Indexed OCR Text

Pages 1-20

بِسَانُ العَبْ
للإمَامِ العَلَّا مة إلى الفِضْل عَمَالِ الذِين محمّد بن مكرم
ابن منظور الافريقى المصرى
المجلدالاول
دار صادر
بيروت

ر.م
عزمنا بعد الاتكال عليه سبحانه ، وبعد إعمال الروية وتقليب الفكر ، أن نصدر
طبعة جديدة للسان العرب ، لابن منظور الإفريقي، وليس هذا العمل يسيراً، فإن
الطبعة الأولى توافرت عليها أموال حكومة الخديو محمد توفيق وتحت إمرتها مطبعة كبيرة،
كما تعاون علماؤها في الإشراف على العمل، ومع ذلك لم تَخْلُ من أغاليط ، بعضها نبّه عليه
جماعةٌ من العلماء، وبعضها لم ينبّه عليه أحد ، فتدار كنا ذلك كله ، مستعينين بنخبة من
علماء اللغة المتخصصين ، ورأينا أن نثبت تحقيقات مصمح الطبعة الأولى الواردة في
الهوامش بنصّها.
وستصدر الكتاب أجزاء ليسهل اقتناؤه، وسنضيف إليه فهرساً شاملاً أسماء الشعراء
وذيلًا بالمفردات والمصطلحات الحديثة التي أقرتها المجامع اللغوية في البلاد العربية، لوصل
ما انقطع من التراث اللغوي .
وأُشير علينا أن نغير ترتيب ((اللسان)) ولكنا آثرنا ان يبقى على حاله حفظاً للأثر
من أَن يغيّر، ولأن ترتيب الأبواب على الحرف الأخير يعين الشاعر على القافية - ولعله.
أحد المقاصد التي أرادها صاحب اللسان - وهناك معاجم تسير على غير هذا الترتيب الذي
: اختاره ابن منظور واختاره مثله الفيروزابادي .
غير أننا تيسيراً للبحث عن اللفظة المراد البحث عنها، وإيضاح مكانها من مادتها، رأينا
أن نضع فواصل حاولنا بها على قدر الاستطاعة، أَن نفصل بين اللفظة والأخرى ، لكي
تبرز للباحث ضالته التي ينشدها بأيسر سبيل وأقل عناء . والله وليّ التوفيق
الناشرون

ترجَمَة المؤلف رَحِمَهُ الله
قال الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة في حرف الميم ما نصه : .
هو محمد بن مكرم بن علي بن احمد الأنصاري الإفريقي ثم المصري جمال الدين أبو الفضل ، كان ينسب الى
رويفع بن ثابت الأنصاري. ولد سنة ٦٣٠ في المحرم وسمع من ابن المقير ومرتضى بن حاتم وعبه الرحيم بن الطفيل
ويوسف بن المخيلي وغيرهم. وعمّر وكبر وحدَّث فأكثروا عنه، وكان مغرى باختصار كتب الأدب المطوّلة،
اختصر الأغاني والعقد والذخيرة ونشوان المحاضرة ومفردات ابن البيطار والتواريخ الكبار وكان لا يمل من
ذلك، قال الصفدي: لا أعرف في الأدب وغيره كتاباً مطوّلاً إلاَّ وقد اختصره، قال: وأخبرني ولده قطب الدين
أنه ترك بخطه خمسمائة مجلدة، ويقال إن الكتب التي علقها بخطه من مختصراته خمسمائة مجلدة ، قلت : وجمع في
اللغة كتاباً سماه ((لسان العرب)) جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح والجمهرة والنهاية وحاشية الصحاح،
جوّده ما شاء ورقبه ترتيب الصحاح، وهو كبير، وخدم في ديوان الإنشاء طول عمره وولي قضاء طرابلس.
وكان عنده تشيع بلا رفض ، قال أبو حيان أنشدني لنفسه :
ضع كتابي إذا أتاك إلى الأرض وقلّبه في يديك لماما
فعلى ختمهِ وفي جانبيه: "قُبَلٌ قد وضعتهنَّ تواما.
قال وأَنشعفي لنفسه :
الناس قد أَموا فينا بظنهم
وصد قوا پالذي أُدري وتدرینا
بأَن تحقق ما فينا يظنونا
ماذا يضرّك في تصديق قولهم
بالعفو أجمل من إثم الورى فينا
حملي وحملك ذنباً واحداً ثقة
قال الصفدي : هو معنى مطروق للقدماء لكن زاد فيه زيادة وهي قوله ثقة بالعفو من أحسن متممات البلاغة
وذكر ابن فضل الله أنه عمي في آخر عمره، وكان صاحب نكت ونوادر وهو القائل:
بالله إِنْ جزت بوادي الأراك، وقبَّلت عيدانُهُ الخُضرُ فاك
فابعث، إلى عبدك، من بعضها، فإنني، والله، ما لي سواك
ومات في شعبان سنة ٧١١ .
وقال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنجاة فيمن اسمه محمد:
محمد بن مكرم بن علي وقيل رضوان بن أحمد بن أبي القاسم بن حيقة بن منظور الأنصاري الإفريقي المصري
جمال الدين أبو الفضل صاحب لسان العرب في اللغة الذي جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح وحواشيه
والجمهرة والنهاية، وُلد في المحرم سنة ٦٣٠ وسمع من ابن المقير وغيره وجمع وعمّر وحدّث واختصر كثيراً
من كتب الأدب المطوّلة كالأغاني والعقد والذخيرة ومفردات ابن البيطار ، ونقل أن مختصر اته خمسمائة مجلد،
وكان صدراً رئيساً فاضلاً في الأدب مليح الإنشاء روى عنه السبكي والذهبي وقال تفرّد بالغوالي وكان عارفاً
بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة واختصر تاريخ دمشق في نحو ربعه، وعنده تشيع بلا رفض، مات في شعبان
سنة ٠٧١١

مقدمة الطبعة الاولى
الحمد لله منطق اللسان بتحميد صفاته ، وملهم الجنان الى توحيد ذاته ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
أشرف مخلوقاته، وعلى آله وصحبه الذين اقتدوا بقداته واهتدوا بسماته. وبعد فقد اتفقت آراء الأمم :
العرب منهم والعجم، الذين مارسوا اللغات ودروا ما فيها من الفنون والحكم، وأساليب التعبير عن كل معنى
يجري على اللسان والقلم، على ان لغة العرب أوسعها وأسنعها، وأخلصها وأنصعها ، وأشر فها وأفضلها، وآصلها
وأكملها، وذلك لغزارة موادّها، واطراد اشتقاقها، وسرارة جوادّها، واتجاد انتساقها. ومن جملته تعدّد
المترادف، الذي هو للبليغ خير رافد ورادف، وما يأتي على رويّ واحد في القصائد مما يكسب النظم من
التحسين وجوهاً، لا تجد لها في غيرها من لغات العجم شبيهاً .
وهذا التفضيل يزداد بياناً وظهوراً، ويزيد المتأمل تعجباً وتحييراً، إذا اعتبرت أنها كانت لغة قوم أُمّيين،
لم يكن لهم فلسفة اليونانيين، ولا صنائع أهل الصين، ومع ذلك فقد جعلت بحيث يعبر فيها عن خواطر هذين
الجيلين بل سائر الاجيال ، اذا كانت جديرة بأن يُشغل بها البال ، وتحسن في الاستعمال الذي من لوازمه أن
يكون المعنى المفرد وغير المفرد موضوعاً بازائه لفظ مفرد في الوضع، يخف النطق به على اللسان ويرتاح له
الطبع ، وهو شأن العربية ، وكفاها فضلًا على ما سواها هذه المزية .
وانما قلتِ مفرد في الوضع لانا نرى معظم ألفاظ اليونانية، وغيرها من اللغات الافرنجية، من قبيل النحت،
وستان ما بينه وبين المفرد البحث، فإنّ هذا يدل على أنّ الواضع فطن، من أوّل الامر، الى المعاني المقصودة
التي يحتاج اليها لإفادة السامع، بحسب اختلاف الاحوال والمواقع. وذلك يدل على أن تلك المعاني لم تخطر بباله
إلا عندما مست الحاجة اليها ، فلفق لها ألفاظاً كيفما اتفق واعتمد في الافادة عليها. فمثل من وضع اللفظ
المفرد، مثَل من بنى صرحاً لينعم فيه ويقصد ، فقدّر من قبل البناء كل ما لزم له من المداخل والمخارج
والمرافق والمدارج، ومنافذ النور والهواء، والمناظر المطلة على المنازه الفيحاء، وهكذا أتم بناءه، كما قدّره
وشاءه. ومثل من عمد الى النحت والتلفيق، مثل من بنى من غير تقدير ولا تنسيق ، فلم يفطن الى ما لزم
لمبناه الا بعد أن سكنه، وشعر بأنه لا يصيب فيه سكنه، فتدارك ما فرط منه تدارُك من لهوج فعجز،
فجاء بناؤه سداداً من عوز .
هذا من حيث كون الالفاظ مفردة كما أسلفت مفصلًا. فأما من حيث كونها تركَّب جملاً، وتكسى
من منوال البلاغة حللً، فنسبة تلك اللغات الى العربية، كنسبة العريان الى الكاسي، والظمآن الى الحاسي،
ولا ينكر ذلك الا مكابر، على جحد الحق مثابر. وحسبك أنه ليس في تلك اللغات من أنواع البديع الا
التشبيه والمجاز ، وما سوى ذلك يحسب فيها من قبيل الاعجاز.
هذا وكما أني قرّرت انّ اللغة العربية أشرف اللغات، كذلك أُقرر أَن أَعظم كتاب ألف في مفرداتها.
كتاب لسان العرب للامام المتقن جمال الدين محمد بن جلال الدين الانصاري الخزرجي" الافريقيّ، نزيل
مصر، ويعرف بابن مكرم وابن منظور، ولد في المحرّم سنة ٦٩٠، وتوفي سنة ١٧٧١ . وقد جمع في
١ كانت ولادته سنة ٦٣٠ ووفاته سنة ٧١١ كما في الوافي بالوفيات للصفدي والدرر الكامنة لابن حجر والمنهل الصافي لابن تقر
بردى والبغية للسيوطي .

