Indexed OCR Text
Pages 461-480
شكّ وكلُّ شَقَاوَةٍ تَعَبِّ، وَلَيْسَ كِلُّ تَعَبِ شَقَاوَةً، فَالْتّعَبُ أَعَمُّ مِنَ الشّقَاوَةِ. شكك الشّكُّ: اعْتِدَالُ النَّقِيضَيْنِ عِنْدَ الإِنْسَانِ وتَسَاوِيهِمَا، وذلك قد يكونُ لُوُجُودِ أَمَارَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيْنِ عنده في التَّقِيضَيْنِ، أَوْ لِعِدَمِ الأمارَةِ فيهمَا، والشّكُّ رُبّمَا كانَ في الشيءِ هَلْ هو مَوْجُودٌ أَو غَيْرُ مَوْجُودٍ؟ ورُبَّمَا كانَ في جِنْسِهِ، مِنْ أَيِّ جِنْسٍ هو؟ ورُبّما كانَ في بعْض صِفَاتِهِ، ورُبّما كانَ في الغَرَضِ الذي لأجْلِهِ أُوجِدَ. والشّكُّ: ضَرْبٌ منَ الجَهْل، وهو أَخصُّ منه؛ لأنّ الجهْل قد يكُونُ عَدمَ العِلْم بالنّقِيضَيْنِ رَأساً، فَكُلُّ شَكِّ جَهْلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ جَهْلٍ شكّاً، قال الله تعالى: ﴿ وإنهم لَفِي شَكُّ منه مُریپ ﴾ [هود/ ١١٠]، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكِّ يَلْعَبُونَ ﴾ [الدخان/ ٩]، ﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٌّ﴾ [يونس / ٩٤]. واشْتِقَاقُهُ إِمّا مِنْ شَكَكْتُ الشيءَ أي: خَرَقْتُه، قال: ٢٧٠ - وشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأصَمَ ثیَابَهُ شكر العَصُدِ بالجَنْب، وذلك أَنْ يَتَلَاصَقَ النَّقِيضَانِ فلا مَدْخَلَ لِلفَهْمِ والرِّأَي؛ لِتَخَلُّل ما بينهُمَا، وَيَشْهَدُ لهذا قولُهُمْ: الْتَسَ الأمرُ، وَاخْتَلَط، وأَشْكلَ، ونحوُ ذلك مِن الإِسْتِعَارَاتِ. وَالشِّكّة: السِّلاحُ الذي به يُشَكُ، أَي: يُفْصَلُ. شكر الشُّكْرُ: تَصَوّرُ النّعْمَةِ وإِظْهَارُها، قيلَ: وهو مَقْلُوبٌ عَنِ الكَشْرِ، أي: الكَشْفِ، ويُضادُّهُ الكُفْرِ، وهو: نِسْيَانُ النّعْمَةِ وَسَتْرُهَا، ودَابّةٌ شَكُورٌ: مُظْهِرَةٌ بِسِمنهَا إِسْداءَ صاحبها إليها، وقيل: أَصْلِه مِنْ عَيْنٍ شَكْرَىْ، أي: مُمْتَلِئَةٍ، فالشُّكرُ على هذا هوَ الامْتِلاءُ منْ ذِكْر المُنْعِم عليه. والشُّكْرُ ثلاثةُ أَضْرُبٍ: شُكْرُ القَلْبِ، وهُوَ تَصوَّرُ النَّعْمَةِ(٢). وشُكْرُ اللِّسَانِ، وهُوَ الثََّاءُ عَلَى المُنْعِمِ . وَشُكْرُ سَائِرِ الجَوَارِحِ، وهُو مُكافأةُ النّعمة بقَدْرِ استحقاقه. وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً ﴾ [سبأ/ ١٣]، فقد قيل (شُكْراً) انْتَصَبَ عَلَى ليسَ الكريمُ عَلَى القَنَا بُمُحَرَّم (١) فكأَنَّ الشَّكّ الخرْقُ في الشيء، وكونُه بحَيْثُ لا يَجِدُ الرَأْيُ مُسْتَقَرّاً يَثْبُتُ فِيه ويَعْتَمِدُ عليه . التَّمْيِيزِ(٣). ومعناه: اعملوا ما تَعْملونَهُ شُكْراً للهِ. وقيلَ: (شُكْراً) مَفْعُولٌ لقوله: (اعْمِلُوا)، وذُكِرَ ويَصِحُّ أنْ يكُونَ مُسْتَعاراً مِنَ الشّكَّ، وهو لُصُوقُ اعْمَلُوا ولم يَقُلِ اشْكُرُوا؛ ليُنِّهَ عَلَى الْتِزَامِ (١) البيت لعنترة من معلقته، وهو في ديوانه ص ٢٦؛ وشرح المعلقات للنحاس ٣٣/٢. (٢) في عمدة الحفاظ: المُنعِم وهو أولى. (٣) وتبعه الفيروزآبادي على هذا في البصائر ٣٣٥/٢. وقال النحاس: ونصب ((شكراً)) عند أبي إسحق من وجهين: أحدهما: اعملوا للشكر، أي: لتشكروا اللّه عزَّ وجل. والأخرى: أن يكون التقدير: اشكروا شكراً. راجع: إعراب القرآن ٦٦١/٢. ٤٦١ شكس - شكل الأَنْوَاعِ الثّلاثةِ مِنَ الشُّكْرِ بِالْقَلْبِ والِّسَانِ وَسائِر الجوَارِحِ. قال: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ [لقمان / ١٤]، ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران/ ١٤٥]، ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل / ٤٠]، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ/١٣]، ففيه تنبيهٌ أَنَّ تَوْفِيةَ شُكْرِ اللّهِ صَعْبٌ؛ ولذلك لم يُثْنِ بِالشُّكْرِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ إلَّ عَلَى اثْنَيْنِ، قالَ في إبراهيم عليه السلام: ﴿شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ ﴾ [النحل / ١٢١]، وقال في نوح: ﴿ إنّه كانَ عَبْدَاً شَكُوراً ﴾ [الإِسراء / ٣]، وإذا وُصِفَ اللّهُ بالشُّكْر في قولِهِ: واللّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن / ١٧]، فإنما يُعْنَى به إِنْعَامُهُ عَلَى عِبادِهِ، وَجزَاؤُهُ بما أَقَامُوهُ منَ العِبادةِ. ويُقالُ: ناقةٌ شَكِرَةٌ: مُمْتَلِثَةُ الضَّرْعِ مِن اللََّنِ، وقيلَ: هو أَشْكُرُ مِنْ بَرْوَقٍ(١)، وهو نَبْتٌ يَخْضَّرُ وَيَتَرَبَّى بِأَدَنِى مَطَرٍ، وَالشَّكْرُ يُكَنَّى به عَنْ فَرْجِ المَرْأَةِ، وعنِ النكاحِ . قال بَعْضُهِمْ (٢): أَإِنْ سَأَلَتَكَ ثَمنَ شَكْرِها وَشِبْرِكِ أنْشأْتَ تَطُلُها وتضهلها. والشَّكِيرُ: نبْتٌّ في أصْلِ الشّجَرةِ غضٌّ، وقد شَكَرَتِ الشّجَرَةُ: كَثُرَ غُضْنُهَا. شکس الشّكِسُ: السَِّىءُ الخُلُقِ، وقَوْلُهُ تعالى: ﴿ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر / ٢٩]، أي: مُتَشَاجِرُونَ لِشكاسَةِ خُلُقِهِمْ. شكل المُشَاكِلَةُ فِ الهَيْئَةِ والصُّورةِ، وَالنُِّّ في الجِنْسِيَّة، والشّبَهُ في الكَيْفيَّةِ، قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص / ٥٨]، أي: مِثْلِه في الهيئةِ وَتَعاطِي الفِعْلِ، والشِّكْلُ قيلَ : هو الدَّلُّ، وهو في الحقيقةِ الأنْسُ الذي بَيْنَ المُتماثِليْنِ في الطَّرِيقَةِ، ومنْ هذا قيلَ: الناسُ أَشْكالٌ وَأُلّفٌ (٣)، وأصْلُ المشاكلَة منَ الشَّكل. أي: تَقْيِيدُ الدَّابَّةِ، يقالُ شكلْتُ الدَّابَّةَ. والشِّكالُ: ما يُقَيِّدُ به، ومنه استُغيرَ: شَكْتُ الْكِتابَ، كقولهِ: قَيَدْتُهُ، ودَابَّةٌ بِهَا شِكالٌ: إذا كانَ تْجِيلُهَا بِإِحْدى رِجْلَيْها وإحْدى يَدَيْهَا كَهَيئَةٍ الشِّكَالِ ، وقولُهُ: ﴿ قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾ [الإسراء / ٨٤]، أي: على سَجِيْتِهِ التي قَّدَتْهُ، وذلك أنَّ سُلْطانَ السَّجِيَّةِ عَلَى الإِنْسانِ قاهِرٌ (١) في اللسان: البروق: نبت ضعيفٌ ريان، واحدها بروقة. يقال: أشكر من بروقة. وأقصفْ من بروقة. راجع: اللسان (برق)؛ وأساس البلاغة ص ٢٠. (٢) الكلام ليحيى بن يعمر، وقد قاله لرجل طالبته امرأته بمهرها. وهو في عمدة الحفاظ (شكر)؛ ومجالس ثعلب ٤٦٥/٢، وشرح أدب الكاتب ص ٧٦، تطلُّها: تُبطل حقَّها. تضهلها: تنقصها حقها. (٣) انظر: البصائر ٣٤١/٣؛ وعمدة الحفاظ: شكل. ٤٦٢ شکا شمت حَسْبِمَا بَيَنْتُ في الذَّرِيعةِ إلى مَكارِمِ الشّرِيعةِ(١)، وهذا كما قال ◌َ: ((كُلِّ مُيَسَّرُ لِمَا خُلِقَ لَهُ))(٢). وَالأَشْكِلَةُ: الحاجَةُ التي تُقَيِّدُ الإِنْسَانَ، والإِشْكالُ في الأمْرِ اسْتِعارةٌ، كالاشْتِباهِ مِنَ الشّبَهِ. شکا الشّكُ والشِّكايةُ والشَّكاةُ والشَّكْوَى: إظهارُ البَثِّ، يُقَالُ: شَكَوْتُ وَاشْتَكَيْتُ(٣)، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ ﴾ [يوسف/ ٨٦]، وقال: ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ ﴾ [المجادلة/ ١]، وأَشْكاهُ أي: جعل لهُ شَكْوَى، نحوُ: أَمْرَضَهُ، ويُقالُ: أَشْكاهُ أي: أزَالَ شِكانَتَهُ، ورُوِيَ: ((شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِوَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ في جِباهِنا وأكُفِّنا فلمْ يُشْكِنا))(٤). وأصْل الشَّكْوِ فَتْحُ الشَّكْوَةِ وإِظْهارُ ما فيها، وهي: سِقاءٌ صَغِيرٌ يُجْعَلُ فيه الماءُ، وكَأَنه في الأصْلِ استِعارٌ، كقوْلِهِمْ: بَثْتُ لهُ ما في وِعائِي، وَنفَضْتُ ما في جِرَابِي (٥): إذا أظهَرْتَ ما في قَلْبِكَ. والمِشْكَاةُ: كُوَّةٌ غَيْرُ نافِذَةٍ. قال تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْباحٌ﴾ [النور / ٣٥]، وذلك مَثَلُ القَلْبِ، والمِصْبَاحُ مَثَلُ نُورِ اللّه فيه. شمت الشَّماتةُ: الفَرَحُ بِبَلِيَّةِ مَنْ تُعَادِيِهِ وَيُعادِيكَ، يُقالُ: شَمِتَ به فهو شامِتٌ، وأَشْمَتَ الله بِهِ العُدُوَّ، قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَلاَّ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف/ ١٥٠]، والتَّشْمِيتُ: الدُّعاءُ لِلعاطِس، كأنه إزالةُ الشّماتَةِ عنه بالدُّعاءِ لهُ، فهو كَالتَّمْرِيضِ فِي إِزالةِ المَرَضِ ، وقولُ الشاعر: ... فَبَاتَ لهُ ٢٧٢ - طَوْعَ الشّوَامِتِ(٦) .... (١) وفي ذلك قال المؤلف: وأمَّا حدوث السجية إلى خلاف ما خلقت له فَمُحال؛ فالسجيةُ فعلُ الخالق عزَّ وجل، والعادة فعل المخلوق، ولا يبطل فعل المخلوق فعل الخالق. انظر: الذريعة ص ٣٩ باب الفرق بين الطبع والسجية. (٢) الحديث عن عمران بن حصينٍ قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أَيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: فلمَ يعملُ العاملون؟ قال: ((كلٌّ يعملُ لما خُلِقَ له، أو لما يُيسر له)). أخرجه البخاري في كتاب القدر ٤٩١/١١. (٣) انظر: اللسان (شكی). (٤) الحديث عن خبَّاب قال: شكونا إلى رسول الله وََّ حرَّ الرمضاء في جباهِنا وأكفَّنا فلم يُشكنا. أخرجه مسلم في المساجد برقم ٦١٩؛ وانظر: شرح السنة ٢٠١/٢. (٥) انظر: البصائر ٣٤١/٣. ومثله يقال: أبديتُ لك عُجري وبُجري، وكشفت لك عن خمري وستري، وصرحت لك عن سري ومضمري . راجع: جواهر الألفاظ ص ٢٤ . (٦) البيت : طوع الشوامتِ من خوفٍ ومن صردٍ فارتاع من صوتٍ كلاب فباتٌ له وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٣٢؛ وأساس البلاغة ص ٢٤١؛ والبصائر ٣٤٤/٣. ٤٦٣ شمخ - شمأز - شمس أي: على حَسَبِ ما تَهْوَاهُ الّلاتِي تَشْمَتُ به، وقيلَ: أَرَادَ بالشّوَامِتِ: القَوَائِمَ، وفي ذلك نظرً إذْ لا حُجّة له في هذا البيت(١). شمخ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات / ٢٧]، أي: عاليَاتٍ، ومنه: شَمَخْ بأَنْفِه عبارةٌ عن الكِبْر. شمأز قال الله تعالى: ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يؤمنون بالآخرة ﴾ [الزمر / ٤٥]، أي: نَفرَتْ. شمس الشمسُ يُقالُ للقُرْصَةِ، وللضَّوْءِ المُنْتَشِر عنها، وتُجْمَعُ عَلَى شُمُوسٍ. قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّ لَهَا﴾ [يس/ ٣٨]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن / ٥]، وشَمَسَ يَوْمُنَا، وأَشْمَسَ: صَارَ ذَا شَمْسٍ، وَشَمَسَ فُلانٌ شِماساً: إِذا نَدَّ ولم يَسْتَقِرَّ تشبيهاً بالشمس في عَدم اسْتِقْرَارها. شمل شمل الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ﴾ [ق / ١٧]، ويُقالُ للثّوب الذي يُغَطّى به: الشِّمالُ(٢)، وذلك كَتَسْمِيَةِ كثيرٍ منَ الثّابِ باسْمِ العُضْوِ الذي يَسْتِرُهُ، نحو: تَسْمِيَةِ كمّ القميص يَداً، وَصَدْرِهِ، وظَهْرِهِ صَدْراً وظَهْراً، ورِجْلِ السَّرَاوِيلِ رِجْلًاً، ونحوذلك. وَالإِشْتِمالُ بالثوب: أَنْ يَلْتَفَّ به الإِنْسانُ فَيَطْرَحَهُ عَلَى الشّمال. وفي الحديث: ((نُهِيَ عَنِ اشْتِمال الصمّاءِ)(٣) .. والشَّمْلَةُ والمِشْمَلُ: كِسَاءٌ يُشْتَمَلُ به مُسْتَعارٌ منه، ومنه: شَمَلَهُمُ الأمرُ، ثم تُجُوِّزَ بالشِّمالِ ، فقيل: شَمَلْتُ الشاةَ: عَلَقْتُ عليها شِمَالاً، وقيل: للخليقةِ شِمَالٌ لكونِه مُشْتَمِلًا عَلَى الإِنْسَانِ اشْتمالَ الشِّمالِ عَلَى البَدنِ، وَالشَّمُولُ: الخَمرُ لأنها تَشْتَمِلُ عَلَى العقلِ فَتُغَطِّيهِ، وَتَسْمِيتُها بذلك كَتَسْمِيتِها بالخمْر لِكْنهَا خَامِرَةً له. والشّمالُ: الرِّيحُ الهابَةُ مِنْ شمَالِ الكعبةِ، وقيلَ فِي لُغَةٍ : شَمْأَلٌ، وشَامَلٌ، وَأَشْمَلَ الرَّجُلُ مِنَ الشّمالِ، كقولهمْ: أَجْنَبَ مِنَ الجُنُوبِ، وَكُنِّيَ بِالِمِشْمَل عَنِ السَّيفِ، كما كُنِّيَ عنه بالرّدَاءِ، وجاءَ مُشْتَمِلا بِسَيْفِه، نحو: مُرْتَدِياً به ومُتَدَرّعاً له، ونَاقَةٌ شِمِلَّةٌ الشّمالُ: المُقابِلُ لليمينِ. قال عزَّ وجلَّ: ﴿عَنِ أَوُشِمْلَالٌ: سَرِيعةٌ كَالشَّمالٍ ، وقولُ الشاعر: (١) انظر: أساس البلاغة ص ٢٤١ . (٢) الشِّمال جمع شملةٍ، وهي كساء يُشتمل به، انظر: اللسان (شمل). (٣) الحديث عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبي ◌ََّ نهى عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحدٍ ليس على فرجه منه شيء. أخرجه أحمد في المسند ١٣/٣ و٤٦؛ والبخاري في اللباس. انظر: فتح الباري ٢٧٩/١٠ . ٤٦٤ شنا - شهب ٢٧٣ - ولَتَعْرِفَنَّ خَلَائِقاً مَشْمُولةً ولَنْدَمَنَّ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ (١) قيل: أَرَادَ خَلائقَ طَيِّبَةً، كأنّها هَبَّتْ عليها شَمالٌ فَبَرَدَتْ وطابَتْ. شنأ شَيْتُهُ: تقرَّزتُهُ بُغْضاً له. ومنه اشتُقَّ: أَزْدُ شَنُوءَةَ، وقولُهُ تعالى: ﴿ لا يجرمنّكم شَنَانُ قَوْمٍ ﴾ [المائدة / ٨]، أي: بُغْضُهُمْ، وَقُرِىءَ: ﴿شَنََّنُ﴾(٢) فمِنْ خَفّفَ أَرَادَ: بَغِيضَ قومٍ ، ومَنْ ثَقَّلَ جَعَلَهُ مَصْدَراً، ومنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر / ٣]. شهب الشِّهَابُ: الشُّعْلَةُ السَّاطِعةُ من النار المُوقَدّة، ومنَ العارضِ في الجوِّ، نحو: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثاقِبُ﴾ [الصافات / ١٠]، ﴿شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾ [الحجر / ١٨]، ﴿شِهَاباً رَصَدَأَ ﴾ [الجن / ٩]. والشُّهْبَةُ: البَيَاضُ المُخْتَلِطُ بِالسَّوَادِ تشبيهاً بالشِّهَابِ المُخْتَلِطِ بالدُّخَانِ، ومنه قيلَ: كِتِبَةٌ شَهْبَاءُ: اعْتِبَاراً بِسَوَادِ القَوْم وبَيَاضِ الحديدِ. شهـد الشُّهُودُ والشّهادةُ: الحُضُورُ معَ المُشَاهَدةِ؛ إِمَّا بالبَصَرِ، أَو بالبَصِيرَةِ، وقد يقالُ للحُضُورِ مُفْرَداً شهد قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ ﴾ [السجدة / ٦]، لكن الشهودُ بالحضُورِ المُجَرَّدِ أَوْلَى، والشّهَادَةِ مَعَ المُشَاهَدَةِ أَوْلَى؛ ويقالُ للمَحْضَرِ: مَشْهَدْ، وللمَرْأَةِ التي يَحْضُرُهَا زَوْجُهَا: مُشْهِدٌ، وجمْعُ مَشْهَدٍ: مَشَاهِدُ، ومنه: مَشاهِدُ الحَجّ، وهي مَوَاطِنهُ الشريفَة التي يحضُرُهَا الملائكةُ والأبْرَارُ مِنَ الناس. وقيلَ: مَشَاهِدُ الحَجّ: مَوَاضِعُ المَناسِكِ. قَال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَّهُمْ﴾ [الحج / ٢٨]، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ [النور/ ٢]، ﴿ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل / ٤٩]، أي: ما حَضَرْنَا، ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان / ٧٢]، أي: لا يَحْضُرُونَهُ بِنُفُوسِهِمْ وَلَا بِهَمِّهِمْ وإِرَادَتِهِمْ. والشّهادَةُ: قَوْلٌ صادِرٌ عَنْ عِلْمٍ حَصَلَ بِمُشَاهَدَةٍ بَصِيرٍ أَو بَصَرٍ. وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف / ١٩]، يعْني مُشاهدَةً البصر ثم قال: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ [الزخرف / ١٩]، تنبيهاً أَنَّ الشّهادَةَ تكُونُ عنْ شُهُودٍ، وقوله: ﴿لِمَ تكفرون بآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران / ٧٠]، أي: تعلَّمُون، وقولُه: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمْوَاتِ﴾ [الكهف / ٥١]، أي: مَا جَعَلْتُهُمْ مِمَّنْ اطَلَعُوا بِبَصِيرَتِهِمْ عَلَى خَلْقِهَا، وَقولُه: (١) البيت لرجل من سعد، وهو في خزانة الأدب ١٧٤/٤؛ والأضداد لابن الأنباري ص ١٦٨؛ وأضداد الأصمعي ص ١٨؛ وأضداد ابن السكيت ص ١٧٣ . وعجزه في معاني القرآن للفراء ٣٩٦/٢، وقال الفراء: ولا أحفظ صدره. (٢) وهي قراءة ابن عامر وشعبة وابن وردان وابن جمَّاز بخلفٍ عنه. الإِتحاف ١٩٧ . ٤٦٥ ما يَغِيبُ عَنْ حَوَاسِ الناسِ وَبَصَائِرِهِمْ وَما يَشْهَدُونَهُ بهمَا. وَشَهِدْتُ يُقالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا جَارٍ مَجْرَى العِلْمِ، وبِلَفْظِهِ تُقَامُ الشّهَادَةُ، ويُقالُ: أَشْهَدُ بكذَا، ولا يُرْضَى مِنَ الشّاهِدِ أَنْ يَقُولَ: أَعْلَمُ، بَلْ يُحْتَاجُ أن يقُولَ: أَشْهَدُ. والثاني يجري مجْرَى القَسَم، فيقولُ: أَشْهَدُ باللهِ أَنَّ زَيْداً مُنْطَلِقٌ، فيكون قَسَماً، ومنهم مَنْ يقولُ: إِنْ قالَ: أَشْهَدُ، ولم يَقُلْ: بالله يكونُ قَسَماً، ويجْرِي عَلمْتُ مَجْرَاهُ فِي القَسَمِ، فَيُجَابُ بجواب القسمِ نحوُ قول الشاعرِ: ٢٧٤ - ولقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنَّتِي (١) ويُقالُ: شاهِدٌ وشَهِيدٌ وشُهَداءُ، قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، ويقالُ: شَهِدْتُ كذا، أي: حَضَرْتُه، وشَهِدْتُ عَلَى كذا، قَال: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت / ٢٠]، وقد يعَبَّرُ بالشهادة عَن الحُكْم نحو: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [يوسف/ شهد ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ [السجدة / ٦]، أي: [٢٦]، وعن الإِقْرَارِ نحو: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ ﴾ [النور / ٦]، أنْ كَانَ ذُلَكَ شَهَادَةً لِنَفْسِه. وقوله ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ [يوسف / ٨١] أي: ما أُخْبَرْنَا، وَقال تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ [التوبة / ١٧]، أي: مُقِرِّينَ. ﴿لِمْ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت / ٢١]، وقوله: ﴿ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران / ١٨]، فَشِهَادَةُ الله تعالى بِوَحْدَانِيْتِه هِيَ إِيجَادُ ما يَدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيْته في العالَم، وفي نُفوسِنَا كما قال الشاعر: ٢٧٥ - فَفِي كُلِّ شَيْءٍ له آيةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنه واحِدُ(٢) قَال بَعْضُ الحُكماءِ: إِنَّ اللهَ تعالىْ لَمَّا شَهِدَ لنفسه كَان شهادَتُه أنْ أَنْطَقَ كُلِّ شيءٍ كما نَطَقْ بِالشَّهَادَةِ لهُ، وَشَهَادَةُ الملائكة بذلك هو إظهارُهم أَفْعالاً يُؤْمَرُونَ بِهَا، وَهِي المَدْلُولُ عليها بقولهِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرأْ﴾ [النازعات / ٥]، وَشَهَادَةُ أُولِي العلم: اطّلاعُهُمْ عَلَى تَلْك الحكم (١) الشطر للبيد، من معلقته، وعجزه: إنّ المنايا لا تطيشُ سهامها وهو من شواهد سيبويه ٤٦٥/١؛ ومغني اللبيب ص ٥٢٤؛ ویروی عجزه: لا بعدها خوفُ عليّ ولا عدم وهو بهذه الرواية لم ينسب؛ وانظر: خزانة الأدب ١٥٩/٩. (٢) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص ٦٢؛ والزهرة ٥٠٢/٢؛ وهو في البصائر ٣٥٢/٣؛ ونظم الدرر ٢٨٩/٤، دون نسبة . ٤٦٦ شهد وإقرارُهُمْ بذلك(١)، وهذه الشَّهَادَةُ تخْتَصُّ بأهل العِلْمِ، فَأَمَّا الْجُهَّالُ فَمُبْعَدُونَ منها، ولذلك قال في الكفَّار: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمْوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [الكهف / ٥١]، وعلى هذا نَبِّه بقوله: ﴿إِنمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماءُ ﴾ [فاطر / ٢٨]، وهؤلاء هم المعنُّون بقوله: ﴿وَالصِّدِّيِقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ [النساء/ ٦٩]، وأمَّا الشَّهيدُ فقد يقالُ للشاهدِ، وَالْمُشَاهِد للشيء، وقوله: ﴿معها سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [ق / ٢١]، أي: مَنْ شَهدَ له وعليه، وكذا قولُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً ﴾ [النساء / ٤١]، وقولُه: ﴿ أَوْ أَلْقَىْ السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ ﴾ [ق/ ٣٧]، أي: يَشْهَدُونَ ما يَسْمِعُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ عَلَى ضِدّ مَنْ قِيلَ فيهم: ﴿ أُوْلِئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت / ٤٤]، وقوله: ﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ﴾(٢)، إلى قوله: ﴿مَشْهُوداً﴾ (٢) أي: يَشْهَدُ صَاحِبُه الشِّفَاءَ وَالرَّحمةَ،، وَالتَّوْفِيقَ والسَّكِينَاتِ وَالأرْوَاحَ المَذْكُورَةَ في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقَرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء / ٨٢]، وقولُه: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ﴾ [البقرة/ ٢٣]، فقد فُسِّرَ بِكُلِّ ما يَقْتَضِيهِ مَعْنى الشهادَةِ، قَال ابن عباس: معناه أَعْوانكُم(٣)، وقال مُجَاهِد: الذين يَشْهِدُون لكُم، وَقَال بعضُهم: الذينَ يُعْتَدُّ بحُضُورِهِمْ وَلم يَكُونُوا كمَنْ قیل فيهم شِعرٌ: ٢٧٦ - مُخَلَّفونَ وَيَقْضِي اللهَ أمْرَهُمُو وَهُمْ بِغَيْبٍ وفي عَمْيَاءَ مَا شَعَرُوا(٤) وَقد حُمِلَ عَلَى هذه الْوُجُوهِ قولُه: ﴿ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ [القصص / ٧٥]، وقولُه: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذُلكَ لَشَهِيدٌ ﴾ [العاديات/ ٧]، ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت/ ٥٣]، ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً ﴾ [النساء / ٧٩]، فإِشارةٌ إلى قوْلِه: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ (١) قال ابن القيم: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر. الثاني : اقتران شهادتهم بشهادته. والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة. الرابع: أنَّ في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإنَّ الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول. راجع: مفتاح دار السعادة ٤٨/١. (٢) الآية: ﴿ أُقمِ الصلاة لدلوكِ الشمسِ إلى غَسقِ الليلِ وقرآنَ الفجرِ، إِنَّ قرآنَ الفَجرِ كانَ مشهوداً ﴾ سورة الإسراء: آية ٧٨. (٣) انظر: تفسير الماوردي ٧٧/١؛ والبصائر ٣٥٣/٣. (٤) البيت للأخطل في ديوانه ص ١٠٩. وهو في البصائر ٣٥٣/٣ دون نسبة؛ وعجزه في مقدمة جامع التفاسير للمؤلف ص ١٥٥؛ ولم يعرفه المحقق. ٤٦٧ [استدراك] شهر [غافر/ ١٦]، وَقولُه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه / ٧]، ونحو ذلك ممَّا نَّه على هذا النحو، وَالشهيدُ: هَوَ المِحْتِضَرُ، فَتَسْمِيتُهُ بذلك لِحُضُورِ المَلائِكَةِ إِيَّاهُ إشارَةً إِلَى مَا قالَ: ﴿تَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلَّ تَخَافُوا ... ) الآيةَ [فصلت/ ٣٠]، قالَ: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [الحديد / ١٩]، أو لأنهمْ يَشْهَدُونَ فِي تِلْكَ الحَالَةِ ما أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ، أو لأنهم تَشْهَدُ أرواحُهُمْ عِنْدَ اللهِ كما قالَ: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ [آل عمران / ١٦٩ - ١٧٠]، وعلى هذا دَلَّ قولُهُ: ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لهم أجرُهم ونورُهم ﴾، وقولُه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ [البروج/ ٣]، قيلَ: المَشْهُودُ يومُ الجُمُعَةِ (١)، وقيلَ: يومُ عَرَفَةً، ويومُ القِيَامَةِ، وشاهدٍ: كُلُّ مَنْ شَهِدَهُ، وقولُه: ﴿يومٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود/ ١٠٣]، أي: مُشَاهَدٌ تنبيهاً أَن لاَ بُدَّ مِنْ وقُوعِهِ، والنَّشَهُّدُ هو أن يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهَ وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسولُ اللهِ، وصارَ فِي التَّعَارُفِ اسْماً لِلنَّحِيَّاتِ المَقْرُوءَةِ فِي الصَّلاةِ، وَالذِّكْرِ الذي يُقْرَأ ذلك فيه. شھق - شها باعْتِبَارِ جُزْءٍ مِنَ اثْنَي عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دَوَرَانِ الشمس مِنْ نُقْطَةٍ إِلَى تِلْكَ النَّقْطَةِ. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ [البقرة/ ١٨٥]، ﴿فَمَنْ شَهِدَ منكمُ الشَّهِرَ فليصمه﴾ [البقرة/ ١٨٥]، ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ [البقرة / ١٩٧]، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة/٣٦]، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْض أَرَبَعَةَ أَشْهِرٍ ﴾ [التوبة/٢]، وَالمُشَاهَرَةُ : المُعَامَلَةُ بالشُّهُورِ كالمِسَانَهَةِ وَالمُيَاوَمَةِ، وَأَشْهَرْتُ بالمَكَانِ: أَقَمْتُ به شَهْراً، وَشُهِرَ فُلانٌ وَاشْتُهِرَ يُقَالُ فِي الْخَيْرِ والشّرِّ. شهق الشَّهيقُ: ◌ُولُ الزَّفِيرِ، وهو رَدُّ النَّفَس، والزَّفِيرُ: مَدُّهُ. قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود/ ١٠٦]، ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان/ ١٢]، وقال تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً ﴾ [الملك / ٧]، وَأَصْلُهُ مِنْ جَبَلٍ شاهِقٍ. أي: مُتَنَاهِي الطُّولِ. شها أَصْلُ الشَّهْوَةِ: نُزُوعُ النَّفْسِ إِلَى ما تُرِيدُهُ، وذلك في الدُّنْيَا ضَرْبَانٍ: صَادِقَةٌ، وكاذِبةٌ، فالصَّادِقَةُ: ما يَخْتَلُّ الْبَدَنُ مِنْ دُونِهِ كَشَهْوَةٍ الشَّهْرُ: مُدَّةٌ مَشْهُورَةٌ بِإِهْلالِ الهِلالِ، أو| الطَّعَامِ عِنْدَ الْجُوعِ، والكاذِبةُ: ما لا يَخْتَلُّ مِنْ شهر (١) أخرج الترمذي والبيهقي وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَطاهر: ((اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يومُ عرفة، والشاهد يوم الجمعة)). انظر: الدر المنثور ٤٦٣/٨؛ وعارضة الأحوذي ٢٣٧/١٢. ٤٦٨ شوب - شيب دُونِهِ، وقد يُسَمَّى المُشْتَهَى شَهْوَةً، وقد يُقالُ للقُوَّةِ التي تَشْتَهِي الشيءَ: شَهْوَةٌ، وقولُهُ تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ﴾ [آل عمران/ ١٤]، يَحْتَمِلُ الشَّهْوَتَيْنِ، وقولُه: ﴿اَتَّبْعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم / ٥٩]، فهذا مِنَ الشَّهَوَاتِ الكاذِبةِ، ومنَ المُشْتَهِيَاتِ المُسْتَغْنَى عنها، وقولُهُ فِي صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت / ٣١]، وقولُهُ: ﴿فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسِهُمْ﴾ [الأنبياء/ ١٠٢]، وقيلَ: رَجُلٌ شَهْوَانٌ، وَشَهوانِيٍّ، وشيءٌ شَهِيٌّ. شوب الشَّوْبُ: الخَلْطُ. قَالَ الله تعالى: ﴿لشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ﴾ [الصافات / ٦٧]، وَسُمِّيَ العَسَلُ شَوْباً؛ إِمَّا لِكَوْنِهِ مِزَاجاً لِلْأَشْرِبةِ؛ وَإِمَّا لما يُخْتَلَطُ به مِنَ الشَّمْعِ. وقيلَ: مَا عِنْدَهُ شَوْبٌ وَلاَ رَوْبُ(١)، أي: عَسَلٌ وَلَبَنٌ. شيب الشَّيْبُ وَالمَشِيبُ: بَيَاضُ الشَّعَرِ. قال تعالى: ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ﴾ [مريم / ٤]، وباتَتِ المَرْأَةُ بِلَيْلَةٍ شَيْيَاءَ: إذا انْتُضَّتْ، وَبِلَيْلَةِ حُرَّةٍ(٢): إِذَا لَمْ تُفْتَضَّ. شيخ - شيد - شور شيخ يُقَالُ لِمَنْ طَعَنَ فِي السِّنَّ: الشَّيْخُ، وقد يُعَبّرُ به فيما بَيْنَنَا عَمِّنْ يَكْثُرُ عِلْمُهُ، لما كانَ مِنْ شَأْنٍ الشَّيْخِ أَنْ يَكْثُرَ تَجَارُبُهُ وَمَعَارِفُهُ، ويُقالُ: شَيْخٌ بَيِّنُ الشَّيْخْوخَةِ، والشَّيَخِ، والنَّشييخ. قال الله تعالى: ﴿هذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود/ ٧٢]، ﴿وَأَبُونا شَيْخُ كَبِيرٌ ﴾ [القصص / ٢٣]. شيد قال عزَّ وجل: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ [الحج/ ٤٥]، أي: مَبْنِيٍّ بالشِّيدِ. وقيلَ: مُطَوَّلٌ، وهو يَرْجِعُ إِلَى الأَوَّلِ. وَيُقَالُ: شَيِّدَ قَوَاعِدَهُ: أَحْكَمَهَا، كأنه بناها بالشِّيدِ، والإِشَادَةُ: عِبَارَةً عَنْ رَفَعِ الصَّوْتِ. شور الشُّوَارُ: ما يَبْدو مِنَ المَتَاعِ، وَيُكَنَّى به عَنِ الفَرْجِ ، كما يُكَنَّى به عَنِ المتَاعِ ، وَشَوَّرْتُ به : فَعَلْتُ به ما خَجَّلْتُهُ، كَأَنَّكَ أَظْهَرْتَ شُوراه، أي: فَرْجَهُ، وَشُرْتُ العَسَلَ وَأَشَرْتُهُ: أَخْرَجْتُهُ، قال الشاعرُ: ٢٧٧ - وحَدِيثٍ مِثْلِ ماذِيِّ مُشارٍ(٣) وَشِرْتُ الدَّابَّةَ: اسْتَخْرَجْتُ عَدْوها تشبيهاً (١) هذا مثَل يُضرب لمنْ لا خير عنده، انظر: المستقصى ٣٢٧/٢؛ والمجمل ٥١٥/٢؛ واللسان (شوب). (٢) وباتت المرأة بليلةٍ شيباء؛ لأنّ ماء الرجل خالط ماء المرأة. انظر: اللسان (شيب)؛ وعمدة الحفاظ: شيب. (٣) هذا عجز بيت، وصدره: بسماع يأذن الشيخ له وهو لعدي بن زيد في ديوانه ص ٩٥؛ والمجمل ٥١٦/٢؛ والجمهرة ٤٣٩/٣. ٤٦٩ شيط - شوظ - شيع بذلك، وَقِيلَ: الخُطَبُ مِشْوَارٌ كَثِيرُ العِثَارِ (١)، وَالتَّشَاوُرُ وَالْمُشَاوَرَةُ وَالمَشُورَةُ: اسْتِخْرَاجُ الرَّأَيِ بِمُرَاجَعَةِ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: شُرْتُ العَسَلَ: إِذا اتَّخَذْتَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَاسْتَخْرَجْتَهُ منه. قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران / ١٥٩]، والشُّورَى: الأمْرُ الذي يُتَشَاوَرُ فيه. قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى / ٣٨]. شيط الشَّيطانُ قد تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ(٢). شوظ الشُّواظُ: اللَّهَبُ الذي لا دُخانَ فيه. قال تعالى: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن/ ٣٥]. شيع الشِّيَاعُ: الانْتِشَارُ وَالتَّقْوِيَةُ. يُقالُ: شَاعَ الْخَبَرُ، أي: كَثْرَ وقَوِيَ، وشَاعَ القومُ: انْتَشَرُوا وَكَثُرُوا، وَشَيَّعْتُ النَّارَ بالحَطَبِ: قَوَّيْتُهَا، والشِّيعَةُ: مَنْ يَتْقَوَّى بِهِمُ الإِنْسَانُ وَيَنْتَشِرُونَ عنه، ومنه قيلَ لِلشُّجَاعِ: مَشِيعٌ، يُقَالُ: شِيعَةٌ وَشِيَعٌ وَأَشْيَاعٌ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لِإِبْرَاهِيمَ ﴾ [الصافات / ٨٣]، ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ [القصص / ١٥]، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شوك - شأن - شوى شِيعاً ﴾ [القصص / ٤]، ﴿فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ ﴾ [الحجر / ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ ﴾ [القمر / ٥١]. شوك الشَّوْكُ: ما يَدِقُ وَيَصْلُبُ رَأسُهُ مِنَ النَّبات، وَيُعَبِّرُ بِالشَّوْكِ والشِّكَةِ عَنِ السِّلاحِ والشَّدَّةِ. قَال تعالى: ﴿غَيْرَ ذَاتِ الشِّوْكَةِ﴾ [الأنفال / ٧]، وَسُمِّيَتْ إِبْرَةُ العَقْرَبِ شَوْكاً تشبيهاً به، وَشَجَرَةٌ شاكَةٌ وَشَائِكَةٌ، وَشَاكَّنِي الشَّوْكُ: أَصَابَنِي، وَشَوَّكَ الفَرْخُ: نَبَتَ عليه مِثْلُ الشَّوْكِ، وَشَوّكَ ثَدْيُ المَرْأَةِ: إِذَا انْتَهَدَ، وشَوَّكَ الْبَعِيرُ: طَالَ أَنْيَابُهُ كَالشَّوْكِ . شأن الشُّأْنُ: الحالُ والأمْرُ الذي يَتَّفِقُ وَيَصْلُحُ، ولا يُقَالُ إِلَّ فيما يَعْظُمُ مِنَ الأحْوَالِ والأمُورِ. قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن/ ٢٩]، وَشَأْنُ الرَّأْسِ جَمْعُهُ: شَؤُونٌ، وهو الْوُصْلَةُ بَيْنَ مُتَقَابِلَاتِهِ التي بها قوَامُ الإِنْسَانِ. شوى شَيْتُ اللَّحْمَ وَاشْتَوَيْتُهُ. قال تعالى: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ [الكهف / ٢٩]، وقال الشاعرُ: ٢٧٨ - فَاشْتَوَى لَيْلَة رِيحٍ وَاجْتَمَلْ(٣) (١) انظر مجمع الأمثال ٢٤٤/١ . (٢) في مادة (شطن). (٣) هذا عجز بيت، وصدره: أو نَّهَتْهُ فأتاهُ رزقه وهو للبيد في ديوانه ص ١٤٠؛ والمجمل ٥١٥/٢. ٤٧٠ شيء والشّوَى: الأَطْرَافُ، كَالَيَدٍ والرِّجْلِ. يُقالُ: [ مَعْنَى