Indexed OCR Text

Pages 1-20

التَّايَةُ
فِي غَريْمُ الحَدِّثِ مِالأَبْر ◌ُ
لِلإِمَامِ مَجَدِالّيْ إِ السَّعَادَاتِ المُبَارَكْ بِن مَّالجَيّ ابْ الأثيرُ
رَحِمَةُ اللّه تعَالى
أُشْرِفَ عَلَيهِ، وَقَدَّم له
عَلِ بْ حَسَ بْ عَلِى بن عبد الحميد
الحَبِيّ للاثريّ
دارابن الجوزي

التَّايَةُ
فِي عَرْيُ الحَدِيثِ وَ الأَرُ
لِلإِمَامَ مَجَدِالدّيْ أَبِي السَعَادَاتِ المَبَرتْ بن محمد الجَيّ ابْ الأثيرُ
رَحِمَةُ اللّه تعالى
أُشْرِفَ عَلَيه، ◌َقدَّم له
على مْ حَسَ بْ عَلى بن عبد الحميد
الحَبِيّ للاشريّ®
دارابن الجوزي

ما أحْسَنَ ما قال الخطّابي وأبو موسى - رحمة
الله عليهما- فى مُقَدّمَتَيْ كِتَابِيْهِمَا - وأنا أقول
-أيضاً- مُقْتَدياً بهما -: ((كم يكونُ قد فأَتَنِي من
الكلمات الغريبة؛ التي تشتمل عليها أحاديثُ
رسول الله وَّةٍ، وأصحابِهِ، وتابعيهم - رضي الله
عنهم-، جَعَلَهَا الله - سبحانه- ذَخِيرة لغيري
يُظْهرها على يده ليُذْكر بِها».
التََّّايَةُ
فِي عَرْبُ الحَدِيَّةِ وَالأبرز

جَميِعُ الْحُقُوق مَحِفُوظة لَدَار ابن الجوزيْ
الطَّعَة الأولى
جمادى الأولى ١٤٢١هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٢١Cهـ لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر
دارابن
ـوري
دارابن الجوزي
للنشْر وَالتوزيع
المَلَڪَة العَبِيَّة السعوديَّة
الدمام-شارعابنخلدون-ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩- ٨٤٦٧٥٩٣
صَربْ: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠
الإحساء - الهفوف - شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢
جَدّة: ت: ٦٥١٦٥٤٩
الرياض: ت: ٤٢٦٦٣٣٩

النهاية في غريب الحديث والأثر
مقدمة الطبع
مقدمة الطبع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن
يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أمّا بعد:
فإنَّ علمَ غريب الحديثِ من العلوم الجليلةِ التّي ينتفع بها المحدّثُ ولا يستغني عنها الفقيهُ؛ لأنّه ((فنٌّ
مهمٌّ، يَقْبُحُ جهلُهُ للمحدّثين خصوصاً، وللعلماء عموماً، ويجب أن يُتَبَّت فيه ويُتْحَرّى))(١)، وما هذا إلاّ
لأهمّيْتِهِ، ورفيع مكانتهِ، وعالي منزلتهِ.
لذا؛ لم يطرق بابَه، ولم يخُضْ لُبابَه، سوى أفرادٍ قليلين من أهل العلم -قديماً وحديثاً-؛ إذ
(الخوضُ فيه صعبٌ، حقيقٌ بالتحرِّي، جديرٌ بالتوخٌ)(٢).
ومِن هنا: جاءَ تحذيرُ العُلماء من دخول من لا يُحسنه فيه - كما قال المناوي -: ((فليحذر خائضُه
وليتّق الله أن يُقدم على تفسير كلام نَبِّه - عليه أفضل الصلاة والسلام-؛ رجماً بالظنِّ، ﴿إن بعض الظنّ
إثم﴾، وكان السلف يتثبّتون فيه أشّد التثبّت))(٢).
وإنَّ أوّل ما عُرف ممن صنّف في علم غريب الحديث، هو الإمام النَّضْر بن شُميل - المتوفى سنة
(٢٠٣ هـ)-، كَمَا قال الحاكم النيسابوريُّ في ((معرفة علوم الحديث)) (ص٨٨) -.
وتوالتْ - بعْدَه- التصانيف؛ مثل كتاب ((غريب الحديث)) للإمام أبي عُبيد القاسم بن سلام - المُتَوَفَى
سنة (٢٤٤ هـ)-، ثم ابن قُتيبة، وابن الأنْباريِّ، والخطَّابيِّ، وغيرهم ...
... إلى أنْ وَصَلَتْ هذه السِّلسلةُ العلميّةُ الحديثيّةُ الميمونةُ إلى الإمام المحدّث (المبارك بن محمد
(١) (شرح شرح النخبة)) (ص١٤٨) للمُلّ علي القاري.
(٢) ((اليواقيت والدرر)) ((ص٤٤٥/٢) للمُناوي.
۵

مقدمة الطبع
النهاية في غريب الحديث والأثر
ابن الأثير الْجَزَرَيِّ) المتوفى (٦٠٦ هـ)؛ فجَمَعَ فوائدَ هذه الكُتُبِ، ورتَّبها، وهذَّبها؛ فصار كتابُهُ عُمدةَ
المشتغلين بالعلمِ؛ على اخْتلاف دَرَجَاتِهِمْ، وعُلُومهم، ومعارِفهم ...
وهذه طبعةٌ جديدةٌ مُميّزةٌ مِن هذا الكتابِ النافع المبارك؛ تسرُّ الناظرين، وتُفيد الباحثين.
وقد جعلْنا هذا العملَ - كلَّه- في مجلدٍ واحد لتسهيل الإفادة منه - سَفَراً وحَضَراً-، واجتهدنا في
تنسيقه؛ حتى يكون ذا شكل أنيق، يَرْفُلُ بجمال المظهر، ويَزهو بِصِحَّةُ المَخْبَر.
ولا يَسَعُني -في ختام هذه المقدّمة- إلاّ أن أشكر الإخوة القائمين على [مركز(ن) لخدمات النشر]؛
على ما بذلوه من جهد مبرورٍ في عملهم بهذا الكتاب، وموافقتهم فيه مدارجَ الصواب.
سائلين اللهَ - تبارك وتعالى- أن يُعْظِم النفعَ بهذه النسخةِ، وأن يُضاعفَ فوائدها ...
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتب
عليُّ بنُ حسنِ بنِ عليّ بنِ عبد الحميدِ
الحلبيُّ الأثَرِيُّ
-عفا الله عنه بمنه-
٢٤ / صفر / ١٤٢١ هـ، وفق ٢٨ / ٥ /٢٠٠٠
٦

