Indexed OCR Text
Pages 21-40
إنّ المفردات والأسماء في محطات دلالتها والتعبير، وإبّان النقلات الحضارية واجتياز اللفظة من مدلول إلى آخر، بقيت على اتصال في الدلالة مع ما سبقها وبخيط مشترك من المعنى بين الاثنين. بينما سارت بعض اللغات مسارًا آخر تمثّل في قطع دلالي مع مراحل سبقته. وأصبحت اللفظة رمزًا وشكلًا يطابق معنى حدث من غير رابط مع المعنى الذي كان قائمًا في تجربة سبقت . ولعلّ آلية بنية الساميات، والعربية منها، في استحداث الألفاظ والمصطلحات على تفعيلات وأوزان ترتدّ جميعها إلى الثلاثي، منه تنطلق وإليه تعود، قد فعلت فعلها وتركت طبعها في الحقل الدلالي للألفاظ، ورسّخت أثر السيرورة التاريخية للأسماء في انبنائها واصطلاحها على معان مستجدة. ولم يعن ذلك أن لغات أخرى تفقد هذا الاتصال، إنّما المقصود هنا ضعف السيرورة التاريخية في الحقل الدلالي للألفاظ عند لغات واشتداد ذلك في العربية . إنّ الأبحاث التي شغلت الأمم في عصور ازدهارها وانبثاق الكشوف العلمية لديها، وتشعّب تجربتها الفكرية والوجدانية، قد أغنت لغات هذه الأمم بالألفاظ والأسماء والمصطلحات، فعبّرت اللغة تلك عن المعاني، وتحدّدت تلك المعاني بخاصية هذه اللغة من دون سواها، وبحسب الأقوام الذين تناوبت الحضارة والعلم على أيديهم. ولا مندوحة عن القول إن هذه المعاني حلقة ضرورية أدّت إلى ما بلغه العقل البشري من تطور وكشف. فسيرورة العلم حلقات متصلة بدأت بحاضرات ضفاف الأنهار لتمرّ باليونان والرومان ومن ثمّ العرب والمسلمين، ولتنتقل بعد حين إلى أوروبا الحديثة بحضارتها، وبالتالي، امتدادها إلى أميركا والعالم، في بوتقة عصرية مذهلة بلغ فيها العلم وأنماط المعرفة ووسائلها مبلغًا مدهشًا يرسّخ ذاك التطور والترقي للانسان واستخدامه الطبيعة لصالحه أفضل استخدام، في عمل دؤوب لراحته وسعادته وطول بقائه . وعند العودة إلى ما بدأناه كيف يمكن لهذه العلوم ومعانيها الحادثة عند الآخر أن تتحقّق عند العرب من غير أن تنسكب في وسائط ترسّخها في الفهم والأذهان؟. ومَنْ غير اللغة القومية وسائط تطال الجمهور والمثقفين وتشمل العامة والخاصة، فتحدث نقلة معرفية في الشعب، بمثل ما تغتني هي كلغة قائمة وفاعلة، إذ إن بقاء العلم منسكبًا بلغة من صنع ذاك العلم يؤدّي إلى استقطاب النخب من أهل العربية، لتتحوّل لغة VIII العلوم والفكر لديهم إلى الانكليزية أو الفرنسية والألمانية واليابانية. وقد يوصل ذلك إلى تعميق الثغرة بين الشعوب فتحدّ عن المشاركة في العلم، وعن وسائله وحسن استخدامها، ممّا يجعل الانسانية في مأزق حضاري لاحق يماثل ردّات الأعراب والبرابرة على الحضارات؛ وقد يفقد الترقي الحضاري الراهن تميّزه الحر المبدع السلمي عما سبقه من تجارب انسانية عريقة. ولا غرابة أن تتمثل عظمة العرب والمسلمين فيما رافق عنفوان الحضارة عندهم ودرايتهم في شتى أشكال العلم. وقد أغنى كل ذلك مفردات العربية والأسماء والمصطلحات. فعبّرت عن ذلك الغنى في تراث بقي منه بعض المدوّنات والأعمال الموسوعية كتلك التي نبرزها ونحقّقها . كما وأنّ كسوف العلم وانتقاله إلى غيرهم ترابط مع تحوّله عنهم واضمحلال العمران وجمود المعاني التي عكست نفسها على جمود الألفاظ والمصطلحات، حيث ذكر ابن خلدون في مقدمته: ((اعتبر ما قرّرناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لمّا كثر عمرانها صَدْرَ الاسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفّننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أرْبوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين، ولما تناقص عمرانها وابْذَعَرْ سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفُقِدَ العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من الأمصار))(١) . ومما لا بدّ من الوقوف عليه في طبيعة العربية وطبعها السامي، ذاك النسق الذي هو عليه حقل دلالة الفاظها، في ذاك التواصل والاتصال فيما بين الدلالات على تشعّب العلوم واختلافها واجتياز اللفظ من معنى إلى آخر ومن مصطلح إلى سواه. ولا سيما أنّ نقل المفاهيم والمعاني المستجدّة الحادثة من لدن معطيات الشعوب وتجاربها، ومن نبعات الآخر، لا ينقطع عن تجربة اللغة بألفاظها والمصطلح، إبّان سيرورتها وتجربتها العلمية واللغوية، وإلا كان تفلّتًا لا يتوافق مع سنة التطور وطبع العربية وانغراس الفهم في الأذهان على قدر اللغة المُعاشة المعبِّرة، وعلى معطى اللاوعي المعرفي المنبث في الضمير والتجربة والعادات والمخيّلة، والتعليم والتربية (٢) . إن الاقرار بفاعلية العودة إلى دراسة المفردات والمصطلحات المعبّرة عن علوم (١) ابن خلدون، المقدمة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.، ص ٤٣٤. (٢) العجم، رفيق، أثر الخصوصية العربية في المعرفية الإسلامية، بيروت، دار الفكر اللبناني، ١٩٩٤، الفصل الأول. IX بادت أو تمّ تخطيها، وعن تجارب معرفية ووجدانية فقدت تأثيرها، حلقة وصل ضرورية في حياة اللغة، ومرحلة تواصل ذهني مع ما هو قابع وأداة فهم استقطابًا للجديد بخيط دلالي يصل الماضي بالحاضر، لا تنفك العربية عنه. حقول دلالة العربية: إنّ العربية بمفرداتها والأسماء عبّرت عن جملة معطيات ومعان، فقد كانت أداة للتعبير عن العرفان في كل معطاه الوجداني والعاطفي واللاواعي، بمثل ما كانت أداة فهم للاحساس الفطري الأول في حياة الناطقين بها. ومن ثمّ انتقلت لتشكّل اشارات وحروفًا للفكر والتجريد، فاستعدّت لاستقبال معاني الغير. وهنا في خضم إعمال العقل والفهم وتلقّي المجردات من الخارج انسكبت كل تلك المعاني في قوالب اللغة بعد تلقيها في الأذهان وانطباعها بها، وبالتالي تمّ اتسامها - تصورات الغير - بطبع العربية أيضًا وبنيتها، هذه العربية في مبناها لا تنفك عن ذهنية صانعيها وناطقيها . وهكذا تنجدل الأمور برباط معقّد متفاعل بين ما في