Indexed OCR Text

Pages 141-160

١١٨٤
العِضادة
والنقل، أمّا العقل فلأنه لو كان كذلك لمَا
استحقَّ صاحبُها المَدْحِ على عِصْمته ولامتنع
تكليفُه وبطلَ الأمر والنهي والثوابُ والعقابُ.
وأما النقل فلقوله تعالى ﴿قل إنّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم
يوحى إليَّ﴾ (١)، فإنّ الآية تدلُّ على أنَّ النبي
مثل الأمة في جواز صدور المعصية عنه.
فائدة:
اختلف في عِصْمة الملائكة. فللنَّافِي وجوهٌ
منها قوله تعالى ﴿قالوا أتجعلُ فيها مَنْ يفسِدُ
فيها﴾(٢)، الآية إذْ في هذا القول منهم غيبة لمَنْ
يجعله الله خليفةً بذكر مثالِبه. وفيه العُجْب
وتزكيةُ النفس. وللمُثْبِتِ أيضًا وجوهٌ منها قوله
تعالى: ﴿لَا يَعْصَونَ اللهَ ما أمَرَهم ويفعلونَ ما
يُؤمَرون﴾(٣)، ولا قاطِعَ فيه أي في هذا
المبحث، والغاية الّنّ.
فائدة :
أجمع أهلُ المِلَلِ والشَّرائع كلّها على
وجوب عِصْمة الأنبياء عن تعمُّدِ الكَذِب فيما دلَّ
المعجزةُ على صدقهم فيه كدعوى الرِّسالة وما
يبلِّغونَه من الله إلى الخلائِقِ. وفي جواز صدور
الكَذِب عنهم فيما ذُكِر سهوًا ونسيانًا خلاف.
فمنعه الاستاذ أبو اسحق وكثير من الأئمة،
وجَوَّزه القاضي. وأما ما سوى الكَذِب في
التبليغ من الكفر وغيره، فالكفر اجتمعت الأمة
على عِصْمتهم عنه قبل النُّبُوَّة وبعدها. ولا
خلاف لأحدٍ منهم في ذلك إلاّ أنَّ الأزارقة من
الخوارج جَوَّزوا عليهم الذَّنْبَ، وكلُّ ذَنْبِ
عندهم كفر، فلزم لهم تجويز الكفر. بل يُحكى
عنهم بجواز بِعثة نبيّ عَلِمَ الله تعالى أنَّه يكفرُ
بعد نبوَّتِه. نعوذ بالله من هذا القول الباطل.
وأمّا غير الكفر فإمّا كبائر أو صغائر، وكلّ
منهما إمّا عمدًا أو سهوًا. أمّا الكبائر عمدًا
فمنعه الجمهور من المحقّقين والأئمة إلاّ
الحَشْوِيّة، والأكثر على امتناعه سَمْعًا. وقالت
المعتزلة بل عقلاً. وأمَّا سهوًا فجوَّزَه الأكثرون
والمختار خلافه. وأمَّا الصغائر عمدًا فجوَّزه
الجمهور إلاّ الجََّّائي فإنّه لم يُجوِّزْ ظهورُ صغيرة
إلاّ سهوًا، وهذا فيما ليس من الصَّغائر الخسيّة،
وهي ما يلحقُ بها فاعلها بالأراذل والسَّفَلَة
ويُحكَمُ عليه بالخِسّة ودَناءَة الهِمّة كسرقة حبّة أو
لقمة. وأمّا صدور الصغائر سهوًا فهو جائز
اتفاقًا من أكثر الأشاعرة وأكثر المعتزلة إلاّ
الصغائر الخسّية. وقال الجاحظ يجوز صدورُ
غير الصغائر الخَسِية سهوًا بشرط أنْ يُنَبَّهُوا عليه
فيتنبّهوا عليه، وقد تبعه كثير من المتأخِّرين من
المعتزلة كالنِّظَام والأصمّ وجعفر بن بشرويه.
ويقول الأشاعرة هذا كله بعد الوحي والنبوّة،
وأما قبل ذلك فقال أكثر أصحابنا لا يمتنعُ أنْ
يصدُرَ عنهم كبيرةٌ. وقال أكثر المعتزلة يمتنعُ
الكبيرة وإنْ مآبٌ منها. وقالت الروافض لا
يجوز عليهم صغيرة ولا كبيرة لا عمدًا ولا
سهوًا ولا خطأً في التأويل، بل هم مبرّءون عنها
بأسرها قبل الوحي وبعده. وإن شئت الزيادة
فارجع إلى شرح المواقف وشرح الطوالع. إعلمْ
أنَّ العِصْمة المُؤثِمة عند الفقهاء هي عِصْمة نفس
من القتل حقًّا لله تعالى، والعِضمة المقوَّمة هي
عِصْمة نفس من القتل حقًّا للعبد، كذا في جامع
الرموز في كتاب الجهاد في بيان الأراضي
العشرية والخَراجية .
العِضادة: Alidade - Alidade
في علم الإسطرلاب: عبارة عن جسم
يُرْبَطُ على سطح الحجرة، وعند الحاجةً
(١) فصلت/ ٦
(٢) البقرة/ ٣٠
(٣) التحريم/ ٦

١١٨٥
العضو
يحرّكونه. وحينئذٍ إذا كانت العضادة هكذا.
بحيث يضعون شظية الإرتفاع على خطّ العلاقة
فالعضادة تكون منصِّفةً لسطح ذلك. ويقال لتلك
العضادة العضادة التامة. وأَمَّا إذا كانت على
نحوٍ بحيث ينطبق طرقها على الخط، فتلك
العضادة تسمَّى المحرفة. والشظية هي الطرف
الدقيق للعضادة. والعِضادة بكسر العين وتخفيف
الضاد المعجمة مأخوذة من عِضاد في الباب،
وهما قطعتان من الخشب على شكل مسطرتين
من كلا جانبي الباب.
وقال بعضهم: بفتح العين وتشديد الضاد،
وهي مشتقة من العَضُد بمعنى المساعدة، لأَنَّها
تساعد المنجّم في أعمال الإسطرلاب. كذا ذكر
عبد العلي البرجندي في شرح العشرين باب.
ويقول في منتخب اللغات: عُضادة بالضم: خشبة
الباب، وهي التي تُسمَّى عَضُد الباب. وبالكسر
هي الكِيّة على عضد البغال(١).
العَضْب: Suppression of a syllable (in
prosody) - Suppression d'une syllable (en
Iprosodie)
بالفتح وسكون الضاد المعجمة عند أهل
العروض هو خرم مفاعلتن سالِمًا، والخرم
إسقاط أول الوتد المجموع كذا في رسالة قطب
الدين السرخسي. وفي بعض الرسائل الخرم
إسقاط أول متحرّك من الوتد المجموع إذا كان
الجزء صدر البيت .
العَضَلة: Muscle - Muscle
بفتح العين والضاد المعجمة هي كلُّ عضو
معها لحم كذا في القاموس. وفي المقاصد(٢)
هي عضو مركّب من العَصَب ومن جسم شبيه
بالعَصَبِ ينبتُ في أطراف العظام ويسَمَّىَ رباطًا
انتهى. وفي العلمي حاشية هداية الحكمة هي
جسم مركَّب من العَصَب والرباط واللحم. وفي
بحر الجواهر هي جسم مركّب من العَصَب
والرباط واللحم الأحمر والغشاء. وعضلة مكررة
والعضلة المكرَّرة هي عضلتان مائلتان تنبسطان
بالفم. وعضلتا الظّهر هما عضلتان تجعلان
الظهر يميلُ إلى الخلف فيصبح اثنين. والعضلتان
العريضتان هما عضلتان على الوجه من جانبين
تتصل بهما الشفة أثناء حركتها. ويقول صاحب
الذخيرة: إِنَّ عدد عضلات بدن الإنسان خمسماية
وخمسة عشر على أصحّ الأقوال. ويقول الشيخ
الرئيس إنَّها خمسمائة وتسعة وعشرون(٣).
العُضْو : - Limb, member, organ
Membre, organe
بالضم والكسر وسكون الضاد المعجمة لعة
اندام، الأعضاء الجمع. وعرّف الأعضاء بأنها
أجسام كثيفة متولّدة من أول مزاج الأخلاط.
(١) در علم اسطرلاب عبارتست از جسمیکه بر پشت حجره بسته باشند ودر وقت حاجت آنرا حرکت دهند یس اگر عضاده چنان
باشد که چون شطیّه ارتفاع بر خط علاقة نهند خط علاقه منصف سطح آن عضاده باشد آن عضاده را عضادة تام گویند واگر
بر وجهي باشد كه طرف او بر خط منطبق بود آنرا عضاده محرف خوانند وشظیّه طرف باريك عضاده راگويند وعضاده بكسر
عین وتخفيف ضاد معجمه ماخوذاست از عضادتي الباب وآن دو چوب باشد بر شكل دو مسطره از دو جانب در وبعضي
گفته اندکه بفتح عین وتشدید ضاد است مشتق از عضد بمعنی یاري دادن چه یاري دهنده است مر منجم رادر اعمال
اسطرلاب كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح بيست باب. ودر متنخب اللغات ميگويد عُضاده بالضم چوب طرف
در که آنرا بازوي در گویند وبالکسر داغی که بر بازوي ستور کشند.
(٢) المقاصد الجلالية في المسائل الطبية. حاجي خليفة، كشف الظنون ١٧٧٩/٢ .
(٣) دو عضله کچ اندکه بآن دهان گشاده شود وعضلتا الظهر دو عضله است كه پشت را بجانب خلف دوتا ميكند وعضلتان
عريضتان دو عضله است بر رخساره ازهر جانب یکي بعضي از حر کتهاي لب باین دو عضله است. صاحب ذخیره گوید عدد
عضلهای بدن آدمي بقول اصح پانصد وپانزده است وشیخ گوید که پانصد وبیست ونه است.