النهاية في غريب الحديث والأثر
ترجمة المؤلف
م
ترجمة ابن الأثير(١)
هو الْقَاضِي الرَّئيسُ العَلامة البارع الأوحد البَلِيغ مجد الدِّين أبو السَّعادات المبارك بن محمد بن
محمد بن عبدالكريم بن عبد الواحد الشَّيبانيُّ الْجَزَرِيُّ ثم المَوْصِلِيُّ، الكاتب ابن الأثير، صاحب ((جامع
الأُصول))، و ((غَريب الحديث))، وغير ذلك.
مولده بجزيرة ابن عُمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمس مئة، ونشأ بها، ثم تَحوّل إلى
المَوْصل، وسمعَ من يحيى بن سعدون القُرطبيِّ، وخطيب المَوْصِل، وطائفة.
وروَى الكُتب نازلاً؛ فأسند ((صحيح البخاريّ)) عن ابن سرايا عن أبي الوَقت، و ((صحيح مسلم))
عن أبي ياسر بن أبي حبة، عن إسماعيل ابن السَّمَر قنديّ، عن التُّنكُتي، عن أبي الحسين عبدالغافر، ثم
عن ابن سُكَينة إجازة عن الفُرَاويّ، و (الموطأ)) عن ابن سعدون: حدثنا ابن عَتّب، عن ابن مُغِيث فوهم،
و (سنن أبي داود)) و((الترمذي)) بسماعِهِ من ابن سُكَينة، و ((سنن النسائي)): أخبرنا يعيش بن صَدَقة، عن
ابن محمویه.
ثم اتصل بالأمير مُجاهد الدين قَيْمَاز الخادم، إلى أن توفّ مخدومه، فكتب الإنشاء لصاحب
الموصل عز الدين مسعود الأتابكيّ، ووَلَيَ ديوان الإنشاء، وعظم قدره.
وله اليد البيضاء في الثَّرسُّل، وصنَّف فيه.
ثم عَرَضَ له فالج في أطرافه، وعجزَ عن الكِتابة، ولزمَ دارَهُ، وأنشأ رباطاً في قرية وقف عليه
أملاكه، وله نظم یَسِيرٌ.
قال الإمام أبو شامة: قرأ الحديث والعلم والأدب، وكان رئيساً مُشَاوَراً، صَنَّفَ ((جامع الأصول»،
و((النهاية))، و((شرحاً لُسنَد الشّافِعِيِّ)، وكان به نُقْرُس، فكان يُحْمَلُ في مِحفَّة، قرأ النحو على أبي محمد
سعيد ابن الدّهّان، وأبي الحَرَم مكيّ الضّرير.
(١) من كتاب ((سير أعلام النبلاء)) (٤٨٨/٢١-٤٩١).
٧

ترجمة المؤلف
النهاية في غريب الحديث والأثر
إلى أن قال: ولما حَجّ سمع ببغداد من ابن كُلَيب، وحَدّث، وانتفع به الناس، وكان ورِعاً، عاقلاً،
بهیّاً، ذا بِرٍّ وإحسان.
وأخوه عز الدين علي صاحب ((التاريخ))، وأخوهما الصاحب ضياء الدين مصنف كتاب ((المثل
السائر)).
وقال ابن خَلَّكان: لمجد الدين كتاب ((الإنصاف في الجمع بين الكَشْفِ والكَشّاف))، تفسيري الثَّعلبي
والزَّمخْشريّ، وله كتاب ((المصْطفَى المختار في الأدعية والأذكار))، وكتاب لطيف في صناعة الكتابة،
وكتاب ((البديع في شرح مُقدمة ابن الدهان))، وله (دیوان رسائل)).
قلت: روى عنه ولده، والشهاب القُوصيُّ، والإمام تاج الدين عبد المحسن بن محمد بن محمد بن
الحامض شيخ الباجَرَبَقي وطائفة .
وآخر من روى عنه بالإجازة الشيخ فخر الدين ابن البخاريّ.
قال ابنُ الشَّعار: كان كاتب الإنشاء لدولة صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن
مودود، وكان حاسِباً، كاتِباً، ذكياً.
إلى أن قال: ومن تصانيفه: كتاب ((الفُروق في الأبنية))، وكتاب ((الأذواء والذّوات))، وكتاب
((المختار في مناقب الأخيار))، و ((شرح غريب الطوال)).
قال: وكان من أشد الناس بُخلاً.
قلت (١): من وقف عقاره لله فليس بيخيل، فما هو بيخيل، ولا بجواد، بل صاحب حزم واقتصاد
رحمه الله!
عاش ثلاثاً وستين سنة؛ توفّي في سنة ست وست مئة بالموْصل.
حکی أخوه العزّ، قال: جاء مغربي عالج أخي بدُهن صنعه، فبانت ثمرته، وتمكّن من مدّ رجليه،
فقال لي: أعطه ما يرضيه واصرفه، قلت: لماذا وقد ظهر النُّجح؟ قال: هو كما تقول، لكني في راحة من
ترك هؤلاء الدَّولة، وقد سَكَنتْ نفسي إلى الإنقطاع والدَّعَة، وبالأمس كنتُ أُذَلُّ بالسَّعي إليهم، وهنا فما
يجيؤني إلّ في مشورة مُهِمَّة، ولم يبق من العُمر إلا القليل.
(١) هو الإِمامُ الذهبيّ
٨

