Indexed OCR Text

Pages 101-120

( شرح خطبة المصنف )
وإِرشادهم، إلى ما ينفعهم يوم المعاد ،
عند رب الأَرباب نصحاً وشفقةً ورحمةً
لهم، كما أمره ربُّه سبحانه وتعالی.
وفى الكلام اقتباسٌ أَو تلميح، وقد
أَخطأً فى تفسيره كثيرٌ من المحشِّين
والطلبة المدَّعِين ( وكيف لا) تكون هذه
اللغة الشريفة بهذه الأوصاف المذكورة
منسوبة إلى النبى صلى الله عليه وسلم
باقية ببقاء شريعته و كتابه وسنته (و )
الحال أنه صلى الله عليه وسلم هو
المتكلّم بها، بل أَفصح من تكلم بها ،
ولذلك قال (الفصاحةُ) وفى الأَصل :
كيف لا والنبوة ( أَرَجٌ ) محرّكَةً
الطيبُ ( بغير ثنائه) هكذا فى سائر
النسخ بالثاء والنون ، وفى الأَصل بغير
ثيابه ، جمع ثَوْب، وهو الصواب (١)
(لاَ يَعْبَقُ) أَى لا يَفُوحِ ولا ينتشِرِ،
وقد تقدم فى المقدمة بيان أَفصحيّته
صلى الله عليه وسلم وما وَرَدَ فيه
(والسَّعادة صَبُّ) أَى عاشق مُتَابِعِ
(سِوَى تُراب بابه لا يَعْشَق) ولا عنه
يحيد، فاللغة حازت الفصاحة والسعادة ،
(١) في القاموس ((ثيابه)»
واكتسبت ببركته صلى الله عليه وسلم ،
وفى الفقرتين أَنواعٌ من المجاز ،
وفى المزهر: أَخرج البيهقى فى شُعَب
الإِيمان ، من طريق يونس بن محمد بن
إِبراهيم بن الحارث التيمى عن أَبيه
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى يوم دَجْنٍ ((كَيْفَ تَروْنَ بَوَاسِقَهَا ؟))
قالوا : ما أَحسنَها وأَشدَّ تَراكُمها .
قال: ((كيف تَرَوْنَ قَوَاعِدَها؟)) قالوا :
ما أحسنها وأَشدّ تمگُّنَها، قال: (( کیف
ترون جَوْنَهَا؟)) قالوا (١): ما أَحسنه وأَشدّ
سوادَه: قال: ((كيف ترون رَحَاها
استدَارَتْ)) قالوا: ما أَحسنها وأَشدَّ
استدارتها. قال: ((كيف ترون بَرْقها
أَخفِيَّ أَم وَميضاً أَم يَشُقُ شَقًّا)) قالوا:
بل يشقُّ شقًّا، فقال (( الحياء . فقال
رجل : يا رسول الله، ما أَفصَحَك،
ما رأينا الذى هو أَعْرَبُ منك، قال :
((حقّ لى، فإنما أُنزِلِ القرآنُ عَلَىّ
بلسان عَرَبِىِّ مُبين)) . ثم إن المصنف
لما ذكر أوصافه الشريفة النبوية
اشتاق إلى رؤية الحضرة ، وتذكر تلك
(١) في المطبوع ((قال))
١٠١

( شرح خطبة المصنف )
النضرة ، فأُقبل بقلبه وقالَبه عليها ،
وجعلها كأنها حاضرة لديه، وكأنه
مخاطب له صلى الله عليه وسلم وهو بین
يديه ، فقال: وفى الأَصل قبل البيت
بعد قوله لا يعشق ما نصه : وبواسطة
من خُلِقِ أَجود من الريح المرسلةنَجِد
عَرْف الجِنان، وحُبًّا لمن أَلّف البوادى
نَستروِح تَسِيمِ الرَّنْدِ والبان، ثم أَنشد:
[إِذَا تَنَفَّسَ مِن وَادِكَ رَيْحَانُ
تَأَرَّجَتْ مِنْ قَمِصِ الصَّبْحِ أَرْدَانُ] (١)
(إذا تنفَّسَ مِنْ وَادِك) أَى مجلسك
(رَيحانُ) أى كل ذى رائحة طيبة
(تَأَرْجَتْ) أَى توهجَتِ (مِنْ قَمِيِص
(الصُّبْحِ) هو الفجر (أَرْدَان ) أَى
أكمام ، جعل الصبح كأنه شخص
وما ينتشر عنه من أُضوائه وأنواره عند
صدوع الفجر كأَّنه ثياب يُلبسها ،
وجعل الثياب قميصاً له أكمام متفرقة ،
وقيّد بالصبح لأَن روائح الأزهار
والرياض تفوح غالباً مع الصباح.
والبيت من البسيط ، وفيه الاستعارة
(١) وضعت بيت الشعر أولا ليظهر بتمامه فقد فرقه الشارح
بشرحه كما ترى
المكنية والتخييلية والترشيح وقوة
الانسجام ( وما أُجدّر) أَى أَحق (هذا
اللسانَ) أَى اللغة ، وفى الأصل ذلك
اللسان (وهو) أى اللسان ( حَبيبُ
النفس) أَى محبوبها (وعَشِيق الطبْع )
أى معشوقه أَى حُبُّه طبيعةً للأذواق
السليمة (وسَمِيرُ) أَى مسامِر ومحادِث
(ضميرٍ) أَى خاطر وقلب (الجَمْع)
هم الجماعات المجتمعة للمنادَمَة
والمسامَرة والملاطفة بأنواع الأدب والمُلَح
وذلك لما فيه من الغرائب والنوادر(وقد
وَقَفَ) أَى اللسانِ (على ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ)
أشار بهذا إلى أنها قد أزمعت الترحال ،
ولم يبق منها إلا مقدار مایعدّ تودیعاً بین
الرِّجال، وفى الفقرة الاستعارة المكنية
والتخييلية والترشيح (وهَمّ) أى اعتنى
واهتم وقصد (قِبْلِىّ) بالكسر منسوب
إلى القبلة ، وهى جهة الصلاة وناحية
الكعبة المشرّفة (مُزْنِهِ) أَى غَيْئه ( بالإِقلاع)
أَى بالكفِّ والارتفاع، وخص القبلىّ
كلما من شأنه الانصباب (بأَنْ يُعْتَنَقّ)
الظرف متعلق بأجدر، أى ما أَحق هذا
اللسان لشرفه وتوقف الأمر عليه وعزمه
١٠٢

٠۶
( شرح خطبة المصنف )
على الرحيل أَن يعامَل مُعاملة المفارِقِ
فيُعْتَنق (ضمَّا والتزاماً كالأَحبّة) أَى كما
يَضمُّون الصدور على الصدور ، ويلتزمون
بالنحور (لدَى التوديع) أَى مُوَادعة
بعضهم بعضاً (ويُكْرَم بنقل الخطوات)
أَى بالمشى مُتبعاً (على آثاره) أَى بقيته
كالأَعِزَّة، كما فى نسخة الأصل (حالةً
التشييع) قال شيخنا : وقد أَورد هذا
الكلام على جهة التمثيل حضًّا وحثًّا على
تعلُّم اللغة والاعتناء بشأنها وتحصيلها
بالوجه الممكن، وإِن لم يمكن الكل فلا
بد من البعض فجعلها كشخص تهيأ
للسفر، ووقف على ثَنِيَّة الوَداع ،
وأَوجب تشييعه وتَوْدِيعه بالاعتناق
المشتمل على الضمّ والالتزام الذى
لا يكون إِلاَّ للخاصة من الأحبّة فى وقت
التوديع، وحث على نقل الخُطا فى
آثاره حالة التشييع ، كما يفعل
بالصديق المضنون بمفارقته، ثم أشار
إلى ما كان عليه فى الزمن السابق ، من
تعظيم أهل اللغة ، وإِنالتهم جلائل
المكاسب فقال (وإلى اليوم ) أَى إِلى هذا
الزمان الذى كان فيه (نال القومُ) أَى
أَخذوا وأَدركوا ( به)(١) أَى بسبب
هذا اللسان (المراتب) الجليلة (والخُظوظ )
الجسيمة ( وجعلوا) أَى صيروا (حَمَاطَة)
بالفتح والمهملتين صَميم ( جُلْجُلاَنِهِم)
بالضم أَى حَبَّة قلبهم ، قال شيخنا : وهو
مأخوذ من كَلام سيدنا علىّ رضى الله
عنه، كما مرَّ، وفى الأَصل: جعلوا
حَمَاطة قلوبهم (لَوْحَه) أَى صحيفته
(المحفوظ) المحروس . أَى جعل قلبه
لَوْحَ ذلك الشىء، فإِن الإِنسان إِذا
أَكثر من ذكر شىء لازمه وسلَّط قلبه
على حفظه ورعايته. وفى الفقرة تضمين
(وفاح) أَى انتشر (مِن زهر) أَى نَوْر
(تلك الخمائِل) جمع حَمِيلة (وإِن
أَخطأَه) أَى تجاوزه فلم يُصِبْه (صوْبُ)
أَى قصد أَو نزول (الغُيُوث) الأمطار
(الهَواطل) الغزيرة المتتابعة العظيمة القطر
(ما تتولّعُ به) أَى تستنشقه (الأرواح)
وتحِنُّ له النفوس ( لا) من الأُمور
العارضة التى تأُخذه (الرِّياح) والأَّهْوِية
فتفرِّقه ، ففيه المبالغة وجناس الاشتقاق
(وتُزْهَى) مبنيا للمجهول على الفصيح
(١) في القاموس ((قال به القوم))
١٠٣

