Indexed OCR Text
Pages 61-80
( شرح خطبة المصنف ) فقط ، كما قدّمنا ، ثم إِن الذى تقدم آنفا مقروناً بالعبهر فمعناه الزعفران لا غير ، فلا يكون إِعادته هنا لإِيضاحٍ أَوغير ذلك، كما وهم فيه بعض الشرَّاح ، لاختلاف المعنيين ، قال شيخُنا : وفى رشفْتُ الاستعارة بالتبعيّة . لوجود الفعل وهو مشتق ، ويجوز أن يكون بالكناية ، كأَنْشَبت المنيَّةُ أَظفارَها ، وأن يكون استعارة تصريحيّة ، فإِذا اتضح ذلك عرفت أَن الرُّضاب الذى هو الريق شُبِّه به الطلّ ، والشمس الذى هو معنى الطفاوة شُبِّه بشخصٍ مرتشف لذلك الرِّيق، وجَعَل له أَفواهاً وثغورًا هى كِظامِ الجلِّ والجادى هما الورد والنرجس والياسمين، وإِن كان تشبيهها بالأَقاحِ أَكثَر دوراناً ، كما قال الشاعر (١) : بَاكِرْ إِلَى اللَّذَّاتِ وارْكَبْ لَهَا سَوَابِقَ الخَيْلِ ذَوَاتِ المِرَاحْ (٢) مِنْ قَبْلٍ أَنْ تَرْشِفَ شَمْسُ الضُحَى رِيِقَ الْغَوَادى مِنِ ثُغورِ الأَفَاحْ (١) هو ابن حمديس الصقلى كما في عنوان المرقصات ٤ (٢) في عنوان المرقصات ((سوابق الهو)» ( وبَعْدُ ) كلمة يُفصَل بها بين الكلاَمَينِ عند إرادة الانتقال من كلام إلى غيره، وهى من الظروف، قيل : زمانيّة، وقيل : مكانِيَّة، وعامله محذوفٌ ، قاله الدَّمامينى، والتقدير، أَى وأَقول بعد ما تقدَّم من الحمد لله تعالى والصلاة والسلام على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (فإِنّ) بالفاء، إِما على تَوهُمْ أَمَّا، أَو على تقديرِها فى نظْمِ الكلام ، وقيل : إِنها لإِجراء الظرف مُجْرَى الشرْط ، وقيل : إِنها عاطفة ، وقيل زائدة ( للعلم ) أَى بأَنواعِهِ وفُروعه (رِيَاضاً) جمع رَوْضة أو رَيْضة ، وقد تقدم شىء من معناها ، ويأتى فى مادته ما هو أكثر (وحِيَاضا) جمع خَوْض، وهو مُجتَمع الماء (وخَمائِلَ) جمع حَمِيلة وهى من الأَرض المكرمة للنَّبات، والرمْلة التى تُنبت الشجر، وقالوا هى الشجر الملتفّ. والموضع الكثيرُ الشجرِ (وغِيَاضا) جمع غَيْضة، وهى الغَابَة الجامعة للأشجار فى حَضيض الماء، وفى الفقرات الثلاث لزوم مالا يلزم (وطَرائقَ) جمع طَرِيقة ، والطَّرِيقِ يُجمع على طُرُقٍ ( وشِعَابا) جمع ٦١ ( شرح خطبة المصنف ) شَعْب بكسر فسكون . وهو الطريق الضَّيق بين الجَبلينِ (وشَوَاهِقٍ) جمع شاهِقٍ وهو المرتفِع من الجبال (وحِضَابا) جمع مَضْبة بفتح فسكون ، وهى الجبل المنبَسِطِ على وَجْهِ الأَرضِ أَو المستطيل (يَتَفَرَّعُ) يَنْشَأُ ويَخْرج ويتهيَّأْ ( عن كل أَصْلٍ ) هو مَبدَأُ الشىءِ مِن أَسفَلِهِ ( منه ) أَى مِن جِنِس العلم ( أَفنانٌ ) جمع فَنَنِ محرّكة هو الغصن (وفُنون) جمع فَنَّ بالفتح، وهو الحال والضرب من الشىء ، وفيهما جِناس الاشتقاق . وجعلُه عَطْفَ تفسيرٍ قصداً للمبالغة سهوٌ عن موارد اللغة (وَيُنشِقُّ) انفعال من الشقِّ وهو الصَّدْع (عن كلّ دَوْحةٍ منه ) مَرَّ أَنها الشجرة العظيمة من أَى نوع كانت (خِطَانٌ) جمع خُوطِ بالضم، وهو الغصن الناعم (وغُصون) جمع غُصْنٍ بضم فسكون، وقد تضم اتباعاً أَو لغةً، هُو ما يَنْشِعب عن ساقٍ الشجرة من دقاق القُضْبان وغِلاظها . فهو من عطف العامٌّ على الخاصّ ، وفى بعض الحواشى حيطان بالحاء المهملة . جمع حائط ، وهو البستان ، وفيه تكلُّفُ ومُخالَفةٌ للسَّماغ (وإِن عِلْمَ اللُّغة ) هو معرفةٍ أَفرادِ الكَلِمِ وكيفية أَوضاعها (هو الكافِلُ) القائِمُ لا غيرُه لِشِدَّة توقُّفِ المعانى على بيان الأَّفاظ (بإِحرازِ) بالحاء المهملة من أَحرَزَ الأَمرَ إِذَا حَازَه ، وهو الإِحراس ، كذا فى النسخة الرَّسُولية ، وفى نسخة بإبراز ومعناه الإِخراج والإِظهار (أَسْرَارِ) جمع سِرِّ، وهو الشىء المكتوم الخفىّ (الجميع) أنواع العلوم المتفرعة (الحافِلَ) بلا واو ، وفى نسخة بها . أى الجامع الممتلىء ، وضَرْع حافل : ممتلى لبناً ، وشِعْبٌ حافل: كثُر سَيْله حتى امتلأً جوانبُه (بما يتَضَلَّعُ) قال ثعلب : تضلَّعَ : امتلأَّ مابين أضلاعه (منه القاحِلُ) وهو الذى يَبِسْ جِلْدُه على عَظْمِه، وقد قَحلَ كمَنع وعَلِم وُنِىَ، والمراد هنا الضَّعيف، أَو الشيخ المُسِنِّ (والكاهِلُ) الْقَوِىّ، وقيل: هو لغة فى الكَهْلِ فيقابل المَعنى السَّاقِيَّ (والناقِعُ)(١) هو الغلام المترغْرِ ع، وفى نسخة اليافع ، بالياء التحتية ، وهو المُراهق الذى قاربَ البُلوغ (والرَّضِيع). (١) في القاموس «الفاقع) ٦٢ ( شرح خطبة المصنف ) هو الصغير الذى يَرضع أُمَّه، والمعنى أَن كلّ مَن يتعاطَى العلومَ من الشيوخ والمتوسِّطين والمبتدِئِين، أَو كلٌّ، من من الأقوياء والضعفاء والصِّغار والكبار، فإِن علم اللغة هو المتكفِّل بإظهار الأسرار ، وإِبراز الخفايا ، لافتقارٍ العلوم كلِّها إِليه ، لتوقف المَرَكّبَات على المفردات لا محالة ، وفى الفقر صناعةٌ أَدبيَّةٌ وحُسْن المقابلة ( وإِن بَيان الشَّريعة) فَعِلة بمعنى مفعولة هى ما شرع الله لعباده كالشَّرْعِ بالفتح، وحقيقتها وَضْع ما يتعَرَّف منه العبادُ أَحكامَ عقائدهم وأفعالهم وأقوالهم ، ومايترتب عليه صَلاحُهم ( لَمَّا كان مَصْدَرُه ) الضمير يرجع نلبيان، أَو إِلى الشريعة لتأُويلها بالشرْع، والمصدر مَفْعَل من الصُّدور وهو الإِتيان (عن لِسان العرب) كذا فى نسخة الشرف الأحمر، وفىأُخرى ((على )) بدل ((عن)) عَلَى أَن الصُّدور بمعنى الانصراف عن الوِرْد، وكلاهما صحيحان وقد يكون الصَّدور بمعنى الرُّجوع عن الماء، وحينئذ يتعدَّى