Indexed OCR Text
Pages 1-20
إِيْطَالُ الحِيلِ جميع الحقوق محفُوطة للنّاشِرْ الطَّعَّة الأولى ١٤١٧ هـ / ١٩٩٦م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤسسَة الرسالة - بيروت - وَطى المصَيُطبة - مِبْنِى عَبْد اللّه سليتٌ تلفاكس: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ - ٦٠٣٢٤٣ - ص.ب: ٧٤٦٠ - برقياً: بوشران BEIRUT / LEBANON - TELEFAX : 815112 -319039 - 603243 - P. O. BOX : 117460 Al-Resalah PUBLISHING HOUSE إِنْطَالُ الحِيلِ تَصْنيفٌ الإِمَامُ أُبِ حَيِّدِ اللَّهُ مُبَيْدِ اللَّه بْ مَلُ بنَبَطَّةِ الشَّكْرَيِالجَنَكيّ ٣٠٤ - ٣٨٧هـ تحقيق وتعليق د. سليمان بن عبد اللَّه العمير الأستاذ المسَاعِد مُكَلِيَّة الشريِيَّةِ فِى الْجَامِعَة الْإِسْلَامِيَّة مؤسسة الرسالة 13 ۵ إبطال الحيل . المقترمة إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، مَنْ يهده الله فلا مضل له ، ومَن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله . وبعد : فهذا كتابٌ في مسألة خُلْع اليمين وإبطال الحيلة فيه ، من تصنيف العالم الزاهد الفقيه أبي عبدالله : عبيدالله بن محمَّد بن بطَّة العكبري الحنبلي ، المتوفى سنة ٣٨٧هـ. وضعه في الأصل جوابًا على سؤال وُجَِّ إليه عن مدى صحَّة ما أفتى به بعض الفقهاء في زمنه ، رجلاً حلف بالطَّلاق ثلاثًا أنَّهَ لابُدَّ أن يقتل رجلاً مسلمًا لأجل خصومة جرت بينهما ، فأفتاه بالتحايل على هذه اليمين بأن يُطالب زوجته بالانخلاع منه لتسقط عنه اليمين ، ثُمَّ يعود إلیھا فیتزوجها من جديد ، ويسقط عنه الوفاء بما حلف عليه . وقد رأى المُصَنِّف أن لا يخلي هذا الجواب من فائدة ، فوضع بين يديه مقدّمة نفيسة في صفة الفقيه الرباني ، الذي ينبغي الفزع إليه عند المشكلات ، واستفتائه عند نزول المعضلات ، واستدلَّ لذلك بأدلَّة ٦ إبطال الحيل .. الكتاب ، والسُنّة ، وأقوال السلف ، بما قد لاتجده في المطوّلات . ثُمَّ عرَّج على موضوع الحيَل بشكل عام ، فبين مضرَّة الحيل في دين الله ، وما تؤدي إليه من المروق من الدين ، وساق الأدلة من الكتاب ، والسُنَّة ، وأقوال أئمة الإسلام المعتدبهم ، على تحريم الحيَل وبطلانها في الأحكام الشرعية . ثُمَّ ختم الكتاب ببيان خطورة منصب الفتوى والجرأة عليها ، ونقل عن السلف من الصحابة والتابعين في هذا المقام ما يشفي ويكفي . منْ هنا جاءت فكرة الاعتناء بهذا الكتاب وخدمته خدمة تليق به، لاسيما أنَّ الطبعتين السابقتين للكتاب مليئتان بالتصحيف ، والتحريف ، والسقط ، كما سيتضح ذلك من خلال التعليقات علي الكتاب . أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، وعونًا على طاعته. وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه . کتبها : د. سليمان بن عبدالله العمير في مدینة النبي