( شرح خطبة المصنف )
أَى تتبختر وتتكَبَّر ( به الأَلسنُ لا
الأَغصن )جمع غُصن ، على المشاكلة ، فإِن
القياس على ماسيأتى فى جمع غصن غصون
وغِصِنَة كقرِطَة وأغصان (ويُطِلِع )
بضم حرف المضارعة أَى يُظهِرِ (طَلْعَهُ)
أَى ثمره السادات والعلماء من (البَشَر
لا الشجر) فإِنه جامد، والطَّلع بالفتح
شىء يخرج كأَنه نعلان مُطبقان ،
والحمل بينهما منضود الطَّرَف ،
محدود ، وأُريد بالشجر النخل ،
وقد ثبت عن العرب تسمية النخل
شجرًا، قاله الزجاج وغيره، ومنه
الحديث المروىّ فى الصحيحين ((إِن من
الشجر شجرةً لا يَسقط وَرَقِها، وإِنها
لمثلُ المؤمن، أخبرونى ما هى )) فوقع
الناس فى أشجار البوادى ، فقال: ((أَلا
وهى النخلة )) وقال شيخنا: وفيه إشارة
إلى أن المعتبر فى العلوم هو حملها عن
الرجال ومشافهتهم بضبطها وإتقانها ،
لا الأخذ من الأوراق والصحف، فإِنه
ضلال مَحْضٌ ، ولا سيما المنقولات التى
لا مَجال للعقل فيها، كرواية اللغة
والحديث الشريف، فإنهما يتسلط
عليهما التصحيف والتحريف ،
وخصوصاً فىهذا الزمان ، فالحذر الحذر.
قلت : وقد عقد السيوطى لهذا بابا
مستقلاً فى المزهر فى بيان أنواع الأخذ
والتحمُّل فراجعْه. وفى الفقرة جناس
الاشتقاق والتلميح لحديث ابن عمر
المتقدم ذكره، وزاد فى الأصل بعد قوله
الشجر: ويسمح بجَناه الجنَان لا الجِنَّان
( ويجلوه ) أى يظهره ويكشف عن
حقيقته (المنطق السَّحَّار) أَى الكلام
الذى يسحر السامعين لأَنه بمنزلة السحر
الحلال (لا الأسحار) جمع سحر ، وهو
الوقت الذى يكون قبل طلوع الفجر ،
وخص لتوجه القرائح السيالة فيطلمنثور
من غرائب العلوم والمنظوم ، وفى الفقرة
جناس الاشتقاق، وزاد فى الأصل بعد
هذا وتحلّ عقدته يدُ الإِفصاح، لاناسم
الإصياح ، ويكسوه شعاعه الذّكاء
لا ذُكَاء ، ويهيج الطبع ولا يكاد
يهيج، ويرف نَضارَةٍ إِن ذَوَى الزهرُ
البهيج (تُصان) وفى الأَصل يُصان
(عن الخَبْطِ) أَى تحفظ عن السقوط
( أوراقُ عليها اشتملَتْ) أَى التَفَّت
١٠٤

( شرح خطبة المصنف )
تلك الخمائل فإنها أَزهار وأَنوار ،
فيناسبها القطف والجَنْى ، لا الخبط ،
لأَنه يفسدها، وفيه إشارة إلى حسن
إجتناء العلم وكمال الأدب عند أخذه
وتلقّيه، وفيه تلميح للأوراق المعدَّة
للكتابة وصيانتها عن الخبط فيها.
خيط عَشْواء، والخوض فيها بغير نظرٍ
تامّ ، والأُستاذ إِمام (ويتَرفَّعُ) أَى
يتعلّى (عن السُّقوط ) والخبط ( نَضِيجُ
ذَمْرٍ) وهو محرّكة حَمْل الشجر مطلقاً
( أَشجارُه) أَى النضيج ( احتملتْ) مِنِ
حَمَلَه واحتمله إِذا رفعه ، أَى يحافظ على
تلك الثمار بحيث لا تجف ولا تذبُل
حتى يحصل له سقوط ، بل يجب
الاعتناءُ بها والمحافظة لها ، بحيث
يتبادر إلى قطفها وتناولها قبل السقوط
والوقوع، وفيه الالتزام والمقابلة ( مِنٍ
لُطف بلاغتهم) (١) وفى الأَصل من لطف
تفريعاتهم ( ما يَفضح فُروع الآس)
أَى أَغصانه (رَجَّلَ جَعْدها) ترجيلاً إِذا
سرَّحه وأَصلحه ، والجَعِد الشعر (ماشِطَةُ )
:
(١) في القاموس من لطف بلاغة لسانهم
ريح (الصَّبَا) والإِضافة كلُجَيْن الماء،
أَى ريح الصَّبا التى هى لفروع شجرة
الآس عند هبوبها عليها وتسريحها
إياها بمنزلة الماشطة التى تُرَجّل شعر
النساء وتُصلِح من حالهن . وفى الجملة
مبالغة فى مدحهم (ومن حُسْن ◌َبَيانهم)
هو المنطق الفصيح المعرب عما فى
الضمير . نقله شيخنا عن السعد ، وفى
نسخة الأَصل : ومن شعب بيانهم
(ما استلَبَ) أَى اختلس (الغُصْنَ)
المفعول الأَوّل (رَشاقَتَه) مفعول ثان
(فَقلِقَ) أَى الغصن لما حصل له من
السلب (اضطراباً) مفعول مطلق (شاء)
أَى أراد ذلك الاضطراب والقلق ( أَو
أَبَى ) وفى نسخة الأَصل : أَمْ أَبى، أى
امتنع، فلا بد من وقوعه ، كما هوشأن
الأَغصان إِذا هبَّ عليها النسيم فإِنه
يُميلها ويُقْلِقِها . وفى الفقرتين مبالغة
والتزام وترصيع ومقابلة ، والاستعارة
المكنية والتخييلية فى الترجيل والجعد ،
والتعبير بالفروع فيه لطف بديع ،
لأَنّ من إِطلاقاتها عقائص الشعر، كما
١٠٠٥