١١٨٦
العطاء
فبقيد الكثيفة خرج الأرواح. وبقيد متولّدة الخ
خرج الأخلاط والأجرام الفلكية والمعادن
والنباتات. والمراد من الأخلاط الأخلاط
المحمودة ليخرج الوَسخ والرَّمص. والمراد من
مزاج الأخلاط ممزوجها، كما يُراد بالخلق
المخلوق. والشيئ الذي يحدث من أول امتزاجٍ
الأخلاط هو الرطوبات الثانية، فالمعنى أنَّ
الأعضاء أجسام كثيفة متولّدة من أول ممتزجٍ من
الأخلاط المحمودة أي الرطوبة الثانية" بعد
استحالات، كما يجيئ بيانها في لفظ الهضم.
والتولُّد منها قد يكون بلا واسطة كالأعضاء
الآلية أي المركَّبة، وهذا التولُّد مثل تولّد
الأخلاط من أول مزاج الأركان أي من أول
ممتزِج منها وهو النبات إمّا بلا واسطة
كالأخلاط المستحيلة عن النبات أو بواسطة
كالمستحيلة من الأغذية الحيوانية كاللحم.
التقسيم :
الأعضاء إمَّا رئيسة أو غير رئيسة. فالرئيسة
هي التي تكون مبادي للقوى محتاجًا إليها في
بقاء الشخص، وهي القلبُ إذْ هو مبدأ قوة
الحيوة، والدماغُ إِذْ هو مبدأ قوة الحِسّ
والحركة، والكبدُ لأنّه مبدأ قوة التغذية؛ أو في
بقاء النوع وهي هذه الثلاثة مع رابع وهو
الأنثيان. وغير الرئيسة تنقسم إلى خادمة الرئيسة
وغير خادمها، والأولى هي ما لا يكون مبدأ
ولكن تكون معيَّنَةً ومؤدية كالأعصاب للدماغ
والشرايين القلب والأوردة للكبد وأوعية المني
للأنثيين، والثانية تنقسم إلى مرؤوسة وغير
مرؤوسة. فالمرؤوسة هي التي لا تكون مبدأً ولا
معيَّنة بل يجري إليها القوى من الأعضاء الرئيسة
كالكِلىُ والمَعِدة والطّحال والرِّئة، وغير
المرؤوسة هي التي لا تكون رئيسة ولا خادمةً
لها ولا مرؤوسة، فهي التي تختصُّ بقوى
غريزية، ولا يجري إليها من الأعضاء الرئيسة
قوى أخرى كالعظام والغضاريف، فظهر أنَّ
بعض الأعضاء مُعطى وبعضها قابل وبعضها قابل
ومُعطى وبعضها لا مُعطى ولا قابل كذا في
شرح الفانونچه. وفي بحر الجواهر الخادمة
للرئيسة هي التي ينتفي فيها المبدئية دون
الإعانة. وأمّا المرؤوسة بلا خدمة فهي التي
ينتفي فيها الأمران دون القبول والأعضاء الغير
المرؤوسة ولا الرئيسة فهي التي ينتفي فيها
الأمور الثلاثة، والأعضاء الخادمة تُطلقُ على
كلّ ما يتمُّ به عمل آخر وهو إمّا أنْ يخدم خدمة
مهيّئة وهي تتقدَّم فعل الرئيس وتُسمَّى منفعة وإمّا
أنْ يخدمَ خدمة مؤدِّيَّة وهي تتأخّرُ عن فعله
ويُسمَّى خدمة على الإطلاق انتهى. وأيضًا تنقسم
إلى بسيطة ومركّبة. فالبسيطة وتسَمَّى بالمُفَردة
والمتشابه الأجزاء أيضًا هي التي أيّ جزء
محسوس أخذ منها كان مشارِكًا للكلّ في الحَدّ
والإسم كالعظم والعَصَب ونحو ذلك. وقيد
المحسوس احتراز عن الأجزاء العنصرية الغير
المحسوسة. والمركَّبة وتُسمَّى آليةً أيضًا بخلافها
كاليد والرأس. إنْ قلت الشريان بسيط مع أنَّ
قطعته الصغيرة جدًا بحيث لا يكون فيها تجويف
لا تُسمَّى شريانًا. قلت لا يقال لهذه القطعة جزء
شريان لأنَّ الشريان هي المشتمل على شكلٍ له
تجويف. ثم الاعضاء الأصلية هي الأعظام
والأعصاب والعروق. وقيل هي التي تتولّد من
المني، والأعضاء الطرفية هي الواقعة في أطراف
البدن، وأعضاء الغذاء هي المَعِدة والكَبِد
والطّحال، وأعضاء التناسل الخصيتان مع
العروق المتّصلة بهما .
العطاء : Gift, pay - Don, solde, paie
بالفتح وتخفيف الطاء يقارب الرِّزق إلاّ أنّ
الفقهاء فرَّقوا بينهما. فقيل الرِّزق ما يخرجُ من
بيت المال للجندي مثلاً كلّ شهر، والعطاء ما
يخرجُ له في كلّ سنة مرةً أو مرتين. وعن
الحلواني العطاء ما يخرجُ كلّ سنة أو شهر

١١٨٧
العَطْف
والرِّزق يومًا بيوم. وفي شرح القدوري(١):
العطاء ما يُفرض للمقاتلين والرّزق ما يجعلُ
لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتِلة كذا في
المغرب، هكذا في البرجندي في كتاب الجهاد
في ذكر الجزية، والعَطِيّة مرادِف العطاء. وفي
جامع الرموز الرِّزق يقال للعطاء الجاري دنيويًا
أو دينيًا وللنصيب ولِما يصلُ إلى الجوف
ويتغذى به. وفي فصل العاقِلة(٢) العطاءَ ما
فُرِضَ الإنسان في بيت المال في كلّ سنةٍ لا
لحاجته، والرِّزق ما فُرِضَ له بقدْرٍ حاجته،
والكفاية ما فُرِضَ له كلَّ شهر أو يومٍ مما يكفيه
كما في الكرماني. وفي الظهيرية أنَّ العَطِية ما
فُرِضَ للمقاتَلة والرِّزق ما لغيرهم من فقراء
المسلمين، فإنْ اجتمع العَطِية والرّزق في أحد
أخذ الدّية من العَطية كما في الاختيار انتهى.
العَطْف : .Inflexion, conjunction
coordination - Inflexion, conjonction,
coordination
بالفتح وسكون الطاء المهملة في اللغة
الإمالة. وعند النحاة يُطلق على المعنى
المصدري وهو أنْ يميل المعطوف إلى المعطوف
عليه في الإعراب أو الحكم كما وقع في
المكمل(٣)، وعلى المعطوف وهو مشترك بين
معنيين الأول العطف بالحرف ويسمَّى عطف
النَّسق بفتح النون والسين أيضًا لكونه مع متبوعه
على نسق واحد، وهو تابع يقصد مع متبوعه
متوسطًا بينهما إحدى الحروف العشرة، وهي
الواو والفاء وثم وحتى وأو وأمّا وأمْ ولا وبَلْ
ولكن، وقد يجيئ إلاّ أيضًا على قلّة كما في
المغني. والمراد بكون المتبوع مقصودًا أنْ لا
يذكر لتوطئة ذكر التابع، فخرج جميع التوابع.
أمّا غير البَدَل فلعدم كونه مقصودًا. وأمّا البَدَلَ
فلكونه مقصودًا دون المتبوع. ولا يخرج
المعطوف بلا وبل ولكن وأمْ وأمّا وأوْ لعدم
كون متبوعه مذكورًا توطئة. وقيد التوسّط لزيادة
التوضيح لأنَّ الحَدَّ تام بدونه جمعًا ومنعًا هكذا
في شروح الكافية؛ إلاّ أنَّهم زادوا قيد النسبة
فإنهم قالوا هو تابع مقصود بالنسبة مع متبوعه
لأنَّهم أرادوا تعريف نوع منه وهو عطف الإسم
على الإسم. وأمّا نحن فأردنا تعريفه بحيث
يشتملُ غيره أيضًا كعطف الجملة على الجملة
التي لا محلَّ لها من الإعراب لظهور أنَّ التابع
هناك غير مقصود بالنسبة مع متبوعه، إذْ لا نسبة
هناك مع المتبوع، كما وقع في الهداد.
التقسيم
في المغني العطف ثلاثة أقسام. الأول
العطف على اللفظ وهو الأصل، نحو ليس زيد
بقائم ولا قاعد بالجر، وشرطه إمكان توجّه
العامل إلى المعطوف. فلا يجوز في نحو ما
جاءني من امرأة ولا زيدٌ إلّ الرفع عطفًا على
الموضع لأنَّ مِنْ الزائدة لا تعمل في المعارف.
والثاني العطف على المحلّ ويسمَّى بالعطف
(١) القدوري مختصر في فقه الحنفية، سمّي باسم مؤلفه وهو العلامة أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعفر بن حمدان البغدادي
المعروف. بالقدوري الحنفي (- ٤٢٨هـ). أما شرح القدوري فللزاهدي، نجم الدين ابو الرجاء مختار بن محمود بن محمد
الزاهري القزويني (- ٦٥٨هـ) سلسلة فهارس الكتبات الخطية النادرة، فهرس كتب المكتبة الازهرية ١٣٦٤ هـ/ ١٩٤٥ م،
١٣٦٥ هـ/ ١٩٤٦ م طبعة الأزهر، ج ١٩٣/٢، ٢٣٥.
(٢) فصل أو باب معروف في بعض كتب الفقه.
(٣) المكمل في شرح المفصل، الشرح لمظهر الدين محمد من علماء القرن السابع الهجري على المفصل لأبي القاسم محمود بن
عمر الزمخشري (- ٥٣٨هـ) وقد فرغ من تأليفه أي الشرح عام (٦٥٩ هـ)
كشف الظنون ١٧٧٦/٢، فهرس الكتب العربية بدار الكتب المصرية لغاية ١٩٢٥م، طبع ١٣٤٥ هـ/ ١٩٢٦ م، ٢ /١٦٤.

١١٨٨
العَطْف
على الموضع أيضًا نحو ليس زيد بقائم ولا
قاعدًا بالنصب، وله عند المحقّقين شروط ثلاثة.
أولها إمكان ظهور ذلك المحلّ في الفصيح. ألا
ترى أنّه يجوز في ليس زيد بقائم أنْ تُسقط الباء
فتنصب؛ وعلى هذا فلا يجوز مررت بزيد
وعمروًا خلافًا لابنِ جِنّي لأنّه يجوِّز مررت
زيدًا. ثانيها أنْ يكون الموضع بحق الأصالة فلا
يجوز هذا ضارب زيدًا وأخيه خلافًا للبغداديين
لأنَّ الوصف المستوفي بشروط العمل الأصلِ
أعمالُه لا الإضافة. ثالثها وجود المحرز أي
الطالب لذلك المحلّ خلافًا للكوفيين وبعض
البصريين. ولذا امتنع أن زيدًا وعمروًا قائمان
وذلك لأنَّ الطالب لرفع زيد هو الابتداء أي
التجرُّد عن العوامل اللفظية وقد زال بدخول إنّ
ومن الغريب قول أبي حيان، إنّ من شرط
العطف على الموضع أنّ يكون للمعطوف عليه
لفظًا وموضع فجعل صورة المسئلة شرطًا لها،
ثم إنّه أسقط الشرط الأول ولا بد منه. الثالث
العطف على التوهُّم ويُسمَّى في القرآن العطف
على المعنى نحو ليس زيد قائمًا ولا قاعدٍ
بالخفض على توهّم دخول الباء في الخبر،
وشرط جوازه صحَّةُ دخول ذلك العامل المتوهّم
وشرطُ حسنه كثرةُ دخوله هناك كما في المثال
المذكور، ويقع هذا في المجرور كما عرفت
وفي المجزوم نحو: ﴿لولا أخّرتني إلى أجلٍ
قريب فأصَّدَّقَ وأكنْ من الصالحين﴾(١) لأنَّ
معنى لولا أخرتني فأصّدّق ومعنى إنْ أُخّرتني
أصّدّق واحد. وفي المنصوب نحو قام القوم
غير زيد وعمروًا بالنصب فإنّ غير زيد في موضع
إلّ زيدًا. قال سيبويه: إنّ من الناس من يغلطون
فيقولون إنّهم أجمعون ذاهبون، وإنّك وزيد
ذاهبان وذلك أنّ معناه معنى الابتداء. ومرادهُ
بالغلط ما عبّر عنه غيره بالتوهُّم. وفي المنصوب
اسمًا نحو قوله تعالى: ﴿ومن وراءٍ إسحُق
يعقوب﴾(٢) فيمن فتح الباء كأنَّه قيل وهبنا له
إسحق ومن وراء اسحق يعقوب، وفعلاً كقراءة
بعضهم: ﴿وَدّوا لو تُدْهِنُ فيدهنون﴾(٣) حملاً
على معنى وَدُّوا أنْ تدهن. وفي المركَّبات كما
قيل في قوله تعالى ﴿أو كالذي مَرّ على قريةٍ﴾(٤)
إنّه على معنى أرأيت كالذي حاجَّ وكالذي مَرّ،
انتهى ما في المغني.
فائدة :
عطف الإسمية على الفعلية وبالعكس فيه
ثلاثة مذاهب، الجوازُ مطلقًا والمنعُ مطلقًا
والجوازُ في الواو فقط .
فائدة :
عطف الخبر على الإنشاء وبالعكس منعه
البيانيون وابن مالك وابن عصفور(٥) ونقله عن
الأكثرين وأجازه الصفار (٦) وجماعةٌ، ووفّق
الشيخ بهاء الدين السبكي (٧) بينهما وحاصله أنَّ
(١) المنافقون/ ١٠
(٢) هود/ ٧١
(٣) القلم/ ٩
(٤) البقرة/ ٢٥٩
(٥) علي بن مؤمن بن محمد الحضرمي الاشبيلي، أبو الحسن المعروف بابن عصفور، ولد في اشبيلية ٥٩٧هـ/ ١٢٠٠م وتوفي
في تونس عام ٦٦٩ هـ/ ١٢٧١ م. حمل لواء اللغة العربية في عصره وله الكثير من المؤلفات اللغوية الهامة. الاعلام ٢٧/٥،
فوات الوفيات ٩٣/٢، شذرات الذهب ٣٣٠/٥، عنوان الدراية ١٨٨.
(٦) هو قاسم بن علي بن محمد بن سليمان الانصاري البطليوسي الشهير بالصّفار. توفي بعد عام ٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣م. عالم بالنحو
وله عدة مؤلفات. الاعلام ١٧٨/٥، بغية الوعاة ٣٧٨.
(٧) هو أحمد بن علي بن عبد الكافي، ابو حامد بهاء الدين السبكي، ولد عام ٧١٩هـ/ ١٣١٩ م وتوفي قرب مكه عام ٧٦٣ هـ/
١٣٦٢م. فاضل عالم له عدة مؤلفات. الاعلام ١٧٦/١، البدر الطالع ٨١/١، الدرر الكامنة ٢١٠/١.