ټ﴾﴾ ١٩/ ١٤١٦/١١ هـ ٧ إيطال الحيل ترجمة المصنف (١) اسمه ونسبه : هو : أبو عبدالله عبيدالله (٢) بن محمَّد بن محمَّد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن سعد بن عتبة بن فرقد العُكْبَري (٣) (١) ترجمة ابن بطَّة في المصادر التالية: تاريخ بغداد: ٣٧١/١٠ _٣٧٥، الإكمال لابن ماكولا : ٣٣٠/١ -٣٣١، طبقات الفقهاء للشيرازي : ١٧٣، طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى : ٢/ ١٤٤-١٥٣، وترجمته فيها من أوسع التراجم وأغزرها فائدة ، تاريخ دمشق ((مخطوط)) : ٧٣٥/١٠_٧٣٩ ، الأنساب للسمعاني : ٢٤٣/٢ ، المنتظم : ٣٩٠/١٤-٣٩٣، مناقب الإمام أحمد : ٦٢٣-٦٢٤ كلاهما لابن الجوزي ، اللباب: ١٦٠/١، ٣٥١/٢، الكامل: ١٨٨/٧ كلاهما لابن الأثير، المطلع على أبواب المقنع : ٤٣٩_٤٤٢، سير أعلام النبلاء: ٥٢٩/١٦-٥٣٣، العبر: ٣٥/٣، ميزان الإعتدال: ١٥/٣، المشتبه: ٨٤/١ كلها للذهبي، البداية والنهاية: ٣٤٣/١١-٣٤٤ مختصر طبقات الحنابلة للنابلسي : ٣٤٦ ، منتخب المختار للتقي الفاسي : ١٨٩ ، لسان الميزان: ١١٢/٤_١١٥، المنهج الأحمد: ٨١/٢-٨٦، الدر المنضد : ١٧٩/١-١٨٠ كلاهما للعليمي: شذرات الذهب: ١٢٢/٣-١٢٤، تاج العروس: ١٥٧/١٩، إيضاح المكنون: ٨/١، هدية العارفين: ٦٤٧/١، الأعلام: ١٩٧/٤، معجم المؤلفين : ٢٤٥/٦، المستدرك على معجم المؤلفين للمؤلّف نفسه : ٤٥٠ . (٢) هكذا هو اسمه عبيدالله - بالتصغير - في جميع مصادر ترجمته إلاَّ ما ورد في المنهج الأحمد: ٢/ ٨١ من تسميته بـ: ((عبدالله)) - مكبرًاً - ولعلَّه خطأ من النُّسَّاخ. (٣) العُكْبَري - بضم العين وسكون الكاف وفتح الباء -. نسبةً إلى عُكْبَرا. وقد تُمَد وتُقْصَر ، وهي بليدة على نهر دجلة بينها وبين بغداد عشرة فراسخ . ويقال في النسبة إليها : عُكْبَريّ وعُكْبَراوِيّ . معجم البلدان: ١٤٢/٤ . ٨ ) إيطال الحيل .. الحنبلي المعروف بابن بطة (١) ، ينتهي نسبه إلى عتبة بن فرقد صاحب رسول الله عَلّ . . مولده : وُلُدَ ابن بطة في يوم الإثنين الرابع من شهر شوال سنة أربع وثلاثمائة ((٣٠٤هـ)). وهذا باتفاق المترجمين له . وقد قطع ابن بطة كل خلاف يمكن أن ينشأ في تحديد مولده بقوله هو عن نفسه : ((وُلُدتُ يوم الإثنين لأربع خلونَ من شوال سنة أربع وثلاثمائة)) (٢). نشأته ، وطلبه العلم ، ورحلاته : نشأ ابن بطَّة مُحبًّاً للعلم ، في وسط بيئة علميّة ، إذ كان أبوه من أهل العلم ، كما يُستفاد من ترجمته الوحيدة التي وصلت إلينا عن طريق الصفدي في كتابه (( الوافي بالوفيات)) ، حيث ترجمه بقوله : ((محمَّد بن محمَّد بن حمدان بن بطَّة بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن سعد بن عتبة بن فرقد ، صاحب رسول الله عميقة ، أبو بكر العكبري ، والد عبيدالله، الفقيه، صاحب المصنَّفات ، حدَّث عن عبدالله بن الوليد بن جرير وغيره، وروى عنه ولده