Indexed OCR Text

Pages 141-160

بکی
اخرس، ولیس کل أخرس أبکم، قال تعالی:
﴿وَضَربَ اللهُ مَثلاً رَجلينِ أَحدُهما أَبكمُ لا يقدرُ
على شيءٍ ﴾ [النحل / ٧٦]، ويقال: بَكِمَ عن
الكلام: إِذا ضعف عنه لضعف عقله،
فصار كالأبكم .
بكى
بكى يبكي بُكاً وبكاءً، فالبكاءُ بالمدّ: سيلان
الدمع عن حزنٍ وعويلٍ ، يقال إذا كان الصوت
أَغلبَ كالرُّغاء والتُّغاءِ وسائر هذه الأبنية
الموضوعة للصوت، وبالقصر يقال إذا كان
الحزن أغلب، وجمع الباكي باكون وبُكيّ،
قال الله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّداً وبُكِيّاً ﴾ [مريم /
٥٨]. وأصل بُكيّ فُعول(١)، كقولهم: ساجد
وسجود، وراكع وركوع، وقاعدٌ وقُعود، لكن قُلِب
الواو ياءً فأُدغم نحو: جَاثٍ وجُثْيٌ، وَعاتٍ
وُنَيّ، وبُكىِّ يقال في الحزن وإسالة الدمع معاً،
ويقال في كل واحدٍ منهما منفرداً عن الآخر،
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْيضحكوا قَليلاً وليبكُوا
كَثِيراً﴾ [التوبة / ٨٢] إشارة إلى الفرح والترح
وإن لم تكن مع الضحك قهقهة ولا مع البكاء
إسالة دمع.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ فما بكَتْ عليهم
السَّماءُ والأرضُ ﴾ [الدخان / ٢٩]، وقد قيل:
إنَّ ذلك على الحقيقة، وذلك قول من يجعل لهما
بل
فما بكت عليهم أهل السماء.
بل
كلمة للتدارك، وهو ضربان :
- ضربٌ يناقض ما بعده ما قبله، لكن ربما
يقصد به لتصحيح الحكم الذي بَعْدَه وإبطال ما
قبله، وربما يقصد تصحيح الذي قبله وإبطال
الثاني، فممّا قُصد به تصحيح الثاني وإبطال
الأول قوله تعالى: ﴿ إِذا تُتلى عليه آياتنا قال
أساطيرُ الأَوَّلِين * كلَّ بلْ رانَ على قُلوبهم ما
كَانُوا يكسِبُون﴾ [المطففين / ١٣ - ١٤]، أي:
ليس الأمر كما قالوا بل جهلوا، فنّه بقوله:
﴿رَانَ على قُلوبِهِم﴾ على جهلهم، وعلى هذا
قوله في قصة إبراهيم ﴿ قَالُوا أَأنتَ فَعَلْتَ هذا
بآلهتنا يا إبراهيمُ قال بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا
فاسألُوهم إِنْ كانُوا يَنْطِقون﴾ [الأنبياء/
٦٢ - ٦٣].
وممّا قصد به تصحيح الأول وإبطال الثاني
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّ الإِنسانُ إِذا ما ابتلاهُ ربُّهُ
فأكرَمَهُ ونَعَّمُهُ فيقولُ ربّي أَكرمن * وأَمَّ إِذا ما
ابتلاهُ فقَدَرَ عليه رزقَهُ فيقولُ ربي أَهاننِ * كلّ بل
لا تُكرمون اليتيم ﴾ [الفجر / ١٥ - ١٧].
أي: ليس إعطاؤهم المال من الإكرام ولا
منعُهم من الإِهانة، لكن جهلوا ذلك لوضعهم
حياة وعلماً، وقيل: ذلك على المجاز، وتقديره: المال في غير موضعه، وعلى ذلك قوله تعالى:
(١) إلا أنهم قلبوا الواوَ ياءً ثم أدغموها مع الياء.
١٤١

﴿صّ والقُرآنِ ذي الذِّكرِ * بلِ الذينَ كفرُوا في
عزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص / ١ - ٢]، فإِنَّه دلَّ بقوله:
﴿ والقرآنِ ذي الذِّكر﴾ أَنَّ القرآن مقرّ للتذكر،
وأنْ ليس امتناع الكفار من الإِصغاء إليه أنْ لیس
موضعاً للذكر، بل لتعزّزهم ومشاقّتِهم، وعلى
هذا: ﴿ق والقُرآنِ المَجيدِ * بلْ عجبُوا ﴾
[ق/١ - ٢]، أي: ليس امتناعهم من الإِيمان
بالقرآن أنْ لا مجدَ للقرآن، ولكن لجهلهم، ونبّه
بقوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ على جهلهم؛ لأنَّ
التعجب من الشيء يقتضي الجهل بسببه، وعلى
هذا قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ ما غرَّك بربِّك الكريمِ *
الذي خلقَكَ فسوَّاكَ فعدَلكَ * في أَيِّ صورةٍ ما
شاءَ رَكَّكَ * كلّ بل تُكذِّبون بالدِّينِ﴾
[الانفطار / ٦ -٩]، كأنه قيل: ليسَ ههنا ما
يقتضي أن يغرّهم به تعالى، ولكن تكذيبهم هو
الذي حملهم على ما ارتكبوه.
- والضرب الثاني من ((بل)): هو أن يكون مبيّناً
للحكم الأول وزائداً عليه بما بعد ((بل))، نحو
قوله تعالى: ﴿بَلْ قالوا أضغاثُ أَحلامٍ بل افتراهُ
بلْ هو شاعرٌ﴾ [الأنبياء/٥]، فإِنَّه نَّه أنهم
يقولون: ﴿ أضغاثُ أحلامٍ بَل افتراه ﴾، یزیدون
بلد
على ذلك أَنَّ الذي أتى به مُفْتَرى افتراه، بل
يزيدون فيدَّعون أنه كذَّاب، فإِنَّ الشاعر في
القرآنِ عبارة عن الكاذب بالطبع، وعلى هذا قوله
تعالى: ﴿لو يَعلمُ الذينَ كَفَرُوا حين لا يكفُّون
عن وجوههم النَّارَ ولا عن ظُهورِهم ولا هُمْ
يُنصرون * بل تَأْتِيهم بَغْتَةً فَتَبهَتُهُم ﴾ [الأنبياء/
٣٩ - ٤٠]، أي: لو يعلمون ما هو زائد عن
الأول وأعظم منه، وهو أنْ تأتيهم بغتةً، وجميع ما
في القرآن من لفظ ((بل)) لا يخرج من أحد هذين
الوجهين وإنْ دقَّ الكلام في بعضه.
