Indexed OCR Text
Pages 1-20
سلامية ـة الا العلوم أنْشَادِ القَّاصِدُ الرَّسَةُ المِقَاصِدُ فِى أنواع العُلوم تأليف الحكيم المتطبب ابْن الأكفانى محمّدَ بَنْ إبرَاهِيمْ بِنْ سَاعِدْ الأنصارى ٧٤٩هـ / ٢١٢٤٨ مراجعة احمد حلمى عبد الرحمن تحقيق وتعليق عبدالمنعم محمد هُمْ ٠٠ ٠ ١ ٠٠ 0121786 Bibliotheca Alexandrina العلوم والمعارف فى الحضارة الإسلامية إِنشَادِ القَّاصِدِ الرَّسَةُ المُقَاصِدْ فِى أنَوَاع العلوم تأليف الحكيم المتطيب ابْن الأكفانى محمد بنْ إبرَاهِيمْ بن ساعة الأنصارى ٧٤٩ هـ /٢١٣٤٨ تحقيق وتعليق عبد المنعم محمدُهُمْ وكيل وزارة الثقافة السابق ورئيس لجنة إحياء التراث الإسلامى بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية مراجعة احمد حلمى عبد الرحمنُ مدير المخطوطات السابق بدار الكتب وعضو لجنة إحياء التراث الإسلامى بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ملتزم الطبع والنشر دار الفكر العربى الادارة : ١١ شارع جواد حسنى ص ب ١٣٠ القاهرة - ت : ٣٩٢٥٥٢٣ بسم الله الرحمن الرحيم الإهداء إلى كل من يعنى بدراسة الحضارة الإسلامية : تاريخها وتراثها العلمى والأدبى والثقافى ، وإلى الشباب الناهض الذى يتوق إلى الوقوف على المكانة الإنسانية الرفيعة التى وصل إليها آباؤهم المسلمون ، وإلى كل من يدفع ويدافع عن الإسلام والعروبة حتى ترتفع راياتها المنصورة دائماً فى يومنا وغدنا ، وإلى العلماء والباحثين الذين يبذلون كل ما يستطيعون من الجهود للنهوض بالعالم الإسلامى بصفة عامة ، وبالعالم العربى بصفة خاصة ، إلى المكانة السامية الكريمة التى وصفها الله تعالى بقوله : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ (١) . إلى هؤلاء وأولئك جميعاً أهدى كتاب : (« إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم» تأليف الفيلسوف المسلم الكبير من أشهر أطباء القرن الثامن الهجرى: «ابن الأكفانى )» راجياً أن تكون هذه الموسوعة المختصرة خير معين لهم جميعاً فى دراساتهم وجهادهم لبلوغ مآربهم العلمية السامية . (١) سورة آل عمران: الآية ١١٠. ٣ هذا هو ما كنت قد قررت أن افتتح به اهداء هذا الانتاج العلمى الرفيع لعلماء المسلمين ولغيرهم من الباحثين الذين بعنون بدراسة تاريخ الحضارة الإنسانية ويعنون بمعرفة مبلغ ما وصلت إليه من ازدهار على أيدى المسلمين ، ولكن شاءت إرادة الله العظيم أن يختار الله إلى جواره الزميل العزيز الأستاذ ((أحمد حلمى عبد الرحمن)) (١) بعد أن انتهى من مراجعة تحقيق هذه الموسوعة المختصرة ، وكان ذلك قبل أن ندفع بها إلى المطبعة . لقد كان فى نفسى لهذا الزميل الكريم ، المتواضع تواضع العلماء ، معزة خاصة ، فقد كان أحد تلاميذى المقربين ، ثم أصبح أحد زملائى المخلصين الذين حباهم الله بصفاء النفس وطهارة القلب ، والاخلاص فى معاونة العلماء والباحثين ومساعدتهم فى الوصول إلى مفاتيح كنوز الحكمة والمعرفة التى تقتنيها دار الكتب المصرية ، وفى الارشاد إلى ما فى غيرها من مكتبات العالم من الكنوز المخطوطة والمطبوعة ، ولذلك فقد شاءت إرادة الله العزيز العليم أن أهدى عملى وعمله معاً