في (١) بَطَّة - بفتح الباء والطاء المشدَّدة - لقب لأحد أجداد المترجم، والنسبة إليها بَطّي. اللباب : ١٦٠/١. (٢) طبقات الحنابلة: ٢ /١٤٥. ٩ ●● إيطال الحيل ورقة مُصَنَّفَاته))(١). وقد أرسله والده إلى بغداد لسماع الحديث وعمره إحدى عشر سنة ، يتحدَّث ابن بطة عن هذه الرحلة فيقول : ((كان لأبي ... ببغداد شركاء ، وكان فيهم رجل يُعْرَف بأبي بكر ، فقال لأبي : ابعث بابنك إلى بغداد ليسمع الحديث . فقال : إِنَّه صغير . فقال أبو بكر : أنا أحمله معي . فحملني إلى بغداد ، فجئت إلى ابن منيع وهو يُقْرأ عليه الحديث ، فقال لي بعضهم : سَل الشيخ أن يُخْرج إليك معجمه لتقرأه عليه، ولم أعلم أنَّله معجمًا ، فسألت ابنه أو ابن بنته ، فقال : إنَّه يريد دراهم كثيرة . فقلت : لأمي طاق ملحم فأخذه منها وأبيعه . ثُمَّ قرأنا عليه كتاب المعجم في نفر خاصٌّ في مُدَّة عشرة أيام أو أقل أو أكثر ، وذلك في آخر سنة خمس عشرة وأول سنة ست عشرة)) (٢) . ولم تكن هذه الرحلة هي الوحيدة بالنسبة لابن بطّة ، على الرغم من كون بغداد ملتقى العلماء ، ويجد فيها طالب العلم بغيته في مختلف العلوم ، لكن همَّتَه دفعته إلى طلب المزيد والتجوال في أنحاء البلاد، فسافر إلى البصرة ودمشق وحمْص وأردبيل ومكَّة والثغور(٣)، ولقي العلماء وأخذ عنهم علومًا جمة، ثُمَّ ما لبث أن (١) الوافي بالوفيات: ١٦١/١. (٢) طبقات الحنابلة: ١٤٥/٢، المنتظم: ١٤/ ٣٩٢. (٣) تاريخ بغداد: ٣٧١/١٠، الطبقات: ١٤٤/٢، السير: ٥٢٩/١٦. ١٠ ●● إيطال الحيل ●● رجع إلى بلده عُكْبَرا ، ولزم بيته ، وتفرَّغ للتصنيف وإفادة الناس . يقول الخطيب : حدَّني القاضي أبو حامد أحمد بن محمَّد الدَّوي قال: «لَّما رجع أبو عبدالله بن بطَّة من الرحلة، لازم بيته أربعين سنة ، فلم يُرَ خارجًا منه في سوق ، ولا رُؤيَ مُفْطرًا إلاَّ في يومي الأضحى والفطر ، وكان أمَّارًا بالمعروف ، ولم يبلغه خبر منكر إِلاَّ غيَّره))(١). ولا يوجد في المصادر تفصيلات عن بداية هذه الرحلات ، ومَن لقي فيها من العلماء في البلدان التي سافر إليها ، ومُدَّ مُكّثه في كُلِّ بلد ، إلاَّ ما كان من إشارات عابرة للإمام الذهبي، فإنَّه قال: ((رحل - أي ابن بطَّة - في الكهولة ، فسمع من علي بن أبي العقَب بدمشق ، ومن أحمد بن عبيد الصفَّار بحمْص)) (٢). لكن الذي يمكن الجزم به هو تاريخ عودته من الرحلة وهو سنة ٣٤٧ هـ كما يستفاد من النص المنقول آنفًا عن الخطيب، وهو ملازمة ابن بطَّة بيته - بعد عودته من رحلته - أربعين سنة . إذا علمنا أنَّه توفي سنة ٣٨٧ هـ . (١) تاريخ بغداد: ٣٧٢/١٠، وانظر: الطبقات: ١٤٤/٢، المنتظم: ٣٩٠/١٤. (٢) السير: ٥٢٩/١٦. وانظر: تاريخ بغداد: ٣٧١/١٠ وفيه أيضًا إشارة إلى أنَّ ابن بطَّة سافر إلى أردبيل . ١١ أبطال الحيل شيوخه : أخذ ابن بطَّة على عدد من علماء عصره في بلده