بلد
البلد: المكان المحيط المحدود المُتأثر
باجتماعِ قُطَّانِه وإقامتهم فيه، وجمعه: بلاد
وبلدان، قال عزَّ وجلَّ: ﴿ لا أقسم بهذا البلدِ ﴾
[البلد / ١]، قيل: يعني به مكة(١). قال تعالى:
﴿ بَلدةٌ طيّبةٌ ﴾ [سبأ/ ١٥]، ﴿فَأَنشرْنَا به بلدةٌ
ميتاً﴾ [الزخرف / ١١]، وقال عزَّ وجلَّ:
﴿سُقْناهُ إلىْ بلدٍ ميتٍ﴾ [الأعراف / ٥٧]،
﴿ربِّ اجعلْ هذا بَلداً آمِناً ﴾ [البقرة/ ١٢٦]،
يعني : مکة وتخصيص ذلك في أحد الموضعين وتنکیرُه
في الموضع الآخر له موضع غيرُ هذا الكتاب(٢).
(١) وهذا قول ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير: ١٩٣/٣٠ وابن أبي حاتم.
(٢) قال الإِسكافي: (قوله تعالى في البقرة: ﴿ربّ اجعلْ هذا بلداً آمناً﴾، وفي سورة إبراهيم: ﴿ربِّ اجعلْ هذا البلد
آمناً﴾. قال: الجواب أن يقال: الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً، فكأنه قال: اجعل هذا الوادي
بلداً آمناً، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيَّرته كما أردتُ ومصّرته كما
سألتُ ذا أمنٍ على من أوى إليه). ا. هـ مختصراً. راجع درة التنزيل للإِسكافي ص ٢٩؛ وفتح الرحمن للأنصاري
ص ٣٩؛ وملاك التأويل ٩٠/١.
١٤٢

بلس
وسميت المفازة بَلداً لكونها موطن
الوحشيات، والمقبرة بلداً لكونها موطناً
للأموات، والبلدة منزل من منازل القمر،
والبُلْدة: البَلجة ما بين الحاجبين تشبيهاً بالبلدٍ
لتمڈُّدها، وسميت الکِزکرة(١) بلدةً لذلك، وربما
استغير ذلك لصدر الإِنسان(٢)، ولاعتبار الأثر
قيل: بجلده بَلَدٌ، أي: أَثر، وجمعه: أَبْلاد، قال
الشاعر :
٦٦ - وفي النُّحورِ كُلومٌ ذاتُ أَبلادٍ (٣)
وأَبلدَ الرجل: صار ذا بلد، نحو: أَنجدَ
وأَتهم(٤) . وبَلَد: لزم البلد.
ولمّا كان اللازم لموطنه كثيراً ما يتحيَّر إذا
حصل في غير موطنه قيل للمتحيّر: بَلُدَ في أمره
وأَبْلَد وتَبلَّد، قال الشاعر:
ولمّا كان المُبلِس كثيراً ما يلزم السكوت
وينسى ما يعنيه قيل: أَبلسَ فلانٌ: إذا سكت وإذا
٦٧ - لا بُدَّ للمحزونِ أنْ يتبلَّد (٥)
ولكثرة وجود البلادة فيمن كان جلْف البدن | انقطعت حجّته، وأُبلست الناقة فهي مبلاس: إذا
(١) الكِرْكرة: صدرُ كلِّ ذي خفّ.
(٣) هذا عجز بيت للقطامي، وصدره:
وهو في اللسان (بلد)؛ وديوانه ص ١٢؛ والمشوف المعلم ١١٧/١؛ والبصائر ٢٧٣/٢؛ وإصلاح المنطق ص
٤١٠.
(٤) راجع: مادة (ألف).
(٥) البيت يروى:
ألا لا تلمه اليوم أنْ يتبلَّدًا فقد غلب المحزون أن يتجلَّدا
وهي في اللسان: (بلد)، ويروى:
لا بدَّ للمصدور من أن يسعلا
وهو في اللسان: (صدر) ٤٥/٤ والبيت للأحوص؛ وهو في الأغاني ١٥٣/١٣؛ وديوانه ص ٩٨.
(٦) وهذا مروي عن ابن عباس وقتادة. راجع الدر المنثور ٤٧٨/٣.
١٤٣
قيل: رجل أَبلد، عبارة عن عظيم الخَلْق، وقوله
تعالى: ﴿والبَلدُ الطَيِّبُ يخرَجُ نَبَاتُه بإذنِ ربِّه
والذي خُبُثَ لا يَخْرِجُ إلا نَكِدأ ﴾ [الأعراف/
٥٨]، كنايتان عن النفوس الطاهرة والنجسة
فيما قيل(٦).
بلس
الإِبلاس: الحزن المعترض من شدة البأس،
يقال: أَبْلَس، ومنه اشتق إبليس فيما قيل. قال
عزَّ وجلَّ: ﴿ويومَ تَقومُ السَّاعةُ يُبْلِسُ
المُجرمون ﴾ [الروم / ١٢]، وقال تعالى:
﴿ أَخْذْناهُم بَغتَةً فإِذا هم مُبْلِسون ﴾ [الأنعام /
٤٤]، وقال تعالى: ﴿وإنْ كانُوا من قَبلِ أَنْ يُنَزَّل
عَليهِم مِنْ قبلِه لَمُبلسين ﴾ [الروم / ٤٩].
(٢) يقال: فلانٌ واسع البلدة، أي: واسع الصدر.
ليست تُجرِّحُ فُرَّاراً ظهورهُم

بلع - بلغ
لم تَرْغُ من شدةِ الضبعة. وأمَّا البَلاس: للمِسْح، | المُبِينُ﴾ [يس / ١٧]، ﴿فإِنما عليكَ البَلاغُ
وعلينا الحسابُ﴾ [الرعد / ٤٠].
ففارسيٌّ معرَّب(١).
بلغ
قال عزَّ وجلَّ: ﴿ يا أَرضُ ابلعي ماءَكِ ﴾
[هود / ٤٤]، من قولهم: بَلعْتُ الشيء وابتلعته،
ومنه: البالوعة. وسعد بلع نجمٌ، وبَلَّع الشيبُ في
رأسه: أول ما يظهر.