فى تحقيق ومراجعة هذه الموسوعة النفيسة المختصرة إلى روحه الطاهرة وإلى كل من يعنى بالبحث والدراسة فى التراث الإسلامى الذى كان له شأنه الكبير فى النهوض بالحضارة الإنسانية . عبد المنعم محمد عمر (١) توفى لرحمة الله فى ١٩٨٧/٩/١٤م ٤ بسم الله الرحمن الرحيم تقديم كان العرب فى الجاهلية يعيشون فى قبائل متنافرة ، وكانت تسود بين كثير منها العداوة والحروب ، وكانوا أميين يندر أن يكون بينهم قارئ أو كاتب (١) فكانوا متخلفين حضارياً عن جيرانهم من الروم والفرس والأحباش ، وذلك برغم ما كان بينهم وبين تلك الشعوب من علاقات تجارية ، وظل الحال كذلك إلى أن شملهم الله بفضله واستجاب إلى دعوة خليل الله إبراهيم وأبيهم إسماعيل: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ﴾ (٢) فأرسل سبحانه إليهم محمداً عَّه خاتم الأنبياء والمرسلين يدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد ، ويرشدهم إلى المنهج الإسلامى الكريم الذى اختاره الله لمعيشتهم فى الدنيا، وأمرهم باتباعه حتى يعيشوا إخواناً متحابين متعاونين لا يعتدى بعضهم على بعض ، يجير عليهم أدناهم ، وهم يد واحدة على من سواهم . وأنزل الله سبحانه وتعالى على قلب رسولهم الكريم مَّه القرآن المجيد، فيه هدى ورحمة للمتقين، يأمرهم فيه بالمعروف وينهاهم فيه عن المنكر ، ويحضهم على طلب العلم والحكمة ، والتأمل فى الكون ، ويمدح العلماء ويعظم من شأنهم فى كثير من آياته الشريفة مثل قوله سبحانه: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (٣). وفى صدر الإسلام والعصر الأموى أقبل الصحابة والتابعون على دراسة القرآن العزيز وما يحويه من العلم والحكمة ، فنشأت على أيديهم تلك العلوم ، وكذلك علوم الحديث الشريف وعلوم السنة النبوية المباركة ، وكلها علوم لازمة لاستكمال معرفة المنهج الإسلامى الذى اختاره الله سبحانه وتعالى لعباده حيث بينت لهم الحلال والحرام ، وظهرت كذلك فى هذه الفترة العلوم التى تساعد على توضيح معاني الألفاظ القرآنية ومعانى غريب الحديث مثل علوم اللغة العربية وفنونها ، وعلم التاريخ والتراجم ، وكان (١) هذا مجمع عليه تاريخياً . (٢) البقرة : ١٢٩ . (٣) المجادلة : ١١ . ٥ الغرض من كل هذه العلوم هو خدمة الدين الإسلامى والمحافظة عليه ، وقد حرص الصحابة والتابعون وتابعوهم على حفظها فى الصدور . وفى العصر الأموى أيضاً بدأ علماء المسلمين فى دراسة ما خلفته لهم الأمم التى سبقتھم من علوم وآداب وفنون ، ولكنها كانت بداية متأنية جداً ، حتى إذا كان العصر العباسى الأول اخذت دراساتهم لها تنشط بسرعة نتج عنها دراسات عميقة أنتجتها عقول واعية ذات بصيرة نافذة ، وقلوب متفتحة لم يشبها شئ من التعصب وأقبلوا يترجمون إلى اللغة العربية تراث تلك الحضارات القديمة الضخم ، وبخاصة ما خلفه الإغريق والرومان والفرس والمصريون والهنود . وقد نتج عن التقاء علوم الأقدمين وثقافتهم مع العلوم الدينية الإسلامية والعلوم الأخرى المساعدة لها أن فتحت أمام علماء المسلمين وغيرهم من الشعوب التي خضعت لهم أو اندمجت فيهم آفاقاً واسعة للبحث العلمى والأدبى فى مختلف العلوم والفنون ، وأخذت