النهاية في غريب الحديث والأثر
مقدمة المؤلف
بِهُالرَّحِ الرَّحْيَةِ
مقدمة المؤلف
أحْمَدُ اللهَ على نعمه بجميع مَحامده، وأُثني عليه بآلائه في بادئ الأمر وعائِدِه، وأشكره على وافر
عطائه ورافِدِهِ، وأعترف بلُطْفه في مَصادر التوفيق ومَوارده.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، شهادَةً مُتَحَلِّ بقلائد الإخلاص وفرائِدِهِ،
مستقلٌّ بإحكام قواعد التوحيدِ ومَعَاقِدِهِ.
وأُصَلِّي على رسوله جامعٍ نَوافر الإيمان وشَوارِدِهِ، ورافع أعلام الإسلام ومطارِدِه(١)، وشارع نَهْج
الهُدى لقاصِدِهِ، وهادي سبيل الحق ومَاهِدِهِ، وعلى آله وأصحابه حُماة معالم الدين ومَعاهِدِه، ورَادةٍ
مَشْرَعِهِ السائغ لوارِدِهِ.
أما بعد :
· فلا خلاف بين أُولي الألباب والعقول، ولا ارتياب عند ذَوِي المعارف والمحصول، أنّ علم الحديث
والآثار من أشرف العلوم الإسلامية قَدْراً، وأحسنِها ذكراً، وأكملها نفْعاً، وأعظمها أجراً.
وأنه أحَدُ أَقطاب الإسلام التي يَدُورُ عليها، ومَعاقِدِه التي أُضيفَ إليها، وأنه فَرْضٌ من فروض
الكِفَايات يجب التزامُه، وحق من حقوق الدين يتعين إحكامه واعْتَزَامُه.
وهو على هذه الحال -من الاهتمام البيّن والالتزام المُتَعَيّن - ينقسم قسمين؛ أحدُهما: معرفةُ ألفاظه،
والثاني: معرفة معانيه، ولا شك أنّ معرفَةَ ألفاظه مُقَدَّمةٌ في الرتبة؛ لأنها في الخطاب وبها يَحْصُل
التفاهم، فإذا عُرِفَتْ تَرَتَّبت المعاني عليها، فكان الاهتمام ببيانه أولَى.
ثم الألفاظ تنقسم إلى مفردة ومُركّبة، ومعرفة المفردة مقدّمة على معرفة المركّبة؛ لأنّ التركيب فَرْعٌ
عن الإفراد.
والألفاظ المفردة تنقسم قسمين: أحدهما خاصّ والآخر عامٌّ:
أما العامّ؛ فهو: ما يَشْتَرك في معرفته جمهور أهل اللسان العربي مما يَدُورُ بينهم في الخطاب، فهم
في معرفةٍ شَرْعِهِ سَوَاءٌ أو قريبٌ من السَّواء، تنَاقَلوه فيما بينهم وتَداوَلوه، وتَلقَّفُوه من حال الصِّغَر
لضرورة التََّاهُم وتَعَلَّموه.
(١) المطارد: جمع مطرد - على وزن منبر -: الرمح القصير.
٩

مقدمة المؤلف
النهاية في غريب الحديث والأثر
وأما الخاصُّ؛ فهو: ما ورد فيه من الألفاظ اللُّغوية، والكلمات الغريبة الحوشيّة، التي لا يعرفها إلا
من عُنِيَ بها، وحافظ عليها واستخرَجَها من مظانّها - وقليلٌ ماَ هُمْ- فكان الاهتمام بمعرفة هذا النوع
الخاصّ من الألفاظ أهمَّ مما سواه، وأوْلى بالبيان مما عداه، ومُقَدَّماً في الرتبة على غيره، ومبدُوّاً في
التعريف بِذِكرِه؛ إذ الحاجة إليه ضرورية في البيان، لازمة في الإيضاح والعِرْفان.
ثم معرفته تنقسم إلى معرفة ذاته وصفاته :
أما ذاته؛ فهي: معرفة وَزْن الكلمة وبنائها، وتأليف حروفها وضَبْطها؛ لئلاّ يتبدّل حرفٌ بحرف أو
بناءٌ ببناء.
وأما صفاته؛ فهي: معرفة حركاته وإعرابهِ، لَلاَّ يَخْتَلَّ فاعل بمفعول، أو خبر بأمر، أو غير ذلك
من المعاني التي مَبْنَى فَهْمٍ الحديث عليها، فمعرفة الذات استقل بها علماءُ اللغة والاشتقاق، ومعرفة
الصفات استقل بها علماء النحو والتَّصْرِيف، وإن كان الفريقان لا يكادان يَفْتَرِقَانِ لاضْطِرارِ كلّ منهما إلى
صاحبه في البيان.
وقد عَرَفْت - أيّدك الله وإيَّانا بلطفه وتوفيقه -: أن رسول الله وَ ال كان أفصح العرب لساناً،
وأوضَحَهُم بياناً، وأعْذَبَهم نُطقاً، وأسَدَّهم لفظاً، وأبينهم لَهْجَةً، وأقومَهم حُجة، وأعرفَهُمْ بمواقع
الخطاب، وأهدَاهم إلى طُرق الصواب؛ تأييداً إلهِيّاً، ولُطفاً سماوياً، وعنايَةٌ رَبَّانية، ورعايَةً روحانية، حتى
لقد قال له علىُّ بنُ أبي طالب -كرم الله وجهه- وسَمِعَهُ يخاطبُ وَفْد بني نَهْد -: يا رسول الله! نحن بنو
أبٍ واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره! فقال: ((أدَّبنِي رَبّي فَأَحْسَنَ تَأديبِي، وَرُبِّتُ في بني
سعْد))(١)؛ فكان وَ لّه يُخَاطب العرب على اختلاف شُعُوبهم وقبائلهم، وتباين بُطونهم وأفخاذهم
وفصائلهم، كُلّ منهم بما يفهمون، ويُحادثُهم بما يعلمون، ولهذا قال - صَدّق الله قَولَه -: ((أُمرتُ أن
أخاطبَ الناسَ على قَدْر عقُوُلهم))(٢)؛ فكأنّ الله -عز وجل - قد أعْلَمه ما لم يكن يَعْلَمُه غيره من بني
أبيه، وجمع فيه من المعارف ما تفرّق ولم يوجد في قاَصِي العَرَب ودَانِيه، وكان أصحابُه -رضي الله
عنهم-، ومن يَفِدْ عليه من الْعَرَب يعرفون أكثرَ ما يقوله، وما جَهِلوه سألوه عنه فيوضحه لهم.
واسْتَمرَّ عصرُهُ وَّ إلى حين وفاته على هذا السَّنَن المستقيم، وجاء العصر الثاني - وهو عصر
الصحابة- جارياً على هذا النَّمط سالكاً هذا المنهج، فكان اللسان العربي عندهم صحيحاً مَحْرُوساً لا
يَتَدَاخَلُهُ الخَلل، ولاَ يَتَطَرَّقُ إليه الزََّل، إلى أن فُتحت الأمصار، وخالط العربُ غيرَ جنسهم من الروم
والفرس والحبش والنَّبَط، وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتح الله على المسلمين بلادَههم، وأفَاءَ عليهم
أموالَهم ورقابَهُم، فاختلطتِ الفرق وامتزجت الألسُن، وتداخَلتِ اللغاتُ ونشأ بينهم الأولاد، فتعلّموا من
اللسان العربي ما لا بدّ لهم في الخطاب منه، وحفظوا من اللغة ماَ لاَ غِنّى لهم في المحاوَرَةِ عنه، وتركوا
ما عداه لعدم الحاجة إليه، وأهمَلوه لقِلّة الرَّغبة في الباعث عليه، فصار بعد كونه من أهمّ المعارف مُطّرَحاً
(١) وهو حديثٌ موضوعٌ؛ كما في ((الفوائد المجموعة)) (١٠٢٠)، و((السلسلة الضعيفة)) (٧٢)، و(٢١٨٥).
(٢) وهو لا يصحّ! انظر ((المقاصد الحسنة)) (١٨٠).
١٠