كتابه هذا الصحاح للجوهري وحاشيته لابن يَرِّي، والتهذيب للازهري، والمحكم لابن سيده، والجمهرة لابن
دريد، والنهاية لابن الاثير، وغير ذلك، فهو يغني عن سائر كتب اللغة، اذ هي يجملتها لم تبلغ منها ما بلغه.
قال الامام محمد بن الطيب محشي القاموس ، وهو عجيب في نقوله وتهذيبه، وتنقيحه وترتيبه ، الا انه
قليل بالنسبة لغيره من المصنفات المتداولة ، وزاحم عصره عصر صاحب القاموس رحم الله الجميع انتهى .
وسبب قلته كبر حجمه وتطويل عبارته، فانه ثلاثون مجلداً، فالمادّة التي تملأ في القاموس صفحة واحدة
تملأ فيه أربع صفحات بل أكثر ، ولهذا عجزت طلبة العلم عن تحصيله والانتفاع به .
وبالجملة فهو كتاب لغة، ونحو، وصرف، وفته، وأدب، وشرح للحديث الشريف، وتفسير القرآن
الكريم، فصدق عليه المثل: ان من الحسن لشقوة. ولولا أنّ الله تبارك وتعالى أَودع فيه سراً مخصوصاً لما
بقي الى الآن، بل كان لحق بنظرائه من الامّهات المطوّلة التي اغتالتها طوارق الحدثان: كالموعب لعيسى
ابن غالب التياني، والبارع لأبي علي القالي، والجامع للقزاز، وغيرها مما لم يبق له عين ولا اثر، الا في ذكر
اللغويين حين ينوّهون بمن ألف في اللغة وأثر، فالحمد لله مولي النعم ومؤتي الهمم على أن حفظه لنا مصوناً من
تعاقب الاحوال، وتناوب الاحوال، كما نحمده على أن ألهم في هذه الايام سيدنا الخديو المعظم، العزيز ابن
العزيز ابن العزيز محمد توفيق المحمود بين العرب والعجم، والمحفوف بالتوفيق لكل صلاح جمّ، وفلاح عمّ،
الى أن يكون هذا الكتاب الفريد بالطبع منشوراً، ونفعه في جميع الاقطار مشهوراً، بعد أن كان دهراً
طويلاً كالكنز المدفون، والدرّ المكنون. وذلك بمساعي امين دولته، وشاكر نعمته، الشهم الهمام، الذي
ذاعت مآثره بين الأنام، وسرت محامده في الآفاق: حسين حسني بك ناظر مطبعة بولاق. وهمة ذي العزم
المتين ، والفضل المكين، الراقي في معارج الكمال الى الاوج، العلم الفرد الذي يفضل. كل فوج، مَن اذا
ادلهمّ عليك أمر يرشدك بصائب فكره ويهديك: حضرة حسين افندي علي الديك، فانه حفظه الله شمر عن
ساعد الجدّ حتى احتمل عبء هذا الكتاب ، وبذل في تحصيله نفيس ماله، رغبة في عموم نفعه، واغتناماً
الجميل الثناءَ وجزيل الثواب.
فدونك كتاباً علا بقدمه على هام السها ، وغازل أفئدة البلغاء مغازلة ندمان الصفاء عيون المها ، ورد
علينا أنموذجه ، فاذا هو يتيم اللؤلؤ منضد في سموط النضار ، يروق نظيمه الالباب ويبهج نثيره الانظار ،
بلغ ، من حسن الطبع وجماله، ما شهرته ورؤيته تغنيك عن الاطراء .
ومن جيد الصحة ما قام به الجمّ الغفير من جهابذة النجباء، جمعوا له، على ما بلغنا ، شوارد النسخ
المعتبرة والمحتاج اليه من الموادّ، وعثروا ، اثناء ذلك، على نسخة منسوبة للمؤلف ، فبلغوا من مقصودهم
المراد . وجلبوا غير ذلك ، من خزائن الملوك ومن كل فج ، وأنجدوا في تصحيح فرائده، وأنهموا
وانتجعوا، في تطبيق شواهده، كل منتجع ، وتيمموا حتى بلغوا أقاصي الشام والعراق ووج . أعانهم الله
على صنيعهم حتى يصل الى حدّ الكمال، وأتمّ لهم نسيجهم على أحكم منوال، وجزى الله حضرة ناظرهم
أحسن الجزاء، وشكره على حسن مساعيه وحباه جميل الحباء، فانّ هذه نعمة كبرى على جميع المسلمين،
يجب أن يقابلوها بالشكر والدعاء على ممرّ السنين، كلما تلوا: ان الله يحب المحسنين. والصلاة والسلام
على سيد المرسلين .
كتبه الفقير الى ربه الواهب
احمد فارس صاحب الجوانب
في ١٧ رجب المعظم سنة ..
١٣

