Indexed OCR Text
Pages 81-100
الحرف الأخير أو سكونه، وإلّ لخرج بعض أقسام الوقف من الوقف، كالحذف والإبدال والزيادة فتدبر. وذِكْرُ التقاء الساكنين في الكلمتين والإدغام فيهما استطرادي كذكر الجزئي في علم المنطق، وهذا الجواب مما استخرجته مما ذكروه في هذا المقام. فعلى هذا موضوع الصّرف هو الكلمة من حيث أنّ لها بناءً وقد عرفت أنه لا محذورَ في البحث عن قيد الحيثية إذا كانت بيانًا للموضوع، فلا مَحذورَ في البحث عن الأبنية في هذا العلم. ويُؤيّد هذا ما مَرَّ في تقسيم العلوم العربية من أنّ الصرف يُبحث فيه عن المفردات من حيثُ صورُها وهيئاتها، وكذا ما ذكر المحقق عبد الحكيم في حاشية الفوائد الضيائية من أنّ التصريف والمعاني والبيان والبديع والنحو، بل جميع العلوم الأدبية، تشترك في أنّ موضوعها الكلمة والكلام، إنّما الفرق بينها بالحيثيات، انتهى. وفي شرح الشافية(١) للجار بردي(٢) أنّ موضوعه الأبنية من حيث تعرض الأحوال لها، والأبنية عبارة عن الحروف والحركات والسكنات الواقعة في الكلمة، فيبحث عن الحروف من حيث أنها ثلاثة أو أربعة أو خمسة، ومن حيث أنها زائدة أو أصلية، وكيف يُعرف الزائد من الأصلي، وعن الحركات والسكنات من حيث أنها خفيفة أو ثقيلة، فيخرج عن هذا العلم معرفة الأبنية، ويدخل فيه معرفة أحوالها، لأن الصرف علمٌ بقواعد تُعرف بها أحوال الأبنية، أي تُعرف بها الماضي والمضارع والأمر الحاضر إلى غير ذلك؛ فإنّ جميع ذلك أحوال راجعة إلى أحوال الأبنية، لا إلى نفس الأبنية، انتهى. فعلى هذا إضافة أحوال الأبنية ليست بيانية، ويُرد عليه أنّ الماضي ونحوه ليس بناءً ولا حال بناء، بل هو شيء ذو بناء كما مَرَّ، وأضعف منه ما وقع في بعض كتب الصرف من أن موضوعه الأصول والقواعد، حيث قال: موضوع علم الصَّرْفِ هو تلك الأصول المتعدِّدة التي بحثوا فيها في هذا العلم، وأثبتُوا له أحوالاً . والمُرادُ بالأصول هي تلك المسائل الكلّية التي تتفرّعُ عنها مسائل جزئية. فمثلاً إليك إحدى هذه القواعد الكلية(٣): إذا اجتمع الواو والياء وسُبِقَت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية. وأَمَّا جزئيّات هذا الأصل فمثلُ كَلِمَتَيْ مَرميّ ومرويّ، فإن أصلَهما مَرْمَوي، ومَرْوَوي، وهذه المسألة الكلية المذكورة جُعِلَت مسألة مستقلة: وهذان المثالان فرعان عن تلك المسألة الكلية التي تَحقّقتْ بالمثالين، حيثُ لاحظَ المتكلمُ في هذه المسألة الآلة، وإن ذكرَهُ الموضوع المُشار إليه هو لإثبات الأحوال لذلك الأصل، أي أنه بعبارة أخرى: حيث أنّ الأصلَ قد تحقّقَ من خلال الفرعِ الذي هو مَرْمي ومَرْوي فهو يصدقُ عليه(٤). ومبادئه حدود ما تُبتنى عليه مسائله، كحدّ الكلمة والاسم والفعل والحرف ومقدمات حججها، أي أجزاء علل المسائل، كقولهم: إنما يوقع الإعلال في الكلمة لإزالة الثقل منها، ومسائله الأحكام المتعلّقة بالموضوع، كقولهم: الكلمة إمّا مجرّد أو مزيد، (١) شرح الشافية لفخر الدين أحمد بن الحسن الجاربردي الشافعي (- ٧٤٦هـ/ ١٣٤٦م) وصفه الخوانساري بأنه من أحسن الشروح على الرسالة المذكورة. معجم المطبوعات العربية، ٦٧٠ . (٢) هو أحمد بن الحسن بن يوسف، فخر الدين الجاربردي، توفي سنة ٧٤٦هـ/ ١٣٤٦م. فقيه شافعي له العديد من كتب الفقه والأصول، الاعلام ١١١/١، البدر الطالع ٤٧/١، الدرر الكامنة ١٢٣/١، طبقات الشافعية ١٦٩/٥، شذرات الذهب ١٤٨/٦. (٣) صرف أن أصول چندیست که أز وي درین علم بحث کرده اند واثبات احوالات بر وي کرده اند ومراد باصول آن مسائل كليه است كه متفرع شود برآن مسائل جزئيات أن مسائل مثلا يكي از اصول اين فن اين قاعده كليه است. (٤) جزئيات وی مثل مرمي ومروي که دراصل مرموي ومرووي بودکه اين مسئله كليه مذكوره راموضوع عنواني کرده شد كه این دو مثال فرع آن مسئله کلیه است كه آن در ضمن این دومثال متحقق شده که متكلم آن مسئله را آلة = ٢٢ أو جزئه كقولهم: ابتداء الكلمة لا يكون ساكنًا، أو جزئيه كقولهم: الاسم إمّا ثلاثي أو رباعي أو خماسي، أو عرضه كقولهم: الإعلال إمّا بالقلب أو الحذف أو الإسكان. وغايته غايةُ الجدوى حيث يحتاج إليه جميع العلوم العربية والشرعية، كعلم التفسير والحديث والفقه والكلام؛ ولذا قيل: إنّ الصرف أُمّ العلوم والنحو أبوها. قال الرضي: إعلمْ أنّ التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصنعة، والتصريف على ما حكى سيبويه (١) عنهم هو أن تبني من الكلمة بناءً لم تبنه العربُ على وزن ما بَنَيْتَه، ثم تعمل في البناء الذي بَنَيْتَهُ ما يقتضيه قياس كلامهم، كما يتبيّن في مسائل التمرين. والمتأخّرون على أنّ التصريف علمٌ بأبنية الكلمة وبما يكون لحروفها من أصالة وزيادة وحذف وصحّة وإعلال وإدغام وإمالة، وبما يعرض لآخِرِها مما ليس بإعراب ولا بناء من الوقف وغير ذلك، انتهى. فالصرف والتصريف عند المتأخِّرين مترادفان، والتصريف على ما حكى سيبويه عنهم جزء من الصرف الذي هو جزء من أجزاء النحو [لأنه من مبادئ النحو، والمبادئ من الأجزاء كما عرفت](٢). علم النحو: ويُسمّى علم الإعراب أيضًا، على ما في شرح اللبّ(٣)، وهو علمٌ يُعرف به كيفية التركيب العربي صحةً وسقامًا، وكيفية ما يتعلّق بالألفاظ من حيث وقوعها فيه، من حيث هو هو أوْ لا وقوعها فيه؛ كذا في الإرشاد. فقوله: علم، جنسٌ، وقوله كيفية التركيب العربي فصل، يخرج علم أصول الفقه والفقه وغيرهما، فإنه لا يُعرف بها كيفية التركيب العربي وهو أي التركيب العربي لا يستلزم كون جميع أجزائه عربيًا، فيشتمل أحوال المركّبات وأحوال الأسماء الأعجمية، ولو قيل كيفية الكلم العربية، كما قال البعض لخرج العجمية، إلاّ أنْ يُقال إنها مُلْحَقة بالعربية بعد النقل إلى العرب. وقوله صحةً وسقامًا تمييز لقوله كيفية التركيب، أي تعرف به صحة التركيب العربي وسقمه، إذ يعرف منه أنّ نحو ضَربّ غلامَه زيدٌ صحيحٌ، وضرب غلامُه زيدًا فاسد، وخرج به علم المعاني والبيان والبديع والعروض، فإنها تُعرف بها كيفية التركيب من حيث الفصاحة والبلاغة ونحوها، لا من حيث الصحة والسقم؛ ويتناول أحكام ضرورة الشعر لأنها أيضًا تبحث من حيث الصحة والسقام؛ وما في قوله ما يتعلّق عبارة عن الأحوال، أي تُعرف به أحوال الألفاظ لكن لا مطلقًا، بل من حيث وقوعها في التركيب العربي من حيث هو هو أو لا وقوعها فيه، كتقديم المبتدأ وتأخيره، وتذكير الفعل وتأنيثه، لا مثل الأحوال التي هي الحركات والسكنات ونحوها، فخرج علم الصرف. فالحاصل أنّ تلك الأحوال من حيث هي هي تتعلّق بالألفاظ فقط، ومن حيث أنها باستعمالها يصحّ التركيب، مثل ابن زيد، وبتركها يفسد التركيب، مثل زيد ابن تتعلّق بالتركيب، هذا خلاصة ما = ملاحظه نموده است وذکر موضوع عنواني کرده اثبات احوال بر آن اصل کرده شد أز آن حیثیت که آن اصل متحقق میشود درضمن آن فرع که مرمي ومروي است يعني صادق مي أيد بر وي. (١) هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي. ولد بشيراز عام ١٤٨ هـ/ ٧٦٥م وتوفي بالأهواز عام ١٨٠ هـ / ٧٩٦م. إمام النحاة واللغة. وضع كثيرًا من كتب النحو وناظر العلماء. ولفظ سيبويه فارسي يعني رائحة التفاح. الأعلام ٨١/٥، وفيات الأعيان ١/ ٣٨٥، البداية والنهاية ١٧٦/١٠، تاريخ بغداد ١٩٥/١٢، طبقات النحويين ٦٦ - ٧٤، وغيرها. (٢) [لأنه من مبادئ النحو والمبادئ من الأجزاء كما عرفت] (+ م). (٣) شرح اللب سيرد ذكره. ٢٣ في حواشي الإرشاد. فعدُّهم الصرف من أجزاء النحو بناءً على كونه من مبادئ النحو لأنه يتوقّف عليه مسائل النحو، أي التصديق بها، وهذا كما عَدَّ صاحب مختصر الأصول(١) علم الكلام والعلوم العربية من مبادئ أصول الفقه لتوقف مسائله عليهما تصورًا أو تصديقًا، وإنْ شئت توضيح هذا فارجع إلى شرح مختصر الأصول وحواشيه . وموضوع النحو اللفظ الموضوع مفردًا كان أو مركّبًا، وهو الصواب، كذا قيل؛ يعني موضوع النحو اللفظ الموضوع باعتبار هيئته التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية لا مطلقًا، فإنه موضوع العلوم العربية على ما مَرَّ قبل هذا. وقيل الكلمة والكلام، وفيه أنه لا يشتمل المركّبات الغير الإسنادية مع أنها أيضًا موضوع النحو. وقيل هو المركب بإسناد أصلي، وفيه أنه لا يشتمل الكلمة والمركّبات الغير الإسنادية؛ ومبادئه حدود ما تُبتَنى عليه مسائله كحدّ المبتدأ والخبر ومقدمات حججها، أي أجزاء علل المسائل، كقولهم في حجة رفع الفاعل إنه أقوى الأركان، والرفع أقوى الحركات؛ ومسائله الأحكام المتعلقة بالموضوع، كقولهم الكلمة إما مُعرَب أو مبني، أو جزئه كقولهم آخر الكلمة محلّ الإعراب، أو جزئيه كقولهم الإسم بالسببين يمتنع عن الصرف، أو عرضه كقولهم الخبر إما مفرد أو جملة، أو خاصته كقولهم الإضافة تعاقب التنوين ولو بواسطة، أو وسائط، أي ولو