النهاية في غريب الحديث والأثر
مقدمة المؤلف
مَهْجوراً، وبعد فَرْضِيَّتِهِ اللازمة كأن لم يكن شيئاً مذكوراً.
وتمادتِ الأيامُ والحالة هذه على ما فيها من التَّماسُك والثََّت، واسْتَمرَّتْ على سَنَنٍ من الاستقامة
والصلاح، إلى أن انقرض عصرُ الصحابة والشأنُ قريب، والقائمُ بواجب هذا الأمر لقلّته غريب، وجاء
التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم؛ لكنهم قلُّوا في الإتقانِ عدداً، واقْتَفَوْا هديَهُم وإن كانوا مَدُّوا في
البيان يداً، فما انقضى زمانُهم - على إحسانهم - إلاّ واللسانُ العربيُّ قد استحال أعجمياً أو كاد، فلا ترى
الْمُستَقِلَّ به والمحافِظَ عليه إلاّ الآحاد.
هذا والعصرُ ذلك العصرُ القديم، والعهدُ ذلك العَهدُ الكريم، فجهِل الناسُ من هذا المُهِمّ ما كان
يلزمُهم معرفتُه، وأخّروا منه ما كان يجب عليهم تَقْدِمَتُه، واتخذوه وراءهم ظِهْرِيّاً فصار نِسْياً منسيّاً،
والمشتغل به عندهم بعيداً قصيّاً، فلما أعضَلَ الدَّاء، وعزَّ الدَّواء، ألهمَ الله - عز وجل- جماعة من أولِي
المعارف والنُّهَى، وذوي البصائر والحِجَا، أن صَرَفوا إلى هذا الشأن طَرَفاً مِن عنايتهم، وجانباً من
رِعِايَتِهِم، فَشَرَّعوا فيه للناس موارداً، ومهَّدُوا فيه لهم معَاهداً، حراسَةً لهذا العلم الشريف من الضَّاعِ،
وحفظاً لهذا المهم العزيز من الاختلال.
فقيل: إن أوّلَ من جَمعَ في هذا الفنّ - شيئاً- وألَّف: أبو عبيدة مَعْمَر بن المشَّى التميمي، فجمع
من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتاباً صغيراً ذا أوراق معدودات، ولم تكن قِلْتُهُ لجهله بغيره من غريب
الحديث، وإنما كان لأمرين:
أحدهما: أن كلّ مُبْتَدِىء لشيء لم يُسْبَق إليه، وَمُبْتَدعٍ لأمر لم يُتَقَدَّم فيه عليه، فإنه يكون قليلاً ثم
يكثر، وصغيراً ثم يكبر.
والثاني: أنَّ الناسَ يومئذ كان فيهم بَقِيّة وعندهم معرفة، فلم يكن الجهلُ قد عَمّ، ولا الخطبُ قد
طَمّ.
ثم جَمَع أبو الحسن النَّضْر بن شُميل المازنيّ - بعده- كتاباً في غريب الحديث أكبرَ من كتاب أبي
عُبيدة، وشرح فيه وبَسَطَ - على صغر حجمه ولطفه-، ثم جمع عبدُ الملك بن قُريب الأصمعيّ - وكان في
عصر أبي عُبيدة وتأخر عنه- كتاباً أحسن فيه الصُّنْعَ وأجاد، ونيَّف على كتابه وزاد، وكذلك محمد بن
الْمُسْتَنِير المعروف بِقُطْرُب، وغيره من أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث تَكَلموا على لغتها ومعناها في
أوراق ذوات عَدد، ولم يكَدْ أحدُهم ينفردُ عن غيره بكبير حديث لم يذكره الآخر.
واستَمرَّتِ الحال إلى زمن أبي عُبيد القاسم بن سلام وذلك بعد المائتين، فجمع كتابه المشهورَ في
((غريب الحديث والآثار)) الذي صار - وإن كان أخيراً - أوّلاً، لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة،
والمعاني اللطيفة، والفوائد الجمّة، فصار هو القدوةَ في هذا الشأن؛ فإنه أَفْنى فيه عمره، وأطاب به ذِكره،
حتى لقد قال فيما يُروى عنه: ((إني جَمَعْتُ كتابى هذا في أربعين سنة، وهو كان خُلاصة عمري))، ولقد
صدق - رحمه الله-؛ فإنه احتاج إلى تَتَبُّع أحاديث رسول الله وَ لَه -على كَثْرتها- وآثار الصحابة
والتابعين -على تَفَرُّقُها وتعدُّدِها-، حتى جمع منها ما احتاج إلى بيانه بطرق أسانيدها وحفظ رُوَاتها.
١١