بلغ
البلوغ والبلاغ: الانتهاء إلى أقصى المقصد
والمُنتهى، مكاناً كان أو زماناً، أو أمراً من الأمور
المقدَّرة، وربما يُعبَّر به عن المشارفة عليه وإنْ لم
ينته إليه، فمن الانتهاء: ﴿بَلِغَ أَشُدَّه وبلغَ أربعينَ
سَنَةً﴾ [الأحقاف / ١٥]، وقوله عزَّ وجلَّ:
﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلُهُنَّ فلا تَعضلُوهُنَّ ﴾ [البقرة/
٢٣٢]، و﴿مَا هُمْ ببالغيهِ﴾ [غافر / ٥٦]،
﴿ فَلَّمَّا بَلِغَ معه السَّعْيَ﴾ [الصافات / ١٠٢]،
﴿ لعلّي أَبلِغُ الأسبابَ ﴾ [غافر / ٣٦]، ﴿ أَيمانٌ
علينَا بَالغةٌ﴾ [القلم / ٣٩]، أي: منتهيةٌ
في التوكيد.
والبلاغ: التبليغ، نحو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ هذا
بَلاغٌ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم / ٥٢]، وقوله عزَّ وجلَّ:
﴿بلاغٌ فهل يُهلَكُ إلا القومُ الفاسقون ﴾
[الأحقاف / ٣٥]، ﴿وما علينا إلا البلاغُ
والبلاغُ: الكفاية، نحوقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ
في هذا لبلاغاً لقومٍ عَابِدينَ ﴾ [الأنبياء / ١٠٦]،
وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِنْ لم تَفْعِلْ فَما بلَّغْتَ
رسالتَهُ﴾ [المائدة / ٦٧]، أي: إنْ لم تبلّغ هذا
أو شيئاً مما حُمِّلْت تكن في حكم مَنْ لم يبلِّغ
شيئاً من رسالته، وذلك أنَّ حكم الأنبياء
وتكليفاتهم أشدُّ، وليس حكمهم كحكم سائر
الناس الذين يتجافى عنهم إذا خلطوا عملاً
صالحاً وآخر سيئاً، وأمّا قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ فإذا
بلغْنَ أَجَلَهُنَّ فأمسكوهُنَّ بمعروفٍ ﴾ [الطلاق/
٢]، فللمشارفة، فإنها إذا انتهت إلى أقصى
الأجل لا يصح للزوج مراجعتُها وإمساكها.
ويقال: بلَّغْتُه الخبر وأَبْلَغته مثله، وَبلَّغْته أكثر،
قال تعالى: ﴿أُبلِّغكم رسالاتِ ربِّي﴾
[الأعراف / ٦٢]، وقال: ﴿ يَا أَيُّها الرسولُ بلّغْ ما
أُنزِلَ إليك من ربِّك ﴾ [المائدة / ٦٧]، وقال عزَّ
وجلَّ: ﴿فإنْ تولَّوا فقد أَبلغتُكم ما أُرسلْتُ به
إليكم ﴾ [هود/ ٥٧]، وقال تعالى: ﴿بَلَغَني
الكِبرُ وامرأتي عاقرٌ﴾ [آل عمران/ ٤٠]، وفي
موضعٍ : ﴿ وَقَدْ بَلغْتُ من الکبرِ عِتیاً ﴾ [مريم /
٨]، وذلك نحو: أدركني الجهد وأدركْتُ
(١) قال أبو عبيدة: ومما دخل في كلام العرب من كلام فارس: المِسْح، تسميه العرب البلاس، وهو فارسي معرّب.
ومن دعائهم: أرانيك الله على البَلسِ ، وهي غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التبن.
١٤٤

بلی
الجهد، ولا يصحُّ: بلغني المكان وأدركني .
والبلاغة تقال على وجهين:
- أحدهما: أن يكون بذاته بليغاً، وذلك بأن
يجمع ثلاثة أوصاف: صواباً في موضوع لغته،
وطبقاً للمعنى المقصود به، وصدقاً في نفسه(١)،
ومتى اخترم وصف من ذلك كان ناقصاً
في البلاغة .
- والثاني: أن يكونَ بليغاً باعتبار القائل
والمقول له، وهو أن يقصد القائل أمراً فيورده
على وجه حقيق أن يقبله المقول له، وقوله
تعالى: ﴿وَقُلْ لهم في أَنفسِهِم قَولاً بليغاً ﴾
[النساء/ ٦٣]، يصح حمله على المعنيين،
وقول من قال(٢): معناه قل لهم: إنْ أظهرتم ما في
أنفسكم قتلتم، وقول مَنْ قال: خوَّفهم بمكاره
تنزل بهم، فإِشارةٌ إلى بعض ما يقتضيه عموم
اللفظ، والبُلْغَة: ما يتبلَّغ به من العيش.
بلى
يقال: بَلِي الثوب بِلىّ وبَلاءً، أي: خَلَق،
ومنه قيل لمن سافر: بِلْو سفر وبِلْي سفر، أي:
أبلاه السفر، وبلوته: اختبرْتُه كأني أخلقتُه من
كثرة اختباري له، وقرىء: ﴿هُنالكَ تَبلو كلُّ
نفسٍ مَا أسلفَتْ﴾(٣) [يونس / ٣٠]، أي: تعرف
حقيقة ما عملت، ولذلك قيل: بلوتُ فلاناً: إذا
خبرتَه، وسمّي الغم بلاءً من حيث إنه يُبلي
الجسم، قال تعالى: ﴿وفي ذلكم بَلاءٌ من ربّكم
عَظيمٌ﴾ [البقرة / ٤٩]، ﴿وَلَنبلونُّكم بشيءٍ من
الخوفِ ﴾ الآية [البقرة/ ١٥٥]، وقال عزّ
وجل: ﴿إِنَّ هذا لُهُوَ البَلاءُ المُبِينُ ﴾ [الصافات/
١٠٦]، وسمي التكليف بلاءً من أوجه:
- أحدها: أن التكاليف كلها مشاق
على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاء.
- والثاني: أنَّها اختباراتٌ، ولهذا قال الله عزَّ
وجل: ﴿وَلَنبلونُكم حتىْ نَعلَمَ المُجاهدينَ منكم
والصَّابرين ونبلوَ أخباركم ﴾ [محمد / ٣١].