( شرح خطبة المصنف )
فى شعر امرئ القيس (١) وغيره ، قاله
شيخنا، وزاد فى الأصل بعد هذا : لَم
تَزْهُ أَيدى الأَغصانِ فِى أَكمامِ الزَّهر
بالامتداد دونها ، إلا ضَرَبَتْ عليها
الرياحُ فكادَت تَقصِفُ مُتُونَها،
ولم يَدَعْ مِسْكِيَّ نَوْرِ الخِلاَفِ يَجْنُبُها
طِيِبُ الشمائل، إلا ومَزَّقَتِ فَرْوَتَه على
ذُرَى الأَعواد تَرمِيه باصفرار الأنامل ،
إلى آخر ما قال (ولله) يؤتى بها عند
إرادة التفخيم والتهويل ، وإظهار العجز
عن القيام بواجب من يذكر فيضيفه
المتكلم إلى الله تعالى، ومن ثَمَّ قالوا
لمن يَستغربون منه نَادِرَة: لله درّه، ولله
فلانٌ، ومن ذلك أنشدنا الأديب الماهر
المحقق حسين بن عبد الشكور الطائفى
بها :
لله قومٌ كـ
مَا فِيهِمُ مَنْ جَفَانِى
عادوا وعَادُوا وَعَادُوا
عَلى اخْتِلاف المعانى
(صُبَابٌ ) بالضم البقية من كل شىء،
(١) قال امرؤ القيس:
وفَرع يُغَشَّى المتْنَ أُسوَدّ فاحم
أثيثٍ كقنْوِ النخلة المُتَعفكِلِ
كما يأتى فى مادّته ،وفى نسخة الأصل
والله صُيَّابة ، بضم وتشديد مثناة تحتية
وبعد الأَّلف موحدة (من الخُلفاء) جمع
خليفة وهو السلطان الأعظم (الحُنَفَاء)
جمع حنيف والمراد به الكامل الإِسلام ،
الناسك المائل إلى الدين ( و) عصابة
من (الملوك العُظماء) أَى ذَوِى العظمة
والفخامة اللائقة بهم، وفيه الالتزام
(الذين تَقِلَّبوا فى أَعطافِ الفَضْل)
والكمال وتخوّلوا فيها ( وأَعْجَبوا
بالمنطقِ الفَصْلِ) الفصيح الذى
يَفْصل المعانى بعضهامن بعض ، أو الفصل
بمعنى الحق، أو هو مصدر بمعنى الفاعل
أو المفعول ، وفيه جناس تصحيفى
(وتَفكَّهوا) أَى تنعَّموا (بثمار الأدب
الغضّ) أَى الناعم الطرى (وأُولِعوا)
أَى أغروا (بأَبكار المعانى) أَى المعانى
المبتكرة (وَلَع) أَى إِغِراءَ (المُفتَرع
المفتَضّ) وكلاهما من افترع البكر
وافتضَّها أَى أَزال بكارتها بالجماع ،
وبين تفكّهوا وتقلّبوا ، وأعجبوا
وأولعوا مقابلة ، وفى التقلب والتفكه
والثمار والأبكار مجازات (شَمِلِ القومَ)
١٠٦

( شرح خطبة المصنف )
أى أهل اللغة، وشملهم: عمّهم
(اصطناعُهُم) أَى معروفهم وإحسانهم
وصنيعهم ( وطَرِبت ) أَى فرحت
ونشطت وارتاحت (لِكَلِمِهم) أَى القوم
جمع. كلام (الغُرِّ) بالضم جمع غُرّةٍ ،
أى الواضحة البيّنة ، وفى نسخة الأصل
وطربت للأناشيد (أسماءُهُم) أَى آذان
الخلفاء (بل أَنْعشَ) أى رفع وأَقال
(الجُدودَ) جمع جَدّ هو الحظ والبخت
(العَوائِرَ) جمع عاثر وعثر كضرب
ونصر وعلم وكرم إذا كبا وسَقط
وعثر جَدَّه : تعس، كما سيأتى
( إلطافهم ) (١) بالكسر أَى ملاطفتهم
ورفقهم ، وقرأت فى مُعجم ياقوت لعمرو
ابن الحارث بنِ مُضاض الجرهمی قوله
من قصيدة طويلة :
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا
صُرُوفُ اللَّيَالِ وَالجُدُودُ العَوَائِرُ (٢)
(واهتزَّت) أَى فرحت وسُرَّت
(لا کتساء حُلَل) جمع حُلّة ، ثَوبانِ
(١) ضبطت في القاموس ((ألطافهم)) فكأنها جمع لطف
مصدر
(٢) انظر معجم البلدان ( الحجون (وكتاب الأغانى
٢٢/٢٠/١٨/١٧/١١/١٥ ونسب لمضاض بن عمرو
والحارث بن عمرو ولعمرو بن الحارث بن مضاض
وانظر معجم البلدان ( مأرب ) و (مكة)
يَحُلُّ أَحدُهما فوق الآخر (الحَمْدِ) أى
الثناء الجميل (أَعطافُهم) جمع عِطْف
بالكسر ، هو الجانب ، والمراد بها
ذاتهم ، وفى الفقرة الالتزام والاستعارة
المكنية (رَاموا تخليدَ الذِّكر) أَى إِبقاءه
على وجْه الدَّوَام (بالإِنعام) أَى الإِحسان
(على الأعلام) أى علماء الأدب واللغة
المشار إليهم ، وفى نسخة الأصل: راموا
تخليد الذكر بواسطة الكلام ( وأرادوا
أن يعيشوا بعُمُرٍ ثانٍ ) والعمر مُدة بقاء
الإنسان وغيره من الحيوانات ( بعد
مُشَارَفة) أَى مقارَبة (الحِمَام) بالكسر
الموت، إشارة إلى أَن من دام ذِكْرُه لم
ينتقص عمرُه ، أَنشد أبو الحجاج
القضاعى لابن السيد :
أَخُو العِلْمِ حَىَّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْنِهِ
وأَوصالهُ تَحْتَ التَّرابِ رَمِيمُ
وَذُو الجَهْلِ مَيْتُ وهْوَيَمْشِى عَلَى النَّرَى
يُعدُّ مِنَ الأَحْياءِ وَهْوَ عَدِمُ
وأنشد شيخنا لأَبى نَصرِ الميكالىّ،
وهو فى اليتيمة :
وَإِذَا الكَرِيمُ مَضَى وَوَلَّى عُمْرُهُ
كَفَلَ الثَّنَاءُ له بِعُمْرٍ ثَانِ
١٠٧

( شرح خطبة المصنف )
(طواهم الدهرُ) أَى أَفناهم وصيّرهم
كالثَّوْب الذى يُطوَى بعد نَشْرِه (فلم
يَبْقَ لِأَعلامِ العلومِ)، الأُوَّل جمع عَلَم
بالفتح، والثانى جمع عِلْم بالكسر
(رافِع) أَى مُعْلِى (ولا عن حرِيمها) أَى
أعلام العلوم ، والحريم فى الأصل :
ما حَوْل الشىء من الحقوق والمنافع،
ومنه حَرِیمُ الدّارِ، وبه سُمِّیَ حَریم دارٍ
الخلافة ، كما سيأتى ( الذى هَتَكَتْه)
أَى شَقَّتِ سِتْرَه، وفى نسخة الأصل:
انتهکته ( اللیالی) أی دواثرها ونوائبھا
(مُدافِع) أَى محامٍ ونَاصِرٌ ، وفى
الفقرة الالتزام والمجاز العقلى ، أو
الاستعارة المكنية وجناس الاشتقاق ،
والمكنية فى تشبيه الحريم بشى ءله ستارة،
والترشيح فى إثبات الهتك له (بل)
وفى نسخة الأصل: بلى (زَعَمُ الشامِتِون
بالعلم ◌ِ) جمع شامت من شَمِت به
إذا فرح بمصيبة نزلَتْ به ، والمراد
بالزعْمِ القولُ المظنون أو الكذب،
وتأُنى مباحثه ( و) الشامتون بـ (طُلاَّبِهِ)
أى العلم، جمع طالب (والقائلون) أى
الزاعمون (بِدَوْلَة الجهلِو) كذا (أحزابِهِ)
أَی أنصاره ومعاونیه أو جماعته ( أُن
الزمان بمثلهم) أى أعلام العلوم الماضى
ذِكْرُهم أى الخلفاء، ولفظة المثلزائدة ،
أَى بهم (لايَجُود) أَى لا يُعْطِى ( وأَنّ
وقْتاً قد مضى [بهم](١)) وفى نسخة
الأصل وأن زمناً مضی أی ذهبوانقضى
(لایعود) أیلا یرجع ،لأنه محال عقلىّ ،
وقيل : عادىّ، کرجوع الشباب عند
السُّبكي . وفى عكس هذا قال الشاعر :
حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِثْلِهِ
إِنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَعَقِيمُ (٢)
وفى الكلام استعارة ومجاز عقلى
والتزام بالنسبة إلى واو الرُّوِىّ فإِنها
غير واجبة كما قرّرفى مجله (فَرَدَّ عليهم)
أى على الشامتين والقائلين أى رجع
(الدهْر مُراغِماً) أَى ملاصقاً بالرُّغام
أَى التراب، وفى نسخة الأصل مُرْغِماً
(أُنوفَهم) وهو كناية عن كمال الإهانة
(وتبيَّن) أَى ظهر (الأمر) أَى الشان
(بالضّدّ) أَى بخلاف ما زعموه ، أَو
(١) زيادة من القاموس
(٢) في كتاب الفاضل للمبرد ٦:١
إن الزمان بمثله البخيل
هیهات لا یأتی الزمان بمثله
وفي شرح المضنون ص ١٥٨ جاء العجز
« حثت يمينك يا زمان فكفر»
١٠٨