مقدمة المؤلف
النهاية في غريب الحديث والأثر
وهذا فنّ عزيز شريف لا يوفّقُ له إلا السعداء. وظنَّ -رحمه الله - على كثرة تعبه وطول نَصبِهِ -:
أنه قد أتى على معظم غريب الحديث وأكثرِ الآثار، وما علم أنّ الشّوطَ بَطِين (١)، والمنهل مَعِين، وبقي
على ذلك كتابُه في أيدي الناس يرجعون إليه، ويعتمدون في غريب الحديث عليه، إلى عصر أبي محمد
عبد الله بن مسلم بن قُتَيبَة الدِّينَوَرِي - رحمه الله-، فصنف كتابه المشهور في ((غريب الحديث والآثار))،
حذا فيه حَذْوَ أبي عبيد، ولم يُودعْه شيئاً من الأحاديث المودعة في كتاب أبى عُبيد؛ إلا ما دَعَتْ إليه
حاجةٌ من زيادة شرح وبيان، أو استدراك أو اعتراض، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه،
وقال في مقدِّمة كتابه: ((وقد كنتُ زماناً أرى أن كتاب أبي عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث، وأن
الناظر فيه مُسْتَغْنٍ به، ثم تَعَقّبْتُ ذلك بالنظر والتفتيش والمذاكرة فوجدت ما ترك نَحْواً مما ذكر، فتبَّعْتُ ما
أغفل، وفَسّرَّتُه على نَحْرٍ مما فَسَّر، وأرجو أن لا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما
یکون لأحدٍ فیه مقال».
وقد كان في زمانه الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربيّ - رحمه الله-، وجمع كتابه المشهور في
((غريب الحديث))، وهو كتابٌ كبيرٌ ذو مجلدات عِدَّةٍ، جمع فيه وَبَسَطَ القولَ وشرح، واسْتَقصى
الأحاديث بطُرق أسانيدها، وأطاله بذكر مُتُونها وألفاظها، وإن لم يكن فيها إلا كلمةٌ واحدة غريبة، فطال
لذلك كتابُه، وبسبب طوله تُرِك وهُجر، وإن كان كثيرَ الفوائد جمَّ المنافع؛ فإنّ الرجلَ كان إماماً حافظاً
مُتْقِناً، عارفاً بالفقه والحديث واللغة والأدب -رحمة الله عليه -.
ثُمَّ صَنّ الناس - غيرُ من ذكّرنا- في هذا الفنّ تصانيف كثيرة؛ منهم: شَمِرُ بن حَمْدَوَيَه، وأبو
العباس أحمد بن يحيى اللغوي؛ المعروف: بثعلب، وأبو العباس محمد بن يزيد الثُّمالي؛ المعروف:
بالمبرَّد، وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، وأحمد بن الحسن الكِنْدي، وأبو عمر محمد بن عبد الواحد
الزاهد صاحب ثعلب، وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث ...
ولم يَخْلُ زمانٌ وعصرٌ ممن جمع في هذا الفن شيئاً وانفرد فيه بتأليف، واستبدَّ فيه بتصنيف.
واستمرَّتِ الحال إلى عهد الإمام أبي سُليمان حمد بن محمد بن أحمد الخطّابِي الْبُسْتي - رحمه
الله-، وكان بعد الثلمائة والستين وقبلها، فألف كتابه المشهور في ((غريب الحديث))، سلك فيه نهج أبي
عُبيد وابن قُتَيْة، واقتفى هَدْيهُما، وقال في مقدمة كتابه - بعد أن ذكر كتابَيْهما وأَثْنى عليهما -: ((وبقيت
بعدهما صُبَابَةٌ للقول فيها مُتَبَرَّض تَوَلَيْتُ جمعها وتفسيرها، مُسْتَرْسلاً بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما،
بعد أن مضى عليّ زمان وأنا أحْسِب أنه لم يبقَ في هذا الباب لأحدٍ مُتْكلَّم، وأن الأوّلَ لم يترُك للآخِرِ
شيئاً، وأتكلُ على قول ابن قُتَيْبةَ في خطبَةٍ كتابه: ((إنه لم يبقَ لأحد في غريب الحديث مَقَال))).
وقال الخَطّابي -أيضاً- بعد أن ذكر جماعة من مُصَنِّفي الغريب وأثنى عليهم -: ((إلّا أن هذه الكُتُبَ
-على كثرة عَدَدِها- إذا حَصَلت كان مآلُها كالكتاب الواحد، إذ كان مصنّفوها إنما سبيلهم فيها أن يتوالَوْا
على الحديث الواحد فَيَعْتُوروه فيما بينهم، ثم يتَبَارَوْا في تفسيره، ويدخل بعضهم على بعض، ولم يكن
(١) بطين: أي: بعيد.
١٢

