Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٢٠٤ العَكْس لحصول المادة، كتبديل الموجبة الكلّية بالموجِبة الكلّيّة في قولنا كلّ إنسان ناطق وكلّ ناطق إنسان، وليخرج عنه تبديل طرفيها بحيث يحصل منه قضية أعمّ من العكس كتبديل طرفي السّالبة الكلّية بحيث يحصل سالبة جزئية، وتبديل طرفي الضرورية بحيث يحصل ممكنة عامة. وإنّما اشترطوا بقاءَ الصدق لأنّ العكس لازم خاص من لوازم الأصل ويستحيل صدق الملزوم بدون اللازم، فعند التحقيق العكس بالمعنى المصدري تبديلُ طرفي القضية بحيث يحصل منه أخصّ قضايا لازمة لها لذاتها موافقة لها في الكيف، وبالمعنى الحاصل بالمصدر أخصّ قضايا حاصلة بتبديل طرفي القضية لازمة للأصل لذاته، موافقة له في الكيف، فلا بد في إثبات انعكاس قضية إلى قضية من بيان لزوم العكس للأصل في جميع المواد بدليلٍ أو تنبيه، ومن بيانٍ عدمٍ لزومٍ قضيةٍ أخصّ منه، كذلك بتخلَّفها عنه في بعض المواد، كما يقال الموجبة كلّية أو جزئية تنعكسُ موجبة جزئية للزومها لهما في جميع المواد وعدم لزوم الموجبة الكلية لشيئ منهما في جميعها لتخلّفها عنهما فيما إذا كان المحمول أعمّ من الموضوع والتالي أعمّ من المقدَّم، كما في قولك كلّ إنسان حيوان وقولنا إذا كان الشيئ إنسانًا كان حيوانًا، إذْ لا يصدق العكسُ هناك كلّية مع صدق الأصلين قطعًا، ولم يعتبروا بقاءَ الكذب لجواز لزوم الصدق الكاذب، والمراد ببقاء الكيف بقاء الكيف الموجود في الأصل في الفَرْع، بمعنى أنْ يكون عكس الموجبة موجِبة وعكس السَّالبة سالبة. اعلمْ أنَّ معنى انعكاس القضية أنّه يلزمها العكس لزومًا كليًا، ومعنى عدم انعكاسها أنّه ليس يلزمها العكس لزومًا كلّيًا. فائدة : السالبة الكلية تنعكس كنفسها، والجزئية لا تنعكس لجواز عموم الموضوع، والموجبة مطلقًا تنعكس جزئية ولا عكس للمنفصلات والاتفاقيات لعدم الجدوى. وأمّا بحسب الجهة فمن السوالب الكلّية تنعكس الدائمتان والعامّتان كنفسهما والخاصتان عامتين مع اللأَّدوام في البعض، ولا عكس للبواقي. ومن السوالب الجزئية لا تنعكس إلاّ الخاصَّتان كنفسهما. ومن الموجبات تنعكس الوجوديتان والوقتيتان والمُطْلَقَة العامة مطلقة عامة، والخاصتان حينية لا دائمة. ومنها ما يُسمَّى عكس النقيض وهو تبديلُ نقيضي الطَّرَفين مع بقاءِ الصدق والكيف بحالهما. وقد يُطلقُ عكس النقيض أيضًا على القضية الحاصلة من هذا التبديل والمعنى الأول أصل بالنسبة إلى الثاني، والثاني منقول منه والمراد بتبديل نقيضي الطرفين تبديل كلٍّ من الطرفين بنقيض الطرف الآخر. والمرادُ ببقاء الصدق والكيف ما عرفت في العكس المستوي. والحاصل أنَّ عكس النقيض قد يطلقُ على جعل نقيض المحكوم به محكومًا عليه ونقيض المحكوم عليه محكومًا به على وجه يحصل أخصّ القضايا اللازمة للأصل بهذا التبديل مع الموافقة في الكيف بلا واسطة، ومع قطع النظر عن خصوص المادة. وقد يطلقُ على أخصُّ القضايا اللازمة للأصل على الوجه المذكور. فإذا قلنا كلّ إنسان حيوان كان عكس نقيضه كلّما ليس بحيوان ليس بإنسان وهذان الإطلاقان مبنيان على اصطلاح قدماء المنطقيين. وقالوا المستعمل في العلوم هو هذا المعنى، وحكم الموجِبات فيه حكم السوالب في العكس المستوي والبيان البيان. وأمّا عند المتأخِّرين منهم فعكس النقيض جعلُ نقيض المحكوم به من الأصل محكومًا عليه وعين المحكوم عليه منه محكومًا به مع بقاء الصدق دون الكيف، أي على وجهِ يحصل أخصّ القضايا اللازمة للأصل على هذا التبديل مع المخالفة في الكيف بلا واسطة، ومع قطع النظر عن خصوص المادة. العَلاقة ١٢٠٥ وقد يستعمل في هذا الاصطلاح أيضًا في أخصّ القضايا اللازمة للأصل على هذا الوجه. فعكس نقيض قولنا كلّ إنسان حيوان لا شيئ مما ليس بحيوان بإنسان وحكم الموجبات عندهم أيضًا حكم السوالب في العكس المستوي لا بالعكس، أي ليس حكم السوالب من عكس النقيض حكم الموجبات في العكس المستوي كما قاله المتقدّمون. فائدة : قال المولوي عبد الحكيم في حاشية القطبي: لا يفهم من تقييد العكس بالمستوي وإضافته إلى النقيض أنَّ للعكس معنى اصطلاحيًا مشتَرَكًا بينهما، بل بعد تخصيص العكس اللغوي بالصفة والإضافة استعمل كل من القيدين في معنى إصطلاحي، وليس لفظ العكس مشتَرَكًا لفظيًا بينهما، إذْ لا دليلَ على وضعه للمعنيين انتھی . فائدة : للقوم في بيان انعكاس القضايا طرق ثلاث: الأول الخُلْف، والثاني الإفتراض، والثالث وهو أنْ يعكس نقيض الأصل أو جزئه ليحصل ما ينافي الأصل. هذا كله خلاصة ما في تكملة الحاشية الجلالية وما في حاشية القطبي للمولوي عبد الحكيم. العَلاقة : - Relation, relationship, link Relation, rapport, lien بالفتح رابطةٌ بازبستن معني بمعنى - ربط معنى بمعنى آخر - وبالكسر رابطة بازبستن جسم بجسم - ربط جسم بجسم آخر - كما في كنز اللغات، فهي بالفتح تستعمل في المعاني وبالكسر في الأمور المحسوسة كما قيل في بعض رسائل الاستعارة. قال المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية: العلاقة بالفتح في اصطلاح المنطقيين شيئ بسببه يستصحِبُ شيّ شيئًا، استصحبه دعاه إلى الصحبة كما في القاموس. فالمعنى أنَّ العَلاقة شيئ بسببه يطلب الشيئ الأول أنْ يكون الشيئ الثاني مصاحِبًا له وهي قد تكون موجبة ومقتضية لذلك الإستصحاب كما في القضايا الشرطية المتَّصلة اللزومية وقد لا تكون كما في الشرطيات المتّصلة الاتفاقية، فالعلاقة بين اللزوميات هي ما يقتضي الإتصال بين طرفيها في نفس الأمر كالعِلّية والتضايف، فالتضايف كقولنا إنْ كان زيد أبا عمرو كان عمرو ابنه. وأمّا العِلّية فبأنْ يكون المقدَّم عِلَّ موجِبةً للّالي، سواء كانت عِلّة ناقصة أو تامة كقولنا إنْ كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، أو معلولاً له فإنَّ وجود المعلول يستلزمُ وجودَ العِلّة كقولنا إنْ كان النهار موجودًا فالشمس طالعة، أو يكونا معلولي عِلّة واحدة لا كيف ما اتفق وإلاَّ لكانتْ الموجودات بأسرها متلازِمةٌ لكونها معلولةً للواجب تعالى، بل لا بد مع ذلك من اقتضاء تلك العلة ارتباط أحدهما بالآخر بحيث يمتنعُ الانفكاك بينهما لئلا يكون مجرَّد مصاحبة كما في معلولي العقل الأول، أي الفلك الأول والعقل الثاني، فإنّه لا تلازُمَ ولا ارتباطَ بينهما، بل مجرَّد مصاحَبة. والسّرّ فيه أنّه موجِب لكل واحدٍ بجهة غيرِ ما هو جهة إيجاب الآخر، فلا يمتنع الانفكاك بينهما، بخلاف قولنا إنْ كان النهار موجودًا فالعالمُ مضيئ فإنَّ وجودَ النهار وإضاءة العالَم معلولان لطلوعِ الشمس، وطلوعُ الشمس مقتضٍ لعَدَمِ الانفكاكَ بينهما، والعلاقة بين الاتفاقيات ما به مجرَّد المصاحبة، والتوافُق بين الطرفين من غير اقتضائه إياها أي تلك المصاحبة. والعلاقة بين الشرطيات المنفصلة العِنادية هي ما يقتضي العِناد بين طرفيها، وفي المنفصلات الاتفاقية هي ما لا يقتضي العِناد والتنافي بل مجرَّد أنْ يتفقَ في الواقع أنْ يكون ١٢٠٦ العلامة بين طرفيها منافاة، انتهى ما قال المولوي عبد الحكيم. وعلاقة المجاز عندهم وعند الأصوليين وأهل العربية هي اتصال ما للمعنى المستعمل فيه بالمعنى الموضوع له، أي تعلّق ما للمعنى المجازي بالحقيقي أعمّ من أنْ يكون اتصالاً في المجاورة أو في غيرها. والعمدة في حصر أنواعها الإستقراء، ويرتقي ما ذكره القوم إلى خمسةٍ وعشرين، وضبطه ابن الحاجب في خمسة. الأولى الاشتراك في الشَّكل كالإنسان للصورة المنقوشة على الجدار. الثانية الإشتراك في الوصف ويجب أنْ يكون الصفة ظاهرة لينتقلَ الذهنُ إليها، فيفهم الآخر باعتبار ثبوتها له، كإطلاق الأسد على الشجاع بخلاف إطلاق الأسد على الأبخر. والثالثة أنّه كائن عليه مثل العَبد للمعتَق لأنَّه كان عبدًا. والرابعة أنَّه آيِل إليه كالخمر للعصير لأنّه في المآل يصير خمرًا. والخامسة المجاورة مثل جَرْي الميزاب والمُراد بالمجاورة ما يعمّ كون أحدهما في الآخر بالجزئية أو الحلول وكونهما في محلٌّ وكونهما متلازمين في الوجود أو العقل أو الخيال أو غير ذلك. وصاحبُ التوضيح ضبطه في تسعةٍ: الكون والأول والإستعداد والمقابلة والجزئية والحلول والسَّبَبية والشرطية والوصفية، لأنَّ المعنى الحقيقي إمَّا أنْ يكون حاصلاً بالفعل للمعنى المجازي في بعض الأزمان خاصّة أوْ لا، فعلى الأول إنْ تقدَّم ذلك الزمان على زمان تعلّق الحُكم بالمعنى المجازي فهو الكون عليه، وإنْ تأخّر فهو الأول إليه إذْ لو كان حاصِلاً في ذلك الزمان أو في جميع الأزمنة لم يكن مجازًا بل حقيقة، وعلى الثاني إنْ كان حاصلاً بالقوة فهو الاستعداد، وإلاّ فإنْ لم يكن بينهما لزوم واتصال في العقل بوجههما فلا علاقة، وإنْ كان فإمَّا أنْ يكون لزومًا في مجرَّد الذهن وهو المقابلة أو منضمّاً إلى الخارج، وحينئذ إنْ كان أحدهما جزءًا للآخر فهو الجُزئية والكلّية، وإلاَّ فإنْ كان اللازم صفةً للملزوم فهو الوصفية له أعني المشابهة، وإلاَّ فاللزوم إمَّا بأنْ يكون أحدهما حاصِلاً في الآخر وهو الحالية والمَحَلِّية أو سَبًا له وهو السَّببية والمسَبَّبية، أو شرطًا له وهو الشرطية، كذا في التلويح. العلامة: ,Mark, signe - Marque, signe indice بالفتح عند الأصوليين ما تعلَّق بالشيئ من غيرٍ تأثيرٍ فيه ولا توقُّفٍ له عليه إلاَّ من جهة أنَّه يدلُّ على وجودِ ذلك الشيئ، فتباين الشرط والعِلّة والسَّبَب. والمشهور أنَّها ما يكون عَلَمًا على الوجود من غير أنْ يتعلَّقَ بِه وجوب ولا وجود كتكبيرات الصلوة فإنَّها تدلُّ على الإنتقال من رُكن إلى ركن، كذا في التلويح في باب الحکم. العِلَّة: Cause, sickness - Cause, maladie بالكسر وتشديد اللام لغةً اسمٌ لعارض يتغيَّر به وصفُ المحلّ بحلوله لا عن اختيار، ولهذا سُمِّي المرضُ عِلّة. وقيل هي مستعملةٌ فيما يُؤَثِّرُ في أمرٍ سواء كان المُؤَثِر صفةً أو ذاتًا. وفي اصطلاح العلماء تطلقُ على معانٍ منها ما يُسمَّى عِلَّة حقيقية وشرعية ووصفًا وعِلّةً اسمًا ومعنى وحُكمًا، وهي الخارجة عن الشيئ المؤثّرة فيه. والمرادُ بتأثيرها في الشيئ اعتبار الشارع إيّاها بحسب نوعها أو جنسها القريب في الشيئ الآخر لا الإيجاد كما في العِلَل العقلية. ولهذا قالوا: العِللُ الشَّرعية كلّها معرِّفات وأمارات لأنّها ليست في الحقيقة مُؤثّرة بل المُؤَثِّر هو الله تعالى. فبقولهم الخارجة خرج الركن. وبقولهم المؤثّرة خرج السَّبَب والشرط والعلامة إذْ المتبادَرُ بالتأثير ما هو الكاملُ منه وهو التأثير ابتداءً بلا واسطة. ولهذا قيل العِلّة في الشرع عبارة عما يُضاف إليه وجوبُ الحكم ابتداءً. فالمرادُ بالإضافة الإضافة من كلِّ وجه، العِلَّة ١٢٠٧ بأنْ كان موضوعًا لذلك الحكم بأنْ أضيف الحكم إليه ومؤثّرًا فيه، أي في ذلك الحكم، ويتصلُ الحكمُ به، واحتُرِزَ به عن العلامة والسَّبب الحقيقي. وبقيد وجوب الحكم احتُرِزَ عن الشَّرط. والقيدُ الأخيرُ احتراز عن السَّبب في معنى العِلّة وعِلّة العِلّة. وبالجملة المعتبَر في العِلّة الحقيقية أمور ثلاثة إضافةً الحكم إليها وتأثيرها فيه وحصولُ الحكم معها في الزمان؛ وهي قسمان: العِلّة الموضوعة كالبيع المطلق للملك والنكاح لملك المَتْعة وتُسمَّى بالمنصوصة أيضًا، والعلة المستنبطة بالإجتهاد. وأيضًا هي إمّا متعدِّية وهي التي تتعدّى الأصل فتوجد في غيره وتُسمَّى مؤثّرةً أيضًا لأنّها وصفٌ ظهر أَثرُها في جنس الحكم المُعَلَّلِ به كالطواف عِلّة لسقوط نجاسة سور سواكن البيوت، وإمّا قاصرة وهي بخلافها أي التي لا تتعدّى الأصل. ومنها ما يُسمَّى بالعِلّة اسمًا وهي ما يُضاف الحكمُ إليه ولا يكون مؤثّرًا فيه ويتراخى الحكم عنه بأنّ لا يترتَّبَ عليه. ومعنى إضافة الحكم إلى العِلّة ما يفهمُ من قولنا قتل بالرمي وعتق بالشّرى وهلك بالجرح. والمُرادُ بالإضافة الإضافة بلا واسطة لأنّها المفهومة عند الإطلاق. وما قيل العِلّة اسمًا ما تكون موضوعةً في الشرع لأجْلِ الحكم أو مشروعة إنَّما يصحُّ في العِللِ الشرعية لا في مثل الرمي والجَرْح. مثاله المعلَّق بالشَّرط فإنَّ وقوعَ الطلاق بعد دخول الدار مثلاً ثابت بالتطليق السابق ومضاف إليه فيكون عِلّة اسمًا، لكنه ليس بمؤثِّر في وقوع الطلاق قبل دخول الدار، بل الحكمُ متراخ عنه. ومنها ما يُسمَّى بالعِلّة معنى وهو ما يكوّن مؤثّرًا في الحكم بلا إضافة الحكم إليه، ولا ترتّبَ له عليه كالجزء الأول من العلّة المركّبة من الجزئين، وكذا أحدٌ الجزئين الغير المتربِّبين كالقدر والجنس لحرمة النِّساء فإنَّ مثلَ ذلك الجزء مؤثّر في الحكم ولا يضاف إليه الحكم، بل إلى المجموع، ولا يترتَّب عليه أيضًا. وهي عند الإمام السرخسي سبب محض لأنّ أحد الجزئين طريق يُفضِي إلى المقصود ولا تأثيرَ له ما لم ينضمّ إليه الجزء الأخير. وذهب فخر الإسلام إلى أنها وصفٌ له شبه العلية لأنّه مُؤَثِّر، والسَّبَبُ المَحْضُ غير مُؤَثِّر، وهذا يخالف ما تقرَّر عندهم من أنَّه لا تأثير لأجزاء العِلّة في أجزاء المعلول وإنّما المُؤَثِّر هو تمامُ العِلّة في تمام المعلول. ومنها ما يُسمَّى بالعِلّة حكمًا وهي ما يترتَّب عليه الحكم بلا إضافة له إليه ولا تأثير فيه كالشرط الذي عُلِّق عليه الحكمُ، كدخول الدار في قولنا إِنْ دخلْتِ الدارَ فأنت طالق، يتصلُ به الحكمُ من غير إضافة ولا تأثير. وإذا كانت العِلّة اسمًا وحكمًا فالجزء الأخير علّة حكمًا فقط، وكذا الجزء الأخير من السَّبب الداعي إلى الحكم. ومنها ما يُسمَّى بالعِلّة اسمًا ومعنى وهي ما يُضاف إليه الحكم ويكون مُؤَذِّرًا فيه بلا ترتّبٍ للحكم عليه، كالبيع الموقوف والبيع بالخيار للملك فإنّه عِلّة للملك اسمًا لإضافة الملك إليه ومعنى لتأثيره فيه لا حكمًا لعدم الترتّب. ومنها ما يُسمَّى بالعِلّة اسمًا وحكمًا، وهي ما يُضاف إليه الحكمُ ويترتَّب عليه بلا تأثيرِهِ فيه كالسَّفر فإنّه عِلّة للرخصة اسمًا لأنّها تُضاف إليه في الشرع وحكمًا لأنّها تثبت بنفس السَّفر متصلةً به لا معنى، لأنّ المؤثِّر في ثبوتها ليس نفس السفر بل المشقة. ومنها ما يُسمَّى بالعِلّة معنى وحكمًا وهي ما يؤثِّر في الحكم ويترتَّب الحكمُ عليه بلا إضافة له إليه كالجزء الأخير من العِلّة المركّبة فإنّه مؤثِّر في الحكم، وعنده يوجدُ الحكم ولكنه لا يُضاف الحكمُ إليه، فإنَّ القرابة والملك عِلّة للعَثْق، فأيّهما تأخّر وجودًا فهو علّة معنى وحكمًا. فهذه المعاني السبعة من مصطلحات الأصوليين يطلقُ عليها لفظ العِلة بالاشتراك أو الحقيقة أو المجاز. فما قيل العِّة سبعة أقسام علّة اسمًا ومعنى وحكمًا وهو الحقيقة في ١٢٠٨ العِلَّة الباب، وعلّة اسمًا فقط وهو المجاز، وعلّة معنى فقط وعلّة حكمًا فقط وعلّة اسمًا ومعنى فقط وعلّة اسمًا وحكمًا فقط وعلّة معنى وحكمًا فقط أريد به تقسيم ما يُطلق عليه لفظ العِلّة إلى أقسامه كما يقسم العَيْن إلى الجارية والباصرة وغيرهما، والأسد إلى الشجاع والسَّبع. فائدة : لا نزاعَ في تقدُّم العِلّةِ على المعلول بمعنى احتياجه إليها ويُسمَّى التقدُّم بالذات وبالعِلّية، ولا في مقارنة العِلّة التامة العقلية لمعلولها بالزمان لئلاّ يلزمَ التخلُّف. وأمّا في العِلَل الشرعية فالجمهور على أنّه يجب المقارنة بالزمان إذْ لو جاز التخلّف لمَا صَحَّ الإستدلالُ بثبوت العِلّة على ثبوت الحكم، وحينئذ يبطلُ غرض الشارع من وضع العِلل للأحكام، وقد فرَّق بعض المشايخ كأبي بكر محمد بن الفضل(١) وغيره بين الشرعية والعقلية، فجوَّز في الشرعية تأخير الحكم عنها؛ وتخلّف الحكم عن العِلّة جائز في العِلل الشرعية لأنّها أمارات وليست موجبة بنفسها، فجاز أنْ تُجعلَ أمارةٌ في محلِّ دون محلٌّ. هذا كله خلاصة ما في التلويح والحسامي ونور الأنوار وغيرها. ومنها ما اصطلح عليه المحدِّثون وهو سَبَبٌ خفي قادِحٌ غامض طرأ على الحديث وقدح في صحته، مع أنَّ الظاهر السلامة منه؛ والحديث الذي وقع فيه أو في إسناده أو فيهما جميعًا علّة يسمَّى مُعَلَّلاً بصيغة اسم المفعول من التعليل، ولا يقال له المعلول كذا قال ابن الصلاح. وقال العِراقى(٢) الأجود في تسميته المُعَلَّل. وقد وقع في عبارة كثير من المحدِّثين كالترمذي والبُخاري وابن عدي (٣) والدار قطني(٤) وكذا في عبارة الأصوليين والمتكلّمين تسميته بالمعلول، وقد يُسمَّى أيضًا بالمعتَلّ والعليل. وإنّما عَمَّمَّ الوقوع إذْ العِلّة قد تقع في المَتْن وهي تسري إلى الإسناد مطلقًا لأنّه الأصل، وقد تقع في الإسناد وهي لا تسري إلى المتن إلاّ بهذا الإسناد، وقد تقع فيهما. ولا بد للمحدِّث من تفخّص ذلك، وطريقه أنْ ينظرَ إلى الرّاوي هل هو مُنْفَرِدٌ ويخالفِه غيرُهُ أمْ لا ، ويمعنُ في القرائن المنبِّهة للعارف على إرسالٍ في الموصول أو وقفٍ في المرفوع أو دخولِ حديث في حديث كما في المُدْرَج، أو وَهْمٍ وخَلْطٍ من الراوي في أسماء الرّواة والمتن كما في المُصَحَّف نظرًا بليغًا، بحيث يغلبُ على ظنّه ذلك، فيحكمُ بمقتضاه أو يتردّد فيتوقَّف، وكلّ ذلك قادح في صحة ما وقع (١) هو محمد بن أبي الفضل بن زيد بن ياسين التغلبي الدّولعي. توفي عام ٦٣٤هـ/ من أعيان الشافعية، أفتى وكان فصيحًا مهيبًا. سير أعلام النبلاء ٢٤/٢٣، مرآه الزمان ١٧٠/٨، العبر ١٤٦/٥، الوافي بالوفيات ٣٢٧/٤، البداية والنهاية ١٥٠/١٣، شذرات الذهب ١٧٤/٥. (٢) هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، ابو الفضل زين الدين المعروف بالحافظ العراقي، ولد عام ٧٢٥هـ/ ١٣٢٥ م، وتوفي في القاهرة عام ٨٠٦هـ/ ١٤٠٤م. من كبار حفاظ الحديث. تجوّل في البلاد وله الكثير من المؤلفات. الاعلام ٣٤٤/٣، الضوء اللامع ١٧١/٤، غاية النهاية ١/ ٣٨٢، حسن المحاضرة ٢٠٤/١. (٣) هو عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن المبارك بن القطان الجرجاني، ابو احمد، ولد عام ٢٧٧ هـ/ ٨٩٠م. توفي عام ٣٦٥ هـ / ٩٧٦ م. علامة في الحديث ورجاله، له عدة مؤلفات هامة في الجرح والحديث وعلومه. الاعلام ١٠٣/٤، طبقات السبكي ٢٣٣/٢، كشف الظنون ١٣٨٢، تذكرة النوادر ٩٤. (٤) هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، ابو الحسن الدارقطني الشافعي، ولد ببغداد عام ٣٠٦ هـ/ ٩١٩م. وتوفي فيها عام ٣٨٥ هـ / ٩٩٥م. امام عصره في الحديث، أول من صنّف في القراءات، له عدة مؤلفات. الاعلام ٤/ ٣١٤، وفيات الاعيان ٣٣١/١، مفتاح السعادة ١٤/٢، اللباب ٤٠٤/١ غاية النهاية ٥٥٨/١، تاريخ بغداد ٣٤/١٢. العِلَّة ١٢٠٩ فيه. قال علي بن المديني (١): الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبيّن خطأه. وبالجملة فهو من أغمض أنواعٍ علوم الحديث وأدقّها ولا يقومُ به إلاّ مَنْ رزقهَ الله فَهْمًا ثابتًا وحفظًا واسعًا ومعرفةً تامة بمراتب الرواة ومَلَكةً قوية بالأسانيد والمتن. ولهذا لم يتكلّم فيه إلاّ قليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والدارقطني ويعقوبُ(٢) ونحوهم. وقد يقصر عبارة المُعلَّل عن إقامة الحجّة على دعواه كصير في نقد الدراهم والدنانير حتى قال البعض إنّه إلهامٌ لو قلت له من أين قلت هذا لم يكن له حجة . وقد تطلقُ العِلّة عندهم على غير المعنى المذكور كَكذِبِ الرّاوي وفِسْقِهِ وَغَفْلَتِهِ وسوءِ حفظهِ ونحوها من أسباب ضعفِ الحديث كالتدليس. والترمذي يسمِّي النَّسخ عِلّة. قال السخاوي فكأنّه أراد ◌ِلّةً مانعة من العمل لا الاصطلاحية. وأطلق بعضهم على مخالفة لا تقدح في الصحة كإرسال ما وَصَله الثّقَة حتى قال: من الصحيح ما هو معلَّل، كما قال آخر: من الصحيح ما هو شاذ. هذا خلاصة ما في شرح النخبة وشرحه وخلاصة الخلاصة. ومنها ما يُسمَّى عِلّة عقلية وهي في اصطلاح الحُكماء ما يحتاج إليه الشيئ إمَّا في ماهيته كالمادة والصورة أو في وجوده كالغاية والفاعل والموضوع، وذلك الشيئ المحتاج يُسمَّى معلولا، وهذا أولى مما قيل العِلّة ما يحتاج إليه الشيئ في وجوده لعدم توهّم خروج عِلَّة الماهية عنه. وإنّما قلنا الأولى لأنَّ علّة الماهية لا تخرج عن هذا التعريف أيضًا لأنَّ المعلول المركَّب من المادة والصورة يتوقَّف وجوده أيضًا عليهما، وتوقُّف الماهية عليهما لا ينافي ذلك. إنْ قيل يخرج من التعريفين علّة العَدَم، قلت العِلّية في العَدَم مجرَّد اعتبار عقلي مرجعُه عدمُ عِلْية الوجود للوجود. ثم المحتاج إليه أعمّ من أنْ يكون محتاجًا إليه بنفسه أو باعتبار أجزائه، فيشتمل التعريف العِلّة التامة المركَّبة من المادة والصّورة والفاعل فإنّه محتاج إليه باعتبار الفاعل. وأمّا ذاته أعني المجموع فهو محتاج إلى مجموع المادة والصّورة الذي هو عين المعلول احتياج الكلّ إلى جزئه. ثم العِلّة على قسمين علّة تامَّة وتسمَّى علة مستقِلّة أيضًا، وعلّة غير تامة وتُسمَّى علة ناقصة وغير مستقِلّة. فالعلّة التامة عبارة عن جميع ما يحتاج إليه الشيئ في ماهيته ووجوده أو في وجوده فقط كما في المعلول البسيط، والناقصة ما لا يكون كذلك، ومعناه أنْ لا يبقى هناك أمرٌ آخر يحتاج إليه لا بمعنى أنْ تكون مركّبة من عدة أمور ألْبتَّة، وذلك لأنَّ العلّة التامة قد تكون علّة فاعلية إمَّا وحدَها كالفاعل الموجِب الذي صدر عنه بسيط إذا لم يكن هناك شرط يعتَبِرُ وجوده، ولا مانع يعتَبِرُ عدمه، وإمَّا إمكان الصادر فهو معتَبر في جانب المعلول، ومن تتمته، فإنَّا إذا وجدنا ممكنًا طلبنا علّته، فكَأنَّه قيل العلَّة ما يحتاج إليه الشيئ الممكن الخ فلا يعتبرُ في جانب العلّة. وأمَّا التأثير والاحتياج والوجود المطلق الزائد على ذاته تعالى (١) هو علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني البصري، أبو الحسن. ولد بالبصرة عام ١٦١ هـ/ ٧٧٧م، وتوفي في سامراء عام ٢٣٤ هـ/ ٨٤٩م. محدّث مؤرخ، من الحفاظ، له العديد من المؤلفات. الاعلام ٣٠٣/٤، تذكرة الحفاظ ١٥/٢، تهذيب التهذيب ٣٤٩/٧، طبقات الحنابلة ١٦٨، ميزان الاعتدال ٢٢٩/٢. (٢) هو يعقوب بن ابراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح العبدي، أبو يوسف الدّورقي. ولد عام ١٦٦ هـ/ ٧٨٢م، وتوفي عام ٢٥٢ هـ/ ٨٦٦م. محدّث العراق في عصره، ثقة حافظ، أخذ عنه أئمة السنة، له عدة مؤلفات. الاعلام ٨/ ١٩٤، تذكرة الحفاظ ٨٠/٢، التاج ٦/ ٣٤٣، تهذيب ٣٨١/١١. ١٢١٠ العِلَّة والوجوب السابق فليس شيٌ منها مما يحتاج إليه المعلول، بل هي أمور إضافية ينتزعها العقلُ من استتباع وجود العلّة لوجودِ المعلول وحكم العقل بأنّه أمكن، فاحتاج فأثَّر فيه الفاعل فوجَبَ وجودُه فوُجِدَ إنّما هو في الملاحظة العقلية وليس في الخارج إلّ المعلول الممكن والعلّة الموجبة لوجوده فتدبّر. وإمّا مع الغاية كما في البسيط الصادر عن المختار. وقد تكون مجتمعة من الأمور الأربعة أو الثلاثة كما في المرَّب الصادر عن المختار والمرتَّب الصادر عن الموجِب. وقد تطلقُ العِلّة التامة على الفاعل المستجمع لشرائط التأثير. إعلمْ أنَّ العِلَّة مطلقًا متقدِّمة على المعلول تقدمًا ذاتيًا إلاَّ العلة التامة المركّبة من أربع أو ثلاث، فتقدّمها على المعلول بمعنى تقدُّمَ كلّ واحد من أجزائها عليها، وأمَّا تقدُّم الكلّ من حيث هو كلّ ففيه نظر، إذْ مجموع الأجزاء المادية والصورية هو الماهية بعينها من حيث الذات، ولا يتصوَّر تقدُّمها على نفسها فضلاً عن تقدّمها على نفسها مع انضمام أمرين آخرين إليهما وهما الفاعل والغاية. وأجيبَ بأنَّ المعلولَ من الماهية المرتَّبة من المادة والصورة إنّما هو التركيب والانضمام، فاللازم تقدُّم المادة والصورة على التركيب والإنضمام، فتقدّم العِلّة التامة لا يستلزمُ تقدُّم الماهية على نفسها . ثم العِلّة الناقصة أربعة أقسام لأنّها إمّا جزء الشيئ أو خارج عنه، والأول إنْ كان به الشيئ بالفعل فهو الصورة وإنْ كان به الشيئ بالقوة فهو المادة. فالعلة الصورية ما به الشيئ بالفعل أي ما يقارن لوجوده وجود الشيئ بمعنى أنْ لا يتوقَّفَ بعد وجوده على شيئ آخر. فالباء في به لللملابسة، فخرج مادة الأفلاك والأجزاء الصورية والجزء الصوري لمادة المركَّب كصورة الخشب للسرير فإنّها أجزاء مادية بالنسبة إلى المركّب، فإنّ العلّة الصورية للسرير هي الهيئة السريرية، وحمل الباء على السَّبَبية القريبة يحتاج إلى القول بأنَّ العِلة التامة والفاعل سببان بعيدان بواسطة الصورة. لا يقال صورة السَّيْف قد تحصل في الخشب مع أنَّ السيف ليس حاصلاً بالفعل لعدم ترتّب آثار السيف عليه، لأنّا نقول الصورة السيفية المعيَّنة الحاصلة في الحديد المعيَّن إذا حصلت شخّصها حصل السيف بالفعل قطعًا وليست الحاصلة في الخشب عين تلك الصورة بل فرد آخر من نوعها به يتحقَّق بالفعل ما يشبه السيف. وأيضًا الآثار المترتّبة على السيف الحديدي ليست آثارًا لنوع السيف بل لصنفه وهو السيف الحديدي فتدبّر. والعلة المادية ما به الشيئ بالقوة كالخشب للسرير وليس المرادُ بالعلّة الصورية والمادية في عباراتهم ما يختصّ بالجواهر من المادة والصورة الجوهريتين بل ما يعمُّهما وغيرهما من أجزاء الأعراض التي لا يوجد بها إلاَّ الأعراض إمّا بالفعل أو بالقوة. فإطلاق المادة والصورة على العلّة المادية والصورية مبني على التسامح، وهاتان العِلّتان أي المادة والصورة عِلّتان للماهية داخلتان في قوامها كما أنّهما عِلتان للوجود أيضًا فتختصان باسم عِلّة الماهية تمييزًا لهما عن الباقيين أي الفاعل والغاية المتشاركين لهما في علّة الوجود وباسم الركن أيضًا. وفي الرشيدية العِلّة ما يحتاج إليه الشيئ في ماهيته بأنْ لا يتصوَّر ذلك الشيئ بدونه كالقيام والركوع في الصلوة، وتسمّى ركنًا، أو في وجوده بأنْ كان مؤَثِّرًا فيه فلا يوجد بدونه كالمصلي لها أي الصلوة انتهى. والثاني أي ما يكون خارجًا عن المعلول إمّا ما به الشيئ وهو الفاعل والمؤثّر فالفاعل هو المعطي لوجود الشيئ، فالباء للسببية كالنَّجَّار للسرير، والمجموع من الواجب والممكن، وإنْ كان فاعله جزءاً منه لكن ليس فاعليته إلاّ باعتبار فاعليته لممكن فيكون خارجًا عن المعلول، وإمّا ما لأجله الشيئ وهو الغاية العِلَّة ١٢١١ أي العلّة الغائية كالجلوس على السرير للسرير، وهاتان العِلَّتان تختصَّان باسم علّة الوجود لتوقُّفه عليهما دون الماهية. ثم الأولى لا توجد إلاّ للمركّب وهو ظاهر والثانية لا تكون إلاّ للفاعل المختار. وإنْ كان الفاعل المختار يوجد بدونها كالواجِب تعالى عند الأشعرية فالموجِب لا يكون لفعله غاية وإنْ جاز أنْ يكون لفعله حكمة وفائدة؛ وقد تُسمَّى فائدة فعل الموجب غاية أيضًا تشبيهًا لها بالغاية الحقيقية التي هي غايةٌ للفعل وغرضٌ مقصودٌ للفاعل. والغاية عِلّة لِعّية العِلّة الفاعلية أي أنّها تفيد فاعلية الفاعل إذْ هي الباعثة للفاعل على الإيجاد ومتأخّرة وجودًا عن المعلول في الخارج، إذْ الجلوس على السرير إنّما يكون بعد وجود السرير في الخارج لكن يتقدَّم عليه في العقل. إنْ قلت حصر العِلّة الناقصة في الأربع منقوض بالشرط مثل الموضوع كالثوب للصابغ، والآلة كالقدّوم للنّجار، والمعاون كالمعين للمِنْشار، والوقت كالصيف لصبغ الأديم، والداعي الذي ليس بغاية كالجوع للأكل، وعدم المانع مثل زوال الرطوبة للإحراق، وبالمعد مثل الحركة في المسافة للوصول إلى المقصد، لأنَّ كلاً منها علّة لكونه محتاجًا إليه وخارج عن المعلول مع أنَّه ليس ما منه الشيئ ولا ما لأجله الشيئ. قلت إنّها بالحقيقة من تتمة الفاعل لأنَّ المُرادَ بالفاعل هو المستقلّ بالفاعلية والتأثير سواء كان مستقلاً بنفسه أو بمدخلية أمرٍ آخر، ولا يكون كذلك إلاّ باستجماع الشرائط وارتفاع الموانع، فالمرادُ بما به الشيئ ما يستقلّ بالسَّبَبية والتأثير كما هو المتبادَر، سواء كان بنفسه أو بانضمام أمرٍ آخر إليه، فيكون ذكر هذا القسم مشتملًا على أمور الفاعل المستقل