:
( شرح خطبة المصنف )
أن تبين متعدّ ، والأمر منصوب على
المفعولية ، وفاعله ضمير الدهر ، بدليل
قوله (جالباً حُتوفهم) جمع حَتْف، هو
الهلاك، وفى الفقرة المجاز والترصيع
والالتزام (فطلَعِ) وفى نسخة الأَّصل
وطلع (صُبْحِ النَّجْح) بالضم أَى الظَّفَر
والفَوْز (مِنِ آفاق) أَى جهات (حُسْنٍ
الاتفاق) وبديعه (وتباشرَت) أَى سُرَّت
( أَرباب ) أَصحاب ( تلك السُّلَع )
بالكسر جمع سِلْعة وهى البضاعة (بِنَفَاق)
بالفَتح رَوَجَان البيوع (الأَسواق) أَى
قيامها وعمارتها ، وفيه نوع من صناعة
الترصيع وغيره من مجازات واستعارات
(وناهَضَ) أَى قاوم (مُلوكَ العدل) وفى
نسخة الأصل العهد (١) (لتنفيذ) أَى
إمضاء وإجراء ( الأحكام ، مالكُ) بالرفع
فاعل ناهض (رِقّ العلوم) أَى المستولى
عليها كاستيلاء المالك على الرقّ (ورِبْقَة
الكلام)، وفى نسخة الأصل ((وربقة
الأَّنام )) وهى حَبْل فيه عِدَّة عُرِّى
تُتَّخذ لضبط البَهْمِ ، وهى صغار
الغَنَمِ، وفيه استعارة وجناس اشتقاق
(١) جاء في القاموس ((العهد))
وحسن التخلص لذكر الممدوح ،
وهذه الفقر من قوله ((لم تَزل ترفع
غِرِّيدة بانها )) إلى هنا، كلها عبَارَة
شرف إِيوان البيان المسلُوف ذِكْرُها ،
وإياها أَعنى بنسخة الأَصل فاعلم
ذلك (بُرْهان ) أَى حجة (الأساطينِ
الأَعْلامِ ) جمع علم ( سُلطان سلاطين
الإِسلام) ويجوز أن يراد بالأعلام
السادات فإنهم أساطين الدين المتين،
وفيهما ترصيع بديع وجناس حسن
والتزام (غُرَّة وجْهِ الليالى، قمرُ بَراقع)
جمع برقع تقدّم ذكره ( الترافُع
والتعالى) تفاعل من الرِّفعة ومن العُلُوّ،
وفیه جناس التصحيفوالتحريف، وفى
نسخة الأصل: فى مدح ولدَىْ صاحب
الديوان غُرَّتَى وجْهِ الليالى، وقَمَرَىْ
سماء المعالى ( عاقِد أَلْوِية ) جمع لِوَاء
(قُنون العلم كُلُّها) توكيد للفنون،
وفيه مبالغة واستعارة مكنيّة وتصريحية
(شاهِرِ سُيوف العدْلِ ردَّ الغِرارَ) بالكسر
النوم (إلى الأجفان) جمع جَفْن العين،
ويطلق على غِمد السيف ( بِسَلِّها) أَى
تلك السيوف، وفيه إشارة إلى الأمان
۔
١٠٩

. ( شرح خطبة المصنف )
والدَّعة والراحة التى ينشأ عنها النوم ،
يعنى إِشهار سيوف العدل كان سبباً.
فى ذلك، وفيه التأكيد والإيهام والمقابلة
والاستعارة (مُقَلِّد أَعناقِ البرايا) أَى
الخلق (بالتحقيق) أَى التثبيت (طَوْقَ
امتنانِه) أَى إِحسانه وإِفضاله، وفيه
المبالغة والاستعارة (مُقَرِّط) أَى محلِّى
(آذان الليالى) أَسماعها أی جاعل آذان
الليالى مُقَرَّطَةً مُثَنَّفَةً مُحلَّةً (على مابَلَغَ)
أَى وصل إلى جميع ( المَسامِع) جمع
مِسْمع كمنبر : الأُذن، أى شاع وذاع
حتى وصل إلى جميع الأسماع (شُنُوفَ)
أَى حُلَى (بَيَانِهِ) وفيه الاستعارة ومراعاة
النظير ( مُمهِّد الدين ) أَى مُسهِّله
ومُوطِّته ( ومُؤَيِّده) ومُقوِّيه فى قيامه
بأُموره وما يصلحه ، وفيهما تلميح
إلى ألقاب جَدّ الممدوح الملك المُؤَيَّد
ممهِّد الدين داود بن علىّ، كما سيأتى
( مُسَدِّد المُلْكِ) من السَّداد، بالفتح،
هو الصواب فى القَوْلِ والفِعِل، أَى
مقوّمه ومُنَظُّم ما اختلَّ مِنه (ومُشَيِّده)
أَى رافعه، وسيأتى فى مَادَّته مايتعلّق
به ، وفى الفقرتين الترصيع والالتزام
والمبالغة .
(١) مولى مُلوك الأرض من فى وَجْهه
مِقْبَاسُ نُورٍ أَيُّما مِقْبَاسٍ
(٢) بَدْرٌ مُحَيًّا وَجْهِهِ الأَسَنَى لنَا
مُغْنٍ عَنِ القمَرَيْنِ والنِّبراسِ
(٣) مِنِ أُسْرَة شَرُفَتْ وَجَلَّتْ فَاعْتَلَتْ
عَنْ أَنْ يُقَاسَ عَلَاَوُها بِقِياسٍ
(٤) رَوَوُا الخلافةَ كَابِرًا عَنْ كابِرٍ
بِصَحِيحِ إِسْنَادٍ بِلا إِلْيَاسِ
(٥) فَرَوَى عَلِىَّ عَنْ رَسُولٍ مِثِلَ مَا
يَرْوِه يوسفُ عَنْ عُمَرْذِى الْبَاسِ
(٦) وَرَوَاهِ دَاوُودٌ صَحِيحَاً عَنْ عُمَرْ
وروى عَلىَّ عَنْهُ للجُلَّسِ
(٧) ورَوَاه عَبَّاسُ كذلك عَنْ عَلِ
ورَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبَّاسِ (١)
(مولَى) أَى سيّد ( مُلوكِ الأَرض )
ومالكهم بسطوته ومآثره (مَنْ فى
وَجْهِهِ ، مِقِبَاسُ نورٍ) أَی شُعْلَة من نور
تلمع فى وجه الممدوح (أَيُّما مِقِباسٍ)
أَىْ مِقْباس وأَىُّ مقباس، أَئ مقباس
(١) أثبت الشعر منفصلا أولاً. ليظهر بنظامه، فقد فرّق
بينه الشارح بشريه
١١٠