مقدمة المؤلف
النهاية في غريب الحديث والأثر
من شرط المسبوق أن يُفَرِّج للسابق عما أحْرَزَه، وأن يقْتَضِبَ الكلام في شيء لم يُفَسَّر قبله - على شاكلة
ابن قُتَيْبة وصنيعه في كتابه الذي عَقَّبَ به كتاب أبي عبيد-، ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب - التي
ذكرناها- أن يكون شيء منها على مِنْهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ، وصحة المعنى، وجَوْدَة الاستناط
وكثرة الفقه، ولا أن يكون من جنس كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير وإيراد الحُجّة وذكر النظائر
وتخليص المعاني، إنما هي أو عامّتُها إذا تقسّمت وقعت بين مُقَصِّرٍ لا يورد في كتابه إلا أطْرَافاً وسوَاقطَ
من الحديث، ثم لا يوفِيها حقها من إشباع التفسير وإيضاح المعنى، وبين مُطِيل يسرُدُ الأحاديث المشهورة
التي لا يكاد يُشْكل منها شيء، ثم يتكلفُ تفسيرها ويُطْنبُ فيها، وفي الكتابين غِنِى ومَنْدُوحَةٌ عن كلِّ
كتاب ذكرناه قبلُ؛ إذْ كانا قد أَتًَّا على جُمَّاعِ ما تضمّنتِ الأحاديثُ المودعةُ فيها من تفسير وتأويل - وزادا
عليه- فصار أحق به وأملك له، ولعل الشيءَ بعد الشيء منها قد يَفُوتُهُمَا)).
قال الخطّابي: ((وأما كتابنا هذا فإني ذكرت فيه ما لم يرد في كتابيهما، فصرفْتُ إلى جمعه عِنَايتي،
ولم أزل أتتبع مظانّها وألتقط آحادها، حتى اجتمع منها ما أحب الله أن يُوَفق له، واتّسق الكتاب فصار
کنحوٍ من کتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه)).
قال: ((وَبَلَغني أن أبا عبيد مكث في تصنيف كتابه أربعين سنة، يسأل العلماء عما أودعه من تفسير
الحديث والأثر، والناس إذ ذاك متوافرون، والروضة أُنُف، والحوضُ ملآن، ثم قد غادر الكثيرَ منه لمن
بعده، ثم سعى له أبو محمدٍ سَعْيَ الجَوَاد، فأسْأَرَ القَدر الذي جمعناه في كتابنا، وقد بقي من وراء ذلك
أحاديث ذواتُ عددٍ لم أتيسر لتفسيرها تركتها ليفتحها الله على من يشاء من عباده، ولكل وقت قوم،
ولكل نَشْءٍ علم، قال الله - تعالى -: ﴿وإنْ مِنْ شَيءٍ إلَّ عِنْدَنَا خَزَائْتُهُ وما نُنَزِّلِه إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾)).
قلتُ: لقد أحسنَ الخطّابي -رحمة الله عليه- وأنصف، عرفَ الحق فقاله، وتحرَّى الصدق فنطق
به، فكانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أُمَّهاتِ الكتب، وهى الدائرة في أيدي الناس
والتي يُعَوِّلُ عليها علماء الأمصار، إلا أنها وغيرها من الكتب المصنفة - التي ذكرناها أو لم نذكرها- لم
يكن فيها كتاب صُنّف مرتَّباً وَمُقَفّى يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه؛ إلا كتاب الحربي، وهو على
طُوله وعُسر ترتيبه لا يُوجَد الحديث فيه إلا بعد تعبٍ وعناء، ولا خفاء بما في ذلك من المشقة والنَّصَب مع
ما فيه من كون الحديث المطلوب لا يُعرف في أيّ واحد من هذه الكتب هو، فیحتاجُ طالبُ غریب حديث
إلى اعتبار جميع الكتب أو أكثرِها حتى يجد غرضه من بعضها، فلمّا كان زمنُ أبي عبيد أحمد بن محمد
الهروي صاحب الإمام أبى منصور الأزْهَرِي اللغوي، وكان في زمن الخطّابي وبعده وفي طبقته، صنَّف
كتابه المشهور السائر في ((الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث))، ورتّبه مُقَفّىّ على حروف المعجم على
وضع لم يُسْبَقْ في غريب القرآن والحديث إليه؛ فاستخرَجَ الكلمات اللُّغويةَ الغريبةَ من أماكنها، وأثبتها
في حروفها وذكر معانيها؛ إذ كان الغرضُ والمقصدُ من هذا التصنيف معرفةَ الكلمة الغريبة؛ لغةً،
وإِعْراباً، ومعنىً، لا معرفةَ مُتُون الأحاديث، والآثار، وَطُرق أسانيدها، وأسماء رُوَاتها، فإن ذلك عِلْمٌ
مستقلٌّ بنفسه، مشهور بين أهله.
١٣