بإلى ، واللسان هو اللغة أو الجارحة ، والعَرَب - على ما حقَّق الناصر اللقائىّ فى حواشى التصريف - هم خلاف العجم ، سواء سكنوا البوادِىَ أَوِ القُرَى، والأَعراب سُكان البَوادِى، سواء تكلَّموا بالعربيَّة أَوِلا، فبينهما عمومٌ وخُصوص من وَجْه ، فليس الثانى جمعاً للأول ، انتهى . وفى المختار : العرب جيلٌ من الناس ، والنسبة إليهم عربىّ، وهم أَهلُ الأَمصار ، والأَعرابُ هم سُكَّانِ البَوادِى خاصَّةً ، والنسبة إليهم أَعرابىَّ (١) فهو اسم جنس، انتهى ، وسيأتى لذلك مزيد إيضاح فى مادته ، وهناك كلامٌ لشيخنا وغيره ، والجواب عن إِيراداته ، قلت : ومن هنا سَمَّى ابنُ منظورٍ كتابَه لِسانَ العرب ، لأَّنه متضمن البيانِ لُغاتِهم ، لا على سبيل الحصر بل بما صحَّ عندَه (وكان العَملُ) هو الفعل الصادر بالقصْد، وغالبُ استعماله فى أَفعال الجوارح الظاهرة (بمُوجبه) الضمير للبيان أَو الشريعة حسبما تقدم ، والعمل بالموجب (١) بهامش المطبوع ما يأتى : قوله فهو اسم جنس . عبارة المختار بعد قوله والنسبة إليهم أعرابى وليس الأعراب جمعاً لعرب بل هو اسم جنس ، أنّهى ، وهى ظاهرة . ٦٣ - .. ( شرح خطبة المصنف ) هو الأخذ ما أوجبه، وله حدود وشروط ، فراجعه فى كتاب الشروط ( لا يصِحّ ) أى لايكون صحيحاً ( إِلا بإِحكام ) أَى تهذيب وإتقان ( العِلْم بمقدِّمته) أَى معرفتها ، والمراد بالمقدمة هنا ما يتقدَّم قبل الشروع فى العلم أَو الكتاب (وَجَبَ) أَى لزم وهو جواب لمَّا (على رُوَّامِ العِلِم) أَى طالبيه الباحثين عنه ( وطُلاَّب ) كُرُوَّامٍ وَزْنًا ومَعْنَى (الأَثْر) علم الحديث فهو من عطف الخَاصّ على العامٌّ، وفى بعض النسخ وطلاَّب الأدب ، والأُولى الصحيحة ، هى الثابتة فى النسخ واختلف فى معنى الأثر، فقيل : هو المرفوع والموقوف ، وقيل: الأُثر. هو الموقوف، والخبر: هو المرفوع، كما حققه أَهلُ الأُصول ، ولكنّ المناسِب هنا. هو المعنى الشامل للمرفوع والموقوف ، كما لا يخفى ، لأَن المحلَّ محلٌّ العموم. والمعنى أن علوم الشريعة كلها بأصولها وفروعها ، لما كانت متوقِّفة على عِلِم اللغة توقُّفًا كُلِّيّا محتاجة إِليه ، وجب على كلّ طالب لأَّىّ عِلم كان سواء الشريعة أو غيرها الاعتناء به ، والقيام بشأنه ، والاهتمام فيما يوصل إلى ذلك ، وإِنما خصَّ علم الأثردون غيره مع احتياج الكل إِليه لشرفه وشرف طالبيه، وعلى النسخة الثانية : وجب على كلِّ طالب علمٍ سیما طالب علم الآداب ، التى منها النحو والتصريف وصنعة الشعر وأخبار العرب وأَنسابهم ، مزيدُ الاعتناء بمعرفة علم اللغة، لأَن مُفاد العلوم الأدبية غالباً فى تَرْصِيع الألفاظ البديعة المستملحة ، وبعضُها الجُوشِيّة، وتلك لا تعرف إِلاَّ بها، كما هو ظاهرِ ( أَن يَجعلوا) أَى يصيروا (عُظْم) بضم العين المهملة ، كذا فى نسخة شيخنا سيّدى عبد الخالق، وفى أُخرى مُعظم بزيادة الميم وفى بعضها أَعظم بزيادة الألف (اجتهادهم واعتمادِهم) أَى استنادهم ( وأَن يَصْرِفِوا) أَى يُوجِّهوا (جُلَّ) كجُلال ، لا يُذْكِران إِلا مضافاً وقد تقدّمت الإِشارة إليه ( عنايتهم) أَى. اهتمامهم (فى ارْتِيادهم) أَبى فى طلبهم ، من ارتاد ارتيادًا، مجرَّدُه رَادَ الشىءَ يَرودِهِ رَوْدًا ويستعمل بمعنى الذّهاب والمجىءٍ وهو الأنسب للمقام ( إلى علم اللغة) وقد يقال إِن علم اللغة من جملة ٦٤ ( شرح خطبة المصنف ) علوم الأدب ، كما نص عليه شيخنا طاب ثراه، نقلاً عن ابن الأنصارىّ ، فيَلزم حينئذ احتياجُ الشىء إلى نفسه وتوقُّفه عليه، والجواب ظاهرٌ بأَدنى تَأَمَّل (والمعرِفة) هى عبارة عما يحصل بعد الجهلِ ، بخلاف العلم (بوجوهها) جمع وَجْه ، وهو من الكلام الطريقُ المقصود منه ( والوقوف) أَى الاطلاع (على مُثُلها ) بضمتين جمع مثال، وهو صِفة الشىء ومقداره (ورُسُومها) جمع رَسْم بالفتح وهو الأَثر والعَلامة ، ثم إِن الضمائر كلها راجعة إلى اللغة ، ما عدا الأخيرين ، فإِنه يحتمل عودُهما إلى الوجوه، وفى التعبير بالمُثل والرُّسوم ما لا يخفى على الماهر من الإِشارة إلى دُرُوسٍ هذا العِلم وذَهابٍ أَهله وأُصولِهِ ، وإِنما البارع. من يقف على المثل والرسوم (وقدعُنِىَ) بالبناء للمجهول فى اللغة الفصيحة ، وعليها اقتصر ثعلبٌ فى الفصيح ، وحكى صاحبُ اليونقيت الفَتحَ أَيضاً أَى اهتم ( به ) أَى بهذا العلم ( مِنَ السَّلَف) هم العلماءُ المتقدمون فى الصدْر الأَوّل من الصحابة والتابعين وأتباعهم ( والخَلف ) المتأَخِّرون عنهم والقائمون مَقامهم فى النظر والاجتهاد ( فى كُلِّ عَصْرٍ) أَى دهرٍ وزَمانِ ( عِصَابَة ) الجماعة من الرّجال ما بين العَشرة إِلى الأَربعين ، كذا فى لسان العرب ، وفى شمس العلوم : الجماعة من الناسِ والخيلِ والطيرِ ، والأَّنسب ما قاله الأَخفش : الْعُصْبة والعصابة الجماعة ليس لهم واحدٌ(هُمْ أَهلُ الإِصابة) أَى الصَّواب أَى هم مستحقُّون: له ومستوجبون لحيازته ، وفى الفقرتين لُزُومُ ما لا يلزم ، وذلك لِأَّنهم (أَحْرَزوا) أَى حازوا ( دَقَائِقَه ) أَى غوامِضِه اللطيفة (وأَبْرَزُوا) أَى أَظهروا واستخرجوا بأفكارهم (حَقائقه) أَى ماهِيَّاته الموجودة ، وفى القوافى الترصيع ولزوم ما لا يلزم ( وعَمَرُوا) مخفَّفا، كذا هو مضبوط فى نسخنا ( دِمَنَه ) جمع دِمْنة ، وهى آثار الدّيار والناس (وفَرَعوا ) بالفاء كذا هو مضبوطٌ ، أَى صعدوا وعَلَوْا ، وفى بعض النسخ بالقاف وهو غلط ( قُننه) جمع قُنَّة بالضم وهى أُعلَى