1
شرح خطبة المصنف )
عظيم ، وفى ذكره النور الاحتراس ودفع
الإِيهام، لأَن المقباس هو شعلة نار
(بَدْرٌ مُحيّا) كثُرَيًّا أَى حُرّ ( وَجْهه
الأَسنى ) أَى الأَضْوأ أَو الأَرفع
(لنا « مُغْنٍ) أَى كافٍ (عن القمرَيْنِ) أَى
الشمس والقمر تغليباً كالنَّيِّرَيْنِ (و)
عن ( النِّبْراسِ) بالكسر المصباح، وفيه
المبالغة ( مِنِ أُسْرَةٍ ) بالضم أَى رَهْطِ
( شَرُفَت) أَى علا مجدهم ( وجَلَّتْ
فاعْتَلَت) أَى ارتفعت (عَنْ أَنْيُقَاس)
مبنى للمجهول ( عَلَاؤُها ) بالفتح
ممدود (بِقِياس) وفيه جناس الاشتقاق
ومراعاة النظير (رَوَوُا الخِلافَةَ) أَى
أُسندوها مُعَنْعَنةً من غير انقطاع، كما
يُنْقَلُ الحديث ويُحْمَل عن أصحابه
(كابِرًا) حال من فاعل رووا أَى عظيماً
(عن كابرٍ) أى عن عظيمٍ ( بصحيح
إسنادٍ) غير مُعَلّلٍ ولا شَاذٌ (بلا إِلْباسٍ)
أی بلا إِشکال وتدلیس، وفيه التورية
بالإشارة إلى اصطلاح المحدِّثين بذكر
الرِّوَاية والإِسناد والصحيح والإلباس
والإِتيان بِعَنْ، والأصل فى ذلك قول
أبى سعيدِ الرُّسْتمِىّ فى الصاحِب بن
عَبَّاد، كما أَنشدنيه غيرُ واحد :
وَرِثَ الوِزَارةَ كَابِرًا عن كَابٍ
مَوْصُولَةَ الإِسنادِ بالإِسنادِ
فروى عَن العبّاس عَبَّادٌ وِزَا
رَتَه وإسماعيلُ عن عَبَّاد (١)
ومن هنا أَخذ المصنف فقال ( فَرَوی
عَلِيٌّ) شرع فى بيان رجال السند ، وأُراد
به الأمير شمس الدين عليًّا أَوّل من ملك
من هذا البيت وهو قد أَخذ الخلافة
(عَن) والده (رَسُولٍ) ويقال إِن اسمه
محمد بن هارون بن أبى الفتح بن
يوحى بن أبى الفتح الجفنىّ الغَسَّانىّ، من
نَسْلٍ جَبلةَ بن الأَيْهم بن جبلة بن
الحارث بن أبى جَبَلة الغسَّانىّ، وهو أَوّل
من عَهِدِ إِليه بالنيابة الخليفةُ المستعصم
بالله العباسىّ أبو محمد عبد الله، كما
قاله الملك الأشرف النسابة عُمربن يوسف
ابن عمر بن على بن رسول عمّ والد
الممدوح ، فى رسالة له سَمَّاها تُحفة
الأحباب فى علم الأنساب (٢) . قال
وأعقب الأمير شمس الدين علىّ أربعة :
بدر الدين الحسن، والملك المنصور
(١) يتيمة الدهر ٣: ٢٧٩ مطبعة الصاوى
(٢) طبعت باسم طرفة الأصحاب
١١
--

( شرح خطبة المصنف )
أبا بكر، والملك المنصور عُمر، والأَمير
شرف الدين محمدًا. وأَولد الأمير بدر
الدين الحسن من الرجال اثنينٍ: أَسد
الدين محمدًا وفخر الدين أبا بكر ،
وأولاد أسد الدین الذُّكْرَانُ ؛ جلال الدین
علىّ ، وشمس الدین أحمد، وفخر الدين
أبوبكر ،وشرفالدینموسى ، وبدرالدين
حسن، وجلال الدين حسين، وصلاح
ء
الدين عبد الرحمن ، ولفخر الدين ولد
واحدٌ، وهو غياث الدين محمد (مثلَ
ماء يرويه) الملك المظفر (يُوسفُ عن)
والده الملك المنصور (عُمَرْ) بن علىّ بن
رَسول، وسكَّنَ راءَه ضرورةٌ ( ذِی الباسِ)
أى الهيبة والسطوة، وفيه مع الإِلباس
فى البيت الذى قبله نوع من الجناس.
وأعقب الملك المظفر ثلاثة عشر: الأمير
مُغيث الدين أحمد، والملك الأشرف
عمر مؤلف الكتاب الذى نقلنا هذا
النسب منه، وعمر الكامل، ومحمد
وأبو بكر، درجا، والظافر ليث الإِسلام
علىّ، وأساس الدين عيسى هو الملك،
والواثق إبراهيم ، والمسعود حسن ،
ویونس ، والحسین ، والملك المؤید داود ،
والملك المنصور أيوب، وأَما إِخوة الملك
المظفر فاثنان: الملك المفضَّل أبو بكر ،
والملك الفائز أحمد، وأَما أولاد الملك
الأشرف عمر فستة : محمد، وحسن،
وعیسی ، وأبو بكر، وأحمد، وداود.
ولمحمد: حَسن وأيوب ، وإسماعيل.
ولأبى بكر: محمد وهارون (وَرَواه) الملك
المؤيد ممهد الدين (دَاوُودٌ ) بن يوسف
كذا رأيته فى تُحفة الأنساب، ونقل
شيخنا عن الدرر الكامنة أن لقبه هزبر
الدين ، قال الحافظ ابن حجر : كان
محبًّا للعلوم متفقّهاً فيها، بحث فى
التنبيه ، وحفظ مقدمة ابن بابشاذ فى
النحو ، وكفاية المتحفّظ فى اللغة ،
وسمع الطبریّ وغيره، واشتملت خزانة
کتبه على مائة ألفمجلّد، و كان من
جملة اعتنائه أنه أُهدى إليه كتاب
الأغانى بخطّ ياقوت، فأَعطى فيها
مائتى دينار مصريّة ، وأنشأَ بتَعزّ القصورَ
العظيمة ، وكان استقرارُه فى الملك بعد
مُعَارَضات من أخيه الملك الأشرف
وغيره ، أقام فى المملكة خمساً وعشرين
سنة ، وتوفى سنة ٧٢١ قاله اليافعى
١١٢
:

( شرح خطبة المصنف )
( صَحيحاً عن ) جده الملك المنصور
(عُمَرْ) وذلك لأَنه لم يلِ الخلافة بعد
والده، وإنما وليها بعد أَخيه الملك
الأَشرف وغيره، وقوله صحيحاً يشير
إلى ذلك، وفيه تَلميحٌ لطيفٌ. وأَعقب
الملك المؤيدُ داوُد، علَى ما قاله الملك
الأَشرف خمسةً : عُمَر ، وضرغام الدين
حسن، وقطب الدين عيسى ، وأَحمد ،
ويونس . قلت: ولم يذكر المجاهد
عليًّا، لتأَخِّر ولادته عن التأليف،
وفيه البيت والعَدَد والخلافة ، وقد
تقدّم ذِكْرُ المسعود ، وله ولد اسمه أَسد
الإِسلام محمد ، وكذلك المنصور أَيوب
له أحمد وإدريس، وكذلك المفضّل،
وله عمر ، وكذلك الفائز وله يوسف
وعلى وإسماعيل ورسول (وَرَوَى) الملك
المجاهد (عَلىَّ عنه) أَى عن والده داود
(للجُلَّس) ولى السلطنة بعد أبيه فى
ذى الحجة سنة ٧٣١ وثار عليه ابنُ عمه
الظاهر بن منصور ، فغلبه ، واستولى
أبوه المنصور وقبض على المجاهد ، ثم
مات فقام الظاهر ، وجرت بينه وبين
المجاهد حُروبٌ ، واستقر . الظاهر
بالبلاد. واستقرت تعزّ بيد المجاهد،
فخرج من الحصار، ثم كاتب المجاهد
الناصرَ صاحبَ مصر. فأرسل له عسكراً،
وجرت لهم قصصٌ طويلة . إِلى أَن آل
الأمر للمجاهد . واستولى على البلاد
كلها ، وحج سنة ٧٤٣ ولما رجع وجد
ولَدَه قد غلب على المملكة ولُقِّب
بالمؤيد ، فحاربه إلى أَن قبض عليه
وقتله ، ثم حجّ سنة ٧٥١ وقدّم محمله
على محمل المصريّين. ووقع بينهم
الحروب ، وأُسِر المجاهدُ وحُمل إِلى
القاهرة ، وأكرمه السلطان الناصر
وحلّ قيده، وخلع عليه ، وجهزه إِلى
بلاده، ثم أُعيد إِلى مصر أسيرًا وحُبس
فى الكَرك، ثم أُطلِق وأُعيد إلى بلاده
على طريق عَيْذَاب ، واستقر فى مملكته إلى
أَن مات فى جُمادى الأولى سنة ٧٦٧
وذكر اليافعى فى تاريخه أن للمجاهد
نظماً ونثرًا وديوانَ شعرٍ ومعرفةً بعلم
الفلك والنجوم والرّمْل وبعض العلوم
الشرعية من فقه وغيره (وَرَوَاه) الملك
الأفضل ( عَبَّاسُ ) صاحب زبيد وتعزّ ،
ولى سنة ٧٦٤ وأقام فى إزالة المتغلِّبين
١١٢

