Indexed OCR Text

Pages 401-420

والنَّفْلُ يجُوزُ بنِيَّةٍ من النَّهارِ، ويَجُوزُ صَومُ رمَضانَ بنِيَّةِ واجِبٍ آخَرَ، وباقي
الصَّومِ لا يجُوزُ إلَّ بنِيَّةٍ مُعَيَِّةٍ من اللَّيلِ، والمَرِيضُ والمُسافِرُ في رمَضانَ إن
نَوَى واجِباً آخَرَ وَقَعَ عنه (سم ف) وإلاَّ وَقَعَ عن رمَضانَ.
قال: (والنَّفْلُ يجُوزُ بنِيَّةٍ من النَّهارِ) لحديث عائشةَ قالت: كان
رسولُ الله ◌َّ﴿ إذا أصبح دخلَ على نسائِه وقال: ((هل عندَكنَّ شيء؟))
فإن قُلْنَ: لا، قال: ((إني إذاً لصائمٌ)) (١).
قال: (ويَجُوزُ صَومُ رمَضانَ بنِيَّةِ واجِبٍ آخَرَ) لما مرَّ في مطلَقِ النيةِ
ونيّةِ النَّفْلِ .
قال: (وباقي الضَّومِ لا يجُوزُ إلَّ بِيَّةٍ مُعَيِّنَةٍ من اللَّيْلِ) لأن الوقتَ
يصلُحُ له ولغيرِهِ، فيحتاج إلى التَّعيين والتَّبيتِ قَطْعاً للمُزاحمةِ.
قال: (والمَرِيضُ والمُسافِرُ في رمَضانَ إن نَوَى واجِباً آخَرَ وَقَعَ عنه،
وإلاَّ وَقَعَ عن رمَضانَ) وقالا: يقعُ عن رمضانَ فيهما، لأن الرُّخصةَ
لاحتمال تضرُّره وعجزه، فإذا صام انتفى ذلك فصار كالصحيح
المُقيمٍ. وله أن الشارعَ رخّص له ليَصرِفَه إلى ما هو الأهمُّ عندَه من
الصومِ والفطرِ، فصار كشعبانَ في حقِّ غيره، فلمَّا نوى واجباً آخرَ
علمنا أنه الأهمُّ عندَه فيقعُ عنه، وقيل: الأصُّ عند أبي حنيفةً أن
المريضَ إذا نوى واجباً آخرَ يقعُ عن رمضانَ، لأن إباحةَ الفِطر للعَجْز،
(١) أخرجه مسلم (١١٥٤)، وهو في ((المسند)) (٢٤٢٢٠) و(٢٥٧٣١)،
و «صحيح ابن حبان (٣٦٢٩).
٤٠١

ووَقْتُ الصَّوم من طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّاني إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، وهو الإمساكُ عن
الأكلِ والشُّرْبٍ والجماعِ مع النِّية بشَرطِ الطَّهارَةِ عَنِ الخَيضِ والنَّاسِ.
فإذا قَدَرَ فهو كالصَّحيح، بخلافِ المسافرِ، والأولُ روايةُ الكَرْخي.
وعن أبي حنيفةَ في النَّفْل روايتان، فمَن قال: يقعُ عن رمضانَ، فلأنه
لم يصرِفْه في الأهمِّ، لأن الخروجَ عن العُهدةِ أهمُّ من النفلِ، بخلافٍ
واجبٍ آخرَ فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما خروجٌ عن العُهدة. ومَن قال: يقعُ
نفلاً، فلأنه لما كان مُخيّراً فله أن يصرفَه إلى ما شاء.
قال: (ووَقْتُ الصَّومِ من طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّني إلى غُرُوبِ الشَّمسِ)
لقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قال أبو عبيدَةَ: الخيط الأبيضُ: الصبحُ الصادقُ، أباحَ الأكل والشربَ
إلى طلوع الفجرِ فيحرُّمُ عندَه. وأما آخره فَلقوله عليه السلام: ((إذا أقبلَ
الليلُ من هاهنا وأدبَرَ النهارُ من هاهنا، أفطرَ الصائمُ، أكَلَ أو لم
يأكُلْ))(١) .
قال: (وهو الإمساكُ عن الأكلِ والشُّرْبِ والجماع مع النِّيّةِ بِشَرطِ
الطَّهارَةِ عنِ الحَيضِ والنَّاسِ) لما تقدَّم أن الصومَ هو الإمساكُ لغةً،
زِدْنا عليه النيةَ ليقع قربةً على ما قدَّمناه، والطهارةُ من الحيض والنّفاس
ليتحقق الأداءُ في حقِّ المرأةِ، وتمامُه مرَّ في الحيض. والنية: أن يعلَمَ
بقَلْبه أنه يصومُ، وقد مرَّ.
(١) متفق عليه دون قوله: ((أكل أو لم يأكل)» وقد سلف تخريجه ص٣٩٨.
٤٠٢