١١٨٩
العَطْف
أهل البيان متفقون على المنع بلاغة، وأكثر
النحاة قائلون بجوازه لغةً كذا في المغني
وشرحه. وفي الارشاد (١) عطف الفعل على
الإسم جائز ويجوز عكسه، وعطف الجملة على
المفرد ويجوز عكسه، وعطف الماضي على
المضارع وعكسه أيضًا، ويحتاج كلّ إلى تأويل
بالوفاق .
فائدة :
عطف القصة على القصة هو أنْ يعطف
جملٌ مسوقة لغرض على جملِ مسوقة لغرض
آخر لمناسبة بين الغرضين. فكلّما كانت المناسبة
أشدّ كان العطفُ أحسن من غير نظرٍ إلى كون
تلك الجمل خبريةً أو إنشائية. فعلى هذا يشترط
أنْ يكون المعطوف والمعطوف عليه جملاً
متعددة. وقد يُراد بها عطفُ حاصلِ مضمونٍ
إحدهما على حاصلِ مضمون الأخرى من غير
نظر إلى الإنشائية والخبرية، هكذا ذكر المولوي
عبد الحكيم في حاشية الخيالي في الخطبة.
فقوله تعالى: ﴿فإنْ لم تفعلوا ولَنْ تفعلوا﴾(٢)
إلى قوله ﴿وبشّر الذين آمنوا﴾(٣) ليس من باب
عطف الجملة على الجملة بل من باب ضَمّ
جملِ مسوقة لغرض إلى جملِ أخرى مسوقة
الغرضٍ آخر. والمقصود بالعطف المجموع.
ويجوز أنْ يُراد به عطفُ الحاصل على
الحاصل، يعني أنّه ليس المعتَمَدُ بالعطف هو
الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي
يعطف عليه، بل المعتَمَد بالعطف هو الجملة من
حيث إنّها وصفُ ثواب المؤمنين، فهي معطوفة
على الجملة من حيث إنّها وصف عقاب
الكافرين كما تقول زيد يعاقب بالقيد والإزهاق
وبَشِّرْ عمروًا بالعفو والإطلاق. ثم هذا المثال
يمكن أنْ يجعلَ من عطف قصة على قصة
بالمعنى الأول، وإنْ لم يكن فيه جمل بل
جملتان بأنْ يقال فيه عطف قصة عمرو الدالة
على أحسن حاله على قصة زيد الدالة على
أسوء حاله، لكنه اقتصر من القصتين على ما هو
العُمدة فيهما إذْ يفهم منه الباقي منهما، فكأنَّه
قال: زيد يعاقَبُ بالقيد والإزهاق فما أسوء حاله
وما أخسره إلى غير ذلك وبشر عمروًا بالعفو
والإطلاق فما أحسن حاله وما أربحه، هكذا في
المطول وحواشيه في باب الوصل والفصل.
فائدة :
عطفُ التلقين وهو أنْ يلقّن المخاطَب
المتكلِّم بالعطف كما تقول أكرمك فيقول
المخاطَب وزيدًا أي قل وزيدًا أيضًا، وعلى هذا
قوله تعالى ﴿قال ومِنْ ذُرِّيتي﴾(٤) بعد قوله إنّي
جاعلك للناس إمامًا أي قلْ ومن ذريتي. قيل
عليه تلقين القائل يقتضي أن يقال ومن ذريتك
وأجاب عنه جَدِّي رحمة الله عليه في حاشيته
على البيضاوي بأنَّ معنى عطف التلقين أنْ يقول
المخاطب للمتكلِّم قل وهذا أيضًا عطفًا على ما
قلت على وجه ينبغي لك لا على وجه قلت أنا
مثل أنْ تقول ومن ذريتك لا أنْ تقول ومن
ذريتي. وإنّما قال المخاطب ومن ذريتي مناسبًا
لحاله.
(١) الارشاد من النحو للشيخ أبي محمد عبد الله بن جعفر المعروف بابن درستويه النحوي (- ٣٤٧هـ). والارشاد ايضًا للشيخ
لعلها: الفاضل شهاب الدين أحمد شمس الدين ابن عمر الهندي الدولتابادي شارح الكافية (- ٨٤٩هـ) حاجي خليفة،
كشف الظنون ١/ ٦٨ .
(٢) البقرة/ ٢٤
(٣) البقرة/ ٢٥
(٤) البقرة/ ١٢٤

١١٩٠
العَطْف
فائدة :
عطف أحد المترادفين على الآخر ويُسمَّى
بالعطف التفسيري أيضًا، أنكر المبرّد وقوعه في
القرآن. وقيل المخلِّصُ في هذا أنْ يعتقد أنّ
مجموع المترادفين يحصّل معنى لا يوجد عند
انفرادهما. فإنَّ التركيب يحدث أمرًا زائدًا. وإذا
كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك
كثرة الألفاظ. وقد يُعطف الشيئ على نفسه تأكيدًا
كما في فتح الباري شرح صحيح البخاري.
فائدة :
عطف الخاص على العام التنبيه على
فضله حتى كأنّه ليس من جنس العام. وسمَّاه
البعض بالتجريد كأنّه جُرِّد من الجملة وأفْرِدَ
بالذِّكر تفصيلاً ومنه: ﴿حافظوا على الصلوات
والصلوة الوسطى﴾(١) .
فائدة :
عطف العام على الخاص أنكر بعضهم
وجوده فأخطأ، والفائدة فيه واضحة، وهو
التعميم وأفرادُ الأول بالذكر اهتمامًا بشأنه، ومنه
﴿قُلْ إِنَّ صلُوتِي ونُسُكِي﴾(٢) والنُّسُك العبادة فهو
أعمّ كذا في الاتقان.
فائدة :
جمعوا على جواز العطف على معمولي
عامل واحد نحو إنّ زيدًا ذاهب وعمرًا جالس،
وعلى معمولات عامل واحد نحو أعلم زيد
عمرًا بكرًا جالسًا وأبو بكر خالدًا سعيدًا منطلقًا،
وأجمعوا على منع العطف على معمول أكثر من
عاملين نحو إنّ زيدًا ضارب أبوه لعمرو وأخاك
غلامه بكر وأمّا معمولاً عاملين مختلفين فإنْ لم
يكن أحدهما جارًا فقال ابن مالك هو ممتنع
إجماعًا، نحو كان زيد آكلاً طعامَك عمرو
وتمرك بكر، وليس كذلك بل نقل الفارسي
الجواز مطلقًا عن جماعة، وقيل إنّ منهم
الأخفش. وإنْ كان أحدهما جارًا فإن كان
الجار مؤخرًا نحو زيد في الدار والحجرة عمرو
أو عمرو الحجرة فنقل المهدوي(٣) أنَّ ممتنع
إجماعًا وليس كذلك، بل هو جائز عند مَنْ
ذكرناه، وإنْ كان الجار مقدَّمًا نحو في الدار زید
والحجرة عمرو فالمشهور عن سيبويه المنع وبه
قال المبرّد وابن السَّرَّاجَ (٤). ومنع الأخفش
الإجازة. قال الكسائي والفراء والزجاج فصل
قوم منهم الأعلم(٥) فقالوا إنْ وَلِيَ المخفوض
العاطف كالمثال جاز لأنّه كذا سُمع، ولأنَّ فيه
تعادل المتعاطفات، وإلّ امتنع نحو في الدار
زيد وعمرو الحجرة. والثاني عطف البيان وهو
تابع يوضّح أمر المتبوع من الدال عليه لا على
معنى فيه. فبقيد الإيضاح خرج التأكيد والبدل
وعطف النَّسَق لعدم كونها موضّحة للمتبوع.
وبقولنا من الدّال عليه أي على المتبوع لا على
معنى فيه أي في المتبوع خرج الصفة فإنَّ الصّفة
(١) البقرة/ ٢٣٨
(٢) الانعام / ١٦٢
(٣) هو محمد بن محمد، شمس الدين المهدوي الأزهري المالكي، توفي في مصر عام ١٠٢٦ هـ/ ١٦١٧م، عالم بالنحو وله
عدة كتب. الاعلام ٧/ ٦٢، خلاصة الأثر ١٦٠/٤
(٤) هو محمد بن السري بن سهل، ابو بكر، مات شابًا عام ٣١٦ هـ / ٩٢٩م. إمام في الأدب واللغة والنحو، له الكثير من
المؤلفات. الاعلام ١٣٦/٦، بغية الوعاة ٤٤، وفيات الأعيان ٥٠٣/١، الوافي ٨٦/٣.
(٥) يوسف بن سليمان بن عيسى الشنتمري الاندلسي، ابو الحجاج المعروف بالأعلم. ولد عام ٤١٠ هـ/ ١٠١٩م. وتوفي في
اشبيلية عام ٤٧٦هـ/ ١٠٨٤م. عالم في اللغة والأدب، له العديد من المؤلفات الهامة. الاعلام ٢٣٣/٨، وفيات الاعيان
٢٥٣/٢، ارشاد الأريب ٣٠٧/٧، مرآة الجنان ١٥٩/٣.