الأذهان وما في اللسان انطلاقًا مما في الأصوات والأعيان. ولا بدّ من تمييز الذهن عن العقل، فالذهن في اللسن: ((الفهم والعقل ... وحفظ القلب))(١). إذًا هو يجمع عملية الفهم والتفكير والقلب، أي الوجدان وما هو قابع في النفس بحسب المعطيات النفسية الحديثة، لذا كان العقل تبعًا لدلالة العربية: الجمع للأمر والرأي، والربط والتثبّت من الأمور. وكان الذهن أوسع نطاقًا من هذا، وهنا نتلاقى مع التمييز الفرنسي التقليدي بين العقل المكوِّن الفاعل la raison constituante وبين العقل المكوَّن المنفعل المشيَّد السائد la raison constituee. الأول يمثّل النشاط المخي الذي يقوم به الفكر بالربط والجمع، حيث يستخرج الانسان تصورات من ادراك العلاقات بين الأشياء. أما الثاني فهو مجموع المبادئ والقواعد المعتمدة في التفكير أو الاستدلال(٢). هذه القواعد تتأتّى من خارج فعل الفرد وفردية نشاط مخه. لهذا هي أقرب لمعنى الذهن أي العقل المكوَّن المشيَّد الذي يمارس دوره کاستعداد للادراك، أي إنّه محل المدركات. وهنا يتلاقى مع معنى Mentalite بوجهته النفسية في بعض المناحي. (١) ابن منظور، لسان العرب، مادة ذهن. Lalande, A, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Paris, P.U.F., 1968, p. 883 (Y) X ولا ضَيْرَ إن مررنا لمامًا على بعض هذه التوضيحات والتعريفات لتبيان علاقة المفاهيم والمعاني باللسان، وكيفية بناء الصياغة اللفظية والحكم على حقيقة من الحقائق أو تصور اصطلاح من المصطلحات فيما يخصّ الانسان، أنّى كان زمانه أو مكانه، ولا سيما أن لغة العلوم تعود للإنسانية جمعاء في سيرورتها والابداع. ومن ثمَّ تنسكب في هذه اللغة أو تلك. حتى أن الاسميين بدءًا بالرواقية وانتقالًا إلى أهل البيان المسلمين وخاصة ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٦ هـ) وصولا إلى الأوروبيين المعاصرين، جعلوا الحقيقة العلمية ومَحْصَلة التجارب والتصورات تقوم في الأسماء وتُعرَف من خلالها وبالألفاظ، وان الحقيقة المتجسدة قائمة في الألفاظ، فلا عجب أن ينكبوا انكبابًا واسعًا على بيان العلاقات المنطقية القائمة في قضايا اللغة وعلاقة المفردات والكلام. ولعلّ علم الدلالة أو حقل المعنى من أدق العلوم، إذ هو يبحث في العلاقة بين المعنى والمبنى، بينما ذهبت اللغويات الحديثة لدراسة العلاقة في داخل المبنى للغة. علمًا أن دراسة المبنى بما هو مبنى يساعد في فهم عمليات الصياغة وبناء العربية وبنيتها الشكلية. إلا أن دراسة عقل المعنى وعلم الدلالة متعلّق تعلقًا مباشرًا بموضوع تحقيقنا للكشاف . ولقد أدرك العرب والمسلمون أهمية هذه المباحث فاحتفلوا بعلمي أصول الفقه والمنطق احتفالًا ظاهرًا، وذهب بعضهم إلى اعتبار تمايز العلوم في نفسها إنّما هو بتمايز الموضوعات. فصدّروا العلم بما عرف عندهم بالمبادئ والمقدمات. فكانت معرفة العلم بمعرفة حدّه تمييزًا للمفهوم، وبمعرفة الموضوع تمييزًا للذات. والملفت للنظر أنّ للفظ الواحد والمصطلح الواحد أحيانًا عدة مفاهيم وكثرة من المعاني، حتى تكاد اللفظة الواحدة تضج في تشعّب دلالاتها. وهذا الأمر يسري في معظم اللغات وبحسب اختصاص كل علم وفن وتباين حقله عن الآخر. إلا أنّ دراسة معمّقة في علم الدلالات تكشف لنا عن ذاك الخيط المشترك بين الدلالات، فتفتح الأفق أمام المحلّل والإناسي واللغوي لدراسة واسعة لطبع العربية وذهن ناطقيها وطبيعة تاريخ العلم وكيفية صدوره. ولهذا كله يمثّل كشاف المصطلحات عدة أدوار علمية، فهو حلقة وصل واتصال لنحت المصطلح المستحدث. كما أنّه أرض خصبة لدراسة تاريخ العلم والموروث XI الثقافي برمته، وفي الوقت عينه مَعْلَمَة مرجعية لعلماء ومراجع وكتب وآراء متعددة منتشرة على امتداد قرون الحضارة العربية والاسلامية. بنية العربية وقابليتها للتحديث: لقد طلع علينا زكي الأرسوزي في تصويره عبقرية العربية برأي مفاده أن تأسيس الدلالة ارتكز على عمليتين: تقليد الطبيعة وتصويرها، والتعبير عن المشاعر النفسية الداخلية للفرد. فالأصوات ثم الأسماء بالعربية حدثت من الثنائي إلى الثلاثي ونشأت من خلال هذين البعدين. ومع بداية القرن العشرين ميّزت الوضعية المنطقية (١) بين وظيفتين رئيسيتين للغة: احداهما هي الوظيفة المعرفية التي تستخدم اللغة فيها كأداة تشير إلى وقائع وأشياء موجودة في العالم الخارجي، ولا يتعدى دور اللغة غير هذا التصوير لتلك الوقائع والأشياء. أما الوظيفة الثانية للغة فهي الوظيفة الانفعالية ومؤدّاها أنّ الانسان يستعمل اللغة أحيانًا للتعبير عن مشاعر وانفعالات تجول في نفسه. ويدخل في اطار هذه المشاعر العبارات التي تعالج مسائل الأخلاق والجمال والماورائيات. فلا عجب إن صنّنا العدد الكبير من المصطلحات في الكشاف الذي بين أيدينا ضمن دائرة مسائل الأخلاق والماورائيات والمشاعر النفسية التي تبدّت عند الصوفي أو غيره. (١) شكلّت جماعة فيينا حلقة ذات توجه فلسفي علمي لغوي. من أشهر أعلامها شليك Schlick وفايزمن Waismann وڤتغنشتين Wittgenstein وغيرهم مثل كارناب Carnap وفايجل Feigl وكرافت Kraft وآير Ayer. اضافة إلى هؤلاء سارت مدرسة اكسفورد بهذا المنحى، ومن أشهر ممثليها أوستن Austin ورايل Ryle وستراوسون Strawson وهيرت Hart وهامبشير Hampshir وهير Hare ونويل سميث N. Smith واشعيا برلين I. Berlin وسواهم كـ رسل Russell. وشكّل هؤلاء الأفراد من الوضعيين واللغويين توجهًا معرفيًا، منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي والمنتصف الأول من القرن العشرين، غرضه التأكيد على الآراء التالية: الفلسفة تحليلية. الفلسفة علمية، أي هي روابط منطقية لغوية لوقائع جزئية مجرّبة في العلوم. القضايا تحليلية أو تركيبية. كل الماورائيات والأفكار القبلية الداخلة على التجربة لغو. ثم ان الاتجاه اللغوي شدّد على أن اللغة العادية هي الصحيحة ومعاييرها تساعد