Indexed OCR Text

Pages 241-260

بجمع بحار الأنوار
( يس . أدب الكتابة )
ج -ة
[ يس] و"يسر" بضم مثناة تحت وسين مهملة هو ابن صفوان شيخه،
و ليس فى إطامع بضم موحدة ولا بكسرها مع شين معجمة ولا مهملة شىء ،
هذا كله من مسؤدى المسمى بالمنى وهو كتاب جليل قلقته الفضلاء بالقبول
ولا بد منه١ لمن يريد التبحر فى هذا الشأن .
ولا علينا أن نضم بعض آداب الكتاب ليعرف رسوم كتبهم :
فصل فى أدب الكتابة
النووى : يستحب مؤكدا ضبط الحروف المهملة بعلامة الإهمال بأن يجعل
تحت الدال والراء والسين والصاد والعين المهملات النقط التى فوق المعجبات ،
وقيل: يجعل فوقها كقلامة الظفر مضجعه على قفاها، وقيل: يجعل تحتها حروف
صغار مثلها ، و قد يجعل فوقها خط صغير كالفتحة ، وفى بعضها تحتها همزة ؛ ولا ينبغى
أن يصطلح مع نفسه إلا أن يبين ، وينبغى أن يعتنى بضبط مختلف الروايات فيجعل
كتابه موصلا على رواية واحدة ، وما كان من زيادة ألحقها فى الحاشية، أو نقص
أعلم عليه مسميا أسم من رواه ، وأن يجعل بين كل حديثين حلقة ، فاذا فرغ من
مقابلة حديث نقط وسطها، وإذا كرر المقابلة كرر النقط ؛ ويكره أن يكتب
عبدا من عبد الله بن فلان فى آخر سطر ، والله مع الابن فى أوله ، وكذا رسول
فى أخره، والله مع صلى اله عليه وسلم فى أوله، وإن سقط شيء يخط موضع
السقوط خطا صاعدا إلى فوق معطوفة بسيرة إلى جهة حاشية اللحق نحو ',، ويكتب
عند انتهاء السقط 'صح، على المختار؛ ويختار الحواشى لشرح معنى وبيان غلط
واختلاف رواية ، واختير له إخراج الخط أيضا لكن وسط الكلمة المخرج لأجلها
لا بين الكلمتين لئلا يلتبس بالسقط، وينبغى أن يكتب ' صح، عند كلام فما دونه
صح معنى ورواية وهو عرضة للشك فيه والخلاف ليعلم أنه اعتنى به ولم يغفل عنه
ويسمى التصحيح ؛ ويكتب خطا ممدودا كالضاد بدون تقريره على ثابت نقلا
فاسد لفظا أو معنى، أو ضعيف رواية، أو ناقص محو 'ض'، ولا يفرق الخط بالممدود
pt
(١) فى الطبعة الأولى : له .
٢٤١

مجمع بحار الأنوار ( السير - قدوم الحبشة وَ تعرض أبرهة للكعبة المشرفة) ج - ٥
عليه لئلا يتوهم الضرب عليه ويسمى التضبيب والتمريض ، والغرض منه الإشارة
إلى أن الرواية ثابتة حتى لا يتبادر إلى إصلاحه لتوهم كونه من سهو الكاتب؛ وإذا
وقع فيه ما ليس منه فالضرب عليه أولى من الحك والمحو ، و "الضرب، أن يخط قوقه
خطا ملتزقا به ولا يطمسه ويسمى "الشق'، وقيل: أن يخط منفصلا لا ملتزقا معطوفا
يطرفيه على أوله وآخره كنون مقلوب نحو زيد، وقيل : أن يحرف على
أوله نصف دائرة و على آخره نصفها نحو (زيد)، وقيل: لا، و 'من، فى أوله
و' إلى، فى أخره؛ وإن تكرر حرف يضرب على الثانى، وقيل : يبقى أحسنهما
صورة ، وقيل : إن كانا أول السطر يضرب على الثانى، وإن كانا أخره يضرب
على أوله صيانة للأول و الأخر عن الطمس.
ولنلحق بعض فوائد السير ليكون ذا بصبرة فى تاريخ وقائع الأخبار والمغازى
٠
إجمالا فلا يشتبه عليها حقائقها :
فصل فى السير من سيرنا المختصر فى سبب قدوم الحبشة فى اليمن
وتعرض أبرهة للكعبة المشرفة ووقوعه تحت ولاية كسرى
يقال : إن رجلا من بقايا النصارى اسمه فيمون كان صالحا فى نجران مستجاب
الدعوة فتبعه كثير من اليهود والمشركين ، وفيه سحرة يعلمون الصبيان ، ففر صبى
من السحرة اسمه عبد الله بن التامى وتبع فيمون فصار أيضا مستجاب الدعوة واسلم
بيده خلق كثير ، فنقمه ملك نجران ذو نواس وقتله وحرق من تبعه فى الأخدود ،
وفيه نزل «قتل اصحب الاخدود النار)) وأفلت رجل من يد ذى نواس إلى قيصر
واستنصره، فكتب قيصر إلى النجاشى لينصره ، فبعث النجاشى سبعين ألفا من الحبشة
مع أزياط وفى جنوده أبرهة الأشرم، فقدموا اليمن وقاتلوا ذا نواس فانهزم ،
فأقام أزياط باليمن سنين، ثم قتله أبرهة و غلب على الحبشة؛ فرأى الناس يتجهزون
الحج إلى الكعبة فبنى بيتا بالرخام الأبيض والأحمر و الأسود و حلاه بالذهب
والجواهر ، فتعرض له نفيل الخشعمى و لطخه بالعذرة ، فغضب أبرهة غضبا شديدا
و قال
٢٤٢