١١٩١
العَظُم
تدلّ على معنى في المتبوع بخلاف عطف البيان
فإنّه يدلّ على نفس المتبوع نحو اقْسَمَ بالله أبو
حفص عمر، ولا يلزم من ذلك أنْ يكون عطف
البيان أوضح من متبوعه بل ينبغي أنْ يحصلَ من
اجتماعهما ايضاحٌ لم يحصلْ من أحدهما على
الانفراد، فيصحُّ أنْ يكون الأول أوضح من
الثاني، كذا في العباب والفوائد الضيائية، وقد
ذكر ما يتعلَّقُ بهذا في لفظ التوضيح أيضًا.
فائدة :
يفترق عطف البيان والبدل في أمور
ثمانية. الأول: أنَّ العطف لا يكون مضمرًا ولا
تابعًا لمضمَر لأنّه في الجوامد نظير النعت في
المشتقّ، وأمّا البَدَل فيكون تابعًا لضمير بالإتفاق
نحو قوله تعالى: ﴿وَرِثُه ما يقول﴾(١) وكذا
يكون مضمرًا تابِعًا لمضمَر نحو رأيته إياه، أو
لظاهر كرأيت زيدًا إياه وخالف في ذلك ابن
مالك، والضّواب في الأول قول الكوفيين أنّه
توكيد كما في قمت أنت. الثاني: أنّ البيان لا
يخالف متبوعه في تعريفه وتنكيره ولا يختلف
النحاة في جواز ذلك في البدل نحو ﴿بالناصية،
ناصية كاذبة﴾(٢). الثالث أنّه لا يكون جملةً
بخلاف البدَل نحو قوله تعالى: ﴿ما يقال لك
إلاّ ما قد قيل للرسل من قبلك إنّ ربك لذو
مغفرة وذو عقاب أليم﴾ (٣)، وهو أصح الأقوال
في عرفت زيدًا أيؤمنُ هو الرابع: أنّه لا يكون
تابعًا لجملة بخلاف البَدَل نحو قوله تعالى
﴿اتبعوا المرسلينَ، اتبعوا مَنْ لا يسألكُم
أجرًا﴾(٤) الخامس: أنّه لا يكون فعلاً تابِعًا
لفعل بخلاف البدل نحو قوله تعالى: ﴿ومن
يفعلْ ذلك ◌َلْقَ اثاما، يضاعَفْ له العذاب﴾(٥)
السادس: أنّه لا يكون بلفظ الأول ويجوز ذلك
في البَدَل بشرط أنْ يكون مع الثاني زيادة بيان
كقراءة يعقوب ﴿وترى كلَّ أمّة جائيةً كلّ أمة
تُدْعى إلى كتابها﴾(٦) بنصب كلّ الثاني، قاله ابن
الطراوة(٧) وتبعه على ذلك ابن مالك وابنه،
وحجتهم أنّ الشيئ لا يبيّن بنفسه. والحقّ جواز
ذلك في عطف البيان أيضًا. السابع: أنّه ليس
في النية إحلاله محلّ الأول بخلاف البَدَل فإنّه
في حكم تكرير العامل، ولذا تعيّن البَدَل في
نحو أنا الضارب الرجل زيد. الثامن: أنّه ليس
في التقدير من جملة أخرى بخلاف البَدَل ولذا
تعَيَّن البَدَل في نحو هند قام عمرو أخوها،
ونحو مررت برجل قام عمرو أخوه، ونحو زيدًا
ضربت عمروًا أخاه. وإن شئت الزيادة على هذا
فارجع إلى المغني .
عطفُ النَّسَق: Conjunction - Conjonction
عند النحاة هو العطف بالحرف كما مَرّ.
العظم : Bone - Os
بالفتح وسكون الظاء المعجمة استخوان .
وعرّفه الأطباء بأنه عضو بسيط يبلغ صلابته إلى
حَدِّ لا يمكن تثنيته، ومَنْ لا يعدّ الأسنان من
العِظام بل يعدُّها من الأعصاب الصلبة
الغضروفية يزيد قيد غير حساس لإخراجها،
فإنّهم اختلفوا في كون العظم حسَّاسًا، ومجموع
(١) مريم/ ٨٠
(٢) العلق / ١٥ - ١٦ .
(٣) فصلت / ٤٣
(٤) يس / ٢٠ - ٢١
(٥) الفرقان / ٦٨ - ٦٩ .
(٦) الجاثية/ ٢٨
(٧) هو سليمان بن محمد بن عبد الله السبائي المالقي، ابو الحسين بن الطراوة، توفي عام ٥٢٨هـ / ١١٣٤م. أديب له شعر جيد
ورسائل، وله آراء نحوية تفرّد بها، وله عدة كتب. الاعلام ١٣٢/٣، بغية الوعاة ٢٦٣.

١١٩٢
العُظم
العظام في البدن الإنساني مائتان وثمانية
وأربعون، سوى السمسانيات والعظم اللامي.
العُظم : - Greatness, dimension, measure
Grandeur, dimension, mesure
بالضم عند المنجمين يُطلق على قدر من
الأقدار المتزايدة كما سيجيء. وعند المهندسين
يُطلقُ على قسم الكمية المتّصلة. وفي بعض
حواشي تحرير إقليدس الكمية المتّصلة يقال
لأقسامها وهي الخط والسطح والجسم والمكان
والزمان أعظام. والأعظام إذا نُسب بعضها إلى
بعض وقدّر بعضها ببعض يقال لها مقادير انتهى
کلا مه .
العِفّة: Vertue, chastity - Vertu, chastere
بالكسر وتشديد الفاء هي هيئة للقوة
الشهوية متوسّطة بين الفجور والخمور كما مَرّ
في لفظ الخلق. وفي مجمع السلوك العِفَّة هو
ترك الشهوات أي شهوات كلّ شيئ.
العَفْو : ,Excess, what remains - Excedent
ce qui reste
بالفتح وسكون الفاء لغة الزائد على النفقة
من المال. وشرعًا ما زاد على النِّصاب من
المال كذا في جامع الرموز في كتاب الزكوة.
العَفيفة : Upright, chaste - Probe, chaste
intègre
كاللطيفة ذات لها صفة بها تغلب على
الشهوة، وحاصله امرأة ذاتُ عفّة. وشرعًا امرأة
برئة عن الوطئ الحرام والتُّهمة به، وهذه هي
التي يجب بقذفها اللّعان كذا في جامع الرموز
في فصل اللعان.
العقاب: Punishment - Chatiment
punition
بالكسر وبالقاف هو ما يلحق الإنسان بعد
الذَّنْب من المِخْنة في الآخرة. وأمّا ما يلحقه
من المِحْنة بعد الذَّنْب في الدنيا فيسمَّى بالعُقوبة
كذا في البرجندي في كتاب الحدود. وقد يخصّ
العقوبة بتعزير الذمّي كما ذكر في لفظ التعزير.
وتُطلقُ العقوبات أيضًا على الأحكام الشرعية
المتعلّقة بأمرٍ الدنيا باعتبار المدينة كما مَرّ في
تفسير علم الفقه في المقدّمة وهو أحد أركان
الفقه .
العقار : .Piece of land, site, dwelling
personal property or real estate -
Terrain, logis, mobilier, biens mobiliers
ou immobiliers
بفتح العين والقاف المخففة في اللغة
الأرض والشجر والمتاع كما في الصحاح
وغيره، فهو شامل للمنقول أيضًا. وفي الشريعة
العرصة مبنية كانت أو لا، وما في العمادي أنّه
العرصة المبنية لا يخلو عن شيئ فإنّ البناء ليس
من العقار في شيئ كما لا يخفى على المتتبِّع،
كذا في جامع الرموز في كتاب النكاح في فصل
النفقة .
العَقْد: Contract, pact - Contrat, pacte
بالفتح وسكون القاف في الأصل الجمع
بين أطراف الجسم. وشرعًا الإيجاب والقبول
مع الارتباط المعتبَر شرعًا كذا في جامع
الرموز، فهو شامل لأمور ثلاثة: الإيجاب
والقبول والارتباط كما في العارفية حاشية شرح
الوقاية في كتاب النكاح. وعند البلغاء أنّ ينظم
نثر قرآنًا كان أو حديثًا أو مَثَلاً أو غير ذلك لا
على طريق الإقتباس. فالنثر الذي قصد نظمه إنْ
كان غير القرآن أو الحديث فنظمه عقد على أيّ
طريق كان إذْ لا دخلَ فيه للاقتباس، وإنْ كان
قرآنًا أو حديثًا فإنّما يكون عقدًا إذا غُيّر تغييرًا
كثيرًا لا يتحملُ مثله في الاقتباس، أو لم يغيَّر
تغييرًا كثيرًا ولكن أشير إلى أنّه من القرآن أو
الحديث وحينئذ يكون لا على طريق الاقتباس.

١١٩٣
العقْص
فمثال العقد من القرآن قوله:
أنلني بالذي اسْتقرضتَ خطأ
وأشهد مَعْشرًا قد شاهدوه
فإنّ الله خلاّق البرايا
عَنَتْ لِجلال هيبته الوجوه
يقولُ إذا تداينتم بِدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمَّى فاكتبوه
ومثال العَقد من الحديث قول الإمام
الشافعيّ :
عمدة الخير عندنا كلمات قالهن خيرُ البَرِيّة
اتّقِ الشُّبهاتِ وازهدْ ودَعْ ما ليس يعنيك واعمَلْنَ بنيّه
عقدُ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحلال
بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ وبينهما أمورٌ مشتبهات)(١)، وقوله
عليه السلام: (إزهد في الدنيا يحبُّك الله) (٢)، وقوله
عليه السلام: (مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تركُه ما لا
يعنيه)(٣)، وقوله عليه السلام: (إنّما الأعمالُ
بالنيات)(٤). ومثال العقد من غير القرآن والحديث
قول أبي العتاهية.
ما بال مَنْ أوّله نطفة وجيفة آخره يفخر
عقدُ قول عليّ رضي الله عنه: وما لابن
آدم والفخر وإنّما أوله نطفة وآخره جيفة.
عَقْد الوَضْع: Position - Position
عند المنطقيين هو اتصاف ذات الموضوع
بوصفه العنواني، كما أنَّ عقد الحَمْل عندهم
اتصاف ذات الموضوع بوصف المحمول.
والأول تركيب تقييدي والثاني تركيب خَبَري.
ومحصَّلُ مفهوم القضية يرجع إلى هذين
العقدين، كذا في شرح الشمسية في تحقيق
المحصورات .
العُقْدة : .Knot. zenith and nadir - Noeud
zenith et nadir
بالضم وسكون القاف عند أهل الهيئة اسم
الرأس والذّنَب، وعقدة الرأس تسمَّى أيضًا
بالعُقْدة الشمالية وعقدة الذَّنَب تسمَّى بالعقدة
الجنوبية على ما في شجرة الثمرة (٥) وقد سبق
أيضًا في لفظ الجوزهر. وعند الشُّعراء بيتٌ يأتي
بعد كلِّ قسم من الترجيع كما مرّ (٦).
العُقْر: Dowry given to a woman - Dot
donné à la femme
بالضمّ وسكون القاف. المهر الذي يصير
واجبًا بِشُبهَةِ الوَظْئ. كذا في الصراح (٧). وفي
الجوهرة النيرة العُقْر إذا ذكر في الحرائر يرادُ به
مَهْرِ المِثْلِ وإذا ذُكِر في الإماء فهو عُشْر قيمتها
إنْ كانت بِكْرًا وإنْ كانت ثَيِّبًا فنصف عُشر قيمتها
كذا ذكره السَّرخسي. وفي جامع الرموز في
كتاب المكاتب العُقْر مقدار مَهْر المثل. وقيل
مقدار بَدَل إجارة المرأة للوطئ لو كان
الاستئجارُ مباحًا، والفتوى على الأول.
العقْص: Suppression of two
syllables (in prosody) - Suppression
de deux syllabes (en prosodie)
بالفتح وسكون القاف عند أهل العروض
هو اجتماع الخَرْمِ والعَصَب والكَفّ، أو نقول
(١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبدأ لدينه، ح ٥١، ٣٥/١.
(٢) سنن ابن ماجه كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا، ح ٤١٠٢، ٢ /١٣٧٤
(٣) مسند أحمد، ٢٠١/١
(٤) ورد سنده وذكره سابقًا
(٥) شجرة ثمرة شرح ثمرة الشجرة المنسوب إلى الشيخ الأكبر محي الدين ابن عبد الله محمد بن علي ... بن العربي الطائي.
ترجمة بابا حسن محمد الشرواني. نسخة مخطوطة تمت كتابتها سنة ١٢٦٥ هـ فهرس المخطوطات التركية العثمانية، القسم
الثالث، ص ٣.
(٦) وعقده نزد شعراء بیتی است كه بعد هر قسمی از ترجيع می آید چنانچه در فصل عين از باب راي مهمله گذشت.
(٧) بالضم وسكون القاف كابين كه بشهبه وطي واجب شود كذا في الصراح.