بصورها واشاراتها على تحقيق الوظيفتين المعرفية والانفعالية للغة فقط . إن التفريق بين المعنى الدلالي والاشاري يتم خلال التجربة والعلاقة المنطقية الخاصة باللغة. إن هذه الواقعية التي اتسم بها هذا التوجه تساعد في منهجها والنتائج على فهم عمليات وضع المصطلح في اللغة العربية، وتؤآزر على ادراك ذاك التحول بين الدلالة العادية للفظ ودلالته الاصطلاحية وكيف استخدم العرب والمسلمون اللغة العادية والمعايير البنائية للسانهم في صياغة التصورات العلمية، بمثل ما يؤيّد ذلك التعرف على موقع الاصطلاح والمصطلحات في اطار أي وظيفة للغة، ولا سيما أنّ الألفاظ والاصطلاحات المعتقدية والصوفية تغزر في العمل الذي بين أيدينا . XII والمتبحّر في فضاء العربية يجد بوضوح كيف استفاد المجتهد والفقيه والعالم والعارف من اللغة العادية ومن الأسماء العربية. فغدا الاسم مثقلًا بدلالات عدة سبق للمنطق التقليدي أن أطلق عليها الأسماء المتفقة Homonymes، وقصد بها ما كان اسمًا مشتركًا لمعان مختلفة. أما معنى كلمة عادي فهي ما يقابل ضمنًا غير المألوف والسوي والاصطلاحي والشعري والرمزي. وتعني كلمة عادي المشترك والمألوف عند العامة والمتداول على كل لسان، لكن هل كل ذلك يتعارض مع الأساليب والأسماء المعتمدة لدى قلة من الناس اصطلحوا عليها في مضمار الفنون والرموز والعلوم؟(١) وشكلوا الخاصة وأهل النظر. فلقد حرث المصطلح ولغة العلم في العربية حرثًا عميقًا ومديدًا. إذ تمثّل عمقه في تحويل الأسماء بدلالتها الحسية ثمّ الدينية إلى دلالة اصطلاحية عبّرت عن كل علوم من سبق على الحضارة العربية والاسلامية تقريبًا مضيفة ما كان من عنديات عقول تلك الحضارة والابداعات والاضافات والتبديّات(٢) والمشاعر. وتحصّل مديد المصطلح من طول عمر تلك اللغة العربية وانتشارها الزماني، بحيث يشكل اللسن العربي تاريخيًا بين اللغات لسنًا مُعْرِقًا قديمًا امتد عشرات القرون ولم يزل حيًا قادرًا على الاستقطاب. كل هذا يمكن أن نخلص من خلاله إلى عدم التعارض بين اللغة العادية والاصطلاحية. بَيْدَ أنّ الأقدمين تنبهوا إلى مثل هذه العملية داخل اللغة واستخرجوا منها تلك التفعيلات والأوزان الضابطة؛ التي اعتبر ابن جني في خصائصه أنّها قوالب لصياغة التصورات، ودالات لتمييز الأفكار والمعاني، ومنحوتات تتقولب خلالها ابداعات المفاهيم ومستحدثاتها . ثم أبرزها العلايلي عصريًا في مقدمته وخرّج بها الكثير من التفنينات والعلوم العصرية . كما أنّ ابن رشد الفيلسوف وعاها كنحت اصطلاحي وتفسير وتأويل تصوري، فقال بصحتها: على أن لا تخل بعادة لسان العرب. جاعلاً من العادة الضابط التقعيدي، منعًا من التفلت. ولعلّ هذا الضابط هو ذاك الجسر بين اللغة العادية واللغة الاصطلاحية . Ryle, G., Ordinary Language, The Philosophical Review, V, LXII, 1953, P.167. (1) (٢) نطلق كلمة تبديّات على ما بدا للنفس فيوافق ذلك الوظيفة الانفعالية للغة ويماثل الفلسفة الظواهرية والظاهراتيه . Phenomenologie XIII وذهب حديثًا مور إلى الدفاع عن اللغة العادية معتبرًا إياها الأساس لكل اصطلاح جاعلًا اللغة العادية ترتبط بالحس المشترك والحكم الصائب، قائلًا إنّ تناقض مذاهب الفلاسفة يعود إلى عبثهم باللغة العادية، وإنّ كل ذلك يحصل عند انتقالهم من استعمال إلى آخر باللفظ ومن غير علم فيقعون بذلك في المحال(١). بينما انتقد رسل اللغة العادية لأنّها بنظره عاجة عن التعبير الدقيق عن المفاهيم العلمية، كما أن نظمها syntax كثير ما يضلّل(٢). في حين أكّد ڤتغنشتين على أن اللغة العادية هي المعيار الذي نحكم به على صحة أو بطلان ما يقال من عبارات. يضاف إلى ذلك ميله إلى وضع لغة مثالية منطقية. وخلاصة ما ذهب إليه أنّ اللغات المثالية بالنهاية ما هي إلا مواضعات لا تعدو كونها توضيحات للغة العادية(٣). كما ذهب شليك إلى أنّ وضع العبارات الجديدة في اللغة يكون عند التعبير عن وقائع في الوجود الخارجي، وهذا يتم على مستوى اللفظ أو الجملة أي الحدّ المتصوّر - المصطلح - أو القضية. وبكلمة أبسط، أي ضرورة وجود (علامات، اشارات، أسماء) بقدر وجود وقائع وأفكار عن وقائع(٤). فهل ما ذهب إليه، إذا أخذنا به لدراسة العربية، يسائلنا: أتكمن المشكلة في الأسماء الجديدة أم في الوقائع؟ وممّا لا شك فيه أنّ تيار شليك يؤكد على فعل الوقائع، بمثل ما أكد انبناء العربية على الوقائع المجرّبة المحسوسة. وهذا أمر يجعلنا نذهب مع القائلين إلى أنّ تلبية العربية للمعرفة المعاصرة وللكشف يكمن في سر المساهمة في وقائع جديدة، أي الانخراط في علوم العصر والمشاركة في التفنين والكشف والابداع. وإن صح القول إحداث المعاني وفهمها، بهضم الجديد وتمثله وليس بالترجمة الحرفية. حينئذ تلعب اللغة العادية دورها في صياغة المصطلح والاسم الجديد مستأنسة Moore, G.E., Principia Ethica, Cambridge, the university press, 1948. (1) White, A.R., G.E. Moore, A Critical Exposition, Oxford, Basil Black well, 1958, p 32-34. Russell, B., Reply to Criticism in shlipp, P.A.ed .; The Philosophy of Bertrand Russell, p. 694. (Y) (٣) لودفيغ ڤتغنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي اسلام، مراجعة زكي نجيب محمود، القاهرة، الانغلو مصرية ، ١٩٦٨. Quoted in Waismann, F, The Principles of Linguistic philosophy, Edited by Hare, R Macmilan, London, (2) Melbourne, Toronto, New York, St. Martin's Press, 1968, pp. 304-306. XIV بالمصطلح السابق كمحطة في سيرورة لا تنقطع. عندها وبها يكون الكشاف ولغته أداة للتجديد، ويصبّ التهانوي في مصبه التاريخي من عمر العلم واللغة معًا عند اللاسنين العرب. وفي الوقت عينه ذهبت جماعة اكسفورد اللغوية مذهبًا بنيويًا في عملية الارتباط بين الواقع واللفظة أو الجملة. إذ ترتكز النظرة على محور أساس مؤداه