الجبل (وقَنَصوا) أَى اصطادوا ٦٥ ( شرح خطبة المصنف ) (شَوَارِدَه) جمع شاردة أو شارد، من الشرود: النفور ، ويستعمل فيما يقابل الفصيح (ونَظَمُوا) أَى ضمُّوا وجمعوا ( قَلائدَه) جمع قلادة ، وهى ما يُجعَل فى العُنق من الحلى والجواهر (وأَرْهَفُوا) أَى رَقَّقوا ولَطَّفوا (مَخَاذِمِ) جمع مِخْذُم كمِنْبر : السيفُ القاطِعِ (البَرَاعَة ) مصدر بَرَع إِذا فاقَ أَصحابه فى العلم وغيره، وتم فى كل فضيلة (وأَرْعَفوا) أَى أَسَالوا دم ( مَخَاطِمَ ) جمع مخْطم كَمِنْبر وَكَمَجْلس: الأَّنف ( اليَزَاعة ) أَى قَصبة الكتابة ، أَى أَجْروْا دمَ أَنفِ القَلَم ، ويقال رَعَفت الأفلامُ إذا تقاطر مِدادَها . وفى القوافى الترصيع، وبين أُرهفوا وأَرعفوا جناسٌ مُلْحق ، وفى البراعة والبراعة الجناس المُصحَّف ، وفى كلِّ مَجازاتٌ بليغة واستعاراتٌ بديعة ( فَأَلّفوا) أَىِ جمعَوا الفنّ. مُؤْتلِفِاً بعْضُه إلى بعضٍ ( وأَفادُوا ) أَى بَذَلوا الفائدة (وصَنَّفُوا) أَى جَمعوا أَصناف الفنِّ مميّزة مُوضّحة (وأَجادُوا) أَى أَتوا بالجُيِّد دون الرّدىء ، وفى الألفاظِ الأَربعة الترصيعُ والجناس اللاحق (وبَلَغوا) أَى انتَهَوْا وَوَصَلُوا (مِنِ المقاصِد) جمع مَقْصَد كمقْعَد أَى المهمات المقصودة ( قَاصِيَتها ) هى وقُصْواها بمعنى أَبْعِدِها ومُنتهاها (وملَكوا) أَى اسْتَوْلَوْا (مِنْ المحاسِن) جمع حُسْن وهو الجمال، كالمَساوى جمع سُوء (نَاصِيَتَها) أَى رَأْسَهَا، وهو كِناية عن المِلْكِ التام والاستيلاء الكُلِِّّ، وفى الفقرة لزوم مَا لا يلزم ، والجناس اللاحق ( جَزَاهُم الله ) أَى كافأَهم ( رِضْوانَه) أَى أَعظم خيرِهِ وكثيرَ إِنعامه ، قال شيخنا: وأخرج الترمِذِىّ والنَّسائىُّ وابن حبان بأسانيدهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم قال ((مَنْ صُنِعَ، إليه مَعَرُوفٌ فقال لفاعله: جَزَاك الهُ خَيراً فقد أَبْلَغ فى الثَّنَاءِ (١)). قلت: وقع لنا هذا الحديث عالياً فى الجزء الثانى من المشيخة الغَيلائِيَّة مِن طريق أَبی الجوّاب أُخْوَص بن جوَّاب ، حدثنا سُعَيْرْ بن الخِمْسِ (٢) ، حدثنا سُليمان (١) الترمذى ج ٨ ص ١٨٧ (٢) في المطبوع ((الحمس)» والتصويب من الترمذى وتهذيب التهذيب ترجمة أحوص بن جواب + ١ ص ١٩١ وترجمته =٤ ص: ١٠٥ .٦٦ ( شرح خطبة المصنف ) النَّيمى، عن أَبِى عُثمانَ النَّهْدِىّ، عن أسامة بن زيدٍ رضى الله عنه ، فذكره . وفى أُخرى عنه ((إِذا قَالَ الرجُلُ لأَخِيه: جَزَاكَ اللهُ خيرًا فقد أَبْلَغْ )) (وَأَحَلّهم) أَى أَنزلهم (مِنِ رِيَاض ) جمع رَوْضة أَو رَيْضة وقد تقدم ( القُدْس) بضم فسكون وقيل بضمَّتين ورِياض القدس هِى حَظِيرَتُه، وهى الجَنّة ، لكونها مُقَدَّسة أَى مُطهَّرَة مُنزَّهة عن الأقذار ( مِطَانِهِ ) المِطان كمِيِزان موضِعٌ يُهِيَّأُ لإِرسال خَيْلِ السِّباق ، فيكون غايةٌ فى المسابقة ، أى وأنزلهم، من محلاَّت الجنان أعلاها ، وما تَنتهى إليها الغاياتُ، بحيث لا يكون وراءَها مَرْمَى أَبصارٍ ، والضمير يعود إلى القدس، ولو قال رَوْض القُدس كان أَجلَّ ، كما لا يَخفى، ولكن الرِّواية ما قَدَّمنا ، ومنهم من قال إِن مِطان جَبَلٌ بالمدينة ، وتكلَّف لتصحيح معناه فاعلم أنَّه من التأويلات البعيدة التى لا يُلتَفت إليها ولا يُعَوَّل عليها . (هذا) هو فى الأصل أداة إِشارة للقريب ، قُرنت بأداة التنبيه ، وأُتِى به هنا للانتقال من أسلوب إِلى أُسلوب آخَر، ويسمى عند البلغاء فصْل الخِطاب . والمعنى خُذْ هذا أَو اعتمدْ هذا ( وإنى قد) أَى والحال أنى قد (نَبَّغْت) بالغين المعجمة ، كذا قرأته علىشيخنا أَى فقت غيرى ( فى هذا الفنّ) أَى اللغة ، ومنهم من قال : أَى ظهرت ، والتفوّق أَوْلَى من الظهور ، وفى النسخة الرسولية فى هذا الصِّغْو بالكسر، أَى الناحية من العلم ، واستغرَبها شيخُنا واستصوب النسخة المشهورة ، وهى سماعُنا على الشيوخ ، واستعمل الزمخشرىُّ هذه اللفظة فى بعض خطب مؤلّفاته، وفى بعض النسخ نَبعْت بالعين المهملة ، وعليها شرح القاضى عيسى بن عبد الرحيم الكجراتى وغيره ، وتكلَّفوا لمعناه ، أَى خرجت من ينبوعه ، وأَنت خبيرٌ بأنه تكلّف مَحْض، ومخالف للروايات ، وقيل : إِن نبَع بالمهملةِ لغة فى نبغ بالمعجمة ، فزال الإشكال ( قِدِيما) أَى فى الزمن الأَوَّل حتى حَصلتْ له مِنه الثمرة (وَصَبَغَت) أَى لَوَّنت (به) أَى بهذا الفن (أَديما) أَى الجلد المدبوغ ، ٦٧ .- ( شرح خطبة المصنف ) . أى امتزج بى هذا الفن امتزاجَ الصُّبغ بالمصبوغ ( ولم أُزَلْ) كذا الرواية عن الشيوخ ، أَى لم أَبَرَحْ، وفى بعض النسخ لم أَزُلْ، بضم الزاى ، معناه لم أَفارِقِ، من الزَّوال ، وفيه تعسُّف ظاهر ( فى خدمته مُستديما) أَى دائماً متأنياً فيها . وفى الفقرات لزوم ما لا يلزم (وكنتُ بُرْهَة) بالضم ، وروى الفتح، قال العكبرىّ عن الجوهرىّ، هى القطعة من الزمان، وقوله (من الدَّهْر) أَى الزمن الطويل، ويقرب منه ما فسرّه الراغب فى المفردات : إنه فى الأصل اسم لمدة العالَم من ابتداء وجوده إلى انقضائه ، ومنهم من فسَّرِ الْبُرهة بما صدَّر به المصنف فى المادّة ، وهو الزمن الطويل، ثم فسّر الدهر بهذا المعنى بعينه ، وأَنت خبير بأنه فى مَعزِل عن اللطافة وإِن أورد بعضُهم صِحَّته بتكلّف ، قاله شيخنا (ألتمِسُ) أَى أَطلب طلباً أكيدًا مرَّةً بعد مرَّةٍ ( كتاباً) أَى مُصنَّفاً موضوعاً فى هذا الفن ، موصوفاً بكونه (جامعاً) أَى مُستقصِيًا لِأَكثرِ الفنِّ مملوءًا بغرائبه ، ويوجد فى بعض النسخ قبل قوله جامعاً ((باهرًا))، وليس فى الأصول المصححة (بسيطا) واسعاً مشتملاً على الفن كلّه أو أكثره مبسوطاً يستغنى به عن غيره (ومُصنَّفا) هكذا فى النسخ وفى بعضها تصنيفاً (على الفُصح ) بضمتين ، جمع فَصِيح كقَضیب وقُضُب أو بضم ففتح ككُبْرى وكُبَر (والشوارِدِ) هى اللغات الحُوشية الغَريبة الشاذَّة (مُحِيطا) أَى مشتملاً، ولذا عُدِّىَ بعَلى، أَوْ أَنْ عَلَى بمعنى الْبَاءَ، فتكون الإِحاطة على حقيقتها الأصلية ( ولمَّا أعيانى) أَى أَتعبنى وأعجزنى عن الوصول إليه (الطّلاب) كذا فى النسخ والأُصبول، وهو الطَّلَب، ويأتى من الثلاثى فيكون فيه معنى المبالغة ، أَى الطلب الكثير، وفى نسخة الشيخ أبى الحسن على بن غانم المقدسىّ رحمه الله تعالى التَّطلاب، بزيادة التاء، وهو من المصادر القياسيَّة تأتى غالباً للمبالغة ( شَرَعْت فى ) تأليف ( كتابى ) أَى مُصَنَّفِى (المَوْسُوم) أَى المجعول له سِمَة وعلامة (باللامِعِ المُعْلَم العُجاب) هو عَلَم الكتابِ، واللامع: المضىء، والمعلم ٦٨ ( شرح خطبة المصنف ) كُمُكْرَم: البُرْدُ المخطَّط ، والثوب المنقَّش، والعُجاب كغُراب بمعنى ،عَجيب ، كذا فى تقرير سيّدى عبد السلام اللَّقانى على كنوز الحقائق، والصحيح أنه يأتى للمبالغة وإن أَسقطه النحاة فى ذكر أوزانها، فالمراد به ما جاوز حَدَّ اللغة ، كذا فى الكَثَّاف، وقد نقل عن خطِّ المصنفنفسه غيرُ واحدٍ أَنہ کتب على ظهْرِ هذا الكِتاب أَنه لَوْ قُدِّر تمامُه لكان فى مائة مُجَلَّد، وأنه كمَّل منه خَمْس مُجَلَّدَات (الجامِعِ بين المُحْكم) هو تأليف الإمام الحافظ العلامة أبى الحسن علىّ بن إسماعيل الشهير بابن سِيدَه الضرير ابن الضرير اللغوى ، وهو كتاب جامعٌ كبيرٌ ، يشتمل على أَنواع اللغة ، توفّى بحضرة دانية سنة ٤٥٨ عن ثمانين سنة ( والعُبَاب ) كغُراب تأليف الإِمام الجامع أبى الفضائل رَضِىِّ الدين الحسن بن محمد بن الحسن بن حَيدر العُمَرِىّ الصَّغانى الحنفى اللغوىّ وهذا الكتاب فى عشرين مجلدًا ، ولم يكمل، لأَّنه وصل إلى مادة بکم ، كذا فى المزهر، وله شوارق الأنوار وغيره، توفى ١٩ شعبان سنة ٦٥٠ ببغداد، عن ثلاث وسبعين سنة ، ودفن بالحريم الطاهرىّ، وهذا الكتاب لم أَطّلع عليه مع كثرة بحثى عنه ، وأما المحكم المتقدّم ذِكره عندى منه أَربع مُجلدات ، ومنها مادّقى فى هذا الشرح . وفى مقابلة الجامع باللامع ، والمعلم بالمحكم ، والعجاب بالعباب، ترصيع حسن (وَهُما) أَى الكتابان ، هكذا فى نسختنا ،وفى أخرى بحذفالواو ، وفى بعضهابالفاءبدلالواو (غُرَّنَا ) تثنية غُرَّة ، وفى بعض النسخ بالإِفراد ( الكُتُب المصَنّفَة فى هذا الباب) أى فى هذا الفن ، والمراد وصفهما بكمال الشُّهرة ، أَو بكمال الحُسْنِ ، على اختلاف إِطلاق الأَغرّ ، وفيه استعارة أوتشبيه بليغ(ونَيِّرا) تثنيةُ نيّر كسَيِّد، وهو الجامع للنَّور الممتلى به ، والنّيَّرانِ: الشمس والقمر ، والتثنية والوصف كلاهما على الحقيقة (بَرَاقِع) جمْع بِرْقِعَ (١) السماء السابعة أَو الرابعة أَو الأُولى، والمعنى : هذانٍ الكتابانِ هما النِّيرانِ المشرقانِ الطالعانِ (١) نص في الان أنها لا تنصرف ٦٩ ( شرح خطبة المصنف ) فى سماء (الفَضْل والآداب) ومنهم من فسرَّ البُرْقُع بما تَستتر به النساء، أَونِيّر البرقع هو محل مخصوص منه ، وتمحَّل لبيان ذلك بِما تمجُّه الأَسماع، وإِنما هى أوهام وأفكار تخالف النقل والسماع . وعطْف الآداب على الفضل من عطف الخاصّ على العامّ (وضَمَّمْت ) أَى جمعت ( إِليهما ) أَى المحكم والعباب (فوائد) جمع فائدة ، وهى ما استفدْته من علمٍ أَومال (امتلا) بغير همز من مَلِيٍّ كفرِحٍ إِذا صار مملوءً! (بها) أَى بتلك الفوائد (الوِطَاب) بالكسرِ جمع وَطْب بالفتح فالسكون ، هو الظرف ، وله معان أُخَرُ غير مُزادةٍ هنا (واعتَلَى) أَى ارتفع ( منها ) أى من تلك الفوائد (الخِطاب) هو تَوْجِه الكلام نحو الغَيْر للإِفهام، وفى بعض النسخ ((زيادات)) بدل ((فوائد)). وبين امثلا واعتَلَى ترصيع ، وبين الوطاب والخطاب جناس لاحق ( ففاقَ ) أَی علا وارتفع بسببٍ ماحواه ( كلَّ مُؤْلَّف فى هذا الفن) أَى اللغة ، بيان للواقع (هذا الكتاب ) فاعل فاق ، والمرادبه الكتاب المتقدِّم ذِكُرُه ( غير أَنى) كذا فى النسخ المقروءة ، وفى بعضها ((أَنه)) على أن الضمير يعود إلى الكتاب (خَمَّنْته) أَى قدَّرته وتوهَّمت مَجيئه (فى سِتِّين سِفْرًا) قال الفرَّاء: الأَسفار: الكُتب العِظام ، لأَنَها تُسْفِرِ عمَّا فيها من المعانى إِذَا قُرِئَت ، وفى نسخة من الأُصول المكّية : ضَمَّنته ، بالضاد المعجمة بدل الخاء، وفى شفاء الغليل للشهاب الخفاجىّ تبعاً للسيوطيّ فى المزهر أَن التخمين ليس بعرَبِىّ فى الأصل(١) . وفى نسخة أُخرى من الأُصول الزَّبيدية زيادة ((بحمد الله) بعد (( خمنته)) ( يُعجِزِ ) أَى يعبِى (تَحصيلُه) فاعل يعجز (الطُلّب) جمع طالب ، گُرگّاب ورا کب ، أَی لکثرته ، أَو لطوله. وفى نسخة ميرزا على الشيرازى يَعْجَز عن تحصيله الطلّب (وسُئلت) أَى طَلَبمنى جماعة ( فی تقدیم (٢) کتاب وَجِيزٍ ) أَى أُقدّم لهم كتاباً آخرَ ٠ ٠ (١) الذى في شفاء الغليل ٨٧ ((جمن كذا تخمينا. قال ابن دريد أحسبه مولدا )» هذا وفي جمهرة ابن دريد الجزء ٢ صفحة ٢٤٣ ( فأما قول العامة خمنت كذا: تخينا إذا حزرته فلا أحسبه عربياً صحيحا)» وكذلك