١١٩٤
العَقْل
هو جمع والخرم والنقص والنقص الكف بعد
العَصَب، فمفاعلتن بالنقص يصير مفاعيل، ثم
بالخرم يصير فاعيل، ولعدم كونه مستعملاً يوضع
موضعه مفعول، كذا في عنوان الشرف وجامع
الصنائع ورسالة قطب الدين السرخسي.
العَقْل : .Wind, reason, intellect - Vent
raison, intellect
بالفتح وسكون القاف يطلق على معان
منها إسقاط الخامس المتحرِّك كذا في عنوان
الشرف. وفي رسالة قطب الدين السرخسي
العَقْل إسقاط الخامس بعد العَصَب انتهى،
والمآل واحد إلاَّ أنَّ الأول لقلة عمله أولى.
ويقول في منتخب اللغات العقلُ هو إسقاط التاء
من مفاعلتن (١). وعلى هذا اصطلاح أهل
العروض، ومنها الشكلُ المُسمَّى بالطريق في
علم الرمل ومنها عنصر الهواء. وأَهلُ الرَّمل
يَسمُون الريحَ عقلاً، الربح الأولى يُسمُّونها العقل
الأولِ، حتى إنهم يُسمُّون ريحَ العتبة الداخلة
العقلَ السابعَ، حسب ترتيب وضع جدول الأنوار
في الطالب والمطلوب كما مرّ. وهذا اصطلاح
أَهلِ الرّمل(٢). ومنها التعقُّل صرَّح بذلك
المولوي عبد الحكيم في حاشيته لشَّرح المواقف
في تعريف النَّظَر، وهو إدراك شيئ لم يعرضه
العوارض الجزئية الملحَقَّة بسبب المادة في
الوجود الخارجي من الكَمْ والكَيْف والأيْنِ
والوَضْع وغير ذلك. وحاصله إدراك شيئ كلّي
أو جزئي مجرَّد عن اللواحق الخارجية وإنْ كان
التجرُّد حصل بالتجريد فإنَّ المجرَّدات كلِية كانت
أو جزئية معقولة بلا احتياج إلى الانتزاع
والتجريد، والماديات الكلّية أيضًا معقولة لكنها
محتاجَةٌ إلى الانتزاع والتجريد عن العوارض
الخارجية المانعة من التعقُّل. وأما الماديات
الجزئية فلا تتعقَّلُ، بل إنْ كانت صورًا تدرَكُ
بالحواس وإنْ كانت معاني فبالوَهْم التابع للحِسّ
الظاهري، هكذا حقّق السّيد السّند في حواشي
شرح حكمة العين. ومنها مطلقُ المدرِك نفسًا
كان أو عقلاً أو غيرهما كما يجيئ في لفظ
العلم. ومنها موجود ممكن ليس جسمًا ولا
حالاً فيه ولا جزءًا منه، بل هو جوهر مجرَّد في
ذاته مستغْنٍ في فاعليته عن آلات جسمانية.
وبعبارة أخرى هو الجوهر المجرَّد في ذاته وفعله
أي لا يكون جسمًا ولا جسمانِيًا ولا يتوقّف
أفعاله على تعلُّقِه بجسم. وبعبارة أخرى هو
جوهر مجرَّد غير متعلّقٍ بالجسم تعلُّقَ التدبير
والتصرُّف، وإنْ كان متعلّقًا بالجسم على سبيل
التأثير. فبقيد الجوهر خرج العَرَض والجسم.
وبقيد المجرَّد خرج الهيولى والصورة. وبالقيد
الأخير خرج النفس الناطقة. والعقل بهذا المعنى
أثبته الحكماء. وقال المتكلّمون لم يثبتْ وجودَ
المجرَّد عندنا بدليل، فجاز أنْ يكون موجودًا
وأنْ لا يكون موجودًا، سواء كان ممكنًا أو
ممتنعًا. لكن قال الغزالي والرَّاغب في النفس إنّه
الجوهر المجرَّد عن المادة. ومنهم مَنْ جزم
امتناع الجوهر المجرّد. وفي العَلَمي حاشية
شرح هداية الحكمة: هذا الجوهر يسمِّيه
الحكماء عقلاً ويسمّيه أهل الشرع مَلَكًا، وفي
بعض حواشي شرح الهداية القول بأنَّ العقول
المجرّدة هي الملائكة تستُرٌ بالإسلام لأنَّ
الملائكة في الإسلام أجسامٌ لطيفة نورانية قادِرة
على أفعالٍ شاقّة متشكِّلة بأشكال مختلفة ولهم
أجنحة وحواس. والعقول عندهم مجرَّدة عن
المادة، وكأنَّ هذا تشبيه، يعني كما أنَّ عندكم
(١) ودر منتخب اللغات گويد عقل ساقط كردن تاست از مفاعلتن.
(٢) ومنها عنصر الهواء أهل رمل باد را را عقل نامند وباد اول عقل اول نامند تا باد عتبه داخل را عقل هفتم نامند بترتيب وضع
جدول ادوار در طالب ومطلوب چنانکه گذشت واین اصطلاح اهل رمل است.

١١٩٥
العَقْل
المؤثِّر في العالم أجسام لطيفة فكذلك عندنا
المُؤَثِّر فيه عقول مجردة انتهى.
فائدة :
قال الحكماء: الصادر الأول من البارئ
تعالى هو العقل الكلّ وله ثلاثة اعتبارات:
وجودُه في نفسه ووجوبُه بالغير وإمكانُه لذاته،
فيصدر عنه أي عن العقل الكلّ بكل اعتبار أمرٌ
فباعتبار وجوده يصدر عنه عقلٌ ثانٍ، وباعتبار
وجوبهِ بالغير يصدرُ نفسٌ، وباعتبار إمكانه يصدر
جسم، وهو فلك الأفلاك. وإنّما قلنا إنّ
صدورها عنه على هذا الوجه استنادًا للأشرف
إلى الجهة الأشرف والأخسّ إلى الأخسّ، فإنّه
أحرى وأخلق. وكذلك يصدر من العقل الثاني
عقل ثالث ونفس ثانية وفلك ثان، هكذا إلى
العقل العاشر الذي هو في مرتبة التاسع من
الأفلاك، أعني فلك القمر، ويُسمَّى هذا العقل
بالعقل الفعَّال، ويُسمَّى في لسان أهل الشرع
بجبرئيل عليه السلام كما في شرح هداية
الحكمة، وهو المُؤَثِّر في هيولى العالَمِ السُّفْلِي
المُفيض للصُّوَر والنفوس والأعراض على
العناصر والمركَّبات بسبب ما يحصلُ لها من
الإستعدادات المسبَّبة من الحركات الفلكية
والإتصالات الكوكبية وأوضاعها. وفي الملخص
إنهم خَبَطوا فتارةً اعتبروا في الأول جهتينِ:
وجودَه وجعلوه علَّة التعقُّل، وإمكانَه وجعلوه علَّة
الفلك. ومنهم مَنْ اعتبر بدلهما تعلَّقه بوجوده
وإمكانه علّة تعقّل وفلك وتارة اعتبروا فيه كثرةً
من وجوه ثلاثة كما مَرّ، وتارة مِنْ أربعة أوجه،
فزادوا علمه بذلك الغير وجعلوا إمكانَه علّةٌ
الهيولى الفلك، وعلمَه علَّة لصورته. وبالجملة
فالحقّ أنّ العقولَ عاجزةٌ عن دَرْك نظام
الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر.
فائدة :
قالوا العقول لها سبعة أحكام. الأول
أنّها ليست حادثة لأنّ الحدوث يستدعي مادة.
الثاني ليست كائنة ولا فاسدة، إذْ ذاك عبارة عن
ترك صورة ولبس صورة أخرى، فلا يتصوّر ذلك
إلاّ في المركَّب المشتمِلِ على جهتي قَبول
وفِعل. الثالث نوع كلّ عقل منحصر في شخصه
إذْ تشخّصُه بماهيته، وإلاّ لكان من المادة هذا
خلف. الرابع ذاتها جامعة لكمالاتها أي ما
يمكن أنْ يحصلَ لها فهو حاصِلٌ بالفعل دائمًا
وما ليس حاصِلاً لها فهو غير ممكن. الخامس
أنَّها عاقلة لذواتها. السادس أنّها تعقِلُ الكليات
وكذا كلّ مجرّد فإنّه يعقِلُ الكلياتِ. السابع أنّها
لا تعقِلُ الجزئيات من حيث هي جزئية لأنّ
تعقُّلَ الجزئيات يحتاج إلى آلات جسمانية. وإنْ
شئت أنْ يرتَسِمَ خبطُهم في ذهنك فارجع إلى
شرح المواقف .
فائدة :
قال الحكماء أول ما خلق الله تعالى العقل
كما ورد به نَصُّ الحديث. قال بعضهم وجه
الجمع بينه وبين الحديثين الآخرين (أول ما خلق
الله القَلم)(١) و(أول ما خلق الله نوري)(٢) أنّ
المعلول الأول من حيث إنّه مجرَّد يعقل ذاته
ومبدأه يُسمَّى عقلاً، ومن حيث إنّه واسطة في
صدور سائر الموجودات في نقوش العلوم يسمَّى
قلمًا، ومن حيث توسُّطه في إفاضة أنوار النُّبُوَّةِ
كان نورًا لسيِّد الأنبياء عليه وعليهم السلام، كذا
في شرح المواقف. قال في كشف اللغات:
العقل الأول في لسان الصوفية هو مرتبة
(١) سنن أبي داوود، كتاب السنة، باب في القدر، ح ٤٧٠٠، ٧٦/٥
(٢) العجلوني، كشف الخفا، ح ٨٢٧، ٣١١/١، وجاء بلفظ: (اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) والأرجح أن الحديث
موضوع.

١١٩٦
العَقْل
الوحدة. ويقول في لطائف اللغات: العقلُ هو
عبارة عن النّور المحمدي وَّ. (١). وفي الإنسان
الكامل العقل الأول هو محلّ تشكيل العلم
الإلهي في الوجود لأنّه العلم الأعلى ثم ينزلُ
منه العلم إلى اللوح المحفوظ، فهو إجمال
اللوح واللوح تفصيله، بل هو تفصيل علم
الإجمال الإلّهي واللوح محلّ تنزُّلِه. ثم العقل
الأول من الأسرار الإلهية ما لا يسعه اللوح كما
أنّ اللوح من العلم الإلّهي ما لا يكون العقل
الأول محلاً له، فالعلم الإلّهي هو أمُّ الكتاب
والعقلُ الأول هو الإمام المبين واللوح هو
الكتاب المبين، فاللوح مأموم بالقَلَم تابعٌ له،
والقَلَم الذي هو العقلُ الأول حاكم على اللوح
مفصّلٌ للقضايا المُجْمَلة في دواة العلم الإلّهي
المعبَّر عنها بالنون. والفرق بين العقل الأول
والعقل الكلّ وعقل المَعاش أنَّ العقل الأول بعد
علم إلّهي ظهر في أول تنزلاته التعيينية الخلقية.
وإنْ شئتَ قلت أول تفصيل الإجمال الإلّهي.
ولذا قال عليه الصلوة والسلام (أنّ أول ما خلق
الله تعالى العقل)(٢) فهو أقرب الحقائق الخلقية
إلى الحقائق الإلهية، والعقل الكلّ هو القسطاس
المستقيم وهو ميزان العدل في قُبَّة الروح
للفصل. وبالجملة فالعقلُ الكلّ هو العاقِلة أي
المدرِكة النورية التي ظهر بها صور العلوم
المودَعة في العقل الأول. ثم إنَّ عقل المَعاش
هو النور الموزون بالقانون الفكري فهو لا يدرِكُ
إلاّ بآلة الفِكر، ثم إدراكه بوجْهٍ من وجوه العقل
الكلّ فقط لا طريقَ له إلى العقل الأول، لأنّ
العقلَ الأوَّلَ منزَّةٌ عن القيد بالقياس وعن الحَصْرِ
بالقسطاس، بل هو محلّ صدور الوحي القدسي
إلى نوع النفس، والعقل الكلّ هو الميزانُ العدل
للأمر الفصلي، وهو منزَّةٌ عن الحَصْر بقانون
دون غيره، بل وزنه للأشياء على معيار وليس
لعقل المَعاش إلاّ معيارٌ واحد وهو الفكر وكفّة
واحدة وهي العادة وطرف واحد وهو المعلوم
وشوكة واحدة وهو الطبيعة، بخلاف العقل الكلّ
فإنَّ له كفّتين الحكمة والقدرة، وطرفين
الاقتضاءات الإلهية والقوابل الطبعية، وشوكتين
الإرادة الإلهية والمقتضيات الخلقية، وله معاير
شتّى. ولذا كان العقل الكلّ هو القسطاس
المستقيم لأنّه لا يحيف ولا يظلم ولا يفوته
شيئ بخلاف عقل المعاش فإنّه قد يحيف ويفوته
أشياء كثيرة لأنّه على كفة واحدة وطرف واحد.
فنسبة العقل الأول مثلاً نسبة الشمس، ونسبة
العقل الكلّ نسبة الماء الذي وقع فيه نور
الشمس، ونسبة عقل المَعاش نسبة شعاع ذلك
الماء إذا بلغ على جدار، فالناظر في الماء يأخذ
هيئةَ الشمس على صحته ويعرف نورَه على حليته
كما لو رأى الشمس لا يكاد يظهر الفرق
بينهما، إلاّ أنَّ الناظر إلى الشمس يرفع رأسه
إلى العلو والناظر إلى الماء ينكس رأسَه إلى
السفل، فكذلك الآخذ علمه من العقل الأول
يرفع بنور قلبه إلى العلم الإلهي، والآخذ علمه
من العقل الكلّ ينكس بنور قلبه إلى المحلّ
الكتاب فيأخذ منه العلوم المتعلّقة بالأكوان وهو
الحَدّ الذي أودعه الله في اللوح المحفوظ، إمّا
يأخذ بقوانين الحكمة وإمَّا بمعيار القدرة على
قانون وغير قانون، فهذا الاستقراء منه انتكاسٌ
لأنّه من اللوازم الخلقية الكلّيّة لا يكاد يخطئ
إلّ فيما استأثر الله به بخلاف العقل الأول فإنّه
يتلقّى من الحقّ بنفسه .
إعلمْ أنّ العقل الكلّ قد يستدرج به أهل
الشقاوة فيقبح عليهم أهويتهم فيظفرون على أسرار
القدرة من تحت سجف الأكوان كالطبائع
والأفلاك والنور والضياء وأمثالها، فيذهبون إلى
عبادة هذه الأشياء، وذلك بمكر الله لهم. والنكتة
(١) ودر لطائف اللغات ميگويد عقل عبارت ازنور محمدي است صلى الله عليه وآله وسلم.
(٢) السيوطي، الآلئ المصنوعة ٦٨/١.