بسِشِالرحمن الرحيم
قال عبد الله محمد بن المكرم بن أبي الحسن بن أحمد الانصاري الخزرجي ، عفا الله عنه بكرمه :
الحمد لله رب العالمين، تبركاً بفاتحة الكتاب العزيز، واستغراقاً لاجناس الحمد بهذا الكلام الوجيز،
إذ كل مجتهد في حمده، مقصر عن هذه المبالغة ، وأن تعالى ؛ ولو كان للحمد لفظ ابلغ من هذا لحمد
به نفسه ، تقدّس وتعالى ، نحمده على نعمه التي يواليها في كل وقت ويجدّدها ، ولها الاولوية بان يقال
فيها نعدّ منها ولا نعدّدها؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد المشرّف بالشفاعة ، المخصوص يبقاء شريعته
الى يوم الساعة، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، وأتباعهم الأخيار، صلاة باقية بقاء الليل والنهار.
أما بعد فإن الله سبحانه قد كرّم الإنسان وفضّله بالنطق على سائر الحيوان، وشرّف هذا اللسان
العربيّ بالبيان على كل لسان، وكفاه شرفاً أنه به نزل القرآن، وأنه لغة أهل الجنان. روي عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَحبُّوا العرب لثلاث: لأني عربي،
والقرآنَ عربيٌّ ، وكلامَ أهلِ الجنةِ عربيًّ، ذكره ابن عساكر في ترجمة زهير بن محمد بن يعقوب .
واني لم أزل مِشغوفاً بمطالعات كتب اللغات والاطلاع على تصانيفها، وعللٍ تصاريفها؛ ورأيت علماءها
بين رجلين: أمّا من أحسن جمعه فانه لم يحسن وضعه، وأمّا من أجاد وضعه فإنه لم يُجد جمعه ، فلم
بقد حسن الجمع مع إساءة الوضع ، ولا نفعت إجادة الوضع مع رداءة الجمع
ولم أجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن احمد الازهري، ولا أكمل
من المحكم لا بي الحسن علي بن اسمعيل بن سيده الاندلسي، رحمهما الله، وهما من أمّهات كتب اللغة على
التحقيق، وما عداهما بالنسبة اليهما ثنيات للطريق. غير أنّ كلا منهما مطلب عسر المهلك، ومنهل وغْر
المسلك، وكأنّ واضعه شرع للناس مورداً عذباً وجلاهم عنه، وارقاد لهم مرعىَّ مَرْبعاً ومنعهم منه ؟
قد أخْر وقدّم، وقصد أن يُعرب فأعجم. فرّق الذهن بين الثنائيّ والمضاعف والمقلوب ، وبدّد الفكر
باللفيف والمعتلِّ والرباعيِّ والخماسيّ فضاع المطلوب، فأهمل الناس أمرهما، وانصرفوا عنهما، وكادت
البلاد لعدم الاقبال عليهما أن تخلو منهما .
وليس لذلك سبب إلا سوء الترتيب، وتخليط التفصيل والتبويب. ورأيت أبا نصر اسمعيل بن حماد
الجوهريّ قد أحسن ترتيب مختصره، وشهره، بسهولة وضعه، شهرة أبي 'دلف بين باديه ومحتضره،
فخف على الناس أمره فتناولوه، وقرب عليهم مأخذه فتداولؤه وتناقلوه ، غير أنه في جوّ اللغة كالذرّةِ،
وفي بجرها كالقطرة، وان كان في نحرها كالدرّة؛ وهو مع ذلك قد صحّف وحرّف، وجزف فيما صرّف،
فاتيح له الشيخ أبو محمد بن بَرِّيّ فتتبع ما فيه، وأملى عليه أماليه، مخرجاً لسقطاته، مؤرخاً لغلطاته؛
فاستخرت الله سبحانه وتعالى في جمع هذا الكتاب المبارك، الذي لا يُساهم في سعة فضله ولا يُشَارَك،
ولم أخرج فيه عما في هذه الأصول، ورتبته ترتيب الصحاح في الابواب والفصول ؛ وقصدت توشيحه
٧

يجليل الاخبار ، وجميل الآثار، مضافاً إلى ما فيه من آيات القرآن الكريم ، والكلام على معجزات
الذكر الحكيم، ليتحلى بترصيع١ دورها عقده، ويكون على مدار الآيات والأخبار والآثار والأمثال
والأشعار حله وعقده ؛ فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري قد جاء في ذلك بالنهاية ،
وجاوز في الجودة حدّ الغاية ، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها ، ولا راعى زائد حروفها من أصلها،
فوضعت كلّا منها في مكانه، وأظهرته مع برهانه؛ فجاء هذا الكتاب بحمد الله واضح المنهج سهل السلوك،
آمناً بمنة الله من أن يصبح مثل غيره وهو مطروح متروك . عظم نفعه بما اشتمل من العلوم عليه ، وغني
بما فيه عن غيره وافتقر غيره اليه ، وجمع من اللغات والشواهد والأدلة، ما لم يجمع مثلُه مثله ؛ لان
كل واحد من هؤلاء العلماء انفرد برواية رواها ، وبكلمة سمعها من العرب شفاهاً، ولم يأت في كتابه
بكل ما في كتاب أخيه ، ولا أقول تعاظم عن نقل ما نقله بل أقول استغنى بما فيه ؛ فصارت الفوائد في
كتبهم مفرّقة، وسارت أنجم الفضائل في أفلاكها هذه مغرّبة وهذه مشرّقة؛ فجمعت منها في هذا
الكتاب ما تفرّق ، وقرنت بين ما غرّب منها وبين ما شرّق ، فانتظم شمل تلك الأصول كلها في هذا
المجموع ، وصار هذا بمنزلة الاصل وأولئك بمنزلة الفروع ، فجاء بحمد الله وفق البغية وفوق المنية، بديع
الاتقان ، صحيح الاركان ، سليماً من لفظةٍ لو كان . حللت بوضعه ذروة الحفاظ ، وحللت بجمعه عقدة
الالفاظ، وأنا مع ذلك لا أدّعي فيه دعوى فأقول سافهت أو سمعت، أو فعلت أو صنعت، أو شددت
أو رحلت ، أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت ؛ فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهري وابن
سيده لقائل مقالاً، ولم يخليا فيه لأحد مجالاً، فإنها عيَّنا في كتابيهما عمن رويا، وبرهنا عما حويا، ونشرا
في خطيهما ما طويا ، ولعمري لقد جمعا فأوعيا ، وأتيا بالمقاصد ووفيا .
وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمتُ بها، ولا وسيلة أتمسك بسبيها، سوى أني جمعت فيه ما تفرّق
في تلك الكتب من العلوم، وبسطت القول فيه ولم أشبع باليسير، وطالب العلم منهوم . فمن وقف فيه
على صواب أو زلل ، أو صحة أو خلل ، فعُهدته على المصنف الاوّل ، وحمده وذمّه لأصله الذي عليه
المعوّل ، لأنني نقلت من كل أصل مضمونه، ولم أبدل منه شيئاً، فيقال فائما إنمه على الذين يبدلونه ، بل
أديت الأمانة في نقل الأصول بالفص ، وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص؛ فليعتدّ من ينقل
عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الاصول الخمسة، وليَغْنَ عن الاهتداء بنجومها فقد غابت لمَّا أطْلَعْت ◌ُشْسَه.
والناقل عنه يمدّ باعه ويطلق لسانه، ويتنوّع في نقله عنه لانه ينقل عن خزانة. والله تعالى يشكر
ما لَهُ بإلهام جمعه من منة، ويجعل بينه وبين محرّفي كلمه عن مواضعه واقية وجُنَّة. وهو المسؤول أن
يعاملني فيه بالنية التي جمعته لأجلها ، فإني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها ،
اذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنّة النبوية؛ ولأن العالم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النية اللسان٢،
ويخالف فيه اللسان النية ، وذلك لما رأيته قد غلب، في هذا الاوان، من اختلاف الألسنة والألوان ،
حتى لقد أصبح اللحن في الكلام بُعدّ لحناً مردوداً، وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً. وتنافس
الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الاعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في
زمنٍ أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته لسانَ العرب،
: ١ نسخة بتوشيح .
٢ لسنة بالعربية .

وأرجو من كرم الله تعالى أن يرفع قدر هذا الكتاب وينفع بعلومه الزاخرة ، ويصل النفع به بتناقل
العلماء له في الدنيا وبنطق أهل الجنة به في الآخرة؛ وأن يكون من الثلاث التي ينقطع عمل ابن آدم اذا
مات الا منها ؛ وأن أنال به الدرجات بعد الوفاة بانتفاع كل من عمل بعلومه أو نقل عنها ؛ وأن يجعل
تأليفه خالصاً لوجهه الجليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قال عبد الله محمد بن المكرّم: شرطنا في هذا الكتاب المبارك أن ترتبه كما رتب الجوهري صحاحه،
وقد قمنا ، والمنة لله، بما شرطناه فيه . إلا أن الأزهريّ ذكر، في أواخر كتابه، فصلًا جمع فيه
تفسير الحروف المقطعة ، التي وردت في أوائل سور القرآن العزيز ، لانها يُنطق بها مفرّقة غير مؤلفة ولا
منتظمة، فترد كل كلمة في بابها، فجعل لهما باباً بمفردها ؛ وقد استخرت الله تعالى وقدّمتها في صدر كتابي
لفائدتين : أهمهما مقدّمهما، وهو التبرك بتفسير كلام الله تعالى الخاص به ، الذي لم يشاركه أحد فيه الا
من تبرّك بالنطق به في تلاوته، ولا يعلم معناه إلا هو ، فاخترت الابتداء به هذه البركة ، قبل الخوض
في كلام الناس ؛ والثانية أنها اذا كانت في أوّل الكتاب كانت أقرب الى كل مطالع من آخره، لأنّ العادة
أن يطالع أوّل الكتاب ليكشف منه ترتيبه وغرض مصنفه، وقد لا يتهيأ للمطالع أن يكشف آخره ،
لانه إذا اطلع من خطبته أنه على ترتيب الصحاح أيس ان يكون في آخره شيء من ذلك ، فلهذا قدّمته
في أوّل الکتاب