- والثالثُ: أنَّ اختبار الله تعالى للعباد تارةً
بالمسار ليشكروا، وتارةً بالمضار ليصبروا،
فصارت المحنة والمنحة جميعاً بلاءً، فالمحنة
مقتضيةٌ للصبر، والمنحة مقتضيةً للشكر.
والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق
الشكر فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا
النظر قال عمر: (بُلينا بالضراء فصبرْنَا وبُلينا
بالسراء فلم نشكر) (٤)، ولهذا قال أمير
(١) وفي هذا يقول مخلوف الميناوي :
بلاغةُ الكلامِ أنْ يُطابقا - وهو فصيحٌ - مقتضى الحالِ ثقا
(٢) هو الزجاج في معاني القرآن ٢/ ٧٠.
(٣) وهي قراءة الجميع عدا حمزة والكسائي.
(٤) انظر الزهد لابن المبارك ص ١٨٢، والرياض النضرة للطبري ٣١٤/٤، وسنن الترمذي ٣٠٧/٣.
١٤٥

بلى
المؤمنين: مَنْ وُسع عليه دُنياه فلم يعلمْ أنه قد | فأتمهُنَّ ﴾ [البقرة / ١٢٤].
مُكِرَ به فهو مخدوعٌ عن عقله(١).
وقال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشرِّ والخير فتنةً ﴾
[الأنبياء / ٣٥]، ﴿وليُبليَ المؤمنين منه بَلاءً
حَسناً ﴾ (٢) [الأنفال / ١٧]، وقوله عزَّوجل: ﴿وفي
ذَلكم بَلاءٌ من ربّكم عظيمٌ ﴾ [البقرة/ ٤٩]،
راجع إلى الأمرين؛ إلى المحنة التي في قوله عزَّ
وجل: ﴿يُذْبّحون أَبناءَكم ويَستحيون نِساءَكم ﴾
[البقرة / ٤٩]، وإلى المنحة التي أنجاهم،
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتينَاهم من الآياتِ ما فيه
بَلاءٌ مبينٌ﴾ [الدخان / ٣٣]، راجع إلى
الأمرين، كما وصف كتابه بقوله: ﴿ قُلْ هو للذينَ
آمنُوا هُدىٍّ وشفاءٌ والذين لا يُؤمنون في آذانِهِم وَقْرٌ
وهو عليهم عَمىَّ ﴾ [فصلت / ٤٤].
وإذا قيل: ابتلى فلان كذا وبلاه فذلك
يتضمن أمرين: أحدهما تعرُّف حاله والوقوف
على ما يُجهل من أمره، والثاني ظهور جودته
ورداءته، وربما قُصد به الأمران، وربما يقصد به
أحدهما، فإذا قيل في الله تعالى: بلا كذا وابتلاه
فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته، دون
التعرف لحاله، والوقوف على ما يجهل من أمره
إذا كان الله علَّمَ الغيوب، وعلى هذا قوله عزَّ
وجل: ﴿وإذِ ابتلى إِبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ
ويقال: أَبليتُ فلاناً يميناً: إذا عرضتَ عليه
اليمين لتبلوه بها(٣).
بلى
بلى: ردٌّ للنفي نحو قوله تعالى: ﴿وقالُوا لن
تمسَّنا النَّارُ إلا أياماً معدودة قُلْ أَنَّخذتُم عندَ اللهِ
عهداً فلنْ يُخلفَ اللهُ عهدَهُ أَمْ تقولونَ على اللهِ ما
لا تَعلمون * بلى مَنْ كسبَ سَيئةً ﴾ [البقرة/
٨٠ - ٨١]، أو جوابٌ لاستفهامٍ مقترنٍ بنفي
نحو: ﴿أَلستُ بربِّكم قَالُوا: بلى ﴾ [الأعراف/
١٧٢ ].
و (نَعْم) يقال في الاستفهام المجرّد نحو:
﴿هلْ وَجْدتُم ما وعدَ ربُّكم حقاً قالُوا: نعم ﴾
[الأعراف / ٤٤]، ولا يقال ههنا: بلى فإذا قيل:
ما عندي شيء فقلت: بلى فهو ردِّ لكلامِه، وإذا
قلت نعم فإقرارٌ منك.
قال تعالى: ﴿فَأَلقوا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعملُ من
سُوءٍ بلىْ إِنَّ اللهَ عليمٌ بما كنتم تعملون ﴾
[النحل / ٢٨]، ﴿وقالَ الذين كفرُوا لَا تَأْتينا
السَّاعةُ قُلْ بِلىْ وربّي لتَأْتِنَّكم﴾ [سبأ/ ٣]،
﴿وقال لهم خزنتُها أَلَمْ يأتكم رُسلٌ منكم يَتلون
عليكم آياتٍ ربّكم ويُنذرونكم لِقاءَ يَومِكم هذا
قالُوا بلى﴾ [الزمر / ٧١]، ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ
(١) انظر ربيع الأبرار ١ /٤٥ .
(٢) وانظر: بصائر ذوي التمييز ٢٧٤/٢، فقد نقل الفيروزآبادي غالب هذا الباب.
(٣) انظر: اللسان (بلا) ٨٤/١٤.
١٤٦

بنَّ - بنى
تأتيكم رسُلكم بالبيناتِ قالُوا بلى﴾ [غافر/ ] بُنيانُهم الذي بنَوا رِيبةٌ فِي قُلوبِهم.﴾ [التوبة/
٥٠].
بن
١١٠]، وقال: ﴿كأَنَّهم بُنيانٌ مرصوصٌ﴾
[الصف / ٤]، ﴿ قالُوا: ابنوا له بُنياناً﴾
[الصافات / ٩٧]، وقال بعضهم: بُنيان جمع
بُنيانة، فهو مثل: شَعير وشَعيرة، وتمر وتمرة،
ونخل ونخلة، وهذا النحو من الجمع يصح
تذکیره وتأنيثه .
البَنَان: الأصابع، قيل: سمّيت بذلك لأنّ بها
صلاح الأحوال التي يمكن للإنسانِ أن يُبنَّ بها،
يريد، أي: يقيم بها، ويقال: أَبنَّ بالمكان يُيِنّ(١)،
ولذلك خُصَّ في قوله تعالى: ﴿ بلى قَادِرِينَ على
أن نُسَوّي بَنَانَهُ ﴾ [القيامة / ٤]، وقوله تعالى:
﴿واضربُوا منهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال/ ١٢]،
خصَّه لأجل أنهم بها تقاتل وتدافع، والبَنَّة:
الرائحة التي تبُّ بما تعلق به .