١١٩٧
العَقْل
فيه أنّ الله سبحانه يتجلَّى لهم في لباس هذه
الأشياء فيدركها هؤلاء بالعقل فيقولون بأنّها هي
الفعَّالة والآلهة، لأنَّ العقلَ الكلّ لا يتعدّى
الكون، فلا يعرفون الله به لأنّ العقل لا يعرف
إلّ بنور الإيمان، وإلاّ فلا يمكن أنْ يعرِفه العقل
من نظيره وقياسه سواء كان العقل معاشًا أو عقلاً
كُلِأَّ؛ على أنه قد ذهب أئمتنا إلى أنَّ العقلَ من
أسباب المعرفة، وهذا من طريق التوسُّع لإقامة
الحُجَّة، وكذلك عقلُ المعاش فإنّه ليس له إلاّ
جهة واحدة وهي النظر والفكر. فصاحبه إذا أخذ
في معرفة الله به فإنّه يخطئ، ولهذا إذا قلنا بأنَّ
الله لا يدرَك بالعقل أردنا به عقل المعاش. ومتى
قلنا إنّه يُعْرَفُ بالعقل أردنا به العقل الأول.
إعلمْ أنَّ علم العقول الأوَّلِ والقَلم الأعلى
نور واحد فبنسبته إلى العبد يُسمَّى العقل الأول
وبنسبته إلى الحق يُسمَّى القلم الأعلى. ثم إنَّ
العقل الأول المنسوب إلى محمد صلى الله عليه
وآله وسلم خلق الله جبرئيل عليه السلام منه في
الأول فكان محمد صلى الله عليه وآله وسلم أبًا
لجبرئيل وأصلاً لجميع العالم. فاعلمْ إنْ كنت
ممَّنْ يعلم أنّه لهذا وقف عنه جبرئيل في إسرائه
وتقدَّم وحده، ويُسمَّى العقل الأول بالروح
الأمين لأنّه خزانة علم الله وأمينه، ويُسمَّى بهذا
الإسم جبرئيل من تسمية الفرع بأصله انتهى ما
في الإنسان الكامل. ويقول في كشف اللغات:
العقلُ الأوَّل والعقلُ الكلّيِ هو جبرائيل عليه
السلام. وفي القاموس: إِنَّهم يُسمُّون العرشَ
عقلاً، وكذلك أَضْلُ وحقيقة الإنسان من حيث
أنَّه فيضٌ وواسطة لظهور النفس الكُلِّية. وقد
أطلقوا عليه أربعة أسماء: الأول: العقل. الثاني
القلم الأول. الثالث الروح الأعظم. الرابع أَمَّ
الكتاب.
وعلى وجه الحقيقة: إِنَّ آدَمَ هو صورة
العقل الكلّي وحواءُ هي صورة النّفْس الكلِّية،
انتهى كلامه(١). ومنها النفس الناطقة باعتبار
مراتبها في استكمالها علمًا وعملاً وإطلاق العقل
على النفس بدون هذا الاعتبار أيضًا شائع كما
في بديع الميزان من أنَّ العقل جوهر مجرَّد عن
المادة لذاته، مقارن لها في فعله، وهو النفس
الناطقة التي يشير إليها كلّ واحد بقوله أنا. منها
نفس تلك المراتب. ومنها قواها في تلك
المراتب. قال الحكماء بيان ذلك أنَّ للنفس
الناطقة جهتين: جهةٍ إلى عالم الغَيْب وهي
باعتبار هذه الجهة متأثّرة مستفيضة عمَّا فوقها من
المبادئ العالية وجهة إلى عالم الشهادة وهي
باعتبار هذه الجهة مُؤَثِّرة متصرِّفة فيما تحتها من
الأبدان، ولا بد لها بحسب كلّ جهة قوة ينتظم
بها حالها هناك. فالقوة التي بها تتأثَّر وتستفيض
من المبادئ العالية لتكميل جوهرها من التعقُّلات
تُسمَّى قوةً نظريّةً وعقلاً نظريًا، والتي بها تُؤَثِّر
في البدن وتتصرَّف فيه لتكميل جوهره تُسمَّى قوةً
عمليةً وعقلاً عمليًا، وإنْ كان ذلك أيضًا عائدًا
إلى تكميل النفس من جهة أنَّ البدن آلة لها في
تحصيل العلم والعمل. ولكلٍّ من القوتين أربع
مراتب. فمراتب القوة النظرية أولها العقل
الهيولاني وهو الاستعدادُ المحض لإدراك
المعقولات، وهو قوّةٌ مَخْضة خالية عن الفعل
كما للأطفال، فإنَّ لهم في حال الطفولية وابتداء
الخلقة استعدادًا محضًا وإلّ امتنع اتصاف النفس
بالعلوم. وكما يكون النفس في بعض الأوقات
خالية عن مبادئ نظري من النظريات فهذه الحالة
عقل هيولاني لذلك النفس بالاعتبار إلى هذا
النظري، وليس هذا الاستعداد حاصلاً لسائر
الحيوانات. وإنّما نسب إلى الهيولى لأنّ النفس
(١) ودر کشف اللغات میگويد عقل اول وعقل کل جبرئیل علیه السلام را گویند ودر فرهنگ است که عرش رانامند ونیز اصل
وحققت انسان را گويند ازانكه مفيض وواسطة ظهور نفس كل است وآنرا بچهارنام نامیده اند یکي عقل دوم قلم اول سوم
روح اعظم جهارم ام الكتاب وازروي حقيقت آدم صورت عقل كل است وحوا صورت نفس كل.

١١٩٨
العَقْل
في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأولى الخالية في
حَدّ ذاتها عن الصور كلّها وتُسمَّى النفس وكذا
قوة النفس في هذه المرتبة بالعقل الهيولاني
أيضًا. وعلى هذا فقس سائر المراتب. وفي
كون هذه المرتبة من مراتب القوة النظرية نظر
لأنَّ النفس ليس لها ههنا تأثُّر بل استعدادٍ تأثُرٍ،
فينبغي أنْ تفسَّر القوة النظرية بالتي يتأثَّر بَها
النفس أو تستعد بها لذلك، ويمكن أنْ يقال
استعداد الشيئ من جملته. فمبنى هذا على
المساهلة وإنّما بُني على المساهلة تنبيهًا على أنَّ
المُراد هو الاستعداد القريب من الفعل إذْ لو
كان مطلق الاستعداد لما انحصرت المراتب في
الأربع إذْ ليس لها باعتبار الإستعداد البعيد مرتبة
أخرى فوق الهيولاني وهي المرتبة الحاصلة لها
قبل تعلُّق النفس بالبدن. وثانيتها العقل بالمَلَكة
وهو العلم بالضروريات واستعداد النفس بذلك
لاكتساب النظريات منها، وهذا العلم حادث بعد
ابتداء الفطرة، فله شرط حادث بالضرورة دفعًا
للترجيح بلا مرجِّح في اختصاصه بزمان معيَّن،
وما هو إلّ الإحساس بالجزئيات والتنبيه لما
بينها من المشاركات والمباينات، فإنَّ النفس،
إذا أحسّت بجزئيات كثيرة وارتسمت صورها في
آلاتها الجسمانية ولاحظت نسبة بعضها إلى
بعض استعدّت لأنْ تفيضَ عليها من المبدأ صورُ
كلّية وأحكام تصديقية فيما بينها، فهذه علوم
ضرورية، ولا نريد بها العلم بجميع الضروريات
فإِنَّ الضروريات قد تُفَقَّدُ إمّا بفَقْدِ التصوُّر كحِسّ
البصر للأكْمَه وقوة المُجامعة للعِنِّين، أو بفَقْدِ
شرط التصديق، فإنَّ فاقد الحِسّ فاقد للقضايا
المستندة إلى ذلك الحِسّ، وبالجملة فالمُراد
بالضروريات أوائل العلوم وبالنظريات ثوانيها
سُمِّيت به لأنّ المراد بالملكة إمّا ما يقابِلُ
الحال، ولا شكّ أنّ استعداد الانتقال إلى
المعقولات راسخ في هذه المرتبة، أو ما يقابِلُ
العدم كأنّه قد حصل للنفس فيها وجود الانتقال
إليها بناءً على قربه، كما سُمِّي العقل بالفعل
عقلاً بالفعل لأنَّ قوته قريبة من الفعل جِدًا. قال
شارح هداية الحكمة: العقل بالملكة إنْ كان في
الغاية بأنْ يكون حصول كلّ نظري بالحدس من
غير حاجة إلى فكر يُسمَّى قوة قدسية. وثالثتها
العقل بالفعل وهو ملكة استنباط النظريات من
الضروريات أي صيرورة الشخص بحيث متى
شاء استحضر الضروريات ولاحظها واستنتجَ
منها النظريات، وهذه الحالة إنّما تحصلُ إذا
صار طريقة الاستنباط مَلّكة راسخة فيه. وقيل
العقل بالفعل هو حصول النظريات وصيرورتها
بعد استنتاجها من الضروريات بحيث استحضرها
متى شاء بلا تجشُّم كَسْبٍ جديد، وذلك إنّما
يحصل إذا لاحظ النظريات الحاصلة مرةً بعد
أخرى حتى يحصل له مَلَكة نفسانية يقوى بها
على استحضارها متى أراد من غير فِكْرٍ، وهذا
هو المشهور في أكثر الكتب. وبالجملة العقل
بالفعل على القول الأول مَلَكة الاستنباط
والاستحصال وعلى القول الثاني مَلَكة
الاستحضار. ورابعتها العقلُ المستفاد وهو أنْ
يحصِّلَ النظريات مشاهدة سُمِّيت به لاستفادتها
من العقل الفعَّال، وصاحب هداية الحكمة
سَمَّاها عقلاً مطلقًا وسَمَّى معقولاتها عقلاً
مستفادًا. وقال شارحها لا يخفى أنَّ تسمية
معقولات تلك المرتبة بالعقل المستفاد خلاف
اصطلاح القوم.
اعلمْ أنَّ العقل الهيولاني والعقل بالمَلَكة
استعدادان لاستحصال الكمال ابتداءً والعقل
بالفعل بالمعنى الثاني المشهور استعدادٌ
لاسترجاعه واسترداده فهو متأخّر في الحدوث
عن العقل المستفاد لأنّ المدرِك ما لم يشاهد
مرات كثيرة لا يصير مَلَكة ومتقدِّمٌ عليه في البقاء
لأنّ المشاهدة تزول بسرعة وتبقىْ مَلّكة
الاستحضار مستمرةً فيتوصَّلُ بها إلى مشاهدته،
فبالنظر إلى الاعتبار الثاني يجوز تقديمُ العقل