أن هناك تناظرًا بين بنية الواقعة وبنية القضية التي تعبر عنها أو الحد المتصوّر المفرد (١). وهذا التناظر بين الواقع واللغة لعب دورًا عند رسل وقتغنشتين وشليك. وجلّ النظرة أنّ التعبير يتوقف على امكانية ترتيب العلامات بطرق مختلفة. فالترتيب Order هذا يمكن جعله كشفًا لعملية مهمة في بناء اللغات ومنها العربية. مع الاشارة إلى أنّه تم وضع شيء من هذا القبيل قبل ذلك بقرون طويلة على يد ابن جني وآخرين في دور التفعيلات ودلالتها كترتيب ونظم لتحولات الفعل الثلاثي، وكأدوات اجرائية لاختلاف المعاني التي تحصل في الواقع وتستجد، والأمر عينه عند بقية النحويين والبلاغيين في ترتيب وصياغة الجملة العربية. مع اعتبار للفارق الزماني واختصاص العرب بلغتهم وتعميم المعاصرين النظرة على كل اللغات الخ ... ولعلّ اتجاه أهل البيان في التجربة العربية والاسلامية الذي توّجه ابن تيمية في توجهه الاسمي، وتشييده منطقًا يتأسّس على الاسم في بناء التصورات، قد يلتقي في كثير من الأبعاد مع ما آلت إليه أعمال جماعة الذرية المنطقية وجماعة اكسفورد حديثًا ، حيث قارن ڤتغنشتين بين: واقعة ذرية تتشكل في مجموعات موضوعات، موجودات Entities أو أشياء. وعلامات بسيطة مستخدمة في قضايا تدعى أسماء(٢). أي أن ڤتغنشتين حلّل العالم أو علم العالم من وقائع مركبة إلى وقائع بسيطة من غير الممكن تجزئتها إلى ما هو أبسط منها - الواقعة الذرية -، وقوامها مجموعة من صغائر الأشياء. ومماثلة مع ذلك يمضي ڤتغنشتين في تحليل اللغة من قضايا تنحل إلى قضايا أولية تجزّأ هي بدورها إلى أبسط منها فتغدو مجموعة من الأسماء، فالعالم ينتهي إلى صغائر الأشياء واللغة تنتهي إلى أسماء. وهنا خيط مشترك بين الاسمية القديمة وهذا التيار، يتمثل هذا الخيط في أنّ اللغة ترسم الوجود الخارجي والاسم خير معبّر عن الواقعة. والعلاقة علاقة واحد بواحد. Ibid, p. 306. (١) (٢) فتغنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ص ٦٣ وص ٧٣. XV ولهذا كله ينصب الاهتمام على دراسة الأسماء أي دلالة المصطلحات لتعبيرها عن الوقائع أو فهم الوقائع - المعنى، التصور الذهني -. ولم يعن العرب والمسلمون كثيرًا بدلالة القضية الجملة بل بمعناها، ووضعوا معايير مختلفة للحكم على معناها من حيث السند والصدق والكذب، النظر والتجربة الخ ... لكن غايتهم انصبت على دلالة الأسماء انصبابًا هامًا وانقسموا فريقين: فريق أعطى الأولوية للدلالة، علاقة الشكل بالمضمون. وفريق قدّم أولوية المعنى على الدلالة . بينما رأى فتغنشتين حديثًا بأنّ الأسماء ذات دلالة فحسب وليس لها معنى، وأنّ القضايا ذات معنى فحسب وليس لها دلالة (١). وهذا الاتجاه يقارب مفهوم أهل الاصطلاح عند العرب والمسلمين. بل اعتبر الغزالي أن الواقعة والمعنى والدلالة مترابطة ترابطًا تامًا، إذ قال إنّ للأشياء وجودًا في الأعيان والأذهان واللسان(٢). لكن تطور العلوم العصري جعل معنى الاسم يؤخذ على السياقات التي تستعمل فيها الأسماء. وهذا التوجه يخدم تشعب المصطلحات وغزارتها . بَيْدَ أنّ المصطلح العربي والاسلامي ارتكز على وظيفتين مثله مثل وظيفة اللغة عامة: وظيفة معرفية ووظيفة انفعالية. في حين ضأل دور الوظيفة الانفعالية في المصطلح العصري الغربي لضمور الآداب والفلسفة أمام العلوم والتفنين. ولم تعد المعرفة العصرية تعنى بتبديات النفس وتخيلات الشعور عنايتها بالوقائع المجربة المصغرة والافتتان بها . ولم يحدث الأمر في اللغة العربية لعدم انسلاك المجتمعات العربية في سلك العلوم والتفنين وانخراطهم كليًا في التكنولوجيا وهضم علومها . ولا عجب إن جاء الكشاف يلبّي الوظيفة المعرفية للغة، ولكن مصطلحاته الملبّية للوظيفة الانفعالية تطفو وتغزر. ولا سيما أن الدلالات الفلسفية والصوفية الدّالة على التّبديات والتمظهرات الفكرية والنفسية تكثر، وتغني القارىء بحقل واسع من Picher, G., The Philosophy of Wittgenstein, Inc., Englewood, Cliffs, N.J., Prentice-Hall, 1964, p. 45. (1) (٢) ولا سيما في كتابيه: معيار العلم والمستصفى من علم أصول الفقه. XVI الموروث الثقافي العربي والاسلامي. وفي الوقت عينه تصور له تجربة انفعالية نفسية غنية في عمر الشعوب. لقد جعلت مصطلحات الكشاف القارىء أمام ألفاظ وأسماء لم تقتصر على الوصف، إنّما اصطنعت ألفاظًا جديدة بألعاب في اللغة عن طريق التفعيلات تارة وعن طريق الخروج عن العادة طورًا . علاقة المعنى باللفظ وثمة مسألة تتعلق في المصطلح وباتجاه خاص عند كل من أهل المعنى والمبنى، وقد أثيرت في التراث العربي والاسلامي، وكانت مجالًا رحبًا للنقاش العصري. وهذه المسألة ترتبط فيما سبق ذكره عن كنه العلاقة بين المعنى واللفظ أو ما سمّي قديمًا المفهوم والبيان، الأذهان واللسان، الماهية والاسم، وإذ باتجاه مدرسة اكسفورد يجعل تعريف المعنى في حدود الاستعمال اللغوي، أي إن معنى أية كلمة يرتبط دائمًا بالسياق الذي تستعمل فيه الكلمة. فإذًا، المعنى يتجلّى من خلال الاستعمال(١). وكان سبب موقفهم هذا أنّه تتمة طبيعية لفلسفة الوضعية المنطقية الرافضة لأي قبليات عقلية أو معانٍ ذهنية متباينة من خارج التجربة العينية. وقد تابعت مدرسة اكسفورد هذا فرفضت أيضًا إمكانية التحقق للمعنى. أي أنّه لا يوجد منهج للتحقق من أن العشب أخضر وأنّ السماء صافية زرقاء اليوم، إذ لا يوجد من يتعلم كيفية الرؤية والشعور، بينما يوجد من تَعَلَمَ معنى اسم العشب والأخضر، وارتباط ذلك في جملة إخبارية (٢). وما خلصت هذه المدرسة إليه هو أنّ المعنى لا يتحد بالكلمة اتحاد الروح بالجسد أو المعنى روح في جسد كلمة، إنّما يكشف المعنى عن ذاته في استعمال الكلمة. إذًا، إذا قصد كل منا معرفة ما تعنيه الكلمة فعليه النظر وتدبر أمر وكيفية استعمالها، حيث ذهب ڤايزمان إلى أنّ معنى الكلمة يتغيّر تبعًا لتغيّر استعمالها (٣). CharlesWorth, M.J., Philosophy