ثمار تلك الدراسات تظهر للناس فى شكل كتب ومؤلفات كثيرة وبخاصة فى مجال الفلسفة والطب والكيمياء والفلك والعلوم الرياضية والجغرافيا ، وكذلك ازدهرت فى ذلك العصر العلوم الدينية، وظهر الفقهاء والمفسرون والمحدثون وعلماء اللغة العربية والنحاة والشعراء والمؤرخون، وازداد إنتاجهم الفكرى وتطور ، فكثرت ميادينه وموضوعاته فى مختلف المجالات ، وقد يسرت صناعة الورق فى عهد هارون الرشيد انتشار الإنتاج الفكرى ووجود نسخ كثيرة من مخطوطاته فى العواصم الإسلامية . وقد تنوعت المؤلفات فى ذلك العصر من حيث الحجم والمضمون فكانت الكتب المبسوطة التى تعنى بالتوسع فى الشرح والعناية بذكر التفاصيل ، كما ظهرت الكتب المتوسطة التى يكون لفظها بازاء معناها ونفعها عام ، إذ أنها لا تتطرق للتفاصيل التى لا يعنى ببحثها إلا كبار العلماء والمتخصصون ، وكانت الكتب التى صنفت فى ذلك العصر فى مختلف العلوم ((لا تحصى كثرة ، لكثرة العلوم وتفننها واختلاف أغراض العلماء فى الوضع والتأليف)) (١) واستمر الازدهار فى الإنتاج الفكرى كمّاً وكيفا حتى إذا كان النصف الأول من القرن الرابع الهجرى نهج «الفارابى» فى عالم التأليف باللغة العربية منهاجاً جديداً ، وذلك (١) ابن الاكفانى: إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد . ٦ فى رسالته المشهورة بعنوان: ((مقالة فى إحصاء العلوم : كتاب أبى نصر محمد الفارابى فى مراتب العلوم»، فقد فتح الباب على مصراعيه أمام علماء المسلمين للتأليف فى علم (( تقاسيم العلوم وترتيبها )» ، وهو علم ابتكره الفارابى(١) يبين فيه ((مراتب العلوم وقيمة كل منها مقارناً بالعلوم الأخرى ، كما يوضح الغرض من كل علم وصلته بغيره من العلوم الأخرى ، ثم قسم الفارابى كل علم تقسيماً، يحدد موضوعاته وأجزائه ، ويوضح الصلة بين كل منها وبين باقى الموضوعات أو الأجزاء التى يشتمل عليها هذا العلم . ومن المهم أن نلاحظ أن هذه الموسوعة - فوق ذلك - كانت فاتحة لتأليف ((الموسوعات العربية المختصرة)» التى ترتب المواد فيها وفق التصنيف العلمى فى كل فن أوعلم على حدة، فقد أحاط ((الفارابى)) فى رسالته هذه بعلوم عصره عدا الطب والموسيقى ، ثم قدمها للناس بعد تلخيص المعلومات الواردة فيها تلخيص الفيلسوف المتمكن، وألمّ فى هذا التلخيص بأهم الموضوعات متوخّياً دقة التعبير ، ووضوح الأسلوب سواء أكان ذلك عند ذكر علوم العرب ، أم عند بحث علوم العجم . وقد أعجب علماء المسلمين بهذه ((الموسوعة المختصرة المصنفة)) أيما إعجاب حيث جاءت كما ذكرنا من قبل - فى عصر ازدهر فيه الإنتاج الفكرى المبسوط والمتوسط ، وكان يتعين على كل من يريد أن يكون أديباً مجيداً ، أو عالماً مرموقاً أن يُلِمّ بأكثر ما يستطيع من علوم ومعارف عصره ، وأدرك العلماء والفلاسفة أن لهذا المنهاج الجديد فى التأليف فوائد عظيمة ، فهو ييسر البحث فى جميع فروع المعرفة ، وقد عبر عن ذلك - القاضى صاعد الأندلسى (( ( المتوفى سنة ٤٦٣ هـ / ١٠٧٠م) بقوله فى عبارة. فصيحة مختصرة (« تمّ له بعد هذا كتاب شريف فى ((إحصاء العلوم)) والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه ، ولا ذهب أحد مذهبه