١١٩٩
العَقْل
بالفعل على العقل المستفاد، وبالنظر إلى
الاعتبار الأول يجوز العكس، أمَّا العقل بالفعل
بالمعنى الأول فالظاهر أنّه مقدَّم على العقل
المستفاد. واعلمْ أيضًا أنَّ هذه المراتب تعتبرُ
بالقياس إلى كلّ نظري على المشهور فيختلف
الحال إذْ قد تكون النفس بالنسبة إلى بعض
النظريات في المرتبة الأولى وبالنسبة إلى بعضها
في الثانية وإلى بعضها في الثالثة وإلى بعضها في
الرابعة. فما قال صاحب المواقف من أنَّ العقل
المستفاد هو أنْ يصير النفس مشاهِدة لجميع
النظريات التي أدركتها بحيث لا يغيب عنها شيئ
لزمه أنّ لا يوجد العقلُ المستفاد لأحدٍ في الدنيا
بل في الآخرة. ومنهم مَنْ جوَّز ذلك لنفوس
نَّبَوِّية لا يشغلها شأنٌ عن شأنٍ، وهم في
جلابيب من أبدانهم قد نضوها وانخرطوا في
سلك المجرَّدات التي تشاهد معقولاتها دائمًا .
فائدة :
وجهُ الحَصر في الأربع أنَّ القوة النظرية
إنّما هي لاستكمال الناطقة بالإدراكات إلاَّ أنَّ
البديهيات ليست كمالاً معتدًّاً به يشاركُه
الحيوانات العُجْم لها فيها بل كمالها المعتَدُّ به
الإدراكات الكسبية، ومراتب النفس في
الاستكمال بهذا الكمال منحصِرٌ في نفس
الكمال واستعداده لأنَّ الخارج عنهما لا يتعلَّق
بذلك الاستكمال، فالكمال هو العقلُ المستفاد
أعني مشاهدة النظريات، والاستعداد إمّا قريب
وهو العقل بالفعل أو بعيد وهو الهيولاني أو
متوسّط وهو العقل بالمَلَكة. وأمَّا مراتب القوة
العملية فأولها تهذيبُ الظاهر أي كون الشخص
بحيث يصير استعمال الشرائع النبوية والاجتناب
عما نكرهُ عادةً له، ولا يتصوَّر منه خلافه عادة.
وثانيتها تهذيب الباطن من الملكات الرديئة
ونفض آثار شواغله عن عالم الغيب. وثالثتها ما
يحصل بعد الإتّصال بعالَم الغَيْب وهو تجلّي
النفس بالصور القدسية، فإنَّ النفس إذْ هذبت
ظاهرها وباطنها عن رذائل الأعمال والأخلاق
وقطعت عوائقها عن التوجُّه إلى مركزها
ومستقرها الأصلي الذي هو عالَم الغَيْب بمقتضى
طباعها إذْ هي مجرَّدة في حَدّ ذاتها وعالم الغَّيْب
ايضًا كذلك، وطبيعة المجرَّد تقتضي عالمها كما
أنَّ طبيعةَ المادي تقتضي عالم المادِّيات الذي
هو عالم الشهادة اتصلت بعالَم الغَيْب للجنسية
اتصالاً معنويًا لا صُوريًا، فينعكس إليها بما
ارتسمت فيه من النقوش العلمية، فتتجلَّى النفس
حينئذ بالصور الإدراكية القدسية، أي الخالصة
عن شوائب الشكوك والأوهام، إذْ الشكوك
والشبهات إنَّما تحصل من طرق الحواس، وفي
هذه لا يحصل العلم من تلك الطرق. وفي
بعض حواشي شرح المطالع بيانه أنّ حقائق
الأشياء مسطورة في المبدأ المُسمَّى في لسان
الشرع باللوح المحفوظ فإنَّ الله تعالى كتب
نسخة العالم من أوله إلى آخره في المبدأ ثم
أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة،
والعالَم الذي خرج إلى الوجود بصورته تتأدّى
منه صورة أخرى إلى الحواس والخيال ويأخذُ
منها الواهِمة معاني، ثم يتأدَّى من الخيال أثرٌ
إلى النفس فيحصل فيها حقائق الأشياء التي
دخلت في الحِسّ والخيال. فالحاصل في النفس
موافِق للعالَم الحاصل في الخيال، وهو موافق
للعالَم الموجود في نفسه خارجًا من خيال
الإنسان ونفسه، والعالَم الموجود موافق للنسخة
الموجودة في المبدأ، فكأنَّ للعالم أربع درجات
في الوجود، وجود في المبدأ وهو سابق على
وجوده الجسماني ويتبعه وجودُه الجسماني
الحقيقي ويتبعُ وجوده الحقيقي وجُوده الخيالي
ويتبعُ وجوده الخيالي وجوده العقلي، وبعض
هذه الوجودات روحانية وبعضها جسمانية،
والروحانية بعضها أشَدّ روحانية من بعض. إذا
عرفت هذا فنقول النفس يتصوَّرُ أنْ يحصل فيها

١٢٠٠
العَقْل
حقيقة العالَم وصورته تارة من الحواس وتارة من
المبدأ، فمهما ارتفع حجاب التعلُّقات بينها وبين
المبدأ حصل لها العلم من المبدأ فاستغنت عن
الإقتباس من مداخل الحواس، وهناك لا مدخلَ
للوَهْم التابع للحواس. ومهما أقبلت على
الخيالات الحاصلة من المحسوسات كان ذلك
حجابًا لها من مطالع المبدأ، فهناك تتصوَّر
الواهِمة وتعرض للنفس من الغلط ما يعرض،
فإذا للنفس بابان، بابُ مفتوح إلى عالَم
المَلَكُوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة
والمجرَّدات، وباب مفتوح إلى الحواس الخَمْس
المتمسّكة بعالَم الشهادة والمُلْك وهذا الباب
مفتوح للمجرَّد وغيره. والباب الأول لا يفتح
إلاّ للمتجرِّدين من العلائق والعوائق. ورابعتها ما
يتجلَّى له عقيب اكتساب ملكة الاتصال
والانفصال عن نفسه بالكلّية وهو ملاحظة جمال
الله أي صفاته الثبوتية وجلاله أي صفاته
السلبية، وقصر النظر على كماله في ذاته وصفائه
وأفعاله حتى يرىُ كلّ قدرة مضمحلّة في جنب
قدرته الكاملة وكلَّ علم مستغرَقًا في علمه
الشامل، بل يرى أنَّ كلَّ كمال ووجود إنّما هو
فائض من جنابه تعالى شأنه. فانْ قيل بعد
الاتصال بعالَم الغَيْب ينبغي أنْ يحصلَ له
الملاحظة المذكورة وحينئذ لا تكون مرتبة أخرى
غير الثالثة بل هي مندرجة فيها. قلت المراد
الملاحظة على وجه الاستغراق وقَصْرَ النظر على
كماله بحيث لا يلتفت إلى غيره، فعلى هذا
الغاية القصوى هي هذه المرتبة كما أنَّ الغاية
القصوى من مراتب النظري هو الثالثة أي العقل
بالفعل .
إعلمْ أنّ المرتبتين الأخيرتين أثران للأوليين
اللتين هما من مراتب العملية قطعًا، فصحَّ عدُّهما
من مراتب العملية وإنْ لم تكونا من قبيل تأثير
النفس فيما تحتها. هذا كله هو المستفاد من
شرح التجريد وشرح المواقف في مبحث العلم
وشرح المطالع وحواشيه في الخطبة.
اعلمّ أنَّ العقل الذي هو مناط التكاليف
الشرعية اختلف أهل الشرع في تفسيره. فقال
الأشعري هو العلمُ ببعض الضروريات الذي
سَمَّيناه بالعقل بالمَلَكة. وما قال القاضي هو
العلم بوجوب الواجبات العقلية واستحالة
المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات
أي الضروريات التي يحكم بها بجريان العادة
من أنَّ الجبلَ لا ينقلب ذهبًا، فلا يبعدَ أنْ يكون
تفسيرًا لما قال الأشعري، واحتجّ عليه بأنَّ
العقلَ ليس غير العلم وإلاّ جاز تصوُّر انفكاكهما
وهو محال، إذْ يمتنع أنْ يقال عاقِل لا عِلْمَ له
أصلاً وعالِمٌ لا عقل له أصلاً، وليس العقلُ
العلم بالنظريات لأنّه مشروط بالنظر والنظر
مشروط بكمال العقل، فيكون العلم بالنظريات
متأخراً عن العقل بمرتبتين، فلا يكون نفسه،
فيكون العقل هو العلم بالضروريات وليس علمًا
بكلها، فإنَّ العاقل قد يفقدُ بعضها لفَقْد شرطه
كما مَرّ، فهو العلم ببعضها وهو المطلوب.
وجوابه أنَّا لا نسلِّمُ أنَّه لو كان غير العقل
جاز الانفكاك بينهما لجواز تلازمهما. وقال
الإمام الرازي والظاهر أنَّ العقل صفةٌ غريزيةٌ
يلزمها العلمُ بالضروريات عند سلامة الآلات
وهي الحواس الظاهرة والباطنة. وإنّما اعتبر قيد
سلامة الآلات لأنَّ النائم لم يزُلْ عقلهُ عنه وإنْ
لم يكن عالِمًا حالةَ النوم لاختلال وقع في
الآلات، وكذا الحال في اليَقْظان الذي لا
يستحضِرُ شيئًا من العلوم الضرورية لدَهْش وَرَد
عليه، فظهر أنَّ العقلَ ليس العلم بالضروريات.
ولا شكَّ أنَّ العاقل إذا كان سالِمًا عن الآفات
المتعلّقة كان مدرِكًا لبعض الضروريات قطعًا.
فالعقل صفة غريزية يتبعها تلك العلوم، وهذا
معنى ما قيل: قوة للنفس بها تتمكّن من إدراك
الحقائق. ومحلُّ تلك القوة قيل الرأس، وقيل
القلب، وما قيل هو الأثر الفائض على النفس