بنى
يقال: بَنِيتُ أَبنِي بِناءً وبِنْيَة وبِنِىَّ. قال
عزَّ وجلَّ: ﴿ وَبنِينَا فوقَكم سَبْعاً شِداداً ﴾ [النبأ/
١٢]. والبناء: اسم لما يُبنى بناءً، قال تعالى:
﴿لهم غُرَفٌ من فوقِها غُرِفُ مَبنيّةٌ ﴾ [الزمر /
٢٠]، والبَنِيَّة يُعبر بها عن بيت الله تعالى(٢). قال
تعالى: ﴿والسَّماءَ بِنينَاها بأَيدٍ ﴾ [الذاريات/
٤٧]، ﴿والسَّماءِ وما بنَاهَا﴾ [الشمس / ٥]،
والبُنيان واحدٌ لا جمع؛ لقوله تعالى: ﴿ لا يَزالُ
و (ابن) أصله: بَنَوِ، لقولهم في الجمع:
أبناء، وفي التصغير: بُنِيٌّ، قال تعالى: ﴿يا بُنِيَّ
لا تقصص رُؤياكَ على إخوتِكَ ﴾ [يوسف / ٥]،
﴿يَا بُنِيَّ إني أرى في المنامِ أَنِي أَذْبحُكَ ﴾
[الصافات / ١٠٢]، ﴿ يا بُنِيَّ لا تُشرك باللهِ ﴾
[لقمان / ١٣]، يا بُنيَّ لا تعبد الشيطان، وسماه
بذلك لكونه بناءً للأب، فإنَّ الأب هو الذي بناه
وجعله الله بناءً في إيجاده، ويقال لكلّ ما يحصل
من جهة شيءٍ أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة
خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه، نحو: فلانٌ ابن
الحرب، وابن السبيل للمسافر، وابن الليل،
وابن العلم، قال الشاعر:
٦٨ - أُولاك بنو خيرٍ وشرِّ كليهما(٣)
(٢) العين ٣٨٢/٨.
(١) قال السرقسطي: أَبنَّ بالمكانِ: أقام. راجع: الأفعال ١٢٨/٤ .
جميعاً ومعروف المَّ ومنكر
(٣) هذا شطر بيت، وعجزه:
ونسبه الجاحظ للعتبي، واسمه محمد بن عبد الله وهووهم ولم يعلّق عليه المحقق هارون؛ والبيت في الحيوان ٢ /٨٩ ؛ [استدر
والصناعتين ص ٥٩.
والصحيح أنّ البيت لمسافع بن حذيفة العبسي، وهو في شرح الحماسة للتبريزي ٢٤/٣؛ والخزانة ٧١/٥؛ ومثلث
البطلیوسي ١ /٣٤٠.
١٤٧

مصروفاً إليهما، وابن يومه: إذا لم يتفكّرْ في
غده. قال تعالى: ﴿وَقَالتِ اليهودُ: عزيرٌ ابنُ
اللهِ، وقالَتِ النَّصارى: المسيحُ ابنُ الله﴾
[التوبة / ٣٠].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ ابني من أَهلي ﴾ [هود/
٤٥]، ﴿إِنَّ ابْنَك سَرَق﴾ [يوسف / ٨١]، وجمع
ابنٍ: أَبناء وبْنُون، قال عزَّ وجل: ﴿وجَعلَ لكم
من أَزواجِكم بَنِينَ وحفدَةً ﴾ [النحل / ٧٢]،
وقال عزَّ وجلَّ: ﴿ يَا بَنِيَّ لا تَدخُلوا من بَابٍ
وَاحِدٍ ﴾ [يوسف / ٦٧]، ﴿يا بني آدمَ خُذوا
زينتكم عندَ كلِّ مَسجدٍ ﴾ [الأعراف / ٣١]، ﴿ يا
بني آدمَ لا يَفتَّكُم الشيطانُ ﴾ [الأعراف / ٢٧]،
ويقال في مؤنث ابن : ابنة وبنت، والجمع بنات، وقوله
تعالى: ﴿هَؤلاءِ بناتي هُنَّ أَطهرُ لكم﴾ [هود/ ٧٨]،
وقوله: ﴿لقد علمْتَ ما لَنا في بَنَاتِكَ من حقٍّ ﴾
[هود/ ٧٩]، فقد قيل: خاطب بذلك أكابر
القومِ وعرض عليهم بناته(١) لا أهل قريته كلهم،
فإنه محال أن يعرض بناتٍ له قليلة على الجمِّ
الغفير، وقيل: بل أشار بالبناتِ إلى نساء أمته،
وسماهنَّ بناتٍ له لكون كلّ نبيِّ بمنزلة الأب
لأمته، بل لكونه أكبر وأجل الأبوين لهم كما تقدّم
بهت - بهج
وفلان ابن بطنه وابن فرجه: إذا كان همُّه | في ذكر الأب، وقوله تعالى: ﴿ويجعلونَ للهِ
البنات﴾ [النحل / ٥٧]، هو قولهم عن الله: إنّ
الملائكة بنات الله.
بهت
قال الله عزَّ وجل: ﴿ فَبُهِتَ الذي كفَر﴾
[البقرة/ ٢٥٨]، أي: دهش وتحيَّر، وقد بَهَتَه.
قال عزَّ وجل: ﴿ هذا بُهتانٌ عظيمٌ ﴾ [النور/
١٦] أي: كذبٌ يُبهت سامعَه لفظاعتِه. قال
تعالى: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِيُهتانٍ يَفترِينَهُ بينَ أيديهنَّ
وأَرجلِهنَّ﴾ [الممتحنة / ١٢]، كناية عن
الزنا(٢)، وقيل: بل ذلك لكل فعل مُستبشع
يتعاطينه باليد والرِّجل من تناول ما لا يجوز
والمشي إلى ما يقبح، ويقال: ياللبهيتة (٣)، أي:
الكذب.
بهج
البهجة: حسن اللون وظهور السرور وفيه
قال عزَّ وجل : ﴿ حَدائقَ ذاتَ بَهجةٍ ﴾ [النمل/
٦٠]، وقد بَهِّجَ فهو بَهيج، قال: ﴿وَأَنبتنَا فيها من
كُلِّ زَوِجٍ بَهِيجٍ ﴾ [ق / ٧]، ويقال: بَهِجٍ ،
كقول الشاعر:
٦٩ - ذات خلقٍ بهجٍ (٤)
ا ولا يجيء منه بهوج، وقد ابتهج بكذا، أي :
(١) وهذا قول حذيفة بن اليمان فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم. وانظر: الدر المنثور ٤٥٨/٤.
