Indexed OCR Text
Pages 101-120
والُّهْرُ المُتَخَلِّلُ في المُدَّةِ حَيْضٌ، وهو يُسْقِطُ عن الحائِضِ الصَّلاةَ أصلاً، ويُحرِّم عليها الصَّومَ فتَقْضِیه، حيضاً إلا بعدَ الدم، لأن الكُدْرَةَ ما يتكدَّرُ، وأول الشيء لا يتكدَّر. ولنا: ما روينا عن عائشة من غير فَصْلٍ، ولأنها من ألوان الدم، فسواءٌ كانت أولاً أو آخراً كغيرها من الألوان، وقوله: «أول الشيء لا يتكدَّر)» قلنا: لم قلتَ: إن هذا أولُه؟ وهذا إنما يكون في إناءٍ يسيل من أعلاه وهذا يسيل من أسفلِه، فيجب أن تكون الكُدْرة أولاً كالجرَّة تنثقِبُ من أسفلها، فإنه تسيل الكدرة أولاً، كذا هذا. وحُكم الحيض والاستحاضة والنِّفاس إنما يثبت بخروج الدم إلى الفَرْج الخارج، لأنه ما لم يظهر، فهو في مَعْدِنِه . قال: (والطُّهْرُ المُتخَلِّلُ في المُدَّةِ حَيْضٌ) لأن المدة لا تُستَوعَب بالدم، فاعتُبر أولها وآخرها. قال: (وهو يُسْقِطُ عن الحائِضِ الصَّلاةَ أصلاً، ويُحرِّم عليها الصَّومَ فَتَقْضِيه) لقول عائشة رضي الله عنها: كنَّ النساءُ على عهد رسول الله وَلَه يقضين الصومَ ولا يقضين الصلاة(١). ولأن الصلاة تتكرر في كل شهرٍ وكلِّ يوم فَتَحرَج في القضاء، والصوم في السَّنَة مرة، فلا حَرَجَ. (١) أخرجه بنحوه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥)، وهو في ((المسند)) (٢٤٠٣٦) و((صحيح ابن حبان)) (١٣٤٩). والحديث في ((السنن)) وغيرها، فانظر تمام تخريجه وألفاظه في ((المسند)). ١٠١ ويَحْرُمُ وَطْؤُها، ويَكْفُرُ مُستَحِلُّه، ويَسْتَمْتِعُ بها ما فوقَ الإزارِ، (ويَحْرُمُ وَطْؤُها) لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والنهي للتحريم. وإن وَطِئَها في الحيض طائِعَين أَثِما، ويكفيهما الاستغفار والتوبة، لقول الصدِّيق رضي الله عنه لمن سأله عن ذلك: اسْتَغْفِرِ الله ولا تَعُدْ(١). وإن كان أحدُهما طائعاً والآخر مُكْرَهاً، أَئِمَ الطائع وحده. قال في ((الفتاوى)): ولهذا في الحُكْم، ويُستحب أن يتصدَّق بدينار، أو نصف دينار. قيل: معناه: إن كان في أول الحيض فدينار، وفي آخرِه نصفه. وقيل: إن كان الدمُ أسودَ فدينار، وإن كان أصفرَ فنصفُه، وبجميع ذلك ورد الحديث(٢). (ويَكْفُرُ مُستَحِلُّه) لأن حرمته ثبتت بالكتاب والإجماع. قال: (ويَسْتَمْتِعُ بها ما فوقَ الإزارِ) لقول ابن عمر رضي الله عنهما: سألتُ رسول الله وَله: ما يَحِلُّ للرجل من امرأته الحائض؟ قال: ((ما فوقَ الإزار))(٣). (١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٢٧٠)، والدارمي في ((سننه)) (١١٠٢) عن أبي قلابة عن أبي بكر، ورجاله ثقات لكنه مرسل، أبو قلابة لم یسمع أبا بكر . (٢) أخرجه من حديث ابن عباس أبو داود (٢٦٤) و(٢٦٦) و(٢١٦٨)، وابن ماجه (٦٤٠)، والترمذي (١٣٦) و(١٣٧)، والنسائي ١٥٣/١، وهو في («المسند» (٢٠٣٢)، وهو حديث صحيح موقوفاً على ابن عباس من قوله. وانظر تمام التعليق عليه وتخريج المرفوع منه والموقوف في ((المسند)). (٣) لم نقف عليه من حديث ابن عمر، وإنما هو من حديث عمر بن الخطاب فيما أخرجه عنه أحمد في ((المسند)) (٨٦)، وفي سنده ضعف. = ١٠٢ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله ◌ِوَ لَه يأمرُّني فأتَّزر فيُباشرُني وأنا حائض(١). وقال مُحمد: يجتَنِب شعارَ الدم(٢) وله ما سواه، لقوله عليه السلام: ((يصنعُ الرجلُ بامرأتِه الحائضِ كُلَّ شيءٍ إلا الجماع)»(٣)، ولهما ما روينا، وقوله عليه السلام: ((له ما فوقَ الإزارِ، وليس له ما دونَه))(٤)، أي: له أن يستمتِعَ بها فوق الشُّرَّة لا بما تَحْتَها. وفيما قال محمد رَتْعٌ حولَ الحِمَى، فيُمنَع منه حَذَراً من الوقوع فیه. فقد أخرج أبو داود في «سننه)) (٢١٢) من حديث عبد الله بن سعد القرشي أنه سأل رسول الله وَّله: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: («لك ما فوق الإزار)). وإسناده حسن. وأخرج أيضاً (٢١٣) من حديث معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله وَلّى عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض، قال: فقال: ((ما فوق الإزار))، والتعفف عن ذلك أفضل. قال أبو داود: وليس هو - يعني الحديث - بالقوي. وانظر «مجمع الزوائد» ٢٨١/١ و٢٩٩/٤. (١) أخرجه البخاري (٣٠٠)، ومسلم (٢٩٣)، وهو في ((المسند)) (٢٤٢٨٠) و ((صحيح ابن حبان)) (١٣٦٤). وانظر ((المسند)) حديث رقم (٢٤٠٤٦). (٢) هذا كناية عن الفَرْج. (٣) أخرجه ضمن حديثٍ ابن ماجه (٦٤٤)، والنسائي ١٥٢/١ من حديث أنس، وفيه: (( ... اصنعوا كل شيء إلا الجماع)). وبلفظ: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح))، أخرجه مسلم (٣٠٢)، وأحمد في ((مسنده)) (١٢٣٥٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٣٦٢). وما ذهب إليه محمد بن الحسن قوي . (٤) هو معنى حديث عمر السالف قريباً. ١٠٣ وإن انْقَطَعَ دَمُها لأقَلَّ مِن عَشرةٍ أَيَّامٍ لم يَجُزْ وَطْؤُها حتَّى تَغْتَسلَ، أو يَمِضِيَ عليها وقتُ صلاةٍ، وإن انقطَعَ لِعَشْرَةٍ (زف) جازَ قَبلَ الغُسْلِ، وأقَلّ الطُّهْرِ خمسَةَ عَشَرَ يوماً، ولا حَدَّ لأكثرِهِ. (وإن انْقَطَعَ دَمُها لأقَلَّ مِن عَشرةٍ أيَّام لم يَجُزْ وَطْؤُها حتَّى تَغْتَسلَ أو يَمِضِيَ عليها وقتُ صلاةٍ، وإن انقطَعَ لِعَشْرَةٍ جازَ قَبَلَ الغُسْلِ) لقوله تعالى: ﴿حَقَّ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بالتخفيف والتشديد(١)، فمعنى التخفيف، حتى ينقطعَ حيضُها، فحملناه على العَشَرَة، ومعنى التشديد: حتى يغتسلن، فحملناه على ما دونها عملاً بالقراءتين، ولأن ما قبلَ العشرة لا يُحكّم بانقطاع الحيض، لاحتمال عَوْدِ الدم، فيكون حيضاً، فإذا اغتسلت أو مضى عليها وقتُ صلاةٍ دخلت في حُكم الطاهرات، وما بعد العشرة حكمنا بانقطاع الحيض، لأنها لو رأت الدمَ لا يكون حيضاً، فلهذا حلَّ وطؤها. وقال زفر: لا يَحِلُّ وطؤُها حتى تغتسِلَ وإن انقطع لعشرة أيام، عملاً بقراءة التشديد وجوابه ما مر . قال: (وأقَلّ الطُّهْرِ خمسَةً عَشَرَ يوماً) هكذا روي عن إبراهيم النَّخَعي (٢)، ولا يُعْرَفُ إلا توقيفاً، (ولا حَدَّ لأكثرِه) لأنه يستمر مدةً کثیرة فلا يتقدّر. (١) انظر ما سلف ص ٦٠ . (٢) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٩٩/١ عن راوية إبراهيم النخعي: غريب جداً، وقال ابن حجر في ((الدراية)) ٨٨/١: لم أجده. ١٠٤ فصل المُسْتَحاضَةُ، ومَنْ به سَلَسُ البَوْلِ، وانْطِلاقُ البَطْنِ، وانْفِلاتُ الرّيحِ، والزُّعافُ الدَّائِمُ، والجُرْحُ الَّذِي لا يَرْقَأُ، يَتَوَضَّؤُونَ لِوَقتٍ كُلّ صلاةٍ، ويُصَلُّون به ما شاؤوا (ف)، فصل (المُسْتَحاضَةُ، ومَنْ به سَلَسُ البَوْلِ، وانْطِلاقُ البَطْنِ، وانْفِلاتُ الرّيحِ، والرُّعافُ الدَّائِمُ، والجُرْعُ الَّذِي لا يَرْقأُ، يَتَوَضَّؤُونَ لِوَقتٍ كُلّ صلاةٍ، ويُصَلُّون به ما شاؤوا) لروايةِ ابنِ عمر أن النبي ◌َّ قال: (تتوضأ المُستحاضة لوقتٍ كُلِّ صلاةٍ))(١)، وقال عليه السلام لفاطمة بنت أبي حُبَيش حين قالت له: إني أستحيض فلا أطهر: ((توضَّئي لوقتٍ كلِّ صلاةٍ)) (١)، وعليه يُحْمَلُ قوله عليه السلام: ((المُستحاضة تتوضأ لِكُلِّ صلاة))(٢)، لأنه يُراد بالصلاة الوقت. قال عليه السلام: ((أينما (١) الحديث بهذا اللفظ قال الزيلعي عنه في ((نصب الراية)) ٢٠٤/١: غريب جداً، وقال ابن حجر في ((الدراية)) ٨٩/١: لم أجده هكذا. قلنا: ونقل ابن الهمام في ((فتح القدير)) ١/ ١٨١ عن صاحب ((شرح مختصر الطحاوي)) تخريجه له عن أبي حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً، وهذا لا يصح عنه، فإن الزَّبيدي لم يذكر هذا اللفظ في شيء من المسانيد المروية عن الإمام أبي حنيفة في كتابه ((عقود الجواهر المنيفة)) ٧٨/١، وإنما ذكر عنه بهذا السند نفسه اللفظ الصحيح المشهور ((لكل صلاة)) دون لفظ الوقت. (٢) هو عند البخاري (٢٢٨)، وأبي داود (٢٩٨)، وابن ماجه (٦٢٤)، والترمذي (١٢٥)، وأحمد في ((المسند)) (٢٥٦٨١) من حديث عائشة. ومن = ١٠٥ وإذا خَرَجَ الوَقْتُ بَطَلَ وُضوؤُهُم، فیتوَضَّؤُونِ لِصلاةٍ أُخرى، أدْرَكَتْني