جاء في المزهر ١ /١٤٨ وخمنت الشىء قلت فيه بالحدس أُحسیه مولدا حکام عنه في المحكم (٢) في القاموس (( وسئلت تقديم)) ٧٠ ء ( شرح خطبة المصنف ) . موصوفاً بصِغَر الحجْمِ مع سُرْعة الوصول إلى فهم ما فيه ، والذى يظهر عند التأَمُّلِ أَن السؤال حَصل فى الانصراف عن إتمام اللامع لِكثرة الثَّعَب فيه إلى جمع هذا الكتاب ( على ذلك النِّظام ) أَى النهْج والأُسلوب ، أَو الوضع والترتيب السابق (وعَمَلٍ ) معطوف على كتاب أَى خاص (مُفرَّغ)(١) بالتشديد ، أَى مَصبوب، من فَرِغَ إِذا انْصَبَّ، لا من فَرَغ إِذا خلا كفرَغَ الإِناء أُوفنِىَ كفرَ غَ الزادُ ، وتشبيهُ العمل بالشىء المائع استعارة بالكناية ، وإثبات التفريغ له تَخييلية على رأى السَّكَّاكِى، وعلى رأى غيره تحقيقيّة تَبعيّة (فى قَالَب) بفتح اللام وتكسر آلة كالمثال يُفرَغ فيها الجواهرُ الذائبة ( الإِيجاز) الاختصار (والإِحكام) أى الإتقان ( مع التزام إتمام المعانى) أى إنهائها إلى حدٍّ لا يحتاج إلى شىء خارج عنه ، والمعانى جمع معنى، وهو إظهار ما تَضمَّنْه اللفظ ، من عَنَتِ القِرْبة: أَظهَرَت ماءَها، قاله الراغب (٢) (١) ضبط القاموس المطبوع ((مُفْرَغ)) (٢) الذى في مفردات الراغب مادة (عنا) ((والمعنى إشهار ماتضمنه اللفظ من قولهم عَنَتِ الأرض بالنبات: أنبته. وَعَنَتِ القِرْبةُ: أظهرت ماءَ ها (وإبرام) أَى إِحكام (المبانى) جمع مَبنى ، استعمل فى الكلمات والألفاظ والصِّيغِ العربية ، وفى الفقرتين الترصيع. وفى بعض النسخ إبراز بدل إِبرام ، أَى الإِتيان بِها ظاهرةٌ من غير خفاءٍ ( فصَرَفْت ) أَى وَجَّهْت (صَوْب) أى جهة وناحية، وهو مما فات المؤلّف ( هذا المقصِد (١) عِنانى) أَى زِمامى (وأَلّفت هذا الكتابَ) أَى القاموس ، وللسيّد الشريف الجرجانى قُدِّس سرّه فى هذا كلام نفيس فراجعه (٢) (مَحذُوف الشواهد ) أَى متروكها ، والشواهد هى الجزئيات التى يؤتى بها الإِثبات القواعد النحوية ، والألفاظ اللغوية، والأوزان العَروضية ، من كلام الله تعالى، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أَو من كلام العرب الموثوقٍ بعَرَبيَّتهم على أَن فى الاستدلال بالثانى (١) في القاموس المطبوع ((القصد، (٢) في تعريفات الشريف الجرجاني صفحة ٣٤ ((التألف والتأليف هو جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد سواء كان لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر أم لا . فعلى هذا يكون التأليف أعم من الترتيب ، وانظر أيضا قوله في تعريفاته عن الإيجاز صفحة ٢٨ وقوله عن الإتقان صفحة ٤ ٧١ ( شرح خطبة المصنف ) اختلافاً (١) والثالث هم العرَب العَرْبَاءُ الجاهليّة والمخضرمون والإِسلاميون لا المولَّدون ،وهم على ثلاثٍ طبقات ، كما هو مُفَصَّل فى محلّه (مطرُوح الزوائدِ) قريب من محذوف الشواهد، وبينهما الموازنة (مُعْرِباً) أَى حالة كونه موضّحاً ومُبَيِّناً (عن الفُصح والشَّوَارد) وتقدم تفسيرهما ( وجَعَلْتُ بتوفيق الله) جلّ وعلا، وهو الإلهام، لوقوع الأمر على المطابقة بين الشيئين (زُفَرًا) كصُرَد : البَحر ( فى زِفْر) بالكسر القِرْبة أَى بَحرًا متلاطماً فى قِرْبة صَغيرةٍ، وهو کنایة عن شدِّة الإيجاز ونهاية الاختصار ، وجمع المعانى الكثيرة فى الألفاظ القليلة ، هذا الذى قرَّرناه هو المسموع من أَفواه مشايخنا ، ومنهم من تمحَّل فى بيان هذه الجملة بمعانٍ أُخَر لا تخلو عن التكلُّفات الحَدْسِيَّة المخالفة للنقول الصريحة (١) بها مش المطبوع ما يأتى ((بها مش بعض الفسخ: والاستدلال بحديث التى صلى الله عليه وسلم إنما هو على رأى ابن مالك ومن تبعه . وأما على رأى الجمهور فلا . قالوا : أكثر الأحاديث المروية على طريقة النقل بالمعنى والتناقل لا يعرف حاله من جهة وثاقته في الغربية وإن لم يكن منقولا بالمعنى فلا يستشهد به أيضا، لاحتماله والاحتمال قاطع الاستدلال)) انتهى مافي هامش المطبوع . هذا وانظر : خزانة الأدب في مقدمة الجزء الأول ففيها بحث في هذا (ولخَّصْتِ) أَى بَيَّنْت وهَذَّبت (كلَّ ثلاثينَ سِفْرًا) أَى جعلت مُفَادَها ومعناها (فى سِفْر) واحد (وضمَّنْته) أَى جَعلت فى ضِمْنِهِ وأَدرجت فيه (خُلاصَةٍ) بالضم بمعنى خالص ولُباب (مافى) كتابى (الْعُباب والمُحْكم) السابق ذكرهما (وأَضفْتُ) أَى ضممت (إِليه) أَى إِلى المختصر من الكتابين ( زِيادَاتٍ ) يحتاج إليها كلٌّ لغوىّ أَريب ، ولا يستغنى عنها کل أدیب ، فلا يقال إِن كلام المصنف فيه المخالفة لما تقدم من قوله مطروح الزوائد، ( مَنَّ الله تعالى بها ) أَى بتلك الزِّيادات أَى هى مَواهِبُ إِلَهِيّةٍ مما فتح الله تعالى بها (عَلَىَّ وأَنعم) (١) أَى أَعطى وأَحسن (وَرَزقنيها) أَى أَعطانيها (عِنْدَ غَوْصى عليها) أَى تلك الزيادات ، وهو كناية عما استنبطَتْه أفكارُه السليمةِ (من بُطُون الكُتب ) أَى أَجوافِها ( الفاخرة ) أى الجيّدة أو الكثيرة الفوائد أو المعتمَدَة المعوَّل عليها (الدَّأْمَاءِ) ممدودًا هو البحر (الغَطَمْطَم) هو العظيم الواسع المنبسِطِ ، (١) في القاموس ((بها وأنعم)) بدون كلبة (على)) ٧٢ ٠ ٠ ( شرح خطبة المصنف ) وهو من أسماء البحر أيضاً إلا أنه أُريد هنا ما ذكرناه، لتقدم الدَّأْماء عليه ، فالدأماء مفعول أَوّل لِغِوْصى وهو تارة يستغنى بالمفعول الواحد، وتارةً يحتاج إلى مفعول آخَر فيتعَدَّى إِليه بِعَلَى، ومِنْ بَيانِيَّةِ حالٌ من الدأْماء (وَأَسَمَيْته) كسمَّيته