باب تفسير الحروف المقطعة
روى ابن عباس رضي الله عنهما في الحروف المقطعة، مثل أَلم أَلمص أَلمر وغيرها، ثلاثة أقوال: أحدها أنّ
قول الله عزّ وجل: ألم أقسم بهذه الحروف إنّ هذا الكتاب، الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم،
هو الكتاب الذي من عند الله عز وجل لا شك فيه، قال هذا في قوله تعالى : ألم ذلك الكتاب لا ريب
فيه؛ والقول الثاني عنه: إن الرحم ن اسم الرحمن مقطع في اللفظ ، موصول في المعنى ؛ والقول الثالث
عنه إنه قال : الم ذلك الكتاب ، قال : ألم معناه أنا الله أعلم وارى .
وروى عكرمة في قوله : الم ذلك الكتاب قال : الم قسم ؛ وروي عن السدّي قال : بلغني عن ابن
عباس أنه قال: ألم اسم من أسماء الله وهو الاسم الأعظم؛ وروى عكرمة عن ابن عباس: أَلر وأَلم وحم
حروف معرّفّة! أي بنيت معرّفة، قال أُبَيِّ فحدّثت به الاعمش فقال: عندك مثل هذا ولا تحدّثنا به!
وروي عن قتادة قال : الم اسم من أسماء القرآن ، وكذلك حم ويس ، وجميع ما في القرآن من
حروف الهجاء في أوائل السور .
وسئل عامر عن فواتح القرآن، نحو حم ونحوص وأَلم وأَلر. قال: هي اسم من أسماء الله مقطعة بالمجاء،
اذا وصلتها كانت اسماً من أسماء الله. ثم قال عامر، الرحمن٢. قال: هذه فاتحة ثلاث سور، إِذا جمعتهن.
كانت اسماً من أسماء الله تعالى .
وروى أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب وحكيم بن عمير وراشد بن سعد٣ قالوا : المر والمص:
والم وأشباه ذلك ، وهي ثلاثة عشر حرفاً، ان فيها اسم الله الاعظيم.
وروي عن أبي العالية في قوله: الم قال : هذه الاحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفاً ليس فيها
حرف إِلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله، وليس فيها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس فيها حرف
إِلا وهو في مدّة قوم وآجالهم .
قال وقال عيسى بن عمر: أعجب انهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه كيف يفكرون به :
فالالف مفتاح اسمه الله، ولام مفتاح اسمه لطيف، وميم مفتاح اسمه مجيد. فالالف آلاء الله، واللام
لطف الله، والميم مجد الله ، والألف واحد ، واللام ثلاثون ، والميم اربعون .
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : الم آية ، وحم آية .
وروي عن أبي عبيدة أنه قال: هذه الحروف المقطعة حروف الهجاء ، وهي افتتاح كلام ونحو ذلك.
قال الاخفش: ودليل ذلك أنّ الكلام الذي ذكر قبل السورة قد تم .
١ قوله (( حروف معرّفة الخ)» كذا بالاصول التي بأيدينا ولعل الأولى مفرقة.
٢ الرحمن « قال هذه الخ» كذا بالنسخ التي بايدينا والمناسب لما بعده ان تكتب مفرقة هكذا الرحم ن قال هذه فاتحة ثلاث الع.
٣ قوله « وراشد بن سعد » في نسخة ورائد بن سعد ..

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: في كهيعص هو كافٍ، ماذٍ، مين، عزيز، صادق ؟
جعل اسم اليمين مشتقاً من اليمن، وسنوسع القول في ذلك في ترجمة بمن ان شاء الله تعالى .
وزعم قطرب أن الر والمص والم و كهيعص وص وق ويس ون، حروف المعجم لتدل أنّ هذا القرآن
مؤلف من هذه الحروف المقطعة التي هي : حروف ا ب ت ث ، فجاء بعضها مقطعاً ، وجاء تمامها مؤلفاً
ليدل القوم ، الذين نزل عليهم القرآن ، أنه مجروفهم التي يعقلونها لا ريب فيه.
قال، ولقطوب وجه آخر في الم : زعم أنه يجوز أن يكون لمًا لغا القوم في القرآن فلم يتفهموه حين
قالوا: (( لا تسمعوا هذا القرآن والغوا فيه)) أنزل عليهم ذكر هذه الحروف لانهم لم يعتادوا الخطاب بتقطيع
الحروف، فسكتوا لما سمعوا الحروف طمعاً في الظفر بما يحبون، ليفهموا، بعد الحروف ، القرآن وما
فيه ، فتكون الحجة عليهم أثبت، اذا جحدوا بعد تَفَهُّم وتعلم ...
وقال أبو اسحق الزجاج: المختار من هذه الاقاويل ما روي عن ابن عباس وهو: أن معنى الم أنا الله
أعلم، وأن كل حرف منها له تفسير. قال: والدليل على ذلك أنّ العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به
على الكلمة التي هو منها ، وأنشد :
قلت لها: ففي فقالت قِ
فنطق بقاف فقط تريد أقف . وأنشد أيضاً :.
نادَ يْتُهُم أنْ ألجِموا ألا تا! قالوا، جميعاً، كلتُهُمْ: أَلاَ فَا!
قال تفسيره: نادوهم أن ألجموا أَلا تركبون ؟ قالوا جميعاً: ألا فاركبوا ؛ فإنما نطق بناء وفاء كما
نطق الاوّل بقاف .
وقال: وهذا الذي اختاروه في معنى هذه الحروف ، والله أعلم بحقيقتها .
وروي عن الشعبي أنه قال: لله عز وجل، في كل كتاب ، سرّ، وسرّه، في القرآن، حروف
الهجاء المذكورة في اوائل السور .
وأجمع النحويون : أَنّ حروف التهجي، وهي الالف والباء والتاء والثاء وسائر ما في القرآن منها،
أنها مبنية على الوقف، وأنها لا تُعرب . ومعنى الوقف أنك تقدر أن تسكت على كل حرف منها ،
فالنطق بها : الم ..
والدليل على أنّ حروف الهجاء مبنية على السكت ، كما بني العدد على السكت، أَنك تقول فيها
بالوقوف١، مع الجمع ، بين ساكنين، كما تقول، إذا عددت واحد اثنان ثلاثة اربعة، فتقطع ألف
اثنين، وألف اثنين ألف وصل، وتذكر الماء في ثلاثة وأربعة؛ ولولا أنك تقدّر السكت لقلت ثلاثة،
كما تقول ثلاثة يا هذا، وحقها من الإعراب ان تكون سواكن الاواخر.
وشرح هذه الحروف وتفسيرها : أنّ هذه الحروف ليست تجري مجرى الاسماء المتمكنة والافعال
المضارعة التي يجب لها الاعراب، فانما هي تقطيع الاسم المؤلف الذي لا يجب الاعراب الا مع كمله، فقولك
جعفر لا يجب أن تعرب منه الجيم ولا العين ولا الفاء ولا الراء دون تكبيل الاسم ؛ وانما هي حكايات
١ في نسخة بالوقف .
١١