المفعُول. وقولُه: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾ [الأنعام / ١٩]، فهو بمعْنَى الفاعل رَمَاهُ فَأَشْوَاهُ، أي: أصابَ شَوَاهُ. قال تعالى: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج / ١٦]، ومنه قيلَ لِلَّمْرِ الهَيِّن: شَوَى(١)، مِنْ حَيْثُ إنَّ الشّوَى ليسَ بِمَقْتَلٍ . والشاةُ قيلَ: أَصْلُها شَاهَةٌ بدلالةِ قولهم: شِياهُ وَشُوَيْهَةٌ . كقوله: ﴿تَّبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون / ١٤]. والمشيئَةُ عِنْدَ أكْثر المتَكَلِّمِينَ كالإِرَادَةِ سَوَاءً، وعِندَ بعضهم: المَشِيئَةُ في الأصل: إِيجَادُ الشيءٍ وإصابَتُه، وإن كان قد شيء يُستَعملُ فِي التَّعَارُفِ مَوْضِعِ الإِرَادةِ، فَالْمُشِيئَةُ مِنَ الله تعالى هي الإِيجَادُ، ومِن الناس هي الشيءُ قيل: هو الذي يَصِحُّ أنْ يُعْلَم ويُخْبَر عنه، وعِنْدِ كَثِيرٍ مِنَ المُتَكلّمِين هو اسمٌ مُشْتَرَكُ المَعْنَى إِذْ اسْتُعْمِلَ فِي اللهِ وفي غَيْرِهِ، ويَقَعُ عَلَى المَوْجُودِ والمعْدُومِ . وعِنْدَ بعْضِهِمْ: الشيءُ عبارة عن المُؤْجُودِ (٢)، وأصلُه: مَصدرُ شاءَ، وَإِذا وُصِفَ به تعالىْ فَمَعْنَاهُ: شَاءٍ، وإذا وُصِفَ به غَيْرُهُ فَمَعْناهُ المَشِيءُ، وعَلَى الثاني قولُه تعالى: ﴿ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد / ١٦]، فهذا عَلَى العموم بِلا مَثْنَوِيَّةٍ إِذْكَان الشيءُ هُهَنَا مَصْدراً في الإِصَابَة، قال: وَالمَشِيئَةُ مِنَ اللهِ تَقْتَضِي وُجُود الشيء؛ ولذلك قيلَ: (ما شاءَ اللهُ كانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكُنْ)(٣)، وَالإِرَادَةُ منه لا تَقْتَضِي وُجُودَ المُرَادِ لَ محَالَة، ألا تَرَى أنه قال: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة/ ١٨٥]، ﴿ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ [غافر/ ٣١]، ومعلومٌ أنه قد يحْصُلُ الْعُسْرُ والتَّظَالُمُ فيما بين الناسِ ، قَالُوا: وَمِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ إِرَادَةِ (١) ومنه حديث مجاهد: كلُّ ما أصاب الصائمُ شَوىّ إلا الغيبة والكذب؛ فهي له كالمقتل؛ اللسان (شوا). (٢) قال صاحب الجوهرة: وعندنا الشيءُ هو الموجودُ وثابت في الخارج الموجودُ (٣) هذا حديث لا قول، عن زيد بن ثابت وأبي الدرداء أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((ما شاءَ اللّهُ كانٍَ وما لم يشأ لمٍ يكنْ)) أخرجه البيهقي في الاعتقاد والهداية ص ١٠٦؛ وأخرجه أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت أنَّ رسول الله علّمه دعاءً وأمره أن يتعاهدَ بِهِ أهله، كلَّ يوم حين يصبح: لبيَّك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلتُ من قولٍ ، أو نذرتَ من نذرٍ، أو حلفت من حلفٍ فمشيئتك بين يديه، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير ... )) الحديث. قال الهيثمي: وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا، وفي بقية الأسانيد أبو بكر ابن أبي مريم وهو ضعيف. انظر: مسند أحمد ١٩١/٥؛ ومجمع الزوائد ١١٦/١٠. وسئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول: ما شئتَ كان وإنْ لم أشأ وما شئتُ إنْ لم تشأُ لم يكن ٤٧١ شيء الإِنسَانِ قد تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ أَن تَقَدَّمَهَا إِرَاءَةُ اللهِ؛ فإِنَّ الإِنسَانَ قد يُرِيدُ أن لَا يَمُوتَ، وَيَأْبَى اللهُ ذلك، وَمَشِيئَتُه لا تكُونُ إِلّ بَعْد مَشِيئَتِه لقوله: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [الإِنسان/ ٣٠]، رُوِيَ أَنَّه لما نَزَلَ قوْلُه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ [التكوير / ٢٨]، قَال الْكُفَّارُ: الأمْرُ إليْنَا إِنْ شِئْنَا اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأَنْزَلَ الله تعالى ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللهَ﴾(١)، وَقَال بعضهم: لولا أن الأمورَ كلّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ تعالى، وأَنّ أَفْعَالَنَا مُعلَّقَةٌ بها ومَوْقُوفَةٌ عليها لمَا أَجْمَع الناسُ عَلَى تَعلِيقِ الاسْتِنَاء به في جميع أفعالنا نحو: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ شيه الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات / ١٠٢]، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِراً ﴾ [الكهف/٦٩]، ﴿يَأْتِكُمْ بِهِ اللّهُ إِنْ شَاءَ﴾ [هود/ ٣٣]، ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ﴾ [يوسف / ٦٩]، ﴿قُلْ لَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إلا ما شَاءَ اللهُ ﴾ [الأعراف/ ١٨٨]، ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف / ٨٩]، ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً إلَّ أنْ يَشَاءَ اللّهُ ﴾ [الكهف / ٢٤]. شِيَةٌ: أَصْلُهَا وِشْيَةٌ(٢)، وَذلكَ مِنْ بابِ الواو. شيه تمَّ كتابُ الشين (١) أخرج هذا ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة. انظر: الدر المنثور ٤٣٦/٨. (٢) انظر تفسير غريب القرآن ص ٥٤. ٤٧٢ كتاب الصَّاد صبب صَبُّ الماءِ: إِرَاقَتُهُ مِنْ أَعْلَى، يُقَالُ: صَبَّهُ فَانْصَبَّ، وَصَبْتُهُ فَتَصَبَّبَ. قال تعالى: ﴿ أَنَّا صَبَيْنَا المَاءَ صَبّأَ﴾ [عبس / ٢٥]، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ [الفجر/ ١٣]، ﴿ يُصَبُّ مِنْ فَوْقٍ رُؤوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾ [الحج / ١٩]، وصبَّ إلَى كذا صَبابةً: مَالَتْ نَفْسُهُ نحوهُ مَحبَّةً له، وخُصَّ اسمُ الفاعِل منه بالصَّبِّ، فقيل: فُلانٌ صَبِّ بكذا، والصُّبَّةُ كالصرْمَةِ(١)، والصَّبِيبُ: المَصْبُوبُ مِنَ المَطْرِ، ومِنْ عُصارَةِ الشيء، ومنَ الدَّم، والصُّبابةُ والصُّبَّةُ: البَقِيَةُ التي مِن شَأْنِهَا أنْ تُصَبَّ، وَتَصابَيْتُ الإِنَاءَ: شَرِبْتُ صُبَابَتَهُ، وَتَصَبْصَبَ: ذَهَبَتْ صُبَابَتُهُ. احْمَرَّ الأُفُقِ بحاجب الشمس. قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود/ ٨١]، وقال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات/ ١٧٧]، والتَّصَبُّحُ: النَّوْمُ بالغداةِ، والصُّبُوحُ: شُرْبُ الصَّباحِ، يقالُ: صَبَحْتُه: سَقْتُه صَبُوحاً، والصَّبْحَانُ: المُصْطَبَحُ، والمِصْباحُ: ما يُسْقَى منه، ومنَ الإِبلِ ما يَبْرُكُ فَلا ينهَضُ حتى يُصْبِحَ، وما يُجْعلُ فيه المِصْباحُ، قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ [النور / ٣٥]، ويُقالُ لِلسِّرَاجِ: مِصْباحٌ، والمصباحُ: مَقَرُّ السَّرَاجِ، والمَصَابِيحُ: أَعْلامُ الكَواكِب. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك/ ٥]، وصَبَحْتُهُمْ ماءَ كذا: أَتَيْتُهُمْ به صباحاً، والصَّبَحُ: شدَّةُ حُمْرَةٍ في الشّعْرِ، تشبيهاً بالصُّبْحِ وَالصَّباحِ ، وقيل: صَبْحَ صبح الصُّبْحُ والصَّباحُ، أوَّلُ النهار، وهو وقْتُ ما | فُلانٌ أي: وَضُؤَ (٢). (١) الصُّبة: القطعة من الخيل، وكذلك من الغنم، انظر المجمل ٥٣٢/٢. (٢) يقال: صَبُحَ يَصْبُحُ صَباحةً، انظر اللسان: صبح. ٤٧٣ صبر صبر الصّبْرُ: الإِمْساكُ فِي ضِيقٍ، يُقالُ: صَبَرْتُ الدّابّةَ: حَبَسْتُها بلا عَلَفٍ، وَصَبَرْتُ فُلاناً: خَلَفْتُهُ خِلْفَةً لا خُرُوج له منها، والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْس عَلَى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ والشرْعُ، أَو عَمَّا يَقْتِضِيانِ حَبْسِهَا عنه، فالصّبْرُ لَفظُ عامٌّ، ورُبَّما خُولِفَ بَيْنَ أَسْمَائِهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ مَوَاقِعِهِ؛ فإِنْ كَانَ حَبْسُ النَّفْسِ لمُصِيبَةٍ سَمِّيَ صَبْراً لا غير، ويُضادُّهُ الجَزَعُ، وإِنْ كانَ في مُحارَبٍ سُمِّيَ شَجَاعَةً، وَيُضادُّهُ الجُبْنُ، وإِنْ كان في نائِبٍ مُضْجِرَةٍ سُمِّيَ رَحْبَ الصّدْرِ، ويُضادُّهُ الضَّجَرُ، وَإِنْ كانَ في إمْسَاكِ الكلامِ سَمِّي كِتْماناً، وَيُضَادُّهُ المَذلُ، وقد سَمَّى الله تعالىْ كُلَّ ذلك صَبْراً، وَنَبَّهَ عليه بقوله: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ [البقرة/ ١٧٧]، ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج / ٣٥]، ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب / ٣٥]، وَسُميَ الصّوْمُ صَبْراً لكونه كالنَّوْع له، وقال عليه السلام: (صِيَامُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في كلِّ شَهْرٍ يُذْهِبُ وحَرَ الصَّدْرِ))(١)، وقولُه تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ [البقرة/ ١٧٥]، قال أبو عبيدة(٢): إِنّ ذُلِكَ لُغةٌ بمعْنَى الجُرْأَةِ، واحْتَجٌ بقولِ أعْرابيّ قَال لِخَصْمِهِ: مَا أَصْبَرَكَ عَلَى الله، وهذا تصَوُّرُ مجازٍ بِصُورَةٍ حَقِيقَةٍ؛ لأنّ ذلك مَعْنَاهُ: مَا أَصْبَرَكَ عَلَى عَذَابَ الله في تقْدِيركَ إذا اجْتَرَأْتَ عَلَى ارْتِكابٍ ذلك، وإلى هذا يَعودُ قوْلُ مَنْ قَالَ: مَا أَبْقَاهُمْ عَلَى النّارِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ(٣): ما أعْمَلَهُمْ بِعَمَلِ أَهْلِ النار، وذلك أنه قد يُوصَفُ بالصّبْرِ مَنْ لَ صَبْرَ له في الحَقِيقَةِ اعْتِبَاراً بِحَالِ الناظِرِ إليه، واسْتِعمالُ التَّعَجِبِ فِي مِثْلِهِ اعْتِبَارٌ بِالخَلْقِ لا بالخَالِقِ، وقولُه تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران / ٢٠٠]، أي: احْبِسُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى العِبَادَةِ وجَاهِدُوا أَهْوَاءَكُمْ، وقولُهُ: ﴿وَاصْطَبْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم / ٦٥]، أي: تَحَمَّلِ الصَّبْرَ بِجَهْدِكَ، وقوله: ﴿أُوْلِئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بَمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان / ٧٥]، أي: بمَا تَحَمِّلُوا مِنَ الصَّبْرِ في الوُصُولِ إلى مَرْضَاةِ اللهِ، وقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف / ١٨]، مَعنَاهُ: الأمْرُ والحَثُّ على ذلك، والصَّبُورُ: القادِرُ عَلَى الصَّبْرِ، والصَّارُ يقالُ: إذا كان فيهِ ضَرْبٌ مِنَ التّكلُّفِ والمُجَاهَدَةِ، قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ الكُلُّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [الشورى/ ٣٣]، وَيُعبَّرُ عن الانْتِظَارِ بالصَّبْرِ لِما كانَ حَقُّ الانْتِظَارِ أنْ لا يَنْفَكَّ عن الصّبْرِ بِلْ هُوَ نَوْعٌ منَ الصَّيْرِ، قال: ﴿ فَاصْبِرْ (١) الحديث عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن الأعرابي قال: سمعت رسول الله وَلا يقول: ((صومُ شهرِ الصبر، وثلاثة أيام من كل شهرٍ يذهبن وحر الصدر)) أخرجه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح، وأخرجه البزار عن ابن عباس، ورجاله رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد ١٩٩/٣؛ والمسند ١٥٤/٥. (٢) انظر: مجاز القرآن ٦٤/١؛ ومعاني القرآن للفراء ١٠٣/١. (٣) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجَّاج ٢٤٥/١. ٤٧٤ صبغ - صبا لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور / ٤٨]، أي: انْتَظِرْ حُكْمُهُ لكَ عَلَى الكافِرِينَ. صبغ الصَّبْغُ: مَصْدَرُ صَبَغْتُ، وَالصِّبْغُ: المَصْبُوغُ، وقولُه تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ ﴾ [البقرة/ ١٣٨]، إِشَارَةٌ إلَى مَا أَوْجَدَهُ اللهُ تعالى في الناسِ مِنَ العَقْلِ المُتَمِّزِ بِه عَنِ الْبَهَائِمِ كالْفِطْرَةِ، وكانَتِ النَّصَارَى إذا وُلِدَ لهمْ وَلِدٌ غمَسُوهُ بعدَ السَّابِعِ في مَاءٍ عَمُودِيّةٍ يَزْعُمونَ أَنّ ذلك صِبْغَةٌ، فقال تعالى له ذلك، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ﴾ [البقرة/ ١٣٨]، وقال: ﴿وَصِبْغٍ لِلأَكِلِينَ ﴾ [المؤمنون / ٢٠]، أَي: أُدْمٍ لهمْ، وذلكَ مِنْ قوْلهِمْ: اصطبغتُ بِالخَلِّ(١). صبا الصَّبِيُّ: مَنْ لمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، وَرَجُلٌ مُصْبٍ: ذُو صِبْيَانٍ. قال تعالى: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكلِّمُ مَنْ كانَ فِي المَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم / ٢٩]. وَصَبَا فُلانٌ يَصْبُو صَبْواً وَصَبْوَةً: إذا نَزَعَ وَاشْتَاقَ، وَفَعَلَ فِعْلَ االصِّبْيَانِ. قال: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف / ٣٣]، وأصْبَاني فصَبَوْتُ، صحب والصَّبَا: الرِّيحُ المُسْتَقْبِلُ لِلْقِبْلةِ. وصابَيْتُ السَّيْفَ: أَغْمَدْتُهُ مَقْلُوباً، وصابَيْتُ الرُّمْحِ: أَمَلْتُهُ، وَهَّتُهُ لِلطَّعْنِ. وَالصَّابِئُونَ: قَوْمٌ كَانُوا عَلَى دِينِ نُوحٍ ، وقيلَ لكلِّ خارِجٍ منَ الدِّينِ إلى دينٍ آخرَ: صَابِىءٌ، مِنْ قَوْلهمْ: صَبأَ نَابُ الْبَعِيرِ: إذا طلَعَ، وَمَنْ قَرَأْ: ﴿ صَابِينَ﴾(٢) فقدْ قيل: على تخْفيفٍ الهمْزِ كقوله: ﴿لَ يَأْكُلُهُ إِلّ الخَاطِونَ﴾(١) [الحاقة/ ٣٧]، وقد قيلَ: بَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: صَبَا يَصْبُو، قال تعالى: ﴿والصَّابِئِينَ والنّصَارَى ﴾ [الحج/ ١٧]. وقال أيضاً: ﴿والنّصَارَى والصّابِئِينَ﴾ [البقرة / ٦٢]. صحب الصّاحِبُ: المُلازِمُ إِنْسَاناً كانَ أَو حَيْوَاناً، أو مَكاناً، أو زَماناً. ولا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تكونَ مُصَاحَبَتُهُ بالبَدَنِ - وهو الأصْلُ والأكْثَرُ -، أو بالعِنَايَةِ وَالهِمَّةِ، وعلى هذا قال: ٢٧٩ - لَئِنْ غِبْتَ عَنْ عَيْنٍ لمّا غِبْتَ عَنْ قَلْبِي (٤) ولا يقالُ في العُرْفِ إلّا لَمْنَ كَثُرَتْ مُلَزَمَتُهُ، وَيُقَالُ لِلْمالِكِ للشيءِ: هُو صاحِبُهُ، وكذلك لِمَنْ (١) قال الزمخشري: ومن المجاز: نعمَ الصِّبغ والصباغ الخل؛ لأن الخبز يغمس فيه ويتلون به. انظر: أساس البلاغة ص ٢٤٨. (٢) وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيين. الإتحاف ١٣٨. (٣) وهي قراءة أبي جعفر. (٤) هذا عجز بيت لأبي العتاهية، وصدره: أما والذي لو شاءً لم يخلق النوى وهو في عيون الأخبار ٨٦/٤؛ ومجمع البلاغة ٥٠١/١؛ وأمالي القالي ١٩٦/٢؛ ولم أجده في ديوان أبي العتاهية . ٤٧٥ يَمْلِكُ التّصَرُّفَ فيه. قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة / ٤٠]، ﴿ قالَ له صَاحِبُهُ وَهَوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف / ٣٤]، ﴿ أُمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ ﴾ [الكهف / ٩]، ﴿وَأَصحَابُ مَدْيَنَ﴾ [الحج / ٤٤]، ﴿ أَصْحَابُ الجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة/ ٨٢]، ﴿أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة/ ٢١٧]، ﴿ مِنْ أَصْحَابِ السّعِيرِ﴾ [فاطر / ٦]، وأما قولُه: ﴿ وَمَّا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النّارِ إِلّ مَلَائِكَةً ﴾ [المدثر / ٣١] أي: المُوَكَّلِينَ بِهَا لَ المُعَذَّبِينَ بها كما تقَدّمَ. وقد يُضافُ الصَّاحِبُ إلى مَسُوسِه نحوُ: صاحبِ الجيْشِ، وإلى سائسِهِ نحوُ: صَاحِبِ الْأَميرِ. وَالمُصَاحَبَةُ وَالاصْطِحَابُ أَبْلَغُ مِنَ الاجْتماعِ؛ لأجْلِ أَنَّ الْمُصَاحَّبَةَ تَقْتَضِي ◌ُولَ لُيْئِهِ، فَكَلُّ اصْطِحَابِ اجْتماعٌ، ولَيْسَ كُلُّ اجْتماعٍ اصْطِحَاباً، وقولُه: ﴿وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبٍ الحُوتِ﴾ [القلم /٤٨]، وقولُه: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنّةٍ﴾ [سبأ/٤٦]، وقد سُمِّيَ النبيُّ عليه السلامُ صَاحِبَهُمْ تنبيهاً أَنْكُمْ صَحِبْتُمُوهُ، وَجَرَّبْتُمُوهُ وَعَرَفْتُمُوهُ ظاهرَهُ وباطِنَهُ، ولم تجِدُوا به خَبَلا وَجِنَّةً، وكذلك قولُه: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ [التكوير / ٢٢]. والإِصحَابُ للشيءٍ: الأنْقِيَادُ له. وَأَصْلُهُ أَنْ يَصِيرَ له صَاحباً، ويُقالُ: أصحَبَ فُلانٌ: إذا كَبُرَ ابْنُهُ فِصَارَ صَاحبَهُ، صحف - صغَّ وَأَصْحَبَ فُلانٌ فُلاناً: جُعِلَ صاحِباً له. قَالَ: ﴿ وَلَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء/ ٤٣]، أي: لا يكُونُ لهمْ مِنْ جِهَتِنَا ما يَصْحَبُهُمْ مِنْ سَكِينَةٍ وَرَوْحٍ وتوفيق، ونحوِ ذلك مِمَّا يُصْحِبُهُ أَوْلِيَاءَهُ، وأديمٌ مُصْحَبٌ: أُصْحِبَ الشّعَرُ الذي عليه ولم یُجَزَّ عنه. صحف الصّحِيفةُ: المَبْسُوطُ مِنَ الشيءِ، كَصَحِيفَةِ الْوَجْهِ، وَالصَّحِيفَة: التي يُكْتَبُ فيها، وَجَمْعُها: صحَائِفُ وَصُحُفٌ. قال تعالى: ﴿صُحُفٍ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى / ١٩]، ﴿ يَتْلُو صُحفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمةٌ ﴾ [البينة/ ٢ - ٣]، قِيلَ: أُرِيدَ بها القرآنُ، وجَعْلُهُ صُحُفاً فيها كُتُبِّ مِنْ أَجْلِ تَضَمُّتِهِ لِزِيَادَةٍ مَا فِي كُتُبِ اللهِ الْتَقَدِّمَةِ. وَالمُصْحَفُ: مَا جُعِلَ جَامِعاً للصُّحْفِ المَكْتُوبَةِ، وَجَمْعُهُ: مَصَاحِفُ، وَالنَّصْحِيفُ: قِرَاءَةُ الْمُصْحَفِ وَرِوَايْتُهُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ لِاشْتِبَاهِ حُرُوفِهِ، وَالصَّحْفَةُ مِثْلُ قَصْعَةٍ عَرِيضَةٍ. صخ الصَّاخَّةُ: شِدَّةُ صَوْتٍ ذِي النَّطْقِ، يُقَالُ: صَخَّ يَصِخُّ صَخّاً فهو صاٌّ. قالَ تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس / ٣٣]، وهيَ عِبَارَةُ عنِ الْقِيَامَةِ حَسْبَ المُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْله: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ [الأنعام / ٧٣]، وقد قُلِبَ عنه: أصَاخَ يُصِیخُ. ٤٧٦ صخر - صدّ صخر الصَّخْرُ: الحَجَرُ الصَّلْبُ. قال تعالى: ﴿ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان/ ١٦]، وقال: ﴿ وَثُمودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾ [الفجر/ ٩]. صدد الصُّدُودُ وَالصَّدُّ قد يكُونُ انصِرَافاً عَنِ الشّيْءِ وامْتِنَاعاً، نحو: ﴿ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾، [النساء / ٦١]، وقد يكُونُ صَرْفاً وَمَنْعاً نحوُ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل / ٢٤]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبيلِ اللهِ﴾ [محمد/ ١]، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ اللهِ ﴾ [الحج / ٢٥]، ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَلاً وَصَدِّ عِنْ سَبِيلِ اللهِ ﴾ [البقرة/ ٢١٧]، يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أَنْزِلَتْ إِلَيْكَ ﴾ [القصص / ٨٧]، إلى غير ذلك من الآيات. وقيلَ: صدَّ يَصُدُّ صُدُوداً، وصَدَّ يَصِدُّ صَدّاً(١)، والصَّدُّ والصُّدُّمِنَ الَجَبَلِ: ما يحُولُ، والصَّدِيدُ: ما حَالَ بَيْنَ اللَّحْم والجِلْدِ مِنَ الْقَيْح، وضرِبَ مثَلاً لِمَطْعم أَهلِ النار. قال تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ * يتجرعه وَلا يكادُ يُسيغُه ﴾ [إبراهيم / ١٦ - ١٧ ]. صدر لِي صِدْرِي﴾ [طه / ٢٥]، وجَمْعُه: صُدُورٌ. قال: ﴿ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ﴾ [العاديات/ ١٠]، ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي في الصُّدُورِ ﴾ [الحج / ٤٦]، ثم استُعِيرَ لِمُقدَّم الشيءِ كصدْرِ القَناةِ، وَصَدْرِ المجْلسِ ، والكِتاب، والكلامِ، وصَدَرَهُ: أَصابَ صَدْرَه، أو قَصَدَ صدره نحو: ظَهرَه، وَكَتَفَهُ، ومنه قيل: رَجُلٌ مَصْدُورٌ: يشكُو صَدْرَهُ، وإذا عُدِّيَ صَدَرَ بـ (عَنْ) اقْتَضَى الانصِرَاف، تقُولُ: صَدَرَتِ الإِبِلُ عنِ المَاءِ صَدَراً، وقيلَ: الصَّدْرُ، قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتَاتاً﴾ [الزلزلة / ٦]، والمصْدَرُ في الحقيقةِ: صَدَرٌ عنِ المَاءِ، ولِمْوضعِ الصَّدَرَ، ولزَمانِهِ، وقدْ يقَالُ في تَعَارُفِ النَّحْوِيِّينِ لِلْفَظِ الذي رُوعِيَ فيه صُدُورُ الفعْلِ المَاضي والمُسْتَقْبلِ عنه. والصِّدَارُ: ثَوْبٌ يُغَطّ به الصَّدْرُ، عَلَى بِنَاءِ دِثَارٍ وَلِبَاسٍ ، ويقالُ له : الصُّدْرةُ، وَيُقَالُ ذلك لسمَّةٍ عَلَى صَدْرِ الْبَعِيرِ. وصَدَّرَ الفَرَسُ: جاءَ سَابِقاً بِصَدْرِهِ، قالَ بَعْضُ الحكماء: حَيْثُمَا ذَكَرَ اللهُ تعالى الْقَلْبِ فِإِشارةٌ إلى العقْلِ وَالعِلْم نحوُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ [ق/٣٧]، وحيثما ذكَرَ الصَّدْرَ فِإِشارةٌ إلى ذلك، وإلى سائرِ الْقُوَى مِنْ الشّهْوَةِ وَالهَوى والغضَبِ ونحوها، وقولُه: الصَّدْرُ: الجَارِحةُ. قال تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ | ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صِدْرِي﴾ [طه/ ٢٥]، فَسُؤالٌ صدر (١) قال السرقسطي: وصدَّ عن الشيء صدوداً، أعرض، وصدَّ أيضاً: ضجَّ. انظر: الأفعال ٣٨٥/٣. وفي اللسان: صدّ يَصِدُّ صداً: ضجٍّ وعجّ. ٤٧٧ صدع ـ صدف الإِصْلاحِ قُوَاهُ، وكذلك قولُه: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَا قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة / ١٤]، إِشارةٌ إلى اشْتِغائهِمْ، وقولُه: ﴿فَإِنّهَا لَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلْكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج/ ٤٦]، أي: العُقولُ التي هيَ مُنْدَرِسٌ فيما بيْن سائرِ القُوَى ولْيْسَتْ بِمُهْتَدِيَةٍ، واللهُ أعلمُ بذلك، وبوجه الصواب فيه. صدع صدق أُوْ في الصَّلابةِ كَصَدَفِ الجَبَلِ أَي: جَانِهِ، أو الصَّدَفِ الذي يخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ. قال تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمِّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عنْهَا﴾ [الأنعام / ١٥٧]، ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ ... ) الآية إلى ﴿بِمَا كانُوا يصْدِفُونَ﴾ [الأنعام / ١٥٧](٣). صدق الصِّدْقُ والكَذِبُ أَصْلُهُما في القَوْل، ماضِياً كَانَ أو مُسْتَقْبَلاً، وَعْداً كَانَ أَوْ غيْرَهُ، ولاَ يُكُونانِ بالْقَصْدِ الأوَّلِ إلَّ في القَوْلِ، ولا يَكُونَانِ في القولِ الصَّدْعُ: الشّقُّ في الأجْسَامِ الصُّلْبةِ كالزُّجاجِ وَالحَدِيدِ ونحوهما. يُقالُ: صَدَعْتُهُ فَانْصَدَعَ، وصدَّعْتُهُ فَتَصَدَّعَ، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ [الروم / ٤٣]، وعنه استُغيرَ: صَدَعَ الأمْرَ، أَي: فصَلَهُ، قال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر / ٩٤]، وكذا استُعِيرَ منه الصُّداع، وهو شِبْهُ الانشقاق في الرَّأْسِ مِنَ الوَجَعِ . قال: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ ﴾ [الواقعة / ١٩]، ومنه الصَّديعُ للفَجْرِ (١)، وصَدَعْتُ الفَلاةَ: قَطعتُهَا(٢)، وَتَصدََّعَ الْقَوْمُ أي : تَفرَّقُوا. إلّ فِي الْخَيَرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَصْنَافِ الكَلام، ولذلك قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِقِيلاً﴾ [النساء/ ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ [النساء/ ٨٧]، ﴿واذكرْ في الكتابِ إسماعيل إِنَّهُ كانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم/ ٥٤]،وقد يكُونانِ بالعَرَضِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكلام، كالاسْتِفْهَامِ وَالأمْرِ وَالدُّعَاءِ ، وذلك نحوُ قولِ القائِلِ: أَزَيْدٌ في الدَّارِ ؟ فإِنَّ في ضِمْنِهِ إخْبَاراً بِكَوْنِهِ جَاهِلاً بحالٍ زَيْدٍ، [وكذا إذا قَالَ: وَاسِنِي فِي ضِمْنِهِ أنه مُحْتَاجٌ إلى الْمُوَاساةِ، وَإذا قال: لَا تُؤْذِي فَفِي ضِمْنِهِ أنه يُؤْذِيهِ](٤). والصِّدْقُ: مُطابقةُ القولِ الضّمِير وَالْمُخْبَرَ عنه مَعاً، وَمَتى انخَرَمَ شرْطٌ مِنْ ذلك لمْ صَدَفَ عنه: أَعْرَضَ إِعْرَاضاً شَدِيداً يجْرِي مَجْرَى الصَّدَفِ، أي: المَيْلِ فِي أَرْجُلِ الْبَعِيرِ، | يكُنْ صِدْقاً تاماً، بلْ إِمَّ أَنْ لَا يُوصَفَ بالصِّدْقِ؛ صدف (١) انظر: المجمل ٥٥٢/٢، والبصائر ٣٩٥/٣، واللسان: صدع. (٢) انظر: المجمل ٥٥٢/٢. (٣) تمام الآية: ﴿فَمَنْ أَظلمُ ممِّنْ كذَّبَ بآياتِ اللهِ وصدَفَ عنها، سنجزي الذين يَصدقُون عن آياتِنا سُوءَ العذابِ بما كانوا يصدفون ﴾. (٤) ما بين [] نقله السمين في عمدة الحفاظ (صدق)، ثم قال: وفيه نظر من حيث التصديقُ والتكذيب لم يرد على = ٤٧٨ صدق وإِمَّا أَنْ يُوصَفَ تَارَةً بالصِّدْقِ، وتارةً بالْكَذِبِ عَلَى [ ما يَجِبُ وكما يَجِبُ، وَكَذَبَ في القِتَّالِ: إذا كَانَ بخلافِ ذلك. نَظَرَيْنِ مُخْتلفيْن، كقوْلٍ كَافِرٍ إذا قَال مِنْ غَيْرِ اعْتقادٍ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، فإِنّ هذا يَصِحُّ أَنْ يُقالَ: صِدْقٌ، لِكَوْنِ المُخبِرِ عنه كذلك، ویصِحُ أَنْ يُقَالَ: كَذِبٌ، لِمُخَالَفَةِ قوْلِهِ ضَمِيرَه، وَبِالوَجْهِ الثانِي إِكْذَابُ الله تعالى المُنَافِقِينَ حِيْثُ قَالُوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله ... ) الآية [المنافقون/ ١]، والصِّدِّيقُ: مَنْ كَثُرَ منهُ الصِّدْقُ، وَقِيلَ: بَلْ يُقَالُ لِمَنْ لا يَكْذِبُ قَطُ، وقيلَ: بَلْ لِمَنْ لا يَتَأَنَّى منهُ الكَذِبُ لتَعُوُّدِهِ الصِّدْقَ، وقيلَ: بل لِمَنْ صَدَقَ بقوْلِه وَاعْتقادِهِ وَحقَّقَ صِدْقَهُ بِفِعْلِهِ، قال: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إنّهُ كَانَ صِدِّيقً نَبِيّاً ﴾ [مريم / ٤١]، وقال: ﴿واذكرْ في الكتاب إدريسَ إنه كان صدّيقاً نبياً﴾ [مريم / ٥٦]، وقال: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ [المائدة / ٧٥]، وقا ﴿ فأولئك مع الذين أَنْعَمَ الله عليهم مِنَ النَِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء/ ٦٩]، فَالصِّدِّيقُونَ هُمْ قَوْمٌ دُوَيْنَ الأَنْبِيَاءِ فِي الْفَضيلةِ عَلَى مَا بَيِّنْتُ في ((الذّرِيعة إِلى مَكَّارِمٍ الشّريعةِ))(١). وقدْ يُسْتَعملُ الصِّدْقُ وَالكذِبُ في كُلِّ ما يحِقُّ وَيَحْصُلُ في الاعْتَقَادِ، نحوُ: صَدَقَ ظَهِّ وَكَذْبَ، وَيُسْتَعْمَلانِ فِي أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، فيُقالُ: صَدَقَ في الْقِتالِ: إِذَا وَلَى حَقَّهُ، وفَعَلَ قال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب / ٢٣]، أي: حقَّقُوا الْعَهْدَ بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، وقولُهُ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب / ٨]، أي: يسألَ من صَدَقَ بِلِسَانِهِ عن صِدْقِ فَعْلِهِ تنبيهاً أنه لا يْفي الأعْتِرَافُ بالحقِّ دُونَ تِحَرِّيهِ بِالْفِعلِ، وقولُهُ تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ ﴾ [الفتح / ٢٧]، فهذا صِدْقٌ بالفِعْل وهو التّحَقُّقُ، أَي: حَقَّقَ رُؤْيَتَهُ، وَعَلَى ذلك قولُهُ: ﴿ وَالّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ [الزمر / ٣٣]، أي: حقَّق مَا أَوْرَدَهُ قَوْلاً بمَا تحرَّاهُ فِعْلًا، وَيُعبَّرُ عَنْ كلِّ فِعْلٍ فَاضِلٍ ظَاهِراً وَبَاطِنَاً بالصِّدْقِ، فَيُضَافُ إليه ذلك الفِعل الذي يُوصَفُ به نحو قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر / ٥٥]، وعَلَى هذا: ﴿ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ [يونس / ٢]، وقولُه: ﴿ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء / ٨٠]، ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء / ٨٤]، فإنّ ذلك سُؤالٌ أنْ يَجْعَلَهُ الله تعالى صالحاً، بحيثُ إذا أثْنى عليه مَن بعدَهُ لم يَكُنْ ذلكِ الثّناءُ كَذباً بلْ = معنى الاستفهام، وما بعده إنما ورد على ما هو لازم، ولا كلام في ذلك، فلم يصح أن يقال: إنهما وردا على غير الخبر. (١) انظر: الذريعة ص ٧١، باب أصناف الناس. ٤٧٩ يَكُونُ كما قال الشاعر: ٢٨٠ - إِذا نحْنُ أَثْنَيْنَا عَلَيْكَ بِصالحٍ فأنتَ كما نُثْنِي وَفَوْقَ الذي نُّشْنِي(١) وَصَدَقَ قد يَتَعَدّى إلى مَفْعُولِيْنِ نحوُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران/ ١٥٢]، وَصَدَّقْتُ فُلاناً: نَسَبْتُهُ إِلَى الصِّدْقِ، وَأَصْدَقْتُهُ: وَجَدْتُه صَادِقاً، وقيلَ: هما واحِدٌ، ويُقالانِ فيهما جَمِيعاً. قَال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدَ اللهِ مُصَدِّقْ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة/ ١٠١]، ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [المائدة/ ٤٦]، ويُسْتَعْمَلُ التَّصْديقُ في كلِّ ما فيه تحقيقٌ، يُقالُ: صَدَقَنِي فِعلُه وكتَابُه. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدَ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ﴾ [البقرة / ٨٩]، ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [آل عمران / ٣]، ﴿وَهُذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ [الأحقاف / ١٢]، أي: مُصدِّقُ ما تقدَّمَ، وقولُه: ((لِسانا)) مُنْتَصِبٌ عَلَى الحال، وفي المثَل: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِه (٢). والصَّدَاقةُ: صِدْقُ الاعْتِقَادِ فِي المَوَدَّةِ، وذلك مخْتَصِّ بالإِنسان دُون صدق غيره، قال: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء / ١٠٠ - ١٠١]. وذلك إشارةٌ إلى نحو قوله: ﴿الأَخِلَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوِّ إلّ المُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف/٦٧]، وَالصَّدَقَةُ: مَا يُخْرِجُهُ الإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ كالزَّكَاةِ، لكنْ الصدَّقَةُ في الأصْلِ تُقَالُ للمُتَطَوَّع به، والزّكَاةُ للوَاجِبِ، وقد يُسَمَّى الواجبُ صَدِقَةً إِذا تحرَّى صَاحِبُها الصِّدْقَ فِي فِعْلِهِ. قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة / ١٠٣]، وقال: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة/ ٦٠]، يقَالُ: صَدَّقَ وَتَصدَّقَ قال: ﴿فَلَ صَدَّقَ وَلاَ صَلّى﴾ [القيامة / ٣١]، ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف / ٨٨]، ﴿إِنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقَاتِ ﴾ [الحديد / ١٨]، في آيٍ كَثِيرَةٍ. وَيَقَالُ لِما تَجافَى عنه الإِنْسَانُ منْ حَقِّهِ: تَصَدّقَ به، نحوُ قوله: ﴿ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة / ٤٥]، أي: مَنْ تَجَافَى عنه، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وَأَنْ تَصَدّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة/ ٢٨٠]، فإنه أجْرَى مَا يُسَامَحُ به المُعْسِرُ مَجْرَى الصّدَقَةِ(٣). وعَلَى هذا مَا وَرَد عَنِ النبيِّ وَّ((مَا (١) البيت لأبي نواس، وبعده: وإنْ جرتِ الألفاظ منا بمدحة لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني وهو في مختارات البارودي ١١٤/١؛ والوساطة بين المتنبي وخصومه ص ٥٦؛ وتفسير القرطبي ١٣٥/١. (٢) هذا مَثَلٌ يُضرب في الصدق، انظر: مجمع الأمثال ٣٩٢/١؛ وأساس البلاغة ص ٢٥١. ويجوز في (سن) الرفع والنصب. (٣) راجع: تفسير الماوردي ٢٩٢/١. ٤٨٠