فيه ، ولا يستغنى طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه)) (٢). (١) ((الفارابى)» هو أحد كبار فلاسفة المسلمين الذين بلغوا القمة فى الإحاطة بأكثر علوم عصره حتى أطلق عليه اسم ((المعلم الثانى)) أى أنه يلى فى المرتبة العلمية الفيلسوف الإغريقى الكبير ((أرسطو)) وقد توفى سنة ٣٣٩هـ - ٩٥٠م وقد نشرت ((مكتبة النهضة المصرية هذه الرسالة بعنوان: إحصاء العلوم)) عدة مرات بتحقيق المرحوم دكتور عثمان أمين . (٢) انظر مقدمة الطبعة الثانية الموسوعة ((إحصاء العلوم)) وقد توفى القاضى صاعد الأندلسى سنة ٤٦٣هـ - ١٠٧٠م . ٧ وقد دفع هذا الإعجاب كبار فلاسفة المسلمين إلى أن يحذوا حذو الفارابى فى العناية بتأليف ((الموسوعات المختصرة المصنفة)» ومنهم من شملت موسوعته الكلام فى أكبر عدد ممكن من علوم عصره وفنونه ، ومنهم من اكتفى بالكتابة عن مجموعة اختارها من بين تلك العلوم والمعارف ، وقد ورثنا الكثير من هذه وتلك ، ووصل بعضها فى إتقان البحث ودقة الترتيب ووضوح الرأى إلى مكانة سامية تدانى مكانة إحصاء العلوم الفارابى ، وأطلق كل مؤلف على موسوعته عنواناً أو أكثر رغبة منه فى تحديد المجال العلمى الذى ألفها فيه ، فقد اختار الفارابى لموسوعته ثلاثة عناوين هى : ( أ) إحصاء العلوم . (ب) علم مراتب العلوم وتصنيفها . (جـ) علم تقاسيم العلوم . ومن أشهر ((الموسوعات - المختصرة المصنفة)» التى أشاد بها كبار العلماء والدارسين : (١) موسوعة ((مفاتيح العلوم)) تأليف أبى عبد الله محمد الخوارزمى المتوفى سنة ٣٨٧هـ الموافقة لسنة ٩٩٧م. (٢) موسوعة ((مفتاح العلوم)) تأليف سراج الدين أبى يعقوب السكاكى المتوفى سنة ٦٢٦هـ الموافقة لسنة ١٢٢٨م. (٣) إتمام الدراية لقراء النقابة تأليف جلال الدين السيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ - الموافقة لسنة ١٥٠٥م. وقد بدأ السيوطى بكتابة موسوعته (( النقاية )» ثم نقحها وتوسع قليلاً فى شرحها وأطلق عليها عنوان: «إمام الدراية لقراء النقابة)). (٤) موسوعة: ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم» تأليف « شمس الدين محمد السنجارى أصلاً ، المصرى بلداً ، المعروف باسم ابن الأكفانى المتوفى سنة ٧٤٩هـ الموافقة لسنة ١٣٤٨م)) وهى الموسوعة التى نحن بصدد التعريف بها . ومن الإنصاف أن نذكر أن موسوعة: ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم لابن الأكفانى)» تتقدم فى كثير من النواحى على غيرها من الموسوعات المختصرة المصنفة الأخرى ، وسنحاول أن نذكر فى إيجاز أهم هذه النواحى : ٨ أولاً: عنى ((ابن الأكفانى)) بالكلام على الإنتاج الفكرى حتى القرن الثامن الهجرى ، وقد صنف فى موسوعته العلوم والفنون التى صنفها «الفارابى» ثم زاد عليها تصنيف الطب والموسيقى . ثانياً: استهل ((ابن الأكفانى)» موسوعته بمقدمة تعتبر من أحسن ما كتب حتى ذلك العصر عن تطور التربية والتعليم عند المسلمين ، وقد عنى بذكر فضل العلم ، ووظيفة المعلم وواجباته ، وما يجب أن يتحلى به من فضائل ، وعن المنهج الواجب اتباعه ، وما يجب أن يتحلى به الطالب أثناء تحصيل العلم والوسائل التى يستعين بها ، وعن مصنفى