وضعت على هذه الحروف، فان أجريتها مجرى الأسماء وحدّثت عنها قلت : هذه كاف حسنة ، وهذا
كاف حسن؛ وكذلك سائر حروف المعجم، فمن قال : هذه كاف أنث بمعنى الكلمة، ومن ذكر فلمعنى
الحرف ، والاعراب وقع فيها لانك تخرجها من باب الحكاية . قال الشاعر :
كافاً وميمَيْنِ وسيناً طاسِمًا
وقال آخر :
كما بُيْنَتْ كافٌ تلوح ومِينُها
فذكَّر طاسماً لأنه جعله صفة للسين ، وجعل السين في معنى الحرف، وقال كاف تلوح فأنت الكاف
لأنه ذهب بها إلى الكلمة. وإذا عطفت هذه الحروف بعضها على بعض أعربتها فقلت: ألف وباء وتاء وثاء
الى آخرها والله اعلم .
وقال أبو حاتم: قالت العامّة في جمع حم وطس طواسين وحواميم . قال: والصواب ذوات طس
وذوات حم وذوات الم . وقوله تعالى يس كقوله عز وجل الم وحم وأوائل السور .
وقال عكرمة معناه يا إِنسان ، لانه قال : إنك لمن المرسلين .
وقال ابن سيده: الالف والاليف حرف هجاء. وقال الاخفش هي من حروف المعجم مؤنثة وكذلك
سائر الحروف . وقال : وهذا كلام العرب ، واذا ذكرت جاز .
وقال سيبويه: حروف المعجم كلها تذكّر وتؤنث كما أَنّ الانسان يذكر ويؤنث.
قال : وقوله عز وجل الم والمص والمر .
قال الزجاج: الذي اخترنا في تفسيرها قول ابن عباس: ان أَلم انا الله اعلم؛ وأَلمص انا الله اعلم وافصل؟
وأَلمر انا الله اعلم وأَرى .
قال بعض النحويين: موضع هذه الحروف رفع بما بعدها او ما بعدها رفع بها. قال : المص كتاب ،
فكتاب مرتفع بالمص؛ وكأنّ معناه المص حروف كتاب أنزل اليك. قال: وهذا لو كان كما وصف لكان
بعد هذه الحروف أبداً ذكرُ الكتاب، فقوله: الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم، يدل على انّ الم رافع
لها على قوله، وكذلك يس والقرآن الحكيم، وكذلك حم عسق ، كذلك يوحي اليك ، وقوله حم
والكتاب المبين انا انزلناه ، فهذه الاشياء تدل على انّ الامر على غير ما ذكر ، قال ولو كان كذلك
ايضاً لما كان الم وحم مكرّدين.
قال وقد اجمع النحويون على انّ قوله عز وجل كتاب أنزل إليك مرفوع بغير هذه الحروف، فالمعنى
هذا كتاب أنزل إليك .
وذكر الشيخ أبو الحسن عليّ الحَرالي شيئاً في خواص الحروف المنزلة أوائل السور وسنذكره في
الباب الذي يلي هذا في ألقاب الحروف .
قوله « كما بينت الخ)» في نسخة كما بنيت .
١٢

باب ألقاب الحروف وطبائعها وخواصها
قال عبد الله محمد بن المكرّم: هذا الباب ايضاً ليس من شرطنا لكني اخترت ذكر اليسير منه، وإني لا
أَضرب صفحاً عنه ليظفر طالبه منه بما يريد ، وينال الافادة منه من يستفيد، وليعلم كل طالب أن وراء
مطلبه مطالبَ أُخر ، وأن لله تعالى في كل شيء سرّاً له فعل وأثر . ولم أوسع القول فيه خوفاً من
انتقاد من لا بدريه
ذكر ابن كيسان في ألقاب الحروف: أن منها المجهور والمهموس ؛ ومعنى المجهور منها أنه ثرم
موضعه إلى انقضاء حروفه، وحبس النفس أن يجري معه ، فصار مجهوراً لانه لم يخالطه شيء يغيره، وهو
تسعة عشر حرفاً : الالف والعين والعين والقاف والجيم والباء والضاد واللام والنون والراء والطاء والدال
والزاي والظاء والذال والميم والواو والهمزة والياء ، ومعنى المهموس منها أنه حرف لان مخرجه دون
المجهور ، وجرى معه النفس، وكان دون المجهور في رفع الصوت، وهو عشرة أحرف: الهاء والحاء الرب
والخاء والكاف والشين والسين والتاء والصاد والثاء والفاء؛ وقد يكون المجهور شديداً، ويكون رخواً،
والمهموس كذلك .
وقال الخليل بن احمد: حروف العربية تسعة وعشرون حرفاً منها خمسة وعشرون حرفاً صحاح ،
لها أَحياز ومدارج، واربعة احرف جوف : الواو والياء والالف اللينة والهمزة، وسميت جوفاً لانها
تخرج من الجوف، فلا تخرج في مدرجة من مدارج الخلق، ولا مدارج اللهاة، ولا مدارج اللسان، وهي
في الهواء ، فليس لما حيز تنسب اليه الا الجوف .
وكان يقول: الالف اللينة والواو والياء هوائية أي أنها في الهواء. وأقصى الحروف كلها العين، وأرفع
منها الجاء ، ولولا بحة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها منها، ثم الهاء، ولولا هتة في الهاء، وقال مرّة
اخرى ههة في الماء، لأشبهت الخاء لقرب مخرجها منها ، فهذه الثلاثة في حيز واحد، ولهذه الحروف ألقاب
أخر؛ الحلقية: العين والهاء والجاء والخاء والغين؛ اللهوية: القاف والكاف؛ الشجرية: الجيم والشين
والضاد ، والشجْر مفرج الفم ؛ الاسلية : الصاد والسين والزاي ، لان مبدأها من أسلة اللسان وهي
مستدقّ طرفه؛ التطعية : الطاء والذال والتاء، لان مبدأها من نطع الغار الاعلى؛ اللثوية: الظاء والذال
والثاء ، لان مبدأها من اللثة ؛ الذلقية: الراء واللام والنون ؛ الشفوية: الفاء والياء والميم ، وقال مرّة
شفهية؛ الهوائية: الواو والالف والياء . وسنذكر في صدر كل حرف ايضاً شيئاً مما يخصه .
واما ترتيب كتاب العين وغيره، فقد قال الليث بن المظفر: لما اراد الخليل بن احمد الابتداء في كتاب
العين أعمل فكره فيه، فلم يمكنه ان يبتدىء في اوّل حروف المعجم ، لانّ الألف حرف معتلّ، فلما
فاته أول الحروف كره ان يجعل الثاني أوّلاً، وهو الباء، إلا بحجة وبعد استقصاء، فدير ونظر إلى
الحروف كلها وذاقها، فوجد مخرج الكلام كله من الحلق، فصير أولاها، في الابتداء، أدخلها في الحلق.
وكان إذا أراد ان يذوق الحرف فتح فاه بألف ثم أَظهر الحرف ثم يقول: أب ات أث اجاع ، فوجد
العين اقصاها في الحلق، وأدخلها، فجعل اول الكتاب العين ؛ ثم ما قرب مخرجه منها بعد العين الارفع

فالارفع ، حتى أتى على آخر الحروف ، فقلب الحروف عن مواضعها، ووضعها على قدر مخرجها من الخلق.
وهذا تأليفه وترتيبه : العين والحاء والهاء والماء والغين والقاف والكاف والجيم والشين والضاد والصاد
والسين والزاي والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء والراء واللام والنون والفاء والباء والميم والياء
والواو والالف .
وهذا هو ترتيب المحكم لابن سيده ، إلا انه خالفه في الاخير، فرتب بعد الميم الألف والياء والواو.
ولقد انشدني شخص بدمشق المحروسة ابياتاً ، في ترتيب المحكم ، هي أجود ما قيل فيها :
عليك حروفاً منَّ خير غوامض، قيود كتاب، جلّ، شأناً، ضوابطه
صراط سوي، زلً طالب دحضه ، تزيد ظهوراً ذا ثبات روابطه
لذلكم نلتذ فوزاً بمحكم ، مصنفه، ايضاً، يفوز وضابطه
وقد انتقد هذا الترتيب على من رتبه. وترتيب سيبويه على هذه الصورة : الهمزة والماء والعين والحاء
والجماء والغين والقاف والكاف والضاد والجيم والشين واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد
والزاي والسين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والميم والياء والالف والواو .
واما تقارب بعضها من بعض وتباعدها، فإن لها سرّاً، في النطق، يكشفه من تعنّاه ، كما انكشف
لنا سرّة في حل المترجمات، لشدّة احتياجنا الى معرفة ما يتقارب بعضه من بعض، ويتباعد بعضه من
بعض ، ويتركب بعضه مع بعض ، ولا يتركب بعضه مع بعض ؛ فان من الحروف ما يتكرر ويكثر
في الكلام استعماله ، وهو: ال مه و ي ن ؛ ومنها ما یکون تكراره دون ذلك ، وهو : رع ف
ت ب ك ہ س ق ح ج ، ومنها ما یکون تكراره اقل من ذلك، وهو: ظ غ ط ز ث خ ض ش ص
ذ. ومن الحروف ما لا يخلو منه اكثر الكلمات، حتى قالوا: ان" كل كلمة ثلاثية فصاعداً لا يكون
فيها حرف او حرفان منها، فليست بعربية، وهي ستة أحرف: دب م ن ل ف؛ ومنها ما لا يتركب
بعضه مع بعض ، اذا اجتمع في كلمة، الا ان يقدّم، ولا يجتمع، اذا تأخر، وهو: ع .، فإنّ العين
اذا تقدّمت تركبت، واذا تأخرت لا تتركب ؛ ومنها ما لا يتركب ، اذا تقدّم ، ويتركب ، اذا
تأخر، وهو: ض ج، فان الضاد اذا تقدّمت١ تركبت، واذا تأخرت لا تتركب في أصل العربية؛ ومنها
ما لا يتركب بعضه مع بعض لا إِن تقدّم ولا إِن تأخر ، وهو : س ث ض ز ظ ص ، فاعلم ذلك .
وأَمّا خواصها : فان لها اعمالاً عظيمة تتعلق بأبواب جليلة من انواع المعالجات، واوضاع الطلسمات،
ولها نفع شريف بطبائعها ، ولها خصوصية بالافلاك المقدّسة وملائمة لها، ومنافع لا يحصيها من يصفها ،
ليس هذا موضع ذكرها، لكنا لا بدّ أن نلوّح بشيء من ذلك، ننبه على مقدار نعم الله تعالى على من
كشف له سرّها، وعلَّه علمها، وأَباح له التصرّف بها. وهو أن منها ما هو حار يابس طبع النار، وهو:
الألف والهاء والطاء والميم والفاء والشين والذال، وله خصوصية بالمثلثة النارية؛ ومنها ما هو بارد يابس
طبع التراب ، وهو: الباء والواو والياء والنون والصاد والتاء والضاد، وله خصوصية بالمثلثة الترابية ؟
ومنها ما هو حار رطب طبع الهواء، وهو: الجيم والزاي والكاف والسين والقاف والثناء والظاء، وله)
١ قوله (« فان الضاد اذا تقدمت الخ))، الأولى في التفريع ان يقال فان الجيم اذا تقدمت لا تتر كب واذا تأخرت تتر كب وإن
كان ذلك لازماً لكلامه .