مجمع بحار الأنوار
( السير - بيان نسبه )
ج - ٥
وقال: إنما فعلته العرب! لأنقضن بيتهم حجرا حجرا! وكتب إلى النجاشى يخبره،
فأرسل إليه الفيل وأمره أن يسير إليه بالفيل ، فسار إليه بالناس و الفيل ، فلما دنا
من الحرم أمر أصحابه بالغارة ، فأصابوا مائتى إبل لعبد المطلب ، فدخل عبد المطلب على
أبرهة ، فأكرمه ونزل عن سريره وجلس معهٍ، فطلب منه رد الإبل فقال: سقطت
غنى ! ظننت أنك تكلمنى فى بيتكم الذى هو شرفكم ! فقال: اردد علىّ إلى ودونك
البيت فان له ربا سيمنعه! فأمر برد إبله ، فأوفى عبد المطلب وأتباعه على حراء فقال :
لاهم١! إن العبد ٢ ؛ مع رحله٣ فامنح رحانك،
لا يغلبن صليبهم ومحمالهم عدوا محالك
و الفيل كى يسبوا عيالك
جرّوا جموع بلادهم
جهلا وما رقبوا جلالك ٤
عمدوا حماك بكيدهم
إن كنت تاركهم وكه بتنا فأمر ما بدا لك
فسلط عليهم أبابيل فأهلكوا ، وانصدع صدر أبرهة فمات ، وملك أبنه يكسوم
و هلك ، فملك أخوه مسروق ، فرج سيف بن ذى يزن الحميرى إلى قيصر يشكو أمر الحبشة
ليخرجهم و يليهم هو فلم يشكه، فتوسل بنعمان بن المنذر على كسرى ، فأجاب بأن بعدت بلادك
مع قلة خيرها فلم أكن أسلط فارسا بأرض العرب ، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم،
نفعل سيف ينثر ذلك الورق ويقول : إنج بال أرضى ما فيها إلا ذهب وفضة ،
فرغب فيه كسرى فأرسل إليهم رجالا حبسهم فى السجن للقتل وكانوا ثمانمائة ، وأمر
عليهم وهرز٦ً، فقاقل الحبشة و ملك اليمن ، وكان ملك الحبشة اثنتين وسبعين سنة ،
فلما مات وهرزاً أمر كسرى ابنه ثم ابن ابنه ، ثم عزله وأمر باذان ، فلم يزل واليا
عليها حتى بعث صلى الله عليه وسلم - كما يجىء.
بيان نسبه
اعلم أن من كان من ولد النضر بن كنانة فهو قرشى ، لأن الله اختاره
(١) تحته فى الطبعة الأولى: أى اللهم. (٢) فى الطبعة الأولى: المرأ. (٣) زيد فى الطبعة
الأولى: وحلاله وقد سقط بعده هذا البيت:
و انصر على أل الصليـ ب وعابديه اليوم الك.
(٤) فى الطبعة الأولى: حلالك. (٥-٥) فى الطبعة الأولى: بذلك. (٦) بهامش الطبعة الأولى
بعلامة النسخة : وهوز. (٧) فى الطبعة الأولى: اثنين .
٢٤٣

مجمع بحار الأنوار
( السير - بيان نسبه وأمه وأبيه )
ج - ٥
بالبسطة ، وكان فيه نور النبوة ووثه من البائه إلى الدم وانتقل إلى أولاده حتى
بلغ قضيا ، لأنه أقصى الباطل ، فانتقل إلى ابنه عبد مناف ، لأنه كان بيده لواء نزار
وقوس إسماعيل ومفاتيح الكعبة ، وأول ولده هاشم ، لأنه هشم الثريد لقومه
وكانت مائدته منصوبة ، وكان يتلألأ نور النبوة على وجهه ، ولذا يعرضون "
بناتهم حتى هرقل وكان يقول: لا أتزوج إلا بأطهر امرأة، ويتضرع إلى الله حتى
أرى فى النوم أن يتزوج سلمى بنت عمر بن زيد من بنى النجار ، وكانت ذات
عقل وحلم كديجة فى عصره ، فولدت عبد المطلب ؛ فتزوج عبد المطلب قيلة بنت
عامى فولدت الحارث ثم ماتت ، وتزوج هندا بنت عمرو، وحضر هاشما الوفاة
فسلم الرئاسة ولواء نزار وقوس إسماعيل إلى عبد المطلب ، فتزوج لُبنى بنت هاجر
فولدت أبا لهب واسمه عبد العزى ثم ماتت ، فتزوج سعدى بنت حباب فولدت
العباس وضرارا وعاتكة ، وتزوج بعدها حالة بنت وهب فولدت حمزة وخجل
وصفية؛ فتزوج فاطمة بنت عمرو برؤيا رأها فولدت أبا طالب واسمه عبد مناف،
ثم ولدت برة وأميمة ثم عبد الله سنة أربع وعشرين من ملك كسرى نوشيروان ؟
فصار من صلبه عشرة ذكور وست بنات : الحارث والزبير وأبو طالب والعباس
وعبد الله وضرار وحمزة والقرم وحجل واسمه المغيرة وأبولهب وعاتكة وأميمة
والبيضاء وهى أم حكيم وبرة وصفية وأروى ؛ فتزوج عبدالله آمنة بنت وهب
ابن عبد مناف وأمها أم حبيبة بنت أسد ، وكان حينئذ ابن ثلاثين أو خمس وعشرين
أو سبع عشرة ، حملت به صلى الله عليه وسلم؛ وقد بعثه عبد المطلب إلى يثرب يمتار له
تمرا فتوفى بها فى مدة الحمل، وقيل: بل توفى بعد ما أتى على النبى صلى الله عليه وسلم
ثمانية وعشرون شهرا، وترك أم أيمن وخمسة أحمال وقطعة غنيم فورثه صلى الله
عليه وسلم؛ وتوفيت أمه آمنة بعد ما أتى عليه ثمان سنين ، وكان حملها به فى شعب
أبى طالب عند الجمرة الوسطى يوم الاثنين ؛ وقيل فى تاريخ موتهما غير ذلك ،
(١) تحته فى الطبعة الأول : عليه .
والأكثر
٢٤٤
(٦١)

مجمع بحار الأنوار
( السير - ولادته . بيان إرضاعه )
ج -٥
والأكثر أنه صلى الله عليه وسلم كان واحد أمه وأبيه؛ ولد عام الفيل يوم الاثنين
لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، أو لليلتين خلتا منه ، أو الثمان أو لعشر
خلون منه - أقوال ، وقال ابن عباس : ولد يوم الفيل، وكان قدوم الفيل يوم
الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة اثنتين وأربعين من ملك كسرى؛
و بينه وبين آدم أربعة آلاف وستمائة سنة، أو ستة آلاف و مائة و ثلاث عشرة
سنة، وقيل: خمسة آلاف سنة وخمسائة؛ ومن أدم إلى نوح ألف سنة أو ألفا
سنة؛ ومنه إلى إبراهيم ألفا سنة وستمائة و أربعون سنة؛ ومنه إلى موسى ألف سنة؟
ومنه إلى عيسى ألفا سنة، ومنه إلى المولد الشريف خمسمائة وستون أو ستمائة .
بيان إرضاعه
وكانت نساء قريش لا يرضعن أولادهن فأرضعته ثويبة أياما وهى مولاة
أبي لهب، وكانت قد أرضعت حمزة وأبا سلمة بن عبد الأسد، وماتت بعد خيبر
ولا يعلم إسلامها ١؛ ثم شرف الله به حليمة بنت أبي ذؤيب واسمه عبد الله بن الحارث،
وقيل: بنت أبى كبشة السعدية؛ وإخوانه من الرضاعة: عبد الله وضمرة وحذيفة ٢
و أنيسة بنت الحارث وهى الشيماء ، كانت تحضنه مع أمه ، وسبيت يوم حنين
فقالت: إنى أخت نبيكم! فلما أتى بها عرفها و أعتقها؛ فلما خرجت به حليمة إلى بلده
بورك لها فى لينها و فى كل شىء منها ، فكانت أحرص شىء على حبه . فلما بلغ سنقيه
قدمت به على أمه وقالت : لو تركت نى عندى حتى يغلظ ! فانى أخشى عليه وباء
مكة ، فلم نزل به حتى ردته مع حليمة فكان معها مدة . وفى السنة الثالثة ولد
الصديق؛ فلما أخبرت الصبيان بشق صدره خشيت حليمة عليه فردته إلى عبد المطلب ،
واختلف فى شقه بأنه فى سنة ثلاث أو أربع أو غير ذلك ؛ وكانت تأتيه أحيانا ،
روى أنها قدمت عليه مكة أيام خديجة فشكت جدب البلاد، فأعطتها أربعين شاة
(١) فى الطبعة الأولى: اسلامه: وفوقه: كذا فى النسح. (٢) فى الطبعة الأولى: حذامة،
والتصحيح من الإصابة - راجع ترجمة الشيماء، وفى سيرة ابن هشام ٥٥/١ خذامة ، وفى
سمط النجوم ٣٦٣/١: حذافة .
٢٤٥