بنفسه وذات الفاعل والشرائط، وعلى كلّ واحد منها مما يحتاج إليه المعلول، وعلى أنها ناقصة، إنّما المتروك تفصيله وبيان اشتماله على تلك الأمور. وقد تجعل من تتمة المادة لأنَّ القابل إنّما يكون قابلاً بالفعل عند حصول الشرائط. ومنهم مَنْ جعل الأدوات من تتمة الفاعل وما عداها من تتمة المادة، وتقرير ذلك على طور ما سبق. وعلى هذا فلا يرد ما قيل سلَّمنا أنَّ المرادَ بالفاعل هو المستقل بالفاعلية وبالمادة هو القابل بالفعل، لكن كلّ ما ذكرنا من الشروط والآلات ورفع المانع والمعد مما يحتاج إليه المعلول ولا يصدق عليه أحد تلك الأقسام. ولا نعني بعدم الحصر إلاّ وجود شيئ يصدقُ عليه المقسَم ولا يصدق عليه شيئ من الأقسام. إنْ قلت عدمُ المانع قيدٌ عَدَمي فلا يكون جزءاً من العّة التامة وإلاّ لا تكون العلّة التامة موجودة. قلت العِلّة التامة لا تجبّ أنْ تكون وجودية بجميع أجزائها بل الواجب وجود العِلّة الموجِدة منها لكونها مفيدةً للوجود، ولا امتناعَ في توقُّف الإيجاد على قيد عَدَمي. ومنهم مَنْ خَمّس القِسْمة وجعل هذه المذكورات شروطًا، وقال العلّة الناقصة إنْ كانت داخلة في المعلول فمادية إنْ كان بها وجود الشيئ بالقوة وإلّ فصُورِية. وإنْ كانت خارجة ففاعلية إنْ كان منها وجود الشيئ وغائيةً إنْ كان لأجلها الشيئ، وشرط إنْ لم يكن منها وجود الشيئ ولا لأجلها، ولا يضرّ خروج الجنس والفصل فإنّهما وإنْ كانا من العِلل الداخلة لكنهما ليسا مما يتوقّفُ عليه الوجود الخارجي والكلام فيه. ولك أنْ تقول في تفصيل أقسام العِلّة الناقصة بحيث لا يحتاج إلى مثل تلك التكلّفات بأنَّ ما يتوقّف عليه الشيئ إمّا جزءٌ له أو خارج عنه، والثاني إمّا محلّ للمقبول فهو الموضوع بالقياس إلى العَرض، والمحلّ القابِل بالقياس إلى الصورة الجوهرية المعيَّنة فإنّها محتاجة في وجودها إلى المادة، وإنْ كانت مطلقها علّة لوجود المادة، وإمّا غير محلّ له فإمّا منه الوجود وإمّا لأجله الوجود، أوْلا هذا ولا ذاك، وحينئذ إمّا أنْ ١٢١٢ العِلَّة يكون وجوديًا وهو الشرط أو عَدَميًا وهو عَدَمُ المانع؛ وأمّا المعدّ وهو ما يكون محتاجًا إليه من حيث وجوده وعدمه معًا فداخل في الشرط باعتبار وفي عدم المانع باعتبار، والأول أعني ما يكون جزءاً إمّا أنْ يكون جزءاً عقلياً وهو الجنس والفصل أو خارجيًا وهو المادة والصورة . فائدة : حيث يُذْكَرُ لفظ العِلّة مطلقًا يُراد به الفاعلية ويذكر البواقي بأوصافها وبأسماء أخرى، وكما يقال لِعلّة الماهية جزءٌ ورُكْنٌ يُقال للمادية مادة وطينة باعتبار ورود الصُّوَر المختلفة عليها، وقابل وهيولى من جهة استعدادها الصُّور وعنصر إذْ منها يبتدأ التركيب، واسطقس إذْ إليها ينتهي التحليل. ويقال للغائية غاية وغرض. تقسيمات أخر : العِلّة مطلقًا فاعلية كانت أو صورية أو مادية أو غائية قد تكون بسيطةً. فالفاعلية كطبائع البسائط العنصرية، والمادية كهيُولاتها والصَّوَرية كصورها والغائية كوصول كلِّ منها إلى مكانه الطبيعي. وقد تكون مركَّبة، فالفاعلية كمجموع الفعل والصُّورة بالنسبة إلى الهَيُولى على ما تقرَّر من أنَّ الصورة شريكة لفاعل الهَيْولى، والمادية كالعناصر الأربعة بالنسبة إلى صور المركَّبات، والصورية كالصورة الإنسانية المركّبة من صور أعضائها الآلية، والغائية كمجموع شرى المتاع ولقاء الحبيب بالنسبة إلى الصُّورة الشوقية. وأيضًا كلّ واحد من العِلل إمّا بالقوة، فالفاعلية كالطبيعة بالنسبة إلى الحركة حال حصول الجسم في مكانه الطبيعي، والمادية كالنطفة بالنسبة إلى الإنسانية، والصّورية كصورة الماء حال كون هَيُولاها ملابِسةً لصورة الهواء، والغائية كلقاء الحبيب قبل حصوله. وإمّا بالفعل، فالفاعلية كالطبيعة حال كون الجسم متحركًا إلى مكانه الطبيعي وعلى هذا القياس .. وأيضًا كلّ واحد منها إمّا كلية أو جزئية، فالفاعلية الكلّيّة كالبناء للبيت والجزئية كهذا البناء له وعلى هذا القياس. وأيضًا كلّ واحد منها إمّا ذاتية أو عرضية. فالعِلّة الذاتية تطلقُ على ما هو معلول حقيقة والعِلّة العَرَضية تطلقُ باعتبارين، أحدهما اقترانُ شيئ بما هو عِلّة حقيقة، فإنَّ الشيئ إذا اقترن بالعِلّة الحقيقية اقترانًا مصحِحًا لإطلاق اسمها عليه يُسمَّى عِلّة عَرَضية، وثانيهما اقترانُ شيِى مَا بالمعلول كذلك، فإنَّ العِلّة بالقياس إلى ذلك الشيئ المقترِن بالمعلول تُسَمَّى عِلّة عرضية. فالفاعلية العرضية كالسقمونيا بالنسبة إلى البرودة فإنَّ السقمونيا يسهِّل الصفراء الموجبة لسخونة البَدَن المانعة عن تبريد الباردة التي في البدن إياه، فلما زال المانع عنه بَرّدته بطبعها . فالفعل الصادر عن الأجزاء الباردة التي في البدن أعني التبريد ينسب بالعَرَض إلى ما يقرنها ويزيل مانعها وهو السقمونيا، والمادية العَرَضية كالخشب للسرير إذا أخذ مع صفةِ البياض مثلاً، فإنَّ ذات الخشب عِلّة مادية ذاتية وما يقرنها أعني الخشب مأخوذًا مع صفة البياض عِلّة مادية مع صفة البياض، والصُّوَرية العَرَضية كصورة السرير إذا أخذت مع بعض عوارضها، والغائية العَرَضية كشرى المتاع أيضًا مثلاً بالنسبة إلى السفر إذا كان المقصود منه لقاء الحبيب وحصل بتبعه شراء المتاع أيضًا. وأيضًا كلّ واحد من العِلل إمّا عامّة أو خاصة. فالعامّة تكون جِنسًا للعِلّة الحقيقية كالصانع الذي هو جنس للبناء، والخاصّة هي العِلّة الحقيقية كالبناء، وكذلك سائر العِلل. وأيضًا كلّ واحد منها قريبة أو بعيدة. فالفاعلية القريبة كالعفونة بالنسبة إلى الحُمّى والبعيدة كالاحتقان مع الامتلاء بالنسبة إلى الحُمّى. وأيضًا كلِّ منها مشترِكة أو خاصة. فالفاعلية المشتركة كبنّاء واحد لبيوت متعدّدة، العلة ١٢١٣ والخاصة كبنّاء واحد لبيت واحد، وعلى هذا القیاس . فائدة : ومن العلل المعدّة ما يؤدّي إلى مثل كالحركة إلى منتصف المسافة المؤدّية إلى الحركة إلى منتهاها، أو إلى خلاف كالحركة إلى البرودة المؤدّية إلى السخونة التي هي مخالفة للحركة لها، أو إلى ضِدِّ كالحركة إلى فوق المؤدّية إلى الحركة إلى الأسفل والأعداد قريب كأعداد الجنين بالنسبة إلى الصورة الإنسانية أو بعيد كأعداد النطفة بالنسبة إليها. ومن العِلَل العَرَضية ما هو عِلّة مُعدَّة ذاتية بالنسبة إلى ما هو عِلّة فاعلية عَرَضية له، فإنَّ شرب السقمونيا عِلّة فاعلية عَرَضية لحصول البُرودة مع أنّه عِلّة مُعَدَّة ذاتية لحصول البرودة . فائدة : الفرق بين جزء العِلّة المؤثّرة أي الفاعلية وشرطها في التأثير هو أنَّ الشرط يتوقَّف عليه تأثير المؤثِّر لا ذاته، كيبوسة الحطب للإحراق إذْ النار لا تؤَثَّر في الحطب بالإحراق إلاّ بعد أنْ يكون يابِسّا، والجزء يتوقَّفُ عليه ذات المؤثِّر فيتوقَّف عليه تأثيره أيضًا، لكن لا ابتداءً بل بواسطة توقُّفه على ذاته المتوقفة على جزئه، وعدم المانع ليس مما يتوقَّفُ عليه التأثير حتى يشارِكَ الشرط في ذلك بل هو كاشف عن شرط وجودي، كزوال الغيم الكاشف عن ظهور الشمس الذي هو الشرط في تجفيف الثياب وعَدّه من جملة الشروط نوع من التجوُّز. وفي اصطلاح مثبتي الأحوال من المتكلِّمين صِفَّةٌ توجِبُ لمحلّها حكمًا. والمراد بالصِّفة الموجودة بناءً على عدم تجويز تعليل الحال بالحال كما هو رأي الأكثرين أو الثابتة ليشتمل ما ذهب إليه أبو هاشم من تعليل الأحوال الأربعة بالحال الخامس. ومعنى الإيجاب ما يصحح قولنا وجد فوجد أيّ ثبت الأمر الذي هو العِلّة فثبت الأمر الذي هو المعلول. والمُراد لزوم المعلول للعِلّة لزومًا عقليًا مصحِّحًا لترتُّبه بالفاء عليها دون العكس، وليس المراد مجرَّد التعقيب، فخرج بقيد الصفة الجواهر فإنّها لا تكون عللاً للأحوال، ويتناول الصفة القديمة كعلم الله تعالى وقدرته فإنَّهما علتان لعالِميته وقادِريته والمحدَثة كعلم الواحد منّا وقدرته وسواده وبياضه. والمعنى أنَّ العِلّة صفة قديمة كانت أو محدثة توجِب تلك الصفة أي قيامها بمحلّها حكمًا أي أثرًا يترتَّب على قيامها بأنْ يتَّصِفَ ذلك المحلّ به ويجري عليه. وفي قولهم لمحلها إشعار بأنَّ حكم الصفة لا يتعدَّى محلّ تلك الصفة فلا يوجِبُ العلم والقدرة والإرادة للمعلوم والمقدور. والمراد حكمًا لأنَّها غير قائمة بها كَيْفٌ، ولو أوجبت لها أحكامًا لكان المعدوم الممتنع إذا تعلّق به العلم متصفًا بحكم ثبوتيّ وهو محال. واعلمْ أنَّ هذا التعريف إنّما كان على اصطلاح مُثْبتي الأحوال دون نُفاتها، لأنَّ المُثبتين كلَّهم قائلون بالمعاني الموجبة للأحكام في محالها، وهي عندهم علل تلك الأحكام. ونفاة الأحوال من الأشاعرة لا يقولون بذلك إذ عندهم لا عِلِّية ولا معلولية فيما سوى ذاته تعالى، فضلاً عن أنْ يكون بطريق الإيجاب واللزوم العقلي لا للموجود ولا للحال. أمّا عدم العِلّية للأحوال فظاهر لعدم قولهم بالحال، وأمّا عدم العِلَّية للموجود فلاستناد الموجودات كلّها عندهم إليه تعالى ابتداءً. والمعلول على هذا التعريف هو الحكم الذي توجِّبَه الصفة في محلها، وهذا التعريف هو الأقرب. وأمّا نحو قولهم العِلّة ما توجِبُ معلولها عقيبها بالاتصال إذا لم يمنع مانع، أو العلة ما كان المعتَلُّ به مُعَلَّلاً وهو أي كون المُعْتَلّ به مُعَلَّلاً قول القائل كان كذا