( شرح خطبة المصنف )
من بنى ميكال ، إِلى أَن استبدّ بالمملكة،
وكان يحب الفضل والفُضلاء، وأَّف
كتاباً وسماهُ نزهة العيون ، وله مدرسة
بتعزّ، وأُخرى بمكة ، توفى فى شعبان
سنة ٧٧٨ (كَذلك عن ) والده (عَلى)
السابق ذِكرُهُ (ورَوَاه) الممدوح الملك
الأَشرف ممهد الدين (إِسماعيلُ عن)
والده (عَّاس) ولى السلطنةِ بعد أَبيه
فأَقام فيها خمساً وعشرين سنة ، وكان
فى ابتداء أَمره طائشاً، ثم توقَّر وأقبل
على العلم والعلماء وأحبّ جمعَالكُتب ،
وكان يُكْرِمِ الغُرباء ، ويبالغ فى الإِحسان
إليهم ، امتدحتُه لما قدِمْت بلده ، فأَثابنى ،
أَحسنَ الله جزاءه. مات فى ربيع الأوّل
سنة ٨٠٣ بمدينة تعز، ودفن بمدرسته
التى أنشأها بها ولم يكمل الخمسين.
هذا كلام الحافظ ابن حجر ، نقله عنه
شيخنا . قلت : وكانت رحلة الحافظ
إلى زبيد سنة ثمانمائة. وألّف له المؤلّف
عدة بُتآليف باسمه وكان قد تزوّج
بابنته ، وهو الذى ولّه قضاء الأقضية
باليمن ، وقد تقدمت الإشارة إليه
(تَهُبُّ) بالضم على غير قياس كما قاله
الشيخ ابن مالك ( به) أى الممدوح
والباء سببية وفى نسخة الأصل عند مدح
ولدَىْ صاحبٍ الديوان السعيد مانصه :
يَهُبُّ بهما (علَى رِياض) وفى نسخة
الأَصل: روض (المُنَى) جمع مُنْيَة
بالضم، وهى ما يتمنّاه الإِنسانوتتوجه
إليه إِرادته (رِيحًا) تثنية ريح مضاف
إلى المتعاطفين وهما (جنُوب وشَمَال)
إضافة العامّ إلى الخاصّ، وفيه تشبيه
المعقول بالمحسوس والاستعارة وشبه
التفويف ( وتَقِل ) أَى تُقِيم، وقد
يُقَيَّدُ بِطول النهار، كالبيْتُوتَة بِطُول
الليل (بمكانه) أى الممدوح. وفى نسخة.
الأَصل: ويَقِيل بمكانهما (جنَّتان)
تثنية جَنَّة بالفتح (عن يمين وشمال)
الجهتان المعروفتان ، وفى الفقرتين
الجناس التام إِن قُرِئ الشمال فيهما
بالفتح فقط أو الكسر فقط ،لأنهما
لغتان فى كلّ من الريح والجهة ، وإن
ضبطت الجهة بالكسر والريح بالفتح
على ما هو الأُفصح فالجناس محرّف،
والاقتباس ظاهر ، قاله شيخنا (وتَشْتمِل).
وفى نسخة الأصل : يشتمل، أى يلتفّ
١١٤
:

٢
( شرح خطبة المصنف )
(على مَنَاكِبٍ) جمع مَنكِبِ كمجلس،
وهو رأس العضُد والگتف، لأنه يعتمد
عليه ( الآفاق أَرْدِيَةٌ ) جمع رِدَاء،
ما يُرْتَدَى به (عوَاطِفِهِ) جمع عَاطِفِة ،
وهى الخَصلَة التى تَحمل الإِنسان على
الشفقة والرحمة كالرَّحِم ونحوها
( وتَسِيل طِلاَعَ) بالكسر أَى ملَ
(الأَرضِ) وفى التوشيح: طِلاَعُ كلِّ
شىءٍ: مِلْؤُه (للإِرْفَاق) بالكسر مصدر
أَرَفَقَ به إِذا نَفعه وأعطاه وتلطّف به ،
وهذه اللفظة سقطت من نسخة الأصل ،
ونصها بعد الأَرض (أَوْدِيِةُ) جَمِع وَادٍ
(عَوارِفِهِ) جمع عارفة وهى المعروف
والعطية ، وفى الفقرتين استعارة
مكنية ، وتخييلية وترشيح والترصيع
والجناس اللاحق (وتَشْمَلُ) أَى تُعُمُّ
(رأفتُه البلادَ والعباد، وتَضْرِبُ دُون
المِحَنِ) بالكسر جمع مِحْنَة وهى
البَليَّة والمُصِيبة أَى يحال دونها
(والأضدادِ) جمع ضِدّ بالكسر، هو
المخالف والعَدُوِّ (الجُنَنَ) جمع جُنَّة
بالضم والتشديد وهى الوقاية (والأسْدَاد)
ونص عبارة الأصل: ويضرب دون
المحن الأَسْداد ، جمع سُدّ بالضم وهو
الحاجز، يعنى أن هذا الممدوح لعلّ
هِمِته وكمال رأفته يحول بين متعلقاته
وبين المحن والبلايا والأضداد والأعداء
بأنواع الموانع والحجب التى تحفظهم
من الآفات، وفيه الترصيع والالتزام ،
ومن قوله تهب إلى هنا كلها عبارة
شرف إيوان البيان المتقدم ذِكرُها ( ولم
يَسَعِ البليغَ) مفعول مُقَدَّم وفاعله
(سِوى سُكُوتِ الحُوتِ بِمُلْتَطِمٍ)
صيغة اسم فاعل من التطمت الأمواج
إذا ضرب بعضها بعضاً (تَيَّار) کشدّاد
مَوْج (بِحارِ فوائِدِهِ) يعنى أن البليغ
غرق فى تيّار بحر عطاياه المتلاطمة
الأمواج، فلا يسعه إلا السكوت،
كالحوت الذى امتلأَّ فوه بالماء فلا
يستطيع كلاماً لامتلاء فيه ( ولم تَرْتَمٍ )
افتعال من الرمى (جَوَارى الزّهْرِ) أراد
بها النجوم الزاهرة من الجَوارِى الكُنَّس
(فى) متعلق بترتم (البحرِ الأَخضرِ)
العظيم ( إلّ لِتُضَاهِىَ) أَى تشابه
وتشاكل (فرائدَ) أَى شذور (قَلائِده)
٠٠٠
والمعنى أن الجوارى الكنس الزاهرة لم
١١٥