مقدمة المؤلف
النهاية في غريب الحديث والأثر
ثم إنه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبي عُبيد، وابن قتيبة، وغيرهما ممن تَقَدَّمُه عصرُه
من مُصَنِّي الغريب، مع ما أضاف إليه مما تتبعه من كلمات؛ لم تكن في واحد من الكتب المصنَّفة قَبله،
فجاء كتابهُ جامعاً في الحُسن بين الإحاطة والوضع، فإذا أراد الإنسانُ كلمةً غريبةً وجَدَها في حرفها بغير
تَعب، إلا أنه جاء الحديثُ مُفَرَّقاً في حروف كلماته، حيث كان هو المقصودَ والغرضَ، فانتشر كتابهُ بهذا
التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار، وصار هو العمدةَ في غريب الحديث والآثار.
وما زال الناس بعده يَقْتَفُون هَدْيَه، ويَتْبَعُون أَثَرِهِ، ويَشكُرُون له سَعيَه، ويَسْتَدرِكُون ما فاتَه من
غريب الحديث والآثار، ويجمعون فيه مجاميعَ.
والأيامُ تَنْقَضِي، والأعمارُ تَفْنَى ولا تنقضي، إلا عن تصنيفٍ في هذا الفنّ؛ إلى عَهْدِ الإمام أبي
القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخُوَارَزْمي - رحمه الله-، فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث،
وسماه: ((الفائق))، ولقد صادفَ هذا الاسم مُسَمَّى، وكشف من غريب الحديث كلَّ مُعَمَّى، ورتَّبه على
وضعِ اخْتَارَه مُقَفّىَ على حروف المعجم، ولكن في العُثُور على طلب الحديث منه كُلْفَةٌ ومشقّة، وإن
كانت دون غيره من مُتَقدّم الكتب؛ لأنه جَمعَ في التَّقْفِيَةِ بين إيراد الحديث مَسْروداً جميعه، أو أكثره، أو
أقله، ثم شَرَحَ ما فيه من غريب، فيجيء شرحُ كلّ كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث؛ في حرف
واحد من حروف المعجم، فترد الكلمة في غير حرفها، وإذا تَطَلَّبها الإنسان تَعِب حتى يَجدها، فكان
كتابُ الَهِرَوي أقربَ مُتْنَاولاً، وأسهلَ مأخذاً، وإن كانت كلماته متفرقةً في حروفها، وكان النفع به أتمَّ،
والفائدةُ منه أعمّ .
فلما كان زمنُ الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني، وكان إماماً
في عصره، حافظاً، متقناً، تُشَدُّ إليه الرحال، وتُناط به من الطلبة الآمال، قد صنَّف كتاباً جمع فيه ما
فات الهروي من غريب القرآن والحديث؛ يُنَاسبهُ قدراً وفائدة، ويُمَثِله حجْماً وعائدة، وسلك في وضعه
مَسْلَكه، وذهب فيه مَذْهَبه، ورتَّبَه كما رَتَبَهُ، ثم قال: ((واعلم أنه سيبقى بعد كتابي أشياءُ لم تقع لي، ولا
وقفتُ عليها؛ لأن كلام العرب لا ينحصر)).
ولقد صدق -رحمه الله- فإن الذي فاتَه من الغريب كثيرٌ، ومات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
وكان في زماننا - أيضاً - معاصر أبي موسى الإمامُ أبو الفرج عبدُ الرحمن بن علي بن الجوزِي
البغدادي -رحمه الله-، كان مُتَفَتّناً في علومه، مُتَنَوِّعاً في معارفه، فاضلاً، لكنه كان يَغْلِبُ عليه الوعظ.
وقد صَنَّفَ كتاباً في غريب الحديث خاصَّة؛ نَهَج فيه طريق الهروي في كتابه، وسلك فيه محَجَّتُه مجرداً
من غريب القرآن، وهذا لفظه في مقدمته - بعد أن ذكر مُصَنِّفي الغريب-، قال: ((فَقوِيتِ الظُّنون أنه لم
بَيْقَ شيء، وإذاً قد فاتَهُم أشْياءُ، فرأيت أن أبذلَ الوُسع في جمع غريب حديث رسول الله وَّل،
وأصحابه، وتابعيهم، وأرجو ألاّ يَشذَّ عني مهِمّ من ذلك، وأن يُغْنِيَ كتابي عن جميع ما صُنّف في
ذلك»، وهذا قوله.
ولقد تتبعت كتابه؛ فرأيتُهُ مخْتَصَراً من كتاب الهروي، مُنْتَزَعاً من أبوابه شيئاً فشيئاً، ووَضْعاً
١٤

النهاية في غريب الحديث والأثر
مقدمة المؤلف
فوَضْعاً، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشّاذّةَ، واللفظَة الفَاذّة، ولقد قاَيَسْتُ ما زاد في كتابه على ما أخَذَه من
كتاب الهروي؛ فلم يكن إلا جزءاً يسيراً من أجزاء كثيرة.
وأما أبو موسى الأصفاني -رحمه الله-؛ فإنه لم يذكر في كتابه مما ذكره الهروي، إلا كلمة اضطر
إلى ذكرها؛ إما لخَلل فيها، أو زيادة في شرحها، أو وَجْهٍ آخر في معناها، ومع ذلك فإن كتابَه يُضَاهي
كتاب الهوري - كما سبق-؛ لأن وضعَ كتابه استدراك ما فات الهَروي.
ولما وقفت على كتابه الذي جعله مُكَمِّلاً لكتاب الهروي ومُتَمّماً، وهو في غاية من الحسن
والكمال، وكان الإنسان إذا أراد كلمة غريبة يَحْتَاجُ إلى أن يَتَطلّبها في أحد الكتابين، فإن وجدها فيه،
وإلا طَلَبها من الكتاب الآخر، وهما كتابان كبيران، ذَوَا مجلدات عِدَّة، ولا خفاء بما في ذلك من
الكُلْفة، فرأيتُ أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث؛ مُجرَّداً من غريب القرآن، وأضِيف كلَّ كلمة إلى
أختها في بابها؛ تسهيلاً لكُلْفة الطلب، وتمادت بي الأيامُ في ذلك؛ أُقدِّم رِجْلاً وأُؤَخِّرٍ أُخْرى، إلى أن
قَوِيتِ العزيمةُ، وخلصت النية، وتحقَّقت في إظهار ما فى القوة إلى الفعل، ويسَّر الله الأمر وسهَّله،
وسنَّاه ووقّق إليه، فحينئذٍ أمْعَنْتُ النظر، وأنْعَمْتُ الفِكر فى اعتبار الكتابين والجمع بين ألفاظهما، وإضافة
كلٍّ منهما إلى نظيره في بابه، فَوَجَدْتُهما - على كثرة ما أُودع فيهما من غريب الحديث والأثر - قد فَتَّهُما
الكثيرُ الوافرُ؛ فإني في بادىء الأمرِ وأوّل النظر مرّ بِذكري كلماتٌ غريبة من غرائب أحاديث الكتب
الصّحاح - كالبخارى ومسلم، وكفاك بهما شُهْرَةً في كتب الحديث- لم يَرِدْ شيء منها في هذين الكتابين،
فحيث عرفتُ ذلك تنبهتُ لاعتبار غير هذين الكتابين؛ من كتب الحديث المدَوَّنَة المصنفة في أول الزمان،
وأوسطه، وآخره، فتتبّعتها، واسْتَقْرَيْتُ ما حَضَرَنِى منها، واسْتَقْصَيْتُ مُطالَعتها؛ من المسانيد، والمجاميع،
وكتب السُّنَن، والغرائبِ قديمها وحديثها، وكتب اللُّغة على اختلافها، فرأيتُ فيها من الكلمات الغريبة مما
فات الكتابين كثيراً، فَصَدَفْتُ حيئنذ عن الاقتصار على الجمع بين كتاَبَيْهما، وأضفت ما عَثَرتُ عليه
ووَجدتهُ من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها؛ مع نظائرها وأمثالها .
وما أحْسَنَ ما قال الخطّابي وأبو موسى -رحمة الله عليهما- فى مُقَدّمَتَيْ كِتَابِيْهِمَا - وأنا أقول
-أيضاً - مُقْتَدياً بهما -: كم يكونُ قد فَأَتَنِي من الكلمات الغريبة؛ التي تشتمل عليها أحاديثُ رسول الله
وَّ، وأصحابِه، وتابعيهم -رضي الله عنهم-، جَعَلَهَا الله -سبحانه- ذَخِيرة لغيري يُظْهِرُها على يده
ليُذکر پِها.
ولقد صَدَق القائلَ الثَّاني: كم ترك الأوَّلُ للآخر؟! فحيث حقق الله -سبحانه- النية في ذلك؛
سَلَكْتُ طريق الكتابين في الترتيب الذي اشتملا عليه، والوَضْعِ الذي حوَياه من التَّقْفِيَّةِ على حروف
المعجم؛ بالتزام الحرف الأوّل والثاني من كلِّ كلمة، وإتباعِهما بالحرف الثالث منها على سياق الحروف،
إلا أنّي وجدتُ في الحديث كلماتٍ كثيرةً في أوائلها حروف زائدة قد بُنِيَتِ الكلمةُ عليها، حتى صارت
كأنها من نفسها، وكان يَلْتَبِسُ مَوْضِعُها الأَصْلِي على طالبها، لا سِيَّمَا وأكْثَرُ طَلَبَةٍ غريب الحديث لا
يكادُون يُفَرِّقون بين الأصلي والزائد، فرأيتُ أن أُثبتَها في باب الحرف الذي هو في أوّلها، وإن لم يكن
١٥