الكتب ، وأهمية الاستعانة بالمصنفات المعتبرة .. الخ . وقد أجاد ((ابن الأكفانى)) فى هذا الشرح حتى أن ((الفيروز أبادى))(١) استعان بهذا البحث في كتابه الكبير ((بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب. العزيز)) (٢) فنقلها كاملة دون أن يذكر أنه استعان بموسوعة ((ابن الأكفانى)). ثالثاً : لا شك أن ابن الأكفانى استفاد من موسوعة الفارابى : (« إحصاء العلوم)»، كما استفاد غيره من مؤلفى الموسوعات المختصرة المصنفة ، ولكن من الإنصاف أن نذكر أن ((ابن الأكفانى)» كان له منهجه الخاص ورأيه فى بيان مراتب العلوم وفى تقاسيمها (٣)، وأنه خالف فى ذلك بعض آراء «الفارابى»، ولذلك فقد ألحقنا بهذا التحقيق خرائط بيانية توضح فى عدة لوحات تقاسيم العلوم وبيان مراتبها عند كل من ((ابن الأكفانى)) و ((الفارابى)) وكذلك عند ((الخوارزمى)) (٤) حتى يستطيع القارئ أن يقف على رأى كل منهم فى تقاسيم العلوم . ولما كان الغرض من تأليف هذه الموسوعة هو بيان فضل العلم والتعليم والتّعلم والمعلّم - كما ذكرنا فى بعض الفقرات السابقة، فقد كان رأى ((ابن الأكفانى)) أن للتربية والتعليم وسيلتين هما : (١) ((مجد الدين محمد الفيروز أبادى)) صاحب التآليف الكبيرة المشهورة. توفى سنة ٨١٧ هـ. (٢) يقع هذا الكتاب فى أربعة مجلدات، وقد نشرته «لجنة أحياء التراث الإسلامى فى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ». انظر المجلد الأول ، الطبعة الثانية ص ٤١٠ - ٤٥٥ . (٣) هذا العلم هو ما نطلق عليه الآن : علم التصنيف . (٤) الخوارزمى (توفى سنة ٣٨٧هـ - ٩٩٧م). ٩ (١) الأخذ عن أستاذ ينصح للطالب ويرشده ، وكان هذا هو الرأى السائد قبل عصر («ابن الأكفانى)» حتى إن العلماء كانوا لا يقدرون العلم المكتسب عن طريق الكتب حق قدره . (٢) كان ((ابن الأكفانى)) مع ثقته فى الأستاذ الناصح - يرى أن الكتاب أصبح وسيلة لا غنى عنها لاكتساب كل أنواع المعرفة ، ولذلك فإنه أطال الكلام فى المقدمة الثانية عن الكتب وأنواعها ، وقيمة كل نوع منها ، والشروط الواجب توافرها فى الكتاب الجيد ، ومن هنا فقد أوجب على كل من يصل فى دراسته إلى كشف جديد أو إلى نظرية نافعة - أوجب عليه أن يثبت ذلك فى كتاب ينتفع به العلماء والدارسون لأن ذلك هو إحدى الوسائل اللازمة لتقدم العلوم والمعارف الإنسانية . وكذلك أوجب على نفسه إدخال تنظيم جديد على منهاجه فى كتابة موسوعته لم يسبقه إليه أحد من مؤلفى ((الموسوعات المختصرة المصنفة)» وهو أن يضيف بعد انتهاء الكلام على كل علم وكل قسم من علم ثلاثة مراجع : الأول كتاب مبسوط ، والثانى كتاب متوسط ، والثالث كتاب مختصر . وبذلك قدم للعلماء والمنتفعين بموسوعته قائمة كبيرة مختارة من بين أحسن المراجع التى أبدعتها قرائح العلماء فى مختلف العلوم والفنون حتى عصره . وخلاصة القول فى كتاب «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم)» هى أن الفيلسوف الكبير ((ابن الأكفانى» أكبر أطباء عصره، لم يكتف بأن يهدى للأجيال المتعاقبة من العلماء والباحثين «موسوعة مختصرة موجزة» تتبح لطلبة العلم الوقوف على ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية فى مختلف أنواع العلوم والثقافة فى القرن الثامن الهجرى ، ولكنه أضاف إلى ذلك ذكر قائمة مختارة من الإنتاج الفكرى الإسلامى مع بيان قيمة الكثير منها ، وبذلك يكون قد أسهم مع «ابن النديم» فى تقديم القوائم الببليوغرافية التى خلدت الإنتاج الفكرى الإسلامى وأصبح كتاب « إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم)» هو المكمل للجهود الكبيرة التى بذلها ((ابن النديم) عندما أخرج ((كتاب الفهرست)» فى القرن الرابع الهجرى . عبد المنعم محمد عمر ١٠ القسم الأول مباحث التحقيق ١١ المبحث الأول الحياة السياسية والاجتماعية وأثرها فى تكوين ابن الأكفانى ١٣ للبيئة التى يعيش فيها الإنسان أثر كبير فى تكوينه من الناحية الثقافية ، وفى توجيهه نحو المنهج الذى يسلكه فى حياته . وقد كان الشرق الأوسط فى الفترة التاريخية التى يتحدث عنها مسرحاً لحروب طاحنة أشعلها البابا إيريان سنة ١٠٩٥ م بحجة تخليص القبر المقدس من المسلمين . فتوالت موجات الحملات الصليبية على فلسطين وسوريا ومصر ، وامتدّت حتى شملت المغرب العربى، وقد دامت زهاء قرنين ، انتشر بسببها الخراب ، ودمرت كثير من القرى والمدن ، وقتل الآلاف المؤلفة من الشيوخ والنساء والأطفال ، بجانب الذين استشهدوا من المجاهدين فى مصر والشام الذين استبسلوا فى الدفاع عن أوطانهم وأموالهم وأعراضهم ، وظهر فى هذين القرنين أبطال عظام بذلوا النفس والنفيس ، وقادوا المسلمين ، كان من أبرزهم السلطان صلاح الدين الأيوبى الذى قاد البلاد أكثر من عشرين عاماً (١) والسلطان الظاهر بيبرس البندقدارى الذى تحمل أعباء الجهاد حوالى سبعة عشر عاماً وكان له فضل كبير فى انتزاع النصر وهزيمة لويس التاسع عندما غزا مصر قبل أن يتولی بیبرس السلطنة ، کما كان له فضل إحراز النصر على الصليبيين طوال حكمه (٢) ، وكان ذلك قبيل العصر الذى نتناوله بالبحث ، وهو العصر الذى عاش فيه ابن الأكفانى . وحدث أثناء اشتعال تلك الحروب المدمرة أن داهم المغول البلاد الإسلامية من المشرق بقيادة هولاكو ، واجتاح طوفانهم البلاد الإسلامية التى تعرف الآن باسم أفغانستان ، وإيران، وخربوا المدن ، وقتلوا الآلاف من الرجال والنساء والأطفال، ثم اجتاحوا العراق ، واستولوا على بغداد ، ودمروا الكثير من معالمها ، ونهبوا ما وصلت إليه أيديهم ، وقتلوا الخليفة العباسى ((المستعصم بالله)) هو والكثير من رجاله سنة ٦٥٦ - ١٢٥٨م، ثم زحفوا إلى الشام ، وأخذوا يدمّرون كل ما كان يقابلهم ، واستولوا بسرعة على حلب ودمشق ، وعاثوا فى البلاد فساداً ونهباً ، وانتشر الفزع فى البلاد الإسلامية حتى قيض الله للمسلمين السلطان ((سيف الدين قطز)» فهزمهم شر هزيمة فى عين جالوت سنة ٦٥٨هـ - ١٢٦٠م، وكان نصراً عزيزاً أنقذ به البلاد السورية، واضطر المغول إلى التقهقر إلى حدود العراق الغربية، ولكنهم عادوا يهاجمون الشام المرة تلو المرة ، (١) من سنة ٥٦٧ - ٥٨٩هـ / ١١٧١ - ١١٩٣م. (٢) ٦٥٨ - ٦٧٦ هـ / ١٢٦٠ - ١٢٧٧م. ١٥ فتصدى لهم السلطان الظاهر بيبرس ، وأنزل بهم الهزائم المتوالية وبخاصة فى موقعة أبلستين سنة ٦٧٥هـ - ١٢٧٦م . وفى العصر الذى عاش فيه ((ابن