and Linguistic Analysis, Duquense Studies, Philosophical series 9, (1) Pittsburgh, Duquense University, 1959, p. 170. Quoted by: Weitz, M., Oxford philosophy, Philosophical Review, 1953, p. 196. (Y) Waismann, F., The Principles of Linguistic Philosophy, London, R. Macmilan, 1968, pp. 156-157. (r) XVII وقد عثرنا على شيء من هذا التوجه في التراث العربي والاسلامي، مع اختلاف الأغراض والوضوح في المسألة والفضاء المعرفي. وتمثل هذا التوجه بانتصار أهل البيان لمنطق اللغة على منطق المعنى أي توخّي أوجه النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه والعمل بقوانينه وأصوله(١). فاعتبر السكاكي في مفتاح العلوم (٢): ((أنّ من أتقن أصلًا واحدًا من علم البيان، ... ووقف على كيفية مساقه لتحصيل المطلوب، أطلعه ذلك على كيفية نظم الدليل)). وخير شاهد ومثال على هذه المسألة المحاورة التي تمت في مجلس الوزير ابن الفرات في بغداد عام ٣٦٦ هـ بين السيرافي وأبي بشر متى بن يونس. إذ قال السيرافي لمتى: ((ما تقول في قول القائل: زيد أفضل الأخوة؟ قال متى: صحيح. قال السيرافي: فما تقول إن قال: زيد أفضل أخوته؟ قال متى: صحيح ... فقال السيرافي : أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة. المسألة الأولى جوابك عنها صحيح ((والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح ... إن أخوة زید هم غیر زيد، وزيد خارج عن جملتهم. والدليل على ذلك أنّه لو سأل سائل فقال: من أخوة زيد؟ لم يجز أن تقول: زيد وعمرو وبكر وخالد، وإنما تقول عمرو وبكر وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم. فإذا كان زيد خارجاً عن اخوته صار غيرهم، فلم يجز أن تقول: أفضل اخوته، كما لم يجز أن تقول: إنّ حمارك أفضل البغال، لأنّ الحمير غير البغال، كما أن زيدًا غير اخوته. فإذا قلت: زيد خير الأخوة، جاز، لأنّه أحد الأخوة، والاسم يقع عليه وعلى غيره فهو بعض الأخوة ... ))(٣). إن متّى انتصر لأرسطو في جعله الأخوة جوهرًا له ماهيته، أي هو معنى قبلي متصوّر في الذهن. بينما نظر السيرافي من خلال سياق ترتيب الألفاظ والحروف، فهاء الضمير المتّصل في الأخوة تحدّد المعنى وليس للمعنى أسبقية وقبلية. لهذا اختلفت الجملتين فاختلف المعنيان . ورب سائل يقول: ما علاقة كل هذا من المصطلح كلفظ وتصور، كاسم ومعنى؟ (١) الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الاعجاز، تحقيق بن تاويت، تطوان المغرب، د.ت.، ص. ٢٧ و١٣٩. (٢) المرجع نفسه، ص. ١٨٢ . (٣) التوحيدي، أبو حيان، الامتاع والمؤانسة، القاهرة، التأليف والترجمة، ١٩٣٩ - ١٩٤٤، ج١، ص ١٢١. XVIII والجواب أنّ هذا الحجاج يمدّنا بمعطيات معرفية وتوجهات فلسفية، تجعلنا ندرك تمامًا فعل المصطلح وأثره في تحريك المعاني في الذهن ودور اللغة في كل ذلك وأثرها. إذ إن المصطلح، على الرغم من كونه في معظم الأحيان، يأتي مفردًا، ولفظًا واحدًا من غير سياق في الجملة؛ إلا أنه كاسم، اتفق على أن له دلالات متعدّدة ومعاني منتشرة يضع أسبقية اللفظ على المعنى من وجهة نظر المنتصرين لفعل اللغة؛ ويحرك في الذهن المعاني الوافدة والمحصَّلة بالابداع في اطار بنية وسلطة اللغة. هذه اللغة المعاشة القابعة في اللاوعي المعرفي واللامفكر به. ولعلّ كل ذلك يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية التحديث لأغلبية الجمهور. فالإنسان يفكر من خلال مداخل لغته ويستسيغ ويهضم ويتعلم بلغته المعاشة وبشكل أسهل وأسرع؛ من غير أن يعني ذلك عدم مشاركته في لغات العلم والابداع عند الآخر. إلا أن هذه المشاركة تبقى خارج البنية المعرفية والذهنية للجمهور، مما يضعنا أمام المأزق الحضاري الذي أثرناه سابقًا . دلالة المصطلح عربيًّا: ولا ضَيْرَ من بعض السبر والحفر في دلالة المصطلح عربيًا، لعلّ ذلك يمدّ القارىء بأبعاد وآفاق ويكشف الستر عن سيرورة في عمر اللفظ وبنائه. إن جذر اللفظ (مصطلح) من: صلح: والصلاح ضد الفساد. وربما كنّوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة. فيقال: مَغَرْتُ في الأرض مغرة من مطر. وهي مطرة صالحة . إن جذر اللفظة له دلالة حسية عند العربي تشير إلى المواجه للفساد والانحلال، أي التنبّت، ومن التنبّت تتشعب معاني الخصب والحياة والاستمرار والبقاء. ثم استخدم اللفظ على معنى مجرد عندما انبرى اللغويون إلى تقعيد اللغة، لكن هذا المعنى الذي أشار إلى البقاء والاستمرار عندهم ظل له علاقة ما مع الدلالة الحسية. مثال ذلك: يقول بعض النحويين، كأنّه ابن جني، أبدلت الياء من الواو ابدالًا صالحًا: أي أبقى وأكثر قابلية للحياة في الاستعمال اللغوي. ومن ثمّ أخذت اللفظة مجراها في الاشتقاق فأضحت ((الاصطلاح)) من افتعال وزنًا. ووزن افتعال يحمل في دلالته معنى تدخل الإنسان ومهارته العقلية في الفعل، إذ يقال: اصطناع، اقتسام. والاصطلاح حديثًا: العرف الخاص، أي اتفاق طائفة XIX مخصوصة من القوم على وضع الشيء أو الكلمة(١). ولعلّ الجرجاني (المتوفى ٨١٦ هـ)، والذي لقّبه صاحب الكشاف بالسيد السند، خير من قدّم لنا في تعريفاته الأبعاد المعرفية التي اكتسبتها اللفظة عقب ما حملته من أس محسوس، ومن معنى بياني لغوي في سيرورتها والمآل. قال الجرجاني(٢): الاصطلاح ((عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول)). وهذا القول اشارة عامة إلى طبيعة استعمال الألفاظ وكيفية استخدامها في الدلالات، بعد إحداث معانٍ في الذهن، أو نقلها من معرفيات وافدة على القوم. ويتابع الجرجاني فيقول: ((إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما)). أما المناسبة بينهما بُعْدّ معرفي تصوري عقلي يربط بين الدلالة الأولى والدلالة المجازية الدينية. إنّها النقلة الكبيرة في اللغة العربية من المحسوس المجرّب إلى المجرّد الديني الشرعي، مثال