبض قدر الحلية قبل الافتراق ) لأنه صرف ،
١