ج -٥
( السير - من السنة السادسة إلى السنة الثالثة عشرة )
مجمع بحار الأنوار
و بعير، ثم قدمت بعد الإسلام فأسلمت هى وزوجها. فلما بلغ ست سنين خرجت به
أمه آمنة إلى أخواله بى عدى بن النجار تزورهم و معه أم أيمن ، فأقامت عندهم
شهرا ثم رجعت ، فلما كان بالأبواء توفيت أمنة فقبرت هناك ، فرجعت به أم أيمن
إلى مكة؛ وروى أنه لما فتح مكة أتى حدم قبر وجلس إليه بفعل كهيئة الخاطب
ثم قم وهو يبكى وقال: هذا قبر أمى! لم يؤذن لى فى الاستغفار ، فلم ير يوما
أكثر باكيا؛ وجمع بأنه يجوز أنها توفيت بالأبواء وحملت إلى مكة فى السنة السابعة .
فلما توفيت أمه ضمه عبد المطلب وأحبه حبا شديدا ورق عليه رقة شديدة .
وتتابعت على قريش سنون فهتفت امرأة بأن يستشفعوا بهذا النبى ! فقام عبد المطلب
فاعتضد به صلى الله عليه وسلم ورفعه على عاتقه وهو غلام قد أيفع أو كرب
فاستقى به حتى مطروا ، ولما قرب وفاة عبد المطلب فى السنة الثامنة وصى
أبا طالب بكفالته لأنه خرج القرعة له ، فمات وهو ابن ثنتين وثمانين سنة ، فأحبه
أبو طالب حبا شديدا؛ و فيها هلك حاتم بن عبد الله الجواد المشهور ومات كسرى
توشيروان وولى ابنه هرموز. وفى السنة التاسعة خرج به أبو طالب إلى بصرى .
وفى العاشرة الفجار الأول وهو قتال بعكاظ ثلاثة أيام . وفى الثالثة عشرة تهيأ
أبو طالب الخروج إلى الشام فأخذ صلى الله عليه وسلم بزمام ناقته وقال: يا عم !
إلى من تكلنى ؟ لا أب لى ولا أم ! فرق له تفرج به ، فلقيه الراهب بحيرا فى
صومعته فتفرس فيه أعلام النبوة من إظلال الغمامة وإخضال أغصان الشجرة عليه،
فأمر لهم طعاما واحتضنه، ونظر إلى أشياء فى جسده وسأله عن أحواله كله يوافق
ما عنده من صفته، ورأى خاتم النبوة و قبله، فقال لأبى طالب: ارجع به إلى بلده
واحذر عليه اليهود! فانهم إن رأوه ليبغنه عنتا، فان له شأنا نجده فى كتبنا وما روينا
عن أبائنا؛ فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا، فراه رجال من يهود وعرفوا
صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذا كروه ، فنهاهم وقال: أتجدون صفته!
فما لكم إليه سبيل ، فتركوه؛ فرجع به أبو طالب فما خرج به بعد . وفى الرابعة
عشرة
٢٤٦

بمجمع بحار الأنوار (السير - إلى السنة الخامسة والعشرين، تزويج خديجة وأولادها) ج - ٥
عشرة كان الفجار الأخر بين هوازن وقريش وحضره النبى صلى الله عليه وسلم
وقال: أنبل على أعمامى ، أى كنت أناولهم النبل ، وقيل : كانت سنة عشرين ،
وقد قال صلى الله عليه وسلم: ورميت فيه بأسهم. وفى السابعة عشرة وثب العظماء
خلعوا هرمز، و فى التاسعة عشرة قتلوه بعد خلعه، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة،
و فيها ولى ابنه برويز وكان يسمى كسرى. وفى العشرين خرج صلى الله عليه وسلم
إلى الشام للتجارة ومعه أبو بكر الصديق، ولقيه الراهب بحيرا و ذاكره حتى وقع
فى قلبه تصديقه؛ قال المؤلف: هذا السفر هو الذى كان مع أبى طالب فان الصديق
كان معه. وفى الخامسة والعشرين قال أبو طالب: أنا رجل لا مالى لى وقد اشتد
الزمان و خديجة تبعث رجالا من قومك فى عيراتها فلو جئتها فعرضت نفسك عليها
لأسرعت إليك ، فبلغ خديجة محاورة عمه فأرسلت إليه فى ذلك وقالت : أعطيك
ضعف ما أعطى غيرك ، تخرج مع غلامها ميسرة ، فرأى ميسرة منه خوارق وسمع
من نسطورا الراهب شهادته بالنبوة، وربحوا ضعف المعتاد ، ودخلوا مكة فى الظهيرة
وخديجة فى علية ، فرأت النبى صلى الله عليه وسلم وهو يظل عليه ملكان، وسمعت
من غلامه ما رأى وسمع من نسطورا ، فسعت إلى أن تزوجها فى هذه السنة على
صداق أربعمائة دينار وهى بنت أربعين سنة ، وكانت تروجها أولا أبو حالة
فولدت له هندا و حالة ، ثم تزوجت عتيق بن عائذ فولدت جارية اسمها هند، ثم تزوجها
النبى صلى الله عليه وسلم فولدت له أولاده كلهم إلا إبراهيم. ج: ولم ينكح
صلى الله عليه وسلم قبلها ولا بعدها حتى ماتت . سير: ولدت له زينب ورقية
وأم كلثوم وفاطمة والقاسم و الطاهر والطيب، وهلك هؤلاء فى الجاهلية وأدرك
الإثث الإسلام فأسلمن وهاجرن ، وقيل: الطيب والطاهر لقبان لعبد الله و ولد
فى الإسلام ، وأول من مات القاسم ابن سنتين أو سنة، ثم مات عبد الله بمكة بعد
النبوة بسنة ، وإبراهيم ولد ١ سنة ثمان من الهجرة، ومات وله سنة وعشرة أشهر؛
(١) فى الطبعة الأولى: ولدت، وتحته ((كذا فى النسخ، والظاهر: ولد)).
٢٤٧

مجمع بحار الأنوار ( السير - إلى السنة الأربعين، بناته وأزواجهن وأولادهن ) ج - ٥
وقيل: كان بين كل ولدين من خديجة سنة؛ فأما زينب فهى أكبر بناته ، زوجة
أبى العاص القاسم ابن الربيع وهو ابن خالتها، وولدت له ابنة اسمها أمامة ، تزوجها
المغيرة بن نوفل ثم فارقها ، وتزوجها على بعد وفاة فاطمة وكانت قد أوصته به ،
وتوفيت زينب سنة ثمان من الهجرة ، إنها ولدت من أبى العاص ابنا اسمه على
ومات فى ولاية عمر ، ومات أبو العاص فى ولاية عثمان، وتوفيت أمامة سنة
خمسين ؛ ورقية كانت زوجة عتبة بن أبي لهب فطلقها قبل الدخول بأمر أبيه لما
نزلت ((تبت يدا))، وتزوجها عثمان فى اجاهلية فولدت له عبد الله، وهاجرت
مع عثمان إلى الحبشة ثم هاجرت معه إلى المدينة ، وتوفيت سنة اثنتين ١ من الهجرة
وقعة بدر، وتوفى٢ سنة أربع وله ست سنين؛ وأم كلثوم تزوجها عتيبة بن
أبى لهب وفارقها قبل الدخول لما نزلت ، وتزوجها عثمان بعد رقية سنة ثلاث،
و توفيت سنة سبع؛ وفاطمة ولدت وقريش بنى البيت قبل النبوة بخمس سنين ،
وهى أصغر بناته فى قول، وتزوجها على سنة اثنتين ١ ودخل بها منصرفه من بدر،
وولدت له حسنا وحسينا ومحسنا وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى ، وانتشر
نور النبوة والعصمة نسبا وحسبا من ذريتها ، و توفيت بعد وفاة النبى صلى الله
عليه وسلم بمائة يوم ، وقيل: لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة، وقيل
غير ذلك . وتزوج بعد وفاة خديجة سودة ثم عائشة ثم حفصة ثم أم سلمة ثم جويرية
ثم زينب بنت جحش ثم زينب بنت خزيمة ثم أم حبيبة ثم صفية ثم ميمونة، فماتت
زينب بنت خزيمة ، توفى عن التسع البواقى بلا خلاف ؛ وروى أنه تزوج غيرهن .
وفى سنة خمس وثلاثين هدمت قريش الكعبة وبنوها وولدت فاطمة؛ و فيها
مات زيد بن عمرو بن نفيل وكان يطلب الدين وكره النصرانية واليهودية وعبادة
الأوثان ، واعتزل المتهم وأكل ذبائحهم و أمن بنى منتظر من ولد إسماعيل ،
فأخبر به النبى صلى الله عليه وسلم بعد بعثته فترحم عليه .
(١) فى الطبعة الأولى: اثنين - كذا. (٢) أى عبد الله.
و لما
٢٤٨
(٦٢)

ج - ٥
مجمع تجار الأنوار
( السنة الرابعة )
و لما تم له أربعون الثقة - وذا سنة عشرين من ملك كنتزى برويز - أوحى
إليّه بحراء بـ«اقرا باسم ربك)) وعلمه الوضوء والصلاة ركعتين، فأتى خديجة
فأمنت به وتوضأت وصلتْ، وهو يوم الاثنين لسبعة عشر من رمضان، أو لأربعة
وعشرين منه، أو لثمانية عشر منه، أو كان فى رجب يوم سبعة وعشرين، أو الثانى
عشر من ربيع الأول؛ ثم قَر الوحى حتى خَّنَ النى صَلى الله عليه وسلم، وكان
قبلَةُ بستة أوحى إليه فى المنام ؛ ثم أسلم أبو بكر على المشهور ، وقيل: على؛ وأول
من أسلم من الموالى زيد ثم بلال، وأبو بكر كان رجلاً سهلًا تأجرا ذا خلق
ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه، بفعل يدعو إلى الإسلام من
وثق به من قومه ، فأسلم على يديه الزبير و عثمان و طلحة وسعد وعبد الرحمن .
[ رابعة ] وكان يدعو الناس سرا ثلاث سنين إلى أن نزل « فاصدع بما
تؤمر» فى السنة الرابعة من نبوته فأظهر الدعاء به ، فأجاب دعوته من أحداث الرجال
والضعفاء حتى كثر من آمن به، و كفار قريش غير منكرين له وكانوا يقولون:
إن غلام بنى عبد المطلب ليكلم من السماء ، حتى عاب الله الهتهم وذكر هلاك
أبائهم على الكفر، فأبغضوه وقالوا لأبى طالب : أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفه من
ابن أخيك فره أن يكف عن شتم المتنا وندعه وإلهه، فكلمه أبو طالب فقال:
يا عم! أو لا أدعوهم إلى كلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم ! قال
أبو جهل: ما هى وأبيك؟ لنعطينك وعشرة أمثالها ! قال: لا إله إلا الله ، فنفروا
وغضبوا وقالوا: «اجعل الألهة اللها واحدا»، فقال أبو طالب: يا ابن أختى! إن
قومك قد بحأوا بى وقالوا لى كذا وكذا فأبق علىّ وعلى نفسك ولا تحملنى من
الأمر ما لا أطيق ! فظن صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه بدو وأنه خاذله وأنه
ضعف عن نصرته، فقال: والله لا أترك هذا كيف ما فعلوا ! ثم استعبر وبكى
و ولى ، فناداه وقال: يا ابن أخى! افعل ما أحببت! فو الله ما أسلمك لشىء أبدا!
(١) فى الطبعة الأولى: أربعين - كذا.
٣٤٩

ج - ٥
( السنة الخامسة والسادسة )
جمع بحار الأنوار
فغضب العرب حينئذ و وثب كل قبيلة على من فيها من المسلمين ويعذبونهم
و يفتنونهم ، ومنع الله رسوله بأبى طالب ، وقام أبو طالب فى بنى هاشم
داعيا لهم إلى منع النبى صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، فأجابوه إلا أبا لهب.
وتوفى ورقة فى الرابعة .
[ خامسة] فلما اشتد أذاهم فى المسلمين فى السنة الخامسة خرج قوم إلى
الحبشة بأمره صلى الله عليه وسلم، وستر الباقون إسلامهم ، فنزل سورة النجم نسجد
وسجد معه المشركون، فبلغ أهل الحبشة أنهم آمنوا، فقدموا فى شوال هذه السنة ،
و لما تحققوا عدم إيمانهم رجعوا، وعدد من خرج إليها نيف و ثلاثون من الرجال
وإحدى عشرة من النساء ، وأصابوها خير دار وذات قرار ، فأرسل قريش هدايا
إلى النجاشى و وشوا إليه أمرهم بأنهم تركوا دين أبائهم ولم يتبعوا دينك ولا دين
اليهود، فأرسل إليهم النجاشى وأخبرهم بما قالوا ، فقال جعفر: كنا بدينهم نقتل
البنات وتطوف عريانا ونعبد أحجارا - وذكر غيرها من الصفات الذميمة ،
فبعث الله إلينا رسولا يأمرنا بالمعروف وينهانا عن الرذائل ، فاتبعناء فأذونا، نفرجنا
إلى بلدك بأمره، فسمع منه ((كَهيعَصَ)) وبكى وبكت أساقفته وقال: هذا
وكلام موسى ليخرجان من مشكاة واحد! وأمن به، وفيه نزل « وإذا سمعوا
ما انزل الى الرسول)). وفى هذه السنة عذبت سمية مولاة أبي حذيفة وهى أم
عمار١ ، طعنها أبو جهل فى قبلها وماتت - رضى الله عنها! فهى أول شهيدة
فى الله .
[ سادسة] وفى السادسة أسلم حمزة وعمر ، وروى أن أبا جهل نال منه
صلى الله عليه وسلم وشتمه واذاه وهو صلى الله عليه وسلم ساكت، فبلغ ذلك
حمزة فاحتمله الغضب فضربه بقوسه وشيه وقال: أتشتمه وأنا على دينه! فأسلم ،
فعز الإسلام و كفوا عن بعض فعلهم . فلما أسلم عمر حملهم على الظهور ، تخرجوا
وأمامهم عمر ينادى بكلمة التوحيد وطافوا بالبيت وهم تسعة وثلاثون رجلا ،
(١) فى الطبعة الأولى: عمارة.
٢٥٠
فنزل