خصوصية بالمثلثة الهوائية ؛ ومنها ما هو بارد وطب طبع الماء، وهو: الدال والحاء واللام والعين والراء
والخاء والغين ، وله خصوصية بالمتلئة المائية .
ولهذه الحروف في طبائعها مراتب ودرجات ودقائق وثوان وثوالث وروابع وخوامس يوزن بها
الكلام، ويعرف العمل به علماؤه ؛ ولولا خوف الإطالة، وانتقاد ذوي الجهالة ، وبُعد اكثر الناس عن
تأمل دقائق صنع الله وحكمته، لذكرت هنا اسراراً من افعال الكواكب المقدسة، اذا مازجتها الحروف
تخرق عقول من لا اهتدى اليها ، ولا هجم به تنقيبه وبحثه عليها. ولا انتقاد عليّ في قول ذوي الجهالة،
فإن الزمخشري، رحمه الله تعالى ، قال في تفسير قوله عز وجل : وجعلنا السهاء سقفاً محفوظاً، وهم عن
آياتها معرضون، قال: عن آياتها اي عما وضع الله فيها من الادلة والعبر، كالشمس والقمر ، وسائر
النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها على الحساب القويم، والترتيب العجيب ، الدال على الحكمة البالغة
والقدرة الباهرة
قال وأيّ جهل أَعظم من جهل من أَعرض عنها، ولم يذهب به وهمه الى تدبرها والاعتبار بها،
والاستدلال على عظمة شأن من اوجدها عن عدم ، ودبرها ونصبها هذه النصبة ، واودعها ما اودعها مما
لا يعرف كنهه الا هو جلت قدرته ، ولطف علمه . هذا نص كلام الزمخشري رحمه الله .
وذكر الشيخ أبو العباس احمد البوني رحمه الله قال: منازل القمر ثمانية وعشرون منها أربعة عشر
فوق الارض ؛ ومنها اربعة عشر تحت الارض . قال : وكذلك الحروف : منها أربعة عشر مهملة بغير
نقط، وأربعة عشر معجمة بنقط ، فما هو منها غير منقوط، فهو أشبه بمنازل السعود ، وما هو منها
منقوط ، فهو منازل النحوس والممتزجات ؛ وما كان منها له نقطة واحدة، فهو أقرب الى السعود؛
وما هو بنقطتين ، فهو متوسط في النحوس ، فهو الممتزج ، وما هو بثلاث نقط ، فهو عام النحوس .
هكذا وجدته .
· والذي تراه في الحروف أنها ثلاثة عشر مهملة وخمسة عشر معجبة، إلا أن يكون كان لهم اصطلاح
في النقط تغير في وقتنا هذا .
وأما المعاني المنتفع بها من قواها وطبائعها فقد ذكر الشيخ أبو الحسن عليّ الحرالي والشيخ أبو العباس
احمد البوني والبعليكي وغيرهم، رحمهم الله، من ذلك ما اشتملت عليه كتبهم من قواها وتأثيراتها، ومما
قيل فيها أن تتخذ الحروف اليابسة وتجمع متوالياً، فتكون متقوية لما يراد فيه تقوية الحياة التي تسميها
الاطباء الغريزية، أو لما يراد دفعه من آثار الامراض الباردة الرطبة، فيكتبها، او يرقي بها، او يسقيها
لصاحب الحمى البلغمية والمفلوج والملووق. وكذلك الحروف الباردة الرطبة، اذا استعملت بعد تتبعها،
وعولج بها رقية، او كتابة أو سقياً، من به حمى محرقة، او كتبت على ورم حار ، وخصوصاً حرف.
الجاء لانها، في عالمها، عالم صورة. وإذا اقتصر على حرف منها كتب بعدده، فيكتب الحاء مثلاً ثماني
مرات، وكذلك ما تكتبه من المفردات تكتبه بعدده. وقد شاهدنا نحن ذلك في عصرنا، ورأينا ، من
معلمي الكتابة وغيرهم ، من يكتب على حدود الصبيان ، اذا تورمت ، حروف أيجد بكمالها ، ويعتقد
أنها مفيدة، وربما افادت ، وليس الامر كما اعتقد، وإنما لما جهل اكثر الناس طبائع الحروف، ورأوا ما
يكتب منها ، ظنوا الجميع أنه مفيد، فكتبوها كلها
١٥

وسشاهدنا ايضاً من يقلقه الصداع الشديد ويمنعه القرآن١، فيكتب له صورة لوح، وعلى جوانبه تاوات
اربع ، فيبرأ بذلك من الصداع. وكذلك الحروف الرطبة اذا استعملت رقى ، او كتابة ، او سقياً ،
قوّت المنة وادامت الصحة وقوت على الباه؛ واذا كتبت للصغير حسن نباته، وهي اوتار الحروف كلها؛
وكذلك الحروف الباردة اليابسة، اذا عولج بها من نزف دم بسقي، او كتابة ، او بخور ، ونحو ذلك
من الامراض. وقد ذكر الشيخ محيي الدين بن العربي، في كتبه، من ذلك ، جملًا كثيرة . وقال
الشيخ علي الحرالي رحمه الله : إِن الحروف المنزلة اوائل السور وعدتها، بعد اسقاط مكررها ، اربعة
عشر حرفاً ، وهي: الألف والهاء والحاء والطاء والياء والكاف واللام والميم والراء والسين والعين والصناد
والقاف والنون ، قال: إِنها يُقتصر بها على مداواة السموم، وتقاوم السموم باضدادها، فيسقى للدغ
العقرب حارها ، ومن نهثة الحية باردها الرطب ، أو تكتب له؛ وتجري المحاولة، في الامور ، على نحو
من الطبيعة ، فتسقى الحروف الحارة الرطبة للتفريح وإذهاب الغم ؛ وكذلك الحارة اليابسة لتقوية الفكر
والحفظ، والباردة اليابسة للنبات والصبر، والباردة الرطبة لتيسير الامور وتسهيل الحاجات وطلب
الصفح والعفو .
وقد صنف البعليكي في خواص الحروف كتاباً مفرداً ، ووصف لكل حرف خاصية يفعلها بنفسه ،
وخاصية بمشاركة غيره من الحروف على أوضاع معينة في كتابه، وجعل لها نفعاً بمفردها على الصورة العربية،
ونفعاً بمفردها ، اذا كتبت على الصورة الهندية، ونفعاً بمشار كتها في الكتابة؛ وقد استمل من العجائب
على ما لا يعلم مقداره الا من علم معناه.
واما اعمالها في الطلسمات فإن الله سبحانه وتعالى فيها سراً عجيباً، وصنعاً جميلاً، شاهدنا صحة
اخبارها ، وجميل آثارها .
وليس هذا موضع الاطالة بذكر ما جربناه منها ورأيناه من التأثير عنها ، فسبحان مسدي النعمة ،
ومؤتي الحكمة ، العالم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير .
١ قوله « القرآن)» كذا بالنسخ ولعل الاظهر القرار.
١٦