(٢) وهذا بعيد لأن الزنا ذُكر في أول الآية، وقال ابن عباس: كانت الحرة يولد لها الجارية فتجعل مكانها غلاماً. راجع:
الدر المنثور ١٤١/٨.
(٣) انظر الأمثال ص ٧٦، ومجمع الأمثال ٢/ ٤١٢، والمستقصى ٤٠٧/٢. (٤) لم أجده.
١٤٨

بھل
سُرَّ به سروراً بانَ أثره على وجهه، وأبهجه كذا.
بهــل
أصل البهل: كون الشيء غير مُراعىٍّ،
والباهل: البعير المخلَّى عن قيده أو عن سمةٍ، أو
المخلَّى ضَرعها عن صرار. قالت امرأة: أتيتُكَ
باهلاً غيرَ ذاتٍ صرار(١)، أي: أبحت لك جميع
ما كنت أملكه لم أستأثر بشيءٍ من دونه، وأَبھلْتُ
فلاناً: خلَّيْتُه وإرادَتَه، تشبيهاً بالبعير الباهل.
والبَهل والابتهال في الدعاء: الاسترسال فيه
والتضرع، نحو قوله عزَّ وجل: ﴿ ثُمَّ نبتهلْ
فنجعلْ لَعنةَ اللهِ على الكاذبينَ ﴾ [آل عمران/
٦١]، ومَنْ فَسَّر الابتهال باللعنِ فلأجل أنَّ
الاسترسال في هذا المكان لأجل اللعن، قال
الشاعر:
٧٠ - نظرَ الدَّهُرُ إليهم فابتهَلْ(٢)
أي: استرسل فيهم فأفناهم.
بهم
البُهْمَة: الحجر الصلب، وقيل للشجاع بُهْمة
بهم
تشبيهاً به، وقيل لكلّ ما يصعب على الحاسة
إدراكه إنْ كان محسوساً، وعلى الفهم إن كان
معقولاً : مُبْهَم.
ويقال: أَبِهِمْتُ كذا فاستبهَم، وأَبهِمْتُ
الباب: أغلقته إغلاقاً لا يُهتدى لفتحه، والبهيمةُ:
ما لا نطق له، وذلك لما في صوته من الإِبهام،
لكن خصّ في التعارف بما عدا السباع والطير.
فقال تعالى: ﴿ أُحلَّتْ لكم بَهيمةُ الأنعامِ ﴾
[المائدة/ ١]، وليلٌ بهيمٌ، فعيل بمعنى
مُفْعَلٍ (٣)؛ قد أُبهم أمره للظلمة، أو في معنى
مُفْعِل لأنه يُبهِم ما يعنُّ فيه فلا يدرك، وفرسٌ
بَھیم : إذا كان على لونٍ واحدٍ لا يكاد تميّزَه العين
غاية التمييز، ومنه استعير ما روي أنه: «يحشر الناسُ يومَ
القيامة بُهما)) (٤) أي: عُراة، وقيل: مُعرَّون مما
يتوسَّمون به في الدنيا ويتزينون به، والله أعلم.
والبَهْم: صغار الغنم، والبُهمى: نبات يستبهم
منبتُهُ لشوكه، وقد أَبهمتِ الأرض: كَثُرُ بُهماها (٥)،
نحو: أَعشَبتْ وأَبقلَتْ، أي: كثر عشبها.
(١) انظر: المجمل ١٣٨/١. وقائلة هذا امرأة دريد بن الصمّة لما أراد طلاقها ... انظر اللسان: بهل.
(٢) هذا عجزُ بيتٍ، وشطره الأول:
في قُرومٍ سادةٍ من قومِهِ
وهو للبيد في ديوانه ص ١٤٨؛ وأساس البلاغة ص ٣٢.
(٣) في المخطوطة: بمعنى مفعول.
(٤) الحديث: ((يُحشرُ الناس يوم القيامة ◌ُراةً حفاةً بهماً))، قال: قلنا: وما بُهماً؟ قال: ((ليس معهم شيء ... )) الخ.
أخرجه أحمد بإسناد حسن في مسنده ٤٩٥/٣؛ والحاكم ٤٣٧/٢ وصححه ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر: وله طريق
أخرى عند الطبراني وإسناده صالح، وانظر: شرح السنة ٢٨٠/١؛ ومجمع الزوائد ٣٥٤/١٠.
(٥) وذلك أنَّ((أفعلَ)) تأتي للتكثير، كأَضبَّ المكان: كثرت ضِبابه، وأظبى: كثرت ظباؤه، وأعال: كثرت عياله. وقد جمع =
١٤٩

باب
بوب
الباب يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك:
مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار والبيت،
وجمعه: أبواب. قال تعالى: ﴿واستبَقًا البابَ
وقدَّتْ قميصَهُ من دُبٍ وألفيا سيِّدَها لدى الباب ﴾
[يوسف/ ٢٥]، وقال تعالى: ﴿لَا تدخُلوا من
بَابٍ وَاحِدٍ وادخلُوا من أَبوابٍ مُتفرّقةٍ ﴾ [يوسف/
٦٧]، ومنه يقال في العِلم: باب كذا، وهذا
العلمُ بابٌ إلى علم كذا، أي: به يُتوصل إليه.
وقال ◌َّه: ((أنا مدينة العلمِ وعليّ بابُها))(١).
أي: به يُتوصَّل، قال الشاعر:
٧١ - أتيتُ المروءةَ من بابها(٢)
وقال تعالى: ﴿فتحْنَا عليهم أبوابَ كلِّ
شَيءٍ ﴾ [الأنعام / ٤٤]، وقال عزَّ وجل: ﴿ بَابٌ
باطنُه فيه الرحمةُ ﴾ [الحديد/ ١٣] وقد يقال:
أبواب الجنَّة وأبواب جهنم للأشياء التي بها
يُتوصَّل إليهما. قال تعالى: ﴿ادخلُوا أَبوابَ
جهنمَ﴾ [النحل / ٢٩]، وقال تعالى: ﴿حتى
إذا جاؤُوها وفُتحتْ أَبوابُها وقالَ لهم خَرنتُها
سَلامٌ عليكم ﴾ [الزمر / ٧٣]، وربما قيل: هذا
من بابة كذا، أي: ممّا يصلح له، وجمعه:
بابات، وقال الخليل: بابة(٣) في الحدود، وبَوَّبتُ
باباً، أي: عملت، وأَبوابٌ مُبِوَّبة، والبوَّابُ حافظ
البيت، وتبوَّبتُ بوَّاباً: اتخذته، وأصل بابٍ: بَوَبُ .