مجمع بحار الأنوار
( السنة السابعة والثامنة و العاشرة )
ج - ٥
فنزل «فاصدع بما تؤمر» فأظهر الدعوة على الصفا مناديا قومه، فشجه اللعين أبو جهل
وتبعه المشركون بالحجارة فهرب، وطفقوا يرمون فى منزله١ بالحجارة تمام القليلة
وخديجة تحميه ٢، وهبط الملائكة يطلبون منه أن يسلطوا عليه، فقال: إنى بعثت
رحمة لا عذابا - ماسما الدم عن وجهه .
[ سابعة] وفى السابعة كانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج.
[ثامنة] وفى الثامنة نزل («الم غلبت الروم)) وذلك أن جمع الروم
جند قيصر وجند كسرى اقتتلوا فغلبت فارس ، ففرح المشركون بهزيمة الروم
المشاركين للمسلمين فى كونهما أهل كتاب ، فنزل أن الروم ستغلب، فراهن أبو بكر
المشركين على مائة قلوص على غلبة الروم ، فظهرت الروم يوم الحديبية أو يوم بدر ،
فأخذ أبو بكر الرهن، فلما عز الإسلام باجتماع المسلمين وفشا بين القبائل ، وحمى
النجاشى من عنده وحامى أبو طالب و بنو هاشم النبى صلى الله عليه وسلم، فعرفت
قريش أن لا سبيل إلى حد وأصحابه فاجتمعوا على أن يكتبوا صحيفة على أن لا يناكوا
بنى هاشم ولا يبايعوهم، وعلقوا الصحيفة بالكعبة ، وأذوا المسلمين فزلزلوا زلزالا
شديدا ، فأدخل أبو طالب الشعب ابن أخيه وبنى أبيه ومن تبعهم من بين مؤمن
وكافر دخل لنصرة الله، فأذوهم وقطعوا عنهم المارة من الأسواق من الطعام
وغيرها ، و كانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم ، فبقوا عليه ثلاث سنين حتى
بلغوا الجهد الشديد، فسمع المشركون بجهدهم فكرهوا ما فيهم من البلاء وكرهوا
الصحيفة الظالمة ، فسلط الله على الصحيفة الأرضة فأكلت كل اسم فته وبقى فيها الظلم،
وأوحى إليه بذلك فأخبر به أبا طالب، فأخبرهم أبو طالب فوجدوها كذلك ، فتبرأ
بعضهم منه خرجوا من شعبهم.
[عاشرة] وفى العاشرة دنا موت أبى طالب فوصى بنى المطلب باعانته ومات ،
فقال على: إن عمك الضال قد مات ، قال: فاغسله و كفنه و واره - غفر الله له !
(١) فى الطبعة الأولى: منزلها. (٢) فى الطبعة الأولى: تحميها، وتحته ((كذا فى النسخ)).
٢٥١

ج - ة
( السنة الحادية عشرة )
مجمع بحار الأنوار
نفعل يستغفر له أياما حتى نزل ((ما كان للنبي)». فلما مضى خمسة أشهر توفيت خديجة
رضى الله عنها وهى بنت خمس وستين سنة، فاجتمعت عليه مصيبتان فلزم بيته
ونال من قريش ما لم يكن ينال، فبلغ أبا لهب ذلك فقال: يا هد! أمض لما أردت
وما كنت صانعا، لا يصلون إليك حتى أموت، فمكث أياما لا يتعرض له، فقال
أبو جهل: يزعم ابن أخيك أن عبد المطلب فى النار! فقال: والله لا برحت لك عدوا!
فاشتد عليه هو وسائر قريش، تفرج فى شواله إلى الطائف مع زيد فأقام بها عشرة
أيام أو شهرا يدعُو أشرافهمَ و يكلمهم، فلم يجيبوه و أغروا بَّه سفهاءهم يرمونه
بالحجارة حتى شج رأسه و قدماه، واجتمع الناس عليه حتى ألجاؤه إلى حائط عتبة
وشيّةِ ابْىَ رَبَيَّعَة وَ هما يريان ما لَقَى مَّن سَفُهاء تقيف قائلا: اللهم! إليك أشكو
ضعف قوتى وَقلة حياتى - العّ، فرقاله وأرسلا قطف عنب، فأخذ فاتصرف إلى
مكة مخزوناً، ثلما نزل نخلة قام يصلى من الليل ، فصرف إليه نقر من الجن سبعة نقر
مَنْ أَهْل نصّيبين ونزل ((واذ صرفنا اليك تقرا من الجنة وأقام بنخلة أياما،
فأرسل إلى مطعم بن عدى فأجازه فدخل مكة ، وكأن يقف بالموسم على القبائل
قبيلة قبيلة يعرض الدعوة فتردّ أقبحَ رد، ما سمعَ بَقَادم شريف إلا عرض له ،
و يتبع الناس فى منازلهم بعكاظ ومجنة، وفى الموسم يقول: من ينصرنى ويؤونى
حتى أبلغ رسالةُ ربى! حتى بعث الله الأنصار، وفيها نزل (( قل احى)» ومن به
جند الشيطان الذين صَرِفُهم فى سَبَتَ الحيلولة بين خبر السماء والشياطين. وفيها
تزوج عائشة ف سلودة .
[ حادية عشرة] وفى الحادية عشرة لقى رقطا من الخزرج فدعاهم وتلا القرآن
فقال بعضهم لبعض : إنه نبى يعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، فأمنواو كانوا ستة : أسعد
ابن زرارة، وعون بن الحارث أى ابن عفراء، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر ،
وقطبة بن نابى، و جابر بن عبد الله؛ فقدموا المدينة ودعوا أهلها إلى الإسلام حتى
فشا فيهم، فلم يُيَقَ دَارَ مَ دورَ الأنصار إلا و فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
٢٥٢
ثانية
(٦٣)