ويجبُ أن يَلتمسَ النَّاسُ الهلالَ في النَّاسعِ والعشرِينَ من شَعبانَ وَقتَ
الغُرُوبِ، فإن رأوهُ صامُوا، وإن غُمَّ عليهم أكمَلُوه ثَلاثينَ يوماً، وإن كانَ
بالسَّماءِ عِلَّهُ غَيم أو غُبارٍ أو نَحوِهما ممَّا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ قُبِلَ شَهادَةُ الواحِدِ
العَدْلِ، والحُرُ والعَبدُ والمرأةُ في ذلك سَواءٌ،
قال: (ويجبُ أن يَلتمسَ النَّاسُ الهلالَ في التَّاسع والعشرِينَ من
شَعبانَ وَقتَ الغُرُوبِ) هو المأثورُ عنه عليه السلام، وعن السلف.
(فإن رأوهُ صامُوا، وإن غُمَّ عليهم أكمَلُوه ثَلاثينَ يوماً) لقوله عليه
السلام: ((صومُوا لِرُؤيتِهِ وأفطِروا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا شعبانَ
ثلاثين يوماً))(١)، ولأن الشهرَ كان ثابتاً فلا يزولُ إلا بدليلٍ وهو الرُّؤية
أو إكمالُ العِدَّةِ، وهكذا الحکمُ في كلِّ شهرٍ .
قال: (وإن كانَ بالسَّماءِ عِلَّهُ غَيم أو غُبارٍ أو نَحوِهما ممَّا يَمْنَعُ
الرُّؤْيَةَ قُبِلَ شَهادَةُ الواحِدِ العَدْلِ، والحُرُّ والعَبدُ والمرأةُ في ذلك سَواءٌ)
أما الواحد فلما تقدَّم من حديث الأعرابيِّ، ولأنه أمرٌ دِينِيٌّ فيُقبلُ قولُ
الواحدِ كروايةِ الأخبار، والإخبارِ عن نجاسةِ الماء وطهارتِه، ولا
يُشْتَرَط فيه لفظُ الشهادة. وأما العدالةُ فلأنه من أخبارِ الدِّيانات،
فتُشترط العدالةُ كسائِرِ الأمور الدِّينية، وتُقْبَل شهادةُ المحدودِ في
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١)،
وهو في ((المسند)) (٧٥١٦)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٤٤٢). وفي الباب عن غير
واحد من الصحابة في «الصحيحين)) وغيرهما. وقد ذكرنا جميع أحاديث الباب
عند حديث أبي هريرة في ((المسند)) فانظرها فيه .
٤٠٣

فإن رَدَّ القاضي شَهادَتَه صامَ، وإن لم يكن بالسَّماءِ عِلَّةٌ لم تُقْبل إلاَّ شهادَةٌ
جَمعٍ يَقَعُ العلْمُ بخَبَرِهِم،
القَذْف إذا تاب، لأن الصحابةَ رضي الله عنهم قَبلوا شهادةً أبي بَكْرةَ.
وفي المستورِ الحال خلافٌ بين الأصحاب.
ويُفْتَرَض على من رأى الهلالَ أن يؤدِّيَ الشهادةَ إذا لم تثبت دونه،
حتى يجبَ على المُخَدَّرةِ وإن لم يأذن لها زوجُها.
فإن أكملوا ثلاثينَ ولم يَرَوا الهلالَ قال محمد: يُفطِرون بناءً على
ثُبُوت الرَّمضانيَّةِ بشهادةِ الواحد، وإن كانَ لا يثبُتُ به ابتداءً کالإرثِ
بناءً على ثُبوت النَّسَب بقول القابلة. وروى الحسن عن أبي حنيفةً أنهم
لا يُفطِرون أخذاً بالاحتياط. وقال محمد: لا أنَّهمُ مسلماً بتعجيل صومِ
يوم.
قال: (فإن رَدَّ القاضي شَهادَتَه صامَ) لأنه رآه، فإن أفطَرَ قضَى
لوجوب الأداءِ، ولا كفَّارةَ عليه لمكان الشُّبهةِ، ولا يُفطِرُ آخرَ الشهر إلا
مع الناس احتياطاً، ولو أفطَرَ لا كفارةَ عليه عملاً باعتقادِهِ.
قال: (وإن لم يكن بالسَّماءِ عِلَّةٌ لم تُقْبل إلاّ شهادَةُ جَمع يَقَعُ العلْمُ
بِخَبَرِهِم) وهو مفوَّضٌ إلى رأي الإمام من غير تقديرٍ، هو الصحيح،
وهذا لأن المَطَالعَ متحدةٌ، والموانعَ مرتفعةٌ، والأبصارَ صحيحةٌ،
والهِمَمَ في طلب الرؤيةِ متقاربةٌ، فلا يجوزُ أن يختصَّ بالرؤيةِ البعض
القليل. وروى الحسن عن أبي حنيفةً: أنه يكفي شَهادةُ الاثنين كما في
سائرِ الحقوق، ولو جاء رجلٌ من خارج المِصْر وشهدَ به تُقْبَلُ، وكذا
٤٠٤

+ اپوري"
فإذا ثَبَتَ في بَلَدٍ لَزِمَ جَمِيعَ النَّاسِ، ولا اعتِبارَ باختِلافِ المَطالِعِ، ولا يُصامُ
يَومُ الشَّكِّ إلَّ تَطوُّعاً، .
إذا كان على مكانٍ مرتفع في البلد كالمَنارةِ ونحوها، لأن الرؤيةَ
تختلفُ باختلاف صفاءِ الهواءِ وكُدُورتِهِ، وباختلافِ ارتفاع المكان
وهُبُوطِه، لما تقدَّم من حديث الأعرابي.
قال: (فإذا ثبَتَ في بَلَدٍ لَزِمَ جَمِيعَ النَّاسِ، ولا اعتبارَ باختِلافٍ
المَطالِعِ) هكذا ذكره قاضي خان، قال: وهو ظاهرُ الرواية، ونقلَه عن
شمس الأئمةِ السَّرْخَسي، وقيل: يختلفُ باختلافِ المطالع. وذكر في
((الفتاوى الحُسامية)): إذا صام أهلُ مِصرِ ثلاثينَ يوماً برؤيةٍ، وأهلُ مصرٍ
آخرَ تسعةً وعشرين يوماً برؤيةٍ، فعليهم قضاءُ يومٍ إن كان بين المِصرين
قريبٌ بحيث تتَّحدُ المطالعُ، وإن كانت بعيدةً بحيث تختلفُ لا يلزَمُ
أحدَ المِصرين حكمُ الآخر. وذكر في ((المنتقى)) عن أبي يوسف: يجبُ
عليهم قضاءُ يومٍ من غير تفصيلٍ. وعن ابنِ عباسٍ في مثلِه: لهم ما لهم
ولنا ما لنا. وعن عائشةَ: فِطْرُ كلِّ بلدةٍ يومَ يُفطِر جماعتُهم، وأضحى
كِّ بلدةٍ یومَ یضحِّي جماعتُهم .
قال: (ولا يُصامُ يَومُ الشَّكِّ إلَّ تَطْوُّعاً) لقوله عليه السلام: ((لا يُصام
اليومُ الذي يُشكُّ فيه أنه من رمضانَ إلا تطوعاً))(١)، وهو الذي يُشُّ
(١) لم نجده بهذا اللفظ، ويؤخذ معناه من حديث أبي هريرة عند البخاري
(١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢) مرفوعاً: ((لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمضان بصوم يومٍ أو
یومین، إلا أن یکون رجلٌ كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم)).
٤٠٥