بمعنى واحد، وهما من الأَفعال التى تتعدّى للمفعول الأول بنفسها وللثانى تارة بنفسها وتارةبحرف جر، فالمفعول الأول الضمير العائد للكتاب، والمفعول الثانى ( القَامُوسَ ) هو البحر (المحيط) ويوجد فى بعض نسخ المقلّدين التعرض لبقية التسمية التى يُورِدِها المصنف فى آخر الكتاب ، وهى قوله والقابوس الوسيط ، ففى بعضٍ الاقتصار على هذا، وفى أُخرى زيادة «فيما ذهب من لُغة العرب شَمَاطِيط )) وكل ذلك ليس فى النسخ الصحيحة ويرد على ذلك أيضاً قوله (لأَنّه) أَى الكتاب (البحرُ الأُعظم) فإن هذا قاطع لبقية التسمية ، قال شيخنا : وإنما سمى كتابه هذا بالقاموس المحيط على عادته فى إبداع أسامى مُؤَلّفاته ، لإحاطته بلغة العرب ، كإحاطة البحر للرُّبْع المعمور . قلت : أى فإِنه جمع فيه ستين ألف مادة ، زاد على الجوهرى بعشرين ألف مادة ، كما أنه زاد عليه ابن منظور الإفريقى فى لسان العرب بعشرين ألف مادة، ولعل المصنف لم يطّلع عليه ، وإلا لزاد فى كتابه منه ، وفوق كل ذي علم عليم ، ومما أَحمد الله تعالى على نعمته أن كان من جملة موادّ شرحى هذا كتابُه المذكور (١) . قال شيخنا رحمه الله : وقد مدح هذا الكتابَ غيرُ واحِدٍ ممن عاصره وغيرُهم إلى زماننا هذا، وأَوْرَدوا فيه أعارِيض مختلفة ، فمن ذلك ما قاله الأديب البارع نُور الدين علىّ بن محمد العفيف المكيّ المعروف بالعليفى. قلت : ووالده الأديب جمال الدين محمد بن حسن بن عيسى ، شُهر بابن العليف، توفى بمكة سنة ٨١٥ ، كذا فى ذيل الحافظ تقى الدين بن فهد على ذيل الشريف أبى المحاسن . ثم قال شيخنا : (١) بهامش المطبوع ما يأتى : قوله: ومما أحمد إلى قوله ((المذكور)) مضروب عليه في بعض النسخ ، ولعل ذلك لتقدمه آنفاً. ٧٣ ( شرح خطبة المصنف ) وقد سمعتهما من أشياخنا الأَئمة مرَّات ، ورأيتهما بخط والدى قدّس سرّه فى مواضع من تقابيده، وسمعتهما منه غير مرّة، وقال لى إِنه قالهما لما قُرِئ عليه كتاب القاموس : مُذْ مَدّ مَجْدُ الدِّينِ فِى أَيَّامِهِ مِنْ بَعْضٍ أَبْحُرِ عِلْمِهِ القَامُوسَا(١) ذَهَبَتْ صِحَاحُ الجَوْهَرِىِّ كأَنَّها سِحْرُ المدائِنِ حِينَ أَلْقَى مُوسَى وفى بعض الروايات ((واحد عصره)) بدل «فىأيامه)) و ((فیض )) بدل ((بعض)) و((أَضحت)) بدل ((ذهبت)). قلت : ومثله أنشدنا الأديب البارع عثمان بن علىّ الجبيلى الزَّبيدى والفقيه المفنّن عبد الله بن سُليمان الجرهزِى الشافعى إلا أنهما نسباهما إلى الإِمام شهاب الدين الردّاد، أَنشدهما لما قُرئ عليه القاموس ، ونص إنشادهما . * مُذْ مَدّ مجدُ الدّين فى أَرجَائِنا . وفى ((القاموسا)) و((ألقى موسى)) جناس تام، وقد استظرَفَت أَديبة (١) في المزهر ٥١/١ وفي القاموس يقول بعض الأدباء ((مذ مد ... من بعض بحر علومه )» عَصْرِها زينب بنت أحمد بن محمد الحسنية المتوفاة (١) بشهارة سنة ١١١٤ إذ كتبت إلى السيد موسى بن المتوكل تطلب منه القاموس فقالت : مَوْلاَى مُوسَى بالذِى سَمَكَ السَّمَا وبِحَقِّ مَنْ فِى الْيَمِّ أَلْقَى مُوسَى أُمْنُنْ علىّ بِعَارَةِ مَرْدُودَةٍ ! واسْمَح بفضْلِكِ وابْعَثِ القَامُوسَا قال شيخنا : وقد رَدّ على القول الأَوّل أَديبُ الشّأُم وصُوفِّه شيخ مشايخنا العلامة عبدُ الغنى بن إسماعيل الكنانى المقدسى المعروف بابن النابلسى ، قدس سره ، کما أَسمعنا غيرُ واحدٍ من مشايخنا الأعلام عنه : : مَنْ قَال ◌َقَدْ بَطَلَتْ صِحَاحُ الجَوْهَرِىِ لَمَّا أَتِى الْقَامُوسُ فَهْوَ المُفْتَرِى قُلْتُ اسْمُه القَامُوسُ وَهْوَ الْبَحْرُ إِنْ يَفْخَرْ فَمُعْظَمُ فَخْرِهِ بِالجَوْهَرِى (قلت) واصل ذلك قولُ أَبی عبد الله رحمه الله : (١) في المطبوع ((١المتوفية » ٣ ٧٤ : 3 ( شرح خطبة المصنف ) لله قاموسٌ يَطيبُ وُرُودُه أَغْنَى الوَرَى عَنْ كُلِّ مَعْنَّى أَزْهَرِ نَبَذ الصحاحَ بلَفظه والبَحْرِ مِنِ عَادَاتِه يُلْقِ صِحَاحَ الجَوْهَرِى ونُقل من خطّ المجدِ صاحِبِ القاموس قال: أَنشدنا الفقيهُ جمالُ الدين محمد ابن صباح الصباحىّ لنفسه فى مدح هذا الكتاب : مَنْ رَامَ فِى اللُّغَةِ الْعُلُوَّ عَلَى السُّهَا فَعَلَيْهِ مِنْهَا مَا حَوَى قامُوسُهَا مُغْنٍ عَنِ الكُتُبِ النَّفِيسَةِ كُلِّها جَمَّاعُ شَمْلِ شَتِتِهَا نَامُوسُهَا فَإِذَا دَوَاوِنُ الْعُلُومِ تَجَمَّعَتْ فى مَحْفِلٍ للدَّرْسِ فَهْوَ عَرُوسُهَا لهِ مَجْدُ الدِّينِ خَيْرُ مُؤَلِّفٍ مَلَك الأَئِمَّةَ وافتَدَتْه نُفُوسُها ووجدت لبعضِهم ما نصّه : أَلاَ لَيْسَ مِنْ كُتْبِاللُّغاتِ مُحَتَّقًا يُشَابِهُ هُذَا فى الإِحَاطَةِ والجَمْعِ لَقَدْ ضَمَّ ما يَحْوِى سِوَاهُ وفَاقَه بِما اختَصَّ مِنْ وَضْعٍ جَمِيِلٍ ومن صُنْعِ (ولما رأَيتُ إِقبال الناسِ) أَى توجّه خاطِرٍ علماء وقته وغيرهم بالاعتناء الزائد والاهتمام الكثيرِ (على صِحاح) الإِمام أبى نصر إسماعيل بن نصر بن حَمّاد (الجوهرىِّ) لِبيع الجوهر، أو لحسن خَطِّهِ أَو غير ذلك، الفارابيّ نسبة إلى مدينة ببلاد الترك، وسيأتى فى ف رب من أَذكياء العالم ، وكان بخطِّه يُضرَب المثل ، توفى فى حدود الأَربعمائة ، على اختلاف فى التعيين، اختُلِف فى ضَبْط لفظ الصحاح ، فالجارى على ألسنة الناس الكسر ، ويُنكرون الفتح ، ورَجّحه الخطيب التبريزى على الفتح ، وأَقرَّه السيوطى فى المزهر، ومنهم من رجّح الفتح، قال شيخنا : والحق صِحّة الروايتين وثبوتُهما من حيث المعنى ، ولم يرد عن المؤلف فى تخصيص أَحدهما بالسَّند