عُكْبَرا ، وفي بغداد ، وسائر البلاد التي رحل إليها ، فسمع : أباه ، وأبا القاسم عبدالله بن محمَّد البغوي (ت ٣١٧هـ)، وأبا محمَّد يحيى بن محمد بن صاعد (ت ٣١٨ هـ)، وأبا بكر عبدالله بن محمّد بن زياد النيسابوري (ت ٣٤٢ هـ) ، وأبا علي إسماعيل بن العباس الورَّاق (ت ٣٢٤ هـ)، وأبا طالب أحمد بن نصر الحافظ (ت ٣٢٣ هـ)، وأبا ذر أحمد بن محمَّد بن سليمان الباغندي (ت٣٢٦ هـ)، وأبا عبدالله محمَّد بن مخلد العطّار (ت ٣٣١ هـ)، وأبا بكر محمَّد بن محمود السراج ، وأبا صالح محمَّد بن أحمد بن ثابت العُكْبَري ، وأبا حفص عمر بن محمَّد بن رجاء العُكْبَري (ت٣٣٩هـ)، وأبا بكر محمَّد بن أيوب بن المعافى العُكْبَري (ت٣٢٩هـ)، وأبا الفضل جعفر بن محمَّد القافلاني (ت ٣٢٥ هـ) ، وأبا القاسم عمر بن الحسين الخرقي صاحب المختصر المشهور في الفقه (ت ٣٣٤ هـ) ، وأبا بكر عبدالعزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلاَّل (ت ٣٦٣ هـ) ، وأبا الفضل شعيب بن محمَّد بن الراجيان (ت ٣٢٦ هـ)، وأبا الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي (ت ٣٤٦ هـ)، وأبا الحسين محمَّد بن أحمد بن أبي سهل الحربي (ت ٣٢٩ هـ)، وأبا بكر محمَّد بن القاسم بن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، وأبا عبدالله ١٢ ـســ إبطال الحيل .. الحسين بن إسماعيل بن محمَّد المحاملي (ت ٣٣٠ هـ)، وأبا بكر محمّد بن الحسين الآجري (ت ٣٦٠ هـ)، وغير هؤلاء كثير ممَّن لقيهم في بلده أو رحلاته ، فإنَّه سافر الكثير إلى البصرة والشام وغيرهما من البلدان (١) . تلاميذه : تتلمذ على ابن بطّة ۔ بعد عودته من رحلته وجلوسه للتدریس- عددٌ غير قليل من الطلبة ، تخرَّجوا به ، واستفادوا من علمه وأخلاقه ، وصار لبعضهم شهرة في عصرهم ، ومنهم : الحسن بن شهاب العُكْبَري (ت ٤٢٨هـ)، وقد لازم ابن بطّة إلى حين وفاته . له المصنَّفات في الفقه والفرائض والنحو (٢). وأبو حفص عمر بن إبراهيم العُكْبَري (ت ٣٨٧ هـ)، وقد أكثر من ملازمة ابن بطَّة. صنَّف شرح الخرقي ، والمقنع ، وله الاختيارات في المسائل المشكلات (٣). وأبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي (ت ٤٤٥ هـ) (٤) . (١) انظر في شيوخه: أوائل الأعلام في نصوص هذا الكتاب. وتاريخ بغداد: ١٩٨/٤، وذيل ابن النجار: ٥١/٤، ١٩٩/٥، وطبقات الحنابلة: ٧/٢، ٤٣، ٥١، ٥٤، ٦٩، ٧٢، ٧٤، ٧٦، ١١٩، ١٤٤، ١٧٣، ٠١٧٤ (٢) الطبقات : ١٨٦/٢. (٣) المصدر السابق: ١٦٣/٣ . (٤) المصدر السابق : ٢ /١٩٠. ١٣ إبطال الحيل .. وأبو بكر أحمد بن موسى الزاهد المعروف بالروشناني (ت ٤١١ هـ) (١). وأبو طالب محمّد بن علي بن الفتح العشاري (ت ٤٥١ هـ) (٢) . وأبو عبدالله الحسن بن حامد البغدادي (ت ٤٠٣ هـ) إمام الحنابلة في وقته ، وصاحب التصانيف (٣). وأبو الفضل محمّد بن أحمد بن عيسى السعدي البغدادي