. ( شرح خطبة المصنف )
ترتم فى البحر العظيم أى فى وسطه
مقابلةً للأُفق إلا طلباً منها أن تكون
مشابهة للفرائد التى ينظمها فى قلائد
عطاياه، وفيه الترصيع والالتزام
والمبالغة وغيرها (بَحْرٌ) أَى هو بخر
أَى كالبحر ، فهو تشبيه بليغ عند
الجمهور ، واستعارة عند السكّاكى،
قاله شيخنا (عَلى عُذُوبةٍ ) أَى حلاوة
( مائه ) وفيه احتراس ، لأنهم
قرروا أن الجواهر إنما تستخرج من
البحر الملح ( تَملأُ السَّفائنَ) مفعول
مقدم والفاعل (جَواهِرُه) جمع جوهرة
وهی کل حجر يستخرج منه شىء ينتفع
به، وكثر استعماله فى اللؤلؤ خاصّةً ،
وفيه مراعاة النظير (وتُزْهَى) مجهولاً
أَى تفخر (بالجوَارِى المُنشَآتِ ) أَراد
بها القصائد والأمداح تعبر عنها كما
تعبر عن الأَبكار يؤيده ( مِنِ بَنَاتِ
الخاطرِ) لأنها تتولد وتتكوّن من الخواطر
(زَوَاخِرُه ) أى مواد عطاياه التى هى
کالبحر (بَرُّ) أَی هو برَّ أورده علی جھة
التورية والإيهام بما يقابل البحر لذكره
فی مقابلته (سَالَ) أَیجری ، وفيه إِیهام
لطيف ( طِلاَعَ الأَرضِ ) أَى مِلأها
( أَوْدِيَةُ جُودِهِ ) أَى جوده الجارى
كالأَوْدِيَة (ولم يَرْضَ) أَى البر الذى
سال جوده (للمُجْتَدِى) أَى السائل
(نَهْرا) بفتح فسكون أى منعاً وزجرًاً
وطردًا، امتثالاً لقوله تعالى (وأَمَّا السَّائِلَ
فَلاَ تَنْهَرْ) (١) (وطَامِى) أَى مُمتَلِى (عُبَابٍ)
بالضم مُعظم السيل، وسيأتى (الكَرَم)
أَى الجود ( يُجَارِى ) أَى يبارِى
(نَدَاهُ) عَطَاؤُه (الرَّافِدَيْنِ) تثنية رافِدٍ،
وهما دِجْلة والفُرات (وَبَهْرا) بفتح
فسكون أَى ويَبْهرهما بَهْرًا، أَى يغلبهما .
وجعل قاضى كجرات الرافدين جمع
رافد ، وهو غلط ، ويجوز أن يقال
إن بهرًا معناه تعساً وقُبحاً ، يقال
بَهْرًا له ، ردًّا لما يُتَوَهَّمُ بالسكوت من
أنهما يَقدِرانِ على المجاراة، لأَنّها
تكون من الطرفين ، فتدارك ذلك
الإيهام ، یعنی أن نداه یجارِی الرافدینِ
أَى دجلة والفرات، ويقال لهما بَهْرًا
لكما، أَى تعساً، كيف تقدران على
المجاراة ، قاله شيخنا، وفيه الجناس
(١) سورة الضحى ١٠
١١٦

T
( شرح خطبة المصنف )
المصحف (خِضمٌ ) بكسر ففتح فتشديد
أَى هو، خِضمّ ، وهو السيّد الحَمول
الكثيرُ العطاءِ، كما سيأتى ( لايبلُغ
كُنْهَهُ) بالضم أَى حَقيقته (المتعَمِّق)
أَى المتنطِّع والمتكلِّف (عَوْض) من
الظروف المستعملة فى الزمان المستقبل،
خلاف قط، أى لا يصل البليغ إلى
إدراك حقيقته أبدًا ، وفيه مبالغة
(ولا يُعطَى) مبنيًّا للمجهول (الماهرُ)
الحاذق بالسِّباحة (أَمَانَهُ) ثانى مفعولی
يعطى (مِنِ الغَرَقِ ) محرّكة هو الغيبوبة
فى الماء (إِن اتَّفَقَ له) من غير قصد
(فى لُجَّتِهِ) أَى أَعظم مائه (خَوْض)
هو الدخول فيه ، وفيه الالتزام والجناس
اللاحق (مُحِيطٌ) أَى هو بحر محيط
جامع غير محتاج، ومع ذلك (تَنْصَبُّ)
فيهِ وتنحدر ( إِليه الجَدَاوِلُ) الأنهار
الصغار ( فلا يَرُدُّ ثِمادَهَا) بالكسر جمع
ثَمَدِ محركةً، أَى قليلها الذى جاءَت
به ، ولا يدفعه ، بل يقبله قَبُولاً حسناً ،
كما تقبلُ البحارُ ما ينحدر إليها من
السُّيول والأنهارِ ، ولا تدفع شيئاً
(وتغتَرِفُ) أَى تأخذ الغُرْفة بعد الغُرْفة
(من جُمَّتِهِ) بالضم فالتشديد أى معظمه
(السُّحُبُ) بالضم جمعٍ سَحابة ( فَتَمِلُأُ
مَزَادَها) أَى قِرَبَهَا، ويأتى الكلام فيه
والاختلاف (فَأَنْحَفْتُ) أَى تلطَّفْت
وأَوصلت (مجلِسَه العالىَ) هو ذَاتُه،
كقولهم: الجنابُ العالى والمقامُ الرفيع
(بهذا الكِتابِ) يعنى القاموس ( الذى
سَمَا) أَى علا ( إلى السما لمَّا تَسَامَى )
يعنى أن كتابه تَسامَى بأَوصافه البديعة
إلى أن وصل السماءَ، أَى بلغ الغاية التى
لا يجاوزها أحدٌ ، فهو فى غاية العُلُوِّ .
ثم اعتذر للممدوح فقال (وأَنَا فى حَمْلِه )
أَى الكتاب [ (إِلى حَضَرَته)](١)
وإِن دُعِىَ) وسمى ولقب (بالقاموس)
وهو معظم البحر، کما سبق ( کحامل
القَطْرِ إِلى الدَّأْمَاءِ) من أسماء البحر ، أَى
فلا صنيعةً ولا مِنَّةً لمن يحمل القَطْرَ
إلى البحر ، وفيه تلميح لطيف إلى
ما أَنشدَناه الأَديبُ عمر بن أحمد بن
محمد بن صلاح الدين الأنصارى :
كَالبِحْرِ يُمْطِرُه السَّحَابُ وَمَالَهُ
فَضْلٌ عَلَيْهِ لأَنَّه مِنْ مَائِهِ (٢)
(١) زيادة من القاموس
(٢) البيت لهبة الله بن الحسين بن أحمد المشهور بالبديع
الإسطرلاب انظر ترجمته في ابن خلكان ومعجم الأدباء
وانظر شرح المضنون ٣١٤ بدون نسبة
١١٧

( شرح خطبة المصنف )
(والمُهْدِىِ) أَى وكالمقدِّم (إِلى خُضَارَةَ)
بالضم اسمٍ عَلَمٍ على البحر، مُنع من
الصرفَ للتأنيث والعلمِيَّةِ ( أَقَلَّ مايكون
من أَنداءِ الماء ) جمع نَدّى ، وهو الطَّلُّ
يكون على أطراف أَوراق الشجر
صباحاً، وهو مبالغة فى حَقارَة هذه
الهديَّة وإِن عظمت بالنسبة إلى المهدَى
له. وفى القوافى الالتزام والمبالغة (وهَاأَنا
أَقولُ) قال شيخنا المعروف بين أهل
العربية أن ها الموضوعة للتنبيه لاتدخل
على ضمير الرفع المنفصل الواقع مبتدأً
إلا إذا أخبر عنه باسم إشارة، نحو ﴿هَا أَنْتَمْ
أُوَلاَءِ﴾ (١) ﴿هَا أَنْتُمْ هُؤُلاءِ﴾ (٢) فَأَمَا إِذا كان
الخبر غير إشارة فلا، وقد ارتكبه
المصنف غافلاً عن شرطه ، والعجب
أنه اشترط ذلك فى آخر كتابه لما
تكلّم على ((ها)) وارتكبه ها هنا،
وكأنه قلد فى ذلك شيخه العلامة جمال
الدين بن هشام ، فإنه فى مُغنى اللبيب
ذكرها ومعانيها واستعمالها ، على
ما حققه النحويون، وعَدَل عن ذلك
فاستعملها فى كلامه فى الخطبة مثل
المصنف فقال: وها أَنا بائح بما أُسرَرْته ،
انتهى (إِن احتَملَه منى) أَى حمله وقبله
(اعْتناءً) أَى اهتماماً بشأنهِ أَو قَبِلَه
حالة كونه مُعتنياً به تعظيماً له ، مع
حقارتِه بالنسبة لما عنده من الذخائر
العِظام، وفى التعبير بالاحتمال إيماء إلى
كمال حلمه (فالزَّبَدُ) محرّكةً: مايعلو
البحر وغيره من الرغوة ( وإِن ذَهَب
جُفاءً) بالضم ، يقال جَفَّأُ الوادى وأَجفَأً
إِذا أَلقى غُناءَه (يَركَبُ) يعلى (غَارَبَ)
كاهل (البَحْر) أَى نَبَجه (اعتلاءً)
مفعول مطلق أو حال من الفاعل أَى
حالة كونه معتلياً ( ومَا أَخاف على
الفُلْكِ ) أى السفينة (انكفاء) انقَلاباً
(وقد هَبَّتْ) تَحرَّكتَ وِمَّرَّت (رياحُ
عنایته ) اهتمامه وتوجّهه ( كما
اشْتَهت السُّفُنُ) أَى اشتاقت وتوجَّهت
ريحاً ( رُخَاء ) بالضم، وهى الليُّنة
الطيِّبة ، عبّر عن كتابه بالفلك ، لما
فيه من بضائع العلوم، وقدَّمه هديّةً
لهذا الممدوح، وعبرَّ بالانكفاء عن
الردّ وعدم القَبُول ، والمراد أنه لايخاف
علی هَدِیَّته أن تنقلب إلیه ، لکمال حلم
المهدَى له، وهو الممدوح، فهوبحرٌ،
(١) سورة آل عمران ١١٩
(٢) سورة آل عمران ٦٦ وسورة النساء ١٠٩ وسورة
محمد ٣٨
١١٨

