Indexed OCR Text
Pages 201-220
جمع - جمع جمع قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَجمِحُونَ ﴾ [التوبة/ ٥٧]، الجمحوح أصله في الفرس إذا غلب فارسه بنشاطه في مروره وجريانه، وذلك أبلغ من النشاط والمرح، والجُمَاح: سهمٌ يجعل على رأسه كالبندقة يرمي به الصبيان(١). جمع الجمع: ضمُّ الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جَمعتُه فاجتمع، وقال عزَّ وجل : ﴿وُجُمِعَ الشَّمسُ والقمرُ ﴾ [القيامة/ ٩]، ﴿وَجَمِعَ فأوعَى﴾ [المعارج / ١٨]، ﴿جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة/ ٢]، وقال تعالى: ﴿ يَجْمِعُ بِينَنَا رَبُّنا ثُمَّ يَفتحُ بَيْنَنا بالحقِّ ﴾ [سبأ/ ٢٦]، وقال تعالى: ﴿لَمغفرةٌ من اللهِ ورَحمةٌ خيرٌ ممَّا يَجِمِعُونَ﴾ [آل عمران / ١٥٧]، ﴿ قُلْ لئنِ اجتمعَتِ الإِنسُ والجِنُّ﴾ [الإِسراء / ٨٨]، وقال تعالى: ﴿فَجَمَعْنَاهُم جَمْعاً ﴾ [الكهف / ٩٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ جَامعُ المُنافقينَ والكافرِينَ ﴾ [النساء / ١٤٠]، ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ على أَمرٍ جَامعٍ ﴾ [النور/ ٦٢]، أي: أمر له (١) انظر: المجمل ١٩٧/١. خطرٌ يجتمع لأجله الناس، فكأنَّ الأمر نفسه جمعهم. وقوله تعالى: ﴿ذلكَ يَومٌ مجموعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود/ ١٠٣]، أي: جمعوا فيه، نحو: ﴿وَتُنْذَرَ يَومِ الجَمعِ﴾ [الشورى / ٧]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يجمعُكُمْ لِيومِ الجَمعِ ﴾ [التغابن / ٩]، ويقال للمجموع: جِمْعٌ وجَميع وجماعة، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصابكم يومَ التقنى الجَمعانِ ﴾ [آل عمران / ١٦٦]، وقال عزَّ وجل : ﴿ ﴿إِنْ كلِّ لَمَّا جَمِيعٌ لدينا مُحضَرونَ ﴾ [یْس/ ٣٢]، والجُمَّاع يقال في أقوام متفاوتة اجتمعوا. قال الشاعر: ٩٦ - جَمْعٍ غَيْرِ جُمَّاعٍ (٢) وأجمعت كذا أكثر ما يقال فيما يكون جمعاً يتوصل إليه بالفكرة، نحو: ﴿فَأَجِمِعُوا أَمَرَكم و وشرکاءکم﴾ [يونس / ٧١]، وقد قرىء ((فأجمعوا))(٣) من جمعتُ. قال الشاعر: ٩٧ - هل أغدُوَنْ يوماً وأمري مُجْمَع (٤) وقال تعالى: ﴿فَأَجمِعُوا كيدَكم ﴾ [طه/ ٦٤]، ويقال: أجمع المسلمون على كذا: اجتمعت آراؤهم عليه، ونَهْبٌ مُجْمَع: ما يُوصل إليه بالتدبير والفكرة، وقوله عزَّ وجل: ﴿إِنَّ (٢) البيت: حتى تجلَّت ولنا غاية من بين جمعٍ غيرِ جُمَّاع وهو لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري في المفضليات ص ٢٨٥؛ وأساس البلاغة ص ٦٤؛ واللسان (جمع). (٣) وهي قراءة رويس عن يعقوب .. (٤) هذا عجز بيت، وشطره: يا ليت شعري والمُنى لا تنفعُ وهو في اللسان (جمع)؛ ومعاني الفراء ٤٧٣/١؛ والنوادر ص ١٣٣؛ والخصائص ١٣٦/٢. ٢٠١ النَّاسَ قَدْ جَمِعُوا لكم ﴾ [آل عمران / ١٧٣]، قيل: جمعوا آراءهم في التدبير علیکم، وقيل: جمعوا جنودهم. وجَميعٌ وأجمعُ وأجمعون يستعمل لتأكيد الاجتماع على الأمر، فأمَّا أجمعون فتوصف به المعرفة، ولا يصح نصبه على الحال. نحو قوله تعالى: ﴿فَسجِدَ الملائكةُ كُلُّهم أَجمعُونَ ﴾ [الحجر / ٣٠]، ﴿وَأَتُوني بِأَهلِكم أَجمعينَ ﴾ [يوسف / ٩٣]، فأمَّا جميع فإنَّه قد ينصب على الحال فيؤكّدُ به من حيث المعنى، نحو: ﴿اهبِطُوا منها جَميعاً ﴾ [البقرة/ ٣٨]، وقال: ﴿فكيدُوني جَميعاً﴾ [هود/ ٥٥]، [وفلانٌ جميع، أي: مجتمع العقل والقوة، ويقال: الجَميع ما جمع عدداً]، وقولُهم: يوم الجمعة، لاجتماع الناس للصلاة، قال تعالى: ﴿إِذا نُودِيَ للصلاةِ من يَومِ الجُمعةِ فاسعَوا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة/ ٩]، ومسجد الجامع، أي: الأمر الجامع، أو الوقت الجامع، وليس الجامع وصفاً للمسجد، وجمَّعُوا: شهدوا الجمعة، أو الجامع أو الجماعة. جمل جامعةٌ: عظيمة، واستجمعَ الفرس جرياً: بَالَغ، فمعنى الجمع ظاهر. وقولهم: ماتت المرأة بِجُمعٍ : إذا كان ولدها في بطنها، فلتصور اجتماعهما، وقولهم: هي منه بِجُمْعٍ : إذا لم تُفتضّ: فلاجتماع ذلك العضو منها وعدم التشقق فيه، وضرَبَه بِجُمع كفّه: إذا جمع أصابعه فضربه بها، وأعطاه من الدراهم جمع الكف. أي: ما جمعته كفّه. والجوامع: الأغلال، لجمعها الأطراف. جمل الجمال: الحُسن الكثير، وذلك ضربان : أحدهما: جمال يخصّ الإِنسان في نفسه أو بدنه أو فعله . والثاني: ما يوصل منه إلى غيره. وعلى هذا الوجه ما روي عنه وَّه: ((إنَّ اللّهَ جَميلٌ يحبُّ الجمال))(٢) تنبيهاً أنَّه منه تفيض الخيرات الكثيرة، فُيُحَبُّ مَنْ يختص بذلك. وقال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حين تريحون﴾ [النحل/ ٦]، ويقال: جَميلٌ وجمال وجُمَّال وأتانٌ جامع(١): إذا حملت، وقِدْر جماع على التكثير. قال الله تعالى: ﴿فصبرٌ جَميلٌ﴾ (١) قال ابن فارس: يقال للأتان أول ما تحمل: جامع. راجع المجمل ١٩٨/١. (٢) الحديث صحيح، وقد أخرجه مسلم والترمذي عن ابن مسعود، والطبراني في الكبير عن أبي أمامة، والحاكم عن ابن عمر، وابن عساكر عن جابر وابن عمر. انظر: الفتح الكبير ٣٣١/١، ورواية البيهقي عن ابن مسعود عن رسول الله﴾ قال: ((لا يدخل الجنة من كانَ في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار مَنْ كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يُحِبُّ أن يكونَ ثوبه حسناً ونعله حسناً؟ فقال رسول الله وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ جميلٌ يُحِبُّ الجمال، الكبرُ مَنْ بطر الحق وغمص الناس)) وكذا رواه البيهقي بهذه الرواية (انظر: الأسماء والصفات ص ٦٠)؛ وصحيح مسلم كتاب الإيمان ٩٣/١ باب تحريم الكبر؛ والمستدرك ١٨١/٤ و٢٦/١. ٢٠٢ ۵ جن [يوسف / ٨٣]، ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا ﴾ [المعارج / ٥]، وقد جَاملْتُ فلاناً، وأجملتُ في كذا، وجمالَك، أي: أجمل، واعتبر منه معنى الكثرة، فقيل لكلّ جماعة غير منفصلة: جُملة، ومنه قيل للحساب الذي لم يُفصَّل والكلام الذي لم يُبَّن تفصيله: مُجمل، وقد أجملْتُ الحساب، وأجملتُ في الكلام. قال تعالى: ﴿وقالَ الذينَ كَفُرُوا لولاَ نُزّلَ عليه القُرآنُ جُملةً وَاحدةً ﴾ [الفرقان / ٣٢]، أي: مجتمعاً لا كما أنزل نجوماً مفترقة. وقول الفقهاء: المجمل: ما يحتاج إلى بيان، فليس بحدٍّ له ولا تفسير، وإنما هو ذكر بعض أحوال الناس معه؛ والشيء يجب أن تُبِّن صفتُه في نفسه التي بها يتميز، وحقيقة المجمل : هو المشتمل على جملة أشياء