لأجل كذا، كقولنا كانت العالمية لأجل ١٢١٤ العِلّة المتعدِّية العلم فدوريّ. أمّا الأول فلأنَّ المعلولَ مشتقٌّ من العِلّة إذْ معناه ماله عِلّة فيتوقَّفُ معرفته على معرفتها فلزم الدور وأمَّا الثاني فلأنّه عرّف العِلّة بالمعتلّ والمعلَّل ومعرفة كلٍّ منهما موقوفة على معرفة العِلّة. وقولهم العِلّة ما يغيِّرُ حكم محلّها أي ينقله من حال إلى حال، أو العِلّة هي التي يتجدَّد بها أي يتجدَّد بها الحكم يخرجِ الصفة القديمة إذْ لا تغيير ولا تجدُّد فيها مع أنَّها من العِلل فإنَّ علمه تعالى عِلّة موجِبة لعالمِيته عندهم. ولك أنْ تأخذ من كلِّ هذه التعريفات المزيّفة للعِلَّة تعريفات للمعلول فتقول المعلول ما أوجبته العِلّة عقيبها بالإتصال إذا لم يمنع مانع أو المعتلّ المعلَّل بالعِلّة أو ما كان من الأحكام متغيرًا بالعِلّة أو ما يتجدَّد من الأحكام بالعِلّة. فائدة : الفرقُ بين العِلّة والشرط على رأي مثبتي الأحوال من وجوه. الأول العِلّة مَطَّرِدَة فحيثما وُجِدَتْ وُجِدَ الحكم، والشرط قد لا يطَّرِدُ كالحيوة للعلم، فإنّها شرط للعلم وقد لا يوجد معها العلم. الثاني العِلّة وجودية أي موجودة في الخارج باتفاقهم، والشرط قد يكون عدمياً كانتفاء أضداد العلم بالنسبة إلى وجوده إذْ لا معنى للشرط إلاّ ما يتوقَّفُ عليه المشروط في وجوده لا ما يُؤَثِّر في وجود المشروط حتى يمتنع أنْ يكون عدميّا. وقيل الشرط لا بد أنْ يكون وجوديًا أيضًا. الثالث قد يكون الشرط متعدِّدًا كالحيوة وانتفاء الأضاد بالنسبة إلى وجود العلم أو مركّبًا بأنْ يكون عدة أمور شرطًا واحدًا للمشروط. الرابع الشرط قد يكون محلّ الحكم بخلافٍ العِلّة، أي محلّ الحكم لا يجوز أنْ يكون علَّةً للحكم لأنّه لا يكون مُؤَذِّرًا فيه، بل المُؤَثِّرُ فيه صفةُ ذلك المحلّ التي هي العِلّة لكن محلّ الحكم يكون شرطًا للحكم من حيث إنّه يتوقَّفُ وجوده عليه. الخامس العِلّة ولا تتعاكس أي لا تكون العِلّة معلولة لمعلولها بخلاف الشرط فإنّه يجوز أنْ يكون مشروطًا لمشروطه، إذْ قد يشترط وجود كلٍّ من الأمرين بالآخر، قال به القاضي وعنى بالتوقُّف المأخوذ في تعريف الشرط عدم جواز وجوده بدون الموقوف عليه، وبه قال أيضًا المحقّقون من الأشاعرة، ومنعه بعضهم. والحق الجواز إنْ لم يوجِبْ تقدُّم الشرط على المشروط بل يكتفى بمجرَّد امتناع وجود المشروط بدون الشرط كقيامٍ كلٌّ من البينتين المتساندتين بالأخرى، فإنَّ قيامَ كلٌّ منهما يمتنع بدون قيام الأخرى، ومثل ذلك يُسمَّى دور معية ولا استحالة فيه. السادس الشرط قد لا يبقى ويبقى المشروط وذلك إذا توقّف عليه المشروط في ابتداء وجوده دون دوامه، كتعلُّق القدرة على وجه التأثير فإنّه شرط الوجود ابتداءً لا دوامًا، فلذلك يبقى الحادث مع انقطاع ذلك التعلُّق. السابع الصفة التي هي عِلّة كالعلم مثلاً له شرط كالمحل والحيوة وليس له عِلَّة فإنَّ العلم من قبيل الذوات وهي لا تعلَّلُ بخلاف الأحكام، فالعِلَّة لا تكون معلولة في نفسها بخلاف الشرط فإنّه قد يكون معلولاً، فإنّ كون الحيّ حيًّا شرطٌ لكونه عالِمًا مع أنَّ كونه حيًّا معلول للحيوة. الثامن العِلّة مصحّحة لمعلولها اتفاقًا بخلاف الشرط إذْ فيه خلاف. التاسع الحُكم الواجِب لم يتفق على عدم شرط بل اتفقَ على أنّه لا يوجَدُ بدون شرط كالعالمية له تعالى فإنّها مشروطة بكونه حيًّا، وقد يختلف في كون الحكم الواجب مُعَلَّلاً بِعِلّة، فإنّ مُثبتي الأحوال من الأشاعرة يعلِّلونه بصفاتٍ موجودة. ومن المعتزلة ينفونه سوى البَهْشمية فإنّهم يعلِّلون الحال بالحال. وإنْ شئت الزيادة على هذا فارجع إلى شرح المواقف. العِلّة المتعدِّية: Efficient cause or indirect one - Cause efficiente ou indirecte سبق ذكرها . ١٢١٥ العَلَم العَلَف: Sensual desires - Desirs sensuels هو عند الصُّوفية عبارةٌ عن الشَّهوات والأماني النفسانية. كذا في بعض الرسائل(١). العَلَم: Proper name - Nom propre بفتح العين واللام عند النحاة قسم من المَعْرِفة، وهو ما وُضِعَ لشيئ بعينه غير متناول غيره بوضع واحد. فقولهم لشيئ بعينه أي متلبس بعينه أي لشيئ معيّن شخصًا كان وهو العَلَم الشخصي كزيد، أو جنسًا وهو العَلَم الجنسي، وعلم الجنس والعَلَم الذهني كأسامة. واحترز بهذا عن النَّكِرة والأعلام الغالية التي تعيَّنت لفردٍ معيَّن لغلبة الاستعمال فيه داخلة في التعريف لأنَّ غلبة استعمال المستعملين بحيث اختصّ العَلَم الغالِب لفردٍ معيَّن بمنزلة الوَضْع من واضع المعيّن، فكأنّ هؤلاء المستعمِلِين وضعوه للمعيَّن. وقولهم غير متناول غيره أي حال كون ذلك الإسم الموضوع لشيئ معيَّن غير متناول غير ذلك الشيئ باستعماله فيه، واحترز به عن المعارِف كلّها. والقيد الأخير لَئِلاّ يخرج الأعلام المشتركة كذا في الفوائد الضيائية. اعلمْ أنَّ هذا التعريف مبني على مذهب المتأخرين الذاهبين إلى أنَّ ما سوى العَلَم معارف وضعية أيضًا لا استعمالية كما هو مذهب الجمهور، إذْ لو لم يكن كذلك فقولهم غير متناول غيره مما لا يحتاج إليه لخروج ما سوى العلم من المعارف بقيد الوضع لأنّها ليست موضوعة لشيئ معيَّن بل لمفهوم كلّي، إلاَّ أنه شرط حين الوضع أنْ لا يستعمل إلاّ في معيّنِ كما سيأتي في لفظ المعرفة. واعترض عليه بأنَّ العَلَم الشخصي ليس موضوعًا لشيئ معيَّن لأنَّ الموضوع للشخص من وقت حدوثه إلى فنائه لفظ واحد، والتشخُّص الذي لوحظ حين الوضع يتبدل كثيرًا، فلا محالة يكون اللفظ موضوعًا للشخص، لكلّ تشخُّصٍ تشخّصٌ ملحوظ بأمر كلِّي، فالعَلَم كالمضمر. وأجيب بأنَّ وجود الماهية لا ينفكُ عن تشخّصٍ باق ببقاء الوجود يُعْرَفُ بعوارض بعده وتلك العوارض تتبدَّل ويأخذ العقل العوارض المتبدلة أمارات يعرف بها ذلك التشخّص. فاللفظ موضوع للشخص بذلك التشخُّص لا للمتشخّص بالعوارض، ولو كان التشخّص بالعوارض لكان للجزئي أشخاص متَّحِدَة في الوجود، وما اشتهر من أنَّ التشخّص بالعوارض مسامَحة مُأوّلة بأنَّه أمر يُعرَفُ بعوارض. وأمَّا أنَّ ذلك التشخّص هل هو متحقّق مُبَرْهَنٌ أو مجرَّد توهُّم فموكول إلى عِلم الكلام والحكمة ولا حاجة لنا إليه في وضع اللفظِ للمشخّص لأنَّ أيًّا ما كان يكفي فيه. بقي أنَّ العَلَم لو كان موضوعًا للشخص بعينه لم يصح تسمية الآباء أبناءَهم المتولِّدة في غيبتهم بأعلام، وتأويله بأنّه تسمية صورة أوأمر بالتسمية حقيقة أو وعد بها بعيد، وأنّ الوضع في اسم الله مُشْكِلٌ حينئذ لعدم ملاحظته بعينه وشخصه حين الوضع وبعد لم يعلم بالوضع له بشخصه للمخاطبين به، وإنَّما يُفْهَمُ منه معيَّن مشخّص في الخارج بعنوان ينحصرُ فيه، ولذا قيل إنّه اسم للمفهوم الكلّي المنحصِر فيه تعالى من الواجب لذاته أو المستحِقّ بالعبودية لذاته، إلاَّ أنْ يُراد بالشيئ بشخصه كونه متعيِّنًا بحيث لا يحتمل التعدُّد بحسب الخارج ولا يطلب له منع العقل عن تجويز الشركة فيه. وقال بعض البلغاء: العَلَم ما وُضِعَ لشيئ بشخصه وهذا إنّما يصحِ إنْ لم يكنِ عَلَم الجنس عَلَمًا عند أصحاب فَنَّ البلاغة لأنَّه دعت إليه ضرورات نَحْوية، وهم في سِعَة عنه، ولا يكون غير العَلَم موضوعًا لشيئ بشخصه بناءً على أنَّ ما سِوى العَلَم معارف استعمالية كما هو مذهب الجمهور. هكذا يستفاد من الأطول في باب المُسند إليه في بيان فائدة جعله عَلَما . (١) نزد صوفيه عبارتست از شهوات وآرزوهاي نفس كذا في بعض الرسائل. ١٢١٦ العَلَم قيل الأعلام الجنسية أعلام حقيقة كالأعلام الشخصية، إذْ في كلِّ منهما إشارة بجوهر اللفظ إلى حضور المُسمَّى في الذهن بخلاف المنكّر إذْ ليس فيه إشارة إلى المعلوم من حيث هو معلوم. وقيل علم الجنس من الأعلام التقديرية واللفظية لأنَّ الأحكام اللفظية من وقوعه مبتدأ وذا حال ووصفًا للمعرفة وموصوفًا بها ونحو ذلك هي التي اضطرتهمٍ إلى الحكم بكونه عَلَمًا حتى تكلَّفوا فيه ما تكلّفوا، هكذا يُستفاد مما ذُكر في المطول وحاشيته للسَّيد السَّند. والفرق بين عَلَم الجنس واسم الجنس قد مرّ في لفظ اسم الجنس. وفي بعض حواشي الألفية اسمُ الجنسِ موضوع للفَرْد لا على التعيين كالأسد، وعَلَم الجنس موضوع للحقيقة فقط. وعَلَم النوع موضوع للفَرْد المعيّن لا على التعيين كغدوة وعَلَم الشخص للفَرْد المعيّن على الخصوص. فاسم الجنس نكرة لفظًا ومعنى، وعَلَم الجنس معرفة لفظًا لا معنى، وعَلَم الشخص معرفة لفظًا ومعنى، وعلمِ النوع كذلك. فالحاصل أنَّ الفرد المعيَّن يتعدَّد في العَلَم النوعي ويتَّحِدُ في العَلَم الشخصي انتهى. التقسيم العَلَم إمّا قصدي وهو ما كان بالوضع شخصيًا كان أو جنسيًا، أوإتفاقي وهو الذي يصيرُ عَلَمًا لا بوضع واضعٍ معيَّن بل إنَّما يصيرُ عَلَما لأجل الغَلَبة وكثرة استعماله في فرد من افراد جنسه بحيث لا يذهبُ الوَهْم عند إطلاقه إلى غيره مما يتناوله اللفظ، كذا في العباب. والعَلَم الموضوع أي القصدي إمّا منقول أو مُرْتَجَل، فإنَّ ما صار عَلَما بغلبة الاستعمال لا يكون منقولاً ولا مُرْتجلاً كما في شرح التسهيل وفي اللُّب العلم الخارجي أي الشخصي منقول أو مُرْتَجَل فخرج من هذا العَلَم الذهني، أي الجنسي. والمنقول وهو ما كان له معنى قبل العَلَمية ثم