ذلك شاهد مستخرج من القرآن الكريم: لفظ: الواجب. أي الذي وجب فعله لا خيار فيه، إنّه الأمر الديني. وهذا معنى جامع اتفق عليه أرباب المذاهب الأصولية والكلامية. واللفظ لغة بمعنى الوجبة: أي السقطة مع الهوة. ووجب وجبة أي سقط إلى الأرض(٣). إن بنية الاتصال بين المعنيين: السقوط من الأعلى بشدة، حيث كان المعنى السقوط من أعلى، وكان المعنى الديني السقوط والتنزيل الآمر. وما يلبث الجرجاني أن يتابع تعريفه للاصطلاح بالقول: ((اتفاق طائفة على وضع اللفظ بازاء المعنى)). وهذه الوضعية شبيهة بوضعية اللغات الأوروبية المعاصرة حيث غدت اللغة بنيانًا آليًا، تتحول به الكلمة من صورة إلى رمز، يرتبط بالمعنى عرضًا واتفاقًا . والأرجح أنّ قول الجرجاني السابق يشير إلى مرحلة ادخال المعاني العقلية المنطقية اليونانية إلى اللغة العربية، واضفاء دلالات على هذه المعاني، وشاهدنا على ذلك قول الفارابي (٢٥٧ - ٣٣٩ هـ/ ٨٧٣ - ٩٥٠ م) ((إذا حدثت ملة في أمة ... فإذا احتاج واضع الملة إلى أن يجعل لها أسماء، فإما أن يخترع لها أسماء لم تكن تعرف عندهم قبله، وإما أن ينقل إليها أسماء أقرب الأشياء التي لها أسماء عندهم شبيهًا (١) المنجد، بيروت، دار المشرق، ١٩٨٦، حرف أ. (٢) الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٨٣، ص ٢٨. (٣) ابن منظور، لسان العرب، مادة وجب. XX بالشرائع التي وضعها ... وكذلك إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معان لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك، فيفعلون فيها أحد ذينك))(١). ومفاد عملية النطق بالمعاني الفلسفية استخدام ألفاظ مستحدثة تخصّ هذه المعاني، أو نقل أسماء قريبة الشبه في دلالاتها إلى هذه المعاني. وفي الحالين اعطاء لفظ محدد لمعنى فلسفي محدّد (٢). إلا أنّ العملية هنا تتميّز فيها العربية بخصوصياتها اللسنية، في كونها غير قابلة على احداث قطع معرفي بين اللفظ وأصله أو جذره، فعلًا أو مصدرًا، سيرورة دلالية أو بنية معرفية مضمرة. فهي أشبه بتكوين عضوي منها إلى آلية . وقيل بحسب ما يتابع الجرجاني في التعريفات: ((والاصطلاح إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد)). وهذا الأمر يشير إلى دخول مصطلحات الصوفية وبعض التعابير الفلسفية والحكمية بمعانيها الخاصة، وإلباسها أسماء وألفاظ عربية. وهذا الأمر حدث في العربية وضمن التاريخ الاسلامي، وكان يحمل في باطنه اسقاطات لمعاني فارسية زرادشتية ومانوية، ولمعاني أفلاطونية محدثة ملفّقة من شوائب هرمسية ويونانية قديمة وغنوصية، بَيْدَ أن العاملين في المجال العقلي أو البياني تنبّهوا للمسألة ولفتوا النظر إليها . ٠ ففي المجال البياني قيل: ((لا يحل لأحد صرف لفظة معروفة المعنى في اللغة عن معناها الذي وضعت له في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى في القرآن، إلى معنى غير ما وضعت له، إلا أن يأتي نص قرآن أو كلام عن رسول الله وسلم أو إجماع من علماء الأمة كلها على أنّها مصروفة عن ذلك المعنى إلى غيره، أو يوجب صرفها ضرورة حسن أو بديهة عقل ... ))(٣). وفي المجال العقلي لم يلبث ابن باجه (٤٧٥ - ٥٣٣ هـ) أن شَرَحَ بُعْدَ العقل الذي شقته التجربة المغربية العربية، فيذكر في (تدبير المتوحد)، أنّ التوحّد مميّز من التصوف. فالتوحّد سلوك عقلي يهدف إلى اكتساب المعرفة النظرية ومركز الإنسان فيه. إنّ الكشف الصوفي مجرّد وهم وحالة نفسية ناتجة عن تجنيد قوى النفس الثلاث (١) الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، ١٩٧٠، ص ١٥٧ . (٢) جهامي، جيرار، الاشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، بيروت، دار المشرق، ١٩٩٤، الفصل الأول. (٣) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، طبعة مصر، مجهول، ج٣، ص ٥٠. XXI الحس المشترك والمخيلة والذاكرة، بواسطة المجاهدات. وذلك كله ظن وفعل ما ظنوا أمر خارج عن الطبع(١). ويتابع ابن رشد (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ) الدرب عينه ليلخص لنا موقفًا مهمًا، جاعلاً الخطاب الديني متوافقًا مع ما يقرره العقل إما بالبيان الظاهر وإما بتأويل الدلالة من غير ((أن يخلّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء، التي عودت في تعريف أصناف الكلام المجازي))(٢). فالتشديد هنا يركّز على سلطتي العقل وبناء اللغة أو ما سمّي عادة لسان العرب. ولا مندوحة عن القول بأن المصطلح العربي رافق التجربة اللغوية العربية والمعرفية الاسلامية بتعدّدها، فشكّل سيرورة بنائية دلالية معرفية، إذ تضمن في مراحله والمسار محطات رئيسة بارزة: - اصطلاح على أسماء وألفاظ بين القوم لها موضع أول، أي دلالة حسية. - دلالة بيانية دينية نقلت الألفاظ إلى مضامين مجردة وحادثة. - دلالة اختصت بمعان عقلية مجرّدة حادثة ووافدة. - دلالة على معانٍ ليس لها اتصال لغوي أو معرفي في حياة العرب. - دلالة على معاني علوم واختصاصات تطبيقية. ولا بأس، فإنّ هذه المحطات تعبّر عن مجالات الدلالة في اللسن العربي وكيفية حدوث المعاني بسبر جامع لأكثر الحالات المتعلّقة بمفاصل حدوث المصطلح. ولعلّنا نعثر في الكشاف على كل ذلك . المصطلح بين الوقف والوضع: وينقلنا ما تقدّم من تعرّف على دلالة المصطلح لغة إلى التعرّف على أصل المسألة الاصطلاحية ومنبتها. ويتمثّل ذلك في التساؤل: هل المصطلحات والألفاظ موضوعة وضعًا مسبقًا؟ أهي توقيف؟ وصِيغَ التساؤل قديمًا: هل وردتنا عن الله أم صنعها الانسان بعد أن خلقه الله؟ (٣) (١) ابن باجه، رسائل ابن باجه الالهية، تحقيق ماجد فخري، بيروت، دار النهار، ١٩٦٨، ص ص ٥٣ - ٥٥ وص ص ١٢١ - ١٤١. (٢) ابن رشد، فصل المقال، القاهرة، المكتبة المحمودية، ١٩٦٨، ص ١٦. (٣) الكفوي، أبو البقاء، الكليات، دمشق، الثقافة والارشاد القومي، ١٩٨١، ج١، ص ص ٢٠١ - ٢٠٢. XXII إنّ الأبحاث العلمية وتبحّر الإنسان بالكشف عن ماضيه الثقافي تثبت أنّ اللغات مرّت بالمقطع البسيط ثم المقطعين فالمقاطع، وعربيًا الحرف المصوّت فالثنائي فالثلاثي. مثال: (ع) تدلّ على صوت الزئير و(١) الصوت المتكرر. ومثال الثنائي (عَو) والثلاثي (عوى) (١). وفي ختام التجربة وقفت لغات وماتت لغات. ويماثل هذه العملية المُغْرِقة في التاريخ، والموغلة في التجربة الإناسية اللغوية شاهد على كيفية نمو التصويت والنطق واستعمال المحسوس ثم المجرد، والأمر يحصل عند الطفل تباعًا . ولعلّ الدراسات التربوية والنفسية الحديثة والمعاصرة وافية في هذا المضمار، بحيث تقاس الإنسانية، في تطورها نحو التجريد، على الطفل في نموّه. أما القدماء فوقفوا عند قوله عزّ وجل القائل ﴿وعلّم آدم الأسماء كلّها﴾ البقرة/ ٣١. فعلّق الجاحظ (١٦٠ - ٢٥٥ هـ) قائلًا: ((لا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا مسمّى لغو كالظرف الخالي ... ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئًا جامدًا لا حركة له، وشيئًا لا حسن فيه ... ولا يكون اللفظ اسمًا إلا وهو مضمّن بمعنى)) ((وقد يكون المعنى ولا اسم له، ولا يكون اسم إلا ويكون له معنى))(٢). وقيل أيضًا: ((إن استعمال العبارة على وجه يفيد ويصحّ لا يكون إلا بعد العلم بما وضعت له))(٣) فهي تابعة للمعنى أي للنشاط العقلي. فاللغة وضع في أساسها، ومن هذا الوضع تخرج الأسماء العرفية، أي ما تعارف عليه القوم، بحيث يوضع الاسم لمعنى عام يخصص(٤). وأعاد زكي الأرسوزي - القرن العشرين - هذا الاتجاه وتوسّع فيه، ثم أضاف التجربة الوجدانية على التجربة الطبيعية وسمّاه الايحاء، كفرس، من (فرّ) وصوت (س) المعبّر عن الحركة. وذهب هذا المذهب في أوروبا (Whitney)، ومن أشهر مؤلفاته: (حياة اللغة ١٨٧٥) و(اللغة ودراستها ١٨٧٦). واهتمامه انصب على الدلالة وحقل المعنى (Semantique)، ومنشأ اللغة يطرح في أبعاده مسائل الازدواجية بين اللفظ والمعنى، (١) العلايلي، عبد الله، تهذيب المقدمة اللغوية، بيروت، دار النعمان، ١٩٦٨، (٢) الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، الخانجي، ١٩٦٥، ج١، ص ٢٦٢. (٣) عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد، القاهرة، وزارة الثقافة، ١٩٦١، ج٨، ص ٣٦. (٤) الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، دار صادر، ج١، ص ٣٢٦. XXIII واللغة والفكر، إذ لم يبت أحد من اللغويين العرب، ولا من خاض أبحاثًا في الألسنية المعاصرة، بالتصريح حاسمًا أولوية أحدهما على الآخر. فهل اللفظ يتولّد عقب ممارسة التفكير؟ وتلحق به أوجه البيان والنحو حيث ينتقل الفكر ويسود. أم أن اللغة قوالب يشكّل فيها الفكر؟ ويرى هردر (1803 - 1744 Herder) أنّ اللغة ليست أداة للفكر وحسب، بل هي أيضًا القالب الذي يتشكّل فيه الفكر. كما ((أنّ لغة جماعة أنسية ما تفكر داخل اللغة وتتكلم بها، هي المنظّم لتجربتها، وهي بهذا تصنع عالمها وواقعها الاجتماعي ... إن كل لغة تحتوي على تصوّر خاص بها للعالم)) (١). وهذه المسألة تتعلّق بالرباط شكلًا ودلالات، مبنى ومعنى، وبين المعرفة بوصفها بنيانًا يشيّد العالم على أساس من التصور والنظم، ويفسّر الظواهر تبعًا لأنساق تتضافر مكوّنة النظام الطبيعي والانساني. علمًا أنّ المسلمين حاولوا تلافي هذا التباين في ازدواجية الفكر واللغة، فعملوا على الصهر بينهما)) لأنّ حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، فإذا تحرّفت المعاني فكذلك تتزيّف الألفاظ، فالألفاظ والمعاني متلاحمة متواشجة متناسجة))(٢). ولكن ذهب البعض إلى سبق التفكير للنظم في اللغة، مما أكّد على أنّ نظم الكلمات يخضع لانتظام معانيها في العقل، ((فليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها على النطق، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل.))(٣) وعقب هذه العجالة والحجاج نخلص إلى توليفة نتحدث بها عن المصطلح الذي يشيّد على أساس المعنى والمبنى. أما المعنى فميدانه العقل الانساني المتفرّد والميدان المعرفي المتمثل بهذا الجمع من النظريات والآراء، والأفكار القائمة أو السائدة في معارف الناس جهارًا أو خفية، وعيًا أو لا وعيًا. وأما المبنى فمجاله بنية اللغة تركيبًا وقوالبًا، نشوءًا وتقعيدًا، إنشاء وعلاقات، نحوًا وتفنينًا - جناس بديع كناية تورية - أصواتًا ودلالية ما . وإذا أمعنا النظر نجد علاقة تفاعلية تبادلية بين الاثنين، فالمعنى ينصاغ باللغة، بحيث يتقولب فيها، أي تضفي عليه خصوصيتها التركيبية وخلفيتها المعرفية، واللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعًا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى، وللذهنية التي ولّدته. ولا سيما أنّ اللغة انبنت تبعًا لذهنية مستعمليها والناطقين بها، فحملت Shaft, Adam, Langage et connaissance, Paris, Anthropos, 1967, p. 6. (1) (٢) التوحيدي، أبو حيان، البصائر والذخائر، دمشق، مطبعة الارشاد، ١٩٦٤، ج٣، ص ٤٩. (٣) الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الاعجاز، ج٢، ص ٤٧. XXIV معارفهم، انها بعد تركيبي، لكنها معرفي تاريخي أيضًا لم يضعه الفرد، فهي خارجة عنه فاعلة فيه . بَيْدَ أنّ التجربة السلالية التاريخية لانتماء هذا الفرد المكاني عملت على ايجادها . ولما كانت اللغة صنيعًا بشريًا فهي وضع، وبما أنّها تحصّلت من سير تاريخي فهي معارف شتى لها خصوصياتها، على أن ميدانها التفاعل الطبيعي الاجتماعي، أي العمل والاتصال، فهي عملية وتجريبية، إنها من العقل وفي العقل وللعقل، لأنّها بيانه . («فليس الطريق بالنهاية في انشاء الـ (Axiome، البديهة)، بل في العمل على معرفة الوقائع اللسانية واستدراك سوء المفهومية)) (١) . ولا عجب أن نرى بأنّ مسألة اللفظ عند الألسنیین لها بعدان: بعد تعبيري له شكل ومادة، وبعد مضموني له شكل ومادة أيضًا(٢). أما