ويُلتَمَسُ هلالُ شؤَّالٍ في تاسِعٍ وعشرينَ من رمضانَ، فمَنْ رَآهُ وَحدَهُ لا يُفْطرُّ،
فإن أفطَرَ قَضَاهُ ولا كَفَّارَةَ عليه، فإن كان بالسَّماءِ عِلَّةٌ قُبلَ شَهادَةُ رَجُلَينٍ أو
رَجُلٍ وامرأتَينٍ، وإن لم يَكُن علَّةٌ فجَمعٌ كَثِيرٌ. وذُو الحِجَّةِ كشَوَّاٍ .
فيه أنه من رمضانَ أو شعبانَ، وذلك بأن يتحدَّث الناسُ بالرؤيةِ ولا
تثبتُ.
قال: (ويُلتَمَسُ هلالُ شوّالٍ في تاسِعٍ وعشرينَ من رمَضانَ، فمَنْ
رآهُ وَحدَهُ لا يُفْطِرُ) أخذاً بالاحتياطِ في العبادة.
(فإن أفطَرَ قَضَاهُ ولا كَفَّارَةَ عليه) لما بينا .
(فإن كان بالسَّماءِ عِلَّةٌ قُبلَ شّهادَةُ رَجُلَينٍ أو رَجُلٍ وامرأتَينٍ) لأنها
شهادةٌ تعلَّقَ بها حقُّ الآدمي، فصارت كالشَّهادةِ على حقوق الآدميين،
بخلافٍ رمضانَ، لأنه أمرٌ ديني لا يتعلَّقُ به حقُّ الآدمي، على أن مبنى
الكلِّ على الاحتياط، وهو فيما قلناه.
(وإن لم يَكُن علَّةٌ فجَمعٌ كَثِيرٌ) لما بينا. وعن أبي حنيفةً: شهادةُ
رجلین كما في سائر الحقوق.
(وذُو الحِجَّةِ كشَوَّالٍ) لما يتعلَّق به من حقوق الآدميِّ من الأضاحي
وغيرِهِ، وإذا رأى هلالَ رمضانَ أو شوالٍ نهاراً قبلَ الزَّوالِ أو بعده فهو
اللَّيلةِ الآتية. وقال أبو يوسفَ كذلك إن كان بعدَ الزوال، وإن كان
قبلَه فللماضيةِ، يروى ذلك عن عُمر وعائشةَ، والأول مرويٌّ عن عليٍّ
وابنِ مسعودٍ وابن عمرَ وأنسٍ، وعن عمر أيضاً، ولأن الشهرَ ثابتٌ
بيقين، وبعضُ الأهلة يكون أكبرَ من بعض، فيجوزُ أنهم رأوه قبلَ
٤٠٦

فصل
ومَن جامَعَ أو جُومِعَ في أحَدِ السَّبِيلَينِ عامداً، أو أكَلَ أو شَرِبَ غِذَاءً أو
دواءً وهو صائِمٌ في رمضانَ عليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ مثلُ المُظاهِرِ .
الزَّوال لِكَبَرِه لا لكونه للَّيلةِ الماضية، والثابتُ بيقينٍ لا يزول بالشك.
وقال الحسن بنُ زياد: إن غاب بعدَ الشَّفَقِ فللَّيلةِ الماضية، وقبلَه
للرَّاهنة. واختلف العلماءُ في يوم الشكِّ هل صومُه أفضلُ أم الفِطرُ؟
قالوا: إن كان صامَ شعبانَ أو وافَقَ صوماً كان يصومُه فصومُه أفضلُ،
وإن لم يكن كذلك قال محمد بنُ سَلَمة: الفِطرُ أفضلُ بناءً على
الحديث. وقال نُصَير بن يحيى: الصوم أفضلُ لما روينا عن عليٍّ
وعائشةً. وعن أبي يوسف - وهو المختار -: أن المفتي يصومُ هو
وخاصتُه، ويفتي العامةَ بالتَّلوُّمِ(١) إلى ما قبلَ الزوال لاحتمال ثُبُوتِ
الشَّهر، وبعدَ ذلك لا صومَ، وهو يمكنُه الصومُ على وجهٍ يخرُج من
الكراهَةِ ولا كذلك العامةُ.
فصل
(ومَن جامَعَ أو جُومِعَ في أحَدِ السَّبِيلَينِ عامداً، أو أكّلَ أو شَرِبَ غِذَاءً
أو دواءً [وهو صائِمٌ في رمضانَ](٢) عليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ مثلُ المُظاهِر)
ولا خلافَ في وجوبِ القَضاء ووجوبِ الكفَّارة بالجِماع، ولقوله عليه
السلام للأعرابيِّ حين قال: واقعتُ أهلي في نهارِ رمضانَ متعمِّداً:
(١) التلوُّم: التأنِّي والتمكُّث.
(٢) ما بين الحاصرتين أثبتناه من (م)، وهو ليس في (س).
٤٠٧