مجمع بحار الأنوار
( السنة الثانية عشرة و الثالثة عشرة )
ج - ٥
[ ثانية عشرة] وفى الثانية عشرة المعراج لسبعة عشر من رمضان أو من
ربيع الأول أو سبع وعشرين من رجب . وفيها كانت بيعة العقبة الأولى حيث قدم
من الأنصار اثنا عشر أحدهم عبادة بن الصامت ، فبايعهم و بعث معهم مصعب بن
عمير ليفقه أهل المدينة ونزل على أسعد بن زرارة، فقال سعد لأسيد بن حضير: انت
أسعد فازجره، فانه قد جاء بمن يسفه ضعفاءنا! فاءه فقال أسعد لمصعب : هذا سيد.
قومه فأبلى الله فيه بلاء حسنا، فبلغه كلام سعد فقال: أو تجلس وتسمع! فان رضيت
وإلا كف عنك ما تكره ، خلس فتلا مصعب القرآن: فأحسنه وأسلم، ثم قال :
ورائى رجل إن تابعكما لم يخافكا أحد ، ثم خرج إلى سعد وقال : زجرتها ،
وقد بلغنى أن نى حارثة يريدون قتل أسعد ليخفروك فيه لأنه ابن خالك ، فقام
إليه سعد مغضبا: والله ما أراك أغنيت شيئا! ثم خرج فلما نظر إليه أسعد قال
لمصعب: هذا والله سيد قومه! إن قابعك لم يخالفك أحد فاصدق الله فيه، فلما وقف
قال: يا أسعد! ما دعاك إلى أن تغشانى بما أكره - وهو متبسم - أما والله لو ما
بينى وبينك من القرابة ما طمعت فى هذا منى ! فوقع معه ما وقع مع أسيد ، فأسلم
وانصرف إلى قومه ، فلما راه رجال بنى الأشهل قال : أى رجل تعلمونى فيكم ؟
قالوا : تعلمك خيرا وأفضلنا رأيا ، قال : فان كلام رجالكم ونسائكم على حرام
حتى تؤمنوا، فما أمسى منهم أحد إلا مسلما، فأقام مصعب أياما على هذا النهج
ثم رجع إلى مكة - رضى الله عنه وجزاء عنا.
[ ثالثة عشرة] وفى الثالثة عشرة كانت بيعة العقبة الثانية فى الموسم، وكان سبعون
رجلًا وامرأتان ، باتوا فى رحالهم حتى مضى ثلث الليل، خرجوا مستخفين متسللين
حتى اجتمعوا عند العقبة على الموعد ينتظرونه حتى جاءه صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس
ولم يكن مسلما إلا أنه حضر ليتوثق له، فقال العباس: يا معشر الخزرج! إن هدا
منا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا وهو فى عزة من قومه ومنعة فى بلد، وإنه
قد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه مانعوه
٢٥٣

ج - ٥
( السنة الرابعة عشرة )
مجمع بحار الأنوار
من خالفكم فأتم وما تحملتم من ذلك! وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه
فمن الأن فدعوه ! فقالو : قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك
وربك ما أحببت! فتكلم صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ثم قال :
أبا يعكم على أن تمنعونى مما تمنعون نساءكم وأبناءكم! فأخذ البراء بن معرور بيده
ثم قال : والذي بعثك بالحق! لنمنعك ما تمنع به أزرنا فنحن والله أهل الحرب !
فقال الهيثم بن التيهان : يا رسول الله! إن بيننا وبين الناس حبالا وإنا قاطعوها -
يعنى اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك؟ فتبسم
صلى الله عليه وسلم ثم قال: الدم الدم والهدم والهدم! أنتم منى وأنا منكم!
أحارب من حار تم وأسالم من سالمتم ! فبايعناه ، فقال ابن عبادة : والذي بعثك
بالحق ! لمن شئت لتميلن غدا على أهل منى بأسيافنا ، فقال صلى الله عليه وسلم:
لم نؤمر به فانصرفوا، فأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج إلى المدينة، فرجوا
أرسالا ، وكان أول من هاجر من قريش أبو سلمة وكان قدم من الحبشة ،
ثم عامر بن ربيعة ، ثم عبد اللّه بن جحش، ثم عمر بن الخطاب و عياش بن ربيعة
وغيرهم ، وما بقى فى مكة إلا حبس أو فتن إلا على بن أبى طالب ؛ وكان أبو بكر
كثيرا يستأذنه فى الخروج فيقول : لا تعجل، لعل الله أن يجعل لك صاحبا .
[ رابعة عشرة] وفى الرابعة عشرة أراد أبو بكر الخروج نحو الحبشة لشدة
إيذائهم حتى إذا بلغ برك الغاد لقى ابن الدغنة سيد القارة فقال : أين تريد ؟ قال :
أخرجنى قومى ، قال: مثلك لا يخرج، إنك تكسب المعدوم - وكذا، فأنا لك ! ارجع
فاعيد ربك ببلدك، فرجع؛ فطاف ابن الدغنة فى أشراف قريش طلبا للأمان له ،
فاشترطوا أن لا يستعلن بالقرآن ، فانا نخاف فتنة نسائنا وأبنائنا! فابتنى أبو بكر مسجدا
بفناء داره وكان يقرأ، فتنقذف عليه نساؤهم وأبناؤهم يعجبون منه ، وكان بكاء إذا
قرأ ، فأفرع أشراف قريش فقالوا لابن الدغنة: إن أبا بكر خالف شرطه فمره أن
يمضى
٢٥٤

جمع بحار الأنوار
( السنة الرابعة عشرة )
ج - ٥
يمضى عليه أو يرد إليك ذمتك ! فبلغه ابن الدغنة قولهم فقال : أرد إليك جوارك
وأرضى بجوار الله! فتجهز قبل المدينة، فقال صلى الله عليه وسلم: على رسلك!
فانى أرجو الإذن، حبس نفسه وعلف راحلتين أربعة أشهر ، فلما رأت قريش أنه
صارت له شيعة وأصحاب بغير بلدهم وأصابوا منعة ، حذروا خروجه وعرفوا
عزمه اللحوق بهم، فاجتمعوا فى دار الندوة يتشاورون فى أمره ، واجتمع إبليس فى
صورة شيخ نجدى معهم، فقال بعض: قد صار من أمره ما صار وإنا لا نأمنه
أن يثب علينا بمن قد اتبعه ، فاحبسوه فى الحديد وتربصوا موته ، فقال الشيخ
النجدى : ما هذا برأى! فانكم أو حبستموه يثب أصحابه وينتزعون من أيديكم ؛
فقيل : تخرجه من بلدنا وتنفيه منه ، فقال النجدى: ألم تروا حسن حديثه وغلبته به
على القلوب! فانه أو نفيتم يحل على حى من العرب ثم يسير بهم عليكم حتى يطأكم؛
فقال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة جلدا فيقتلونه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه
فى كل القبائل ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فقال النجدى :
القول ما قال هذا! فأوحى إليه أن لا يبيت الليلة على فراشه، فقال لعلى: ثم على
فراشى واتشح بيردتى، فاجتمعوا على بابه بالعتمة، نفرج صلى الله عليه وسلم
و أخذ بحفنة من تراب ونثر على رؤسهم وهو يقرأ ((يس - إلى: وجعلنا من
بين أيديهم سدا» وانصرف حتى لحق بالغار، ولم يشعروا حتى أتاهم أت وقال:
ما تنتظرون! فان هدا قد خرج وانطلق، فاطلعوا فرأوا عليا على فراشه فقالوا:
هذا مهد نائم! فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام على عن الفراش ، فضربوه
وحبسوه ساعة ثم تركوه واقتصوا أثره، فنزل ((وإذ يمكر بك الذين كفروا»؛
وروى عن عائشة : بينا نحن جلوس فى بيت أبى بكر وقت الظهيرة إذ جاء النبى
صلى الله عليه وسلم فقال: أذن لى فى الخروج، قال أبو بكر: الصحبة! قال: نعم ،
قال: خذ إحدى راحتى، قال صلى الله عليه وسلم: بالثمن! فتجهزنا لهما أخف الجهاز
ووضعنا لها سفرة فى جراب، تخرجا من خوخة فى ظهر بيته ليلة الاثنين فى السابع
٢٥٥