كثيرة غير مُلخّصة. والجَمَلُ يقال للبعير إذاء بَزَل(١)، وجمعه جِمَّال وأَجْمَال وجِمَالة قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الجَمَلِ فِي سَمِّ الخِياطِ ﴾ [الأعراف / ٤٠]، وقوله : جِمالاتُ صُفْرٌ ﴾(٢) [المرسلات / ٣٣]، جمع جِمَالة، والجِمَالةُ جمع جمل، وقرىء : جُمالاتٌ ﴾(٣) بالضم، وقيل: هي القلوص، والجَامِل: قطعة من الإِبل معها راعيها، كالباقر، وقولهم: أنَّخذ الليلَ جملاً (٤) فاستعارةٌ، كقولهم: ركبَ الليل، وتسمية الجمل بذلك يجوز أن يكون لما قد أشار إليه بقوله: ﴿ وَلِكُمْ فيها جَمالٌ ﴾ [النحل / ٦]؛ لأنهم كانوا يعدُّون ذلك جَمالاً لهم. وجَمِلْتُ الشحم: أذبته، والجَميل: الشحم المذاب، والاجتمال: الادهان به، وقالت امرأة لبنتها: تجعَّلي وتعقّفي (٥)، أي: كُلي الجميل، واشربي العُفَافَةِ (٦). جن أصل الجَنِّ: ستر الشيء عن الحاسة، يقال: جَنَّه الليل وأَجنَّه وجَنَّ عليه، فجنَّهُ: ستره، وأَجنُّه جعلَ له ما يجنُّه، كقولك: قَبرتُه وأَقْبرتُه، وسَقِيتُه وأَسقيتُه، وجَنَّ عليه كذا: ستر عليه، قال عزَّ وجل: ﴿ فَلِمَّا جَنَّ عليه اللَّيْلُ رَأىْ كَوكباً ﴾ [الأنعام / ٧٦]، والجَنَان: القلب، لكونه مستوراً عن الحاسة، والمِجَنّ والمِجَنَّة: الترس الذي يجُنُّ صاحبه. قال عزَّ وجل: ﴿اَنَّخذوا أيمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة / ١٦]، وفي الحديث: (((الصَّومُ جُنَّة))(٧). (١) بَزَلَ البعير يَبْزُل : فطر نابه أي: انشق. (٢) وهي قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب بخلفه وشعبة عن عاصم، وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف: جمالة. (٣) وبها قرأ رويس عن يعقوب، وهي قراءة صحيحة متواترة. راجع: الإتحاف ص ٤٣٠. (٤) انظر: أساس البلاغة ص ٦٤. (٥) راجع: المجمل لابن فارس ١٩٨/١. (٦) العُفَافة: وهو ما بقي في الضرع من اللبن. (٧) الحديث يروى: ((الصيام جُنّة)) وهو صحيح متفق عليه. وأخرجه مالك في الموطأ، باب جامع الصيام، انظر" تنوير = ٢٠٣ جنَّ والجَنَّةُ: كلُّ بُستان ذي شجرٍ يسترُ بأشجاره الأرض، قال عزَّ وجل: ﴿لقدْ كانَ لِسَبٍَ في مَسكِنهم آيَةٌ جِنَّانِ عن يمينٍ وشِمالٍ ﴾ [سبأ/ ١٥]، ﴿ وَبَدَّلْنَاهُم بجنَّتيهم جَنَّتَينِ ﴾ [سبأ/ ١٦]، ﴿ وَلولا إِذْ دخلْتَ جِنَّتَكَ﴾ [الكهف/ ٣٩]، قيل: وقد تسمى الأشجار الساترة جَنَّة، وعلى ذلك حمل قول الشاعر: ٩٨ - من النَّواضحِ تَسقي جنّةً سُحقاً(١) . وسميت الجَنَّة إمَّا تشبيهاً بالجنَّةِ في الأرض - وإن كان بينهما بون_؛ وإمَّا لستره نِعمها عنّا المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ فَلا تَعلمُ نَفسٌ ما أُخفِي لَهم من قُرَّةِ أَعينٍ ﴾ [السجدة/ ١٧]. قال ابن عباس رضي الله عنه: إنما قال: ﴿جنَّاتٌ﴾(٢) بلفظ الجمع لكون الجنان سبعاً: جنة الفردوس، وعدنٍ، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليِّين. والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، وجمعُهُ: أُجِنّة. قال تعالى: ﴿وإذْ أَنْتُم أَجِنَّةٌ فِي بُطونٍ أمهاتِكم﴾ [النجم / ٣٢]، وذلك فَعيل في معنى مفعول، والجنين القبر (٣)، وذلك فعيل في معنى فاعل. والجِنّ يقال على وجهين: أحدهما للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بإزاء الإِنس، فعلى هذا تدخل فيه الملائكة والشياطين، فكلُّ ملائكة جنّ، وليس كلُّ جنٍّ ملائكةً، وعلى هذا قال أبو صالح (٤): الملائكة كلها جنّ، وقيل: بل الجن بعض الروحانيين، وذلك أنَّ الروحانيين ثلاثة: - أخيارٌ: وهم الملائكة. - وأشرار: وهم الشياطين. - وأوساط فيهم أخيار وأشرار: وهم الجن، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ أُوحِي إِلَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأنَّا مِنَّ المُسلمونَ ومِنَّا القَاسِطُونَ ﴾ [الجن / ١ - ١٤ ]. والجِنَّة: جماعة الجن. قال تعالى: ﴿ مِن الجِنَّةِ والنَّاسِ ﴾ [الناس / ٦]، وقال تعالى: ﴿ وَجْعلُوا بِينَهُ وبينَ الجِنَّةِ نَسباً ﴾ [الصافات/ ١٥٨]. والجِنَّة: الجنون، وقال تعالى: ﴿ مَا = الحوالك ٢٨٧/١؛ وفتح الباري ٨٧/٤؛ ومسلم رقم (١١٥١)؛ وانظر: شرح السنة للبغوي ٢٢٥/٦. (١) هذا عجز بيت، وصدرُه: كأنَّ عينيَّ في غربى مُقَتَّةٍ وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٤٠؛ والمجمل ١٧٥/١ . (٢) وذلك في قوله تعالى: ﴿كانت لهم جنّاتُ الفردوس نُزُلاً ﴾ الكهف: ١٠٧. (٣) قال ابن فارس: والجنين: المقبور، وكذا في اللسان، والجَنّن: القبر لستره الميت. (٤) عبد الله بن صالح، أبو صالح المصري، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، شيخ الكلبي، يروي عن ابن عباس، وفيه ضعف. مات سنة ١٢٢ هـ. انظر: تقريب التهذيب ص ٣٠٨. ٢٠٤ جنب بِصَاحِبکم من جِنَّةٍ ﴾ [سبأ/ ٤٦] أي: جنون. والجُنون: حائلٌ بين النفس والعقل، وجُنَّ فلان قيل: أَصابه الجِن، وبُني فعله كبناء الأدواء نحو: زُكم ولُقِي(١) وحُمَّ، وقيل : أُصيب جَنانُه، وقيل: حيل بين نفسه وعقله، فجن عقله بذلك وقوله تعالى: ﴿ مُعلَّمٌ مجنونٌ ﴾ [الدخان/ ١٤]، أي: ضامَّة مَنْ يُعلمه من الجن، وكذلك قوله تعالى: ﴿ أَئِنَا لَنَارِكُوا آلهتنا لِشَاعِرٍ مَجنوٍ ﴾ [ الصافات / ٣٦]، وقيل: ٩٩ - جُنَّ الِلاعُ والآفاقُ(٢) أي: كثر عشبها حتى صارت كأنها مجنونة، وقوله تعالى: ﴿والجانَّ خلقْنَاهُ من قَبَلُ من نَارِ السَّمومِ ﴾ [الحجر / ٢٧] فنوعٌ من الجنّ، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ [النمل / ١٠]، قيل: ضربٌ من الحيَّات. جنب أصل الجَنْب: الجارحة، وجمعه: جُنُوب، قال الله عزَّ وجل: ﴿فَتُكوى بها جِباهُهم وجُنوبُهم ﴾ [التوبة/ ٣٥]، وقال تعالى: ﴿ تتجافى جُنوبُهم عن المضَاجِعِ ﴾ [السجدة/ ١٦]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿قِياماً وقُعوداً وعلى جُنُوبِهِم ﴾ [آل عمران / ١٩١]. ثم يستعار من الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك، نحو: اليمين والشمال، كقول الشاعر: ١٠٠ - مِنْ عن يميني مرَّةً وأمامي(٣) وقيل: جنب الحائط وجانبه، ﴿والصَّاحبِ بالجَنبِ ﴾ [النساء / ٣٦]، أي: القريب، وقيل: كناية عن المرأة (٤)، وقيل: عن الرفيق في السفر(٥). قال تعالى: ﴿ يا حسرتى على ما فرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر / ٥٦]، أي: في أمره وحدٍّه الذي حدَّه لنا. وسار جنبيه وجنتيه، وجَنابيه وجنابتیه، وجَنَبْتُه: أصبتُ جَنبه، نحو: كبدتُه وفأدته. وجُنِبَ: شكا جنبه، نحو: كُبِدَ وفُئِد، وبُني من الجنب الفعل على وجهين: أحدهما: الذهاب على ناحيته. والثاني : الذهاب إليه. (١) أي: أصابته اللقوة، وهو داء في الوجه يعوجّ منه الشّدق. (٢) البيت بتمامه : فإذا جادتِ الدُّجى وَضَعُوا القِد حَ وجنَّ التلاعُ والآفاقُ وهو للأعشى في ديوانه ص ١٢٩ . (٣) هذا عجز بيت، وشطره: فلقد أراني للرماح دريئةٌ وهو القطري بن الفجاءة، في مغني اللبيب ص ١٩٩؛ وشرح ابن عقيل ٢٤٣/١؛ وخزانة الأدب ١٦٣/١٠. (٥) أخرجه ابن جرير ٨١/٥ عن مجاهد. (٤) أخرجه ابن جرير ٨١/٥ عن عليّ وابن عباس. ٢٠٥ فالأول نحو: جنبتُه، وأجنبته، ومنه: ﴿والجَارِ الجُنبِ﴾ [النساء / ٣٦]، أي: البعيد، قال الشاعر: ١٠١ - فَلاَ تَحرمنّي نائلا عن جَنابةٍ(١) أي: عن بُعدٍ. ورجل جَنِب وجانب. قال عزَّ وجل: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنهونَ عنْهُ﴾ [النساء / ٣١]، وقال عزَّ وجل: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ ﴾ [الحج / ٣٠]، و﴿ اجتَنُبُوا الطَّاغوتَ ﴾ [الزمر / ١٧] عبارة عن تركهم إياه، ﴿فاجتنِبُوهُ لعلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة/ ٩٠]، وذلك أبلغ من قولهم: اتركوه. وجَنَّبَ بنو فلان وقيل جُنِّبَ إذا لم يكن في إِبلهم اللبن، وجُنِبَ فلانٌ خيراً، وجُنِبَ شراً(٢). قال تعالى في النار: ﴿وسَيُجنّبُها الأَنقى الذي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل / ١٧ - ١٨]، وذلك إذا أطلق فقيل: جُنِبَ فلان فمعناه: أبعد عن الخير، وذلك يقال في الدعاء في الخير، وقوله عزَّ وجل: ﴿وَاجُنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعبدَ الأصنامَ﴾ [إبراهيم / ٣٥]، مِن: جَنبْتُه عن كذا أي: أَبعدته، وقيل: هو مِنْ جَنْتُ الفرس، كأنما سأله أنْ يقوده عن جانب الشرك بألطافٍ منه جنح وأسبابٍ خفيّة. والتجنيبُ: الرَّوْحِ فِي الرِّجلين، وذلك إبعاد إحدى الرجلين عن الأخرى خلقة. وقوله تعالى: ﴿وإنْ كنتُم جُنُباً فَاطَّهِرُوا ﴾ [المائدة / ٦]، أي: إنْ أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال الماء أو بالتقاء الختانين، وقد جُنُبَ وأَجْنَبَ واجتنب وتَجنّب، وسميت الجنابة بذلك لكونها سبباً لتجنب الصلاة في حكم الشرع، والجنوب يصح أن يعتبر فيها معنى المجيء من جانب الكعبة(٣)، وأن يعتبر فيها معنى الذهاب عنه، لأنَّ المعنيين فيها موجودان، واشتق من الجَنوب جَنَبتِ الريح: هبّت جَنوباً، فأَجنّبْنَا: دخلنا فيها، وجُنِبنا: أصابتنا، وسحابة مَجنوبة: هبّت عليها. جنح الجَناح: جَناح الطائر، يقال: جُنِحَ (٤) الطائر، أي: كسر جناحه، قال تعالى: ﴿وَلا طَائٍ يَطِيرُ بجناحيه﴾ [الأنعام / ٣٨]، وسُمِّ جَانبا الشيء جَناحيه، فقيل: جَناحا السفينة، وجناحا العسكر، وجناحا الوادي، وجناحا الإِنسان لجانبيه، قال عزَّ وجل: ﴿وَاضمُمْ يدَكَ إِلى (١) هذا شطر بيت، وعجزه: فإني امرؤٌ وسطَ القبابِ غريبُ وهو لعلقمة بن عبدة، في ديوانه ص ٤٨؛ والمفضليات ص ٣٩٤؛ والمجمل ١٩٩/١؛ واللسان (جنب)؛ والأساس ص ٦٥. (٢) انظر: البصائر ٣٩٨/١. (٣) والجنوب: ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة، راجع: اللسان (جنب). (٤) انظر الأفعال ٢٨٨/٢ . ٢٠٦ جَنَاحِك﴾ [طه / ٢٢]، أي: جانبك ﴿ وَاضمُمْ إِليكَ جَناحَكَ ﴾ [القصص / ٣٢]، عبارة عن اليد؛ لكون الجناح كاليد، ولذلك قيل لجناحي الطائر يداه، وقوله عزَّ وجل: ﴿وَاخِفِضْ لهما جَنَاحَ الذُّلِ من الرَّحمةٍ ﴾ [الإِسراء / ٢٤]، فاستعارة، وذلك أنه لما كان الذلُّ ضربين : ضرب يضعُ الإِنسان، وضرب يرفعه - وقصد في هذا المكان إلى ما يرفعه لا إلى ما يضعه - فاستعار لفظ الجناح له، فكأنه قيل: استعمل الذل الذي يرفعُك عند الله من أجلِ اكتسابك الرحمة، أو من أجل رحمتك لهما، ﴿ واضمُمْ إليكَ جَناحَكَ من الرَّهْبِ ﴾ [القصص / ٣٢]، وجَنَحتِ العير في سَيرِها: أسرعت، كأنها استعانت بجناح، وجَنحَ الليل: أظلَّ بظلامه، والجِنْحُ: قطعة من الليل مظلمة. قال تعالى: ﴿وإنْ جَنْحُوا لِلسَّلمِ فاجنَحْ لها﴾ [الأنفال/ ٦١]، أي: مالوا، مِنْ قولهم: جَنَحت السفينة، أي: مالت إلى أحد جانبيها، وسمي الإِثم المائل بالإِنسان عن الحق جُناحاً ثم سمِّي كلُّ إثمٍ جُناحاً، نحو قوله تعالى: ﴿لا جُناحَ عليكم ﴾(١) في غير موضع، وجَوانِحُ الصدر: الأضلاع المتصلة رؤوسها في وسط الزور، جند - جنف الواحدة: جَانحة، وذلك لما فيها من الميل. جند يقال للعسكر الجندُ اعتباراً بالغلظة، مِن الجَنَد، أي: الأرض الغليظة التي فيها حجارة ثم يقال لكلّ مجتمع جُنْد، نحو: ((الأرواح جُنودٌ مُجَنَّدةٌ)(٢). قال تعالى: ﴿وإِنَّ جُندَنا لَهمُ الغَالِبُونَ﴾ [الصافات / ١٧٣]، ﴿إِنَّهم جُندٌ مُغْرَقُونَ ﴾ [الدخان / ٢٤]، وجمع الجُند: أَجناد وجُنود، قال تعالى: ﴿وَجُنودُ إِبليسَ أُجمعُونَ ﴾ [الشعراء / ٩٥]، ﴿وَمَا يعلمُ جُنودَ ربِّكَ إلا هُو﴾ [المدثر/ ٣١]، ﴿اذكُرُوا نعمةَ اللهِ عَليكم إِذ جَاءتْكم جُنودٌ فأرسلْنَا عليهم ريحاً وجنوداً لم تَروهَا﴾ [الأحزاب / ٩]، فالجنود الأولى من الكفار، والجنود الثانية التي لم تروها الملائكة. جنف أصل الجَنَفِ ميلٌ في الحكم، فقوله تعالى : ﴿ فَمِنْ خَافَ مِن مُوصٍ جَنَفاً﴾ [البقرة/ ١٨٢]، أي: ميلاً ظاهراً، وعلى هذا: ﴿غيرَ مَتجانِفٍ لإِثمِ ﴾ [المائدة/ ٣]، أي: مائلٍ إليه. جنى جَنيتُ الثمرة واجتنيتُها، والجنا والجَنيُّ: المجتنى من الثمر والعسل، وأكثر ما يستعمل الجني فيما (١) سورة البقرة: آية ٢٣٦، وهو في سورة البقرة متعدّد المواضع. (٢) الحديث صحيح، أخرجه البخاري في الأنبياء: باب الأرواح جنودٌ مجندة تعليقاً؛ ومسلم في البر والصلة برقم (٢٦٣٨). وانظر: فتح الباري ٢٦٣/٦؛ وشرح السنة ٥٧/١٣. ٢٠٧ جنی ۔ جهد كان غضَّاً، قال تعالى: ﴿ تُساقِطْ عَليكِ رُطَباً جَنّاً﴾ [مريم / ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَنا الجنَّتين دَانٍ﴾ [الرحمن / ٥٤]، وأجنى الشجر: أدرك ثمره، والأرض: كَثُر جناها، واستعير من ذلك جَنِىْ فلانٌ جِنايةً كما استعير اجترم. جهد الجَهْدُ والجُهْد: الطاقة والمشقة، وقيل: الجَهْدُ بالفتح: المشقة، والجُهْد: الوسع. وقيل: الجُهد للإِنسان، وقال تعالى: ﴿والذينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّ جُهدَهم﴾ [التوبة / ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيمانِهِم ﴾ [النور/ ٥٣]، أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. والاجتهاد: أَخذُ النفس ببذلِ الطاقة وتحمُّل المشقة، يقال: جهدْتُ رأبي وأجهدته: أتعبته بالفكر، والجهادَ والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: - مجاهدة العدو الظاهر. جهر - ومجاهدة الشيطان. ـ ومجاهدة النفس. وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا في اللّهِ حَقَّ جهادِهِ ﴾ [الحج / ٧٨]، ﴿وَجَاهِدُوا بأموالكم وأنفسكم في سَبيلِ اللهِ ﴾ [التوبة/ ٤١]، ﴿إِنَّ الذينَ آمَنُوا وَهَاجُرُوا وجَاهَدوا بأموالهم وأنفسهم في سَبيل اللهِ ﴾ [الأنفال / ٧٢]، وقال ◌َله: ((جاهِدُوا أهواءَكم كما تُجاهدونَ أعداءكم))(١). والمجاهدة تكون باليد واللسان، قال ﴿﴿ ((جاهدُوا الكفارَ بأيديكم وألسنتكم))(٢). جهر يقال لظهور الشيء بإفراط حاسة البصر أو حاسة السمع. أمَّا البصر فنحو: رأيتُه جهاراً، قال الله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمنَ لكَ حتى نرى الله جهرةً ﴾ [البقرة/ ٥٥]، ﴿أَرنا الله جهرةً ﴾ [النساء/ ١٥٣]، ومنه: جَهَر (٣) البئر واجتهرها: إذا أظهر ماءها. وقيل: ما في القومِ أحدٌ يجهرُ عيني (٤). (١) الحديث ذكره المؤلف في كتاب الذريعة ص ٣٤، ولم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث. ولكن أخرج أحمد في المسند ٢٢/٦ عن فضالة بن عبيد أن رسول الله # قال: ((والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل))؛ وأخرجه الترمذي في الزهد ١٦٥/٤ وفي الجهاد برقم (١٦٢١) وقال: حسن صحيح؛ وأخرجه أبو داود في الجهاد برقم (٢٥٠٠). (٢) الحديث أخرجه ابن حبان برقم (١٦١٨) وصححه؛ والحاكم ٨١/٢ ووافقه الذهبي، وصححه النووي أيضاً في رياض الصالحين ص ٥١٥؛ وأخرجه أبو داود في الجهاد، ورقمه (٢٥٠٤)؛ والنسائي ٧/٦؛ وأحمد ١٢٤/٣، وانظر شرح السنة ٣٧٨/١٢؛ والفتح الكبير ٦٢/٢. (٣) راجع: كتاب الأفعال ٣٠٠/٢، والبصائر ٤٠٤/١. (٤) في المجمل: وجهرت الشيء: إذا كان عظيماً في عينك. ٢٠٨ جهز والجوهر: فوعل منه، وهو ما إذا بطل بطل محموله، وسمي بذلك لظهوره للحاسة. وأمَّا السمع، فمنه قوله تعالى: ﴿سواءٌ منكم مَنْ أسرَّ القولَ ومَنْ جَهَرَ به﴾ [الرعد / ١٠]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وإنْ تَجهرْ بالقولِ فإِنَّهُ يعلمُ السرَّ وأخفى﴾ [طه / ٧]، ﴿إِنَّهُ يعلمُ الجهرَ من القولِ ويعلمُ ما تكتمون ﴾ [الأنبياء / ١١٠]، ﴿وأسرُّوا قولَكم أو اجهروا به ﴾ [الملك / ١٣]، ﴿ ولا تجهر بصلاتِكَ ولا تُخافِتْ بها﴾ [الإسراء / ١١٠]، وقال: ﴿وَلا تجهرُوا لَهُ بالقولِ كجهرِ بعضكم لبعضٍ ﴾ [الحجرات/ ٢]، وقيل: كلامٌ جوهري، وجھیر، ورجل جھیر يقال لرفيع الصوت، ولمن يجهر بحسنه. جهز قال تعالى: ﴿ فلمّا جَهَّهم بجَهَازهم ﴾ [يوسف/٧٠]، الجَهَاز: ما يُعَدُّ من متاعٍ وغيره، والتجهيز: حمل ذلك أو بعثه، وضربَ البعيرُ بجهازه: إذا ألقى متاعه في رجله فتَفر، وجهيزة(١): امرأة مُحمّقة. وقيل للذئبة التي تُرضع ولد غيرها: جهيزة. جهل الجهل على ثلاثة أضرب: - الأول: وهو خلوّ النفس من العلم، هذا هو جھل - جهنم الأصل، وقد جعل ذلك بعضُ المتكلمين معنىٌ مقتضياً للأفعال الخارجة عن النظام، كما جُعل العلم معنىً مُقتضياً للأفعال الجارية على النظام. - والثاني : اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه. - والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقُّه أن يُفعل، سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً، كمن يترك الصلاة متعمداً، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿ قَالُوا: أَتَتَّخِذُنا هُزواً؟ قال: أَعوذُ باللهِ أَنْ أَكونَ من الجَاهلينَ﴾ [البقرة/ ٦٧]، فجعل فعل الهزوِ جهلاً، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿ فَتَبَيُّوا أَنْ تُصيبُوا قَوماً بجَهالةٍ ﴾ [الحجرات / ٦]. والجاهل تارة يذكر على سبيل الذم، وهو الأكثر، وتارة لا على سبيل الذم، نحو: ﴿ يَحسبُهُم الجَاهِلُ أَغنياءَ من التعفُّفِ ﴾ [البقرة / ٢٧٣]، أي: مَنْ لا يعرف حالهم، وليس يعني المتخصص بالجهل المذموم، والمَجْهل: الأمر والأرض والخصلة التي تحمل الإِنسانَ على الاعتقادِ بالشيء خلافَ ما هو عليه، واستجهلَتِ الرِّيحُ الغصن: حرَّكته، كأنها حملته على تعاطي الجهل، وذلك استعارة حسنة. اسم لنار الله الموقدة، قيل: وأصلها فارسيّ جهنم (١) وفي المثَل: (أحمق من جهيزة). وهي أمُّ شبيب الخارجي، وكان أبو شبيب من مهاجرة الكوفة، اشترى جهيزة من السبي، وكانت حمراء طويلة، فأرادها على الإِسلام فأبت، فواقعها، فحملت، فتحرك الولد في بطنها، فقالت: في بطني شيء ينقز، فقيل: أحمق من جهيزة. ٢٠٩ جيب - جوب جود معرَّبُ جهنام(١)، وقال أبو مسلم: كهنَّام(٢)، والله أعلم. جيب قال الله تعالى: ﴿وليضرِبْنَ بِخُمُرِهنَّ على جُيوبِهِنَّ﴾ [النور / ٣١]، جمع جيب. جوب الجوب: قطع الجَوْبة، وهي كالغائط من الأرض، ثم يستعمل في قطع كلِّ أرض، قال تعالى: ﴿وَثمودَ الذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ ﴾ [الفجر / ٩]، ويقال: هل عندك جائبة خبر(٣)؟ وجوابُ الكلام: هو ما يقطع الجوب فَيصلُ من فم القائل إلى سمعِ المستمع، لكن خصَّ بما يعود من الكلامِ دون المبتدأ من الخطاب، قال تعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَومِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ﴾ [النمل / ٥٦]، والجواب يقال في مقابلة السؤال، والسؤال على ضربين: طلبُ مقال، وجوابه المقال. وطلبُ نوالٍ، وجوابه النَّوال. فعلى الأول: ﴿أَجيبُوا داعيَ اللهِ﴾ [الأحقاف / ٣١]، وقال: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعيَ اللهِ﴾ [الأحقاف / ٣٢]. وعلى الثاني قوله: ﴿ قد أُجِيبَتْ دَعوتُكما فَاستقيما﴾ [يونس / ٨٩]، أي: أعطيتما ما سألتما . والاستجابة قيل: هي الإِجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عُبِّر به عن الإِجابة لقلة انفكاكها منها، قال تعالى: ﴿استجِيبُوا اللّهِ وللرسولِ﴾ [الأنفال/٢٤]، وقال: ﴿ادعوني أَستجبْ لكم ﴾ [غافر / ٦٠]، : فَلْيستجيبُوا لي ﴾ [البقرة/ ﴿فَاستجابَ لهم رَبُّهم ﴾ [آل عمران / ١٩٥]، ﴿ وَيستجيبُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحاتِ ﴾ [الشورى / ٢٦] ﴿وَالذينَ استجابُوا لربِّهم ﴾ [الشورى / ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادي عنّي فإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةً الداعِ إِذا دَعَانِ فَلْيستجيبُوا لي﴾ [البقرة / ١٨٦]، ﴿الذينَ استجابُوا للهِ والرَّسولِ مِنْ بعدِما أصابهم القرحُ ﴾ [آل عمران / ١٧٢]. جود قال تعالى: ﴿واستوَتْ على الجُودِيِّ﴾ (١) قال السمين: وما قاله غير مشهور في النقل، بل المشهور عندهم أنها عربية، وأنَّ منعها للعلمية والتأنيث. انظر عمدة الحفاظ: جهنم. (٢) في اللسان: قيل: هو تعريب كهنَّام بالعبرانية. وأبو مسلم هو محمد بن بحر الأصفهاني من المفسرين المعتزلة توفي سنة ٢٢٣ . وانظر ترجمته في طبقات المفسرين للداوودي ١٠٩/٢؛ ولسان الميزان ٨٩/٥. (٣) انظر: المجمل ٢٠٢/١؛ وأساس البلاغة ص ٦٨. ٢١٠ جار - جار [هود / ٤٤]، قيل: هو اسم جبلٍ بين الموصل والجزيرة، وهو في الأصل منسوبٌ إلى الجود، والجُود: بذل المقتنيات مالاً كان أو علماً، ويقال: رجل جَوادٌ، وفرسٌ جواد، يجود بُمُدَّخر عَدْوهِ، والجمع: الجِياد، قال تعالى: ﴿بِالعَشيِّ الصَّافِنَاتُ الجِيادُ﴾ [ص / ٣١]، ويقال في المطر الكثير: جَوْدٌ، ووُصف تعالى بالجواد. وفي الفرس جَوْدة، وفي المال جُودٌ، وجادَ الشيء جَوْدة، فهو جَيّد، ووُصف تعالى بالجواد لمّا نَّه عليه قوله تعالى: ﴿أَعطِىْ كُلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدیٌ﴾ [طه/ ٥٠]. جار قال تعالى: ﴿فإليه تَجْرُونَ ﴾ [النحل / ٥٣]، وقال تعالى: ﴿إِذا هُمْ يَجْرُون﴾ [المؤمنون/ ٦٤]، ﴿لا تجأرُوا اليومَ ﴾ [المؤمنون / ٦٥]، جَأَر: إذا أفرط في الدعاء والتضرّع تشبيهاً بِجُؤار الوحشيات، كالظباء ونحوها . جار الجار: مَنْ يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايفة، فإنَّ الجار لا يكون جاراً لغيره إلا وذلك الغير جارٌ له، كالأخ والصديق، ولمَّا استُعظم حقُّ الجار عقلاً وشرعاً عُبِّر عن كل مَنْ يعظم حقُّه أو يستعظم حقَّ غيره بالجار، قال تعالى: ﴿وَالجَارِ ذِي القُربى والجَارِ الجُنُبِ﴾ جوز [النساء / ٣٦]، ويقال: استجرْتُه فأجارني، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وإِنّي جَارٌ لكم ﴾ [الأنفال / ٤٨]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَهُو يُجِيْرُ ولا يُجارُ عليه ﴾ [المؤمنون/٨٨]، وقد تُصوِّرَ من الجار معنى القرب، فقيل لمن يقرب من غيره: جَارَه، وجاورَهُ، وتجاورا، قال تعالى: ﴿لَاَ يُجاورُونَكَ فيها إلا قليلاً﴾ [الأحزاب / ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وفي الأرضِ قِطَعُ مُتجاوراتٌ ﴾ [الرعد / ٤]، وباعتبار القرب قيل: جَارَ عن الطريق، ثم جعل ذلك أصلاً في العدول عن كلّ حق، فَبُني منه الجور، قال تعالى: ﴿ ومنها جَائرٌ﴾ [النحل / ٩]، أي: عادلٌ عن المحجَّة، وقال بعضهم: الجائر من الناس: هو الذي يمتنع من التزام ما يأمر به الشرع. جوز قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوزَهُ هُوَ﴾ [البقرة/ ٢٤٩]، أي: تجاوز جَوْزَهُ، وقال: ﴿ وَجَاوزْنَا يبني إِسرائيلَ البحرَ ﴾ [الأعراف / ١٣٨]، وجَوْزُ الطريق: وسطه، وجَازَ الشيء كأنه لزم جوز الطريق، وذلك عبارة عمَّا يسوغ، وجَوزُ السماء: وسطها، والجوزاء قيل: سميت بذلك لاعتراضها في جوز السماء، وشَاةٌ جوزاء أي: ابيضَّ وسطها، وجُزتُ المكان: ذهبتُ فيه، وأجزتُه: أنفذتُه وخلَّفْتُه، وقيل: استجزتُ فلاناً فأجازني : إذا استسقيته فسقاك، وذلك استعارة، والمجاز ٢١١ جاس - جوع والحقيقة ما لم يتجاوز ذلك. قال تعالى ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ [الإِسراء / ٥]، أي: توسَّطُوها وتردَّدُوا بينها، ويقارب ذلك جَازُوا وداسُوا، وقيل: الجَوسُ: طلب ذلك الشيء باستقصاء، والمجوس معروف. جوع جاءَ يَجِيءُ جَيْأَةٌ ومَجيئاً، والمجيءُ كالإِتيان، لكنِ المجيء أعمّ؛ لأنَّ الإِتيان مجيءٌ بسهولة، والإِتيان قد يقال باعتبار القصد وإن لم يكن منه الحصول، والمجيء يقال اعتباراً بالحصول، ويُقال(١): جاءَ في الأعيان والمعاني، ولما يكونُ مجيتُه بذاته وبأمره، ولمَنْ قصدَ مكاناً أو عملاً أو زماناً، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقصىْ جاء من الكلام ما تجاوز موضعه الذي وضع له، [ المدينة رَجلٌ يَسعى﴾ [يس/ ٢٠]، ﴿ولقدْ جَاءَكُم يُوسفُ من قَبْلُ بالبَيِّنَاتِ ﴾ [غافر / ٣٤]، جوس ◌ٍ ولمَّا جَاءَتْ رسُلنا لُوطأَ سِي ءَ بهم ﴾ [هود/ ٧٧]، ﴿فإِذا جَاءَ الخوفُ ﴾ [الأحزاب / ١٩]، ﴿ إِذا جَاءَ أَجلُهم ﴾ [يونس / ٤٩]، ﴿بلى قدْ جاءَتْكَ آياتي﴾ [الزمر / ٥٩]، ﴿فقدْ جَاؤُوا ظُلماً وزُوراً﴾ [الفرقان / ٤]، أي: قصدوا الكلام وتعمدوه، فاستعمل فيه المجيء كما استعمل فيه القصد، وأصل العمد هو القصد، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاؤُوكم مِنْ فوقِكم ومن أَسفلَ الجوع: الألم الذي ينال الحيوان من خُلّو المعدة من الطعام، والمجاعة: عبارة عن زمان الجَدْب، ويقال: رجل جائع وجوعان: إذا كثر جوعه. جاء منكم﴾ [الأحزاب / ١٠]، ﴿وجَاءَ رَبُّكَ والمَلكُ صَفَّاً صفَّاً﴾ [الفجر/ ٢٢]، فهذا بالأمر لا بالذاتِ، وهو قول ابن عباسٍ رضي الله عنه (٢)، وكذا قوله تعالى: ﴿فلمَّا جَاءَهُم الحقُّ﴾ [يونس/٧٦]، يقال: جاءَه بكذا وأجاءه، قال الله تعالى: ﴿فَأْجاءَها المخاضُ إلى جِدْعِ النَّخلِةِ﴾ [مريم/ ٢٣]، قيل: ألجأها، وإنما هو معدّى عن جَاءَ، وعلى هذا قولهم: (شرٌّ ما أجاءَك إلى مُخِّه عُرقوبٍ)(٣)، وقول الشاعر: ١٠٢ - أجَاءَتْهُ المخَافةُ والرّجاءُ (٤) (١) انظر: البصائر ٤١٢/١. (٢) وهو مرويٍّ عن الحسن البصريّ. راجع تفسير القرطبي؛ والبصائر ٤١٢/١. (٣) قال الميداني: يُضرب للمضطر جداً، والمعنى: ما ألجأك إليها إلا شرِّ، أي: فاقة وفقر، وذلك أن العرقوب لا مخّ له، وإنما يحوج إليه مَنْ لا يقدر على شيء. انظر: مجمع الأمثال ٣٥٨/١؛ وفي اللسان: عراقيب الأمور: عظامها، وصعابها وما دخل من اللبس فيها، وأمثال أبي عبيد ص ٣١٢ . (٤) هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى، وشطره: وهو في ديوانه ص ١٣ . وسارٍ جاء معتمداً إلينا ٢١٢ جال وجاءً بکذا: استحضره، نحو: ﴿لَولا جَاؤُوا عليه بأربعةِ شُهداء ﴾ [النور / ١٣]، ﴿وَجِشُكَ مِنْ سبأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل / ٢٢]، وجاء بكذا يختلف معناه بحسب اختلاف المجيء به . جال جوّ السلام فقتله، وهو المذكور في قوله تعالى : ﴿ وَقتلَ دَاوُدُ جالوتَ ﴾ [البقرة/ ٢٥١]. جوّ الجوُّ: الهواء، قال الله تعالى: ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمسكهنَّ إلا اللّهُ﴾ [النحل / ٧٩]، جالوت (١) اسم ملكِ طاغٍ رماهُ داود عليه | واسمُ اليمامة جوّ(٢). والله أعلم. تمَّ کتابُ الجیم (١) الصحيح في جالوت أنه أعجمي غير مشتق. انظر المسائل الحلبيات ص ٣٥٣. (٢) انظر: المجمل ١٧٥/١. ٢١٣ كتاب الحَاء حسب الحَبُّ والحبّةُ يقال في الحنطة والشعير ونحوهما من الْمطعومات، والحِبُّ والحِبَّةُ في بزور الرياحين، قال الله تعالى: ﴿ كمثَلِ حَيَّةٍ أَنْبتَتْ سَبْعَ سَنابلَ في كُلِّ سُنبلةٍ مائةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة/ ٢٦١]، وقال: ﴿ولا حَيَّةٍ فِي ظُلماتِ الأرضِ ﴾ [الأنعام / ٥٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الله فَالقُ الحبِّ والنّوىْ﴾ [الأنعام / ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبِتْنَا بِه جنَّاتٍ وحَبَّ الحَصيدِ ﴾ [ق / ٩]، أي: الحنطة وما يجري مجراها ممّا يحصد، وفي الحديث: ((كما تَنبتُ الحِبَّةُ فِي حَميلِ السيلِ))(١). والحِبُّ: مَنْ فرط حُبُّه، والحَبب: تنضُّد الأسنان تشبيهاً بالحب، والحَبَابُ من الماء: النّفَّخات تشبيهاً به، وحَبَّةُ القلب تشبيهاً بالحَبَّة في الهيئة، وحَبْتُ فلاناً، يقال في الأصل بمعنى: أصبتُ حبَّة قلبه، نحو: شَغفْتُه وكبَدْتُه وفأدْتُه، وَأَحبْتُ فلاناً: جعلت قلبي مُعرَّضاً لحُبِّه، لكن في التعارف وُضع محبوب موضع مُحَبّ، واستعمل (حَبيتُ) أيضاً موضع (أَحببت). والمحبَّة: إرادة ما تراه أو تظنّه خيراً، وهي على ثلاثة أوجه: - محبَّةٍ للُّذةِ، كمحبّة الرجل المرأةَ، ومنه: ﴿ وَيُطعمونَ الطَّعامَ علىْ حُبِّهِ مِسكيناً﴾ [الإِنسان/ ٨]. - ومحبٍّ للنفع، کمحبة شيءٍ يُنتفع به، ومنه: ﴿وَأُخرى تحبُّونها نَصرٌ من اللهِ وَفَتْحَّ قريبٌ ﴾ [الصف / ١٣]. - ومحبَّةٍ للفضل، كمحبّة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم. وربَّما فُسِّرت المحبَّة بالإِرادة في نحو قوله (١) الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﴿ قال: ((يدخلُ أهل الجنّةِ الجنّةَ، وأهلُ النارِ النَّارَ، ثُمَّ يقولُ اللهُ تعالى: أخرجوا مَنْ كان في قلبه مثقالُ حبَّةٍ من خردلٍ من إيمان، فيخرجون منها قد اسودُوا فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبتُ الحِبَّةُ في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية؟)) أخرجه البخاري في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ١ / ٧٢؛ ومسلم في باب الإِيمان رقم (٢٩٩). ٢١٤ حب تعالى: ﴿فيهِ رِجالٌ يحبُّونَ أنْ يتطهِّروا ﴾ [التوبة / ١٠٨]، وليس كذلك؛ فإنَّ المحبَّة أبلغ من الإِرادة كما تقدَّم آنفاً، فكلُّ محبَّةٍ إرادة، وليس كلُّ إرادةٍ محبَّةً، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنِ استحبُّوا الكفْرَ على الإِيمانِ﴾ [التوبة / ٢٣]، أي: إن آثروه عليه، وحقيقة الاستحباب: أن يتحرَّى الإِنسان في الشيء أنْ يُحبَّه، واقتضى تعديته بـ (على) معنى الإِيثار، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَأُمَّا ثمودُ فهدينَاهُم فاستحبُّوا العمى على الهدى ﴾ [فصلت/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿ فَسوفَ يأتي اللّهُ بقومٍ يُحبُّهم ويُحبُّونَه ﴾ [المائدة / ٥٤]، فمحبَّةُ اللهِ تعالى للعبد إنعامُه عليه، ومحبّةُ العبدِ له طلبُ الزُّلفى لديه . وقوله تعالى: ﴿إِنّي أَحبْتُ حُبَّ الخيرِ عن ذِكْرِ ربّي﴾ [ص / ٣٢]، فمعناه: أحبْتُ الخيلَ حبّي للخير، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحبُ التَّوابِينَ وَيُحبُّ المتطهرين ﴾ [البقرة/ ٢٢٢]، أي: يثيبهم ويُنعم عليهم، وقال: ﴿لا يُحِبُّ كلَّ كفَّارٍ أَثيمٍ ﴾ [البقرة/ ٢٧٦]، وقوله تعالى: ﴿والله لا يُحبُّ كلَّ مُخْتَالٍ فخورٍ ﴾ [الحديد/ ٢٣]، تنبيهاً أنه بارتكاب الآثامِ يصيرُ بحيثُ لا حبر يتوبُ لتماديه في ذلك، وإذا لم يتبْ لم يحبّه الله المحبَّة التي وعدَ بها التوابين والمتطهرين. وحَبَّبَ اللهُ إليَّ كذا، قال الله تعالى: ﴿ولكنَّ اللهَ حَبَّبَ إِليكم الإِيمانَ ﴾ [الحجرات / ٧]، وأَحبَّ البعير: إذا حرَنَ ولزم مكانه، كأنه أحبَّ المكان الذي وقف فيه، وحَبابُكَ أن تفعل كذا(١)، أي: غايةُ محبَّتَكَ ذلك. حبر الحِبْرُ: الأثر المستحسن، ومنه ما روي: (يخرجُ من النَّار رجلٌ قد ذهبَ حِبرُه وسِبرُه))(٢) أي: جمالُه وبهاؤه، ومنه سُمِّيَ الحبر، وشاعر مُبِّر، وشعرٌ مُحُبِّ، وثوب حَبير: مُحسِّن، ومنه: أرضٌ مِحْبار(٣)، والحَبير من السحاب، وحَبِرَ (٤) فلانٌ: بقي بجلدِه أثرٌ من قَرْحٍ، والحَبْر: العالم وجمعه: أَحبار، لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس، ومن آثار أفعالهم الحسنة المُقتدى بها، قال تعالى: ﴿اتَّخِذُوا أَحبارَهم ورُهبانَهم أَرْبَاباً من دُونِ اللهِ﴾ [التوبة / ٣١]، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين رضي الله عنه بقوله : (العلماءُ باقون ما بقي الدَّهُرُ، أعيانُهم مفقودة، وآثارُهم في القلوبِ موجودة)(٥). وقوله (١) انظر: مجمل اللغة ٢٢٠/١. (٢) الحديث أخرجه أبو عبيد في غريبه ٨٥/١؛ والفائق ٢٢٩/١؛ والنهاية ٣٢٧/١. (٣) أي: سريعة النبات. (٤) انظر: المجمل ٢٦١/١؛ والأفعال ٣٩٥/١. (٥) راجع: جامع بيان العلم وفضله ٥٧/١؛ ونهج البلاغة ص ٦٩٢. ٢١٥ حبس - حبط عزَّ وجلَّ : ﴿فِي رَوضةٍ يُحبَّرُونَ ﴾ [الروم / ١٥]، أي: يفرحون حتی یظهر علیھم حَبَارُ نعیمھم. حبس الخَبْسُ: المنعُ من الانبعاث، قال عزَّ وجلَّ : ﴿ تَحبسُونَهما مِنْ بَعدِ الصلاةِ﴾ [المائدة/ ١٠٦]، والحِبْسُ: مصنعُ الماء الذي يحبسه، والأحباسُ جمعٌ، والإحباس والتحبيس: جَعْلُ الشيء موقوفاً على التأبيد، يقال: هذا حبيسٌ في سبيل الله . حبط قال الله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمَالُهم ﴾ [المائدة / ٥٣]، ﴿وَلو أَشركُوا لَحِبِطَ عَنْهم مَا كانُوا يَعملون﴾ [الأنعام / ٨٨]، ﴿وسيُحبطُ أعمالَهم﴾ [محمد / ٣٢]، ﴿ لَيَحْبَطَنَّ عملُكَ ﴾ [الزمر / ٦٥]، وقال تعالى: ﴿فأَحبطَ اللّهُ أَعمالَهم ﴾ [الأحزاب / ١٩]، وحَبْطُ العمل على أضرب : أحدها: أن تكون الأعمال دنيوية فلا تغني في القيامة غناءاً، كما أشار إليه بقوله: ﴿وَقَدِمْنا إلى مَا عِمِلُوا من عَملٍ فجعلْنَاهُ هَبَاءً مَنْشُوراً ﴾ [الفرقان / ٢٣]. والثاني: أن تكون أعمالاً أخروية، لكن لم يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى، كما روي: ((أنه يُؤْتِى يومَ القيامة برجلٍ فيقال له: بمَ كانَ اشتغالُكَ؟ قال: بقراءةِ القُرآن، فيقالُ لَه: قد كنتَ تقرأ ليقالَ: هو قارىءٌ، وقد قيل ذلك، فيُؤمِرُ به إلى النار))(١) . والثالث: أن تكون أعمالاً صالحة، ولكن بإزائها سيئات تُوْفي عليها، وذلك هو المشار إليه بخفّة الميزان . وأصل الحَبْطِ من الحَبَطِ، وهو أن تُكثر الدابة أكلا حتى ينتفخَ بطنها، وقال عليه السلام: ((إنَّ ممَّا يُنبِتُ الربيعُ ما يقتلُ حَبَطَاً أو يُلمُّ»(٢). وسُمِّيَ الحارثُ الحبطَ (٣)؛ لأنه أصابه ذلك، ثم سمي أولادُه حَبَطات . (١) الحديث ذكره المؤلف بمعناه، وهو عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله وََّ يقول: ((إِنَّ أولَ الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد، فَأُتي به فعرَّفه نعمَهُ فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنَّك قاتلتَ لأنّ يقال: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل، ثم أُمِر به فَسُحِب على وجهِه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلَّمَ العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتيَ بِهِ فعرَّفِه نعمَه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمتُ العلم وعلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ القرآن، قال: كذبتَ ولكنَّك تعلَّمتَ ليقال: عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال: هو قارىء فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِب على وجهِهِ حتى أُلقيَ في النار ... )) الحديث أخرجه مسلم والنسائي، والترمذي وحسَّنه، وابن حبان في صحيحه. انظر: الترغيب والترهيب ٢٩/١؛ وعارضة الأحوذي ٢٢٦/٩؛ ومسند أحمد ٣٢١/٢؛ وسنن النسائي ٢٣/٦؛ ومسلم في الإمارة، باب من قاتل للرياء برقم (١٩٠٥)؛ وانظر: شرح السنة ٣٣٤/١٤. (٢) الحديث في الصحيحين، راجع فتح الباري ٢٤٤/١١ باب ما يحذر من زهرة الدنيا؛ ومسلم رقم (١٠٥٢). ورواية البخاري: ((إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوة، وإنَّ كلَّ ما أنبتَ الربيعُ يقتلُ حَبَطاً أو يلمُّ إلا آكلة الخضرة)). . (٣) قال في اللسان: والحبّط: الحارث بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، سمّي بذلك لأنه كان في سفر فأصابه مثل = ٢١٦ حبك ۔ حبل حبك قال تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذَاتِ الْحُبكِ ﴾ [الذاريات / ٧]، هي ذات الطرائق فمن الناس مَنْ تصوَّر منها الطرائق المحسوسة بالنجوم والمجرَّة، ومنهم مَن اعتبر ذلك بما فيه من الطرائق المعقولة المدركة بالبصيرة، وإلى ذلك أشارَ بقولة تعالى: ﴿الذينَ يَذْكُرُونَ اللهِ قِيامَاً وَقُعُوداً وَعلى جُنوِبِهِم وَيَتفكّرون في خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ رَبَّا مَا خَلَقْتَ هذا باطلاً سبحانكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران/ ١٩١]. وأصله من قولهم: بعيرٌ مَحبوكُ القَرا(١)، أي: محکمه، والاحتبادُ : شدُّ الإِزار. حبل الحَبْلُ معروف، قال عزَّ وجلَّ: ﴿فِي جِيدِها حَبلٌ من مَسَدٍ ﴾ [المسد / ٥]، وشُبِّه به من حيث الهيئةِ حبلُ الوريد وحبل العاتق، والحَبْل: المستطيل من الرَّمل، واستعير للوصل، ولكلّ ما يُتَوَصِّلُ به إلى شيء. قال عزَّ وجلَّ: ﴿واعتصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران/ ١٠٣]، فحبلُه هو الذي معه التوصلُ به إليه من القرآن والنبي والعقل، وغير ذلك ممَّا إذا اعتصمْتَ به أدَّاكَ إلى جواره، ويقال للعهد حَبْلٌ، وقوله تعالى: ﴿ ضُربتْ عَليهم الذِّلةُ أَينما تُفِقوا إلا بحَبلٍ من اللّهِ وَحَبلٍ من النَّاسِ ﴾ [آل عمران / ١١٢]، ففيه تنبيهُ أنَّ الکافر یحتاج إلی عھدین : - عهدٍ من الله، وهو أن یکون من أهل كتابٍ أنزله الله تعالى، وإلّ لم يُقرَّ على دينه، ولم يُجعل له ذمَّة . - وإلی عهدٍ من الناس يبذلونه له. والحِبَالة خُصَّت بحبل الصائد، جمعها: حَبائل، وروي (النِّساءُ حَبائلُ الشَّيطان)(٢). والمُحتبل والحابل: صاحب الحِبالة، وقيل: وقع حابُلهم على نابلهم(٣)، والحُبْلَة: اسمٌ لما يُجعل في القلادة. = الحبط الذي يصيب الماشية، فَنَسبوا إليه. ا. هـ. أقول: وفي شعر الفرزدق: بنو مِسمعٍ أكفاؤها آل دارم ولا يدركُ الغاياتِ إلا جيادُها فردِّ عليه من الحبَطات فقال :. وتنكحُ في أكفائها الحبّطاتُ ولا تستطيع الجلَّةَ البكراتُ بلى وأبياتٍ بها الحجراتُ أما كان عبادٌ كفياً لدارم. راجع: ديوان الفرزدق ص ٩٩؛ وعيار الشعر ص ١٥٢؛ ووضح البرهان ١٢١/٢. (١) القرا: الظّهر. (٢) الحديث أخرجه أبو نعيم عن ابن مسعود، والديلمي عن عبد الله بن عامر وعقبة بن عامر، وقال ابن الفرس: الحديث حسن. راجع: كشف الخفاء ٤/٢؛ والفتح الكبير ١٨١/٢. (٣) قال في اللسان: وفي المثل: ثارَ حابلهم على نابلهم، أي: أوقدوا بينهم الشر. راجع اللسان: (نبل). ٢١٧ حتم حتم الحتم: القضاء المقدَّر، والحاتم: الغراب الذي يُحتِّم بالفراق فيما زعموا. حتّى حتَّى حرفٌ يُجرِّ به تارة كإلى، لكن يدخل الحدّ المذكور بعده في حكم ما قبله، ويُعطف به تارةً، ويُستأنف به تارة، نحو: أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها، ورَأْسِها، ورَأْسُها، قال تعالى: ﴿لَيَسْجُنْنَه حتّى حِينٍ﴾ [يوسف / ٣٥]، و﴿ حتَّى مَطْلعِ الفَجرِ ﴾ [القدر / ٥]. ويدخل على الفعل المضارع فَيُنصَب ويُرفع، وفي كلِّ واحدٍ وجهان: فأحد وجهي النصب: إلى أَنْ. وأحد وجهي الرفع أن يكون الفعل قبلَه ماضياً، نحو: مشيتُ حتى أدخلُ البصرة، أي : مشيتُ فدخلت البصرة. حثَّ۔حجّ حتى لا يرجونه، وقد قرىء: ﴿حتّى يقولُ الرَّسولُ ﴾ [البقرة / ٢١٤]، بالنصب والرفع(١)، وحمل في كلِّ واحدةٍ من القراءتين على الوجهين. وقيل: إنَّ ما بعدَ ((حتى)) يقتضي أن يكون بخلاف ما قبله، نحو قوله تعالى: ﴿ وَلا جُنُباً إِلَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ [النساء/ ٤٣]، وقد مجيء ولا یکونُ کذلك نحو ما روي : ((إنَّ اللهَ تعالى لا يَمِلُّ حتى تَلُّوا)) (٢) لم يقصد أن يُثبت ملالاً لله تعالى بعد ملالهم(٣). حث (٤) الحثُّ: السرعة، قال الله تعالى: ﴿يطلبه حثيثاً ﴾ [الأعراف / ٥٤]. حج والثاني : كي . أصل الحج القصدُ للزيارة، قال الشاعر: ١٠٣ - يحجُّون بيتَ الزَّبرقانِ المعصفَرا(٥) خُصَّ في تعارف الشرع بقصد بيتِ اللهِ تعالى إقامةً للنسك، فقيل: الحَجُّ والحِجُّ، فالحَجُّ والثاني: يكون ما بعده حالاً، نحو: مرضَ | مصدرٌ، والحِجُّ اسمُ، ويومُ الحَجِّ الأكبر يوم (١) قرأ بالرفع نافعٌ وحده، والباقون بالنصب. (٢) الحديث بهذا اللفظ أخرجه البزار عن أبي هريرة، وفي الصحيحين عن عائشة أنَّ النبي دخل عليها وعندها امرأة، قال: ((مَنْ هذه))؟ قالت: هذه فلانة، تذكر من صلاتها، قال: ((مَهْ، عليكم بما تطيقون، فواللهِ لا يَملُّ اللهُ حتى تملُّوا)) وكان أحبَّ الدين إليه ما داوم صاحبه عليه. راجع: رياض الصالحين ص ١٠٤؛ وفتح الباري ٣١/٣؛ ومسلم ٧٨٥. (٣) قال النووي: أي: لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم ويعاملكم معاملة المَالّ حتى تملوا فتتركوا. (٤) هذا باب ساقط من المطبوعات. وأشهدُ من عونٍ حلولاً كثيرةً (٥) هذا عجز بيت، وصدرهُ: وهو للمخبّل السعدي، والبيت في المجمل ٢٢١/١؛ وأساس البلاغة ص ٧٤؛ والمشوف المعلم ٢٣١/١. ٢١٨ حجب النحر، ويوم عرفة، وروي: ((العُمرةُ الحجُّ | قالَ: أَتُحاجُّونّي في اللهِ﴾ [الأنعام/ ٨٠]، الأصغر))(١). ﴿فَمِنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعدِ مَا جَاءَكَ ﴾ [آل عمران / ٦١]، وقال تعالى: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم ﴾ [آل عمران/ ٦٥]، وقال تعالى : ﴿ هَا أَنْتُم هَؤلاءٍ حَاجْتُم فيما لكُمْ به علمٌ فِلِمَ تُحاجُّونَ فِيما ليسَ لِكُمْ بهِ عِلْمٌ ﴾ [آل عمران/ ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتحاجُون فِي النَّارِ﴾ [غافر / ٤٧]، وسمّي سبرُ الجراحةِ حجّاً، قال الشاعر: والحُجَّة: الدلالة المبيّنة للمحجَّة، أي: المقصد المستقيم الذي يقتضي صحة أحد النقيضين. قال تعالى: ﴿قُلْ فَللَّهِ الحُجَّةُ البالغةُ﴾ [الأنعام / ١٤٩]، وقال: ﴿لِئلا يَكُونَ للنَّاسِ عَليكم حُجَّةٌ إِلّ الذينَ ظَلِمُوا ﴾ [البقرة/ ١٥٠]، فجعل ما يحتجُّ بها الذين ظلموا مستثنىَّ من الحجة وإن لم يكن حجة، وذلك كقول الشاعر: ١٠٤ - ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفَهم بهنَّ قُلولٌ من قَراعِ الكتائبِ(٢) ويجوز أنَّه سمَّى ما يحتجون به حجة، كقوله تعالى: ﴿والذينَ يُحاجُونَ فِي اللّهِ من بَعدِ ما استُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُم دَاخِضةٌ عندَ ربِّهم ﴾ [الشورى/ ١٦]، فسمَّى الداحضة حجَّة، وقوله تعالى: ﴿ لا حُجَّةً بيننا وبينكم ﴾ [الشورى/ ١٥]، أي: لا احتجاجَ لظهور البيان، والمُحاجّة: أن يطلب كلُّ واحدٍ أن يردّ الآخر عن حُجَّتِه ومحجَّته، قال تعالى: ﴿وحَاجَّهُ قَومُهُ ١٠٥ - يحجُّ مأمومةً في قَعرِها لَجِفٌ (٣) حجب الحَجْبُ والحِجابُ: المنع من الوصول، يقال: حجبَهُ حَجْباً وحِجَاباً، وحِجابُ الجوف: ما يحجب عن الفؤاد، وقوله تعالى: ﴿وبينَهما حِجابٌ ﴾ [الأعراف / ٤٦]، ليس يعني به ما يحجبُ البصر، وإنما يعني ما يمنع من وصول لذَّة أهل الجنَّة إلى أهل النَّار، وأذيَّة أهل النَّار إلى أهل الجنَّة، كقوله عزَّ وجل: ﴿فَضُرِبَ بينهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ بَاطِنُهُ فِيه الرّحمةُ، وَظَاهِرُهُ من قِبَلِهِ العَذابُ﴾ [الحديد/ ١٣]، وقال عزَّ وجل: (١) هذا مروي عن ابن عباس، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم قال: العمرة الحجةُ الصغرى. وأخرج الشافعي في الأم عن عبد الله بن أبي بكر أنَّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم: ((إنَّ العمرة هي الحج الأصغر)) راجع: الدر المنثور ٥٠٤/١ - ٥٠٥؛ وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥٨/٣. (٢) البيت للنابغة الذبياني من قصيدة له يمدح عمرو بن الحارث الأصغر وهو في ديوانه ص ١١؛ والبصائر ٤٣٢/٢. (٣) الشطر لعذار بن درة الطائي، وعجزه: فاستُ الطبيب قذاها كالمغاريدِ وهو في المجمل ٢٢١/١؛ والمعاني الكبير ٩٧٧/٢؛ واللسان: (حجّ). ٢١٩ حجر ﴿ وَمَا كانَ لِبَشْرِ أَنْ يُكلَّمَهُ اللهُ إلّ وحَيّاً أو من وَراءِ حِجَابٍ ﴾ [الشورى / ٥١]، أي: من حيث ما لا براه مُكلَّمه ومبلَّغُه، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى توارَتْ بالحجَابِ﴾ [ص / ٣٢]، يعني الشَّمسَ إذا استترتْ بالمغيب. والحَاجِبُ: المانع عن السلطان، والحاجِبان في الرأس لكونهما كالحاجبين للعينِ في الذَّب عنهما. وحاجبُ الشمس سُمِّيَ لتقدّمه عليها تَقَدُّم الحاجب للسلطان، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿كلّ إِنَّهم عن ربِّهم يَومئذٍ لَمحجُوبُونَ ﴾ [المطففين / ١٥]، إشارة إلى منع النور عنهم المشار إليه بقوله: ﴿فَضُرِب بينَهم بسورٍ ﴾ [الحديد / ١٣]. حجر الحَجَر: الجوهر الصلب المعروف، وجمعه : أحجار وحجارة، وقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجارةُ ﴾ [البقرة/ ٢٤]، قيل: هي حجارة الكبريت(١)، وقيل: بل الحجارة بعينها، ونبّه بذلك على عظم حال تلك النَّار، وأنها ممَّا توقد بالناس والحجارة خلاف نار الدنيا إذ هي لا یمکن أن توقد بالحجارة وإن کانت بعد الإِیقاد قد تؤثّر فيها، وقيل: أراد بالحجارة الذين هم في صلابتهم عن قبول الحقّ كالحجارة، كمَنْ وصفهم بقوله: ﴿ فَهي كالحجارةِ أَو أَشدُّ قَسوةً ﴾ [البقرة / ٧٤]. والحَجْرِ والتحجيرُ: أن يجعل حول المكان حجارة، يقال: حَجرتُه حَجراً، فهو محجُور، وحجَّرْتُه تحجيراً فهو مُحجَّر، وسمّي ما أُحيط به الحجارة حِجْراً، وبه سمّي حِجْرُ الكعبة وديار ثمود، قال تعالى: ﴿ كَذَّبَ أَصحابُ الحِجْرِ المُرسَلِينَ﴾ [الحجر / ٨٠]، وتصوِّر من الحجر معنى المنع لما يحصل فيه، فقيل للعقل حِجْرٌ، لکون الإِنسان في منعٍ منه ممَّا تدعو إليه نفسه، وقال تعالى: ﴿ هَلْ فِي ذَلكَ قَسمٌ لذي حِجْرٍ ﴾ [ الفجر / ٥]. قال المبرّد: يقال للأنثى من الفرس حِجْر، لكونها مشتملة على ما في بطنها من الولد. والحِجْر: الممنوع منه بتحريمه، قال تعالى : ﴿وَقَالُوا: هَذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ [الأنعام/ ١٣٨]، ﴿وَيَقولُون حِجْراً محجُوراً ﴾ [الفرقان/ ٢٢]، كان الرجل إذا لقي مَنْ يخاف يقول ذلك (٢)، فذكر تعالى أنَّ الكفار إذا رأوا الملائكة قالوا ذلك، ظنّاً أنَّ ذلك ينفعهم، قال تعالى: ﴿وَجَعلَ بينَهما بَرْزخاً وحِجْراً مَحْجُوراً ﴾ [الفرقان / ٥٣]، أي: منعاً لا سبيل إلى رفعِه (١) وهذا مرويٌّ عن ابن مسعود وابن عباس. راجع: الدر المنثور ٩٠/١. (٢) وهذا مرويٌّ عن الحسن وقتادة، كما أخرجه عنهما عبد الرزاق وابن جرير، راجع: الدر المنثور ٢٤٥/٦؛ والمجمل ٢٦٥/١. ٢٢٠