((أَعْتِقْ رقبةً)) (١)، ولقوله عليه السلام: ((مَنْ أفطرَ في نهارِ رمضانَ،
فعليه ما على المُظاهِرِ))(٢)، ولا يُشتَرط الإنزالُ لوجودِ الجِماع دونَه.
وروى الحسنُ عن أبي حنيفةَ عدمَ وجوبِ الكفَّارة في الإيلاجِ في الدُّبُر
اعتباراً بالحَدِّ، والصحيحُ الأول لقضاءِ الشهوةِ على الكمال.
وأما المرأةُ فيجبُ عليها إذا كانت مطاوعةً لعموم الحديث الثاني،
ولأن هذا الفعلَ يقوم بهما، فيجبُ عليها ما يجبُ عليه كالغُسْل
والحَدِّ، وإن كانت مكرَهةٌ لا كفَّارةَ عليها كما في النِّسيان لاستوائِهما
(١) معناه في حديث أبي هريرة عند البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)،
وهو في («المسند» (٦٩٤٤) و(٧٢٩٠)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٥٢٦). وانظر
تتمة تخريجه وأحاديث الباب في «المسند».
(٢) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٤٩/٢ وقال: حديث غريب بهذا
اللفظ، والمصنف رحمه الله استدل به هنا على أن الكفارة تجب على المرأة كما
تجب على الرجل يعني في الجماع، لأن ((مَن)) تطلق على المذكر والمؤنث خلافاً
للشافعي رحمه الله في أحد قوليه وبمذهبنا قال أحمد، والحديث لم أجده،
ولكن استدل ابن الجوزي في ((التحقيق)) لمذهبنا ومذهبه بما أخرجاه في
((الصحيحين)) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي وَلّ أمر رجلاً أفطر في
رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يُطعم ستين مسكيناً. انتهى.
وأخرج الدارقطني في ((سننه)) (٢٣٠٦) و(٢٣٠٧)، والبيهقي ٢٢٩/٤ عن
أبي هريرة: أن النبي وَلّ أمر الذي أفطر يوماً من رمضان بكفارة الظهار. وقال
الدار قطني: والمحفوظ عن هشيم عن إسماعيل بن سالم عن مجاهد مرسلاً عن
النبي ◌َّل. ورواية مجاهد المرسلة أخرجها البيهقي في ((سننه)) ٢٢٩/٤.
٤٠٨
---- -- ----

في الحُكم بالحديث، ولو أَكرَهتْ زوجَها فجامَعها يجبُ عليهما، وعن
محمدٍ : لا كفَّارةَ عليه للإكراه، ولو عِلِمَتْ بطُلوع الفَجْر دونَه وكتَمَتْه
عنه حتى جامعها فالكفارةُ علیها خاصةً.
وأما وجوبُها بالأكل والشُّرب بالغِذاءِ والدَّواء للحديث المتقدِّم:
وهذا قد أفطَرَ. وروى أبو داود: أن رجلاً جاء إلى رسول الله وَ ل فقال:
شربتُ في رمضانَ. فقال: ((من غير سَفَرٍ ولا مرضٍ؟)) قال: نعم، فقال
له: ((أعِقْ رقبةً))(١)، وهذا نصٌّ في الباب. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنه
قال: إنما الكفارةُ في الأكل والشربِ والجِماع (٢)، فإن حاضتٍ
المرأةُ، أو مَرِض الرجلُ مرَضاً يُباح له الفِطرُ سقطتِ الكفَّارةُ، لأنه تبيَّن
أن ذلك اليوم لم يكن مستحقّاً عليه صومُه. والكفَّارةُ إنما تجبُ بإفسادِ
صومٍ مستحقِّ عليه، بخلاف السّفر لأن الكفَّارةَ وَجَبَت حقّاً لله تعالى
فلا يَقدِرُ على إبطالها، بخلاف الحَيضِ والمَرَض لأنه ليسَ منه، ولو
(١) قال ابن قطلوبغا في ((تخريج أحاديث الاختيار)) ص١٦٧ : لم أقف عليه
في ((السنن)) (أي سنن أبي داود) في رواية ابن داسة واللؤلؤي.
وأخرجه ضمن حديث أبو يعلى (٥٧٢٥)، والطبراني في «الأوسط))
(٨١٨٠) من طريق حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر. وحبيب بن ثابت لم يسمع
من ابن عمر .
(٢) أخرجه محمد بن الحسن في ((المبسوط)) ١٩٢/٢ - ١٩٣ عن أبي يوسف،
عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي. والحسن بن
عمارة ضعيف .
٤٠٩

وإن جامَعَ فيما دُونَ السَّبِيلَينِ، أو بَهِيمَةً، أو قَبَّلَ، أو لَمَس فأنزَلَ، أو
احتَقَنَ، أو اسْتَعَطَ، أو أقْطَرَ في أَذِنِه، أو دَاوَى جائِفَةً (سم) أو آمّةٌ فوَصَلَ
إلى جَوفِه، أو ابتَلَعَ الحَدِيدَ، أو استَقَاءَ (م ز) ملْءَ فيهِ، أو تَسَخَّرَ يَظُنُّه لَيلاً
والفَجرُ طالِعٌ، أو أفطَرَ يَظُنُّه لَيلاً والشَّمسُ طالِعَةٌ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ لا غَيرُ.
سُوفر به مكرَهاً لا يسقُطُ أيضاً. وقال زفر: تسقُطُ كالمَرَض والحيض،
وجوابُه: أنه حَصَل مِن غير صاحبِ الحقِّ فلا يُجعَل عذراً، بخلاف
المَرَض والحیض.
۔۔ نوف
قال: (وإن جامَعَ فيما دُونَ السَّبِيلَينِ، أو بَهِيمَةٌ، أو قَبَّلَ، أو لَمَس
فَأَنزَلَ، أو احتَقَنَ، أو اسْتَعَطَ، أو أقْطَرَ في أَذْنِهِ، أو دَاوَى جَائِفَةٌ(١) أو
آمّةً فوَصَلَ [إلى جَوفِه](٢)، أو ابتَلَعَ الحَدِيدَ، أو استَقاءَ مَلْءَ فيهِ، أو
تَسَخَّرَ يَظُنُّه لَيلاً والفَجرُ طالعٌ، أو أفطَرَ يَظُنُّه لَيْلاً والشَّمسُ طالِعَةٌ فِعَلَيه
القَضَاءُ لا غَيرُ) أما الجماعُ فيما دونَ السبيلين، أو البهيمة مع الإنزالِ،
والإنزالُ باللَّمْس والقُبلةُ، فلقضاءِ إحدى الشهوتين، وأنه ينافي
الصومَ، ولا تجب الكفارةُ لتمكُّن النُّقصان في قضاء الشهوةِ،
والاحتياطُ في الصوم الإيجابُ لكونه عبادةً، وفي الكفاراتِ الدَّرْءُ
لأنها من الحدود.
(١) الجائفة: هي الطعنة التي تبلغ الجوف.
(٢) قوله: ((إلى جوفه)) أثبتناه من (م) وليس في (س)، وزاد بعدها في
مطبوعة أبي دقيقة: ((أو دماغه))، وليست هي في أصولنا الخطية، وثبوتها هنا له
وجه، لأنها ترجع إلى الآمَّة - بمد الهمزة والتشديد - وهي: الشَّجَّة التي تبلغ أم
الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ.
٤١٠