مجمع بحار الأنوار
( السنة الرابعة عشرة )
ج - ٥
و العشرين من صفر أو لأربع خلون من ربيع الأول ولحقا بالغار ، واحتمل
أبو بكر كل ماله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف؛ ولحقها الكفار فرأوا نسيج
العنكبوت وبيض الحمامة بفم الغار فانصرفوا ، وجعل أبو جهل مائة أبل لمن ظفر
بهما ، فلم يزل القوم يطوفون فى جبال مكة و بعثوا القافة ، فكانا فى الغار ثلاثة أيام
حتى سكن الناس، يبيت عندهما عبد الله ويصبح مع قريش كبائت، فلا يسمع أمرا
يكادان به إلا وعاه ويخبرهما به، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر غنما ،
فيريحها عليها حين يذهب ساعة من الليل ، فيبيتان فى لبن؛ واستأجر رجلا من بنى
الديل وهو كافر فأمناه فرعى راحلتيها و واعداء غار ثور بعد ثلاث ، نفرجا من
الغار لغرة ربيع الأول، وكان معه أربعة: أبو بكر و عامر بن فهيرة وعبد الله بن
أريقط ١، فأدالجنا٢ فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى لحقنا سراقة بن مالك. فقال: «لا تحزن
ان الله معنا)» فقال: اللهم اكفنا بما شئت! فساخت قوائم فرسه ، فقال : ادع الله !
فو الله لأعمين على من ورائى من الطلب! فدعا، فأطلق ورجع إلى أصحابه؛ وروى
أنه قال : اكتب لى كتابة تكون آلية لى! فكتب أبو بكر ، قال: وعرضت عليه
الزاد والمتاع فلم يأخذا، فلما فتح مكة عرضت عليه الكتاب فأكرمنى وأسلمت .
و مما جرى فى الطريق أنه ركب بريدة بن الحصيب فى سبعين راكبا من أهل بيته
ليكيدوا به صلى الله عليه وسلم فتلقى فى الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا بكر!
برد أمرنا وصلح! فأسلم هو ومن معه، خل عمامته وشدها فى رمح وجعله علما،
ثم مشى بين يديه . ونزلوا فى الطريق على خيمة أم معبد فأضافتهم ، وشربوا من
لبنهم ثم ساروا؛ فلما سمع الأنصار خروجه كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ، فلما
قربوا من المدينة بصر بهم يهودى فنادى بأعلى صوته : يا معشر العرب ! هذا جدكم
الذى تنتظرونه ! فثار المسلمون إلى السلاح وتلقوه إلى الحرة، فنزل فى بنى عمرو
(١) وفى الإصابة: ويقال اريقد، وفى الطبعة الأولى: ارقط، وبالهامش: عبد الله بن
أريقط دليل النبى صلى الله عليه وسلم - ق. (٢) تحته فى الطبعة الأولى: قال.
٠٠:
ابن
(٦٤ )
٢٥٦

بمجمع بحار الأنوار
( السنة الأولى من الهجرة )
ج - ٥
ابن عوف فى أهل قباء يوم الاثنين من ربيع الأول وأقام فيهم إلى الخميس ،
وأسس مسجدهم الذى أسس على التقوى ، وقيل : مكث بضعة عشر يوما .
فركب يوم الجمعة يؤم المدينة فجمع فى بنى سالم بن عوف ، وكان أول جمعة فى
الإسلام ، وخطب ووعظ وذكر نعم الله ؛ ثم قدموا إلى المدينة فتلقاه الناس
و تنازعوا أيهم ينزل عليه ! فقال : أنزل الليلة على بنى النجار أخوال عبد المطلب
لأكرم به ! فلما أصبح ركب ناقته وأرخى لها الزمام ، بفعلت لا تمر بدار من
دور الأنصار إلا قالوا : هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة ! فيقول : خلوا زمامها
فإنها مأمورة ، حتى انتهى إلى موضع مسجد اليوم فبركت على بابه وهو يومئذ مريد
لغلامين، فلم ينزل عنها النبى صلى الله عليه وسلم فوثبت فسارت غير بعيد، ثم التفتت
خلفها ثم رجعت إنى مبركها الأول فبركت فيه ووضعت جرانها ، فنزل صلى الله
عليه وسلم ، فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه فى بيته؛ فأقام عند أبى أيوب حتى
ابتاع المربد فبنى مسجدا وماكنه . فأقام فى المدينة أحد عشر شهرا متهيا
للحرب ، ثم خرج غازيا فى ثانى عشر صفر غزوة الأبواء يريد قريشا وكان قدم
المدينة فى ثانى عشر ربيع الأول ، فلقى بوّدان فوادعته فيها بنو ضمرة فرجع إلى
المدينة ، فأقام بقية صفر وصدرا من ربيع الأول ، ثم بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب
فى ستين أو ثمانين من المهاجرين، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة ، فلقى جمعا
عظيما من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل فلم يكن فقال ثم انصرف القوم ، ثم بعث
فى مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر فى ثلاثين راكبا من المهاجرين ،
فلقى أبا جهل فى ثلاثمائة راكب ، فجر بينهم محمد بن عمرو وكان موادعا للفريقين ،
فانصرفوا من غير قتال . وفى هذه السنة تكلم الذئب خارج المدينة . وفيها بعث
صلى الله عليه وسلم إلى بناته وزوجته سودة زيدا وأبا رافع، حملاهن إلى المدينة ،
وخرج عبد الله بن أبى بكر بعيال أبيه، وصحبهم طلحة بن عبد الله ومعهم أم رومان
أم عائشة وعبد الرحمن حتى قدموا المدينة . وفيها بنى بعائشة فى شوال بعد الهجرة
٢٥٧