كان تعلّق الأحكام بأحد هذه الأمور ثابتًا بواسطة أو وسائط كقولهم الأمر يُجاب بالفاء، فالأمر جزئي من الإنشاء والإنشاء جزئي من الكلام، والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في التأليف والاقتدار على فهمه والإفهام به، هكذا في الإرشاد وحواشيه وغيرها . علم المعاني: وهو علمٌ تُعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يُطابق اللفظ لمقتضى الحال، هكذا ذكر الخطيب(٢) في التلخيص(٣). فالعلم جنس يشتمل جميع العلوم المدوّنة. ثم إنه إنْ حُمل العلم على الأصول والقواعد والإدراك المتعلّق بها فعدم شموله لعلم أرباب السليقة ظاهر، لأنهم لا يعلمون القواعد مفصّلة، وإن كانوا يعتبرون مقتضياتها في المواد بسليقتهم، وإنْ حُمل على الملَكَة فعدم شموله لعلمهم بناء على أن المَلَكة إنّما تحصل من إدراك القواعد مرةً بعد أخرى، وعدم شموله على التقدير الأول لعلم الله تعالى وعلم جبرائيل غير ظاهر. وأمّا على التقدير الثاني، أي على تقدير حمله (١) مختصر الأصول لجمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (- ٦٤٦هـ / ١٢٤٩م). أختصر فيه كتابه المسمّى منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل وعلى هذا المختصر شروح كثيرة. (٢) الخطيب: هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر، أبو المعالي، جلال الدين القزويني الشافعي، المعروف بخطيب دمشق. ولد بالموصل عام ٦٦٦ هـ/ ١٢٦٨م، وتوفي بدمشق عام ٧٣٩هـ/ ١٣٣٨م. قاضٍ، من أدباء الفقهاء له عدة مؤلفات. الاعلام ٦/ ١٩٢، مفتاح السعادة ١٦٨/١، بغية الوعاة ٦٦، ابن الوردي ٣٢٤/٢، البدر الطالع ١٨٣/٢، البداية والنهاية ١٤ /١٨٥، النجوم الزاهرة ٣١٨/٩، مرآة الجنان ٣٠١/٤، طبقات الشافعية ٢٣٨/٥، الدرر الكامنة ٠٣/٤ (٣) تلخيص المفتاح لجلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني المعروف بخطيب دمشق (- ٧٣٩هـ/ ١٣٣٨ م) لخصّه من القسم الثالث من مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي،. طبع في كلكوتا، ١٨١٥م. معجم المطبوعات العربية ١٥٠٨. ٢٤ على الملَكَة فظاهر فتدبّر، كذا ذكر الفاضل الجلبي(١). هذا، وأمّا على ما اختاره صاحب الأطول من أنّ المعتَبَر في جميع العلوم المدوّنة حصولُ العلم عن دليل على ما سبق في تعريف العلوم المدوّنة، فعدم شموله لعلم الله تعالى وعلم جبرائيل على جميع التقادير واضح، لأنّ علم الله تعالى وكذا علم جبرائيل ليس إستدلاليًا، وكذا الحال في علم الصرف والنحو والبيان والبديع ونحو ذلك. واختار ((تُعرف)) دون ((تعلم)) لأن المعرفة إدراك الجزئي، فكأنّه قال: هو علم تُستنبط منه إدراكات جزئية، هي معرفة كل فرد فرد من جزئيات الأحوال المذكورات في هذا العلم، بمعنى أنّ أي فرد يوجد منها أمكننا أنْ نعرفه بذلك، لا أنّها تحصل جملةً بالفعل، لأن وجود ما لا نهاية له مُحال، فلا يرد ما قيل إنْ أُريدَ الكلّ فلا يكون هذا العلم حاصلاً لأحد، أو الجنس، أو البعض، فيكون حاصلاً لكل مَنْ عرف مسئلةً منه. وقال صاحب الأطول: ويمكن أن يُجاب بأنّ المراد معرفة الكل واستحالة معرفة الكل لا ينافي كون العلم سببًا لها، كما أنّ استحالة عدم صفات الواجب لا يُنافي سببية عدم الواجب، وعدم حصول العلم المدوّن لأحد ليس بمستبعَد ولا بممتنع، وتسمية البعض فقيهًا مجاز، وقد سبق إلى هذا إشارة في تعريف العلوم المدوّنة. والمراد بأحوال اللفظ الأمور العارضة المتغيّرة كما يقتضيه لفظ الحال من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير وغير ذلك، وأحوال الإسناد أيضًا من أحوال اللفظ باعتبار أنّ كون الجملة مؤكّدة أو غير مؤكّدة اعتبارٌ راجع إليها؛ ويجيء تحقيق قوله: التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال في لفظ الحال، واحتُرز به عن الأحوال التي ليست بهذه الصفة كالإعلال والإدغام والرّفع والنصب وما أشبه ذلك من المحسِّنات البديعية، فإنّ بعضها ممّا يتقدم على المطابقة وبعضها مما يتأخر منها(٢)، فإن الإعلال والإدغام ونحوهما مما لا بُدَّ منه في تأدية أصل المعنى مقدّم على المطابقة، والمحسّنات البديعية من التجنيس والترصيع ونحوهما مما يكون بعد رعاية المطابقة متأخّر عن المطابقة، ولا بُدَّ من اعتبار قيد الحيثية المستفادة من تعليق الحكم [بالمشتق ثمّ](٣) بالموصول الذي صلتُه مشتقّة، أي التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال من حيث هو كذلك، ليتم أمر الاحتراز، وإلاّ ادخل فيه بعض المحسّنات والأحوال النحوية والبيانية التي ربما يقتضيها الحال، فإن الحال ربما يقتضي تقديمًا أو تأخيرًا يبحث عنه النحوي، وربما يقتضي السجع وغيره، وربما يقتضي إيراد المجاز والتشبيه. فلولا قيد الحيثية لدخلت هذه الأمور التي تعلّقت بعلوم أَخَر في المعاني. ثم موضوع العلم ليس مُطلق اللفظ العربي كماتُوهمه العبارة، بل الكلام من حيث أنه یفید زوائد المعاني. فلو قال أحوال الكلام العربي لكان أوفق، إلاّ أنه راعى أن أكثر تلك الأحوال من عوارض أجزاء الكلام بالذات، وإنّ صاحب المعاني يرجعه إلى الكلام، فاختار اللفظ ليكون صحيحًا في (١) الفاضل الجلبي هو الحسن بن محمد شاه بن محمد شمس الدين بن حمزة الفناري، الملقّب بمُلاّ حسن شلبي. ولد بتركيا عام ٨٤٠هـ/ ١٤٣٦م وتوفي فيها عام ٨٨٦هـ/ ١٤٨١م. من علماء الدولة العثمانية. عارف بالأصول والحديث والمعقول. له الكثير من المؤلفات. الاعلام ٢١٦/٢، الضوء اللامع ١٢٧/٣، شذرات الذهب ٣٢٤/٧، هدية العارفين ٢٨٨/١، المكتبة الأزهرية ٦٧٣/٢، البدر الطالع ٢٠٨/١، معجم المؤلفين ٢١٣/٣، الفوائد البهية ٦٤، ايضاح المكنون ١٩٣/٢ . (٢) عنها (م). (٣) [بالمشتق ثم] (+ م). ٢٥ بادئ الرأي. وقد نَّه بتقييد اللفظ بالعربي وإطلاقه في قوله: يطابق اللفظ، على أنّ تخصيص البحث باللفظ العربي مجرّد اصطلاح، وإلاّ فيُطابق بها مطلق اللفظ لمقتضى الحال، وبها يرتفع شأن كلّ مقال؛ ولهذا لم يضمر فاعل المطابقة، فاتجه أنّ الأحوال الشاملة بغير اللفظ العربي، كيف تكون من الأحوال التي تبحث في العلم، ولا تبحث فيه إلاّ عن الأعراض الذاتية، ولا يندفع إلاّ بما ذكره المحقق التفتازاني في بعض تصانيفه من أنّ اشتراط البحث عن الأعراض الذاتية إنّما هو عند الفلسفي. وأما أرباب تدوين العربية فربّما لا يتم في علومهم هذا إلاّ بمزيد تكلّف، كذا في الأطول؛ ولا يخفى أنّ هذا الإيراد إنما هو على مذهب المتقدّمين الذاهبين إلى أنّ اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الغريبة، وأمّا على مذهب المتأخرين الذاهبين إلى أنه من الاعراض الذاتية فلا إيراد. وقد عرّف صاحب المفتاح(١) [علم](٢) المعاني بأنه تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتّصل بها من الاستحسان وغيره ليُحتّرَز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق ما يقتضي الحال ذكره، والتعريف الأول أخصر وأوضح كما لا يخفى. وأيضًا التعريف بالتتبّع تعريف بالمباين إذ التتبّع ليس بعلم ولا صادق عليه، وإن شئت التوضيح فارجع إلى المطول والاطول. علم البيان: وهو علم يُعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، كذا ذكر الخطيب في التلخيص. فالعلم جنس، وقوله يُعرف به إيراد المعنى الواحد، أي علم يُعرف به إيراد كلّ معنى واحد يدخل في قصد المتكلّم، على أن اللام في المعنى للإستغراق العُرفي، وهذا هو العُرف في وصف العلوم بمعرفة الجزئيات بها، فلو عرف من ليس له هذه الملَكَة أو الأصول أوالإدراك على اختلاف معاني العلم كالعربي المتكلّم بالسليقة إيراد معنى قولنا: زيدٌ جوادٌ بطرق مختلفة، لم يكن عالمًا بعلم البيان، وفسَّر القوم المعنى الواحد بما يدلّ عليه الكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال، واعترض عليه بأنه مما لا يفهم من العبارة، ويخرج البحث عن المجاز المفرد مع أنه من البيان، ويمكن دفعه بأنّ تخصيص المعنى الواحد بمعنى الكلام البليغ لاشتهار أنّ موضوع الفن اللفظ البليغ، على أنّ وصف المعنى بالواحد يَحْتمِل أن يكون باعتبار وحدة تحصل للمعنى باعتبار ترتيبه في النفس بحيث لا يصحُّ تقديمُ جزءٍ على جزء، فهذا هو الوحدة المعتبرة في نظر البليغ. وأمّا المجاز المفرد وأمثاله، فالبحث عنه راجع إلى البحث عن الكلام البليغ، وقد احتُرز به عن ملَكة الاقتدار على إيراد المعنى العاري عن الترتيب الذي يصير به المعنى معنى الكلام المطابق لمقتضى الحال بالطرق المذكورة، فإنها ليست من علم البيان. وهذه الفائدة أقوى مما ذكره السيّد السنّد من أنّ فيما ذكره القوم تنبيه على أن علم البيان ينبغي أن يتأخّر عن علم المعاني في الاستعمال، وذلك لأنه يعلم منه هذه الفائدة أيضًا، فإن رعاية مراتب الدلالة في الوضوح والخفاء على المعنى ينبغي أن