الصلاةُ تيمَّمتُ وصلَّيتُ))(١)، ويقال: آتيك لِصلاة الظُّهر، أي: لوقتها . قال: (وإذا خَرَجَ الوَقْتُ، بَطَلَ وُضوؤُهُم، فَيَتَوَضَّؤُون لِصلاةٍ أُخرى) لما روينا. وطهارةُ المعذور تَنْتَقِض بخروج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد، وعند زفر: بالدخول، وعند أبي يوسف: بأيهما كان. وثمرةُ الخلاف في مسألتين: إذا توضأ للصُّبح ثم طَلَعت الشمس، وإذا توضأ بعد طلوع الشمس للعيد أو الضُّحى ثم دخل وقت الظهر، فعندهما يَنتِقِض في الأولى للخروج، ولا يَنتِقِض في الثانية لعَدَمِه، وعند زفر بالعكس، وعند أبي يوسف: يَنتقِض فيهما، لأنها طهارةٌ مع المُنافي فيتقدر بالوقت، فلا تُعتبر قبله ولا بعده، ولزفر: أنها لو لم تَبطُلْ بالدخول لزادت على وقت صلاةٍ، وأنه خلاف النص. ولهما أنها تثبت للحاجة، وخروجُ الوقت دليلُ زوال الحاجة، والدخولُ دليل الوجود، فتعلُّق الانتقاض بالخروج أَوْلى. وقول زفر: يلزمُه مثلُه، = حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عند أبي داود (٢٩٧)، وابن ماجه (٦٢٥)، والترمذي (١٢٦). (١) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو أحمد في ((مسنده)) (٧٠٦٨) ضمن حديث، وفيه : ... وجعلت لي الأرض مساجد وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ... إلخ. وهو حديث صحيح. وانظر تتمة التعليق عليه فيه . ١٠٦ والمعذُورُ: هو الَّذي لا يَمضي عليه وَقتُ صلاةٍ إلا والحَدَثُ الَّذِي ابتُلِيَ به موجودٌ، وإذا زادَ الدَّمُ على العَشَرَةِ ولها عادَةٌ، فالزَّائِدُ على عادتها استحاضَةٌ، وإذا بَلَغَتْ مُسْتَحاضَةٌ فحَيضُها عَشَرَةٌ (ف) من كُلّ شَهْرٍ والباقي استِحاضَةٌ. فيما إذا توضأ قبل طلوع الشمس. وقولهما(١): انتقض وضوؤُهم بخروج الوقت، أي: عنده، لكن بالحدث السابق، فإن الصلاة مع الدم رخصةٌ، لأن الوضوءَ لا يرفع حَدَثاً وُجِد بعده. قال: (والمَعذُورُ: هو الَّذي لا يَمضي عليه وَقتُ صلاةٍ إلا والحَدَثُ الَّذِي ابْتُلِيَ به موجودٌ) حتى لو انقطع الدمُ وقتاً كاملاً خرج من أن يكون صاحبَ عُذْرٍ من وقت الانقطاعِ. قال: (وإذا زادَ الدَّمُ على العَشَرَةِ ولها عادَةٌ، فالزَّائِدُ على عادتها استحاضَةٌ) لأن بالزيادة على العشرة عُلِم كونها مستحاضةً، فتردّ إلى أيام أقرائها. قال عليه السلام للمستحاضة: ((دَعي الصلاةَ أيام أقرائك ثم توضَّئي وصلِّي))(٢). قال: (وإذا بَلَغَتْ مُسْتَحاضَةٌ فحَيضُها عَشَرَةٌ من كُلّ شَهْرٍ) لأنها مدةٌ صالحة للحيض، فلا تخرج بالشك، (والباقي استِحاضَةٌ) لما تقدَّم. (١) في (م): وقولنا، والمثبت من (س). (٢) هو طرف من حديث عائشة وجدٌ عدي بن ثابت السالف تخريجهما قريباً، فانظرهما. ١٠٧ فصل النِّفَاسُ: الدَّمُ الخَارِجُ حَقِيبَ الولادَةِ، ولا حَدَّ لأقَلِّه، وأكثَرُه أربعونَ يوماً فصل (النِّفَاسُ: الدَّمُ الخَارِجُ عَقِيبَ الولادَةِ) لأنه مشتقٌّ من تَنَفُّس الرَّحِم بالدم، أو من خروج النَّفْس، وهو الولد أو الدم، والكُلُّ موجود. قال: (ولا حَدَّ لأقَلِّه، وأكثَرُه أربعون يوماً) لقوله عليه السلام: ((تقعد النُّفَساء أربعين يوماً إلا أن تَرى طُهْراً قبل ذلك)) (١) قدَّر الأكثر (١) حديث حسن لغيره، وأخرجه من حديث أنس ابن ماجه (٦٤٩)، والدارقطني (٨٥٢) بلفظ: وقت للنفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطُّهر قبل ذلك. وإسناده ضعيف جداً، فيه سلام الطويل متروك الحديث. وأخرج أبو داود (٣١١)، وابن ماجه (٦٤٨)، والترمذي (١٣٩)، وأحمد في ((مسنده)) (٢٦٥٦١) من حديث أم سلمة: كانت النفساء على عهد رسول الله مثل ( تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً - أو أربعين ليلة، شك أبو خيثمة وهو أحد رواته۔ وكنا نَطْلي على وجوهنا الوَرْسَ من الكَلَف. وإسناده ضعيف فيه مُسَّة الأزدية، قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة، وقال ابن القطان في ((الوهم والإيهام)) ٣٢٩/٣: لا تعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث، وقال الحافظ في ((التلخيص)) ١/ ١٧١: مجهولة الحال. قلنا: لكن نقل صاحب ((عون المعبود)) ١٢٣/١ عن صاحب ((البدر المنير)) قوله: لا نُسلِّم جهالة عينها، وجهالةٌ حالها مرتفعة، فإنه روى عنها جماعة: كثير بن زياد، والحكم بن عتيبة، وزيد بن علي بن الحسين، وقد أثنى على حديثها البخاري وصحح الحاكم إسناده، فأقل أحواله أن یکون حسناً. انتهى . وللحديث شواهد عدة، لا يخلو أحدها من مقال، انظر الكلام عليها وتخریجها في «المسند» (٢٦٥٦١). ١٠٨ وإذا جاوَزَ الدَّمُ الأَرَبَعِينَ ولها عادةٌ فالزَّائِدَةُ عليها استِحاضَةٌ، وإن لم يكن لها عادةٌ فَنِفِاسُها أربعُونَ، والنَّاسُ في التَّوأمَينِ عَقِيبَ الأوَّل (مز)، والسَّقْطُ الَّذِي استَبَانَ بَعْضُ (ف) خَلْقِهِ: وَلَدٌ. ولم يقدّر الأقل، ولو كان له حدٌّ لقَدَّرَه، ولأن خروجَ الولد دليلُ خروج الدم من الرَّحِمِ، فاستُغني عن التقدير، ولا دليلَ في الحيضِ، فاحتجنا إلى التقدير ليُستَدلّ بدوامه على أنه من الرَّحِم. قال: (وإذا جاوَزَ الدَّمُ الأربعينَ ولها عادةٌ فالزَّائدَةُ عليها استِحاضَةٌ، وإن لم يكن لها عادةٌ فَنِفِاسُها أربعُونَ) وقد بيناه في الحيض . قال: (والنَّاسُ في التَّوأمَينِ عَقِيبَ الأوَّل)، وقال محمد وزفر: عَقِيب الأخير، فلو كان بين الولادتين أقل من ستة أشهرٍ فلا نِفاس لها من الثاني، وعند محمد: ما بينهما استحاضةٌ، والنِّفاس من الثاني. له: أن النِّفاس والحيض سواءٌ من حيث المَخْرَجُ والمانعيّةُ من الصوم والصلاةِ والوَطْءِ، والحيضُ لا يوجد من الحامل، فكذا النَّاس. ولهما: ما ذكرنا من حدِّ النِّفاس، وقد وُجد، بخلاف الحيض لما ذكرنا أنه ينسدُّ فمُ الرَّحِم بالحمل فلا تحيضُ، والعِدَّة تنقضي بالأخير إجماعاً، لأنه معلَّق بوضع الحمل، فيتناول الجميعَ وهي حامل بعد الأول. قال: (والسَّقْطُ الَّذي استْبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ: وَلَدٌ) فتصير به نُفَساء، وتنقضي به العِدَّة، وتصير الأَمَة به أُمَّ ولد، وينزل الشرطُ المعلَّق بمجيء الولد أخذاً بالاحتياطِ . ١٠٩ باب الأنجاس وتطهيرها النَّجاسَةُ غَليظَةٌ وخَفِيفَةٌ، فالمَانع من الغَلِيظَة أن تَزِيدَ على قَدْرِ الدّرْهَمِ (١)، باب الأنجاس وتطهيرها (النَّجاسَةُ غَليظَةٌ وخَفِيفَةٌ) فالغليظةُ عندَ أبي حنيفة: ما وَرَدَ في نجاسته نصٌّ ولم يُعارضه آخر، ولا حَرَجَ في اجتنابه، وإن اختلفوا فيه، لأن الاجتهاد لا يُعارِضُ النص. والمخففة: ما تعارضَ نَصَّانٍ في طهارته ونجاستِهِ، وعندهما: المغلظةُ: ما اتُّفق على نجاسته، ولا بلوى في إصابته، والمخففةُ: ما اختلف في نجاسته، لأن الاجتهاد حجة شرعية کالنص . قال: (فالمَانع من الغَلِيظَة أن تَزِيدَ على قَدْرِ الدّرهم)(١) وهو أن تكون مثلَ عَرْض الكف، لقولِ عمر رضي الله عنه: إذا كانت النجاسةُ قدرَ ظُفْرِي لهذا لا تمنعُ جوازَ الصلاة حتى تكون أكثر منه(٢)، وظفره كان (١) زاد هنا في مطبوعة أبي دقيقة ما نصه: ((مساحةً إن كان مائعاً، ووزناً إن كان كثيفاً))، وهذه العبارة ليست في الأصلين الخطيين الموجودين بين أيدينا. (٢) أثر عمر لم نقف عليه، وقد أخرج محمد بن الحسن في كتابه ((الآثار)) ٣٧٧/١، ويعقوب بن إبراهيم أبو يوسف في كتابه ((الآثار)) ص٦ عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي قوله: إذا كان الدم قدر الدرهم والبولُ وغيرُه، فأعد صلاتك، وإن كان أقل من قدر الدرهم فامض على صلاتك. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً ١/ ٣٩٢ عن هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول في الدم يكون في الثوب قدر الدينار أو الدرهم، قال: فليُعِدْ. ١١٠ والمانعُ من الخَفِيفَةِ أَنْ يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوبِ (ف)، وكُلُّ ما يَخرجُ من بَدَنِ الإنسانِ مُوجِبٌ للتَّطْهِيرِ فَتَجاسَتُه غَلِظَةٌ، قريباً من كفُّنا. وعن محمد: الدرهمُ الكبيرُ المثقال، أي: ما يكون وزنه مثقالاً، فيُحمل الأولُ على المساحة إن كان مائعاً، وقول محمد على الوزن إن كان مستجسِداً. قال النَّخَعي: أرادوا أن يقولوا: قدر المقعد، فكّتَّوا بقدرِ الدرهم عنه. وإنما قدَّره أصحابُنا بالدرهم، لأن قليلَ النجاسة عفو بالإجماع، كالتي لا يدركها البصر، ودم البعوض والبراغيث، والكثيرُ معتبَرٌ بالإجماع، فجعلنا الحدَّ الفاصل قدر الدرهم أخذاً من موضع الاستنجاء، فإنَّ بعد الاستنجاء بالحجر إن كان الخارجُ قد أصاب جميعَ المَخْرَج يبقى الأثر في جميعِه، وذلك يبلغ قدر الدرهم، والصلاة جائزةٌ معه إجماعاً، فعلمنا أن قدر الدرهم عفوٌ شرعاً. (والمانعُ من الخَفِيفَةِ أنْ يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوبِ) لأن للربع حكمَ الكلِّ في أحكام الشرع، كمسح الرأس وحَلْقِه، ثم قيل: ربع جميع الثوب، وقيل: ربع ما أصابه كالذَّيل والكُمّ والدِّخرِيص، وعند أبي يوسف شِبْرٌ في شبر، وعند محمد: ذِرَاع في ذراع، وعنه: موضع القَدَمين، والمختار الربع، وعن أبي حنيفة: أنه غير مقدَّر، وهو موكول إلى رأي المبتلَى لتفاوت الناس في الاستفحاش. (وكُلُّ ما يَخرجُ من بَدَنِ الإنسانِ مُوجِبٌ للتَّطْهِيرِ فَنَجاسَتُه غَلِيظَةٌ) كالغائط والبَوْل والدم والصَّدِيد والقَيء، ولا خلافَ فيه، وكذلك المَنِيُّ لقوله ◌َّوَ لعائشة: ((إن كان رَطْباً فاغسليه، وإن كان يابساً ١١١ فافْرُكيه))(١)، وقوله عليه السلام لعمار: ((إنما يُغْسَلُ الثوبُ من المنِيِّ والبولِ والدم»(٢) ولو أصاب البدن وجفّ. روى الحسن عن أبي (١) لم نجده بهذه السياقة، لكن أخرج أبو عوانة في (صحيحه)) (٥٢٧)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) ٤٩/١، والدارقطني (٤٤٩) من حديث عائشة بلفظ: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله و ﴿ إذا كان يابساً وأغسله إذا كان رطباً. وأخرج مسلم برقم (٢٩٠) من حديث عائشة أيضاً: لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ټ يابساً بظفري. وأخرج مسلم أيضاً برقم (٢٨٨) أن رجلاً نزل بعائشة، فأصبح يغسل، ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر، نضحت حوله. ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله مَ ل# فركاً، فيصلي فيه . وأخرج أحمد في («مسنده)) (٢٦٠٥٩) من حديث عائشة قالت: كان رسول الله وَّل﴿ يَسْلُتُ المنيَّ من ثوبه بِعِرْق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحثُّه من ثوبه يابساً، ثم يصلي فيه. وهو حديث صحيح دون قوله: ((بعرق الإذخر)). وانظر لزاماً تمام تخريجه فیه . قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٣٣/١: وليس بين حديث الغَسْل وحديث الفَرك تعارض، لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيّ، بأن يُحمل الغَسْل على الاستحباب للتنظيف، لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته، بأن يحمل الغسل على ما كان رطباً، والفَرْك على ما كان يابساً، وهذه طريقة الحنفية. (٢) أخرجه البزار في ((مسنده)) (١٣٩٧)، والدارقطني (٤٥٨)، وقال: لم يروه غير ثابت بن حماد - وهو أحد رواته - وهو ضعيف جداً، وإبراهيم وثابت ضعيفان . ١١٢ وكذلك الرَّوْثُ (سم) والأخْتاءُ، حنيفة: أنه لا يطهُرُ بالفَرْك. وذكر الكَرْخي عن أصحابنا: أنه يطهر، لأن البلوى فيه أعمُّ، والاكتفاء بالفرك لا يدلُّ على طهارته، فإن الصحيح عن أبي حنيفة أنها تَقِلُّ بالفرك، فتجوز الصلاة فيه، حتى لو أصابه الماء يعود نجساً عنده، خلافاً لهما، ثم رأينا كلَّ ما يوجب الطهارةَ كالغائط والبول ودم الحيض والنِّفاس نجساً، فقلنا بنجاسة المنيِّ لأنه يوجب أكبر الطهارات، وكونه أصلَ الآدمي لا يوجب طهارته كالعَلَقة. قال: (وكذلك الرَّوْثُ والأخْثاءُ(١)) وبولُ ما لا يؤكل مِن الدوابِ عندَ أبي حنيفة، لأن نجاستها ثبتت بنصٌّ لم يُعارضه غيرُه وهو قولُه عليه السلام في الرَّوْث: ((إنه رِجْسٌ))(٢) والأخثاءُ مثله، وعندهما: مخففة لِعموم البلوى به في الطَّرُقات ووقوع الاختلاف فيه؛ فعند مالك: الأرواث كلها طاهرة، وعند زفر: روثُ ما يُؤكّلُ لحمُه طاهِرٌ. ولأبي حنيفة: أنه استحال إلى نَتَنِ وفسادٍ، وهو منفصل عن حيوانٍ يُمكن التحرُّز عنه، فصار كالآدمي، والضرورة في البغال، وقد قلنا بالتخفيف فيها حتى تَطْهُرَ بالمسح، وبما ذكرنا من الحديث وبالمعقول خَرَجَ الجوابُ عن قول مالك وزفر. (١) الأخثاء جمع خَثَى، وهو روث البقر. (٢) أخرجه البخاري (١٥٦)، وابن ماجه (٣١٤)، والترمذي (١٧)، والنسائي ٣٩/١، وهو في «المسند» (٣٦٨٥) و(٣٩٦٦). ١١٣ وبَولُ الفأرَة، والصَّغِيرِ والصَّغِيرَة أَكَلا أو لا. قال: (و) كذلك (بَولُ الفأرَة) وخُرْؤُها لما تقدم، ولإطلاقِ قوله عليه السلام: ((استنزِهوا من البولَ))(١)، والاحتراز عنه مُمْكِنٌ في الماء، غيرُ ممكن في الطعام والثياب، فيُعفى عنه فيهما . قال: (و) كذلك بولُ (الصَّغِيرِ والصَّغِيرَة أَكَلا أو لا) لما روينا من غير فصلٍ، وما روي مِن نَضْح بول الصبي إذا لم يأكل، فالنضحُ يُذكر (١) أخرجه الدارقطني (٤٦٤) و(٤٦٥) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((استنزهوا من البول)»، وأعله أبو حاتم فقال: إن رفعه باطل. وأخرجه الدارقطني (٤٥٩) من حديث أنس، وقال: المحفوظ مرسل. وأخرجه هناد في ((الزهد)) (١٦١) عن وكيع، عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلاً: ((استنزهوا البولَ)). وأخرجه من حديث عبد الله بن عباس عبد بن حميد (٦٤٢)، والبزار (٢٤٣ - كشف الأستار)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٥١٩٤)، والطبراني في ((الكبير)) (١١١٢٠)، والدارقطني (٤٦٦)، والحاكم ١٨٣/١-١٨٤، والبيهقي في ((إثبات عذاب القبر)) (١٢١)، ولفظه: ((إن عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا من البول)». وسنده ضعيف. وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) من حديث جابر ٢٠/ (٢٤٨). وإسناده ضعيف . وأخرج مسلم في ((صحيحه)) (٢٩٢)، وأحمد في ((مسنده)) (١٩٨٠) من حديث ابن عباس في قصة الرجلين اللذين يعذبان في قبرهما وفيه: (( ... أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول ... )) إلخ. وجاء بلفظ: ((أما أحدهما فكان لا يستتر من البول)) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٢١٨). وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)) (١٩٨٠). ١١٤ والمَنِيُّ نَجِسٌ(١) (ف) يَجِبُ غَسْلُ رَطْبِهِ، ويُجْزِئُّ الفَرْكُ في يابِه، وإذا أصابَ الخُفَّ نجاسَةٌ لها جِرْمٌ كالرَّوْثِ فجَفَّ فدَلَكَه بالأرض جازَ (مز) والرَّطْب وما لا جِرْمَ له كالخَمرِ لا يُجزئ فيه إلاَّ الغَسْلُ، بمعنى الغَسْل، قال عليه السلام لمّا سُئل عن المَذْي: «انضَحْ فَرْجَك بالماء))(٢) أي: اغسله، فيُحَمَلُ عليه توفيقاً. قال: (والمَنِيُّ نَجِسٌّ(١) يَجِبُ غَسْلُ رَطْبِهِ، ويُجْزِئُ الفَرْكُ في يابسِه) وقد بينا الوجه فيه. وفي ((الفتاوى)): مرارةُ كلِّ شيءٍ كبوله في الحُكْمِ، وإذا اجترَّ البعيرُ فأصاب ثوب إنسان فحكمه حكم سِرْقِينه(٣) لوصوله إلى جوفه، کالماء إذا وصل إلى جوفه حکمُه حکمُ بوله. قال: (وإذا أصابَ الخُفَّ نجاسَةٌ لها جِرْمٌ كالرَّوْثِ) والعَذِرة (فجَفَّ فدَلَكَه بالأرض جازَ، والرَّطْب وما لا جِرْمَ له كالخَمرِ) والبول (لا يُجزئ فيه إلاَّ الغَسْلُ) وهذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يجزئ المسح فيهما إلا البول والخمر. وقال محمد: لا يجوزُ فيهما إلا الغَسلُ كالثوب، ولأبي يوسف إطلاقُ قولِه عليه السلام: ((إذا أصاب خُفَّ أحدِكم أو نعلَه أذىّ فليَدْلُكْهما في الأرضِ وليُصَلِّ فيهما، فإن ذلك (١) لفظة ((نجس)) أثبتناها من (م)، وهي ليست في (س). (٢) أخرجه من حديث علي البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣) (١٩)، وهو في ((المسند)) (١٠٢٦). ولفظ البخاري: ((توضأ واغسل ذكرك))، ولفظ أحمد: ((توضأ واغسله)). وانظر تمام تخريجه في ((المسند)). (٣) السِّرقِين، بالكسر وقد يُفتح، قال في ((القاموس)): الزِّبْل، معرَّبُ سِرْکین . ١١٥ والسَّيفُ والمِرآةُ يُكْتَفَى