ج - ٥
( السنة الثانية من الهجرة )
جمع بحار الأنوار
بسبعة أشهر ، وقيل: فى السنة الثانية، والأول أصح، ولم يتزوج بكرا غيرها .
و فيها زيد فى صلاة الحضر وكان بعد الهجرة بشهر. وفيها أخى بين المهاجرين
والأنصار، وكانوا خمسة وأربعين من المهاجرين ومثله من الأنصار ، وقيل :
خمسين ومائة فى كلا الطرفين، وذلك قبل بدر. وفيها صام عاشوراء وأمى به .
و فيها أسلم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسى وكان مجوسيا فتنصر ولزم أسقف
نصارى واحدا بعد واحد حتى مات آخرهم ، موصى به بالخروج إلى مدينة وقال:
أظلك زمان فى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، و بين كتفيه خاتم النبوة، فلحق
بالمدينة واختبر بالعلامة و أسلم، فكاتب سيده على ثلاثمائة نخلة وأربعين وقية ،
وأعانه الصحابة على النخل ، وأعطاه النبى صلى الله عليه وسلم كبيضة دجاجة من
ذهب؛ وروى أنه تداولته بضعة عشر من رب إلى رب ، وروى أنه عاش
ثلاثمائة و خمسين سنة، وقيل: مائتين وخمسين سنة ، وتوفى سنة ست وثلاثين
بالمدائن .
[ ثانية ] وفيها رأى عبد الله بن زيد قصة الأذان، وقيل: هى فى السنة
الثالثة . وفى السنة الثانية غزا غزاة بواط يريد قريشا فى ربيع الأول ولم يلق
كيدا فرجع، ثم غزا فى جمادى الأولى غزوة العشيرة يريد قريشا ووادع بنى مدلج
وبنى ضمرة ثم رجع من غير قتال . ثم بعث سعد بن أبى وقاص فى ثمانية من المهاجرين
ورجع من غير كيد . ثم أغار كرز بن جابر على سرح المدينة ، تخرج فى طلبه
وفاته كرز، وهى بدر الأولى فرجع. ثم بعث فى رجب عبد الله بن جحش مع
ثمانية من المهاجرين ، فلقوا غير القريش فى تجارة فقتلوا عمرو بن الحضرمى وأسروا
عثمان بن عبد الله، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام! وأبى
أن يأخذ غنيمتهم فنزل ((ويسألونك عن الشهر الحرام)» الآية، فقبض صلى الله
عليه وسلم الغنيمة والأسيرين ، وهو أول غنيمة فى الإسلام. وفى صفرها تزوج
على فاطمة وبنى بها فى ذى الحجة ، وروى تزوجها فى رجب بعد خمسة أشهر من
الهجرة
٢٥٨
٠

مجمع بحار الأنوار
( السنة الثانية من الهجرة )
ج - ٥
الهجرة وبنى بها مرجعه من بدر ، والأول أصح ، وكانت بنت ثمان عشرة ،
و ولد الحسين فى شعبان سنة أربع. وفيها حولت القبلة إلى الكعبة للنصف من
شعبان بعد ما صلى ركعتى الظهر فى مسجد القبلتين ، وقيل: للنصف من رجب على
رأس سبعة عشر شهرا ، وكان وجه إلى بيت المقدس حين هاجر . وفيها بناء
مسجد قباء. وفى شعبانها نزات فريضة رمضان و صدقة الفطر . وفيها صلى صلاة
العيد. و ولد عبد الله بن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهرا. وفيها غزاة بدر الكبرى
صبيحة سبعة عشر من رمضان أو تسعة عشر منه، وذلك أنه سمع بأبى سفيان مقبلا
من الشام بعير فيها أموالهم ، فندب المسلمين إليها ، نفف بعض وثقل آخرون ،
ظنوا أنه لا يلقى حربا، ولما سمع أبو سفيان بخروجه أرسل إلى مكة يستنفرهم إلى
أموالهم، تفرجوا مسرعين ونزل ((وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم))، نخرج
يوم السبت لاثنى عشر من رمضان ، واستخلف على المدينة عمرو ابن أم مكتوم ،
وكان الإبل معه سبعين، والخيل فرسين ، والدروع ستة ، والسيف ثمانية ،
والمسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر : من المهاجرين سبعة وسبعون، ومن الأنصار
مائتان وستة وثلاثون؛ والمشركون تسعمائة وخمسون مقاتلا، وكان خيلهم مائة ؛
فدخل صلى الله عليه وسلم مع الصديق العريش واستنصر ربه فبشر بالوحى، تفرج
وحرض على القتال، وأخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا وقال: شاهت
الوجوه ! وقال : شدوا، فانهزموا فقتل منهم سبعون وأسر سبعون ، واستشهد
من الأنصار ثمانية و من غيرهم خمسة ، وقسم الغنائم ، وتنفل صلى الله عليه وسلم
سيفه ذا الفقار وغنم جمل أبى جهل، و بعثت زينب بقلادة فى فداء زوجها
أبي العاص ، لغلاء ورد قلادته وشرط أن يخلى زينب فوفى به ، ثم خرج أبو العاص
تاجر! قبيل الفتح فلقيه سرية النبى صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه، وهرب إلى
زينب فأجارته ، فأمر للسرية برد أمواله، فذهب إلى مكة وأدى أموالهم ثم أسلم
وهاجر، فرد النبى صلى الله عليه وسلم زينب بالنكاح الأول بعد ست سنين .
٢٥٩
1

ج - ٥
( السنة الثالثة من الهجرة )
مجمع بحار الأنوار
و وافق يوم البدر التقاء فارس والروم فنصر الروم ، ففرح المسلمون بالفتحتين ،
قال أسامة : فأتانا بشير الفتح حين سوينا التراب على رقية بنته صلى الله عليه وسلم
زوجة عثمان وكان خلفى عليها مع عثمان؛ و أبو لهب تخلف عن البدر فمات بالعدسة
بعد سبعة أيام ، فقدم صلى الله عليه وسلم المدينة وأقام سبعة أيام، ثم غزا يريد بنى
سليم حتى بلغ الكدد، وأقام عليه ثلاثا ثم رجع من غير كيد. وفيها قتل عصماء
بنت مروان التى تؤذى النبى صلى الله عليه وسلم وتهجوه بالشعر . وفيها غزاة نى
قينقاع وكان قد وادع اليهود حين قدم المدينة على أن لا يعينوا عليه أحدا و إن
دهمه بها عدو نصروه ، فلما انصرف من بدر مغتما أظهروا الحد ونقضوا العهد ،
خرج إليهم لنصف شوال حاصرهم خمس عشرة ليلة، فلستشفع عبد الله بن أبى لأنهم
حلفاء قومه ، فأجلاهم وغنم أموالهم. وفيها صلى عيد الأضحى بالمصلى، ومات أمية
ابن الصلت ، وكان قرأ الكتب المتقدمة ورغب عن عبادة الوثن وكان يؤمل أن
يكون فى آخر الزمان، فلما بلغه خروجه صلى الله عليه وسلم كفر به حدا، وقال
فى حق شعره : أمن لسانه وكفر قلبه .
[ ثالثة ] وفى الثالثة غزاة السويق، وذلك أن أبا سفيان حرم الدهن والغسل
من الجنابة حتى يثأر من محمد صلى الله عليه وسلم، نخرج فى مائتى راكب إلى أن
قرب المدينة بثلاثة أميال فقتل رجلا من الأنصار و خرب أبياتا ورأى أن يمينه
حلت ثم هرب ، تخرج صلى الله عليه وسلم فى أثره فى مائتى رجل خامس ذى الحجة،
فهربوا وتخففوا بالقاء جرب السويق ، فانصرف صلى الله عليه وسلم بعد خمسة أيام
وأقام بالمدينة بقية ذى الحجة . ثم غزا نجدا وأقام بها الصفر ثم رجع من غير قتال ،
فلبث فى المدينة أكثر ربيع الأول . ثم غزا يريد قريشا حتى بلغ نجران ، فأقام ..
ربيع الآخر وجمادى الأولى، ورجع من غير كيد وأقام إلى شوال . ثم بعث
سرية زيد بن حارثة على القردة، فوجدوا فيها غير تجارة فيه أبو سفيان مع فضة
كثيرة، فأصابوا تلك العير وما فيها. وفيها قتل محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف
لأربع
(٦٥)
٢٦٠