يكون بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال، فإنّ هذه كالأصل في المقصودية وتلك فرع وتتمة لها؛ وكذا خرج به ملكة الاقتدار على معنى الشّجاع بألفاظ مختلفة [في الوضوح](٣) كالأسد والغضنفر والليث (١) مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن ابي بكر بن محمد بن علي السكاكي. (٢) [علم] (+ م). (٣) [في الوضوح] (+ م). ٢٦ والحارث؛ وقوله بطرق مختلفة، أي في طرق مختلفة؛ والمراد بالطرق التراكيب، ويُستفاد منه أنه لا بد في البيان من أن تكون بالنسبة إلى كل معنّى طرق ثلاثة على ما هو أدنى الجمع، ولا بُعد فيه لأن المعنى الواحد الذي نحن فيه له مسنَد ومسند إليه، ونسبةٌ لكل منها دال يجري فيه المجاز سيّما باعتبار المعنى الالتزامي المعتبر في هذا الفن، فتحصل للمركب طرق ثلاثة لا محالة. ولا يشكل عليك أنه وإنْ تتحقق الطرق الثلاثة بالاعتبار المذكور، وأزيد لكن كيف يجزم بتحقق الاختلاف في الوضوح وهو خفي جدًّا، فإنّ الأمر هيّن إذ الاختلاف في الوضوح والخفاء كما يكون باعتبار قرب المعنى المجازي وبعده من المعنى الحقيقي، يكون بوضوح القرينة المنصوبة وخفائها فلا محالة تتحقق(١) المعاني المختلفة وضوحًا وخفاءً ولو باعتبار القرائن التي نصبها في تصرّف البليغ؛ فتقييد إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على تقدير أنْ يكون لها طرق مختلفة مما لا حاجة إليه. بقي ههنا شيء وهو أنه كما أنّ الاقتدار على إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من(٢) مزايا البلاغة، كذلك الاقتدار على إيراده بطرق متساوية في الوضوح، فلا معنى لإدخال الأول تحت البيان دون الثاني إلاّ أن يُقال هذا تعريف بخاصة شاملة للمعرف ولا يلزم منه ان يكون كل ما يغاير هذه الخاصة خارجًا عن وظائف البيان. ثم المختلفة تشتمل المختلفة في الكلمات التي هي أجزاء المركّب والمختلفة في وضوح الدلالة، فالطرق المختلفة في الأول ليس من البيان فأخرجه بقوله في وضوح الدلالة، إمّا لأنه أراد بالدلالة الدلالة العقلية لِما أنّه تقرّر من أنّ الاختلاف المذكور لا يجري إلاّ في الدلالات العقلية، وإمّا لأنّ الاختلاف في وضوح الدلالة يخصّ الدلالة العقلية، فلا حاجة إلى تقييد الدلالة بالعقلية لإخراج الطرق المختلفة بالعبارة، وترك في التعريف ذكر الخفاء، وإن ذكر في المفتاح للاختصار ولاستلزام الاختلاف في الوضوح الاختلاف في الخفاء. وقوله عليه، أي على المعنى الواحد، وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى الأطول. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أنه كيف يُستفاد منه المعنى الزائد على أصل المعنى. علم البديع: وهو علم تُعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، وبعد رعاية وضوح الدلالة، كذا ذكر الخطيب؛ أي علم يُعرف به كل وجه جزئي يَرِد على سامع الكلام البليغ والمتلفّظ به على ما في الأطول. وليس المُراد بوجوه التحسين مفهومها الأعمّ الشامل للمطابقة، والخلو عن التعقيد المعنوي، وغير ذلك مما يورث الكلام حُسنًا، سواء كان داخلاً في البلاغة أو غير داخل فيها مما يتبيّن في علم المعاني والبيان واللغة والصرف والنحو، لأنه يدخل فيها حينئذ بعض ما ليس من المحسنات التابعة لبلاغة الكلام كالخلو من التنافر ومخالفة القياس وضعف التأليف، لأن البلاغة موقوفة على الخلوّ عنها، فلا يكون الخلوّ عنها من المحسّنات التابعة لبلاغة الكلام، ضرورة أنها تكون بعد البلاغة، بل المُراد منها ما سواها مما لا دخل له في البلاغة من المحسنات. فقوله بعد رعاية مطابقة الكلام الخ، ليس للاحتراز عن تلك الأمور لعدم دخولها في وجوه التحسين، بل للتنبيه (١) تحقق (م). (٢) بين (م). ٢٧ على أن الوجوه المحسنة البديعية لا تحسّن بدون البلاغة، وإلاّ لكان كتعليق الدّرر على أعناق الخنازير. فقوله بعد متعلّق بالمصدر وهو التحسين، وللتنبيه على أنه يجب تأخير علم البديع عن المعاني والبيان، وأنها تورث حسنًا عرضيًا غير داخل في حدّ البلاغة، وأنها إنما تكون من البديع إذا لم يقتض الحال لها إذ لو اقتضاها الحال لم تكن تابعة للبلاغة. ولذا ذكر في شرح المفتاح وأما البديع فقد جعلوه ذيلاً لعلمَي البلاغة لا قِسْمًا برأسه من أقسام العلوم العربية على ما سبق. هذا خلاصة (١) ما في المطول وحواشيه. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أن له توابع. بيان الغرض من تلك العلوم: إعلمْ أنّ البلاغة سواء كانت في الكلام أو في المتكلّم رجوعها إلى امرين: أحدهما الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، أي ما هو مراد البليغ من الغرض المصوغ له الكلام كما هو المتبادر من إطلاق المعنى المراد في كتب علم البلاغة، فلا يندرج فيه الاحتراز عن التعقيد المعنوي كما توهمه البعض، ولا الاحتراز عن التعقيد مطلقًا. والثاني تمييز الفصيح عن غيره، ومعرفة أن هذا الكلام فصيح وهذا غير فصيح، فمنه ما يبيّن في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يُدرك بالحسّ، وهو أي ما يبيّن في هذه العلوم ما عدا التعقيد المعنوي، فمسَّت الحاجة للاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد إلى علم، والاحتراز عن التعقيد المعنوي إلى علم آخَر، فوضعوا لهما علمي المعاني والبيان، وسموهما علم البلاغة لمزيد اختصاص لهما بها، ثم احتاجوا لمعرفة ما يتبع البلاغة من وجوه التحسين إلى علم آخَر، فوضعوا له علم البديع، فما يُحترز به عن الأوّل أي الخطأ في التأدية علم المعاني، وما يُحترز به عن الثاني أي التعقيد المعنوي علم البيان، وما يُعرف به وجوه التحسين علم البديع. علم العروض: وهو علم تُعرف به كيفية الأشعار من حيث الميزان والتقطيع، والقيد الأخير احتراز عن علم القافية. وموضوعه اللفظ المرگّب من حیث أن له وزنًا . علم القافية: وهو علم تُعرف به كيفية الأشعار من حيث التقفية، والقيد الأخير احتراز عن علم العروض. وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له قافية. العلوم الشرعية وتُسمّى العلوم الدينية، وهي العلوم المدوّنة التي تُذكر فيها الأحكام الشرعية العملية أو الاعتقادية، وما يتعلّق بها تعلّقًا معتدًا به، ويجي تحقيقه في الشرع، وهي أنواع فمنها . (١) خلاصة (- م). ٢٨ علم الكلام: ويُسمّى بأصول الدين، أيضًا، وسماه أبو حنيفة(١) رحمه الله تعالى بالفقه الأكبر. وفي مجمع السلوك(٢): ويُسمّى بعلم النظر والاستدلال أيضًا، ويسمّى أيضًا، بعلم التوحيد والصفات. وفي شرح العقائد(٣) للتفتازاني: العلم المتعلّق بالأحكام الفرعية، أي العملية يُسمَّى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمّى علم التوحيد والصفات، انتهى. وهو علم يُقتدَر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه، فالمراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقًا، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها ويمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلّف بأن يُقال علم أي معلوم يُقتدَر معه، أي مع العلم به الخ. وفي صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التّامة، وبإطلاق المعيّة تنبيه على المصاحبة الدائمة، فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة وردّ الشّبه، لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب هذا العلم دون العلم بالقوانين التي تُستفاد منها صور الدلائل فقط، ودون علم الجدل الذي يتوسّل إلى حفظ أي وضع يُراد، إذْ ليس فيه اقتدار تامّ على ذلك، وإنْ سُلّم فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد، والمتبادر من هذا الحدّ ما له نوع اختصاص به، ودون علم النحو المجامع لعلم الكلام: مثلاً إذ ليس تترتّب عليه تلك القدرة دائمًا على جميع التقادير، بل لا مَدْخل له في ذلك الترتّب العادي أصلاً. وفي اختيار يُقتدر على يثبت إشارة إلى أنّ الإثبات بالفعل غيرُ لازم، وفي اختيار معه على به مع شيوع استعماله تنبيه على انتفاء السببيّة الحقيقية المتبادَرة من الباء، إذْ المراد الترتّب العادي، وفي اختيار إثبات العقائد على تحصيلها إشعارٌ بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، وبأن العقائد يجب أن تُؤخَذ من الشرع ليُعتدَّ بها، وإنْ كانت مما يَستقل العقل فيه، ولا يجوز حملُ الإثبات ههنا على التحصيل والاكتساب، إذْ يلزم منه أنْ يكون العلم بالعقائد خارجًا عن علم الكلام ثمرة له ولاخفاءَ في بطلانه. والمتبادر من الباء في قولنا بإيراد هو الاستعانة دون السببية، ولئن سلّم وجب حملها على السببيّة العادية دون الحقيقية بقرينة ذلك التنبيه السابق. وليس المُراد بالحجج والشّبه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم من تصدّى للإثبات بناءً على تناول المخطئ، ولا يُراد بالغير الذي يثبت عليه العقائد غيرًا معيّنًا حتى يُرِدْ أنّها إذا أثبتت عليه مرة لم يبق اقتدار على إثباتها قطعًا، فيخرج المحدود عن الحدّ. فحاصل الحدّ أنه علم بأمور يُقتدر معه، أي يحصل مع ذلك العلم حصولاً دائمًا عاديًا قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامها إياه بإيراد الحجج ودفع الشّبه عنها، فإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، ودفع الشبه إلى انتفاء المانع. ثم المراد بالعقائد ما يُقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به العمل، كقولنا الوتر واجب إذْ قد ٠ (١) ابو حنيفة: هو الإمام النعمان بن ثابت، التيمي الكوفي، أبو حنيفة. ولد بالكوفة عام ٨٠هـ/ ٦٩٩م وتوفي ببغداد عام ١٥٠ هـ/ ٧٦٧م. فقيه مجتهد أصولي ومتكلم، من أئمة الفقه الأربعة الكبار. له الكثير من المؤلفات الفقهية الهامة. الأعلام ٣٦/٨، تاريخ بغداد ٣٢٣/١٣، وفيات الأعيان ٢/ ١٦٣، النجوم الزاهرة ١٢/٢، البداية والنهاية ١٠ / ١٠٧، الجواهر المضية ٢٦/١، نزهة الجليس ١٧٦/٢، تاريخ الخميس ٣٢٦/٢، مفتاح السعادة ٦٣/٢، دائرة المعارف الإسلامية ٣٣٠/١، مرآة الجنان ٣٠٩/١ وغيرها . (٢) مجمع السلوك في التصوف للشيخ سعد الدين الخير أبادي (- ٨٨٢هـ). إيضاح المكنون، ٤، ٤٣٤. (٣) شرح العقائد النسفية لسعد الدين مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني (- ٧٩٢هـ / ١٣٨٩م) طبع في كلكوتا، ١٢٦٠ هـ. معجم المطبوعات العربية، ٦٣٧ . ٢٩ دوّن للعمليات الفقه. والمُراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد عليه الصلوة والسلام سواء كانت صوابًا أو خطأ، فلا يخرج علم أهل البدع الذي يُقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة عن علم الكلام، ثم المُراد جميع العقائد لأنها منحصرة مضبوطة لا تزاد عليها (١)، فلا يتعذّر الإحاطة بها والاقتدار على إثباتها، وإنما تتكثر وجوه استدلالاتها وطُرق دفع شبهاتها، بخلاف العمليات، فإنها غير منحصرة، فلا تتأتّى الإحاطة بكلّها، وإنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام. وموضوعه هو المعلوم من حيث أنه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقًا قريبًا أو بعيدًا، وذلك لأن مسائل هذا العلم إما عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء وانتفاء الحال، وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعدّدة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود، والمعدوم والحال، فإن حُكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقًا قريبًا، وإن حُكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقًا بعيدًا . وللبعد مراتب متفاوتة؛ وقد يُقال المعلوم من الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضًا، فأولى أنْ يُقال من حيث إنه يثبت له ما هو من العقائد أو وسيلة إليها. وقال القاضي الارموي(٢): موضوعه ذات الله تعالى إذ يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفاته الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله إمّا في الدنيا كحدوث العالم، وإمّا في الآخرة كالحشر، وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث إنهما واجبان عليه تعالى أوْ لا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث إنهما يجبان عليه أمْ لاً، وفيه بحث، وهو أنّ موضوع العلم لا يبيّن وجوده فيه، أي في ذلك العلم، فيلزم إمّا كون إثبات الصانع بيّا بذاته وهو باطل، أو كونه مبيّنًا في علم آخَر سواء كان شرعيًا أوْ لا، على ما قال الأرموي، وهو أيضًا باطل لأن إثباته تعالى هو المقصود الأعلى في هذا العلم. وأيضًا كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي، بل احتياجه إلى ما ليس علمًا شرعيًا مع كونه أعلى منه مما يُستنكر جدًا. وقال طائفة ومنهم حجّة الإسلام(٣): موضوعه الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيّد بشيء؛ ويمتاز الكلام عن الإلهي باعتبار أنّ البحث فيه على قانون الإسلام لا على قانون العقل، وافق الإسلام أوْ لا، كما في الإلهي، وفيه أيضًا بحث إذ قانون الإسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية إذْ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعًا، مع أن المخطئء من أرباب علم الكلام ومسائله من مسائل الكلام. (١) لا يزاد فيها (م). (٢) الأرموي: هو محمود بن أبي بكر بن أحمد، أبو الثناء، سراج الدين الأرموي. ولد بنواحي أذربيجان عام ٥٩٤هـ/ ١١٩٨م وتوفي بمدينة قونية عام ٦٨٢هـ / ١٢٨٣م. عالم بالأصول والمنطق، فقيه شافعي. تنقل في البلاد وله كثير من المصنفات. الأعلام ٧/ ١٦٦، طبقات السبكي ١٥٥/٥، معجم المطبوعات ٤٢٧/١، هدية العارفين ٤٠٦/٢ . (٣) حجة الإسلام: الغزالي هو الإمام محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجّة الإسلام. ولد بطوس بنواحي خراسان عام ٤٥٠ هـ/ ١٠٥٨م وفيها توفي عام ٥٠٥هـ/ ١١١١م. فيلسوف، فقيه وصوفي، له العديد من المصنفات الهامة. الأعلام ٢٢/٧، وفيات الأعيان ١/ ٤٦٣، طبقات الشافعية ١٠١/٤، شذرات الذهب ١٠/٤، الوافي بالوفيات ٢٧٧/١، مفتاح السعادة ٢/ ١٩١، تبيين كذب المفتري ٢٩١، تاريخ آداب اللغة ٩٧/٣، اللباب ١٧٠/٢ وغيرها . ٣٠ وفائدة علم الكلام وغايته الترقّي من حضيض التقليد إلى ذروة الايقان وإرشاد المسترشدين بإيضاح الحجّة لهم، وإلزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وحفظ قواعد الدين عن ان يزلزلها شُبهة المبطلين، وأن تبتنى عليه العلوم الشرعية، أي يبتنى عليه ما عداه من العلوم الشرعية، فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها، فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصوّر علم تفسير ولا علم فقه وأصوله، فكلّها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه، فالآخذ فيها بدونه كبانٍ على غير أساس، وغاية هذه الأمور كلها الفوز بسعادة الدارين. ومن هذا تبيّن(١) مرتبة الكلام أي شرفه فإن شرف الغاية يستلزم شرف العلم، وأيضًا دلائله يقينية، يحكُم بها صريحُ العقل وقد تأيَّدت بالنقل، وهي أي شهادة العقل مع تأيّدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذْ لا تبقى حينئذ شُبهة في صحة الدليل. وأما مسائله التي هي المقاصد فهي كلّ حكم نظري لمعلوم، هو أي ذلك الحكم النظري من العقائد الدينية، أو يتوقف عليه إثبات شيء منها. والكلام هو العلم الأعلى إذْ تنتهي إليه العلوم الشرعية کلّها، وفيه تثبت موضوعاتها وحیثیاتها، فليست له مبادٍ تبين في علم آخر شرعيًا أو غيره، بل مبادئه إمّا مبيّنة بنفسها أو مبيّنة فيه. فهي أي فتلك المبادئ المبيّنة فيه مسائل له من هذه الحيثية ومبادٍ لمسائل أخر منه لا تتوقّف عليها، لئلاَّ يلزم الدور، فلو وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقّف عليها إثبات العقائد أصلاً ولا دفعُ الشّبه عنها، فذلك من خلط مسائل علم آخَر به تكثيرًا للفائدة في الكتاب. فمن الكلام يستمدّ غيره من العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره أصلاً، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق. بالجملة، فعلماء الإسلام قد دوّنوا لإثبات العقائد الدينية المتعلّقة بالصانع وصفاته وأفعاله، وما يتفرّع عليها من مباحث النبوّة والمعاد، علمًا يُتوصّل به إلى إعلاء كلمة الحقّ فيها، ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلاً، فأخذوا موضوعه على وجهٍ يتناول تلك العقائد، والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقّفها عليها باعتبار موادّ أدلتها أو باعتبار صورها، وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا، فجاء علمًا مستغنيًا في نفسه عمّا عداه، ليس له مبادٍ تبين في علم آخَر. وأمّا وجه تسميته بالكلام فلأنه يُورِثُ قدرةً على الكَلام في الشرعيات، أو لأنّ أبوابه عُنْوِنت أولاً بالكلام في كذا، أو لأنّ مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثرَ فيه التقاتل. وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه؛ وعلى هذا القياس في البواقي من أسمائه، هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف، ومنها : علم التفسير: وهو علم يُعرف به نزول الآيات وشئونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيها ومدنيّها، ومُحكمها ومُتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومُجملها ومُفسَّرها، وحلالها وحرامها، ووعْدِها ووعيدها، وأمرها ونهْيها، وأمثالها وغيرها. وقال أبو حيان(٢): التفسير علم يُبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية (١) يتبين (م). (٢) أبو حيان: هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الأندلسي الجيّاني، اثير الدين أبو حيان. ولد بجهة غرناطة عام ٦٥٤هـ/ ١٢٥٦م وتوفي بالقاهرة عام ٧٤٥هـ / ١٣٤٤م. من كبار العلماء بالعربية والتفسير= ٣١ والتركيبية، ومعانيها التي يُحمل عليها حالة التركيب وتتمّات ذلك. قال: فقولنا علم جنس، وقولنا يُبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هو علم القراءة، وقولنا ومدلولاتها أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا متن علم اللغة الذي يُحتاج إليه في هذا العلم. وقولنا وأحكامها الإفرادية والتركيبية يشتمل(١) علم الصرف والنحو والبيان والبديع، وقولنا ومعانيها التي يُحمل عليها حالة التركيب يشتمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز، فإنّ التركيب قد يقتضي بظاهره شيئًا ويصدّ عن الحمل عليه صادّ، فيحمل على غيره وهو المجاز، وقولنا وتتمّات ذلك هو مثل معرفة النسخ وسبب النزول(٢) وتوضيح ما أُبهم في القرآن ونحو ذلك. وقال الزركشي(٣): التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزّل على محمد وي طهر، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج إلى معرفة أسباب النّزول والناسخ والمنسوخ، كذا في الاتقان(٤)، فموضوعه القرآن. وأما وجه الحاجة إليه فقال بعضهم إعلمْ أنّ من المعلوم أن الله تعالى إنّما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه وانزل كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير لِمَا سيذكر بعد تقرير قاعدة، وهي أنّ كل من وضع من البشر كتابًا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة: أحدها كمال فضيلة المصنف، فإنه بقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز، فربما عَسُرَ فَهْمُ مراده فقصد بالشروح ظهور تلك المعاني الدقيقة؛ ومن ههنا كان شرح بعض الأئمة لتصنيفه أدلّ على المراد من شرح غيره له. وثانيها إغفاله بعض متمّمات المسألة أو شروطها اعتمادًا على وضوحها، أو لأنها من علم آخَر، فيحتاج الشارح لبيان المتروك ومراتبه. وثالثها احتمال اللفظ لمعانٍ مختلفة كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنّف وترجيحه، وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السّهو والغلط، أو تكرار الشيء، أو حذف المهمّ، وغير ذلك، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك. وإذا تقرر هذا، فنقول: إنّ القرآن إنما نزل بلسانٍ عربي في زمن فُصحاء العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كانت تظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي 984َّ في الأكثر، كسؤالهم لما نزل [قوله](٥) ﴿ولم يُلِسُوا إيمانهم بظُلم﴾(٦) فقالوا وأيّنا لم يظلمْ نفسه، ففسَّره = والحديث والتراجم واللغات. له الكثير من المصنفات. الأعلام ٧/ ١٥٢، الدرر الكامنة ٣٠٢/٤، بغية الوعاة ١٢١، فوات الوفيات ٢٨٢/٢، نكت الهميان ٢٨٠، غاية النهاية ٢٨٥/٢، نفح الطيب ٥٩٨/١، شذرات الذهب ١٤٥/٦، النجوم الزاهرة ١١١/١٠، طبقات السبكي ٣١/٦، دائرة المعارف الإسلامية ٣٣٢/١. (١) هذا يشمل (م). (٢) المنزل (م). (٣) الزركشي: هو محمد بن بهادُر بن عبدالله الزركشي، بدر الدين. ولد بمصر عام ٧٤٥هـ / ١٣٤٤م وفيها مات عام ٧٩٤هـ/ ١٣٩٢م. فقيه أصولي، عالم بالقرآن وعلومه. له تصانيف عديدة. الأعلام ٦/ ٦٠، الدرر الكامنة ٣٩٧/٣، شذرات الذهب ٣٣٥/٦. (٤) الإتقان في علوم القرآن لأبي الفضل عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر جلال الدين السيوطي (- ٩١١ هـ)، طبع في كلكوتا، ١٢٧١ هـ. معجم المطبوعات العربية، ١٠٧٤. (٥) [قوله] (+ م). (٦) الأنعام/ ٨٢. ٣٢ النبيِ وَلَّ بالشِّرك، واستدل عليه ﴿إنّ الشركَ لظلم عظيم﴾(١)، وغير ذلك مما سألوا عنه عليه الصلوة والسلام. ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه مع أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشد احتياجًا إلى التفسير. وأما شرفه فلا يخفى، قال الله تعالى ﴿يُؤْتِي الحكمةَ مَنْ يشاء ومَنْ يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خیرًا كثيرًا﴾(٢). وقال الأصبهاني(٣): شرفه من وجوه: أحدها من جهة الموضوع، فإن موضوعه كلام الله تعالى الذي [هو] (٤) ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة. وثانيها من جهة الغرض، فإنّ الغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي الغاية القصوى. وثالثها من جهة شدّة الحاجة، فإنّ كل كمال ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى. فائدة اختلف الناس في تفسير القرآن هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم لا يجوز لأحد أنْ يتعاطى تفسير شيء من القرآن وإن كان عالمًا أديبًا متّسعًا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلاّ أن ينتهي إلى ما رُويَ عن النبيِ وَّ في ذلك. ومنهم مَنْ قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعًا للعلوم التي يحتاج المفسِّر إليها وهي خمسة عشر علمًا: اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع وعلم القراءات، لأنه يُعرف به كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يرجح بعض الوجوه المحتملة على بعض، وأصول الدين أي الكلام وأصول الفقه وأسباب النزول والقصص إذ بسبب النزول يُعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه، والناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره والفقه والأحاديث المبيِّنة لتفسير المُبهَم والمُجمَل، وعلم المؤهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث ((مَن عمل بما علِم أورثه الله تعالى عِلْم ما لم يعلم))(٥). وقال البغوي(٦) والكواشي(٧) وغيرهما: التأويل، وهو صرف الآية إلى معنى موافق لما (١) لقمان/ ١٣ . (٢) البقرة/ ٢٦٩. (٣) الأصبهاني: هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني أو الأصبهاني المعروف بالراغب. توفي حوالي العام ٥٠٢هـ/ ١١٠٨م. أديب، من الحكماء العلماء واشتهر أمره حتى قُرِنَ بالإمام الغزالي. له الكثير من المؤلفات. الأعلام ٢٥٥/٢، روضات الجنان ٢٤٩، كشف الظنون ٣٦/١، تاريخ حكماء الإسلام ١١٢، تاريخ آداب اللغة ٤٤/٣، بغية الوعاة ٣٩٦، الذريعة ٤٥/٥، سفينة البحار ٥٢٨/١ وغيرها. (٤) هو (+ م، ع). (٥) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء، ٣٤٧/٢، الحديث رقم ٢٥٤٢، وقال عقبه: رواه أبو نعيم عن أنس. ورجعت إلى الحلية فلم أجده بهذا اللفظ، ووجدته بلفظ: ((من عمل بعلم الرواية ورث علم الدراية، ومن عمل بعلم الدراية ورث علم الرعاية، ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق)). عن أبي بكر بن أبي قعدان. جـ ٣٧٧/١٠، ترجمة أحمد بن أبي سعدان رقم ٦٥٠، وعنه: من عمل بما علم هدى واهتدى. (٦) البغوي: هو الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء. ولد عام ٤٣٦هـ/ ١٠٤٤م وتوفي عام ٥١٠هـ/ ١١١٧م في مروالروذ. لقب بمحيي السنة، فقيه، محدث ومفسر، وله العديد من المصنفات. الأعلام ٢٥٩/٢ وفيات الأعيان ١٤٥/١، تهذيب ابن عساكر ٣٤٥/٤، دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٢٧. (٧) الكواشي: هو أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع بن الحسين بن سويدان الشيباني الموصلي، موفق الدين ابو= ٣٣ قبلها وما بعدها تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنّة، غيرُ محظور على العلماء بالتفسير، كقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وثِقَالاً﴾(١) قيل شبابًا وشيوخًا، وقيل أغنياء وفقراء، وقيل نُشَّاطًا وغير نُشَّاط، وقيل أصحاء ومرضى، وكل ذلك سائغ، والآية تحتمله. وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور، لأنه تأويل الجاهلين، مثل تأويل الروافض قوله تعالى ﴿مرج البحرين يلتقيان﴾(٢) انهما علي وفاطمة، ﴿يخرج منهما اللؤلؤُ والمَرجان﴾(٣) يعني الحسن والحسين. فائدة: وأما كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير. وقال النسفي(٤) في عقائده(٥): النصوصُ محمولة على ظواهرها والعدول عنها إلى معانٍ يدَّعيها أهل الباطن إلحاد. وقال التفتازاني في شرحه: سُمّيت الملاحدة باطنية لادعائهم أنّ النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معانٍ باطنة لا يعرفها إلاّ المُعلِّم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. وأما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان(٦). فإن قلت: قال رسول = العباس الكواشي ولد بالموصل عام ٥٩٠هـ/ ١١٩٤م. وفيها توفي عام ٦٨٠هـ/ ١٢٨١ م. مفسر، فقيه شافعي. له الكثير من