١٢٠١
العقلُ الكلّ
من العقل الفعال. والمعتزلة القائلون بأنَّ الحُسْنِ
والقُبْح للعقل فسَّروه بما يعرِفُ به حُسَن
المُسْتَحْسَنات وقُبْحَ المُسْتَقْبَحَات، ولا يبعد أنْ
يقرُبَ منه ما قيل هو قوة مميزة بين الأمور
الحسنة والقبيحة. وقيل هو مَلَكة حاصلة
بالتجارب يستنبطُ بها المصالح والأغراض.
وهذا معنى ما قيل هو ما يحصل به الوقوف
على العواقب. وقيل هو هيئة محمودة للإنسان
في حركاته وسكناته. وقيل هو نورُ يضيئ به
طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه دَرْك
الحواس، فيبدأ المطلوب للطالب فيدركه القلب
بتأمُّله وبتوفيق الله تعالى. ومعنى هذا أنَّه قوة
للنفس بها تنتقل من الضروريات إلى النظريات
ويحتمل أنْ يُراد به الأثر الفائض من العقل
الفعَّال كما ذكره الحكماء مِنْ أنَّ العقلَ الفعَّال
هو الذي يؤثِّر في النفس ويُعِدُّها للإدراك، وحال
نفوسنا بالنسبة إليه كحال أبصارنا بالنسبة إلى
الشمس. فكما أنّ بإفاضة نور الشمس تدرَكُ
المحسوسات كذلك بإفاضة نوره تدرك
المعقولات. فقوله نور أي قوة شبيهة بالنور في
أنها يحصل به الإدراك ويضيئ أي يصير ذا ضوء
أي بذلك النور طريق يبتدأ به أي بذلك الطريق،
والمراد به أي بالطريق الأفكار وترتيب المبادئ
الموصِلة إلى المطلوب. ومعنى إضاءتها
صيرورتُها بحيث يهتدي القلب إليها ويتمكَّنُ من
ترتيبها وسلوكها توصلاً إلى المطلوب. وقوله من
حيث ينتهي إليه متعلّق بقوله يبتدأ، وضمير إليه
عائد إلى حيث، أي من محلٌّ ينتهي إليه إدراك
الحواس، فيبدأ أي يظهر المطلوب للقلب أي
الروح المُسَمَّى بالقوة العاقلة والنفس الناطقة
فيدركه القلب بتأمُّله أي إلتفاته إليه والتوجُّه نحوه
بتوفيق الله تعالى وإلهامه، لا بتأثير النفس أو
توكيدها، فإنَّ الأفكار معدات للنفس وفيضان
المطلوب إنّما هو بإلهام الله سبحانه. فبداية دَرْك
الحواس هو ارتسامُ المحسوسات في إحدى
الحواس الخمس الظاهرة، ونهايةُ دَرْكها
ارتسامُها في الحواس الباطنة. ومن ههنا بداية
دَرْك العقل، ونهاية دَرْك العقل ظهورُ المطلوب
كما عرف في الفكر بمعنى الحركتين، هذا كله
خلاصة ما في شرح التجريد وشرح المواقف
والتلويح .
وفي خلاصة السلوك قال أهل العلم:
العقل جوهرٌ مضيئ خلقه الله في الدماغ وجعلَ
نوره في القلب، وقال أهل اللسان: العقل ما
يُنَجِّي صاحبه من مَلاَمة الدنيا ونَدَامة العُقبى
وقال حكيم: العقل حيوة الروح والروح حيوة
الجسد. وقال حكيم رَّب الله في الملائكة
العقل بلا شهوة وركَّب في البهائم الشهوة بلا
عقل، وفي ابن آدم كليهما. فمَنْ غلب عقلَه
شهوتَه فهو خيرٌ من الملائكةِ ومَنْ غَلَب شهوتُه
عقلَه فهو شرٌّ من البهائم. وقال أهل المعرفة
العاقل مَنْ اتَّقى ربَّه وحاسَب نفسه وقيل مَنْ
يبصُرُ مواضِعَ خطواته قبل أنْ يضَعَها. وقيل
الذي ذهب دنياه لآخرته. وقيل الذي يتواضَع
لَمَنْ فوقه ولا يحتقر لِمن دونه ويمسِكْ الفضلَ
من منطقه ويخالطُ الناس باختلافهم. وقيل الذي
يترك الدنيا قبل أن تتركه ويعمّر القبرَ قبل أنْ
يدخله وأرضى الله قبل أنْ يلقاه، وقيل إذا
اجتمع للرجل العلم والعمل والأدب يُسمَّى
عاقِلاً، وإذا عَلِمَ ولم يعملْ أو عَمِل بغير أدب
أو عمل بأدب ولم يعلَمْ لم يكن عاقِلاً.
العقلُ الكلّ : - Universal intellect, road
Intellect universel, chemin
قد عرفت معناه، وعند أهل الرمل اسمٌ
للطريق. وأَهْلِ الرَّمل يُسمُون الطريق عقلاً وعقلاً
كلّيًا(١).
(١) طريق را اهل رمل عقل وعقل كل نامند

١٢٠٢
العُقْلة
العُقْلة : Knot, figure composed of two
lines and two points (geomancy) -
Nœud, figure composée de deux lignes et
deux points (en géomancie)
بالضّمِ عند أَهْلِ الرَّمل اسمٌ لشكلٍ هذه
صورته ج. (١)
العَقْلي : - Intellectual, rational
Intellectuel, rationnel
هو ما لا يكون للحِسّ الباطن فيه مدخل،
هذا هو المشهور. وقد يُطلقُ على ما لا يدرَك
هو ولا مادته بتمامها بإحدى الحواس الظاهرة،
سواء أدرك بعض مادته أوْ لا، وقد سبق في
لفظ الحِسّي.
العَكْس: Contrary - Contraire, oppose
بالفتح وسكون الكاف يطلق على معانٍ.
منها نفي الشي، قالوا عكس الإثبات نفي. ولذا
قيل العَكْس في باب المعرّف مفسَّر بأنّه كلّما
انتفى الحَدّ انتفى المحدود، أي كلّما لم يصدُقْ
عليه الحَدّ لم يصدُقْ عليه المحدود، والطَّرْد
مفسَّر بأنَّه كلما صدَقَ عليه الحَدّ صدق عليه
المحدود، وقد سبق في لفظ الطرد. ويؤيّده ما
قال في شرح المواقف في مبحث المبصرات.
من أنّ الضوء كيفية لا يتوقَّف إبصارها على
إبصار شيئ آخر، واللون عكسه، أي كيفية
يتوقّف إبصارها على إبصار شيئ آخر انتهى.
ومنها ما هو قسم من المعارضة كما سيجيء.
ومنها الرَّجعة وهي حركة الكوكب على خلاف
التوالي، وعلى هذا اصطلاح المنجّمين وأهل
الهيئة وقد سبق. لكن مولانا عبد العلي
البرجندي في شرح زيج (الغ بيكي)) في الباب
الثامن يقول: الكوكب الراجعُ حينما ينتقل من
برجٍ إلى برجٍ مقدَّم فذلك ما يُقال له العكس.
وكذلك نقل رأس العمر وذنبه إلى برج آخر يقال
له عكس. انتهى كلامه(٢). ومنها العملُ بعكس
ما أفاده السائل ويُسمَّى بالتعاكس والتعكيس
والتحليل، وعليه اصطلاح المحاسبين؛ وطريقه
أنَّه إنْ ضُعِّف السائل عددًا فينصف المجيب له
أو جَذّر فيرّبع أو ضُرب فيقسم أو زاد فينقص
أو عكس فيعكس مبتدئًا للعمل من آخر السؤال
ليخرج الجواب. فلو قيل: أيّ عدد ضرب في
نفسه وزيد على الحاصل اثنان وضُعِّف وزيد
على الحاصل ثلاثة وقُسم المجتمع على خمسة
وضُرِب الخارج في عشرة حَصَل خمسون؟
فاقسِمْ الخمسين على العشرة واضربْ الخارج
وهو الخمسة في نفسها وأنقِصْ من الحاصل
وهو خمسة وعشرون ثلاثة يبقى اثنان وعشرون،
وانقِصْ من منصّف ذلك اثنين يبقى تسعة، وجذر
التسعة وهو ثلاثة هو الجواب، كذا في شرح
خلاصة الحساب. وعكس النسبة عندهم يجيئ
في لفظ النسبة. ومنها أنْ تُقَدِّمْ في الكلام جزءًا
ثم تعكِسَ فتقدِّمَ ما أخّرت وتُؤَخِّر ما قدَّمت
ويُسمَّى تبديلاً أيضًا، وهذا من مصطلحات أهل
البديع المعدود في المحسنات المعنوية، ويقع
على وجوه: منها أنْ يقع بين أحد طرفي جملة
وما أضيف إليه ذلك الطرف نحو عادات
السَّادات سادات العادات، فإنَّ العكس فيه قد
وقع بين العادات وهو أحد طرفي الكلام وبين
السَّادات وهو الذي أضيف إليه العادات. ومعنى
وقوعه بينهما أنّه قدّم العادات على السّادات ثم
عكس فقدم السَّادات على العادات. ومنها أنْ
يقع بين متعلّقَيْ فعلين في جملتين نحو ﴿تولِجُ
(١) بالضم نزد اهل رمل اسم شكلی است بدينصورت =.
(٢) ليكن مولانا عبد العلي برجندي در شرح زيج الغ بيكي در باب هشتم ميفرمايد كوكب راجع چون از برجي ببرجي مقدم نقل
کند آنرا عکس گویند ونقل راس وذنب قمر را ببرج دیگر نیز عکس گویند انتهى كلامه

١٢٠٣
العَكْس
الليلَ في النهار وتولُج النهارَ في الليل وتخرِجُ
الحيّ من الميّت وتخرج الميت من الحي﴾ (١).
ومنها أنْ يقع بين لفظين في طرفي جملتين نحو
(٢) ومنها
﴿لا هُنَّ حِلَّ لهم ولا هُمْ يَحِلّون لهُنّ﴾(٢)
أنْ يقع بين طرفي الجملة كما قيل:
طَويتُ لإحراز الفنونِ ونيلها
رداء شبابي والجنونُ فنونُ
فحينَ تعاطيتُ الفنون وحَظّها
تبيّن لي أنَّ الفنونَ جنونُ
كذا في المطول. وفي الاتقان بعد تعريف
العكس بما ذكر قال إبن أبي الإصبع: ومن
غريب أسلوب هذا النوع قوله تعالى: ﴿ومَنْ
يعمل من الصالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن
فأولئك يدخلون الجنّة ولا يُظلمون نقيرًا﴾(٣)،
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دينًا ممَّنْ أسلَم وجهَه الله وهو
مُحْسِن﴾ (٤) فإنَ نظم الآية الثانية عكس نظم
الأولى لتقدّم العمل في الأولى عن الإيمان
وتأخِّره في الثانية عن الإسلام. ومنه نوع يُسمَّى
القلب والمقلوب المستوي وما لا يستحيل
بالإنعكاس وهو أنْ تُقرأ الكلمة من آخرها إلى
أولها كما تُقرأ من أولها إلى آخرها نحو ﴿كلٌّ
فِي فَلَكِ﴾(٥) ﴿وربَّك فكبّر﴾(٦) ولا ثالِثَ له في
القرآن، انتهى. لكن صاحب التلخيص ذكر
القلب والمقلوب المستوي في المحسّنات
اللفظية، فعلى هذا لا يكون هو من أنواع
العكس. ومنها ما يُسمَّى عكسًا مستويًا وعكسًا
مستقيمًا وهو تبديلُ كلٍّ من طرفي القضية بالآخر
مع بقاء الصدق والكيفية أي الإيجاب والسَّلب
بحالهما، وهذا من مصطلحات المنطقيين، وهو
المتبادَر عند إطلاق لفظ العكس كما في شرح
إشراق الحكمة. وقد يطلقون العكس مجازًا على
القضية الحاصلة من هذا التبديل. وقيل الظاهر
أنّه حقيقة لكثرة الاستعمال في ذلك فيقال عكس
الموجبة الكلّية موجِبة جزئية، وهكذا في بواقي
القضايا، وذلك أنْ تجمع بينهما بأنَّ العكسَ نُقِلَ
أولاً من المعنى اللغوي إلى المعنى المصدري
الذي يشتقُّ منه سائر الصيغ، كقولهم عكس
وانعكس وينعكس ونحوها، ثم استُعْمِلَ في
القضية المخصوصة بعلاقةِ السَّبَبية، ثم كَثُرَ
استعماله فيها حتى صار حقيقةً بالغلبة. ثم
المُراد بتبديل الطرفين التبديل المعنوي أي المغيِّر
للمعنى حتى يخرج تبديل طرفي المنفصلة فإنّهم
قالوا لا عكس للمنفصلات. ويحتملُ أنْ يكون
مرادهم أنّه ليس للمنفصلات عكس معتَدٌّ به،
فحينئذ لا حاجةً إلى تخصيص التبديل، وذكر
الطرفين أولى من الموضوع والمحمول كما ذكره
البعض لشموله عكس الحَمْليات والشرطيات.
والمُراد بطرفي القضية طرفاها في الذِّكر فلا يرد
أنَّ طرفي القضية الحقيقية لم يدخلا في التعريف
فإنَّ الطرف الأول منها ذات الموضوع والثاني
وصف المحمول، وفي العكس يصير ذات
المحمول موضوعًا ووصف الموضوع محمولاً ،
والمُراد ببقاء الصدق لزوم بقائه بمعنى أنّه لو
فُرِضَ الأصل صادِقًا لزم منه لذاته مع قطع النظر
عن خصوص المادة صدقُ الفرع بلا واسطة فرع
آخر لصدق المفروض في الأصل في الفرع لذاته
بلا واسطة، ليدخل في التعريف عكس القضية
الكاذبة، وليخرج عنه تبديلُ طرفي القضية بحيث
يحصل منه قضية لازمة الصدق مع الأصل
(١) آل عمران/ ٢٧
(٢) الممتحنة/ ١٠
(٣) النساء/ ١٢٤
(٤) النساء/ ١٢٥
(٥) الأنبياء/ ٣٣
(٦) المدَّثر / ٣