حرف الهمزة
نذكر ، في هذا الحرف ، الهمزة الاصلية ، التي هي لام الفعل ؛ فاما المبدلة من الواو نحو العزاء،
الذي اصله عزاو ، لانه من عزوت، او المبدلة من الياء نحو الاباء ، الذي اصله اباي، لانه من ابيت،
فتذكره في باب الواو والياء ، ونقدم هنا الحديث في الهمزة .
قال الازهري: إِعلم أن الهمزة لا هجاء لها ، انما تكتب مرة ألفاً ومرة ياء ومرة واواً؛ والالف اللينة
لا حرف لها ، انما هي جزء من مَدّة بعد فتحة. والحروف ثمانية وعشرون حرفاً مع الواو والالف
والياء، وتتم بالهمزة تسعة وعشرين حرفاً. والهمزة كالحرف الصحيح ، غير أن لها حالات من التليين
والحذف والإبدال والتحقيق تعتل"، فألحقت بالاحرف المعتلة الجوف، وليست من الجوف، انما هي
حلقية في اقصى الفم ؛ ولها ألقاب كألقاب الحروف الجوف ، فمنها همزة التأنيث ، كهمزة الحمراء
والنفساء والعشراء والخشاء ، وكل منها مذكور في موضعه ؛ ومنها الهمزة الاصلية في آخر الكلمة مثل:
الخفاء والبواء والوطاء والطواء ؛ ومنها الوحاء والباء والداء والايطاء في الشعر. هذه كلها همزها أصليّ؛
ومنها همزة المدة المبدلة من الياء والواو : كهمزة السماء والبكاء والكساء والدعاء والجزاء وما أشبهها ؛
ومنها الهمزة المجتلبة بعد الألف الساكنة نحو : همزة وائل وطائف، وفي الجمع نحو كتائب وسرائر؛
ومنها الهمزة الزائدة نحو : همزة الشمال والشأمل والغرقى؛ ومنها الهمزة التي تزاد لئلا يجتمع ساكنان
نحو : اطمأن واشمأز وازبار وما شاكلها ؛ ومنها همزة الوقفة في آخر الفعل لغة لبعض دون بعض نحو
قولهم للمرأة: قولىء ، وللرجلين قولاً، وللجميع قولؤ؛ واذا وصلوا الكلام لم يهمزوا ، ويهزون لا
اذا وقفوا عليها ؛ ومنها همزة التوهم، كما روى الفراء عن بعض العرب أنهم يهزون ما لا همز فيه اذا
ضارع المهموز. قال : وسمعت امرأة من غنيّ تقول: رئأت زوجي بابيات، كأنها لما سمعت رثأت اللبن
ذهبت الى أن مرثية الميت منها . قال: ويقولون لبأت بالحج وحلأت السويق، فيغلطون لانّ حلات
يقال في دفع العطشان عن الماء ، ولبأت يذهب بها اللبا. وقالوا : استنشأت الريح والصواب استنشيت،
ذهبوا به الى قولهم نشأ السحاب ؛ ومنها الهمزة الاصلية الظاهرة نحو همز الخبء والدفء والكفء والعبء
وما أشبهها؛ ومنها اجتماع همزتين في كلمة واحدة نحو همزتي الرثاء والحاوثاء ؛ واما الضياء فلا يجوز همز
يائه ، والمدة الاخيرة فيه همزة اصلية من ضاء يضوء ضوءاً. قال أبو العباس احمد بن يحيى فيمن همز ما.
ليس بمهموز :
وكنت أُرَجِّي بِئْرَ نَعْمانَ، حائراً، فَلَوََّ بالعيْنَينِ والأنفِ حائِرُ
اراد لوّى ، فهمز ، كما قال:
كَمُشْتَرَىءٍ بِالحَمْد ما لا يَضيرهُ
١٧

قال أبو العباس: هذه لغة من يهمز ما ليس بمهموز . قال : والناس كلهم يقولون ، اذا كانت الهمزة
طرفاً ، وقبلها ساكن ، حذفوها في الخقض والرفع، واثبتوها في النصب ، إلا الكسائي وحده ، فانه
يثبتها كلها .
قال واذا كانت الهمزة وسطى اجمعوا كلهم على ان لا تسقط .
قال واختلف العلماء بايّ صورة تكون الهمزة، فقالت طائفة : نكتبها بحركة ما قبلها وهم الجماعة ؟
وقال اصحاب القياس : نكتبها بحركة نفسها؛ واحتجت الجماعة بان الخط ينوب عن اللسان .
قال وانما يلزمنا ان نترجم بالخط ما نطق به اللسان . قال ابو العباس وهذا هو الكلام .
قال : ومنها اجتماع الهمزتين بمعنيين واختلاف النحويين فيهما. قال الله عز وجل: أَأَنذِرتهم ام لم
تنذرهم لا يؤمنون. من القراء من يحقق الهمزتين فيقرأ أَأَنذرتهم ، قرأ به عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ
ابو عمرو آانذرتهم مطوّلة؛ وكذلك جميع ما أشبهه نحو قوله تعالى: آانت قلت للناس، آالد وانا عجوز،
آاله مع الله؛ وكذلك قرأً ابن كثير ونافع ويعقوب بهمزة مطوّلة، وقرأَ عبد الله بن ابي اسحق آ أَنذرتهم
بالف بين الهمزتين ، وهي لغة سائرة بين العرب . قال ذو الرمة :
تَطَالَلْتُ، فاسْتَشْرَفْتُهُ، فَعَرَفْتُه، فقلت له: آأَنت زيدُ الارانِبِ؟
وأنشد أحمد بن يحيى :
خِرِقٌ اذا ما القَوْمُ أَجْرَوْا فُكَاهَةٌ تَذَكَّرَ آإِيّاهِ يَعْنُونَ أَمْ قِرْدا؟.
وقال الزجاج: زعم سيبويه أن من العرب من يحقق الهمزة ولا يجمع بين الهمزتين، وإن كانتا من
كلمتين . قال : وأَهل الحجاز لا يحققون واحدة منهما .
وكان الخليل يرى تخفيف الثانية، فيجعل الثانية بين الهمزة والالف ولا يجعلها ألفاً خالصة . قال:
ومن جعلها أَلفاً خالصة، فقد اخطأ من جهتين: إحداهما أنه جمع بين ساكنين، والاخرى أنه أَبدل من
همزة متحركة، قبلها حركة ، ألفاً، والحركة الفتح. قال: وانما حق الهمزة ، اذا تحركت وانفتح ما
قبلها ، ان تجعل بين بين ، أَعني بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها ، فتقول في سأل سأل، وفي
رؤف رؤف ، وفي بئس بئس، وهذا في الخط واحد ، وإنما تُحْكمه بالمشافهة .
قال: وكان غير الخليل يقول في مثل قوله (( فقد جاء اشراطها)) أن تخفف الاولى.
قال سيبويه: جماعة من العرب يقرأون: فقد جاء اشراطها، يحققون الثانية ويخففون الاولى. قال
وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء .
قال: وأَما الخليل ، فإنه يقرأ بتحقيق الاولى وتخفيف الثانية .
قال : وانما اخترت تخفيف الثانية لاجتماع الناس على بدل الثانية في قولهم: آدم وآخر، لان الاصل في
آدم أَأدم، وفي آخر أَأخر .
١٨