الشافعي (ت ٤٤١ هـ)، وهو راوي معجم الصحابة للبغوي عن ابن بطَّة (٤) . وأبو مسلم جعفر بن باي الجيلي الشافعي (ت ٤١٧ هـ) (٥). وغيرهم كثير . (١) المصدر السابق: ٢/ ١٨٠. (٢) المصدر السابق : ٢/ ١٩٢ . (٣) المصدر السابق: ٢/ ١٧٣ - ١٧٤. (٤) السير: ٥/١٨، طبقات الشافعية للسبكي: ١٠٣/٤. (٥) تاريخ بغداد: ٢٣٥/٧، طبقات الشافعية: ٢٩٧/٤. ١٤ إبطال الحيل .. فقهه : بجانب اهتمام ابن بطَّة برواية الحديث والدفاع عن عقيدة السلف، وتأليفه في ذلك السُّنَن والإبانتين الكبرى والصغرى ، فإنَّه لم يغفل جانب الفقه والتصدي لإفتاء النَّاس وإرشادهم فيما يشكل عليهم من أمور دينهم ، فقد أولى ذلك عناية خاصّة ، ووجَّه همَّتَه إليه منذ وقت مبكر حَّتِى لَيُقَال: إنَّه أفتى وهو ابن خمس عشرة سنة(١) . ولهذا يرد اسمه في بعض المصادر مقرونًا بوصف: الفقيه(٢) . وقد صنَّف في عدد من المسائل الفقهية ، بحيث بلغت مصنَّفاته في هذا الشأن خمسةً وعشرين مُصنَّفًا من مجموع خمسة وثلاثين ، وهو عدد مُصَنَّفاته التي وصلت إلينا ، وهي نسبة كبيرة تزيد عن الثُّلُثَيْن . ويُعَدُّ ابن بطَّة - بحق - من كبار الفقهاء وأعيانهم في مذهب الإمام أحمد ، وله اختيارات وترجيحات يخالف فيها المذهب ، وقد (١) شذرات الذهب: ١٢٤/٣، وكانت فتاواه تتسم بالضبط والتحرير ورعاية الأصلح. قال ابن رجب في الاستخراج لأحكام الخراج: ٣٥٦: قرأت بخط القاضي ممّا كتبه من خط أبي حفص أنَّ ابن بطَّة كان يفتي أنَّ الرهن أمانة، فقيل له: إن أناساً يعتمدون على ذلك ويجحدون الرُّهون. فأفتى بعد ذلك بأنَّه مضمون. (٢) انظر مثلاً: طبقات الحنابلة: ٢/ ٥٣، تاريخ دمشق: ٧٣٥/١٠، الوافي بالوفيات: ١٦١/١. ١٥ إبطال الحيل .. يشاركه فيها غيره . وهذه بعض الأمثلة على اختياراته وترجيحاته : ١ - اختار أنَّ (( بسم الله الرحمن الرحيم)) آية في الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة . والأصحاب على خلاف ذلك (١) . ٢ - اختار أنَّ تارك الصلاة كسلاً يُقتل حدًا لا كُفْرًا، وأنكر قول مَنْ قال: إنَّه يكفُر . وذكر أنَّ المذهب على هذا لم يجد في المذهب خلافًا فيه . لكن المشهور في المذهب خلاف ما قال ابن بطَّة وهو أنَّه يُقْتَل كُفْرًا (٢). ٣ - اختار أنَّ الصلاة تجب في الذِّمَّة إذا مضى من الوقت قد مايمكنه أداؤها فيه . والمذهب أنَّها تستقر في الذِّمَّة بما وجبت به وهو إدراك شيء من الوقت ، ولو قد تكبيرة الإحرام (٣). ٤ - اختار أنَّ مَن جامَعَ في نهار رمضان ناسيًا لا كَفَّارة عليه . والمذهب التسوية بين الناسي والعامد (٤). ٥ - اختار أنَّه إذا وهب لبعض أولاده ثُمَّ مات قبل أن يرجع ، أنَّ (١) انظر: المغني: ١٥١/٢، المبدع: ٤٣٤/١، الإنصاف: ٤٨/٢، شرح الكوكب المنير: ٢ / ١٢٤. (٢) انظر: المغني: ٣٥٥/٣، الصلاة وحكم تاركها لابن القيم: ١٤/١٣، المبدع: ٣٠٧/١، الإنصاف: ٤٠٤/١. (٣) انظر: المغني: ١٢/٢، القواعد لابن رجب: ٢٦، الإنصاف: ٤٤١/١. (٤) انظر: شرح الزركشي على الخرقي: ٥٩٢/٢، الإنصاف: ٣١١/٣، ٤٢٦/٨. ١٦ إبطال الحيل .. لسائر الورثة أن يرتجعوا ما وهبه . والمذهب أنَّه يثبت للموهوب له ، وليس لبقية الورثة الرجوع (١). ٦ - اختار انعقاد النكاح بشهادة ابني الزوجين أو أحدهما . والمذهب عدم انعقاده (٢) . ٧ - اختار أنَّ الجدَّ كالأب مُطْلقًا بحيث يحجب الأخوة كلهم. وظاهر المذهب أنَّ الجدَّلا يرث مع فقد الأب (٣). ٨- اختار أنَّه لايقبل على كل شاهد أصل إلاَّ شاهدا فرع. والمذهب أنَّه يجوز أن يشهد علی کل واحد من شاهدي الأصل شاهد فرع واحد (٤) . ٩ - اختار استفتاح الفأل من المصحف . بل فعله ولم يره غيره . كذا قال ابن مفلح في الفروع (٥) . ١٠ - اختار جواز الاجتهاد للنبي تَّه فيما يتعلَّق بأمر الشرع . والقول الثاني في المسألة : أنَّ كُلَّ سُنَّة عن النبي تَّهِ فبأمر الله (٦). (١) انظر: المغني: ٨/ ٢٧٠. (٢) انظر: المغني: ٩/ ٣٥٠، ١٠٥/٨. (٣) انظر: القواعد لابن رجب: ٣٥٤. (٤) انظر: المغني : ١٤ / ٢٠٦. (٥) الفروع: ١٩٣/١. (٦) العدة لأبي يعلى: ١٥٧٨/٥، طبقات الحنابلة: ١٦٣/٢. ١٧ ●● إبطال الحيل ●● ١١ - اختار تحريم السفر لزيارة القبور، وأنَّ المسافر عاص بسفره هذا، ولا يجوز له قصر الصلاة (١) . مُصَنَّفَاته : يُعَدُّ ابن بطَّة من المكثرين من التصنيف ، فقد قيل : إنَّ مصنَّفاته تزيد على مائة مُصَنَّف (٢). وقد ذكر ابن أبي يعلى منها تسعة عشر مصنّفًا ، ثُمَّ قال : وغير ذلك (٣). وهي مُصنَفَّات حافلة في كثير من فنون العلم (٤)، إذ ألَّف في العقيدة ، والحديث ، والفقه ، والزهد ، وغير ذلك . وقد بذلت جهدًا في تتبع مصنَّفات هذا الإمام في كثير من المصادر ، فوقفت على عدد منها غير الذي ذكره ابن أبي يعلى في طبقاته . وهذا بيان بأسماء تلك المصنَّفات التي ذكرها ابن أبي يعلى ، والتي زدت عليها مرتبة على حروف المعجم مع الإشارة إلى مَنْ (١) الإبانة الصغرى للمؤلف: ٣٤٢، اقتضاء الصراط المستقيم: ٦٦٥/٢، تلخيص الإستغاثة : ٢٨٨. (٢) طبقات الحنابلة : ١٥٢/٢. (٣) المصدر السابق. (٤) البداية والنهاية لابن كثير: ٣٤٣/١١. ١٨ إبطال الحيل .. ذكرها أو نقل عنها ، وحيث أقول ذكره ابن أبي يعلى فهو ممَّا ورد في قائمته ، وحيث أغفل ذلك فهو ممَّا استدركته : ١ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية (١): وتسمَّى: ((الإبانة الكبرى)) تمييزًاً لها عن كتابه الآخر: الشرح والإبانة، المسمَّى بـ ((الإبانة الصغرى)). ذكره ابن أبي يعلى (٢)، والبعلي (٣)، والعليمي (٤). ٢ - إيجاب الصداق بالخلوة : ذكره ابن أبي يعلى (٥)، وغيره. وأشار إليه القاضي أبو يعلى في كتابه العُدَّة فقال: وذكر ابن بطَّة في مسألة أفردها : أنَّ الخلوة تكمل الصداق . بإسناده