= الحسن بن زين الشنقيطي رحمه الله شيخ والدٍ شيخنا معاني ((أفعلَ)) في تكميله لامية الأفعال لابن مالك فقال:
وللإزالةِ والوجدانِ قد حصلا
ثلاثياً كوعى والمرءُ قد نَمِلا
وللبلوغ كأمأى جعفرٌ إِيلا
ونقلُنا غيرَهُ من هذهِ نُقلا
بأفعلَ استغنِ أو طاوْعْ مُجرَّدَهُ
وقد يوافقُ مفتوحاً ومنكسراً
أَعِنْ وكثّرْ وصيّرْ عرضَنَّ به
وعذِّيَنْ به وأطلقَنَّ وقِسْ
(١) الحديث رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير وأبو الشيخ في السنة وغيرهم، وكلهم عن ابن عباس
مرفوعاً مع زيادةٍ: ((فمن أتى العلم فليأتِ الباب)) ورواه الترمذي وأبو نعيم وغيرهما عن عليّ بلفظ أنَّ النبي ◌َّ قال:
((أنا دار الحكمة وعليٍّ بابها)).
وهذا حديث مضطرب غير ثابت كما قاله الدارقطني في العلل ٢٤٧/٣، وقال الترمذي: منكر، وقال البخاري :
ليس له وجه صحيح، ونقل الخطيب البغدادي عن ابن معين أنه قال: كذبٌ لا أصل له. وذكره ابن الجوزي في
الموضوعات ووافقه الذهبي وغيره، المستدرك ١٢٦/٣ وقال الحاكم فيه: صحيح الإسناد وتعقّبه الذهبي فقال: بل
موضوع، لكن قال في الدرر نقلاً عن أبي سعيد العلائي: الصواب أنه حسنٌ باعتبار تعدّد طرقه، لا صحيح ولا
ضعيف، فضلاً أن يكون موضوعاً، وكذا قال الحافظ ابن حجر في فتوى له. وقال في اللآلىء بعد كلام طويل:
والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتج به. راجع كشف
الخفاء ٢٠٣/١، واللآلى المصنوعة ٣٢٩/١؛ وعارضة الأحوذي ١٧١/١٣؛ والحلية ٦٤/١.
(٢) البيت تقدَّم برقم ٥.
(٣) وعبارته في العين ٤١٥/٨: والبابة في الحدود والحساب.
١٥٠

بیت
بيت
أصل البيت: مأوى الإِنسان بالليل؛ لأنه
يقال: بات: أقام بالليل، كما يقال: ظلَّ بالنهار
ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل
فيه، وجمعه أَبيات وبُيوت، لكن البيوتُ
بالمسكنِ أخصّ، والأبيات بالشعر. قال
عزَّ وجلّ: ﴿فتلكَ بيوتُهم خَاويةً بما ظَلِمُوا ﴾
[النمل / ٥٢]، وقال تعالى: ﴿واجعلُوا بيوتكم
قِبلةً ﴾ [يونس / ٧٨]، ﴿لا تَدخُلُوا بُيوتاً غيرَ
بُيُوتِكم ﴾ [النور / ٢٧]، ويقع ذلك على المتخذ
من حجرٍ ومدَرٍ وصوفٍ ووبٍ، وبه شُبِّه بيت
الشِّعر، وعبّر عن مكان الشيء بأنه بيتُه، وصار
أهلُ البيتِ متعارفاً في آل النبيّ عليه الصلاة
والسلام، ونَّه النبيّ وَّه بقوله: ((سَلمانُ منَّا أَهلَ
البيتِ))(١) أنَّ مولى القوم يصح نسبته إليهم، كما
قال: ((مولى القَومِ منهم، وابنهُ من أَنفسِهم))(٢).
وبيت الله والبيت العتيق: مكة، قال الله
عزَّ وجل: ﴿وليطَّوَّفوا بالبيتِ العتيقِ ﴾ [الحج/
٢٩]، ﴿إِنَّ أولَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاسِ للذي ببگّة ﴾
[آل عمران/ ٩٦]، ﴿وإِذْ يرفعُ إِبراهيمُ القواعدَ
من البَيتِ ﴾ [البقرة / ١٢٧] يعني: بيت الله.
وقوله عزَّ وجل: ﴿وليسَ البِرُّ بأنْ تَأْتوا الْبُيوتَ من
ظُهورِها ولكنَّ البرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة/ ١٨٩]،
إنما نزل في قومٍ كانوا يتحاشون أن يستقبلوا
بيوتهم بعد إحرامهم، فنَّه تعالى أنَّ ذلك مُنافٍ
للبرّ(٣)، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿والملائكةُ يَدخُلُونَ
عليهم من كلِّ بابٍ سَلامٌ ﴾ [الرعد / ٢٣]،
معناه: بكل نوعٍ من المسارّ، وقوله تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرفع﴾ [النور / ٣٦]،
قيل: بيوت النبيّ(٤) نحو: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتَ
النبيِّ إلا أَنْ يُؤْذِنَ لكم ﴾ [الأحزاب / ٥٣]،
وقيل: أشير بقوله: ﴿ فِي بُيُوتٍ﴾ إلى أهل بيته
وقومه. وقيل: أُشير به إلى القلب. وقال بعض
الحكماء في قول النبيّ وَّه: ((لا تدخلُ الملائكةُ
بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ))(٥): إنه أريد به القلب،
وعُني بالكلب الحرص بدلالة أنه يقال: كَلِبَ
(١) أخرجه الحاكم ٥٩٨/٣ وقال الذهبي: سنده ضعيف، وقال العجلوني: رواه الطبراني والحاكم عن عمرو بن عوف،
وسنده ضعيف ا. هـ. قال الهيثمي: فيه عند الطبراني كثير بن عبد الله المزني ضعَّفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.
انظر: كشف الخفاء ٤٥٩/١، والفتح الكبير ١٥٩/٢؛ وأسباب ورود الحديث ٣٦٧/٢.
(٢) قال السخاوي: رواه أصحاب السنن وابن حبان من حديث أبي رافع وفيه قصة. ا. هـ.