وأما الاحتقانُ والاستِعاطُ والإقطارُ في الأذُنُ، ودواءُ الجائفةِ
والآمَّةِ، فلوصول المُفَطَّر إلى الداخل، وهو ما فيه مصلحةُ البَدَن من
الغِذاء أو الدواء. قال عليه السلام: ((الفِطرُ مما دَخَل))(١). ولو أقطَرَ
الماءَ في أذُنِه لا يُفطِرُ لعَدَم الصورة والمعنى، بخلاف الدُّهْن لوجودِهِ
معنّى، وهو إصلاح الدِّماغ. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يفسُدُ الصومُ
في الجائفةِ والآمَّة، لأن الشرط عندهما الوصولُ من منفَذٍ أصليٍّ،
ولعدم التيقُّن بالوصولِ لاحتمال ضِيقِ المَنفَذ وانسدادِه بالدَّواء وصار
كاليابس، وله أن رُطوبةَ الدواءِ إذا اجتمعت مع رُطوبةِ الجِراحةِ ازدادَ
مَيَلاناً (٢) إلى الباطن فيصِلُ، بخلاف اليابسِ لأنه يُنشِّفُ الرطوبةَ فينسدُّ
فَمُ الجِراحة. قال مشايخنا: والمعتبَرُ عنده الوصولُ حتى لو عَلِمَ
بوصول اليابسِ فسَدَ، ولو علمَ بعدم وصولِ الرَّطْبِ لا يفسُدُ.
وأما إذا ابتَلَع الحديدَ فلصورةِ الإفطار، ولا كفارةً لانعدامِه
معنی .
(١) علقه البخاري في ((صحيحه)) في كتاب الصوم: باب الحجامة والقيء
للصائم، ولفظه: وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج.
قال الحافظ في ((تغليق التعليق)) ١٧٨/٣: أما قول ابن عباس، فرواه ابن
أبي شيبة حدثنا هشيم، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في الحجامة
للصائم قال: الفطر مما دخل وليس مما خرج. ورجاله ثقات، وأما قول عكرمة
فرواه أيضاً ابن أبي شيبة ٥٣/٣ .
(٢) في (م): سيلاناً، والمثبت من (س).
٤١١

وإن أكَّلَ أو شَرِبَ أو جامَعَ ناسِياً، أو نامَ فاحتَلَمَ، أو نَظَرَ إلى امرأةٍ
فَأَنزَلَ، أو ادَّهَنَ أو اكتَحَلَ، أو قَبَلَ، أو اغتابَ، أو غَلَبَه القَيْءُ،
وأما إذا استقاءَ مِلءَ فيه فلقوله عليه السلام: ((من قاءَ فلا قضاءً
عليه، ومن استَقَّاء فعليه القضاءُ))(١)، وروي ذُلك عن عكرمةَ مرفوعاً
وموقوفاً، وعند محمد وزفر: يُفسِدُ وإن لم يملأ الفم، ولم يَفصِلْ
بينهما في ظاهر الرواية لإطلاق الحديث، والصحيحُ الفصلُ، وهو
روايةُ الحسن عن أبي حنيفةً، لأن ما دون مِلء الفم تَبَعٌ للرِّيق كما لو
تجشّأ، ولا كذلك مِلءُ الفم.
وأما إذا تسخَّر يظنُّه ليلاً والفجرُ طالعٌ، أو أفطرَ يظنُّه ليلاً والشمسُ
طالعةٌ، فإنما يُفِطرُ لفوات الرُّكن وهو الإمساكُ، ولا كفارةً لقيام العُذْر
وهو عدم التعمُّد، والكفارةُ على الجاني.
ولو جُومِعت النائمةُ والمجنونةُ، فسَدَ صومُهما لوجود المفطُّر،
ولا كفارةً لعدم التعمُّد.
ولو استمنَى بكفِّه أفطرَ لوجود الجماع معنّى، ولا كفارةً لعدم
الصورة .
قال: (وإن أكَلَ أو شَرِبَ أو جامَعَ ناسِياً، أو نامَ فاحتَلَمَ، أو نَظَرَ إلى
امرأةٍ فأَنزَلَ، أو ادَّهَنَ أو اكتَحَلَ، أو قَبَّلَ، أو اغتابَ، أو غَلَبَه القَيْءُ،
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة أبو داود (٢٣٨٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)،
والترمذي (٧٢٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣١٣٠)، وهو في ((المسند))
(١٠٤٦٣)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٥١٨).
٤١٢
حس
ww.h.
سپرچ "