نُقِلَ عن ذلك المعنى وجُعل عَلَمًا لشيئ إمّا منقول عن مُفْرَد سواء كان اسمَ عَيْن كثور وأسد، أو اسم معنى كفَصْل وإياس، أو صفة كحاتم، أو فعلاً ماضيًا كشمّر وكَعَسَب، أو فعلاً مضارعًا كتغلب ويشكر، أو أمرًا بقطع همزة الوصل لتحقُّق النقل كإصمت بكسر الهمزة والميم، أو صوتًا كبّة وهو لقب عبد الله بن حارث(١)، أو عن مرَّب سواء كان جملةً نحو تأبَّط شرًا أو غير جملة سواء كان بين أجزائه نسبة كالمضاف والمضاف إليه كعبد مناف أو لم يكن كبَعْلَبَك وسيبويه، هكذا في اللّب والمُفَصّل(٢). وقيل الأعلام كلّها منقولة ولا يضرُّ جهلُ أصلِها وهو ظاهر مذهب سيبويه كذا في شرح التسهيل. والمرتَجَل هو ما وُضِعَ حين وُضعِ عَلَما ابتداءً إمّا قياسي وهو ما لم يعرف له أصلُ مادة بل هيئة بأنْ يكون موافِقًا لزِنَةِ أصل في أسماء الأجناس والأفعال ولا يكون مخالفًا الأصلٍ فيها من الإظهار والإدغام والإعلال والإبدال ونحو ذلك مما ثبت في أصول الأوزان نحو عطفان، وإمّا شاذ وهو ما لم يُعْرَفْ له أصلُ هيئة بأنْ يكون مخالفًا لأوزان الأصول بتصحيح وما يعلَّلُ مثله نحو مكوزة والقياس مكازة كمفازة، أو بالعكس كحيوة عَلَمًا لرجل والقياس حية، بانفكاك ما يُدْغَمُ كمحبب اسم رجل والقياس محبّ، أو بالعكس وبانفتاح ما (١) هو عبد الله بن حارث بن نوفل الهاشمي، لقب بيبّة، ولد أيام النبي ومات بعمان عام ٨٤ هـ وقيل ٨٣هـ. كان اميرًا محدثًا ثقة من التابعين. سير أعلام النبلاء ١/ ٢٠٠، طبقات ابن سعد ٣٣١/٤، الاستيعاب ١٤٣/٦، أسد الغابة ٢٠٦/٣، تهذيب الكمال ٦٧٣، تاريخ الاسلام ٢٦٣/٣. (٢) المفصّل في النحو للعلامة جار الله ابي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي (- ٥٣٨هـ) حاجي خليفة، كشف الظنون، ١٧٧٤/٢ . ١٢١٧ العَلَمِ يكسَرُ كوَهَب بفتح الهاء اسم رجل والقياس الكسر، أو نحو ذلك. ويمكن في المرتَجَل الشاذ القول بالنقل وأنَّ التغيير شاذ حدث بعد النقل كذا في الإرشاد وشرح اللب. ثم في شرح اللب إنّما لم يقسم المصنف المرتَجَل إلى المُفْرَد والمركَّب كما قسِّم المنقول إليهما لعدم مجيئه في ذلك انتهى. والعَلَم الذهني أي الجنسي إمّا اسم عين كأمامة وإمّا اسم معنى وهو على نوعين: حَدَث أي مصدر كسبحان عَلَم التسبيح أو وقت كغدوة عَلَم لجنس غدوة اليوم الذي أنت فيه، وكذا سَحَر فإنّه عَلَم لجنس سَحَر اللية التي أنت فيه، والدليلُ على علميتها منعُ الَّصرف. وإمّا لفظٌ يَوزنُ به كقولهم قائِمة على وزن فاعلة وإمَّا كناية كفلان وفلانة فإنّهما كنايتان عن زيد ومثله وعن فاطمة ومثلها فيجريان مجرى المكني عنه أي يكونان كالعلم كذا في شرح اللب. والعَلَم الإتفاقي على قسمين مضاف نحو ابن عمر فإنّه غلب بالإضافة على عبد الله بن عمر من بين إخوته، ومعرَّف باللام نحو النَّجم فإنَّه غلب على الثُّرَيا بالاستعمال والصَّعق فإنَّه غلب بالاستعمال على خويلد بن نفيل(١)، ومنه ما لم يَرِدْ بجنسه الاستعمال كالدَّبَران والعيُّوق والسّماك والُّريا لأنَّها غلبت على الكواكب المخصوصة من بين ما يوصَفُ بهذه الأوصاف، وإنْ كانت في الأصل أسماء أجناس. وإنما قيل منه لأنها ليست في الظاهر صفات غالبة كالصعق وإنما هي أسماء موضوعة باللام في الأصل أعلام لمسمَّياتها ولا تجري صفات وما لم يُعرف بالاشتقاق من هذا النوع فملحق بما عرف كالمُشتري والمريخ، كذا في العباب. فالأعلام الإتفاقية لا تكون إلاّ مركّبة لحصرها في القسمين. ولذا قال صاحب العباب لما كان اسم الجنس إنّما يطلق على بعض أفراده المعيَّن إذا كان معرّفًا باللام أو بالإضافة كان العَلَم الإتفاقي قسمين: معرّفًا باللام أو مضافًا . وأيضًا العَلَم ثلاثة أقسام: لَقَب وكُنْية واسم لأنّه إمّا مُصَدَّر بأَب أو أُمّ أوْ لا، الأوّل الكُنية، والثاني إمّا مُشْعِرٌ بالمدح أو الذَّم أوْ لا، الأول اللّقب، والثاني الإسم. فعلى هذا يتقابل الأقسام بالذات. وفي شرح الأوضح(٢) ناقلاً عن الإمام أنَّ من الكُنية ما صُدِّر بابن أو بنت. وقال الفاضل الشريف في شرح المفتاح(٣): الكُنية عَلَم صُدِّر بأب أو أُمّ أو إبن أو بنت، واللَّقب عَلَم يُشعِرُ بمَدْح أو ذَمِّ مقصود منه قطعًا، وما عداهما من الأعلامِ يسمَّى أسماء. فعلى ما ذكره الإسم المقابل للَّقب قد يشعِرُ بالمَدْحِ أو الذَّمَ ولا يكون المُشْعِرُ بالمدح أو الذم مطلقًا لقبًا، بِل إذا كان المقصود به عند إطلاقه المدح أو الذّمّ. ولذا قيل الغَرَضِ مِنْ وَضْع الألقاب الإشعار بالمَدْحِ والذّمّ، وقد يتضمَنها الأسماء، وإنْ لم يقصد بالوَضْع إلاّ تمييز الذات لكون تلك الأسماء منقولات من معان شريفة أو خسيسة كمحمد وعلي وكَلْب، أو لاشتهار الذات في ضمنها بصفة محمودة أو مذمومة کحاتم ومادِر انتهى. (١) شاعر جاهلي، ذكره الاصفهاني في الأغاني ١١/ ١٣٣. (٢) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، شرح العلامة جمال الدين عبد الله بن يوسف المعروف بابن هشام النحوي (- ٧٦٢هـ). والألفية في النحو للشيخ العلامة جمال الدين عبد الله بن محمد بن عبد الله الطائي الجياني المعروف بابن مالك النحوي (- ٦٧٢ هـ). مجلد تحت اسم أوضح المسالك ... ثم اشتهر بالتوضيح. كشف الظنون، ١ / ١٥٤. (٣) مفتاح العلوم للعلامة سراج الدين أبي يعقوب يوسف بن ابي بكر بن محمد بن علي السكاكي (- ٦٢٦ هـ). وقد شرح القسم الثالث منه السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني (- ٨١٦هـ) وهو الموسوم بالمصباح. ألّفه السيد بسمرقند سنه ٨٤٩هـ. كشف الظنون، ١٧٦٣/٢. السخاوي الضوء اللامع، ٣٢٨/٥. ١٢١٨ العَلَم والفرق بين اللَّقب والكُنية بالحيثية، فإشعار بعض الكُنى بالمَدْح أو الذَّم كأبي الفضل وأبي الجهل لا يضرّ. وبعض أئمة الحديث يجعل المُصَدَّر بأب أو أم مضافًا إلى اسم حيوان أو إلى ما هو صفة الحيوان كُنية وإلى غير ذلك لَفَبًا كأبي ترابٍ. ثم إشعار العَلَم بالمَدْحِ أو الذَّمّ باعتبار معناه الأصلي فإنّه قد يُلاحَظُ في حال العَلَمية تبعًا، ولذلك ينهىُ شرعًا أنْ يذكر الشخص بعَلَمِه الدَّال في أصله على ذَمِّ إذا كان يتأذَّى به ويتحاشى عادةً أنْ يذكر من يقصد توقيره بمثل هذا. وقد يطلقُ الإسم على ما يعمّ الأقسام الثلاثة. هذا كله خلاصة ما في الأطول وما ذكر الفاضل الچلبي في حاشية المطوّل والتلويح. وفي بعض الحواشي المعلّقة على شرح النخبة قيل: العَلَم إِنْ دَلَّ على مدْحِ أو ذَم فَلَقَب صُدِّرَ بأب أوْ أمّ أو إبن أو بنت أوَّ لا ، وإنْ صُدِّرَ بأحدها فكُنية دَلَّ عليه أوْ لا ، والإسم أعمَّ، كذا قاله التفتازاني انتهى. وإذا اجتمع للرجل اسمٌ غير مضاف ولقب يضاف الإسم إلى اللقب نحو سعيد كرز كما في المفصل . فائدة : وقد سَمُّوا ما يتَّخِذُونه ويَأْلَفُونِه من خيلهم وإبلهم وغَنَمِهم وكِلابهم بأعلام، كلُّ واحدٍ منها مختَصِّ بشخص بعينه يعرفونه به كالأعلام في الأناسي نحو اعوَج ولاحق وشَدْقم وعِلْيَان ونحوها، وما لا يَتَّخَذُ ولا يُؤْلَفُ فيحتاج إلى التمييز بين أفراده كالطير والوحش وغير ذلك، فإنَّ العَلَم فيه للجنس بأسره ليس بعضه أولى به من بعض. فإذا قلت أبو بَرَاقِش وابن دابّة وأسامة وتُعَالة فكأنَّك قلت الضرب الذي من شأنه كيت وكيت. ومن هذه الأجناس ماله اسم جنس واسم عَلَم كالأسد وأسامة والثَّعلب وتُعالة وما لا يعرف له اسم غير العَلَم نحو ابنِ مقرض وحمار قَبَّان، وقد يوضَع للجنس اسمٌ وكُنية كما قالوا للأسد أسامة وأبو الحارث، ومنها ما له اسم ولا كُنية له كقولهم قُثم للضبعان، وما له كنية ولا اسم كأبي براقش كذا في المفصّل. فائدة : ومن العَلَم ما لزم فيه اللام كالمُسَمَّى معها نحو الفرزدق وكالغالب بها نحو الصَّعق كما مَرّ، وكالعَلَم الذي تُنِّي نحو الزيدان أو جُمِعَ كالزيدون والفواطم، وكالكناية عن أعلام البَهائِم كالفلان كناية عن نحو لاحق وشدقم والفلانة كناية عن نحو خُطّة وهيلة. ومنه ما جازت اللام فيه كالعَلَم الذي كان قبل العَلَمية مصدرًا نحو الفضل، أوْ مشتقًا نحو الحارث، أو كان مُأوّلاً بواحد من جنسه أي بفرد من أفراد حقيقته الكُلِّيّة الموضوعِ لها العَلَم بالاشتراك الاتفاقي، وذلك لأنَّه لما وضعه الواضع لمُسمَّى ثم وضعه لمُسمَّى آخر صارت نسبته إلى الجميع بعد ذلك نسبةً واحدةً فأشبه رجلاً فأجري مجراه. وبهذا الاعتبار قيل: جاز اللام فيه حتى اجترئ لذلك على إضافته أيضًا نحو زيدنا. فعلى هذا الطريق لا يُنَكَّر عَلَم الجنس لأنَّ من شرطه أنْ يوجد الإشتراك في التسمية والمُسَمَّى بَعلَم الجنس واحد لا تعدُّدَ فيه، اللهم إلاَّ أنْ يوجد اسم مشترَك أطلق على نوعين مختلفين، ثم ورود الاستعمال فيه مُرادًا به واحد من المُسَمَّيَيْن به. وقيل طريق التنكير أَنْ يشتهر العَلَم بمعنّى من المعاني فيجعل العَلَم بمنزلة اسم الجنس كما في قولهم لكلِّ فرعون موسى أيَ لكلِّ جبار مُبْطِلٍ فَهَّار محق. فعلى هذا الطريق لا شُبهة في إمكان تنكير عَلَم الجنس مثل أنْ يقال فرست كلّ أسامة أي كلّ بالغ في الشجاعة كذا في العباب، وهو أي تنكير العَلم قليل كما في شرح اللب. العِلْم ١٢١٩ فائدة: إذا استعمل اللَّفظ للفظ كان عَلَمًا له ولا اتحاد إذْ الدَّال محض اللّفظ والمدلول لفظ ذو دلالة أو عديمها، وعلى هذا كان نحو جسق مما لم يوضَعْ لمعنى موضوعًا أيضًا كزيد، ويجري هذا الوضع في كلِّ لفظ موضوع اسمًا كان أو فعلاً أو حرفًا أَو مركّبًا تامًا أو غيره، أو غير موضوع ولا يثبت الإشتراك كما في المنقولات. وليس أحدهما بالنسبة إلى الآخر مجازًا بخلاف المنقولات لأنَّ وَضْعَ العَلَم لا يختصُّ بقوم دون قوم فيكون مُسمَّى العَلَم بالنسبة إلى كلّ قوم حقيقة كذا في العضدي. والعَلَم عند المهندسين عبارة عن مجموع المتمِّمَين وأحد الشَّكْلين المتوازيَين أضلاعًا اللذين يكونان بينهما أي بين المتمّمين. فالعَلَم مجموع ثلاث مربعات هكذا : أ ب ج ف د س ع هـ فمجموع المتمِّمَين وهما مرَّبع ب أ ومربع رع مع مربّع ف هـ أو مع مربَّع أف عَلَم، هكذا يُستفاد من تحرير إقليدس وحواشيه. وفي تحرير الإقليدس تعريف العَلَم مذكور بهذه العبارة - العَلَم هو مجموعُ المتَمِّمَين وأحد متوازي الأضلاع الذين بينهما. وتعريفُ المتمِّم سيأتي في المتن. العِلْم: ,Knowledge, science understanding - Savoir, science, connaissance بالكسر وسكون اللام في عرف العلماء يطلق على معان منها الإدراك مطلقًا تصوُّرًا كان أو تصديقًا، يقينيًا أو غير يقيني، وإليه ذهب الحكماء. ومنها التصديق مطلقًا يقينيًا كان أو غيره. قال السيّد السّند في حواشي العضدي: لفظ العِلْم يطلقُ على المقسم وهو مطلق الإدراك وعلى قسم منه وهو التصديق إمّا بالاشتراك بأنْ يوضَعَ بإزائه أيضاً، وإمّا بغَلَبة استعماله فيه لكونه مقصودًا في الأكثر، وإنّما يقصد التصوُّر لأجله. ومنها التصديق اليقيني. في الخيالي العِلْم عند المتكلّمين لا معنى له سوى اليقين. وفي الأطول في باب التشبيه العِلْم بمعنى اليقين في اللغة لأنه من باب أفعال القلوب انتهى. ومنها ما يتناول اليقين والتصوُّر مطلقًا. في شرح التجريد العلم يطلق تارةً ويراد به الصورة الحاصلة في الذهن ويطلق تارةً ويراد به اليقين فقط، ويطلق تارة ويراد به ما يتناول اليقين والتصوُّر مطلقًا انتهى. وقيل هذا هو مذهب المتكلِّمين كما ستعرفه. ومنها التعقُّل كما عرفت. ومنها التوهُم والتعقُّل والتخيُّل. في تهذيب الكلام أنواع الإدراك إحساس وتخيَّل وتوهُّم وتعقُّل. والعِلْم قد يقال لمطلق الإدراك وللثلاثة الأخيرة وللأخير وللتصديق الجازم المطابق الثابت. ومنها إدراك الكلّي مفهومًا كان أو حكمًا. ومنها إدراك المركّب تصوّرًا كان أو تصديقًا، وسيذكر في لفظ المعرفة. ومنها إدراك المسائل عن دليل. ومنها نفس المسائل المدلّلة. ومنها المَلَكة الحاصلة من إدراك تلك المسائل. والبعض لم يشترط كون المسائل مدلّلة وقال العِلْم يطلق على إدراك المسائل وعلى نفسها وعلى المَلَكة الحاصلة منها. والعلومُ المدوّنة تطلق أيضًا على هذه المعاني الثلاثة الأخيرة وقد سبق توضيحها في أوائل المقدّمة. ومنها مَلَكة يقتَدِرُ بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض صادرًا عن البصيرة بحسب ما يمكن فيها، ويقال لها الصناعة أيضًا كذا في المطول في بحث التشبيه. ورده السيّد السّند بأنَّ المَلَكة المذكورة المُسَمَّاة بالصناعة فإنَّما هي في ١٢٢٠ العِلْم العلوم العملية أي المتعلّقة بكيفية العمل كالطب والمنطق، وتخصيص العِلْم بإزائها غير محقّق. كيف وقد يذكر العِلْم في مقابلة الصناعة. نعم إطلاقُه على مَلَكة الإدراك بحيث يتناول العلوم النظرية والعملية غير بعيد مناسب للعُرف انتهى. إعلمْ أنَّ في العِلْم مذاهب ثلاثة الأول أنّه ضروري يتصوَّر ماهيته بالكُنْه فلا يحدّ، واختاره الرازي. والثاني أنّه نظري لكن يَعْسُرُ تحديده وبه قال إمام الحرمين والغزالي، وقالا فطريق معرفته القسمة والمثال. أمّا القسمة فهي أنْ تميّزه عما يلتبس به من الاعتقادات فنقول مثلاً الإعتقاد إمّا جازم أو غيره، والجازم إمّا مطابِق أو غير مطابِقٍ، والمطابِقِ إمّا ثابت أو غير ثابت. فقد خرج عن القسمة اعتقاد جازم مطابق ثابت وهو العِلْم بمعنى اليقين، فقد تميَّز عن الظّنّ بالجَزْم وعن الجهل المركَّب بالمطابقة وعن تقليد المصيب بالثابت الذي لا يزول بتشكيك المشكّك. قيل القسمة إنّما تميّز العِلْم التصديقي عن الاعتقادات فلا تكون مفيدةً لمعرفة مطلق العلم. أقول لا اشتباه للعلم بسائر الكيفيات النفسانية ولا العِلْم التصوُّري إنّما الاشتباه للعلم التصديقي والقسمة المذكورة تميّزه عنهما فحصل معرفة العِلْم المطلق. وأمّا المثال فكأنْ يُقال العِلْم هو المشابِه لإدراك الباصِرة، أو يُقال هو كاعتقادنا أنَّ الواحد نصف الاثنين. والثالث أنّه نظري لا يعسُر تحديده وذكر له تعريفات. الأول للحكماء أنّه حصول صورة الشيئ في العقل. وبعبارة أخرى أنّه تمثّل ماهية المُدْرَك في نفس المُذْرِك، وهذا مبني على الوجود الذهني. وهذا التعريف شامل للظّنّ والجهل المركَّب والتقليد والشكّ والوَهْم. وتسميتها عِلْمًا يخالف استعمال اللّغة والعرف والشرع، إذْ لا يطلقُ على الجاهل جهلاً مرَّبًا ولا على الظَّان والشاكَ والواهم أنّه عالِم في شيئ من تلك الاستعمالات. وأمّا التقليد فقد يطلقُ عليه العلم مجازًا ولا مشاحة في الاصطلاح. والمبحوث عنه في المنطق هو العلمُ بهذا المعنى لأنّ المنطق لما كان جميع قوانين الاكتساب فلا بُدّ لهم من تعميم العِلم. ثم العلمُ إنْ كان من مقولة الكيف فالمُراد بحصول الصورة الصورة الحاصلة. وفائدة جعله نفس الحصول التنبيه على لزوم الإضافة، فإنّ الصورة إنّما تُسمَّى عِلمًا إذا حصلت في العقل، وإنْ كان من مقولة الإنفعال فالتعريف على ظاهره لأنَّ المراد بحصول الصورة في العقل اتصافه بها وقبوله إياها . اعلمْ أنَّ العلمَ يكون على وجهين أحدهما يسمَّى حصوليًا وهو بحصول صورة الشيء عند المُدْرِك ويسمَّى بالعلم الانطباعي أيضًا لأنَّ حصول هذا العلم بالشيئ إنّما يتحقّق بعد انتقاش صورة ذلك الشيئ في الذهن لا بمجرَّد حضور ذلك الشيء عند العالِم، والآخر يُسمَّى حضوريًا وهو بحضور الأشياء أنفسها عند العالِم كعلمنا بذواتنا والأمور القائمة بها. ومن هذا القبيل عِلمُه تعالى بذاته وبسائِر المعلومات. ومنهم مَنْ أنكر العِلمَ الحضوري وقال إنَّ العلمَ بأنفسنا وصفاتنا النفسانية أيضًا حصولي، وكذلك عِلمُ الواجب تعالى. وقيل عِلمُه تعالى بحصول الصورة في المجرَّدات فإنْ جعل التعريف للمعنى الأعم الشامل للحضوري والحصول بأنواعه الأربعة من الإحساس وغيره وبما يكون نفس المدرَك وغيره، فالمراد بالعقل الذات المجرّدة ومطلق المدرَك وبالصورة ما يعمّ الخارجية والذهنية أي ما يتميَّزُ به الشيئ مطلقًا،" وبالحصول الثبوت والحضور سواء كان بنفسه أو بمثاله، وبالمغايرة المستفادة من الظرفية أعمّ من الذاتية والاعتبارية، وبفي معنى عند كما اختاره المحقّق الدواني. ولا يخفى ما فيه من التكلّفات البعيدة عن الفهم. وإنْ جَعَلَ التعريف للحصولي كان التعريف على ظاهره. والمُراد بالعقل قوة العلم ١٢٢١ للنفس تدرك الغائبات بنفسها والمحسوسات بالوسائط، وبصورة الشيئ ما يكون آلةً لامتيازه سواء كان نفس ماهية الشيئ أو شبحًا له، والظرفية على الحقيقة. إعلمْ أنَّ القائلين بأنَّ العلمَ هو الصورة فرقتان. فرقة تدّعي وتزعم أنّ الصُور العقلية مُثُل وأشباح للأمور المعلومة بها مخالفة لها بالماهية، وعلى قول هؤلاء لا يكون للأشياء وجود ذهني بحسب الحقيقة بل بحسب المجاز، كأن يقال مثلاً النار موجودة في الذهن ويُراد أنّه يوجد فيه شبح له نسبة مخصوصة إلى ماهية النار، بسببها كان ذلك الشبح عِلْمًا بالنار لا بغيرها من الماهيات، ويكون العِلْم حينئذ من مقولة الكَيْف ويصيرُ العلم والمعلوم متغايرين ذاتًا واعتبارًا. وفرقة تدَّعي أنَّ تلك الصورة مساوية في الماهية للأمور المعلومة بها، بل الصور هي ماهيات المعلومات من حيث إنّها حاصلة في النفس، فيكون العلم والمعلوم متَّحِدَين بالذات مختلِفَين بالاعتبار. وعلى قول هؤلاء يكون للأشياء وجودان خارجي وذهني بحسب الحقيقة. والتعريف الثاني للعلم مبني على هذا المذهب. وعلى هذا قال الشيخ؛ الإدراك الحقيقة المتمثِّلة عند المُدْرِك. والثاني لبعض المتكلمين من المعتزلة أنّه اعتقاد الشيئ على ما هو به، والمُراد بالشيئ الموضوع أو النسبة الحكمية أي اعتقاد الشيئ على وجه ذلك الشيئ متلبّس به في حَدِّ ذاته من الثبوت والانتفاء. وفيه أنّه غير مانع لدخول التقليد المطابق فزيد لدفعه عن ضرورة أو دليل أي حال كون ذلك الاعتقاد المطابق كائنًا عن ضرورة أو دليل واعتقاد المقلّد، وإنْ كان ناشئًا عن دليل لأنَّ قول المجتهد حجة للمقلّد إلاَّ أنَّ مطابقته ليست ناشِئة عن دليل، ولذا يقلده فيما يصيب ويخطئ، لكنه بقي الّنّ الصادق الحاصل عن ضرورة أو دليل ظنّ داخلاً فيه، إلاَّ أنْ يخصّ الإعتقاد بالجازم اصطلاحًا. ويرد أيضًا عليهم خروج العِلم بالمستحيل فإنّه ليس شيئًا اتفاقًا، ومَنْ أنْكَر تعلّق العِلم بالمستحيل فهو مكابِر للبديهي ومناقِض لكلامه، لأنَّ هذا الإنكار حكم على المستحيل بأنّه لا يعلمُ فيستدعي العِلم بامتناع الحكم على ما ليس بمعلوم، إلاّ أنْ يقال المستحيل شيء لغةً ولو مجازًا، وفيه أنّه يلزمُ حينئذ استعمال المجاز في التعريف بلا قرينة. وأيضًا