الصحيح ما يُصار إِليه ولا يُعْدل عنه (وهو) أَى الكتاب أو مؤلفه ( جَدِيِر ) أَى حَقيق وحَرِىّ ( بذلك ) الإِقبال ، قال شيخنا : وقد مدحه غيرُ واحد من الأفاضل ، ووصفوا كتابه بالإِجادة ، لالتزامه الصحيح، وبَسْطه الكلام ، وإيراده ٧٥ ٠ ( شرح خطبة المصنف ) الشواهد على ذلك، ونقله كلام أهل الفن دون تصرف فيه ، وغير ذلك من المحاسن التى لا تُحْصَى، وقد رزقه الله تعالى شُهرة فاق بها كلَّ من تقدمه أَو تأخّر عنه، ولم يَصل شىء من المصنَّفات اللغوية فى كثرة التداول والاعتماد على ما فيه ما وصل إِليه الصحاح، وقد أنشد الإِمام أبو منصور الثعالبىّ لأَبى محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوس النيسابورى : هُذَا كِتَابُ الصَّحَاحِ سَيِّدُ مَا صُنِّفَ قَبْلَ الصّحَاحَ فِى الأَدبِ تَشْمَلُ أَبوابُهُ وَتَجْمَحُ مَّا فُرِّقَ فِى غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ (١) (غير أنه) أَى الصحاح قد(فاتَه) أَى ذَهب عنه (نصف اللغة) كذا فى نسخة مكّية ، وفى الناصِرِيّة على ما قيل ثُلثا اللغة (أو أكثر) من ذلك، أى فهو غير تام ، لفوات اللغة الكثيرة فيه . قال شيخنا : وصريح هذا النقل يدلّ على أنه جمع اللغة كلها وأحاط بأسرها ، وهذا أمر متعذّر لا يمكن لأحدمن الآحاد إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قلت : وقد تقدم فى أَوّل الكتاب نصّ الإِمام الشافعىّ رضى الله عنه فيه ، فإِذا عرفت ذلك ظهر لك أَن أَدِّعاءَ المصنّف حَصْر القوات بالنصف أَو الثلثين فى غير محلّه، لأَن اللغة ليس يُنال مُنتهاها، فلا يُعرَف لها نصف ولا ثُلث، ثم إِن الجوهرىّ ما ادّعى الإِحاطة ، ولا سَمَّى كتابه البحر ولا القاموس ، وإِنما التزم أَن يورد فيه الصحيح عنده ، فلا يلزمه كل الصحيح ، ولا الصحيح عند غيره ، ولا غير الصحيح، وهو ظاهر، انتهى . ثم بيّن وجه الفوات فقال ( إِمابإِهمال) أَى ترك (المادّة) وهى حروفِ اللفظ الدالّ على المعنى، والمراد عدم ذكرها بالكلّيّة (أَوبترك المعانى الغَريبة) أَى عن كثير من الأفهام ، لعدم تداولها (النّادّة) أَى الشاردة النافرة ( أُرِدْت أَن يَظھر) أَى ينكشف ( للناظرِ) المتأُمّل (بَادِىَ) منصوب على الظرفية مضاف إلى (بَدًا) أَى أَوّل كل شىء قبل الشروع فى غيره ( فَضْلُ كِتابى هذا عليه ) أَى الصحاح 1 (١) يتيمة الدهر ٤، ٢٨٩ ٧٦ ( شرح خطبة المصنف ) 3 (فكتبت بالحُمرة المادّة) أَى اللفظة أَو الكلمة (المهمَلة) أَى المتروكة (لَدَيْه) أى الصحاح ( وفى سائر التراكيب) أَى باقيها أَو جميعها ( تتَّضِح) أَى تتبين وتظهر ظهورًاً واضحاً (المَزِيَّة) الفضيلة والمأثرة (بالتوجّه ) أَى الإقبال وصرف الهمّة (إِليه) أَى إِلى كتابه . وفى هذا الكلام بيان أَن الموادّ التى تركها الجوهرىّ رحمه اللهوزادها المصنف ميزها بما يعرّفها ، وهى كتابها بالحمرة ، لإظهار الفضل السابق . ولشيخنا رحمه الله هنا كلام. لم نعطف إلى بيانه زِمام (١) ، فإِنه مورث للملام . والله سبحانه الملك العلام (ولم أَذْكُرُ ذلك) إشارة إلى ما تقدم من مدح كتابه وذكر مناقبه (إِشاعةً ) أَى إِذاعة وإظهارا ( للمَفَاخر ) جمع مَفخَر ومَفَخُرة بالفتح فيهما ، وبضم الثالث فى الثانى لغة، مفعل من الفَخْر. ويقال الفَخَار والافتخار ، هو المدح بالخصال المحمودة . قال شيخنا : وجوّز البدر القرافى ضبط المفاخر بضم الميم اسم فاعل من فاخَرَه (١) كذا السجع ولعل الصواب لم يُعْطَف إذ بيانه زمام مُفاخرةً، وجعله متعلِّقاً بأَذكر، أَى لم أَذكره للشخص المفاخر الذى يفاخرنى فأَفتخر عليه بالكتاب . وهو من البعد بمكان (بل إِذاعةً) أَى نشرًا وإِفشاء (لقوْل) أبى تمام حَبيب بن أَوس الطائى (الشاعر) المعروف وهو : لاَ زِلْتَ مِنْ شُكْرِىَ فى حُلَّةٍ لابِسُهَا ذُو سَلَبٍ فَاخِرٍ يَقُولُ مَنْ تَفْرَعُ أَسْمَاعَهُ ( كَمْ تَرَك الأَوَّلُ لِلآخِرِ) (١) وهذا الشطر الأخير جارٍ فى الأَمثال المتداولة المشهورة حتى قال الجاحظ : مَا عَلِمِ النَّاسُ سِوَى قَوْلِهِم كَمْ تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ (٢) ثم إِن قوله (( ولم أذكر ذلك)) إلخ ثبت فى نسخة المؤلف ، كما صرح به المحبّ ابن الشحنة، وأَثبته البدر -- (١) ديوان أبى تمام ص ١٤٣ وانظر شرح مقامات الحريرى ١ : ١٥ (٢) بهامش المطبوع : قوله ثم إن قوله الخ ، هذه الجملةمن كلام شيخه ، و ليست من كلام الشارح ، فكان عليه عَزْوُه إليه ليبرَأ من الرّد عليه بما قاله قبلُ في شأن شرح المناوى أنسمع به ولم تصل يده إليه. قال: وكم وجَّهْت رائد الطلب إليه ولم أقف إلى الآن عليه اهـ من شرح ديباجة القاموس . ٧ ٧ ( شرح خطبة المصنف ) القرافى أيضاً ، وشرح عليه المنّاوى وابن عبد الرحيم وغير واحد ، وسقط من كثير من النسخ . (وأَنتَ أَيها اليَلْمع) كأَنَّه مُضارع من ◌َمع البرق، زیدت عليه أَل ، ومعناه الذى يلمع ويتوقّد ذكاءً ، ويتفطن الأُمور فلا يُخطئ فيها، والمعروف فيه اليلمعىّ بالياء المشددة الدالة على المبالغة ، كالأَلمعىّ بالهمزة، وأَما اليلمع فهو البَرْق الخُلَّب ، وبمعنى الكذَّاب ، و كلاهماغيرمناسب(العَرُوف ) كُصَبور ، مبالغة فى العارف أَى ذو المعرفة التامّة ( والمَعْمَع ) هو الصَّبر على الأُمور ومزاولتها ، وهو على تقدير مضاف أَى ذو المعمع (اليَهْفُوف) كيَعْفُور، الحديدُ القلبِ ويطلق على الجَبَان أَيضاً، وليس بمرادٍ هنا (إِذا تأَمّلت) أَى أَمعنت فيه الفكر وتدبرته حقَّ التدبُّرِ ( صَنِيِعِى هذا) مصدر كالصُّنع بالضم بمعنى المصنوع ، أَى الذى صنعته ، وهو الكتاب المسمّی بالقاموس (وجَدْته ) أَی الصنيع أَو الكتاب (مشتملاً) أى منضماً (على فَرائدَ) جمع فَرِيدة وهى الجوهرةُ النفيسة، والشَّذْرَة من الذهب والقطعة التى تَفْصِل بين الجواهر فى القلائد، كما سيأتى (أَثِيرة) أَى جليلة لها أَثرة وخصوصية تمتاز بها ، أَو أَن هذه الفوائد متلقَّاة من قَرْن بعد قَرْن (وفوائد) جمع فائدة، وهىما استفدته من علم أَو مال ( كَثِيرةٍ) وفى الفقرة كأُختها السابقة حسْنُ ترصيع والالتزام ( من حُسْن الاختصار ) وهو حذف الفُضُول وإزالتها، أَو الإِتيانِ بالكلام مستَوْفِىَ المعانى والأغراض (وتَقرِيب العبارة ) أَى إِدنائها وتوصيلها إِلى الأفهام بحسن البيان (وتَهْذِبِ الكلام) أَى تنقيحه وإصلاحه وإزالة زوائده ( وإيراد المعانى الكثيرة فى الألفاظ اليسيرة) أَى القليلةِ . (ومِن أَحسن ما اختصَّ به) وتميّزعن غيره وانفرد( هذا الكتابُ) أَى القاموس (تخليصُ الواو من الياء) الحرفان المعروفان أى تمييزها منها (وذلك) أى التخليص (قِسْمٌ ) أى نوع من التصرفات الصَّرفية واللغوية (يَسِمُ) مِنِ وَسَم إذا جعل له سِمَةً وهى العلامة (المصنّفين) هم أئمة ٧٨ -- ـن ( شرح خطبة المصنف ) الفن الكبار (بالعىّ) وهو بالفتح العجز والتعب وعدم الإِطاقة ، ويستعمل بمعنى عدم الاهتداء لوجه المراد ، وبالكسر الحَصَرُ والعَجز فى النطق خاصة (والإِعياء) مصدر أَعْيَا رُباعيًّا إِذا تعب ، قال شيخنا : وبعضهم يقول العىّ من الثلاثى العجز المعنوى ، والإعياء الرباعى العجز الجسمانى ، والمعنى أن هذا النوع فى التصرف اللغوىّ والصرفىّ مما يوجب للمهرة فى الفن العجز وعدم القدرة حسًّا ء ومعنى لما فيه من الصعوبة البالغة والتوقف على الإحاطة التيامَّة، والاستقراء التام ، بل يتوقف إدراكها على اطلاع عظيم وعلم صحيح . ١ (ومنها) أَى من محاسن كتابه الدالة على حسن اختصاره ( أَنى لا أَذكُر ماجاءَ من جمع فاعلٍ) الذى هو اسم فاعل (المعتَلّ العين) الذى عينه حرف علة ياءً أَو واوًّا (على فَعَلة ) محركة فى حال من الأحوال (إِلا أَن يصح) أَى يعامل (مَوضِع العينِ منه) أَى من الجمع معاملةَ الصحيح ، بحيث يتحرك ولا يعلّ ( كجَوَلَة ) بالجيم من جال جَوَلانَا (وخَوَلَة ) بالمعجمة جمع خائل، وهو المتكبِّر. فإِنهما لما حُرّكت العين منهما أُلحقا بالصحيح ، وإن كانت فى الأَصل معتلة ، فإِنها لم تُعَلّ أَى لم يدخلها فى الجمع إِعلال ، فصارت كالصحيح نحو طَلَبة وكَتَبَة، فاستحق أَن تُذكر لغرابتها وخروجها عن القياس ( وأما ما جاءَ منه) أَى من الجمع (معتلاً) أَى مغيَّرًا بالإِبدال الذى يقتضيه الإِعلال (كباعة وسَادة) وفى نسخة ((وقادة)) بدل ((وسادة)) جمع بائع وسيّد وقائد، وأَصلهما بَيَعَة وسَيَدَة، تحركت اليَاء وانفتح ما قبلها فصارت ألفا ( فـ لا أَذكره لاظِّراده ) أَى لكونه مطّردًا مَتميساً مشهورًا ، وفى المزهر : قال ابن جنى فى الخصائص(١): أَصل مواضع طَرَد فى كلامهم التتابع والاستمرار ، من ذلك طَرَدْت الطَّرِيدة إِذا تبعتها واستمرَّت بين يديك ، ومنه مُطارَدَة الفرسان بعضهم بعضاً، ثم جعل أَهل العربية ما استمرَّ من كلامٍ وغيره من مواضع الصِّناعة مطَّرِّدًا ، وجعلوا ما فارق ماعليه (١) المزهر ١ /١١٢ والخصائص ٩٦/١-٩٧ ٧٩ ( شرح خطبة المصنف ) بقيّة بابه وانفرد عن ذلك شاذًّا .. قلت وقد تقدم طَرف من ذلك فى المقدِّمة ، قال شيخنا : وهذا المعنى الذي ذكرناه هو الذى لا ينبغى العُدول عنه ، على أَن المصنف أَخلَّ بهذا الشرط ، بل وبغيره من شُروطه ، فهى أَغلبيَّة ، لا لازمة فظاهر كلامه أنه لايذكر سادة وقادة ، وقد ذكر كلاًّ منهما فى مادّته ، نعم أهمل باعَة على الشَّرْط، وذكر عَالَة وذَادة وغيرهما . وقال المحبّ بن الشحنة والقرافى : إِن فى الكلام تقدِيماً وتأخيرًا ، حَدَاه عليه التقْفية ، أَى لم يذكر ماجاءَ على وزن فَعَلة مفتوح العين إذا كانت عينه حرف علة، كجَوَلة وخَوَلة وأشباههما لاطراده، أَى لمشابهة بعضِه بعضاً، قال شيخنا : وفيه نظر، فإِنه لاقافية هاهنا ، بل جاء بهذا الكلام ترسيلاً ، كما هو ظاهر، وقال الشيخ المناوى: قوله كجَولَة وخولة فیه تقدیم وتأخير ، والأصل : لا أَذكر ما جاءَ على وزن فَعَلة مفتوح العين إِذا كانت عينه حرف علة ، كجَوَلَة وخَوَلَة ونحوهما ، وإِنما أذكر ما جاء صحيح العين، كدَرَجَةٍ، وخَرَجة، انتهى. والصحيح ما قدَّمناه ، وبما نقلناه عن المزهريبطل كلامُ القرافى فى الاطِّراد. ثم شرع فى بيان الوجه الثالث من وجوه التحسين الذى أودعها (١) هذا الكتاب بقوله : ( ومن بديع اختصاره ) أَى الذى ابتدعه ولم يَسبقه به غيره (وحُسْن ترصيع) أَى تحلية (تِفْصَارِه ) بالكسر هى القلادة ، وفى الفقرة مع شبه الترصيع الالتزام ( أَنى إِذا ذكرت صيغة المذكر ) أَى بِنْيَته وهَيْأَته (أَتبعتها) أَى أَلحقتها بعد صيغة المذكر (المؤنث بقولى وهى) أَى الأُنثى (بهاء) أى هاء التأنيث، كما ستعلم أمثلته (ولا أُعيد) أَى لا أُكرر (الصِّيغة) مرّةً ثانيةً ، بل أَترك ذلك وأَحذفه اختصارًا إِلا فى بعض مواضع الموانع تتعلق هناك، وفى بعضها سهوًا من المؤلف، كما تأتى الإشارة إليه فى محله. ( و) الوجه الرابع من وجوه التحسين أنى(إِذا ذكرت المصدر) وهو اللفظ الذى (١) لعلها ( التى أودعها () أو ( الذى أودعه)) ٨٠ : :