الأكفانى)» ورث السلطان المنصور قلاون (١) أعباء الجهاد لمكافحة هذه الأخطار التى كانت تهدد بغزو مصر والشام من الشرق ومن الغرب وقد نجح نجاحاً كبيراً فى هذا الجهاد حتى وصفه معاصره المؤرخ أبو الفدا ، عماد الدين اسماعيل بقوله: «كان السلطان الملك المنصور ملكاً مهيباً حليماً، قليل سفك الدماء ، كثير العفو ، شجاعاً ، فتح الفتوحات الجليلة مثل المرقب وطرابلس التى لم يجسر أحد من الملوك قبله مثل صلاح الدين وغيره على التعرض لهما لحصانتهما ، وكسر جيش التتر على حمص (٢) وكانوا فى جمع عظيم لم يطرق الشام قبله مثله)) (٣) ... «وكان الفرنج قد استولوا على طرابلس فى سنة ٥٠٣هـ فبقيت بأيديهم إلى أوائل سنة ٦٨٨هـ فيكون مدة لبثها مع الفرنج نحو مائة وخمس وثمانين سنة)) (٢). ورأى السلطان المنصور قلاون ، أنه بعد هذه الانتصارات لم يصبح للفرنج فى الشام سوى شريط ضيق على ساحل البحر المتوسط كانت أهم مدنه هى بيروت وعكا وصور وصيدا وعثليث ، ولذلك قرر السلطان أن يهادن الصليبيين عسى أن يجنحوا إلى السلام ، ولا يعتدوا على جيرانهم المسلمين، ولذلك عقد معهم سنة ٦٨٩هـ - ١٢٩٠م هدنة لمدة عشر سنوات ، واعتقد الناس فى مصر والشام أن ذلك سيؤدى إلى أن يعيشوا فى سلام وأمان ، ولكن حدث أن وصلت فجأة فى هذا العام نفسه بضعة آلاف من متعصبى الصليبيين ، ونزلوا فى عكا ، وأخذوا يعتدون على جيرانهم من المسلمين ، وصاروا ينهبون كل ما تصل إليه أيديهم ، ويقتلون الأبرياء ، وحدث أيضاً أن توفى فجأة السلطان ((المنصور قلاون)» فى نفس العام سنة ٦٨٩هـ - ١٢٩٠م. وورث «السلطان الأشرف خليل)» الصراع مع الصليبيين الذين خرقوا الهدنة ، كما ورث الصراع ضد كبار أمراء المماليك بعد وفاة ((السلطان المنصور قلاون)» فهاجم (١) سنة ٦٧٨ - ٦٨٩هـ / ١٢٧٩ - ١٢٩٠م. (٢) سنة ٦٨٠هـ - ١٢٨١م. (٣) كتاب المختصر فى أخبار البشر، جـ ٤ من ٢٣ - ٢٤. ١٦ («عكا)) واستولى عليها عنوة بعد قتال مرير، قدبّ الفزع فى قلوب باقى الفرنجة وأخلوا بيروت وصور وصيدا وعثليث وغيرها من الشريط الذى كانوا يحتلّونه على ساحل البحر المتوسط ، وهكذا « اتفق لهذا السلطان من السعادة ما لم يتفق لغيره من فتح هذه البلاد العظيمة الحصينة بغير قتال ولا تعب ، وأمر بها فخريت عن آخرها ، وتكاملت بهذه الفتوحات جميع البلاد الساحلية للإسلام، وكان أمراً لا يُطمع فيه ولا يرام ، وتطهر الشام والسواحل من الفرنج بعد أن كانوا قد أشرفوا على أخذ الديار المصرية وعلى ملك دمشق وغيرها من الشام، فلله الحمد والمنّة على ذلك)) (١) وكان ذلك سنة ٦٩٠هـ - ١٢٩١م. وعاش « ابن الأكفانى)» وسط الفرحة التى عمت بلاد المسلمين، ولكنها لم تدم طويلاً فقد تآمر كبار أمراء المماليك وتمكنوا من قتل السلطان الأشرف وهو فى رحلة صيد فى أوائل المحرم سنة ٦٩٣هـ ، ولما لم يكن فى وسع أحدهم أن يقهر الآخرين ، ويستولى على الملك ، ويلزمهم بطاعته ، فقد اضطروا حسماً للنزاع المؤقت بينهم إلى الاتفاق على تولية الأمير محمد ابن السلطان قلاون سلطنة مصر والشام ، وكان طفلاً فى التاسعة من عمره ، وكان كل أمير منهم يمنّى نفسه أن يستطيع التخلص منه ، وأن ینصب نفسه سلطاناً