يرد عليهم خروجٍ العِلم التصوُّري لعدم اندراجه في الاعتقاد فإنّه عبارة عن الحكم الذهني. والثالث للقاضي أبي بكر الباقلاني أنَّه معرفة المعلوم على ما هو به فيخرج عنه عِلم الله تعالى إذْ لا يسمَّى علمه معرفة إجماعًا لا لغةً ولا اصطلاحًا مع كونه معترِفًا بأنَّ الله تعالىُ عِلمًا حيث أثبت له تعالى علمًا وعالمية وتعلُّقًا إمّا لأحدهما أو لكليهما كما سيجي، فيكون العِلمُ المطلقُ مشتركًا معنويًا عنده بين عِلْمِ الواجب وعلم المُمكن، فلا بُدَّ من دخوله في تعريف مطلق العِلم بخلاف المعتزلة فإنّهم لا يعترفون العلم الزائد ويقولون إنَّه عين ذاته تعالى. فلفظ العِلم عندهم مشتَرَك لفظي، فالتعريف المذكور يكون لمطلق العلم الحادث إذْ لا مطلقَ سواه، ولذا لم يورد النقض عليهم بعلمه تعالى وأيضًا ففيه دَوْرٌ إذْ المعلوم مشتق من العلم ومعناه ما من شأنه أنْ يُعْلَمَ أي أنْ يتعلَّق به العِلم، فلا يعرف إلاَّ بعد معرفته. وأيضًا فقيد على ما هو به قيد زائد إذْ المعرفة لا تكون إلاّ كذلك لأنَّ إدراك الشيئ لا على ما هو به جَهالة لا معرفة، إذْ لا يقال في اللغة والعرف والشرع للجاهل جهلاً مركّبًا أنّه عارف. كيف ويلزم حينئذ أنْ يكون أجهل الناس أعرفهم. والرابع للشيخ أبي الحسن الأشعري فقال تارةً بالقياس إلى متعلّق العِلم هو إدراك المعلوم على ما هو به وفيه دَوْر، وتارةً بالقياس إلى محلّ العِلم هو الذي يوجِبُ كون مَنْ قام به عالِمًا وبعبارة أخرى هو الذي يوجبُ لمَنْ قام به ١٢٢٢ العِلْم اسم العالِم وفيه دَوْر أيضًا. وأيضًا الإدراك مجاز عن العِلم والمجاز لا يستعمل في الحدود. فإنْ أجيبَ بأنَّ الإدراك عند المنطقيين مشتَهَر في العِلم بالمعنى المقابل للظّنّ والشكّ والجهل والتقليد والمجاز المشهور حقيقة عرفية فيصحّ استعمالُه. قلنا لم يندفع بذلك تعريف الشيئ بنفسه فكأنَّه قيل هو علم المعلوم، وأيضًا فيه زيادة قيد على ما هو به فإنَّ المعلوم لا يكون إلاَّ كذلك. الخامس لابن فورك أنّه ما يصح لمَنْ قام به اتقان الفعل أي إحكامه وتخليته عن وجوه الخَلَل، فإنْ أراد ما يستقلّ بالصّحة فهو باطل قطعًا، وإنْ أراد ماله مَدْخَلٌ فيها فيُدْخِلُ القدرة في الحَدّ ويخرج عنه علمنا إذْ لا مدخلَ له في صحة الاتقان على رأينا، إذْ معنى الاتقان الإيجاد على وجه الإحكام، وأفعالُنا ليست بإيجادنا. ولو سلَّم ذلك يرد عليه عِلم أحدنا بنفسه وبالباري تعالى وبالمستحيل فإنَّ ما تعلَّق به هذا العِلم ليس فعلاً ولا مما يصحُّ إتقانه. واعلمْ أنَّ التقليد والّنّ لا يدخلان في هذا التعريف وكذا الشَّك والوهم لأنَّ اتقان الفعل وتخليته عن وجوه الخَلَل إنَّما يتصَوَّر إذا كان عالِمًا بالمفاسد والمصالح علمًا يقينًا تفصيليًا . ولذا استدلُّوا بإتقان العالِم على علمه تعالى، ولهم عبارات قريبة من هذه العبارات كأن يقال تبيين المعلوم على ما هو به أي كشفه وتمييزه، وفيه الزيادة المذكورة والدَّوْر وأنَّ التبيين مُشْعِرٌ بالظهور بعد الخفاء، فيخرج علمه تعالى. أو يقال هو اثبات المعلوم على ما هو به، وفيه الزيادة والدَّور وانه يلزم أن يكون العالم منا بوجوده تعالى مثبِتًا له تعالى وهو محال. أو يقال هو الثقة بأنَّ المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة والدَّور، وأنّه يوجب كون الباري تعالى واثقًا بما هو عالم به وذلك مما يمتنع إطلاقه عليه شرعًا. السادس للإمام الرازي أي على تقدير تسليمه أنَّ العِلم نظري وهو اعتقاد جازِمٌ مطابِقٍ لموجِب إمّا ضرورةً أو دليل أي يكون ذلك الإعتقاد المقيَّد بالجَزْم والمطابقَة ناشئًا عن ضرورة أو دليل فبقيد الجزم خرج الجهل المركّب وتقليد المصيب. فإنَّ الاعتقاد وإنْ كان ناشئًا عن الدليل من قول المقلّد لكن مطابقته ليست ناشِئةً منه بل اتفاقي، وقد مَرَّ ولا يردّ على هذا النقض بعلمه تعالى لأنَّ الإمام اختار في المطالب العالية نفي العلم عنٍ ذاته تعالى وأثبت له العالمية التي فسَّرها بالتعلّق بين العالِم والمعلوم، لكنه يخرج عنه التصوُّر لعدم كونه اعتقادًا مع أنّه عِلم. يقال علمت حقيقة الإنسان وعلمت معنى المثلّث. السابع وهو المختار من بين تعريفاته عند المتكلّمين لبرائه عمَّا ذكر من الخَلَل في غيره وتناوله للتصوُّر مع التصديق اليقيني أنّه صفة توجب تمييزًا بين المعاني لا يحتمل النقيض والصفة وهي ما يقوم بغيره، فيتناول العلم وغيره. وبقوله توجب تمييزًا أي توجب لمحلّها الذي هو النفس تمييزه لشيئ لأنَّ التمييز المتفرّع على الصفة إنّما هو له لا للصفة، خرج الصفات التي توجب لمحلها التميّز فقط لا التمييز وهي ما عدا الصفات الإدراكية فإنَّ القدرة توجِبُ كون محلها متميزًا عن العاجز لا كون محلها مميزًا لشيئ بخلاف الصفات الإدراكية فإنّها توجب لمحلها التمييز للأشياء والتميز عن الأشياء معًا. وبقوله بين المعاني أي ما ليس من الأعيان المحسوسة بالحسّ الظاهر خرج إدراك الحواس الظاهرة، وهذا عند مَنْ يقول إنّه ليس بعلم بل إدراك مخالِفٌ لماهية العلم يحصل بالحواس وأمّا مَنْ يقول بكونه قسمًا من العلم كالشيخ الأشعري فيترك هذا القيد من التعريف. ثم منهم مَنْ نفى الحواس الباطنة وقال النفس مدرٍكة للجزئيات المعنوية فلم يقيّد المعاني بالكلّية كما في هذا التعريف، فعلى هذا يشتمل العِلم التعقّل والتوهّم والتخيُّل كما لا يخفى. ومنهم مَنْ أثبتها فقيّدها العِلْم ١٢٢٣ بها إخراجًا لإدراك الحواس الباطنة فإنّه إدراك المعاني الجزئية ويُسمَّى ذلك الإدراك تخيُّلاً وتوهُّمًا. فالعلم عنده بمعنى التعقُّل، وبقوله لا يحتمل النقيض أي لا يحتمل ذلك الشيئ المتعلّق نقيض ذلك التمييز بوجه من الوجوه خرج الظّنّ والشكّ والوَهْم لأنّها توجِب لمحلّها تمييزًا يحتمل النقيض في الحال، وكذا الجهل المركّب والتقليد فإنّهما يوجبان تمييزًا يحتمل النقيض في المآل. أمّا في الجهل فلأنَّ الواقع يخالفه فيجوز أنْ يطلع عليه، وأمّا في التقليد فلعدم استناده إلى موجِبٍ من حِسِّ أو بديهة أو عادة أو برهان، فيجوز أن يزول بتقليد آخر. قيل فيه أنَّ إخراج الشكّ والوَهْم من التعريف مما لا يعرف وجهه لأنَّ كلاهما تصوُّران على ما بيّن في موضعه، والتصوُّر داخل في التعريف بناءً على أنْ لا نقيض للتصوُّر أصلاً وسجيئ تحقيقه في لفظ النقيض فلا وجه لإخراجه، بلْ لا وجهَ لصحته أصلاً. قلت الشكّ والوَهْم من حيث إنّه تصوّر للنسبة من حيث هي هي لا نقيضَ له، وهُما بهذا الاعتبار داخلان في العِلم. وأمّا باعتبار أنّه يلاحظ في كلِّ منهما النسبة مع كلّ واحد من النفي والإثبات على سبيل تجويز المساوي والمرجوح. ولذا يحصل التردُّد والاضطراب فله نقيض، فإنَّ النسبة من حيث يتعلَّق بها الإثبات تناقضها من حيث يتعلَّق بها النفي، وهما بهذين الاعتبارين خارجان عن العِلم صرَّح بهذين الاعتبارين السيّد السّند في حاشية العضدي. ثم إنْ كان المعرِّف شامِلاً العِلم الواجب وغيره يجب أنْ يراد بالإيجاب أعمّ سواء كان بطريق السببية كما في علم الواجب أو بطريق العادة كما في علم الخلق، وإنْ كان المعرِّف علم الخلق يجب تخصيصه بالإيجاب العادي على ما هو المذهب من استناد جميع الممكنات إلى الله تعالى ابتداءً، فالمعنى أنَّ العلم صفةٌ قائمة بالنفس يخلق الله تعالى عقيب تعلّقها بالشيئ أنْ يكون النفس مميزًا له تمييزًا لا يحتمل النقيض. فعلى هذا الضمير في لا يحتمل راجع إلى المتعلّق الدال عليه لفظ التمييز فإنَّ التمييز لا يكون إلاَّ بشيئ. فعدم الاحتمال صفة لمتعلّقه وإنّما لم يكن راجعًا إلى نفس التمييز لأنّه إنْ كان المراد به المعنى المصدري أعني كون النفس مميزًا فلا نقيض له أصلاً لا في التصوُّر ولا في التصديق، وإنْ كان ما به التمييز أعني الصورة في التصوُّر والنفي والإثبات في التصديق فلا معنى لاحتماله نقيض نفسه إذْ الواقع لا يكون إلاّ أحدهما مع مخالفته لما اشتهر من أنَّ اعتقاد الشيئ كذا، مع العلم بأنَّه لا يكون إلاَّ كذا علم ومع الإحتمال بأنَّه لا يكون كذا ظَنّ، فإنَّه صريح في أنَّ المتعلّق أعني الشيئ محتمل، ثم المتعلّق للصورة الماهية وللنفي والإثبات الطرفان. ثم المُراد بالنقيض إمّا نقيض المتعلّق كما قيل وحينئذ المراد بالتمييز إمّا المعنى المَصْدَري، فالمعنى صفة توجِبُ لمحلِّها أنْ يكشف لمتعلِقها بحيث لا يحتمل المتعلّق نقيضه، وحينئذ يكون الصفة نفس الصورة والنفي والإثبات لا ما يوجِبها أو ما به التمييز، وحينئذ تكون الصفة ما يوجِبها. ولا يخفى ما فيه لأنَّ الشيئ لا يكون محتَمِلاً لنقيضه أصلاً من الصورة والنفي والإثبات كما مَرّ، إذْ الواقع لا يكون إلاّ أحدهما فلا وجْهَ لذكره أصلاً، إلاَّ أنْ يقال المتعلّق وإنْ لم يكن محتمِلاً لنقيضه في نفس الأمر لكن يحتمله عند المدْرَك بأنْ يحصل كلٌّ منهما بذل الآخر، وهذا غير ظاهر. وإمّا نقيض التمييز كما هو التحقيق كما قيل أيضًا وحينئذ إمّا أنْ يُراد بالتمييز المعنى المصدري وهو حاصل التحرير الذي سبق وهذا أيضًا بالنظر إلى الظاهر لأنَّ التمييز بالمعنى المصدري ليس له نقيض يحتمله المتعلّق أصلاً، وإمّا ما به التمييز وهذا هو التحقيق الحقيقي. فخلاصة التعريف أنَّ العِلْم أمرٌ قائم بالنفس