أو أقطَرَ في إحْلِيلِهِ (س)، أو دَخَلَ حَلْقَه غُبارٌ أو ذُبابٌ، أو أصبَحَ جُنُباً لم
◌ُفْطِرْ.
*بيـ
أو أقطَرَ في إحْلِيلِهِ، أو دَخَلَ حَلْقَه غُبارٌ أو ذُبابٌ، أو أصبَحَ جُنُباً، لم
يُفْطِرْ) أما الأكل والشربُ والجماع ناسياً، فالقياس أن يُفطِر لوجود
وَ
المنافي، وجهُ الاستحسان قولَه عليه السلام للذي أكَلَ وشربَ ناسياً
وهو صائم: ((تمَّ على صومِك إنما أطعمَك ربُّك وسقاك))(١)، وفي
رواية: ((أنت ضيفُ الله))، فإن ظنَّ أن ذلك يفطِّرُه فأكلَ متعمِّداً فعليه
القضاءُ دون الكفارةِ، لأنه ظنَّ في موضع الظنِّ، وهو القياسُ فكان
شُبهةً. وعن محمد: إن بلَغَه الحديثُ ثم أَكلَ متعمِّداً فعليه الكفارةُ لأنه
لا شبهةَ حيث أمرَه عليه السلام بالإتمام. وروى الحسنُ عن أبي
حنيفةً: لا كفارةً عليه لأنه خبرُ واحدٍ لا يوجِب العلم.
وأما إذا نام فاحتَلَم لقوله عليه السلام: ((ثلاثٌ لا يفطَّرْنَ الصائم:
القيءُ، والحِجامةُ، والاحتلامُ)) رواه الخدري(٢)، ولأنه لا صُنْعَ له في
ذُلك فكان أبلغَ من الناسي. والإنزالُ بالنظر كالاحتلام من حيثُ عدمُ
المباشرة، فإنه مقصورٌ عليه لا اتصالَ له بغيرِه.
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥)،
وهو في ((المسند)) (٩١٣٦)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٥١٩). ورواية «أنت ضيف
الله)) لم نقف عليها .
(٢) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٧١٩)، وسنده ضعيف.
وانظر ((نصب الراية)) ٢ / ٤٤٦.
٤١٣
۔ ۔ھے

وأما الدُّهنُ فإنه يُستعمل في ظاهر البَدَن كالاغتسال. وأما الكُحْل
فلما روى أبو رافع: أنه عليه السلام دعا بمُكْخُلةِ إِثْمِدٍ في رمضانَ
فاكتَحَل وهو صائمُ(١). وأما القُبلةُ، فلما روت عائشةُ: أنه عليه السلام
كان يقبّل وهو صائمُ(٢). وأما الغِيبةُ فلعدم وجود المفطِّر صورةً ومعنّى،
فإن ظنَّ أن ذُلك يفطِّرُه فأكَلَ متعمِّداً فعليه القضاءُ والكفارةُ، بلَغَه
الحديثُ أو لم يبلِّغْه، لأن كون الغِيبةِ غيرَ مفطرةٍ قلَّما يشتَبَهُ على أحدٍ،
لكونه على مقتضى القِياس، ولأن العلماء أجمعوا على أن الغِيبةَ لا
تفطّر، ولا اعتبار بالحديث(٣) في مقابلةِ الإجماع.
وأما إذا غلَبَه القيءُ فلما تقدَّم من الحديث.
وأما الإقطارُ في الإحليلِ فعندهما، وقال أبو يوسف: يفطُّر بناءً
على أن بينَه وبين الجَوف منفَذاً بدليل خُروج البول. والأصحُّ أنْ ليس
(١) أخرجه البيهقي ٤ / ٢٦٢ من طريق محمد بن عبيد الله بن أبي رافع - وليس
بالقوي - عن أبيه عن جده: أن النبي ◌َ لو كان يكتحل بالإثمد وهو صائم.
وأخرج ابن ماجه (١٦٧٨)، والبيهقي ٢٦٢/٤ من طريق بقية، عن الزبيدي
ـ واسمه: سعيد بن الجبار - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
اكتحل رسول الله مَّلل وهو صائم. وإسناده ضعيف لضعف بقية وشيخه.
وانظر ((نصب الراية)) ٢ / ٤٥٦ و٤٥٧.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٢٨)، ومسلم (١١٠٦)، وهو في ((المسند))
(٢٤٦٦٨) و(٢٥٤٥٦)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٥٣٧).
(٣) ذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٨٢/٢-٤٨٣ عدة أحاديث في كون
الغيبة مفطرة للصائم، وقال فيها: كلها مدخولة. يريد أنها ضعيفة أو موضوعة.
٤١٤

شيبس
وإن ابتَلَعَ طَعاماً بَيْنَ أسنانِهِ مِثلَ الحِمَّصَةِ أفطَرَ وإلاَّ فلا.
ويُكْرَه لِلصَّائمِ مَضْغُ العِلْكِ والذَّوقُ والقُبلَةُ إن لم يأمَنْ على نَفْسِه.
بينهما منفذٌ، بل البولُ يترشَّح إلى المَثَانة ثم يخرُجُ، وما يخرج رَشْحاً
لا يعود رَشْحاً فلا يصل، والخلافُ إذا وصل إلى المَثَانِةِ، أما إذا وقف
في القَصَبة لا يفطِّر بالإجماع.
وأما دخولُ الغبار والذباب، فلأنه لا يمكِنُ الاحترازُ عنه كذلك
الدُّخانُ بخلاف المَطَر والثّلْج حیث یمکن الاحتراز عنه.
وأما إذا أصبح جُنُباً فلما روت عائشة رضي الله عنها: أن النبيَّ وَّه
كان يُصبحُ جُنُباً من غير احتلام وهو صائم (١)، ولأن الله تعالى أباحَ
المباشرةَ جميعَ الليل بقوله: ﴿فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]،
ومن ضَرُورِتِه وقوعُ الغُسلِ بعدَ الصبح.
قال: (وإن ابتَلَعَ طَعاماً بَيْنَ أسنانِهِ مِثلَ الحِمَّصَّةِ أفطَرَ وإلاَّ فلا) لأن
ما بينَ الأسنان لا يُستطاعُ الامتناعُ عنه إذا كان قليلاً، فإنه تَبَعٌ لِرِيقِه،
بخلاف الكثير: وهو قَدْر الحِمَّصَةِ لأنه لا يبقى مثلُ ذُلك عادةً، فلا تعُمُّ
به البلوی، فیُمكنُ الاحترازُ عنه.
قال: (ويُكْرَه لِلصَّائم مَضْغُ العِلْكِ والذَّقُ والقُبلَةُ إن لم يأمَنْ على
نَفْسِه) أما مضغُ العِلكِ لما فيه من تعريض صومِه للفَساد، وهُذا في
العِلْكِ المُلتصِق بعضُه ببعضٍ، أما إذا كان غيرَ ملتئمٍ فإنه يفطِّرُه، لأنه
(١) أخرجه البخاري (١٩٢٥) و(١٩٣٠)، ومسلم (١١٠٩) (٧٦)، وهو
فى ((المسند)) (٢٤٠٦٢) و(٢٥٤٩٤)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٤٨٧) و(٣٤٩٢).
٤١٥