المؤلفات. الاعلام ٢٧٤/١، النجوم الزاهرة ٣٤٨/٧، نكت الهميان ١١٦. (١) التوبة/ ٤١ . (٢) الرحمان/ ١٩ . (٣) الرحمان/ ٢٢ . (٤) النسفي: هو الإمام عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل نجم الدين النسفي. ولد عام ٤٦١هـ/ ١٠٦٨م، وتوفي ٥٣٧هـ/ ١١٤٢م. عالم بالتفسير والأدب والتاريخ، فقيه حنفي، له العديد من المصنفات. الأعلام ٥/ ٦٠، لسان الميزان ٣٢٧/٤، إرشاد الأريب ٦/ ٥٣. (٥) العقائد النسفية لأبي حفص، عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي (- ٥٣٧هـ / ١١٤٢م). وكتابه في العقيدة وأصول الدين. طبع في كلكوتا سنة ١٢٦٠هـ، وألّفت عليه شروحات وحواشي كثيرة أهمها: شرح العقائد النسفية للتفتازاني وقد سبقت الإشارة إليها. معجم المطبوعات العربية ٦٣٧ . (٦) العرفان استخدم هذا المصطلح في الموروث المعرفي العربي والاسلامي تعبيرًا عن طريق معرفي يحصل عند العارف والحكيم بالإلهام والكشف؛ على أن الإلهام والكشف يحصلان بعدة مسالك، منها الإشراق المعرفي، ومنها الكرامة الصوفية، وأخرى بالخيال والتنبؤ. وعَرَفَ لغةً: العلم، وعَرَفَه عرفةً وعِرفانًا وعرفانًا ومعرفة ... ورجل عروف وعرفة: عارفٌ يعرف الأمور. وفي حديث ابن مسعود: فيقال لهم هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه، أي إذا وصف نفسه بصفة نحقّقه بها عرفنا ... ويقال للحاذي - يدّعي علم الغيب - عرّاف ... وللطبيب (لسان العرب، مادة عرف). وقيل: العلم يقال لادراك الكلي أو المركب، والمعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط، ولهذا يقال عرفت الله دون علمه ... ويستعمل العرفان فيما تدرك آثاره ولا تدرك ذاته. (الكفوي، الكليات، ج ٣، ص ٢٠٤) فعرف والعرفان تشيران إلى الادراك المباشر وإلى ادراك الآثار. ثم إن عرفان على وزن فَعَلان: خصوصيته الدلالة على التفعّل والاضطراب خفيفًا أو ثقيلاً .... وفِعْلان: خصوصيته الدلالة على الشيء المحشو من معنى الوصف. (العلايلي، المقدمة اللغوية، ص ٦٦ وص ٧٥). وبهذا نرى أن العرفان على وزنيه يدلّ على الاضطراب والظهور والاختفاء بمثل ما يدل على الحشو في الوصف. وفي الحالين فإن الأمر إذا ما أخذ منضافًا إلى دلالة لفظ عرف والاصطلاح عبّر أصدق تعبير عن حقيقة العرفان ومفهومه. إذ هو معرفة مباشرة بالبسيط مخالف للبرهان والعلم الكلي يداخله الظن وحشد الاوصاف والاضطراب مثلما يباطنه الكشف والحدس. ومن ثمَّ أطلق اللفظ على ثلاثة معانٍ: - قابل لفظة الغنوص Gnose، ودلّ احيانًا على من اتبع المعرفة الغنوصية . = ٣٤ الله ◌َّ (لكل آية ظهرٌ وبطنٌ، ولكل حرفٍ حَدّ، ولكل حدّ مطلع))(١). قلت أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه: أحدها انك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها. والثاني ما من آية إلّ عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها، كما قاله ابن مسعود(٢) فيما أخرجه. والثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. والرابع وهو أقرب إلى الصواب أنّ القصص التي قصّها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرِين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم. والخامس أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنه من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله ولكل حرف حدّ أي منتهَى فيما أراد من معناه، وقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. ومعنى قوله ولكل حدّ مطلع، لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يُتوصَّل به إلى معرفته ويوقف على المراد به، وقيل كلّ ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخِرة عند المجازاة. وقال بعضهم الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحدّ أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، فهذا يدلّ على أنّ في فهم المعاني للقرآن مجالاً متسِعًا، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع [بل](٣)، لا بُدَّ منه في ظاهر التفسير لتُتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتَّسِعُ الفهم والاستنباط، ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر، بل لا بُدَّ منه أوّلاً، إذ لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر. هذا كله نُبذ مما وقع في الاتقان، وإن شئت الزيادة فإرجع إليه . علم القراءة: وهو علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، وموضوعه القرآن من حيث إنه كيف يُقرأ. - رافق المفهوم الاشراقي الشرقي، ودلّ على المعرفة بالنور، أصل من أصلين عند الفرس. - عبّر عن التيار الصوفي الاسلامي وطريقته في المعرفة والتيار الباطني وطريقته في التأويل. وقد ميّز الفكر الحديث، بمؤتمر مدينة Missine بايطاليا عام ١٩٦٦ م بين العرفان والعرفانية، معتبرًا أن العرفان هو المعرفة الإلهية يخصّ صفوة من الناس. أما العرفانية فهي مذاهب دينية متعدّدة ومختلفة، كثرت في القرن الثاني الميلادي، تتفق على جامع واحد مفاده: أنها ترقى إلى معرفة تفوق المعرفة العقلية وتسمو عليها، إنها المعرفة الباطنية. Jambet, Ch., la logique des . Orienteaux, Paris, 1983, P.171 ولعلّ هذه المذاهب ترجع إلى مذهب هرمس الهرامس - أو ادريس، أخنوخ الفرعوني - وهرمس لغة سريانية تعني العالم، لمزيد من التفصيل عن كل هذا التيار. (العجم، رفيق، أثر الخصوصية العربية في المعرفية الاسلامية، بيروت، ١٩٩٢، ج ١، فصل العرفان). (١) لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع. أخرجه البيهقي في الشعب، ٢/ ٤٨٥، عن معقل بن يسار، باب في تعظيم القرآن (١٦)، فصل في فضائل السور، الحديث رقم ٢٤٧٨، بلفظ: (( ... لكل آية نور يوم القيامة ... )). (٢) هو عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، ابو عبد الرحمن. توفي بالمدينة المنورة عام ٣٢هـ/ ٦٥٣م. صحابي جليل. من أهل مكة. من السابقين للاسلام. خدم الرسول وصاحبه. من أكابر الصحابة علمًا وورعًا. الاعلام ١٣٧/٤، غاية النهاية ٤٥٨/١، صفة الصفوة ١٥٤/١، حلية الأولياء ١٢٤/١، تاريخ الخميس ٢٥٧/٢، سير أعلام النبلاء ٤٦١/١، الاصابة ٣٦٠/٢ وغيرها . (٣) بل (+ م). ٣٥ علم الإسناد: ويسمّى بأصول الحديث أيضًا، وهو علم بأصول تعرف بها أحوال حديث رسول الله وَّر، من حيث صحة النقل وضعفه والتحمّل والأداء، كذا في الجواهر(١)؛ وفي شرح النخبة (٢) هو علم يبحث فيه عن صحة الحديث وضعفه ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء انتهى. فموضوعه الحديث بالحيثية المذكورة. علم الحديث: ويُسمّى بعلم الرواية والأخبار والآثار أيضًا على ما في مجمع السلوك، حيث قال ويسمّى جملة علم الرواية والأخبار والآثار علم الأحاديث، انتهى. فعلى هذا علم الحديث يشتمل علم الآثار أيضًا، بخلاف ما قيل، فإنه لا يشتمله، والظاهر أن هذا مبني على عدم إطلاق الحديث على أقوال الصحابة وأفعالهم على ما عرف. وعلم الحديث علمٌ تعرف به أقوال رسول الله وَلَه وأفعاله. أما أقواله عليه الصلوة والسلام فهي الكلام العربي، فمَن لم يعرف حال الكلام العربي فهو بمعزل عن هذا العلم، وهو كونه حقيقة ومجازًا وكناية وصريحًا وعامًا وخاصًا ومطلقًا ومقيّدًا ومنطوقًا ومعنويًا ونحو ذلك، مع كونه على قانون العربية الذي بيّنه النحاة بتفاصيله، وعلى قواعد استعمال العرب، وهو المعبر بعلم اللغة. وأما أفعاله عليه الصلوة والسلام فهي الأمور الصادرة عنه التي أمرنا باتباعه فيها أولاً كالأفعال الصادرة عنه طبعًا أو خاصة، كذا في العيني (٣) شرح صحيح البخاري(٤)، وزاد الكرماني(٥) وأحواله. ثم في العيني: وموضوعه ذات رسول الله وَطهو من حيث أنه رسول الله، ومبادئه هي ما تتوقف عليه المباحث، وهي أحوال الحديث وصفاته، ومسائله هي الأشياء المقصودة منه، وغايته الفوز بسعادة الدارين. (١) الجواهر المكلّلة في الأخبار المسلسلة لأبي الحسن علم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي (- ٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥م). الرسالة المستطرفة، ٨٣. (٢) شرح النخبة ويعرف بنزهة النظر في توضيح نخبة الفكر للحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (-٨٥٢هـ / ١٤٤٨م) وقد شرح فيه كتابه نخبة الفكر. (٣) العيني هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، ابو محمد، بدر الدين العيني الحنفي. ولد بضواحي حلب عام ٧٦٢هـ / ١٣٦١م وتوفي بالقاهرة عام ٨٥٥هـ/ ١٤٥١م. مؤرخ، علامه، من كبار المحدثين، له الكثير من المصنفات الهامة. الاعلام ١٦٣/٧، الضوء اللامع ١٠/ ١٣١، خطط مبارك ١٠/٦، شذرات الذهب ٢٨٦/٧، الجواهر المضية ١٦٥/٢، إعلام النبلاء ٢٥٥/٥، آداب اللغة ١٩٦/٣، معجم المطبوعات ١٤٠٢. (٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري لمحمود بن أحمد بن موسى، أبو محمد بدر الدين العيني (- ٨٥٥هـ/ ١٤٥١م). طبع في القسطنطينية، ١٣١٠هـ، إكتفاء القنوع، ١٢٦ . (٥) الكرماني هو محمود بن حمزة بن نصر برهان الدين الكرماني. توفي حوالي العام ٥٠٥هـ/ ١١١٠م. عالم بالقراءات. الاعلام ١٦٨/٧، غاية النهاية ٢/ ٢٩٠، إرشاد الأريب ١٤٦/٧، الاتقان في علوم القرآن ٢٢١/٢، مفتاح السعادة ٤٢١/١، هدية العارفين ٢/ ٤٠٢ . ٣٦ فائدة لأهل الحديث مراتب: أولها الطالب، وهو المبتدئ الراغب فيه، ثم المحدِّث وهو الأستاذ الكامل، وكذا الشيخ والإمام بمعناه، ثم الحائط(١) وهو الذي أحاط علمه بمائة ألف حديث متنا وإسنادًا، وأحوال رواة (٢) جرحًا وتعديلاً وتاريخًا، ثم الحُجّة وهو الذي أحاط علمه بثلثمائة ألف حديث كذلك قاله ابن المطري(٣). وقال الجزري(٤) رحمه الله: الراوي ناقل الحديث بالإسناد والمحدّث مَنْ تحمَّل بروايته واعتنى بدرايته، والحافظ مَنْ روى ما يصل إليه ووعى ما يحتاج إليه. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين الاكفاني السَنجَّاري: دراية الحديث علم تتعرف منه أنواع الرواية وأحكامها وشروط الرواية وأصناف المرويات، واستخراج معانيها، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه علم التفسير من اللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع والأصول، ويحتاج إلى تاريخ النقلة، انتهى. علم أصول الفقه: ويُسمّى هو وعلم الفقه بعلم الدراية أيضًا على ما في مجمع السلوك، وله تعريفان: أحدهما باعتبار الإضافة، وثانيهما باعتبار اللّقب، أي باعتبار أنه لقبٌ لعلم مخصوص. وأما تعريفها باعتبار الإضافة فيحتاج إلى تعريف المضاف وهو الأصول والمضاف إليه وهو الفقه، والإضافة التي هي بمنزلة الجزء الصُّوَري للمركّب الإضافي. فالأصول هي الأدلة، إذ الأصل في الاصطلاح يُطلق على الدّليل أيضًا، وإذا أُضيف إلى العلم يتبادر منه هذا المعنى، وقيّد المراد المعنى اللغوي، وهو ما يبتنى عليه الشيء فإنّ الابتناء يشتمل الحسّي، وهو كون الشيئين حسّيين كابتناء السقف على الجدران، والعقلي كابتناء الحكم على دليله. فلمّا أُضيف الأصول إلى الفقه الذي هو معنى عقلي، يُعلم أن الابتناء ههنا عقلي، فيكون أصول الفقه ما يبتنى هو عليه ويستند إليه، ولا معنى لمستند العلم ومبتناه إلّ دليله. وأما الفقه فستعرف معناه. وأما الإضافة فهي تفيد اختصاص المُضاف بالمضاف إليه باعتبار مفهوم المضاف إذا كان المضاف مشتقًّا أو ما في معناه، مثلاً دليلُ المسألة ما يختصّ بها باعتبار كونه دليلاً عليها، فأصول الفقه ما يختصّ به من حيث إنه مبنّى له ومسندٌ إليه، ثم نُقِل إلى المعنى العُرفي اللّقبي الآتي ليتناول الترجيح والاجتهاد أيضًا. وقيل لا ضرورة إلى جعل أصول الفقه بمعنى أدلته ثم النقل إلى المعنى الّقبي أي العلم بالقواعد المخصوصة، بل يُحمل على معناه اللّغوي أي ما يُبتنى الفقه عليه ويستند إليه ويكون شاملاً لجميع معلوماته من الأدلة والاجتهاد والترجيح لاشتراكها في ابتناء الفقه عليها، فيعبّر عن (١) الحافظ (م). (٢) رواته (م). (٣) ابن المطري هو محمد بن أحمد بن محمد بن خلف الخزرجي الأنصاري السعدني المدني، أبو عبدالله، جمال الدين المطري. ولد عام ٦٧١ هـ/ ١٢٧٢م وتوفي بالمدينة المنورة عام ٧٤١هـ / ١٣٤٠م. فاضل، عالم بالحديث والفقه والتاريخ. تولى نيابة القضاء بالمدينة وله عدة تصانيف. الاعلام ٣٢٥/٥، الدرر الكامنة ٣١٥/٣. (٤) الجزري، هو محمد بن يوسف بن عبدالله بن محمود، ابو عبد الله شمس الدين الجزري. ولد بالجزيرة عام ٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩م وتوفي بالقاهرة عام ٧١١هـ/ ١٣١٢م خطيب من فقهاء الشافعية. له بعض المؤلفات في اللغة والأصول. الأعلام ٧/ ١٥١، الدرر الكامنة ٢٩٩/٤، بغية الوعاة ١٢٠، شذرات الذهب ٤٢/٦. ٣٧ معلوماته بلفظه وهو أصول الفقه، وعنه بإضافة العلم إليه، فيُقال علم أصول الفقه، أو يكون إطلاقها على العلم المخصوص على حذف المضاف أي علم الأصول الفقه. لكن يحتاج إلى اعتبار قيد الإجمال، ومن ثَمَّة قيل في المحصول(١): أصول الفقه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدِلّ بها. وفي الإحكام: هي أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدِلّ من جهة الجملة، كذا ذكر السيّد السنّد في حواشي شرح مختصر الأصول. وأما تعريفه باعتبار اللقب، فهو العلم بالقواعد التي يُتوصَّل بها إلى الفقه على وجه التحقيق، والمراد بالقواعد القضايا الكليّة التي تكون إحدى مقدمتي الدليل على مسائل الفقه، والمراد بالتوصّل التوصّل القريب الذي له مزيد اختصاص بالفقه إذ هو المتبادر من الباء السببية، ومن توصيف القواعد بالتوصّل فخرج المبادئ كقواعد العربية والكلام، إذْ يتوصّل بقواعد العربية إلى معرفة الألفاظ وكيفية دلالتها على المعاني الوضعية وبواسطة ذلك يقتدر على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والاجماع، وكذا يتوصّل بقواعد الكلام إلى ثبوت الكتاب والسنة ووجوب صدقهما، ويتوصل بذلك إلى الفقه، وكذا خرَج علم الحساب، إذْ التوصّل بقواعده في مثل: له عليّ خمسة في خمسة، إلى تعيّن مقدار المقرّ به لا إلى وجوبه الذي هو حكم شرعي كما لا يخفى، وكذا خرج المنطق إذ لا يتوصّل بقواعده إلى الفقه توصلاً قريبًا مختصًا به، إذْ نسبته إلى الفقه وغيره على السوية. والتحقيق في هذا المقام أنّ الإنسان لم يُخلق عبثًا ولم يُترك سدّى، بل تعلّق بكلٍ من أعماله حكِمٌ من قِبَل الشارع منوطٌ بدليلٍ يختصه ليستنبط منه عند الحاجة، ويقاس على ذلك الحكم ما يناسبه لتعذّر الإحاطة بجميع الجزئيات، فحصلت قضايا موضوعاتها أفعال المكلّفين، ومحمولاتها أحكام الشارع على التفصيل، فسمّوا العلم بها الحاصل من تلك الأدلة فقهًا. ثم نظروا في تفاصيل الأدلة والأحكام فوجدوا الأدلّة راجعة إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأحكام راجعة إلى الوجوب والنّدب والحُرمة والكراهة والإباحة. وتأمّلوا في كيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالاً من غير نظر إلى تفاصيلها، إلّ على طريق ضرب المثل، فحصل لهم قضايا كليّة متعلّقة بكيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالاً، وبيان طرقه وشرائطه، يتوصل بكل من تلك القضايا إلى استنباط كثير من تلك الأحكام الجزئية عن أدلّتها، فضبطوها ودوّنوها وأضافوا إليها من اللواحق والمتمّمات وبيان الاختلافات وما يليق بها، وسمّوا العلم بها أصول الفقه، فصار عبارةً عن العلم بالقواعد التي يُتوصَّل بها إلى الفقه. ولفظ القواعد مُشْعِر بقيد الإجمال. وقيد التحقيق للاحتراز عن علم الخلاف والجدل، فإنه وإن شمل (٢) على القواعد الموصلة إلى الفقه، لكن لا على وجه التحقيق، بل الغرض منه إلزام الخصم. ولقائل أن يمنع كون قواعده مما يُتوصّل به إلى الفقه توصلاً قريبًا، بل إنما يتوصّل بها إلى محافظة الحكم المستنبط أو مدافعته، ونسبته إلى الفقه وغيره على السوية، فإن الجدلي إمّا مجيب يحفظ وضعًا أو معترض يهدم وضعًا، إلاّ أنّ الفقهاء أكثروا فيه من مسائل الفقه وبنوا نكاته عليها، حتى يتوهّم أن له اختصاصًا بالفقه. (١) المحصول في أصول الفقه لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (- ٦٠٦هـ/ ١٢٠٩م)، طبعته جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض باعتناء وتحقيق طه جابر العلواني، ١٩٧٩ . (٢) اشتمل (م). ٣٨ ثم اعلمْ أنّ المتوصِّل بها إلى الفقه إنما هو المجتهد، إذ الفقه هو العلم بالأحكام من الأدلة، وليس دليل المقلد منها، فلذا لم يذكر مباحث التقليد والاستفتاء في كتب الحنفية. وأما مَنْ ذكرهما فقد صرّح بأن البحث عنهما إنما وقع من جهة كونه مقابلاً للاجتهاد. تنبيه بعد ما تقرر أنّ أصول الفقه لقب للعلم المخصوص لا حاجة إلى إضافة العلم إليه إلاّ أنْ يُقصد زيادة بيان وتوضيح كشجر الأراك. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين: أصول الفقه علمٌ يُتعرّف منه تقرير مطلب الأحكام الشرعية العملية وطرق استنباطها وموادّ حججها واستخراجها بالنظر، انتھی. وموضوعه الأدلة الشرعية والأحكام؛ توضيحه أنّ كل دليل من الأدلة الشرعية إنما يثبت به الحكم إذا كان مشتملاً على شرائط وقيود مخصوصة، فالقضية الكليّة المذكورة إنما تصدق كلية إذا اشتملت على هذه الشرائط والقيود، فالعلم بالمباحث المتعلّقة بهذه الشرائط والقيود يكون علمًا بتلك القضية الكلية، فتكون تلك المباحث من مسائل أصول الفقه. هذا بالنظر إلى الدليل، وأمّا بالنظر إلى المدلول وهو الحكم، فإن القضية المذكورة إنما يمكن إثباتها كلية إذا عرف أنواع الحكم، وأنّ أي نوع من الأحكام يثبت بأيّ نوع من الأدلة بخصوصية ثابتة من الحكم، ككون هذا الشيء علّة لذلك الشيء، فإنّ هذا الحكم لا يمكن إثباته بالقياس. ثم المباحث المتعلّقة بالمحكوم به، وهو فعل المكلف ككونه عبادة أو عقوبة ونحو ذلك مما يندرج في كليّة تلك القضية، فإن الأحكام مختلفة باختلاف أفعال المكلّفين، فإن العقوبات لا يمكن إيجابها بالقياس. ثم المباحث المتعلقة بالمحكوم عليه وهو المكلّف كمعرفة الأهلية ونحوها مندرجة تحت تلك القضية الكلية أيضًا، لاختلاف الأحكام باختلاف المحكوم عليه، وبالنظر إلى وجود العوارض وعدمها. فيكون تركيب الدليل على إثبات مسائل الفقه بالشكل الأول هكذا: هذا الحكم ثابت لأنه حكمٌ هذا شأنه، متعلق بفعلٍ هذا شأنه، وهذا الفعل صادر من مكلّف هذا شأنه، ولم توجد العوارض المانعة من ثبوت هذا الحكم، ويدل على ثبوت هذا الحكم قياسُ هذا شأنه. هذا هو الصغرى، ثم الكبرى وهو قولنا : وكل حكم موصوف بالصفات المذكورة ويدلّ على ثبوته القياس الموصوف فهو ثابت، فهذه القضية الأخيرة من مسائل أصول الفقه؛ وبطريق الملازمة هكذا كلما وجد قياس موصوف بهذه الصفات دالّ على حكم موصوف بهذه الصفات يثبت ذلك الحكم، لكنه وجد القياس الموصوف الخ، فعلم أن جميع المباحث المتقدمة مندرجة تحت تلك القضية الكلية (١) المذكورة، فهذا معنى التوصّل القريب المذكور. وإذا علم أن جميع مسائل الأصول راجعة إلى قولنا كل حكم كذا يدلّ على ثبوته دليل كذا فهو ثابت، أو كلما وجد دليل كذا دالّ على حكم كذا يثبت ذلك الحكم، علم أنه يبحث في هذا العلم عن الأدلة الشرعية والأحكام الكليتين من حيث إنّ الأولى مثبِتَة للثانية، والثانية ثابتة بالأولى، والمباحث (١) الكلية (- م، ع). ٣٩ التي ترجع إلى أنّ الأولى مثبِتَة للثانية بعضها ناشئة عن الأدلة وبعضها عن الأحكام؛ فموضوع هذا العلم هو الأدلة الشرعية والأحكام إذْ يُبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية، وهي إثباتها للحكم، وعن العوارض الذاتية للأحكام، وهي ثبوتها بتلك الأدلة. وان شئت زيادة التحقيق فارجع إلى التوضيح والتلويح. علم الفقه: ويُسمى هو وعلم أصول الفقه بعلم الدراية أيضًا على ما في مجمع السلوك. وهو معرفة النفس ما لها وما عليها، هكذا نقل عن أبي حنيفة. والمراد بالمعرفة إدراك الجزئيات عن دليل، فخرج التقليد، قال المحقق التفتازاني: القيد الأخير في تفسير المعرفة مما لا دلالة عليه أصلاً لا لغة ولا اصطلاحًا، وقوله: ما لها وما عليها يمكن أن يُراد به ما ينتفع به (١) النفس وما يتضرر به (٢) في الآخرة، على أن اللام للانتفاع، وعلى للضرر. وفي التقييد بالأخروي احتراز عما يُنتفع به أو يُتضرر به في الدنيا من اللذات والآلام؛ والمشعِر بهذا التقييد شهرة أن علم الفقه من العلوم الدينية. فإن أريد بهما الثواب والعقاب، فاعلمْ أنّ ما يأتي به المكلّف إما واجب أو مندوب أو مباح أو مكروه كراهة تنزيه أو تحريم أو حرام، فهذه ستة، ولكل واحد طرفان: طرف الفعل وطرف الترك، فصارت اثنتي عشرة؛ ففعل الواجب مما يُثاب عليه، وفعل الحرام والمكروه تحريمًا مما يعاقب عليه، والباقي لا يُئاب ولا يُعاقب عليه، فلا يدخل في شيء من القسمين. وإنْ أريد بالنفع الثواب وبالضرر عدمه، ففعل الواجب والمندوب من الأول، والبواقي من الثاني. ويمكن أن يُراد بما لها وما عليها ما يجوز لها وما يجب عليها، ففعل ما سوى الحرام والمكروه تحريما وترك ما سوى الواجب يجوز، وفعل الواجب وترك الحرام والمكروه تحريمًا مما يجب عليها، فبقي فعل الحرام وترك الواجب وفعل المكروه تحريماً خارجًا عن القسمين. ويمكن أن يراد بهما ما يجوز لها وما يحرمُ عليها، فيشتملان جميع الأقسام. إذا عرفت هذا فالحمل على وجهٍ لا تكون بين القسمين واسطة أولى. ثم ما لها وما عليها يتناول الإعتقاديات كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات أي الأخلاق الباطنة والملكات النفسانية والعمليات كالصوم والصلوة والبيع ونحوها. فمعرفة ما لها وما عليها من الإعتقاديات هي علم الكلام، ومعرفة ما لها وما عليها من الوجدانيات هي علم الأخلاق والتصوّف، كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلوة ونحو ذلك. ومعرفة ما لها وما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح. فإن أريد بالفقه هذا المصطلح زيد عملاً على قوله ما لها وما عليها . وإنْ أريد ما يشتمل الأقسام الثلاثة فلا يزاد قيد عملاً. وأبو حنيفة إنما لم يزد قيد عملاً لأنه أراد الشمول أي أطلق الفقه على العلم بما لها وما عليها، سواء كان من الاعتقاديات أو الوجدانيات أو العمليات، ولذا سمّى الكلام فقهًا أكبر. وذكر الإمام الغزالي أن الناس تصرّفوا في اسم الفقه، فخصّوه بعلم الفتاوى والوقوف على دلائلها وعللها. واسم الفقه في العصر الأول كان مطلقًا على علم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا، ولذا قيل: الفقيه هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، (١) تنتفع (م). (٢) تتضرر (م). ٤٠ البصير بذنبه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكافّ عن أعراض المسلمين. قال أصحاب الشافعي(١): الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، والمراد بالحكم النسبة التامة الخبرية التي العلم بها تصديق وبغيرها تصوّر، فالفقه عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية المتعلّقة بكيفية العمل تصديقًا حاصلاً من الأدلة التفصيلية التي نصبت في الشرع على تلك القضايا، وهي الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. اعلم أنّ متعلق العلم إمّا حكم أو غير حكم، والحكم إمّا مأخوذ من الشرع أوْ لا، والمأخوذ من الشرع إمّا أنْ يتعلق بكيفية عمل أوْ لا، والعملي إمّا أنْ يكون العلم حاصلاً من دليله التفصيلي الذي ينوط به الحكم أوْ لا. فالعلم المتعلّق بجميع الأحكام الشرعية العملية الحاصلة من الأدلة هو الفقه. فخرج العلم بغير الأحكام من الذوات والصفات، وبالأحكام الغير المأخوذة من الشرع بل من العقل كالعلم بأن العالَم حادث، أو من الحسّ كالعلم بأن النار محرقة، أو من الوضْع والاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع. وخرج العلم بالأحكام الشرعية النظرية المسماة بالاعتقادية والأصلية، ككون الإجماع حجة والإيمان به واجبًا. وخرج علم الله تعالى وعلم جبرائيل وعلم الرسول عليه الصلوة والسلام، وكذا علم المقلِّد لأنه لم يحصل من الأدلة التفصيلية. والتقييد بالتفصيلية لإخراج الإجمالية كالمقتضي والنافي، فإن العلم بوجوب الشيء لوجود المقتضي أو بعدم وجوبه لوجود النافي ليس من الفقه. والمراد بالعلم المتعلق بجميع الأحكام المذكورة تهيؤه للعلم بالجميع بأن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه، بأن يرجع إليه فيحكم، وعدم العلم في الحال لا ينافيه(٢) لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال لاستدعائه زمانًا، وقد سبق مثل هذا في بيان العلوم المدوّنة وعلم المعاني. ثم إنّ إطلاق العلم على الفقه وإن كان ظنيًا باعتبار أنّ العلم قد يُطلق على الظنيات كما يطلق على القطعيات كالطب ونحوه. ثم إن أصحاب الشافعي جعلوا للفقه أربعة أركان: فقالوا الأحكام الشرعية إمّا أنْ تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات، أو بأمر الدنيا، وهي إمّا أنْ تتعلّق ببقاء الشخص وهي المعاملات، أو ببقاء النوع باعتبار المنزّل وهي المناكحات، أو باعتبار المدينة وهي العقوبات. وههنا أبحاث تركناها مخافة الإطناب، فمن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى التوضيح والتلويح. وموضوعه فعلُ المكلف من حيث الوجوب والندب والحِلّ والحرمة وغير ذلك كالصحة والفساد. وقيل موضوعه أعمّ من الفعل، لأن قولنا: الوقتُ سببٌ لوجوب الصلوة من مسائله وليس موضوعه الفعل. وفيه أن ذلك راجع إلى بيان حال الفعل بتأويل أنّ الصلوة تجب بسبب الوقت، كما أن قولهم النية في الوضوء مندوبة، في قوة أنّ الوضوء يُندب فيه النية. وبالجملة تعميم موضوع الفقه مما لم يقل به أحد، ففي كل مسألة ليس موضوعها راجعًا إلى فعل المكلّف يجب تأويله حتى يرجع (١) الشافعي هو الامام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبدالله. ولد في غزة بفلسطين عام ١٥٠هـ/ ٧٦٧م ثم رحل إلى بغداد فمصر حيث توفي فيها عام ٢٠٤هـ/ ٨٢٠م. أحد الأئمة الأربعة الكبار في الفقه، أصولي ولغوي ومفسر. له كتب هامة في الفقه والأصول والاحكام. الاعلام ٢٦/٦، تذكرة الحفاظ ٣٢٩/١، تهذيب التهذيب ٢٥/٩، وفيات الأعيان ٤٤٧/١، إرشاد الأريب ٣٦٧/٦، غاية النهاية ٩٥/٢، صفة الصفوة ٢/ ١٤٠، تاريخ بغداد ٠،٥٦/٢ حلية الأولياء ٦٣/٩، طبقات الشافعية ١٨٥/١ وغيرها. (٢) ينفيه (م). ٤١