مقدمة المؤلف
النهاية في غريب الحديث والأثر
أصليّاً، ونَبَّهتُ عند ذكره على زيادته؛ لئلاَّ يَرَاها أحدٌ في غير بابها، فيظنّ أني وضعتُها فيه للجهل بها،
فلا أُنْسَبُ إلى ذلك، ولا أكون قد عَرَّضتُ الواقف عليها للغِيبَة وسوء الظنّ، ومع هذا فإن المُصِيبَ في
القول والفِعْل قليل؛ بل عَدِيم، ومَن الذي يأمَن الغلط، والسهوَ، والّزلل؟! نسأل الله العصمةَ والتوفيق.
وأنا أسأل مَن وَقَف على كتابي هذا، وَرَأى فيه خطأ، أو خللاً؛ أن يُصْلِحِه، ويُنَّه عليه،
ويُوضّحَه، ويُشيرَ إليه؛ حائزًا بذلك مني شكراً جميلاً، ومن الله - تعالى- أجراً جزيلاً.
وجعلتُ على ما فيه من كتاب الهروى (هاء) بالحمرة، وعلى ما فيه من كتاب أبي موسى (سينًا)
وما أضفتُه من غيرهما مُهْمَلاً بغير علامة؛ ليتميز ما فيهما عما ليس فيهما.
وجميع ما في هذا الكتاب من غريب الحديث والآثار؛ ينقسم قسمين: أحدهما مُضاف إلى
مُسَمّىّ، والآخَر غير مُضاف، فما كان غيرَ مضاف فإنّ أكثره والغالبَ عليه أنه من أحاديث رسول الله
وَله؛ إلا الشيء القليل؛ الذي لا تُعرف حقيقتُهُ؛ هل هو من حديثه، أو حديث غيره؟ وقد نبَّهنا عليه في
مواضعه، وأما ما كان مضافاً إلى مسمى؛ فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو صاحبَ الحديث واللفظُ له،
وإما أن يكون راوياً للحديث عن رسول الله وَّله أو غيره، وإما أن يكون سَبَباً في ذكر ذلك الحديث
أضيف إليه، وإما أن يكون له فيه ذكرٌ عُرف الحديث به، واشتهر بالنسبة إليه.
وقد سمّيتُه:
((النهاية في غريب الحديث والأثر))
وأنا أرغب إلى كرم الله - تعالى- أن يجعل سعيي فيه خالصًا لوجه الكريم، وأن يتقبّلَهُ ويجعله
ذخيرةً لي عنده؛ يَجْزِيني بها في الدار الآخرة، فهو العالم بِمُودَعَاتِ السَّرَائر، وخَفيَّات الضَّمائر، وأن
يَتَغَمّدَني بفضله، ورحمته، ويَتَّجاوز عنّي بِسَعَة مغفرته، إنه سميع قريب. وعليه أتوكل، وإليه أنيبُ.
١٦

الفهرس العام
لكتاب
«النهاية في غريب الحديث والأثر»
- مقدمة الطبع.
...........
.........
٧
- ترجمة ابن الأثير.
............
....
- مقدمة المؤلف.
٩
- حرف الطاء ..
١٧
- حرف الظاء.
٥٧٧
- حرف العين
٥٨٥
- حرف العين
٦٥٧
- حرف الفاء ....
٦٨٧
- حرف القاف.
٧٢٥
- حرف الكاف
٧٨٥
- حرف اللام.
٨٢١
٨٥١
- حرف الميم.
٢٩٣
- حرف النون.
٨٩٣
- حرف الواو.
٩٥٣
- حرف الزاي.
٩٩٥
- حرف الهاء ......
- حرف الياء ......
١٠٢١
٥
......
- حرف الشين ..
٤٦١
- حرف الصاد ...
٥٠٣
- حرف الضاد ......
٥٣٥
.....
- الفهرس العام.
٥٥٥
١٩
- حرف الهمزة.
- حرف الباء ..
٥٧
- حرف التاء ....
١٠١
- حرف الثاء.
١١٧
- حرف الجيم ...
١٣٣
١٧٩
- حرف الحاء ...
- حرف الخاء ........
٢٤٩
- حرف الدال ..
- حرف الذال
٣٢١٠
- حرف الراء ..
٣٣٥
٣٩١
- حرف السين.
٤٠٩

حرف الهمزة