بِمَسْحِهما (ز) فيهما، وإذا أصابَتِ الأرضَ نجاسَةٌ فَذَهَبَ أثَرُها جازَتِ (زف) الصَّلاةُ عليها دُونَ النََّمُم، طَهورٌ لهما))(١) من غير فَصْل بين اليابس والرَّطْب والمستجسِد وغيره، وللضرورة العامة، وعليه أكثر المشايخ. ولأبي حنيفة هذا الحديث، إلا أن الرَّطْبَ إذا مُسِح بالأرض يَتَلطّخُ به الخُفُّ أكثر مما كان، فلا يُطَهِّرُهُ، بخلاف اليابس، لأن الخُفَّ لا يتداخله إلا شيءٌ يسيرٌ وهو معفوٌّ عنه، ولا كذلك البولُ والخَمْرُ، لأنه ليس فيه ما يجتذب مما على الخُف فيبقى على حاله، حتى لو لُصِق عليه طين رَطْبٌ فجفَّ ثم دَلَكه جاز، كالذي له جِرْمٌ، يروى ذلك عن أبي يوسف، وبخلاف الثوب لأنه متخلل فتتداخلُه أجزاءُ النجاسة، فلا تزولُ بالمسح فيجب الغَسل. قال: (والسَّيفُ والمِرآةُ يُكْتَفَى بمَسْحِهما فيهما) لأنهما لصلابتهما لا يتداخلهما شيءٌ من النجاسة فيزولُ بالمسح. قال: (وإذا أصابَتِ الأرضَ نجاسَةٌ فذَهَبَ أثَرُها، جازَتِ الصَّلاةُ عليها دُونَ التَّيَهُم)(٢). وقال زفر: لا تجوزُ الصلاةُ كالتيمم. ولنا أن (١) أخرجه بنحوه من حديث أبي سعيد الخدري أبو داود (٦٥٠)، وهو في («المسند» (١١١٥٣)، و((صحيح ابن حبان)) (٢١٨٥). وإسناده صحيح وانظره فيهما. ولفظ أحمد: ((فإذا جاء أحدكم المسجد، فليقلب نعله، فلينظر فيها، فإن رأى بها خبئاً فليُمِسَّه بالأرض، ثم ليصل فيهما)). وفي الباب عن غير واحدٍ من الصحابة انظر تخريجها في ((المسند)). (٢) زاد بعد هذا في مطبوعة أبي دقيقة: ((لأن طهارة الصعيد ثبتت شرطاً بنص الكتاب، فلا يتأدى بما ثبت بالحديث)). وهذه العبارة ليست في شيء من أصولنا الخطية . ١١٦ وبَوْلُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (م)، وبَوْلُ الفَرَسِ، ودَعُ السَّمَكِ (ف)، ولُعابُ البَغْلِ والحِمارِ، وخُرْءُ ما لا (سم) يُؤْكَلُ من الطُّيُورِ نَجاسَتُه مُخَفَّفَةٌ، مساء الأرض تَنْشَفُ، والهواءُ يجذبُ ما ظَهَرَ منها، فَقَلَّت، والقليل لا يمنع جوازَ الصلاة ويَمْنَعُ التيمم. وروى ابنُ كاس عن أصحابنا جوازَ التيمم أيضاً، لأن النجاسة استحالت إلى أجزاء الأرض، لأن من شأن الأرض جَذْبَ الأشياء إلى طبعها، وبالاستحالة تَطْهُر كالخمر [إذا تخلَّلَتْ](١) فيجوزُ التيمم. وإذا أصابَ الأرضَ نجاسة، إن كانت رِخْوةً يُصبُّ عليها الماء فتطهر، لأنها تَنْشَفُ الماءَ، فيطهُرُ وجهُ الأرض، وإن كانت صُلبةً يُصبُّ الماء عليها ثم تُكْنَس الحَفِيرةُ التي اجتمع فيها الغُسالة. قال: (وبَوْلُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُه، وبَوْلُ الفَرَسِ، ودَمُ السَّمَكِ، ولُعابُ البَغْلِ والحِمارِ، وخُرْءُ ما لا يُؤْكَلُ من الطُّيُورِ نَجاسَتُه مُخَفَّفَةٌ) أما بولُ ما يُؤكل لحمُه فطاهر عند مُحمد لحديث العُرَنِّين(٢)، ويدخُلُ فيه بَولُ الفَرَس عنده أيضاً، ولهما: أنه استحال إلى نَتَنِ وخَبَثٍ فيكون نَجِساً كبول ما لا يُؤكل، إلا أنَّا قلنا بتخفيفه للتعارض، وحديث العُرَبِيِّين نُسخ كالمُثلة، ودُ السَّمَك ليس بدم حقيقةً لأنه يَبْيَضُّ بالشمس. وعن أبي يوسف أنه نَجِس، فقلنا بخقَّتَه لذلك، ولعاب البَغْل والحِمار (١) ما بين الحاصرتين ليس في أصولنا الخطية، وأثبتناه من مطبوعة أبي دقيقة . (٢) أخرجه من حديث أنس البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١)، وهو في ((المسند)) (١٢٩٣٦)، و((صحيح ابن حبان)) (١٣٨٦). ١١٧ وخُرْءُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُه من الطُّيُورِ طاهِرٌ (ف) إلاَّ الدَّجاجَ والبَطَّ فإنَّ نجاسته غَلِيظَةٌ، وإذا انتَضَحَ عليه البَوْلُ مِثْلَ رُؤوسِ الإِبَرِ فليس بشيءٍ (ف). ويجُوزُ إِزَالَةُ النَّجاسةِ بالماء لتعارض النصوص، وخُرْء ما لا يؤكل لحمه من الطيور لعموم البلوى، فإنه لا يمكن الاحتراز عنه، لأنها تَذْرُق من الهواء. وعند محمد : نجاستُه غليظة لأنها لا تخالط الناس فلا بلوى، وجوابه ما قلنا . قال: (وخُرْءُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُه من الطُّيُورِ طاهِرٌ) لإجماع المسلمين على ترك الحَمَامات في المساجد، ولو كان نجساً لأخرجوها، خصوصاً في المسجد الحرام. قال: (إلاَّ الدَّجاجَ والبَطَّ فإنَّ نجاسته غَلِيظَةٌ) بالإجماع. قال: (وإذا انتَضَحَ عليه البَوْلُ مِثْلَ رُؤوسِ الإِبَرِّ فليس بشيءٍ) لأنه لا يُمكن الاحتراز عنه وفيه حرج فينتفي، وليس بولُ الخَفافيش وخُرْؤها ولا دمُ البقِّ والبراغيث بشيءٍ لما ذكرنا. قال الكَرْخي: وما يبقى من الدم في اللحم والعُروق طاهر. وعن أبي يوسف: أنه معفوٌّ في الأكل دونَ الثياب. فصل (ويجُوزُ إِزَالَةُ النَّجاسةِ بالماء) ولا خلاف فيه. قال عليه السلام: ((ثم اغسليه بالماء))(١). (١) أخرجه من حديث أم قيس بنت محصنٍ أبو داود (٣٦٣)، وابن ماجه (٦٢٨)، والنسائي ١٥٤/١ -١٥٥، وأحمد في ((المسند)) (٢٦٩٩٨)، وهو من= ١١٨ وبِكُلّ مائعٍ طاهِرٍ كالخَلّ (م زف) وماء الوَرْدِ، فإنْ كان لها عَيْنٌ مَرئيةٌ فطهارتُها زوَالُها، ٠ قال: (وبِكُلّ مائع طاهِرٍ) ينعَصِر بالعَصْر (كالخَلّ وماء الوَرْدِ) وما يُعتَصَر من الشجر والورق. وقال محمد وزفر: لا يجوز إلا بالماء. وعن أبي يوسف في البدن روايتان. لمُحمد: قوله عليه السلام: ((ثم اغسليه بالماء))، ولو جاز بغير الماء لما كان في التعيين فائدة، وبالقياس على الحُكْميَّة. ولهما قوله تعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وتطهير الثوب إزالة النجاسة عنه، وقد وُجد في الخَلِّ حقيقةً، والمراد من الحديث الإزالة مطلقاً، حتى لو أزالها بالقطع جاز، والإزالة تتحقق بما ذكرنا كما في الماء لاستوائهما في الموجِب للزَّوال من تَرْقيق النَّجاسة واختلاطِها بالمائع بالدَّلْك وتقاطُرِها بالعَصْر شيئاً فشيئاً إلى أن تفنى بالكُليَّة، وذِكْر الماء في الحديث وَرَد على ما هو المعتاد غالباً لا للتقييد به لما ذكرنا، والقياس على الحُكْميَّة لا يستقيم، لأنها عبادةٌ لا يُعقَل معناها، ألا ترى أنه يجب غسل غير موضع النجاسة، فيقتصر على مورد الشرع وهو الماء، أما الحقيقية فالمقصود إزالة النجاسة وقد زالت لما بينًا . قال: (فإنْ كان لها عَيْنٌ مَرئيةٌ فطهارتُها زوَالُها) لأن الحكم بالنجاسة بقيام عينِها فينعدمُ بزوالها، فلو زالت بالغَسْلَةِ الواحدة، = حديث أسماء عند البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١) بلفظ القَرْص بالماء، وهو في («المسند» (٢٦٩٢٠)، و((صحيح ابن حبان)) (١٣٩٦). ١١٩ ولا يَضُرُّ بقاءُ أثَرٍ يَشُقُّ زوَالُه، وما ليس بمَرْئِيَّةٍ فِطَهَارَتُها أنْ يَغْسِلَه حتَّى يَغْلِبَ على ظَنِّ طهارَتُه (ف) ويُقَدَّرُ بالثَّلاثِ أو بالسَّبْعِ قَطْعاً لِلوَسوَسة، ولا بُدَّ من العَصْرِ فِي كُلّ مَرَّةٍ، وكذلكَ يُقدَّرُ في الاستِنِجاءِ . طهُرت عندَ بعضهم، وهو مقتضى ما ذكره في الكتاب، وعند بعضهم يشترط غسلُه بعدها مرتين اعتباراً بغير المرئية. قال: (ولا يَضُرُّ بقاءُ أثَرِ يَشُقُّ زوَالُه) لقوله عليه السلام في دم الحيض: ((اغسليه ولا يضرُّك أَثَرُه))(١) ودفعاً للحَرَج. قال: (وما ليس بمَرْئيَّةٍ فطَهارَتُها أنْ يَغْسِلَه حتَّى يَغْلِبَ على ظَنِّه طهارَتُهُ) لأن غَلَبَةَ الظن دليلٌ في الشرعيات لا سيما عند تعذُّر اليقين. قال: (ويُقَدَّرُ بالثَّلاثِ أو بالسّبْعِ قَطْعاً لِلوَسوَسة، ولا بُدَّ من العَصْرِ فِي كُلّ مَرَّةٍ، وكذلكَ يُقدَّرُ في الاستِنجاءِ) وذكر في ((المبسوط)): لا يُحكم بزوالها قبلَ الثلاث لحديث المستيقظ(٢). وفي ((المنتقى)) عن أبي يوسف: إذا غَسَلَه سابعةً طَهُرَ، وما لا ينْعَصِر بالعَصْر كالخَزَف والآجُرّ والحِنْطة إذا تشرَّبت فيها النجاسة، والجِلْدِ إذا دُبغ بالدُّهن النَّجِس، والسكِّينِ إذا مُوّه بالماء النجس، واللحمٍ إذا طُبِخَ بالماء النجس. قال محمد: لا يَطْهُرُ أبداً لعدم العَصْرِ. وقال أبو يوسف: (١) أخرجه من حديث أبي هريرة أبو داود (٣٦٥)، وهو في ((المسند)) (٨٧٦٧) وهو حديث حسن. وانظر تمام تخريجه وأحاديث الباب في «المسند)). (٢) سلف تخريجه ص٤٢ . ١٢٠