قال الزجاج : وقول الخليل أَقيس ، وقول أبي عمرو جيد أيضاً ..
وأَما الهمزتان، إِذا كانتا مكسورتين ، نحو قوله: على البغاء إِن أَردن تحصُّناً؛ وإذا كانتا مضمومتين
نحو قوله ؛ أولياء أولئك، فان أَبا عمرو يخفف الهمزة الاولى منهما، فيقول: على البغاء ان، وأولياء
أُولئك، فيجعل الهمزة الأولى في البغاء بين الهمزة والياء ويكسرها ، ويجعل الهمزة في قوله: أولياء
أولئك ، الاولى بين الواو والهمزة ويضمها .
قال: وجملة ما قاله في مثل هذه ثلاثة أقوال: أَحدها، وهو مذهب الخليل ، أن يجعل مكان الهمزة
الثانية همزة بين بين ، فاذا كان مضهوماً جعل الهمزة بين الواو والهمزة. قال: أَولياء أُولئك ، على البغاء
ان؛ وأَما أَبو عمرو فيقرأُ على ما ذكرنا؛ وأما ابن أبي اسحق وجماعة من القراء، فانهم يجمعون بين
الهمزتين؛ وأما اختلاف الهمزتين نحو قوله تعالى: كما آمن السفهاء ألا ، فاكثر القراء على تحقيق الهمزتين؛
وأَما أَبو عمرو ، فانه يحقق الهمزة الثانية في رواية سيبويه، ويخفف الاولى ، فيجعلها بين الواو والهمزة،
فيقول: السفهاء أَلا، ويقرأ من في السماء أَن، فيحقق الثانية؛ وأَما سيبويه والخليل فيقولان:
السفهاء ولا، يجعلان الهمزة الثانية واواً خالصة . وفي قوله تعالى: أَأَمنتم من في السماء ين، ياء خالصة ،
والله اعلم .
قال ومما جاء عن العرب في تحقيق الهمز وتليينه وتحويله وحذفه، قال ابو زيد الأنصاري: الحمز على
ثلاثة أوجه: التحقيق والتخفيف والتحويل . فالتحقيق منه أن تعطى الهمزة حقها من الاشباع ، فاذا
أردت أن تعرف إشباع الهمزة ، فاجعل العين في موضعها، كقولك من الحبء: قد خبأت لك بوزن
خبعت لك ، وقرأت بوزن قرعت ، فانا أَخبع وأَفرع ، وانا خابع وخابىء وقارىء نحو قارع ، بعد
تحقيق الهمزة بالعين، كما وصفت لك؛ قال: والتخفيف من الهمز انما سموه تخفيفاً لانه لم يعط حقه من الاعراب
والاشباع، وهو مشرب همزاً، تصرف في وجوه العربية بمنزلة سائر الحروف التي تحرك ، كقولك :
خبات وقرات ، فجعل الهمزة ألفاً ساكنة على سكونها في التحقيق ، اذا كان ما قبلها مفتوحاً، وهي
كسائر الحروف التي يدخلها التحريك ، كقولك: لم يخيا الرجل، ولم يقرأ القرآن، فكسر الالف من
يخيا ويقرِ لسكون ما بعدها، فكأنك قلت لَمْ يَخْبَيَرَ جُلُ ولَمْ يَقْرَ يلْقُرْ آن، وهو يخبو ويقرو،
فيجعلها واواً مضمومة في الادراج؛ فان وقفتها جعلتها ألفاً غير أنك تهيئها للضبة من غير أن تظهر ضمتها ،
فتقول : ما أَخبأه وأَقرأَه، فتحرك الألف بفتح لبقية ما فيها من الهمزة كما وصفت لك؛ وأما التحويل
من الهمز ، فان تحوّل الهمز الى الياء والواو ، كقولك: قد خبيت المتاع فهو مخيّ، فهو يخباه، فاعلم،
فيجعل الياء الفاً حيث كان قبلها فتحة نحو الف يسعى ويخشى لان ما قبلها مفتوح .
قال: وتقول رفوت الثوب رفواً، فحولت الهمزة واواً كما ترى، وتقول لم يخب عني شيئاً فتسقط موضع
اللام من نظيرها من الفعل للاعراب ، وتدع ما بقي على حاله متحر كاً؛ وتقول ما أَخباه ، فتسكن
الألف المحولة كما أَسكنت الألف من قولك ما أخشاه وأَسعاه .
قال: ومن محقق الهمز قولك للرجل: يَكْؤُم، كأنك قلت يلعم، اذا كان بخيلاً، وأَسد يَزْمِر
كقولك يزعر؛ فإذا أردت التخفيف قلت للرجل: يَلُمُ، وللأسد يَزِرُ على أن القيت الهمزة من قولك
يلؤم ويزثر، وحر كت ما قبلها بحركتها على الضم والكسر، اذا كان ما قبلها ساكناً؛ فإذا أردت
١٩

تحويل الهمزة منها قلت للرجل يلوم فجعلتها واواً ساكنة لانها تبعث ضمة ، والأسد يزير فجعلتها ياء
الكسرة قبلها نحو يبيع ويخيط ؛ وكذلك كل همزة تبعت حرفاً ساكناً عدلتها الى التخفيف ، فانك تلقيها
وتحرك بحر كتها الحرف الساكن قبلها ، كقولك للرجل: سل ، فتحذف الهمزة وتحرك موضع الفاء من
نظيرها من الفعل بحر كتها ، وأُسقطت الف الوصل ، إذ تحرك ما بعدها، وانما يحتلبونها للاسكان ، فاذا.
تحرك ما بعدها لم يحتاجوا اليها . وقال رؤبة :
أوانْتَ بابا مُسْلِم وَفَيْنَا
ترك الهمزة ، وكان وجه الكلام : يا أَبا مسلم ، فحذف الهمزة ، وهي اصلية ، كما قالوا لا أَب لك،
ولا أبا لك، ولا بالك، ولابَ لغيرك، ولا بًا لشانئك. ومنها نوع آخر من المحقق، وهو قولك مِن
رأَيت، وانت تأمر: إِراً، كقولك إرع زيداً ، فاذا اردت التخفيف قلت : رَزيداً، فتسقط الف
الوصل لتحرك ما بعدها .
قال أبو زيد: وسمعت من العرب من يقول: يا فلان نويك على التخفيف، وتحقيقه نؤيك، كقولك
إبغ بغيك، اذا امره ان يجعل نحو خبائه نؤياً كالطوق يصرف عنه ماء المطر .
قال : ومن هذا النوع رأيت الرجل ، فاذا اردت التخفيف قلت : وايت ، فحركت الالف بغير
اشباع همز، ولم تسقط الهمزة لان ما قبلها متحرك، وتقول للرجل ترأى ذلك على التحقيق . وعامة
كلام العرب في يرى وترى وارى ونرى، على التخفيف ، لم تزد على ان القت الهمزة من الكلمة ، وجعلت
حركتها بالضم١ على الحرف الساكن قبلها .
قال أبو زيد: واعلم ان واو فعول ومفعول وياء فعيل وياء التصغير لا يعتقبن الهمز في شيء من
الكلام، لان الاسماء طوّلت بها، كقولك في التحقيق: هذه خطيئة، كقولك خطيعة، فاذا ابدلتها
الى التخفيف قلت: هذه خطية، جعلت حر كتها ياء الكسرة ؛ وتقول: هذا رجل خبوه، كقولك خبوع،
فاذا خففت قلت : رجل خبوّ ، فتجعل الهمزة واواً للضمة التي قبلها، وجعلتها حرفاً ثقيلاً في وزن
حرفين مع الواو التي قبلها ؛ وتقول: هذا متاع مخبوء بوزن مخبوع، فاذا خففت قلت: متاع مخبوّ،
فحوّلت الهمزة واواً للضمة قبلها .
قال أبو منصور: ومن العرب من يدغم الواو في الواو ويشدّدها، فيقول: مخبوّ. قال أبو زيد:
تقول رجل براء من الشرك ، كقولك براع ، فاذا عدلتها الى التخفيف قلت : براو ، فتصير الهمزة واواً
لانها مضمومة؛ وتقول: مررت برجل براي، فتصير ياء على الكسرة، ورأيت رجلاً براياً، فتصير ألفاً
لانها مفتوحة .
ومن تحقيق الهمزة قولهم : هذا غطاء وكساء وخباء ، فتهمز موضع اللام من نظيرها من الفعل لانها
غاية، وقبلها أَلف ساكنة ، كقولهم: هذا غطاع وكساع وخباع، فالعين موضع الهمزة، فاذا جمعت
الاثنين على سنة الواحد في التحقيق ، قلت : هذان غطا آن وكساآن وخبا آن، كقولك غطاعان
١ قوله ((بالفم)) كذا بالفح التي بايدينا ولعله بالفتح.
٢٠