مادة التعبير فالحقل الصوتي، وشكله الاشارات الصوتية، بينما مادة المضمون الحقل الدلالي، وشكله المفهوم (٣) - المعنى - ولنبيّن الرأي المتعلّق بموضوعنا ومفاده: - إن المصطلح ينحبس في عالم اللغة بنية مبنى وبنية معنى - حقل دلالي -. - إن المصطلح يغني اللغة في حقل دلالاتها، فيحدث تأثيرًا في البناء المعرفي للناطقين بها، أي ينقلهم من حال إلى حال، ويغني فكرهم، وربما أدّى تراكم هذا الاغناء إلى التأثير في مبنى اللغة، نحو مطواعيتها في التحديث المستمر. والمصطلح ينطبق عليه القول المأثور: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم، حيث يخضع المصطلح في نشوئه لبنيتي المبنى والحقل الدلالي، ومن ثمَّ ينقلهما نحو فهم جديد وتفعيل حادث. وقد استعملت التفعيل عوضًا عن التركيب، تبعًا لخصوصية العربية في الاشتقاق وليس في التركيب المقطعي. (١) يستشهد لالاند في معجمه بقول لايبنتز هذا. Lalande, OP.CIT. P.XIII Groupe M., Rhetorique generale, Paris, Larousse, 1970, pp. 171-172. (Y) Hjemslev. L., Prolégoménes a une theorie du langage, Paris, Minuit, p. 65. (r) XXV المصطلح ودراسة المبنى: ولا غرو من القول إن المصطلح لا يقف عند مسألة الدلالة وارتباط الاسم بالمعنى بل يطال دراسات المعنى والتركيب اللغوي. ولعلّ لفظ المبنى مرتبط بالبنية ومفاهيم التركيب الصوري للغة. إذ إنّ اللغة أشكال عناصرها الحروف، والأصوات تتركب على نظم معين، وفي أنساق محددة، لتتميّز بنمط ما . والمبنى متعلّق بالبيان، حيث يُردّ اللفظ إلى بَيْنَ ويدلّ على (١): - الظهور والوضوح. وظهور الشيء يعقب تمايزه من غيره وانفصاله عنه، ولا سيما إذا علمنا أن (بَيَنَ) على وزن (عَيَنَ) يفيد الفصل، والبعد، والفرقة، ومنها المباينة. - القدرة على التبليغ والفصاحة، فبعد الظهور تأتي فصاحة اللسن، والافصاح مع الذكاء، وإظهار المقصود بأبلغ لفظ . - تميّز الإنسان بفصل ومقوّميّة، فقد ورد في القرآن الكريم: ﴿خلق الإنسان، علّمه البيان﴾ الرحمن/ ٣ - ٤، فبعد الخلق، فصل الإنسان عن سواه بالبيان(٢). فالبيان التميّز والظهور والبلاغ فالاتصال. وقد اختصر الجاحظ دور البيان قائلًا: ((المعاني القائمة في صدور الناس ... مستورة خفية ... وإنما يُخْي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها ... وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختيار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى)) (٣). ثم إن الإعراب هو الإبانة عن المعنى. إن النحو منطق العربية، ففيه يتبيّن وجه تصرف الألفاظ في المعاني (٤). إنّ العلوم البيانية العربية قد كشفت عن منطق داخلي فيها، وذلك حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه. فالتقعيدات والتفنينات التي جاءت على يد اللغويين لم تكن خنقًا للحياة في اللغة، بل كان لا بدّ من الكشف عن النظم البنيوي لهذه اللغة. إنّ هذه العملية تسمّى عقل اللغة والبيان . وهذا ما حدث عندما تم ضبط علم الصرف والاشتقاق، وعلم المعاني والبيان وعلم النحو. كما إن ((تتبّع تراكيب الكلام الاستدلالي ومعرفة خواصها مما يلزم صاحب علم Schaft, Langage et connaissance, p. 299. (1) (٢) ابن منظور، لسان العرب، مادة بين. والزمخشري، أبو القاسم، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بيروت، دار الكتاب العربي، ج٤، ص ٤٤٣. (٣) الجاحظ، البيان والتبيين، بيروت، احياء التراث، ج١، ص ٥٦. (٤) المرجع ذاته، ص ٥٦. XXVI المعاني والبيان))(١). ونحن عندما نتحدث عن هذه المرحلة من عمر اللغة فلنظهر وصولها إلى انتظام واستخراج منطق مجرّد، يسعفنا على توليد المصطلح، باستخدام آليات العربية، بخصوصياتها لهضم المعنى الوافد، عبر صياغاتها، وبالتالي في الذهن العارف لمستعملها. أي نعمل على تطويع المعنى من خلال اختيار المصطلح له، فنختار بعمل غير مباشر، تقاربًا بين المعارف واستعدادًا للاستقبال الفكري، يتم تطويعه بقالب اللغة التي تحمل في طياتها سمة المعارف. ولنا مثال مشخّص من علم الحياة. فعند زراعة الأعضاء أو الأنسجة يتم اختيار ما هو الأقرب والأشبه لتكوين الجسم المنوي الزرع فيه، كي يتأقلم ما هو مزروع بما هو مزروع فيه. ثم يعملان سويًا، وأخيرًا يتجانسان تقريبًا بوحدة بعد الهضم في البنية. ولعل اللغة هي تلك الأداة للتأقلم وللانطباع في البنية . والأرجح أن من أهم ميزات العربية وخصوصيتها البيانية طريقتي: الأوزان والحركات. فبهما يستفاد للكشف عن المعاني أو لتطويع المعاني وتسويغها. وعند ذكر الأوزان لا بدّ من ربطها بالقلب والأبدال والاشتقاق. علمًا أن اللغويين الأوروبيين قلّلوا في مسائل البنيان والدلالة من قيمة التجاوز (Diachronie) في اللفظ. حيث يختصر تاريخ الكلمة على عرض معناها الحالي، ولا سيما أنّها تخضع لنظام يقال له المتزامن synchronie، مما يؤدّي إلى التطابق بين المعنى والشارة (٢). وتختلف العربية في بنائها في صفتين: إنّها تأسّست في جزء كبير منها على التجاوز ولم تزل تخضع له. وإنّها تعتمد على الردّ إلى الثلاثي. وهذا ما يجعل العلاقة الداخلية الثابتة بالردّ إلى الأصل، قائمة على وجود معنى عميق لهذا الأصل وعلى ارتباط ولو بسيط بالجديد، مما يبعد صفة التزامن. كما أنّ اللفظة في العربية تستمد وجودها من خلال تغيّر التنوين عليها. وأقصد بالوجود دلالتها على المعنى وفعلها الاشاري. إنّ التزامن يؤدّي إلى انقطاع دور تاريخ الكلمة في اللفظة الحالية، وإلى اعتبار ما هي عليه اللفظة والكلمة والتركيب آنيًا. ممّا يدفع إلى اتجاه القطع المعرفي على المستوى النظري في دراسة بنيان اللغة. بينما العربية في أشكالها وفي عملية بناء المبنى (١) السكاكي، أبو يعقوب، مفتاح العلوم، بيروت، دار الكتب العلمية، ص ٣. Saussure, F., Cours de Linguistique générale, Paris, 1960, pp. 20-65. (Y) XXVII