عن الفضل بن زياد قال ... إلخ (٦). ٣ - أحكام النساء : ذكره ابن قدامة في المغني ونقل عنه نصاً (٧). (١) حُقْقَ الجزء الموجود منه في ثلاث رسائل علمية من درجة العالمية العالية "الدكتوارة" في جامعة أم القرى، وطُبعَ في ست مجلدات عن دار الراية. وقد اختصر هذا الكتاب مجهول. منه نسخة في مكتبة كوبرلي برقم (٢٣١) (٢٠٩ق)، ونسخة أخرى في الظاهرية برقم (٦٦) توحيد (١ - ١٧٤ ق). انظر: تاريخ التراث العربي: المجلد الأول: ٢٤٠/٣ فقه. (٢) طبقات الحنابلة: ١٥٢/٢. (٣) المطلع : ٤٤٠ . (٤) المنهج الأحمد: ٢/ ٨٤، الدر المنضد: ١٧٩/١. (٥) الطبقات: ٢/ ١٥٢. (٦) العُدَّة: ١٢٢٩/٤. (٧) المغني: ٢٢٤/١٠. ١٩ إبطال الحيل .. ٤ - الإمام ضامن : ذكره ابن أبي يعلى (١)، وغيره . ٥ - الإنكار على مَن أخذ القرآن من المصحف : ذكره ابن أبي يعلى (٢)، وغيره . ٦ - الإنكار على من قصَّ بكتب الصُحّف الأولى: ذكره ابن أبي يعلى(٣) وغيره. وأشار إليه ابن مفلح في الآداب الشرعية فإنَّه نقل عن القاضي أبي يعلى قوله : وهذه - أي مسألة القصص من الكتب القديمة - مسألة جرت بين شيوخنا العُكْبَريين ، فكان ابن هرمز والد القاضي أبي الحسين يقص بهذه الكتب ، وكانت معرَّبة ، فأنكر عليه أبو عبدالله ابن بطَّة ذلك وصنَّف فيه جزءًا ... الخ (٤). ٧ - تحريم الخمر : ذكره ابن أبي يعلى (٥)، وغيره . ٨ - تحريم النبيذ: ذكره ابن قدامة في المغني ونقل عنه نصاً (٦). (١) الطبقات: ١٥٢/٢، وذكره الفاسي في منتخب المختار: ١٨٩ باسم: تفسير قول النبي ◌َّة: "الإمام ضامن". (٢) الطبقات: ٢/ ١٥٢. (٣) الطبقات: ١٥٢/٢ وأشار إليه ابن مفلح في الآداب الشرعية: ٩٧/٢ ونقل منه عدة نصوص. (٤) الآراب الشرعية: ٢ / ٩٧. (٥) الطبقات: ٢/ ١٥٢. (٦) المغني: ٣١٨/٦. ٢٠ إبطال الحيل .. ٩ - تحرم نكاح المتعة: ذكره ابن أبي يعلى في كتابه: ((المسائل التي حلف عليها أحمد))، ونقل عنه ثلاثة نصوص (١). وذكره أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ونقل عنه (٢) . ١٠ - تحريم النميمة: ذكره ابن أبي يعلى (٣)، وغيره . ١١ - تعظيم حرمة الصلاة : ذكره القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية ، ونقل عنه نصّاً (٤). ١٢ - التغليظ على مَن أساء الصلاة: ذكره الفاسي (٥) . ولعلَّه الذي مرَّ برقم (١١). ١٣ - التَفَرُّد والعُزّلَة: ذكره ابن أبي يعلى (٦)، وغيره. ١٤ - جزء في الخُلْعِ وإبطال الحيلة : وهو الذي بَيْن أيدينا وسيأتي الكلام عليه مفصَّلاً . ١٥ - جوابات مسائل ابن شاقلاء : ذكره القاضي أبو يعلى في العُدَّة ونقل عنه (٧) . (١) جزء المسائل: ٨٢-٨٤. (٢) قاعدة في العقود: ٢٠١ المطبوعة باسم "نظرية العقد". (٣) الطبقات: ٢/ ١٥٢. (٤) الأحكام السلطانية : ٩٨ . (٥) منتخب المختار: ١٨٩. (٦) الطبقات: ٢ / ١٥٢. (٧) العُدَّة: ١٥٧٨/٥، وانظر: المسودة: ٤٥٢.