فى أول فرصة تتاح له . وكثرت الدسائس والفتن وازداد التناحر بين كبار أمراء المماليك حتى استطاع أحد الأمراء عزل هذا الغلام ، وتولية نفسه سلطاناً باسم السلطان العادل كتبغا ( ٦٩٤ هـ ـ ١٢٩٤م)، ولم يلبث أن ثار عليه فريق آخر من الأمراء فغرّ إلى دمشق، وبايع الأمراء المنتصرون سلطاناً آخر باسم السلطان المنصور لاچين (٦٩٦هـ - ١٢٩٦م) وهكذا كانت الفوضى سائدة فى جميع بلاد مصر والشام وكثرت الاضطرابات والفتن والمنازعات بين طوائف المماليك وأمرائهم ، فلا يكاد ينتشر الخبر بمرض سلطان أو وفاته أو مقتله حتى تغلق الحوانيت ، ويختزن الناس الطعام ، ويستعدون لفترة عصيبة يتزعزع فيها الأمن، وتقل المؤن، وتضطرب الحياة الاقتصادية)) (٢). (١) كتاب المختصر فى أخبار البشر. لابى الغدا عماد الدين إسماعيل، جـ ٤ ص ٢٤ - ٢٥. (٢) كتاب : الأيوبيون والمماليك فى مصر والشام، تأليف سعيد عاشور، ص ٢٨٣ . ١٧ وبينما كانت كل طبقات الشعب تعانى من هذه الفوضى المنتشرة فى البلاد ، تسامع الناس ، ومن بينهم ابن الاكفانى ، أن المغول انتهزوا هذه الفرصة ، وزحفوا على الشام (٦٩٧هـ - ١٢٩٨م)، وأنهم هزموا أمراء المماليك الشاميين، ودخلوا دمشق حيث عاثوا فى البلاد فساداً ، وقتلوا الكثيرين ، ونهبوا ، وإزاء هذا الخطر الداهم من الخارج ، وعملاً على إيقاف الفوضى ، لم ير كبار أمراء المماليك بدأ من إعادة السلطان محمد الناصر إلى العرش للمرة الثانية على الرغم من أنه كان ما يزال مراهقاً فى الرابعة عشرة من عمره ( ٦٩٨هـ - ١٢٩٨م)، وقد استقبل الشعب هذا الاجراء بالابتهاج وإقامة الزينات فى طريق عودة هذا السلطان الصغير إلى قلعة صلاح الدين لأن الشعب كان يحب بيت السلطان قلاون . وخرج الجيش من مصر وعلى رأسه كبار أمراء المماليك ومعهم السلطان محمد الناصر إلى الشام (٦٩٨هـ - ١٢٩٩م) وانتصر المسلمون نصراً عزيزاً بالقرب من دمشق ( ٧٠٢هـ - ١٣٠٢ م) فعمّ الفرح والابتهاج فى مصر والشام ، اعتقد الشعب أن هذا النصر كان ببركة رياسة السلطان الصغير الذى كان فى الثامنة عشرة من عمره (١) ، وعم البشر والسرور بلاد مصر والشام. وخشى كبار أمراء المماليك عاقبة تعلق الشعب بهذا السلطان الشاب فضيقوا عليه الخناق ، ومنعوه من الاتصال بالجماهير ، وأصبح ألعوبة فى أيديهم لا حول له ولا قوة ، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً حتى إنه كان لا يستطيع أن يطلب من الطعام ما تشتهيه نفسه، فضاق ذرعاً بهذا الحال، ودبّر الحيلة حتى استطاع أن يخرج من مصر، واحتمى بقلعة (( الكرك)) وتنازل عن الملك، وحاول الأمراء إغراءه بالعودة فلم يفلحوا ، ولذلك اتفقوا على تولية أحدهم هو السلطان بيبرس الجاشنكير (٢) (٧٠٨هـ - ١٣٠٨م) ولكن الأمور لم تستقر له ، وشاء القدر أن يجئ فيضان النيل منخفضاً ، فتلفت الزراعة ، وقلت المحاصيل ، ونفق الكثير من الماشية والدواب، وارتفعت الأسعار ، فثار الناس فى القاهرة ، وأخذوا يهتفون ضد السلطان بيبرس وأعوانه ، ويطالبون بعودة السلطان الناصر محمد ، كما أن أمراء المماليك بالشام لم يرضوا عن تولية (١) السلوك للمقريزي ، جـ ١ ص ٩٢٨. (٢) يطلق عليه أيضاً بيبرس الثانى. ١٨