( شرح خطبة المصنف )
والسفنُ التى تجرى فيه لا يحصل لها
إنكفاء ولا انقلابٌ ، لأَن ريحه
طِيِّبَة رِخْوَة ، لا تهبُّ إِلَّ على: وَفْق
السفن ، فلا تخالفها، لعدم وجدان
الزعازع والرياح العاصفة فى هذا
البحر، وفيه الجناس اللاحق ، فى اعتناء
واعتلاء، والالتزام فى جفاء وانكفاء .
واستعارة الركوب والغارب للفلك،
وهبوب الرياح للعناية ، والتلميح
للاقتباس فى ذهب جُفاء إلى قول المتَنَبِّى.
* تَجْرى الرِّياحُ بمَا لاتَشْتَهى السُّفُنُ (١).
ثم احتار وبالغ فى هيبة المخاطب
وجلالته، كأنه لم يتضح له الطريق ،
ولم يهتد لوجه العذر ، فاستفهَم عنه
فقال (وَبِمَ) أَى بأَى شىءٍ (أَعْتَذِرُ)
أَرشدونى ( مِنْ حَمْلِ الدُّرِّ مِن أَرْضٍ.
الجبال ) وهى المعروفة اليوم بعراق
العجم ، وهی ما بین أصفهانإلىزنجان
وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين .
والرى وما بين ذلك من البلادوالكُوَر
(إِلى عُمَان) كغُراب كُورة على ساحلِ
اليمن ، تشتمل على بلدان ، أى إن الدرّ
(١) ديوانه ص ٢٣٦ - ٤ وصدره :
ما كلّ مايتمنى المرءُ يُدْرِكِه
كثيرٌ فى عُمَان المعبّر به عن الممدوح،
وقليل بالنسبة إلى الجبال المعبّر به عن
المُهدِى ، وهو نظير قولهم: كجالِب
التمر إِلى هَجَر ، قال شيخنا: يعنى أَن
الهديّة شأنُها أن تكون أَمرًاً غريباً
لدى المُهدَى إِليه ، ومن يُهدِى الدرَّ إِلى
عُمان، والتمر إِلى يَغْرِبِ ونحو ذلك،
يأتى بالأمر المبتذل الكثير الذى لا عبرةبهفى
ذلك الموضع (وَأَرَى البحرَ) الجملةحالية
( يَذهَبُ ماءُ وَجْهِهِ ) أَى يضمحلّ ، وهو
كناية عن التجرَّد عن الحياء ، وقِدما قيل.
* وَلاَ خَيْرَ فى وَجْهٍ إِذَا قَلَّ مَاوُّه. (١)
( لو حَملَ) هو أَى البحر (بِرَسْمِ
الخِدْمة) وقصد العبودية (إِليه ) أَى
الممدوح أَشرف ما يفتخر به وهو
(الجُمَان) بالضم هو اللؤلؤ الصافى ، أى
كان ذلك قليلاً بالنسبة إِليه، لقلة
حیائه وذهاب رونق ماء وجهه( وفُؤاد
البحرِ يَضطَرِبُ) أَى يتحرَّك ويَتمُوَّج
ويَتلاطم ( كاسْمِه رَجَّافاً ) أَى باعتبار
(١) البيت بين أبيات نسبت لصالح بن عبد القدوس انظر
لباب الآداب ٢٨، ٢٨٥ وتهذيب ابن عساكر .
٦ / ٣٧٦ ونصه :
"إِذَا قَلِّ مَاءُ الوَجْهِ قَلَّ حَيَاؤُهُ
:
وَلَا خَيْرَ فيِ وَجْهٍ إذا قلَّ مَاؤُهُ
١١٩

( شرح خطبة المصنف )
وصفه، وقد أُطلقت العرب هذا اللفظ
عليه ، فصار علماً عليه ، وهو حال من
فاعل يضطرب (لو أَتْحَفَه) أَى البحر
الممدوح (المرْجَان) (١) هو كبار اللؤلؤ
أَو صغاره، على اختلاف فيه (أَو أَنفَذَ)
أَى البحر أى أمضى وأوصل (إِلى
البحرَيْنِ) موضع بين البصرة وعُمَان ،
مشهور بوجدان الجواهر فيه، وقد
أبدع غاية الإبداع بقوله ( أُعنِى
يَدَيْهِ ) الفائقتين ( الجواهِرَ الِّمان)
منصوب على المفعولية ، أَى ولو أَتحف
الجواهر المثمنة الغالية ، وفى الأوليين
مع الأخيرة الالتزام ، وفى الثانية
الاستعارة التصريحية أو التخييلية ،
بحسب إعمال الصنعة فى تشبيه البحر
برجل يقوم برسم الخدمة ، فيذهب
ماء وجهه على أى وجه استعملته ، وفى
الثالثة التوْرِية فى الرجَّاف، وفى الرابعة
الاستخدام ولطافة التورية (لازالتْ
حضرتُه ) أطلقوها علی کل کبیر یحضر
عنده الناس فقالوا: الحضرة العالية
تأمر بكذا، كما قالوا: المقام السامى ،
والجناب العالى (التی هی جزیرةُ بحرٍ
الجُودِ) والجزيرة بقعة ينجسر عنها
المناء وينجزر ويرجع إلى خلف (منْ
خالداتٍ الجزائر) أى من الباقيات إلى
يوم القيامة ، لما فيها من النفع بصاحبها
وفيه التورية العجيبة بالجزائر الخالدات ،
وهى جزائر السعادات ، يذكرها المنجمون
فى كتبهم، ويأتى ذكرها فى مادّتها
(و) لازلت (مَقرَّ أُناس يُقابِلون) أَى
يواجهون أَو يعارضون (الخَرَزَ) محركةً
هو الحجر الذى ينظم كاللؤلؤ(المحمول
إليها) أَى الحضرة (بأَنْفَسِ الجواهر)
أَى البالغة فى النفاسة ، وهو دعاء له
بالبقاء على جهةِ الخلود ، وأنه يَخلُف
من يقوم مقامه فى حضرته ، فلا تزال
مقرًّا للموصوفین ما ذُكر، وفى الكلام
مبالغة وتورية (ويرحم الله عبداً قال
آمينا ) ضمن الدعاء كلامه، لكمال
الاعتناء باستجابته ، والرغبة فى حصول
ثمرته ، لأن كل من سمع هذا الدعاء فإِنه
يأتى بالتأمين رغبة فى الرحمة ،
فيحصل المطلوب ، قال شيخنا : وهو
شطر من شعر رواه صاحب الحماسة
كر
(١) في القاموس: بالمرجان
١٢٠
: