Indexed OCR Text
Pages 101-120
موضوعها اليه، كمسألة المجنون والصبي فإنه راجع إلى فعل الولي، هكذا في الخيالي (١) وحواشيه. ومسائله الأحكام الشرعية العملية كقولنا الصلوة فرض، وغرضه النجاة من عذاب النار ونيل الثواب في الجنة. وشرفه مما لا يخفى لكونه من العلوم الدينية. علم الفرائض: وهو علم يبحث فيه عن كيفية قسمة تركة الميّت بين الوَرَثة، وموضوعه قسمة التركة بين المستحقين. وقيل موضوعه التركة ومستحقّوها، والأول هو الصحيح، لأنهم عدوّا الفرائض بابًا من الفقه، وموضوع الفقه هو عمل المكلّف، والتركة ومستحقوها ليس من قبيل العمل، كذا في الخيالي. علم السلوك: وهو معرفة النفس ما لها وما عليها من الوجدانيات على ما عرفت قبيل هذا، ويسمّى بعلم الأخلاق وبعلم التصوّف أيضًا. وفي مجمع السلوك: وأشرف العلوم علم الحقائق والمنازل والأحوال، وعلم المعاملة والإخلاص في الطاعات والتوجّه إلى الله تعالى من جميع الجهات، ويسمّى هذا العلم بعلم السلوك. فمن غلط في علم الحقائق والمنازل والأحوال المُسمّى بعلم (٢) التصوّف فلا يُسأل عن غلطه إلاّ عالِمًا منهم كاملَ العرفان، ولا يَطلب ذلك من البزدوي والبخاري(٣) والهداية(٤) وغير ذلك. وعلم الحقائق ثمرة العلوم كلها وغايتها، فإذا انتهى السالك إلى علم الحقائق وقع في بحرٍ لا ساحل له، وهو أي علم الحقائق علم القلوب وعلم المعارف وعلم الأسرار، ويُقال له علم الإشارة. وفي موضع آخر منه. ويقول كبارُ مشايخ أهل الباطن: إنه يجبُ بعدَ تحصيل علم المعرفة والتوحيد والفقه والشرائع أن يتعلَّمَ (السَّالك) علم آفاتِ النَّفس ومعرفتها وعلم الرياضة، ومكايد الشيطان للنفس وسُبل الاحتراز منها. ويقال لهذا العلم علم الحكمة، ذلك أن نفس السالك متى استقامت على الواجبات. وصَلُّحَ طبعُ السَّالك. وتأدّب بآداب الله. أمكنه حينئذ أنْ يراقبَ خواطره وأنْ يطهّر سريرتَه؛ وهذا العلمُ يقال له علمُ المعرفة. وأمّا مراقبة الخواطر فهي أن يتفكّرَ في الحق ولا يُمكنه أن يشغلَ كل خواطره بذات الحق، بلْ بالأغراض، أي فيما سوَى الله تعالى. (١) حاشية الخيالي للمولوي عبد الحكيم بن شمس الدين الهندي السيالكوتي (- ١٠٦٧ هـ / ١٦٥٦م) على حاشية شرح العقائد النسفية لأحمد بن موسى الشهير بخيالي (- ٨٦٢هـ / ١٤٥٧م) كشف الظنون ١١٤٥/٢ و١١٤٨. (٢) البزدوي هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أبو الحسن، فخر الاسلام البزدوي. ولد عام ٤٠٠ هـ/ ١٠١٠ م توفي عام ٤٨٢ هـ/ ١٠٨٩م. فقيه أصولي من أكابر الحنفية، له تصانيف هامة. الاعلام ٣٢٨/٤، الفوائد البهية ١٢٤، مفتاح السعادة ٥٤/٢، الجواهر المضية ٣٧٢/١. (٣) البخاري هو محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة البخاري، ابو عبدالله. ولد في بخارى عام ١٩٤ هـ/ ٨١٠م ومات بسمرقند عام ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠م حبر الاسلام، والحافظ لحديث رسول الله (1983، صاحب الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري، له عدة تصانيف. الاعلام ٦/ ٣٤، تذكرة الحفاظ ٢/ ١٢٢، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٧، وفيات الاعيان ١/ ٤٥٥، تاريخ بغداد ٤/٢. طبقات السبكي ٢/٢، طبقات الحنابلة ٢٧١/١، آداب اللغة ٢١٠/٢ وغيرها . (٤) الهداية شرح البداية لبرهان الدين أبي الحسن علي بن ابي بكر بن عبد الجليل المرغيناني (- ٥٩٣هـ/ ١١٩٧م)، طبع في لندن باعتناء Ch. Hamilton، ١٧٩١م . معجم المطبوعات العربية ١٧٣٩ . ٤٢ وأما تطهيرُ السَّرائرِ فهو أن يتطهرَ من كل ما يُلوّثُه، حتى إذا وَصَلَ إلى علم المعرفة أصبح بمقدوره أنْ يَصلَ إلى علمِ المكاشَفةِ والمشاهدةِ، وهذا ما يُطلق عليه الإشارة. انتهى(١). وموضوعه أخلاق النفس إذْ يُبحث فيه عن عوارضها الذاتية، مثلاً حبّ الدنيا في قولهم: حبّ الدنيا رأس كل خطيئة، خلق من أخلاق النفس حكم عليه بكونه رأس الخطايا ورأس الأخلاق الرذيلة التي تتضرر بسببها النفس، وكذا الحال في قولهم: بُغضُ الدنيا رأس الحسنات؛ وغرضه التقرّب والوصول إلى الله تعالى. فائدة وَرَدَ في مَجمع السلوك، أيّها الاخُ العزيز: بما أنّ مقاماتِ الناس وأفهامَها مختلفة، وقد قال النبي وَل: (نحنُ معاشرَ الأنبياءِ أُمِرنا أن نُكلِّم الناسَ على قَدْرِ عقولهم))(٢). لذا اتفق الصوفية على اصطلاحاتٍ وألفاظ فيما بينهم، وأشاروا إلى تلك الألفاظ بالمصالح، لكي يُدرِك عنهم كلّ مَنْ كانَ له حَظّ من الفَهْمِ؛ وأمّا مَنْ كان غيرَ أهلٍ لذلك فإنه يبقى بعيدًا(٣). العلوم الحقيقية هي العلوم التي لا تتغيّر بتغيّر الملل والأديان، كذا ذكر السيّد السنّد في حواشي شرح المطالع، وذلك كعلم الكلام إذْ جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا متّفقين في الاعتقاديات، وكعلم المنطق وبعض أنواع الحكمة. وعلم الفقه ليس منها لوقوع التغير فيه بالنسخ. (١) مشايخ كبار أهل باطن ميفرمايند بعد تحصيل علم معرفت وتوحيد وفقه وشرائع لازم تاست كه علم آقات نفس ومعرفت آن وعلم ریاضت ومکائد شیطان ونفس وسبیل احتراز آن بیاموزد واین را علم حکمت گویند تاچون نفس سالك برواجبات استقامت یافت وطبع وي صالح گشت وبآداب خدای مودب گشت ممکن گردد مر ویرا مراقبه خواطر وتطهیر سرائرو اين را علم معرفت گويند. ومراقبه خواطر آنست كه همه ازحق انديشد ونتواند همه خواطر بحق مشغول داشتن مگر باعراض از ما سوی الله تعالی وتطهیر سرائر آنباشد که مراورا بشويد از هر چیزي که مراورا بیالا ید تاچون علم معرفت دست دهد ممکن بود که بعلم مکاشفه ومشاهده رسد واین را علم اشارت گویند، انتھی. (٢) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس. جـ ٣٩٨/١، عن ابن عباس، الحديث رقم ١٦١١، بلفظ: آمرت أن نكلم الناس على قدر عقولهم. واخرجه الهندي في كنز العمال، ١٠/ ٢٤٢، رقم ٢٩٢٨٢، بلفظ ((امرنا ... )) وعزاه للديلمي. واخرجه السخاوي في المقاصد الحسنة، ٩٣ رقم ١٨٠، وقال عقبه :... ورواه ابو الحسن التميمي من الحنابلة في العقل له بسنده عن ابن عباس بلفظ: ((بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس قدر عقولهم»، وله شاهد من حديث مالك عن سعيد بن المسيب رفعه مرسلاً: ((إنا معاشر الأنبياء أمرنا ... )). (٣) در مجمع السلوك مي آرد اى عزيز جون مقامات وفهم مردم مختلف شد وحضرت رسالت بناه عليه الصلوة والسلام فرموده اند ((نحن معاشر الأنبياء امرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم) لا جرم صوفية تدبیر کرده اند وميان خويش اندر علم خود الفاظي بنهادند واصطلاح كردند وبدان الفاظ بمصالح اشارت كردند تاهركه خداوند مقام وفهم بود دریافت وهرکس که نا اهل بود نیافت. ٤٣ علم المنطق: ويسمّى علم الميزان إذْ به تُوزَن الحجج والبراهين. وكان أبو علي (١) يسمّيه خادم العلوم إذ ليس مقصودًا بنفسه، بل هو وسيلة إلى العلوم، فهو كخادم لها. وأبو نصر (٢) يسمّيه رئيس العلوم لنفاذ حكمه فيها، فيكون رئيسًا حاكمًا عليها. وإنّما سمّي بالمنطق لأن النطق يطلق على اللفظ وعلى إدراك الكليّات وعلى النفس الناطقة. ولما كان هذا الفن يقوّي الأول ويسلك بالثاني مسلك السّداد، ويحصل بسببه كمالات الثالث، اشتق له اسم منه وهو المنطق. وهو علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وشرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر. فالقانون يجيء بيانه في محله. والمعلومات تتناول الضرورية والنظرية. والمجهولات تتناول التصوّرية والتصديقية. وهذا أولى مما ذكره صاحب الكشف(٣): تفيد معرفة طرق الانتقال من الضروريات إلى النظريات، لإنه يوهم بالانتقال الذاتي على ما يتبادر من العبارة، والمراد الأعمّ من أن يكون بالذات أو بالواسطة. والمراد بقولنا بحيث لا يعرض الغلط في الفكر عدم عروضه عند مراعاة القوانين كما لا يخفى، فإنّ المنطقي ربما يُخطئ في الفكر بسبب الإهمال، هذا مفهوم التعريف. واما احترازاته فالعلم كالجنس، وباقي القيود كالفصل احتراز عن العلوم التي لا تفيد معرفة طرق الانتقال، كالنحو والهندسة، فإن النحو إنما يبيّن قواعد كلية متعلقة بكيفية التلفّظ بلفظ العرب على وجهٍ كلي، فإذا أريد أن يتلفظ بكلام عربي مخصوص على وجه صحيح احتيج إلى أحكام جزئية تُستخرج من تلك القواعد كسائر الفروع من أصولها. فتقع هناك انتقالات فكرية من المعلّوم إلى المجهول لا يفيد النحو معرفتها أصلاً. وكذلك الهندسة يتوصل بمسائلها القانونية إلى مباحث الهيئة بأن تُجعل تلك المسائل مبادئ الحجج التي تُستدَلّ(٤) بها على تلك المباحث، وأما الأفكار الجزئية الواقعة في تلك الحجج فليست الهندسة مفيدة لمعرفتها قطعًا. قيل التعريف دَوْرِي لأن معرفة طرق الاكتساب جزء من المنطق، فيتوقف تحققه على معرفة طرق الاكتساب؛ فلو كانت معرفتها مستفادة من المنطق توقفت عليه فلزم الدور. وأجيب بأنّ جزء المنطق هو العلم بالطرق الكلية وشرائطها، لا العلم بجزئياتها المتعلّقة بالمواد (١) ابن سينا الشيخ الرئيس هو الحسين بن عبدالله بن سينا، أبو علي، شرف الملك، الفيلسوف الرئيس، ولد في ضواحي بخارى عام ٣٧٠هـ/ ٩٨٠م ومات بهمذان عام ٤٢٨ هـ/ ١٠٣٧ م. من دعاة الباطنية. فيلسوف إلهي، ناظر العلماء واشتهر، وله العديد من المؤلفات المعروفة. الاعلام ٢/ ٢٤١، وفيات الأعيان ١٥٢/١، تاريخ حكماء الاسلام ٢٧ - ٧٢، خزانة الأدب ٤٦٦/٤، دائرة المعارف الإسلامية ٢٠٣/١، لسان الميزان ٢٩١/٢، تاريخ آداب اللغة ٣٣٦/٢ وغيرها . (٢) ابو نصر الفارابي هو محمد بن طرخان بن أوزلغ، أبو نصر الفارابي، ولد بفاراب عام ٢٦٠ هـ/ ٨٧٤م. وتوفي بدمشق عام ٣٣٩هـ/ ٩٥٠م أكبر فلاسفة المسلمين، ويعرف بالمعلم الثاني. تركي الأصل، مستعرب، أول من وضع آلة القانون. له العديد من المصنفات الهامة. الاعلام ٧/ ٢٠، وفيات الأعيان ٧٦/٢، طبقات الاطباء ١٣٤/٢، تاريخ حكماء الاسلام ٢٣٠، آداب اللغة ٢١٣/٢، البداية والنهاية ٢٢٤/١١، الوافي بالوفيات ١٠٦/١، مفتاح السعادة ٢٥٩/١، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٤٠٧ وغيرها . (٣) الكشف الأرجح أنه جامع الدقائق في الكشف عن الحقائق لعلي بن عمر بن علي الكاتبي القزويني، (- ٦٧٥ هـ/ ١٢٧٧م). كشف الظنون ١/ ٥٤٠ ومعجم المؤلفين ١٥٩/٧ . (٤) يستدل (م، ع). ٤٤ المخصوصة، وهذا هو الذي جعل مستفادًا من المنطق والمشعِر على ذلك استعمال المعرفة في إدراك الجزئيات. ثم هذا التعريف مشتمل على العلل الأربع، فإنّ مادته هي القوانين، تحتمل هذا الفن وغيره، كما أن المادة أمر مُبهم في نفسها تحتمل أمورًا ولا تصير شيئًا معيّنًا منها، إلّ بأن ينضم إليها ما يحصله وما يعينه. وقولنا تفيد معرفة طرق الانتقال إشارة إلى الصورة لأنه المخصّص لها، أي للقوانين بالمنطق، وقد أُشير أيضًا إلى العلّة الفاعلية بالالتزام، وهو العارف بتلك الطرق الجزئية المفادة العالم بتلك القوانين المفيدة إياها. وقولنا بحيث لا يعرض الغلط إشارة إلى العلّة الغائية. اعلمْ أنّ المنطق من العلوم الآليّة لأنّ المقصود منه تحصيل المجهول من المعلوم، ولذا قيل الغرض من تدوينه العلوم الحكمية، فهو في نفسه غير مقصود؛ ولذا قيل المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، فالآلة بمنزلة الجنس والقانونية بمنزلة الفصل تخرج الآلات الجزئية لأرباب الصنائع، وقوله تعصم مراعاتها الخ يخرج العلوم القانونية التي لا تعصم مراعاتها عن الضلال في الفكر بل في المقال (١) كالعلوم العربية. والموضوع، قيل موضوعه التصوّرات والتصديقات، أي المعلومات التصوّرية والتصديقية لأن بحث المنطقي عن أعراضها الذاتية، فإنه يبحث عن التصوّرات من حيث أنها توصل إلى تصوّر مجهول إيصالاً قريبًا أي بلا واسطة كالحدّ والرسم أو إيصالاً بعيدًا ككونها كلية وجزئية وذاتية وعرضية ونحوها، فإن مجرد أمرٍ من هذه الأمور لا يوصل إلى التصوّر ما لم ينضم إليه آخر يحصل منهما حدّ أو رسم، ويبحث عن التصديقات من حيث أنها توصل إلى تصديق مجهول إيصالاً قريبًا كالقياس والاستقراء والتمثيل، أو بعيدًا ككونها قضية وعكس قضية ونقيضها، فإنها ما لم تنضم إليها ضميمة لا توصل إلى التصديق، ويبحث عن التصوّرات من حيث أنها توصل إلى التصديق إيصالاً أبعد ككونها موضوعات ومحمولات. ولا خفاء في أن إيصال التصوّرات والتصديقات إلى المطالب، قريبًا أو بعيدًا، من العوارض الذاتية لها، فتكون هي موضوع المنطق. وذهب أهل التحقيق إلى أن موضوعه المعقولات الثانية لا من حيث أنها ما هي في أنفسها ولا من حيث أنها موجودة في الذهن، فإن ذلك وظيفة فلسفية بل من حيث أنها توصل إلى المجهول، أو يكون لها نفع في الإيصال، فإن المفهوم الكلّي إذا وجد في الذهن وقيس إلى ما تحته من الجزئيات فباعتبار دخوله في ماهياتها يعرض له الذاتية، وباعتبار خروجه عنها العرضية، وباعتبار كونه نفس ماهياتها النوعية. وما عرض له الذاتية جنس باعتبار اختلاف أفراده وفصل باعتبار آخر. وكذلك ما عرض له العرضية إمّا خاصة أو عرض عام باعتبارين مختلفين. وإذا ركبت الذاتيات والعرضيات إمّا منفردة أو مختلطة على وجوه مختلفة عرض لذلك المركّب الحدِّية والرّسمية. ولا شك أن هذه المعاني، أعني كون المفهوم الكلي ذاتيًا أو عرضيًا أو نوعًا ونحو ذلك، ليست من الموجودات الخارجية بل هي مما يعرض للطبائع الكلية، إذا وجدت في الأذهان، وكذا الحال في كون القضية حملية أو شرطية، وكون الحجة قياسًا او استقراءً أو تمثيلاً، فإنها بأسرها عوارض تعرض لطبائع النسب الجزئية في الأذهان إما وحدها أو مأخوذة مع غيرها، فهي أي المعقولات الثانية موضوع المنطق. ويبحث المنطقي عن المعقولات الثالثة وما بعدها من المراتب، فإنها عوارض ذاتية للمعقولات (١) المثال (م). ٤٥ الثانية، فالقضية مثلاً معقول ثانٍ يبحث عن انقسامها وتناقضها وانعكاسها وإنتاجها إذا ركّبت بعضها مع بعض، فالإنعكاس والإنتاج والإنقسام والتناقض معقولات واقعة(١) في الدرجة الثالثة من التعقّل، وإذا حكم على أحد الأقسام أو أحد المتناقضين مثلاً في المباحث المنطقية بشيء كان ذلك الشيء في الدرجة الرابعة من التعقّل، وعلى هذا القياس. وقيل موضوعه الألفاظ من حيث أنها تدل على المعاني، وهو ليس بصحيح لأن نظر المنطقي ليس إلّ في المعاني، ورعاية جانب اللفظ إنما هي بالعرض . اعلمْ أن الغرض من المنطق التمييز بين الصدق والكذب في الأقوال والخير، والشرّ في الأفعال، والحق والباطل في الاعتقادات. ومنفعته القدرة على تحصيل العلوم النظرية والعملية. وأما شرفه فهو أن بعضه فرض وهو البرهان، لأنه لتكميل الذات، وبعضه نفل(٢) وهو ما سوى البرهان(٣) من أقسام القياس، لأنه للخطاب مع الغير، ومن اتقن المنطق فهو على درجة من سائر العلوم، ومن طلب العلوم الغير المتّسقة وهي ما لا يُؤمن فيها من الغلط ولا يَعلم المنطق فهو كحاطب الليل وكرامد العين، لا يقدر على النظر إلى الضوء لا لبخل من الموجد بل لنقصان في الاستعداد. والصواب الذي يصدرُ من غير المنطقي كرمي من غير رام. وقد يندر للمنطقي خطأ في النوافل دون المهمّات، لكنه يمكنه استداركه بعرضه علىّ القوانين المنطقية. ومرتبته في القراءة أن يقُرَأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من الهندسة والحساب. أما الأول فلما قال ابقراط(٤): البدن الذي ليس يُنقّى كلّما غذوته إنما يزيده شرًّا ووبالاً، ألا ترى أنّ الذين لم يُهذّبوا أخلاقهم إذا شرعوا في المنطق سلكوا منهج الضلال، وانخرطوا في سلك الجهّال، وأنفوا أن يكونوا مع الجماعة، ويتقلّدوا ذلّ الطاعة، فجعلوا الأعمال الطاهرة والأقوال الظاهرة من البدائع التي وردت بها الشرائع وقر(٥) آذانهم، والحق تحت أقدامهم وأما الثاني فلتستأنس طبائعهم إلى البرهان، كذا في شرح إشراق الحكمة. ومؤلّف المنطق ومدوّنهُ أرسطو (٦). (١) واضحة (م). (٢) نقل (م). (٣) البراهين (م). (٤) ابقراط (٤٦٠ - ٣٧٧ ق. م.) أقام في حمص وكان عالمًا موسوعيًا في الطب جمع علوم عصره ومن سبقه. مارس الطب تاركًا اثارًا كثيرة جمعها خلال ملاحظاته ومعالجاته. اعتقد أن الجسم يتكون من عناصر أربعة رئيسية، وأن المرض يقع عندما يحدث اختلال في توازن هذه العناصر في الجسم الإنساني. نقلت أعماله إلى اللغات الأوروبية الحديثة. واستفاد منه أطباء العرب والمسلمين وعرفوه. أشهر مؤلفاته كتاب الفصول المتضمن لمقالات عدة باليونانية . Larousse du xxème siéc. t.3, P.1036. Webster's, New International Dictionary, P.1181. صوان الحكمة، ص ٢٠٧ - ٢١٤، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، ١٣٢٦ هـ، ص ٦٤. (٥) دبر (م). (٦) أرسطو طاليس (٣٨٤ - ٣٢٢ ق. م.) وُلِدَ في اسطاغيرا Stageria وهي مدينة يونانية من أعمال اسيا الصغرى - تركيا - وتقع على بحر ايجه هو ابن نيقوماخوس طبيب البلاط عند الملك امنتاس Amyntas الثاني المقدوني، والد فيليب وجد الاسكندر الأكبر. فلا عجب إن أصبح أرسطو معلمًا للأسكندر. تلقى ارسطو المبادئ العلمية فتشبّع في النظرة الواقعية، بمثل ما تشبّع بفكر أفلاطون معلمه بعد إلتحاقه بمدرسته في أثينا، حيث بقي يتتلمذ على يديه زهاء عشرين عامًا. فلا مندوحة إن جمع ارسطو نظرة واقعية وفكرًا مثاليًا من معلمه افلاطون ذهب إلى اسوس Assus من أعمال= ٤٦ وأما القسمة فاعلمْ أنّ المنطقي إما ناظر في الموصِل إلى التصوّر ويُسمّى قولاً شارِحًا ومعرِّفًا، وإمّا ناظر في الموصِل إلى التصديق ويسمّى حُجة. والنظر في المعرّف إمّا في مقدماته وهو باب إيساغوجي وإمّا في نفسه وهو باب التعريفات. وكذلك النظر في الحجة، إمّا فيما يتوقف عليه وهو باب(١) ارمينياس وهو باب القضايا وأحكامها، وإمّا في نفسها باعتبار الصورة وهو باب القياس، أو باعتبار المادّة وهو باب من أبواب الصناعات الخمس، لأنه إن أوقع ظنًا فهو الخطابة، أو يقينًا فهو البرهان، وإلاّ فإنْ اعتبر فيه عموم الاعتراف والتسليم فهو الجدل وإلاّ فهو المغالطة. وأمّا الشعر فلا يوقع تصديقًا ولكن لإفادته التخييل الجاري مجرى التصديق من حيث إنه يؤثر في النفس قبضًا أو بسطًا، عُدَّ في الموصِل إلى التصديق. وربما يُضم إليها باب الألفاظ فتحصل الأبواب عشرة، تسعة منها مقصودة بالذات وواحد بالعرض. علم الحكمة: له تعريفات، فقيل: هو علم باحث عن أحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية. ولفظ على متعلّق بقوله باحث. والبحث عن أحوال أعيان الموجودات، أي أحوال الموجودات العينية الخارجية، حمل تلك الأحوال عليها، يعني علم تُحمل فيه أحوال أعيان الموجودات عليها على وجه هي أي أعيان الموجودات عليه، أي علي ذلك الوجه من الإيجاب والسلب والكلية والجزئية في نفس الأمر. وقوله بقدر الطاقة البشرية متعلّق أيضًا بقوله باحث، لكن بعد اعتبار تقييده بقوله على ما هي عليه، يعني بذل جهده الإنساني بتمامه في أن يكون بحثه مطابقًا لنفس الأمر، فدخلت في التعريف المسائل المخالفة لنفس الأمر المبذولة الجهد بتمامه في تطبيقها على نفس الأمر، ولما كان في توصيف العلم بالباحث مسامحة قيل: هو علم بأعيان الموجودات الخ. وإن قيل التعريف لا يشتمل العلوم التصوّرية، قلت: هذا على رأي الأكثرين القائلين بأنها ليست داخلة في الحكمة. وقيل المراد بالأحوال المبادئ فقط وهي التي تتوقف عليها المسائل تصوراتٍ كانت أو تصديقات أو هي والمحمولات. وإن قيل يخرج عن الحكمة العلم بأحوال الأعراض النسبية إذ النسبة ليست موجودة في الخارج، قلت: هي موجودة عند الحكماء. ولو سلّم عدم وجودها فالبحث عنها استطرادي، أو نقول: البحث عنها في الحقيقة بحث عن أحوال العرض الذي هو موجود خارجي، وإن لم يكن بعض أنواعه أو أفراده موجودًا، كما يبحث في الحكمة عن الحيوان وبعض أنواعه كالعنقاء، وبعض أفراده غير موجود ولا يخرج الحيوان عن الموجودات الخارجية فتأمل. ولا يرِد أنّ قيد ما هي عليه يغني عن قيد = طروادة في آسيا الصغرى ليؤسس فرعًا لاكاديمية أفلاطون الأتينية. ثم طلبه فيليب المقدوني ليقيم في بلاطه ويعلم ابنه. عاد أرسطو إلى أثينا ليؤسّس مدرسة عرفت باللوقيوم Lyceum، إذ سمّيت فيما بعد بالمدرسة المشائية، لأن افرادها كانوا يتناقشون في المسائل الفكرية اثناء مشيهم جيئة وذهابًا. ترك ارسطو جمعًا كبيرًا من المؤلفات أوردها على هيئة محاورات توزعت على مراحل: فترة الشباب ثم الرجولة فالدور الأخير، وكان لكل منها طابعه، ففي البداية تأثر بأفلاطون، ثم نقد نظرية المثل عنده، ثم قدم آراءه العلمية. وترك ارسطو مجموعة منطقية مهمّة سمّيت لاحقًا بالاورغانون. كما ترك اراء في الطبيعة والحياة والماورائيات والاخلاق والسياسة ونسب إليه كتب منحولة. (١) باری (م) باب (ك ع). ٤٧ نفس الأمر لأن العلوم العربية علم بأحوال الموجود كالألفاظ على وجه يكون الموجود على ذلك الوجه، ككون اللفظ مفردًا أو مركبًا ونحو ذلك، لكنها ليست بنفس أمرية بل باعتبار المعتبر وضع الواضع فلا بُدّ من تقييده. ولا يلزم من عدم كونها نفس أمرية كذبُها، إذ لزوم الكذب إنما يلزم لو حُكم على مسائلها كذلك في نفس الأمر مع قطع النظر عن الوضع، وليس كذلك، فإنهم يحكمون بأن بعض الألفاظ مفرد وبعضها مركّب بحسب وضع الواضع، وهذا الحكم مطابق لنفس الأمر فلا يكون كاذبًا. ولا يتوهّم دخولها على هذا في الحكمة لأن معنى نفس الأمر ههنا هو الواقع مع غير ملاحظة الوضع. إن قيل: قوله بقدر الطاقة البشرية يخرج علمه تعالى من الحكمة، إذ علمه فوق طوق البشر فلا يكون هو حكيمًا، قلت: علمه تعالى حاصل مع الزيادة، والتقييد يفيد أن هذا القدر ضروري لأن الزائد على هذا القيد مُضرّ. أو يقال: هذا تعريف حكمة المخلوق لا حكمة الخالق. ثم إنه لا ضيرَ في كون الحكمة أعلى العلوم الدينية، وكونه صادقًا على الكلام والفقه، إذْ التحقيق أنّ الكلام والفقه من الحكمة. قال المحقق التفتازاني: إن الحكمة هي الشرائع، وهذا لا ينافي ما ذكروا من أنّ السالكين بطريق أهل النظر والاستدلالات وطريقة أهل الرياضة والمجاهدات، إنْ اتبعوا ملةً فهم المتكلمون والصوفيون، وإلاّ فهم الحكماء المشّائيون والإشراقيون، إذْ لا يلزم منه أن لا يكون المتكلّم والصوفي حكيمًا، بل غاية ما لزم منه أنْ لا يكون حكيمًا مشَّائيًا وإشراقيًا . إنْ قلت: فعلى هذا ينبغي أنْ تُذكر العلوم الشرعية في أنواع الحكمة. قلت: لا امتناع في ذلك، لكونها شاملةً للعلوم الشرعية بحسب المفهوم، إلاّ أنّ الحكمة لما دوّنها الحكماء الذين لا يُبالون بمخالفة الشرائع، فالأليق أنْ لا تُعدَّ العلوم الشرعية منها. وأيضًا العلوم الشرعية أشرف العلوم، فذكرها على حدة إشارة إلى أنها بشرفها بالغة إلى حدّ الكمال، كأنها منفردة من الحكمة، وأنواعها غير داخلة فيها . إنْ قيل: الحدّ لا يصدُق على علم الحساب الباحث عن العدد الذي ليس بموجود، ولا على الهيئة الباحثة عن الدوائر الموهومة، قلت: العدد عندهم قسم من الكمّ الذي هو موجود عندهم. نعم عند المتكلمين ليس من الموجودات، والتعريف للحكماء، والبحث عن الدوائر الهيئية من حيث إنها من المبادئ، وليست موضوعاتها، بل موضوعها الأجرام العلويّة والسفليّة، من حيث مقاديرها وحركاتها وأوضاعها اللازمة لها . إنْ قيل: يصدق التعريف على علم العقول مع أنهم لا يطلقون أن العقل حكيم، وعلى علم الأفلاك والكواكب على رأي مَنْ يُثبت النفوس الناطقة لها، فيكون الفلك والكوكب حكيمًا، ولا قائل به. قلت: هذا التعريف لحكمة البشر كما عرفت. أو نقول بتخصيص العلم بالحصولي الحادث. ويُجاب أيضًا عن الأخير بأن هذا التعريف على رأي مَنْ لا يثبت النفوس الناطقة لها . إنْ قيل: يصدق التعريف على العلم بالأحوال الجزئية المتعلقة بالأعيان كالعلم بقيام زيد، قلت : إنّ المراد بالأحوال ما له دخل في استكمال النفس وهذه الأحوال ليست كذلك، أو المراد ما يُعتدُّ به من الأحوال. ثم المراد من الأحوال جميع ما يمكن لأوساط الناس العلم به أو البعض المعيّن المعتدّ به مع القدرة على العلم بالباقي بقدر الطاقة على ما هو شأن جميع العلوم المدوّنة. فحاصل ٤٨ التعريف على تقدير شموله للعلوم التصورية أنّ الحكمة علم متعلّق بجميع أحوال الموجودات العينية المكمّلة للنفس بحسب ما يمكن، أو بعضها المعتدّ به تصوريًا أو تصديقًّا محتاجًا إلى التنبيه، أو نظريًا على وجه تكون الموجودات وأحوالها على ذلك الوجه في الواقع لا بالوضع، والاعتبار بقدر الطاقة البشرية من أوساط الناس، فيصير مآل هذا التعريف، وما قيل إنّ الحكمة علم بأعيان الموجودات وأحوالها على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية واحدًا. وإذا قلنا بعدم شموله للتصورات حذفنا عن هذا الحاصل القيدَ الذي به يلزم الشّمول. ومنهم من ترك قيد الأحوال لشمول العلم التصوّر والتصديق، وترك قيد نفس الأمر لأن التقييد به مستدرك، فقال: الحكمة علم بأعيان الموجودات على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية. اعلمْ أنهم اختلفوا في أنّ المنطق من العلم أم لا. فمَنْ قال إنه ليس بعلم فليس بحكمة عنده إذْ الحكمة علم. ومَنْ قال بأنه علم اختلفوا في أنه من الحكمة أم لا . والقائلون بأنه من الحكمة يمكن الاختلاف بينهم بأنه من الحكمة النظرية جميعًا أم لا ، بل بعضه منها وبعضه من العملية، إذْ الموجود الذهني قد يكون بقدرتنا واختيارنا وقد لا يكون كذلك. والقائلون بأنه من الحكمة النظرية يمكن الاختلاف بينهم بأنه من أقسامها الثلاثة أم قسم آخر، فمَنْ أخذ في تعريفها قيد الأعيان، كما في التعريفات المذكورة، لم يعدّه من الحكمة، لأن موضوعه المعقولات الثانية التي هي من الموجودات الذهنية. وإنما أخذ قيد الأعيان لأن كمال الإنسان هو إدراك الواجب تعالى، والأمور المستندة إليه في سلسلته العلّة بحسب الوجود الأصلي، أي الخارجي، ولا كمال معتدًّا به في إدراك أحوال المعدومات، وإذا بحث عنها في الحكمة كان على سبيل التبعية. والبحث عن الوجود الذهني بحث عن أحوال الأعيان أيضًا من حيث إنها هل لها نوع آخر من الوجود أوْ لا . ومَنْ حذف قيد الأعيان فقال: هي علم بأحوال الموجودات الخ، عدّه من الحكمة النظرية إذْ لا يُبحث في المنطق إلاّ عن المعقولات الثانية التي ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا . ومنهم مَن فسَّر الحكمة بالكمال الحاصل للنفس الخارج من القوة إلى الفعل بحسب القوانين(١)، اي النظرية والعملية، ولا حاجة إلى التقييد بالخارج من القوة إلى الفعل لأنه معتبر في الكمال. ومنهم من فسَّرها بما يكون تَكمُّلاً للنفس الناطقة كمالاً مُعتدًّا به. وقيل هي خروج النفس إلى كمالها الممكن في جانبي العلم والعمل، أما في جانب العلم فبأن تكون متصوّرة للموجودات كما هي ومصدّقة بالقضايا كما هي، وأما في جانب العمل فبأن تحصل لها الملكة التّامة على الأفعال المتوسّطة بين الإفراط والتفريط. والمراد بالخروج ما يخرج به النفس، إذ الخروج ليس بحكمة. قيل الحكمة ليست ما تخرج به النفس إلى كمالها بل هي الكمال الحاصل الخ فمؤدّى التعريفات الثلاثة واحد. والمنطق على هذه التعاريف من الحكمة أيضًا. ويقرب من التعريف الأخير من هذه التعاريف الثلاثة ما وقع في شرح حكمة العين من أن الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتحصيل ما عليه الوجود في نفسه، وما عليه الواجب مما ينبغي أن يعمل من الأعمال، وما لا(٢) ينبغي، لتصير كاملةً مضاهيةً للعالَم العُلوي، وتستعد بذلك للسعادة القصوى الأخروية بحسب الطاقة البشرية. (١) القوين (ع). (٢) لا (- م). ٤٩ الموضوع: موضوع الحكمة على القولين أي القول بأن المنطق منها والقول بأنه ليس منها، فليس شيئًا واحدًا هو الموجود مطلقًا أو الموجود الخارجي، بل موضوعها أشياء متعدّدة متشاركة في أمرٍ عرضي هو الوجود المطلق أو الخارجي، وإلّ لم يجُز أنْ يُبحث في الحكمة عن الأحوال المختصة بأنواع الموجود إذ البحث عن العارض لأمرٍ أخصّ الذي هو من الأعراض الغريبة غير جائز. فإذا لم يكن موضوعها شيئًا واحدًا فالأحسن أن تقيّد الأحوال المشتركة فيها بقيود مخصّصة لها بواحدٍ واحدٍ من تلك الأشياء لِئلا تكون تلك الأحوال من الأعراض العامة الغريبة، كتقييد الوجود الذي يُحمل على الواجب بكونه مبدأ لغيره ليكون مختصًّا بالواجب وهكذا. والغرض من الفلسفة الوقوف على حقائق الأشياء كلّها على قدر ما يمكن للإنسان أن يقف عليه ويعمل بمقتضاه ليفوز بسعادة الدارين. التقسيم الأعيان الموجودة إما الأفعال والأعمال ووجودها بقدرتنا واختيارنا، أوْ لا. فالعلم بأحوال الأول من حيث إنه يؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد يُسمّى حكمة عمليَّة لأن غايتها ابتداء الأعمال التي لقدرتنا مدخل فيها، فنسبت إلى الغاية الابتدائية. والعلم بأحوال الثاني يسمّى حكمة نظرية. وذكرُ الحركة والسكون والمكان في الحكمة الطبعية (١) بناءً على كونها من أحوال الجسم الطبعي(٢) الذي ليس وجوده بقدرتنا، وإن كانت تلك مقدورة لنا. وإنّما سُمّيت حكمةً نظرية لأن غايتها الابتدائية ما حصل بالنظر وهو الإدراكات التصوّرية والتصديقية المتعلّقة بالأمور التي لا مدخل لقدرتنا واختيارنا فيه. ولا يَرِد أنّ الحكمة العملية أيضًا منسوبة إلى النظر لأن النظر ليس غايتها، ولأن وجه التسمية لا يلزم اطراده. وإنما قيدت الأحوال بالحيثية المذكورة لأنهم كما لا يعدّون من الكمال المعتدّ به النظر في الجزئيات المتغيّرة من حيث خصوصها، كذلك لا يعدّون من الكمال النظر في الأعمال لا من هذه الحيثية. قيل إنْ أريد بالأحوال ما لا يوجد إلاّ بقدرتنا واختيارنا، فيخرج عن الحكمة العملية بعضُ الأخلاق كالشجاعة والسخاوة الذاتيتين، وإنْ أريد بها ما يوجد بقدرتنا واختيارنا في الجملة فيدخل فيها بعض مباحث الحكمة النظرية كالأصوات والنغمات. ويجاب باختيار الشقّ الأول: ولا بأس بخروج الأخلاق الذاتية لأنها ليست من تهذيب الأخلاق. وعدم دخولها في السياسة المدنية وتدبير المنزل ظاهر، وباختيار الشقّ الثاني وارتكاب كون الأصوات من الحكمة العملية. لا يقال الأعيان قد تكون ذواتًا وهي خارجة من التقسيم، لأنّا نقول هي داخلة في القسم الثاني أي قولنا أوْ لا . ثم الحكمة العملية ثلاثة أقسام، لأنها إمّا علمٌ بمصالح شخص بانفراده ويسمّى تهذيب الأخلاق، وعلم الأخلاق والحكمة الخلقية. وفائدتها تهذيب الأخلاق، أي تنقيح الطبائع بأن تعلم الفضائل وكيفية اقتنائها لتزكى بها النفس، وأن تعلم الرذائل وكيفية توقّيها لتطهّر عنها النفس. وإمّا علمٌ بمصالح جماعة متشاركة في المنزل كالولد والوالد والمالك والمملوك ونحو ذلك ويسمّى تدبير (١) الطبيعية (م). (٢) الطبيعي (م). ٥٠ المنزل. وفي بعض الكتب ويُسمّى علم تدبير المنزل والحكمة المنزلية. وفائدتها أن تُعلم المشاركة التي ينبغي أن تكون بين أهل منزل واحد لتنتظم بها المصلحة المنزلية التي تهمّ بين زوج وزوجة، ومالك ومملوك، ووالد ومولود. وإمّا علم بمصالح جماعة متشاركة في المدينة (١) ويسمّى السياسة المَدَنية، بفتح الميم والدّال المهملة لا بضمهما، سُمّيت بها لحصول السياسة المدنية أي مالكية الأمور المنسوبة إلى البلدة بسببها. وفي بعض الكتب ويُسمّى علم السياسة والحكمة السياسية والحكمة المدنية وسياسة الملك. وفائدتها أنْ تُعلم كيفية المشاركة التي بين أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الأبدان ومصالح بقاء نوع الإنسان. واعلمْ أنّ فائدة الحكمة الخلقية عامة شاملة الجميع أقسام الحكمة العملية. ثم مبادئ هذه الثلاثة من جهة الشريعة وبها تتبيّن كمالات حدودها، أي بعض هذه الأمور معلومة من صاحب الشرع على ما يدلّ عليه تقسيمهم الحكمة المدنية إلى ما يتعلّق بالملك والسلطنة إذ ليس العلم بهما من عند صاحب الشرع، كذا ذكر السيّد السنّد في حواشي شرح حكمة العين(٢). ومنهم من قَسَّم المدنية إلى علم بمصالح جماعة متشاركة في المدينة تتعلّق بالملك والسلطنة ويُسمّى علم السياسة، وإلى علم بمصالح مذكورة تتعلّق بالنبوّة والشريعة ويسمّى علم النواميس. وتربيع القسمة لا يناقض التثليث لدخول قسمين منها في قسم واحد عند من يثّث القسمة. قيل في تربيع القسمة نظر، لأن التعلّق بالشريعة كما يجري في المدينة(٣) كذلك يجري في الآخرين. فالوجه في التقسيم على هذا أنْ يُقال كلّ واحد من الأقسام الثلاثة إمّا أنْ يُعتبر تعلّقه بالشريعة أوْ لا ، فالأقسام ستة حاصلة من ضرب الثلاثة في الإثنين. ثم اعلم أنّ موضوعَ الحكمة العمليةِ الأفعالُ الاختياريةُ؛ فالمراد بقولهم علم بمصالح شخص أو جماعة أنه علم بأحوال أفعال اختيارية صالحة تتعلّق بكل شخص أو جماعة. وفي الصدري(1) موضوع الحكمة العملية النفس الإنسانية من حيث اتصافها بالأخلاق والملكات انتهى. ثم توضيح الحصر في الأقسام الثلاثة أنّ الأفعال الاختيارية لا بُدّ لها من غاية وفائدة، وتلك الفائدة عائدة إلى كمال القوّة العملية للشخص، إما بالقياس إلى نفسه أو إلى الاجتماع مع جماعة خاصة أو عامة. فالعلم بأحوال الأفعال بالقياس إلى الأول تهذيب الأخلاق وبالقياس إلى الثاني تدبير المنزل وبالقياس إلى الثالث السياسة المدنية. فلا يرد أنه يتداخل الأقسام إذا كان لفعلٍ واحد فائدة راجعة إلى الكلّ. ولا يرد أيضًا أن أكثر مباحث الحكمة الخلقية غير مخصوص بشخص بانفراده، بل يصلح لمصالح الجماعة. ولا يرد أيضًا أنه يخرج عن الحكمة العملية العلم بمصالح جماعة متشاركة في غير المنزل والمدينة كالقرية وأمثالها . (١) المدينة (م، ع). (٢) حاشية على شرح حكمة العين لعلي بن محمد الجرجاني (- ٨١٦هـ/ ١٤١٣ م) علّق فيها على شرح قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي (- ٧١٠هـ / ١٣١٠م) لحكمة العين. وحكمة العين متن مختصر في الإلهي والطبيعي نجم الدين أبي الحسن علي بن محمد الكاتبي القزويني (- ٦٧٥ هـ / ١٢٧٧م). كشف الظنون، ٦٨٥/١. (٣) المدينة (ع). (٤) الصدري، أو شرح وقاية الرواية في مسائل الهداية لصدر الشريعة الثاني عبيد الله بن مسعود المحبوبي (- ٧٥٠هـ/ ١٣٤٩م) وقد فرغ من وضعه سنة ٧٤٣هـ / ١٣٤٢م، وسميّ الصدري لغلبة نعته على شرحه حتى صار اسمًا للشرح. كشف الظنون، ١/ ٢٠٢١. ٥١ والحكمة النظرية أيضًا ثلاثة أقسام لأنها إما علم بأحوال ما لا يفتقر في الوجود الخارجي والتعقّل، أي الإدراك والوجود الذهني إلى المادّة كالإله، ويسمّى بالإلهي، إذ مسائلها منسوبة إلى الإِلّه، وبالعلم الأعلى إذْ لا يُبحث فيه إلاّ عن الربّ الأعلى وعن العقول وهي الملأ الأعلى، وأيضًا لتنزّهه عن المادة وعوارضها التي هي مبدأ للنقصان، أليق بهذا الاسم وبالفلسفة الأولى تسمية للشيء باسم سببه، إذ هذا العلم سبب للفلسفة؛ وهي في اللغة اليونانية التشبّه بحضرة واجب الوجود. وتوصيفها بالأولى لحصولها من العلّة الأولى وهي الإلّه، وبالعلم الكليّ للعلم بالأمور العامة التي هي الكليات الشاملة لجميع الموجودات أو أكثرها. وبما بعد الطبيعة وقد يطلق عليه على سبيل النُدرة ما قبل الطبيعة أيضًا، وذلك لأن لمعلوماته قَبْلِية وتقدّمًا على معلومات الحكمة الطبيعة (١) باعتبار الذات والعليّة والشرف، وبَعْدِية وتأخّرًا باعتبار الوضع لكون المحسوسات أقرب إلينا، فسمّي بهما بالاعتبارين. وإمّا علم بأحوال ما يفتقر إليها في الوجود الخارجي دون التعقّل كالكرة، ويُسمّى بالعلم الأوسط لتنزّهه عن المادة بوجهٍ، وهو التعقّل، وبالرياضي لرياضة النفوس بهذا العلم أوّلًا، إذ الحكماء كانوا يفتتحون به في التعلّم، وبالتعليمي لتعليمهم به أولاً، ولأنه يبحث فيه عن الجسم التعليمي. وإمّا علمٌّ بأحوال ما يفتقر إليها في الوجود الخارجي والتعقل كالإنسان، ويُسمّى بالعلم الأدنى لدنائته وخساسته من حيث الاحتياج إلى المادة في الوجودين، وبالعلم الأسفل وهو ظاهر، وبالطبعي (٢) لأنه يبحث فيه عن الجسم من حيث اشتماله على الطبيعة. والحصر في الأقسام الثلاثة استقرائي، إذْ لم يجدوا موجودًا في الأعيان يكون مفتقرا إلى المادّة في التعقّل دون الوجود الخارجي، فلا يكون العلم بأحواله من الحكمة. ومنهم من ربَّع القسمة فجعل ما لا يفتقر إلى المادّة قسمين: ما لا يقارنها مطلقًا كالإله والعقول، وما يقارنها لا على وجه الافتقار، فسمّي العلم بأحوال الأول إلهيًا، وبأحوال الثاني علمًا كليًّا والفلسفة الأولى، ولا منافاة بين هذين التقسيمين، كما أنه لا منافاة بين تقسيمي الحكمة العملية. ويمكن أن يُجعل ما يقارن المادة لا على وجه الافتقار قسمين أحدهما ما يقارنها، وقد يفارقها كمباحث الأمور العامة، وثانيهما ما يقارنها ولا يفارقها كمباحث الصورة. ولعلهم لم يعتبروا أفراد هذا القسم لقلة مباحثه. ومبادئ هذه الأقسام مستفادة من أرباب الشريعة على سبيل التنبيه، ومتصرفة على تحصيلها بالكمال بالقوّة العقلية على سبيل الحجة. اعلمْ أنّ أقسام الحكمة النظرية أصولاً وفروعاً مع أقسام المنطق على ما يفهم من رسالة تقسيم الحكمة (٣) للشيخ الرئيس أربعة وأربعون، وبدون أقسام المنطق خمسة وثلاثون. فأصول الإلّهي خمسة: الأول الأمور العامة. الثاني إثبات الواجب وما يليق به. الثالث إثبات الجواهر الروحانية. الرابع بيان ارتباط الأمور الأرضية بالقوى السماوية. الخامس بيان نظام الممكنات، وفروعه قسمان: الأول البحث عن كيفية الوحي وصيرورة المعقول محسوسًا، ومنه تعريف الإلهيات، ومنه الروح الأمين. الثاني العلم بالمعاد الروحاني. وأصول الرياضي أربعة: الأول علم العدد. الثاني (١) الطبيعية (م)، الطبيعية (ع). (٢) بالطبيعي (م). (٣) رسالة تقسيم الحكمة أو الرسالة في اقسام العلوم العقلية للشيخ الرئيس أبي علي الحسين ... بن علي بن سينا (- ٤٢٨ هـ). نشر ضمن تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات في مطبعة الجوائب الاستانه ١٢٩٨هـ. معجم المطبوعات العربية ١٢٨ - ١٢٩. ٥٢ علم الهندسة. الثالث علم الهيئة. الرابع علم التأليف الباحث عن أحوال النغمات. ويسمّى بالموسيقي. وفروعه ستة الأول علم الجمع والتفريق. الثاني علم الجبر والمقابلة. الثالث علم المساحة. الرابع علم جرّ الأثقال. الخامس علم الزيجات والتقاويم. السادس علم الأرغنوة، وهو اتخاذ الآلات الغريبة. وأصول الطبعي (١) ثمانية: الأول العلم بأحوال الأمور العامة للأجسام. الثاني العلم بأركان العالم وحركاتها وأماكنها المسمّى بعلم السماء والعالم. الثالث العلم بكون الأركان وفسادها. الرابع العلم بالمركبات الغير التامة ككائنات الجوّ. الخامس العلم بأحوال المعادن. السادس العلم بالنفس النباتية. السابع العلم بالنفس الحيوانية. الثامن العلم بالنفس الناطقة. وفروعه سبعة الأول الطب. الثاني النجوم. الثالث علم الفراسة [وهو ما يُستدلّ فيه من خَلْقِ رجل على خُلقِه، يعني من الشكل](٢). الرابع علم التعبير. الخامس علم الطلسمات وهو مزج القوى السماوية بالقوى الأرضية. السادس علم النيرنجات وهو مزج قوى الجواهر الأرضية بعضها ببعض . السابع علم الكيميات وهو تبديل قوى الأجرام المعدنية بعضها ببعض. وأصول المنطق تسعة على المشهور: الأول باب الكليّات الخمس. الثاني باب التعريفات. الثالث باب التصديقات. الرابع باب القياس. الخامس البرهان. السادس الخطابة. السابع الجدل. الثامن المغالطة. التاسع الشعر. هذا خلاصة ما في العَلَمي حاشية شرح هداية الحكمة الميبذية(٣) وشرح حكمة العين وغيرهما. إعلمْ أنّ موضوع الحكمة النظرية هو الموجود الذي ليس وجوده بقدرتنا واختيارنا على ما لا يخفى. العلم الإلهي: هو علمٌ بأحوال ما لا يفتقر في الوجودين، أي الخارجي والذهني، إلى المادة، ويُسمّى أيضًا بالعلم الأعلى وبالفلسفة الأولى وبالعلم الكلّي وبما بعد الطبيعة وبما قبل الطبيعة. والبحث فيه عن الكميّات المتّصلة والكيفيات المحسوسة والمختصّة بالكميات وأمثالها، مما يفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي، إستطرادي. وكذا البحث عن الصورة مع أن الصورة تحتاج إلى المادة في التشكّل، كذا في العلمي، وفي الصدري من الحكمة النظرية ما يتعلّق بأمور غير مادية مستغنية القوام في نحوي الوجود العيني والذهني عن اشتراط المادة كالإلّه الحق، والعقول الفعّالة، والأقسام الأوّلية للموجود كالواجب والممكن والواحد والكثير، والعلّة والمعلول والكلّي والجزئي، وغير ذلك، فإنْ خالط شيء منها المواد الجسمانية فلا يكون على سبيل الافتقار والوجوب، وسمّوا هذا القسم العلم الأعلى، فمنه العلم الكلّي المشتمل على تقاسيم الوجود المسمّى بالفلسفة الأولى، ومنه الإلهي الذي هو فَقٌّ من المفارقات. وموضوع هذين الفنين أعمّ الأشياء وهو الموجود المطلق من حيث هو هو، انتهى. وأصول الإلّهي وفروعه قد سبقت. (١) الطبيعي (م). (٢) ما بين المعقوفين (+ م). (٣) على شرح هداية الحكمة للقاضي مير حسين بن معين الدين الميبُذي الحسيني (- ٩١٠ هـ / ١٥٠٤م) عدة حواشٍ، أبرزها : حاشية مصلح الدين محمد بن صلاح الدين اللاري (-٩٧٩ هـ/ ١٥٧١ م) وحاشية نصر الله بن محمد العمري المعروف بالخلخالي (- ٩٤٦ هـ/ ١٥٣٩م). وهداية الحكمة متن في المنطق لأثير الدين مفضل بن عمر الأبهري (- ٦٦٣ هـ / ١٢٣٨م) وعليه شروح كثيرة. كشف الظنون، ٢٠٢٨/٢ -٢٠٢٩. ٥٣ العلم الرياضي: هو علم بأحوال ما يفتقر في الوجود الخارجي دون التعقّل إلى المادة كالتربيع والتثليث والتدوير والكروية والمخروطية والعدد وخواصه، فإنها أمور تفتقر إلى المادة في وجودها لا في حدودها، ويسمّى أيضًا بالعلم التعليمي وبالعلم الأوسط وبالحكمة الوسطى كما مرّ. وأصوله أربعة على ما مرّ أيضًا، وذلك لأن موضوعه الكمّ وهو إما متّصل أو منفصل. والمتّصل إمّا متحرّك أو ساكن، فالمتحرك هو الهيئة والساكن هو الهندسة. والمنفصل إمّا أنْ يكون له نسبة تأليفية أوْ لا، فالأول هو الموسيقي والثاني هو الحساب. ثم إنه يَرِد على التعريف أنّ العدد الذي هو موضوع علم الحساب لا يفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي أيضًا، فإن المفارقات ذوات أعداد؛ ولذا عَدّ صاحب الإشراق(١) الحساب من الإلّهي فإن موضوعه وهو العدد من الأقسام الأولية للموجود، لأن الموجود بما هو موجود صالح لأن يُوصف بوحدة وكثرة من غير أن يصير رياضيًا أو طبعيًا(٢). وأيضًا أنه يبحث في الهيئة عن الأفلاك مع أنها محتاجة إلى المادة في كلا الوجودين. وأجيب عن الأول بأنه إذا [كان](٣) يبحث عن العدد من حيث هو في أذهان الناس وفي الموجودات المادية فهو علم العدد وإلاّ فلا. وفيه أنّ العدد المأخوذ بهذه الحيثية لا ينفكّ في كلا الوجودين من المادة. ودفعُه بأن يُراد بالمادّة المادّة المخصوصة كالذهب والخشب ونحوهما على ما تدلّ عليه عبارة الصدري من أنّ الرياضي علم بأمورٍ ماديّة بحيث لا تحتاج في فرضها موجودة إلى خصوص مادة واستعداد لا ينفع، وإلّ لزم دخول الطبعي(٤) في الرياضي، إذ موضوعه الجسم الطبعي وهو لا يفتقر(6) إلى مادة مخصوصة. وأجيب عن الثاني بأنّ البحث عن الأفلاك في الحقيقة بحث عن الكرة التي لا تحتاج في التعقّل إلى مادة مخصوصة وفيه ما مَرّ. ولهذا قال صاحب الصدري: الأجود أنْ تُقسم العلوم إلى ما موضوعه نفس الوجود وإلى ما ليس موضوعه نفس الوجود، فالأول العلم الإلهي، والذي ليس موضوعه نفس الوجود إمّا أنْ يُشترط في فرض وقوعه صلوح مادة متخصصة الاستعداد أم لا. الاول الطبعي(٦) والثاني الرياضي. وهذه طريقة حسنة لا يلزم منها دخول الحساب في الإلهي. فائدة قد اختلف قدماء الفلاسفة في ترجيح أحدٍ من الرياضي والطبعي (٧) على الآخَر في الشرف والفضل، وكلّ قد مال إلى طرف بحجج مذكورة فيما بينهم. والحق أنّ الحكم بجزم فضيلة أحدهما على الآخَر غير سديد، بل كلّ واحد أفضل من الآخَر من وجه. فالطبعي(٨) أفضل من الرياضي من (١) الإشراق لشهاب الدين أبي الفتح يحي بن حبش السهروردي المقتول (- ٥٨٧هـ) وهي فلسفة كاملة تقوم على الجمع بين الهللينية والاشراق الزرادشتي النوراني. من كتبه حكمة الاشراق والالواح العمادية وهياكل النور ... وفي جمع السهروردي بين فكرة النور الفارسية والفيض من الافلاطونية المحدثة اخرج مذهبًا خاصًا. (٢) طبيعيًا (م). (٣) [كان] (- ك، ع) (+ م). (٤) الطبيعي (م). (٥) والالزام ... وهو لا يفتقر (- م). (٦) الطبيعي (م، ع) (٧) الطبيعي (م، ع). (٨) الطبيعي (م، ع). ٥٤ جهةِ أنّ موضوعه جسم طبعي(١) وهو جوهر، والرياضي موضوعه كمّ وهو عرض، والجوهر أشرف من العرض. وأيضًا الطبعي(٢) في الأغلب معطي اللُّمِّ والرياضي الإِنِّ، ومعطي اللّم أفضل، وأيضًا هو يشتمل على علم النفس وهو أمّ الحكمة وأصل الفضائل. والرياضي أفضل من الطبعي(٣) من جهة أنّ الأحوال الوهمية والخيالية غير متناهية القسمة، فهناك لا تقف عند حدّ، فهو أفضل مما هو محصور بين الحواصر؛ وأيضًا الأمور الرياضية أصفى وألطف وألذّ وأتمّ عن (٤) الأمور المكدرة الجسمانية، وأيضًا يقلّ التشويش والغلط في براهينه العددية والهندسية بخلاف الطبعي(٥)، بل الإلّهي؛ ومن أجل ذلك قيل إدراك الإلّهي والطبعي(٦) من جهة ما هو أشبه وأحرى لا باليقين، كذا في الصدري . العلم الطبيعي: ويُسمَّى أيضًا بالعلم الأدنى وبالعلم الأسفل، وهو علم بأحوال ما يفتقر إلى المادة في الوجودين وتحقيقه قد سبق. وموضوعه الجسم الطبعي(٨) من حيث أن(٩) يستعد للحركة والسكون. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين الأكفاني العلم الطبعي (١٠) وهو علم يبحث فيه عن أحوال الجسم المحسوس من حيث هو معرّض للتغيّر في الأحوال والثبات فيها، فالجسم من هذه الحيثية موضوعه. وأما العلوم التي تتفرّع عليه وتنشأ منه فهي عشرة: علم الطب وعلم البيطرة وعلم البيزرة (١١) وعلم الفراسة وعلم تعبير الرؤيا وعلم أحكام النجوم وعلم السحر وعلم الطلسمات وعلم السيميا وعلم الكيميا وعلم الفلاحة، وذلك لأن نظره إمّا يكون فيما يتفرّع على الجسم البسيط أو الجسم المركّب أو ما يعمهما. والأجسام البسيطة إمّا الفلكية فأحكام النجوم وإمّا العنصرية فالطلسمات. والأجسام المركّبة إمّا ما لا يلزمه مزاج وهو علم السيميا وما يلزمه مزاج، فإمّا بغير ذي نفس فالكيميا أو بذي نفس، فإمّا غير مدرٍكة فالفلاحة وإمّا مدركة، فإمّا لها مع ذلك أن يعقِل أو لا ، الثاني البيطرة والبيزرة وما يجري مجراهما، والذي بذي النفس العاقلة هو الإنسان، وذلك إمّا في حفظ صحته واسترجاعها وهو الطبّ أو أحواله الظاهرة الدالة على أحواله الباطنة وهو الفَراسة، أو أحوال نفسه حال غيبته عن حسّه وهو تعبير الرؤيا. والعام للبسيط والمركّب السحر، فلنذكر هذه العلوم على النهج المتقدم. (١) الطبيعي (م، ع). (٢) الطبيعي (م، ع). (٣) الطبيعي (م، ع). (٤) من (م، ع). (٥) الطبيعي (م، ع). (٦) الطبيعي (م، ع). (٧) الطبيعي (م، ع). (٨) الطبيعي (م، ع). (٩) أن (- م). (١٠) الطبيعي (م، ع). (١١) علم البيزرة، علم يبحث عن أحوال الجوارح من الحيوان من حيث حفظ صحتها، وإزالة مرضها، ومعرفة العلامات الدالة على قوتها من الصيد وضعفها فيه. كشف الظنون ٢٦٥/١ ومفتاح السعادة لطاش كبرى زاده ٣٣١/١. ٥٥ علم الطب: وهو علم يُبحث فيه عن بدن الإنسان من جهة ما يصح ويمرض الالتماس حفظ الصحة وإزالة المرض. وموضوعه بدن الإنسان وما يشتمل عليه من الأركان والأمزجة والأخلاط والأعضاء والأرواح والقوى والأفعال، وأحواله من الصحة والمرض، وأسبابها من المأكل والمشرب، والأهوية المحيطة بالأبدان والحركات والسكنات والاستفراغات والاحتقانات والصناعات والعادات والواردات الغريبة، والعلامات الدالة على أحواله من ضرر أفعاله، وحالات بدنه وما يبرز منه والتدبير بالمطاعم والمشارب واختيار الهواء وتقدير الحركة والسكون والأدوية البسيطة والمركّبة وأعمال اليد لغرض حفظ الصحة وعلاج الأمراض بحسب الإمكان وسيجيء تفصيله. علم البيطرة والبيزرة: الحال فيه بالنسبة إلى هذه الحيوانات كالحال في الطبّ بالنسبة إلى الإنسان، وعُني بالخيل(١) دون غيرها من الأنعام لمنفعتها للإنسان في الطلب والهرب ومحاربة الأعداء وجمال صورها وحسن أدواتها، وعُني بالجوارح(٢) أيضًا لمنفعتها وأدبها في الصيد وإمساكه. علم الفراسة: وهو علمٌ تتعرّف منه أخلاق الإنسان من هيئته ومزاجه وتوابعه، وحاصله الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن، ويجيء في الفراسة. علم تعبير الرؤيا: وهو علمٌ يتعرّف منه الاستدلال من المتخيّلات الحُلْمِيّة على ما شاهدته النفس حالةَ النوم من عالم الغيب، فخيّلته القوة المتخيّلة مِثالاً يدلّ عليه في عالم الشهادة، وقد جاء أن الرؤيا الصالحة [جزء] (٣) من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة، وهذه النسبة تعرفها من مدة الرسالة ومدة الوحي قبلها منامًا، وربما طابقت الرؤيا مدلولها دون تأويل، وربما اتصل الخيال بالحسّ كالاحتلام، ويختلف مأخذ التأويل بحسب الأشخاص وأحوالهم. ومنفعته البشرى بما يَرِد على الإنسان من خير والإنذار بما يتوقّعه من شرّ، والاطلاع على الحوادث في العالَم قبل وقوعها، ويجيء تفصيله في لفظ الرؤيا. علم أحكام النجوم: وهو علم يتعرّف منه الاستدلال بالتشكّلات الفلكية على الحوادث السفلية، ويجيء في لفظ النجوم أيضًا . (١) به الخیل (ع). (٢) به الجوارح (ع). (٣) جزء (+ م). ٥٦ علم السحر: وهو علمٌ يُستفاد منه حصول ملكة نفسانية يُقتدَر بها على أفعالٍ غريبة بأشياء خفية. ومنفعته أنْ يُعلم ليُحذَر لا ليُعمل، ولا نزاع في تحريم عمله. أمّا مجرّدُ علمه فظاهرُ الإباحة، بل قد ذهب بعضهم إلى أنه فرض كفاية لجواز ظهورٍ ساحرٍ يَدّعي النبوّة فيكون في الأمة مَنْ يكشفُه ويقطعه، ويجيء في لفظ السحر(١) علم الطلسمات: وهو علمٌ يتعرّف منه كيفية تمزج (٢) القوى العالية الفعّالة بالقوى السافلة المنفَعِلة ليحدث عنها فعلٌ غريب في عالَم الكون والفساد، ويجيء في لفظ الطلسم. علم السيميا: وهو قد يطلق على غير الحقيقي من السحر وهو الأشهر، وحاصله إحداث مثالات خيالية لا وجود لها في الحسّ، وقد يُطلق على إيجاد تلك المِثالات بصورها في الحسّ وتكون صورًا في جوهر الهواء، وسبب سرعة زوالها(٣) سرعة تغيّر جوهر الهواء؛ ولفظة سيميا عبراني معرّب أصله سیم یه، ومعناه إسم الله، ويجيء في الفن الثاني(٤). علم الكيميا: وهو علمٌ يُراد به سلبُ الجواهر المعدنية خواصَّها وإفادتها خواصًّا لم تكن لها، والاعتماد فيه على الفلزّات كلّها، مشتركة في النوعية، والاختلاف الظاهر بينها إنما هو باعتبار أمورٍ عرضية يجوز انتقالها، ويجيء في الفن الثاني. علم الفلاحة: وهو علمٌ تتعرف منه كيفية تدبير النبات من بَدْء كونه إلى تمام نشوئه، وهذا التدبير إنما هو بإصلاح الأرض بالماء وبما يخلخلها ويحميها كالسّماد والرّماد ونحوه، مع مراعاة الأهوية، فيختلف باختلاف الأماکن، انتھی. علم العدد هو من أصول الرياضي ويُسمّى بعلم الحساب أيضًا وهو نوعان: نظري وهو علم يُبحث فيه عن(٥) (١) الساحر (م). (٢) تمازج (م). (٣) زوالها (- م). (٤) أي أن المؤلف قد عرض لهذا الأمر في القسم المتعلق بالألفاظ الأعجمية (الفارسية) والذي عبّر عنه بالفن الثاني وستأتي ترجمته عقب الإنتهاء من القسم الأول الذي نحن بصدده. أما نحن في التحقيق فقد أدخلناه ضمن الترتيب الألفبائي كل لفظ بحسب تسلسل حروفه مع مصطلحات الفن الاول كلاً واحدًا مجموعًا ومنتظمًا . (٥) عند (م). ٥٧ ثبوت الأعراض الذاتية للعدد وسلبها عنه، وهو المسمّى بأرتماطيقي، وتشتمل عليه المقالات الثلاث: السابعة والثامنة والتاسعة من كتاب الأصول(١)، وموضوعه العدد مطلقًا. وعملي وهو علم تُعرف به طرق استخراج المجهولات العددية من المعلومات العددية. والمُراد بالمجهولات العددية مجهولات لها نسبة إلى العدد، نسبة الجزئي إلى الكلّي، أي مجهولات هي من أفراد العدد، وكذا الحال في المعلومات العددية، مثلاً في الضرب المضروب والمضروب فيه معلومان، ومنهما يُستخرج الحاصل الذي هو عدد مجهول بالطريق المعيّن، وكذا في سائر الأعمال. فهو علمٌ تُعرف به الطرق التي يُستخرج بها عدد مجهول من عدد معلوم. وقيد من المعلومات العددية احتراز عمّا إذا استخرج المجهول العددي بغير علم الحساب، كاستخراج عدد الدراهم من علم الرّمل، ولا يخرج عنه علم المَسَاحة لأنها علم بطرق استخراج المجهولات المقدارية من حيث عروض العدد لها، فيئول إلى المجهولات العددية عند التأمّل. ثم اعلمْ أنْ الحساب العملي نوعان: أحدهما هوائي تُستخرج منه المجهولات العددية بلا استعمال الجوارح، كالقواعد المذكورة في كتاب البهائية(٢)، وثانيهما غير هوائي وهو المسمّى بالتَّخْت والتراب يحتاج إلى استعمال الجوارح كالشِّبكة وضرب المحاذاة. ثم النظري والعملي ههنا بمعنى ما لا يتعلق بكيفية العمل وما يتعلق بها. فتسمية النوع الأول بالنظري ظاهرة، وكذا تسمية القسم الثاني من النوع الثاني بالعملي. وأما تسمية القسم الأول منه بالعملي فعلى تشبيه الحركات الفكرية بالحركات الصّادرة عن الجوارح، أو يقال المراد بالعمل في تعريفي النظري والعملي أعمّ من العمل الذهني والخارجي كما مَرّ. واعلمْ أيضًا أنّ لاستخراج المجهولات العددية من معلوماتها طرقًا مختلفة وهي إمّا محتاجة إلى فرض المجهول شيئًا وهو الجبر والمقابلة، وإمّا غير محتاجة إليه وهو علم المفتوحات وهي كمقدمات الحساب التي سوى المساحة، أو مما يحصل ببعض من تلك المقدمات واستعانة بعض القوانين من النسبة وهو شامل لمسألة الخطائين أيضًا. وموضوعه العدد مطلقًا كما هو المشهور. والتحقيق أنّ موضوعه العدد المعلوم تتعقل عوارضه من حيث إنه كيف يمكن التأدّي منه إلى بعض عوارضه المجهولة. وأما العدد المطلق فإنما هو موضوع علم الحساب النظري، هذا كله خلاصة ما في شرح خلاصة الحساب(٣). علم الهندسة: هو من أصول الرياضي، وهو علمٌ يبحث فيه عن أحوال المقادير من حيث التقدير على ما في شرح أشكال التأسيس. فقوله من حيث التقدير أي لا من حيث كون المقدار موجودًا أو معدومًا، (١) الأصول (لأقليدس). ثم تحرير أصول الهندسة لاقليدس، لنصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (- ٦٧٢هـ)، روما، ١٥٩٤م وكلكوتا ١٨٢٤م في ١٨٠ صفحة. كشف الظنون ٣٥٧، معجم المطبوعات العربية ١٢٥١، اكتفاء القنوع ٢٣٨. (٢) البهائية أو خلاصة الحساب والهندسة، لبهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي البهائي (- ١٠٣٠ هـ). معجم المطبوعات العربية ١٢٦٣، 595 ,GALS, II. (٣) شرح خلاصة الحساب والهندسة لبهاء الدين محمد بن حسن بن عبد الصمد الحارثي البهائي (- ١٠٣٠ هـ)، كلكوتا ١٨١٢. معجم المطبوعات العربية ١٢٦٣ . ٥٨ عرضاً أو جوهرًا، ونحو ذلك. والهندسة معرّب [أندازه](١)، فأبدلت الألف الأولى بالهاء والزاء بالسين وحذفت الألف الثانية فصار هندسة. ووجه التسمية ظاهر. وموضوعه المقدار الذي هو الكمّ المتصل من حيث التقدير. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين: الهندسة وهو علمٌ تعرف به أحوال المقادير ولواحقها وأوضاع بعضها عند بعض، ونسبها وخواصّ أشكالها، والطرق إلى عمل ما سبيله أن يُعمل بها، واستخراج ما يحتاج إلى استخراجه بالبراهين اليقينية. وموضوعه المقادير المطلقة أعني الجسم التعليمي والسطح والخطّ ولواحقها من الزاوية والنقطة والشكل. وأما العلوم المتفرعة عليه فهي عشرة: علم عقود الأبنية، وعلم المناظر، وعلم المرايا المحرفة، وعلم مراكز الأثقال، وعلم المساحة، وعلم إنباط(٢) المياه، وعلم جرّ الأثقال، وعلم البنكامات، وعلم الآلات الحربية، وعلم الآلات الروحانية، وذلك لأنه إما يبحث عن إيجاد ما يتبرهن عليه في الأصول الكلية بالفعل، أو لا، والثاني إمّا يبحث عما يُنظر إليه، أوْ لا، الثاني علم عقود الأبنية، والباحث عن المنظور إليه إنْ اختص بانعكاس الأشعّة فهو علم المرايا المحرفة، وإلّ فهو علم المناظر، وأمّا الأول وهو ما يبحث عن إيجاد المطلوب من الأصول الكلية بالفعل فإمّا من جهة تقديرها أوْ لا ، والأول منهما إنْ اختص بالثقل فهو علم مراكز الأثقال وإلاّ فهو علم المساحة، والثاني منهما فإمّا إيجاد الآلات، أوْ لا، الثاني علم إنباط(٣) المياه، والآلات، إمّا تقديرية، أوْ لا، والتقديرية إمّا ثقيلة وهو جرّ الأثقال، أو زمانية وهو علم البنكامات، والتي ليست تقديرية فإمّا حربية، أوْ لا، الثاني علم الآلات الروحانية، والأول علم الآلات الحربية، فلنرسم هذه العلوم على الرسم المتقدم. علم عقود الأبنية: وهو علمٌ تُتعرّف منه أحوال أوضاع الأبنية وكيفية شق الأنهار وتنقية القُنِي وسدّ البثوق (٤) وتنضيد المساكن، ومنفعته عظيمة في عمارة المُدن والقلاع والمنازل وفي الفلاحة. علم المناظر: وهو علمٌ تُتعرّف منه أحوال المبصَرات في كميتها وكيفيتها باعتبار قربها وبعدها عن المناظر، واختلاف أشكالها وأوضاعها، وما يتوسّط بين المناظر والمبصَرات وعلل ذلك. ومنفعته معرفةُ ما يغلط فيه البصر عن أحوال المبصَرات، ويُستعان به على مساحة الأجرام البعيدة والمرايا المحرفة أيضًا . علم المرايا المحرّفة: وهو علم تُتعرّف منه أحوال الخطوط الشُعاعيّة المنعطفة والمنعكِسة والمنكسرة، ومواقعها (١) كلمة فارسية تعني الهندسة حوّرت عربيًا إلى هندسة. (٢) استنباط (م، ع). (٣) استنباط (م، ع). (٤) البثوق: البثق: كسْرُك شط النهر لينشق الماء ... وبَثَقَ شِقَّ النهر يَبْثُقه بَثقًا كسره لينبعث ماؤه. (لسان العرب مادة بثق) إذًا هو حفر الاقنية لتفجير الماء فيها وتسييله من النهر إلى السهول المحيطة . ٥٩ وزواياها ومراجعها، وكيفية عمل المرايا المحرّفة بانعكاس أشعة الشمس عنها ونصبها ومحاذاتها، ومنفعته بليغة في محاصرات المدن والقلاع. علم مراكز الأثقال: وهو علمٌّ تتعرّف منه كيفية استخراج مركز ثقل الجسم المحمول، والمُراد بمركز الثقل حدّ في الجسم عنده يتعادل بالنسبة إلى الحامل، ومنفعته كيفية معادلة الأجسام العظيمة بما هو دونها لتوسّط المسافة . علم المساحة: وهو علمٌ تُتعرّف منه مقاديرُ الخطوط والسطوح والأجسام، وما يقدرها من الخطّ والمربع والمكعّب، ومنفعته جليلة في أمر الخَرَاج وقسمة الأرضين وتقدير المساكن وغيرها . علم إنباط المياه:(١) وهو علمٌ تُتعرّف منه كيفية استخراج المياه الكامنة في الأرض وإظهارها، ومنفعته إحياء الأرضين الميتة وإفلاحها . علم جر الأثقال: وهو علمٌ تتبيّن منه كيفية إيجاد الآلات الثقيلة، ومنفعته نقل الثِّقل العظيم بالقوّة اليسيرة. علم البنكامات: وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات المقدّرة للزمان، ومنفعته معرفة أوقات العبادات واستخراج الطوالع من الكواكب وأجزاء فلك البروج. علم الآلات الحربية: وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات الحربية كالمجانيق وغيرها، ومنفعته شديدة العنا(٢) في دفع الأعداء وحماية المدن. علم الآلات الروحانية: وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات المرتّبة على ضرورة عدم الخلاء ونحوها من آلات الشراب وغيرها، ومنفعته إرتياض النفس بغرائب هذه الآلات، انتهى. (١) استنباط (م، ع). (٢) الغناء (م). ٦٠ علم الهيئة: هو من أصول الرياضي وهو علمٌ يُبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلويّة والسفليّة من حيث الكميّة والكيفية والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها. فالكمية إمّا منفصلة كأعداد الأفلاك، وبعض الكواكب دون أعداد العناصر فإنها مأخوذة من الطبعيات(١)، وإمّا متّصلة كمقادير الأجرام والأبعاد واليوم وأجزائه، وما يتركّب منها. وأمّا الكيفية فكالشّكل إذْ تتبين فيه استدارة هذه الأجسام، وكلون الكواكب وضوئها. وأمّا الوضع فكقرِب الكواكب وبُعدها عن دائرة معينة وانتصاب دائرة وميلانها بالنسبة إلى سمت رؤس سكان الأقاليم وحيلولة الأرض بين النيرين، والقمر بين الشمس والإبصار ونحو ذلك. وأما الحركة فالمبحوث عنه في هذا الفن منها هو قدرها وجهتها. وأمّا البحث عن أصل الحركة وإثباتها للأفلاك فمن الطبعيات(٢). والمُراد باللازمة الدائمة على زعمهم وهي حركات الأفلاك والكواكب، واحترز بها عن حركات العناصر كالرياح والأمواج والزلازل، فإن البحث عنها من الطبعيات(٣). وأما حركة الأرض من المغرب إلى المشرق وحركة الهواء بمشايعتها وحركة النار بمشايعة الفلك، فممّا لم يثبت، ولو ثَبَت فلا يبَعُد أنْ يُجعل البحث عنها من حيث القدْر والجهة من مسائل الهيئة. والمراد بما يلزم من الحركة الرجوع والاستقامة والوقوف والتعديلات، ويندرج فيه بعض الأوضاع. ولم يذكر صاحب التذكرة(٤) هذا القيد، أعني قيد ما يلزم منها، والظاهر أنّه لا حاجة إليه. والغرض من قيد الحيثية الاحتراز عن علم السماء والعالم، فإن موضوعه البسائط المذكورة أيضًا، لكن يبحث فيه عنها لا عن(٥) الحيثية المذكورة، بل من حيث طبائعها ومواضعها والحكمة في ترتيبها ونضدها وحركاتها لا باعتبار القدر والجهة. وبالجملة فموضوع الهيئة الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات المخصوصة ونحوها، وموضوع علم السماء والعالَم الذي هو من أقسام الطبعي (٦) الجسم البسيط أيضًا، لكن من حيث إمكان عروض التغيّر والثبات. وإنما زيد لفظ الإمكان إشارة إلى أنّ ما هو من جزء الموضوع إمكان العروض، لا العروض بالفعل الذي هو المحمول، فإن ما يكون جزء الموضوع ينبغي أن يكون مسلّم الثبوت، وهو إمكان العروض لا العروض بالفعل. وقيل موضوع كل من العلمين الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات والتمايز بينهما، إنما هو بالبرهان، فإن أثبت المطلوب بالبرهان الإنّي يكون من الهيئة، وإن أثبت بالبرهان اللِّمِّي يكون من علم السماء والعَالم؛ فإنّ تمايز العلوم كما يكون بتمايز الموضوعات كذلك قد يقع بالمحمولات. والقول بأن التمايز في العلوم إنما هو بالموضوع فأمر لم يثبت بالدليل، بل هو مجرد رعاية مناسبة. اعلمْ أنّ الناظر في حركات الكواكب وضبطها وإقامة البراهين على أحوالها يكفيه الاقتصار على (١) الطبيعيات (م، ع). (٢) الطبيعيات (م، ع). (٣) الطبيعيات (م، ع). (٤) التذكرة النصيرية في الهيئة لنصير الدين محمد بن محمد الطوسي (- ٦٧٢هـ / ١٢٧٣م). كشف الظنون ٣٩١/١. (٥) من (م). (٦) الطبيعي (م، ع). ٦١