٨٠٠%
لا يلتئمُ إلا بانفصالِ أجزاءٍ تنقطعُ منه، وذلك مفسِدٌ للصوم. وأما
الذوقُ لأنه لا يأمَنُ مِن أن يدخلَ إلى جوفه. وأما القُبلةُ لما روي: أن
شاباً سألَ رسولَ الله وَّهِ عن القُبلة للصائم فمَنَعه، وسأله شيخٌ فأذِنَ له،
فقال الشاب: إن ديني ودينَه واحدٌ، قال: ((نعم، ولكنَّ الشيخَ يملكُ
نفسَه))(١)، ولأنه إذا لم يأمَنْ على نفسِه ربما وقَعَ في الجِماع فيُفْسِدُ
صومَه وتجبُ الكفارةُ وذلك مكروه. والمباشرةُ كالقُبلة. ويُكره للمرأة
مضغُ الطعام لصبيِّها لما فيه من تعرض الصوم للفساد، فإن لم يكن لها
منه بدٌّ فلا بأس به، لأنه لما جازَ لها الإفطارُ إذا خافت عليه فلأن يجوز
لها المضغُ كان أولی.
(١) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو أحمد في ((مسنده)) (٦٧٣٩)
ولفظه: كنا عند النبي ◌َّ، فجاء شاب، فقال: يا رسول الله، أُقَبَّلُ وأنا صائم؟
قال: ((لا))، فجاء شيخ، فقال: أقبل وأنا صائم، قال: ((نعم))، قال: فنظر بعضنا
إلى بعض، فقال رسول الله وَل ◌ٍ: ((قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ
يملك نفسه)). وإسناده ضعيف على خلاف في صحابيه. وانظر تتمة التعليق عليه
وتخريجه في ((المسند)).
وريد
م
وأخرجه أبو داود (٢٣٨٧) من طريق أبي العنبس - وهو ضعيف - عن
الأغرِّ، عن أبي هريرة: أن رجلاً سأل النبي ◌َّر عن المباشرة للصائم، فرخص له
وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب.
والتصريح بجواز القبلة لمن يملك إربه ورد من حديث عائشة، أخرجه
البخاري (١٩٢٧)، ومسلم (١١٠٦).
٤١٦

*
فصل
ومَنْ خافَ المَرَضَ أو زِيادَتَه أفطَرَ، والمُسافرُ صَومُه أفْضَلُ،
فصل
(ومَنْ خافَ المَرَضَ أو زِيادَتَه أفطَرَ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَنَ
مِنكُم مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ﴾ [البقرة: ١٨٤]، معناه:
فأفطَرَ، فعدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ، لأن المرضَ والسفرَ لا يُوجِبان القضاء.
(والمُسافرُ صَومُه أفْضَلُ) لأنه عزيمةٌ والأخذُ بالعزيمة أفضلُ.
وقال عليه السلام: ((المسافرُ إذا أفطرَ رخصةٌ، وإن صامَ فهو
أفضلُ))(١) .
(١) لم تجده بهذا اللفظ، لكن أخرج مسلم في ((صحيحه)) (١١٢١) (١٠٧)
من طريق عروة عن أبي المراوح عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول
الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح، فقال رسول الله وَآت :
((هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصومَ، فلا جناح
عليه)». وهو في ((المسند)) (١٦٠٣٧). وانظر تمام تخريجه فيه.
وأخرج البخاري (١٩٤٢) و(١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١) من طريق هشام عن
أبيه عن عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي وَّ: أأصوم في السفر؟
وكان كثير الصيام، فقال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) وهذا لفظ البخاري
في الموضع الثاني. وهو في «المسند» (٢٤١٩٦) و(٢٥٦٠٧).
وأخرج أحمد في («مسنده» (١٥٩١٢) من حديث سلمة بن المحبّق ولفظه:
((من كانت له حَمولة تأوي إلى شِبَع، فليصم رمضان حيث أدركه)). وإسناده
ضعيف لجهالة حال حبيب بن عبد الله - أحد رواته - وانظر تمام تخريجه فيه .
وانظر حديث أبي سعيد الخدري في («المسند» (١١٠٨٣).
٤١٧

ولو أفطَرَ جازَ، فإنْ ماتا على حالِهِما لا شَيءَ عليهما، وإنْ صَحَّ أو أقامَ
لَزِمَهُما القَضَاءُ بِقَدْرِهِ، ويُوصِيانِ بالإطعام عنهما لِكُلِّ يَومٍ مِسكِيناً
٥
كالفطرة .
(ولو أفطَرَ جازَ) لما تلونا. ولو أنشأ السفرَ في رمضانَ جازَ
بالإجماع، وإن سافرَ بعدَ طلوع الفجر لا يُفطِرِ ذلك اليوم لأنه لزمَه
صومُه إذ هو مقيمٌ فلا يُبطِله باختياره، فإن أفطَرَ فعليه القضاءُ
والكفارةُ، بخلاف ما إذا مرِضَ، لأن العذر جاء من قِبَل صاحب
الحقِّ.
قال: (فإنْ ماتا على حالِهِما لا شَيءَ عليهما) لأنه تعالى أوجَبَ
عليهما صيامَ عدَّةٍ من أيامٍ أخرّ ولم يُدْرِكاها، ولأن المرضَ والسفرَ لما
كانا عذراً في إسقاط الأداءِ دفعاً للحَرَج، فلأن يكون الموتُ عذراً في
إسقاطِ القضاء أولى .
قال: (وإنْ صَحَّ أو أقامٌ(١) لَزِمَهُما القَضَاءُ بِقَدْرِهِ) لأنهما بذلك
القدر أدركا عدَّةً من أيام أخر .
قال: (ويُوصِيانِ بالإطعام عنهما لِكُلِّ يَوم مِسكِيناً كالفِطْرَة) لأنه
وجَبَ عليهما صومُه بإدراكِ العدَّةِ، وإن لم يوصيا لا يجبُ على الوَرَثةِ
الإطعامُ لأنها عبادةٌ فلا تُؤْدَّى إلا بأمرِهِ، وإن فعلوا جازَ ويكونُ له ثوابُ
ذلك.
٠
(١) زاد هنا في (م): ((ثم ماتا))، والصواب حذفها، لذا رُمِّجت في (س).
٤١٨

والحامِلُ والمُرضِعُ إذا خافَتا على وَلَديهِما أو أنْفُسِهِما أفطَرَنا وقَضَتا لا
غیرُ.
والشَّيخُ الَّذي لا يَقْدِرُ على الصَّومِ يُقْطِرُ ويُطْعِمُ.
قال: (والحامِلُ والمُرضِعُ إذا خافَتا على وَلَديهِما أو أنْفُسِهما أفطَرَتا
وقَضَتا لا غيرُ) قياساً على المريضِ، والجامعُ دفعُ الحَرَج والضَّرر.
(والشَّيخُ الَّذي لا يَقْدِرُ على الصَّوم يُفْطِرُ ويُطْعِمُ) لأنه عاجزٌ ولا
يُرجَى له القضاءُ، فانتقَلَ فرضُه إلى الإطعام كالميت، وقد قيل في قوله
تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدِيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: لا
يُطيقونَه(١) .
(١) والآية محكمة وليست بمنسوخة، وهو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد
وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والربيع، قالوا: إن المراد بالذين (يطيقونه) هم
الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يُطيقان الصوم أو يطيقانه بمشقة وعلى جهد، أو
المراد بهم هذان والحامل والمرضع اللتان تخافان على نفسِهما أو ولديهما إن
صامتا، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، وبما أن الإطاقة هي القدرة مع جهدٍ
ومشقة، فلا حاجة إلى تقدير محذوف، لأن المشقة هي العذر المبيح للفطر.
وأخرج البخاري (٤٥٠٥) برواية عطاء عن ابن عباس أنه سمع ابن عباس
يقرأ ﴿وعلى الذين يُطَوَّقُونَهُ﴾، قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير
والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليُطْعِمَا مكان كل يوم مسكيناً.
وقوله: (يطوقونه) ضبطه الحافظ بفتح الطاء وتشديد الواو مبنياً للمفعول
مخفف الطاء من: طُوِّقَ بضم أوله بوزن قُطَع وهذه قراءة ابن مسعود أيضاً، وقد
وقع عند النسائي في ((المجتبى)) ١٩١/٤ وفي ((الكبرى)) (٢٦٣٨) من طريق ابن
أبي نجيح (صوابه ورقاء)، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس
(يطيقونه): يُكلَّفونه. قال الحافظ: وهو تفسير حسن، أي: يكلفون إطاقته.
٤١٩

*:
ومَنْ جُنَّ الشَّهرَ كُلَّه فلا قَضاءَ عليه، وإن أفاقَ بَعْضَه قَضَى ما فاتَه، وإن
أُغمِيَ عليهِ رَمَضانَ كُلَّهِ قَضَاه.
ويَلَزَمُ صَوْمُ النَّفْلِ بالشُّرُوعِ (ف) أَدَاءً وقَضَاءٌ .
وإذا طَهُرَتِ الحائِضُ، أو قَدِمَ المُسافِرُ، أو بَلَغَ الصَّبِيُّ، أو أسلَمَ الكافِرُ
في بعضِ النَّهارِ أمسَكَ بَقِيَّتَه .
قال: (ومَنْ جُنَّ الشَّهرَ كُلَّه فلا قَضاءَ عليه) لأنه لم يشهدِ الشهرَ
وهو السببُ، لأنه غيرُ مخاطَبٍ، ولهذا يصيرُ مُولَّياً عليه. (وإن أفاقَ
بَعْضَه قَضَى ما فاتَه) لأنه شهدَ الشهرَ، لأنَّ المُرادَ من قوله تعالى:
﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]: شُهودُ بعضِه، لأنه لو أرادَ
شُهودَ كلِّه لوقع الصومُ بعدَه وأنه خلافُ الإجماع.
قال: (وإن أُغْمِيَ عليه رَمَضانَ كُلَّه قَضَاه) لأنه مرضٌ يُضعِفُ
القُوى ولا يُزيلُ العقلَ، ولهذا لا يصيرُ مُولَّياً عليه فكان مخاطَباً فيَقضِيه
كالمريض، ألا تَرى أنه عليه السلام كان معصوماً عن الجُنون، قال
تعالى: ﴿مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]، وقد أغمي عليه في
مرضه .
قال: (ويَلزَمُ صَومُ النَّفْلِ بالشُّرُوعِ أَدَاءً وقَضَاءً) وقد مرَّ وجهُه فى
الصلاة .
قال: (وإذا طَهُرَتِ الحائِضُ، أو قَدِمَ المُسافِرُ، أو بَلَغَ الصَّبِيُّ، أو
أسلمَ الكافِرُ في بعضِ النَّهارِ أمسَكَ بَقِيَّتَه) ولا يجبُ صومُ ذلك اليوم
٤٢٠
٠ ١جم.