وهو عند الشيخين عن أنس بلفظ: ((من أنفسهم)) وأيضاً فيه: ((ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم)). راجع: فتح
الباري ٤٨/١٢؛ وشرح السنة ٣٥٢/٨؛ وكشف الخفاء ٢٩١/٢؛ والمقاصد الحسنة ص ٤٣٩.
(٣) انظر: الدر المنثور ٤٩١/١. وأسباب النزول للواحدي ص ٨٦.
(٤) وهذا قول مجاهد فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور ٢٠٣/٦ .
(٥) الحديث متفق على صحته، وهو في البخاري في بدء الخلق ٢٥٦/٦؛ ومسلم برقم (٢١٠٦) في اللباس والزينة؛
وانظر: شرح السنة ١٢٦/١٢.
١٥١

فلان: إذا أفرط في الحرص، وقولهم: هو |
أحرص من كلب(١).
وقوله تعالى : ﴿وإذ بوّأنا لإِبراهيمَ مكانَ
البيتِ﴾ [الحج / ٢٦] يعني: مكة، و﴿ قَالَتْ
ربِّ ابنِ لي عندَكَ بيتاً في الجنَّة ﴾ [التحريم /
١١]، أي: سهّل لي فيها مقرّاً، ﴿وأوحينا إلى
موسى وأخيه أنْ تبوّآ لقومكما بمصرَ بُيوتاً واجعلُوا
بُيوتّكم قِبلةً﴾ [يونس / ٨٧] يعني: المسجد
الأقصى .
وقوله عزَّ وجل: ﴿ فَما وَجدْنَا فيها غيرَ بَيْتٍ
من المُسلمينَ ﴾ [الذاريات / ٣٦]، فقد قيل:
إشارة إلى جماعة البيت فسمَّاهم بيتاً كتسمية نازل
القرية قرية. والبَياتُ والنِّبْبِيتُ: قصد العدوّ ليلاً.
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهلُ القرىْ أَنْ يأتيَهم بأسُنَا
بياتاً وَهُمْ نَائمون﴾ [الأعراف / ٩٧]، ﴿بَياتاً أو
هُمْ قائلُونَ ﴾ [الأعراف / ٤]. والبُّوت: ما يفعل
بالليل، قال تعالى: ﴿بَّتَ طَائفةٌ منهم)
[النساء/ ٨١]. يقال لكلّ فعلٍ دُبِّر فيه بالليل:
باد - بور
القَولِ ﴾ [النساء / ١٠٨]، وعلى ذلك قوله عليه
السلام: ((لا صيامَ لَمَنْ لم يُبيِّتْ الصيامَ من
الليل))(٢).
وباتَ فلانٌ يفعل كذا عبارة موضوعة لما يُفعل
بالليل، كظَلَّ لما يُفعل بالنهار، وهما من باب
العبارات.
باد
قال عزَّ وجل: ﴿ مَا أَظِنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبداً ﴾
[الكهف / ٣٥]، يقال: بادَ الشيء يَبِيدُ بَياداً: إذا
تفرّق وتوزَّع في البيداء، أي: المفازة، وجمع
البيداء: بِيد، وأتانٌ بيدانَة: تسكن البادية
البيداء.
بور
البوار: فرط الكساد، ولمّا كان فرط الكساد
يؤدّي إلى الفساد - كما قيل: كسدّ حتى فسدَ -
عُبّرَ بالبوار عن الهلاك، يقال: بارَ الشيء يَبُورُ
بَواراً وبَوْراً، قال عزَّ وجل: ﴿تجارةً لَنْ تبورَ ﴾
بُيِّت، قال تعالى: ﴿إِذْ يُبيُِّونَ ما لا يَرضىْ من | [فاطر/٢٩]، ﴿وَمَكْرُ أُولئكَ هو يَبُورُ﴾ [فاطر / ١٠]،
(١) ومن أمثالهم: أحرص من كلب على جيفة، ومن كلب على عرق، والعرق: العظم عليه اللحم. راجع: مجمع
الأمثال ٢٢٨/١.
(٢) الحديث أخرجه ابن ماجه عن حفصة قالت: قال رسول الله وَله: ((لا صيامَ لمن لم يفرضه من الليل)) وهو في سننه
٥٤٢/١، والفتح الكبير ٣٤٦/٣. وفي الموطأ عن ابن عمر أنه كان يقول: ((لا يصوم إلا مَنْ أجمع الصيام قبل
الفجر))، وعن حفصة عن النبي ◌َّم قال: ((مَنْ لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له)) قال ابن عبد البر: اضطرب
في إسناده، وهو أحسن ما روي مرفوعاً في هذا الباب ا. هـ. راجع شرح الزرقاني للموطأ ١٥٧/٢؛ وتنوير
الحوالك ٢٧٠/١؛ وأخرجه أبو داود في الصوم، راجع معالم السنن ١٣٤/٢؛ والنسائي ١٩٦/٤؛ وأحمد ٨٧/٦؛
وانظر: شرح السنة ٢٦٨/٦.
١٥٢

بئر
ورُوي: ((نعوذُ بالله من بوارِ الأيّم)(١)،
وقال عزَّ وجل: ﴿وَأَحلُوا قومَهم دارَ الْبَوارِ﴾
[إبراهيم / ٢٨]، ويقال: رجل حائر بائر(٢)،
وقومٌ حُور بُور.
وقال عزَّ وجل: ﴿حتىْ نَسوا الذّكرَ وكانُوا قوماً
بُوراً ﴾ [الفرقان / ١٨]، أي: هلكى، جمع:
بائر. وقيل: بل هو مصدرٌ يوصف به الواحد
والجمع، فيقال: رجل بور وقوم بور، وقال
الشاعر:
٧٢ - يا رسولَ المليكِ إنَّ لساني
راتقٌ ما فتقتُ إذ أنا بورُ (٣)
وبارَ الفحل الناقة: إذا تشمّمها أَلاقح هي أم
لا (٤)؟، ثم يستعار ذلك للاختبار، فيقال: بُرْتُ
كذا، أي: اختبرتُه .
بئر
قال عزَّ وجل: ﴿وبشرٍ مُعطَّةٍ وَقَصرٍ مَشيدٍ ﴾
[الحج / ٤٥]، وأصله الهمز، يقال: بَأرْتُ بِئراً
وبأرتُ بُؤرة، أي: حفيرةٌ. ومنه اشتق المِثْبَر (٥)،
وهو في الأصل حفيرة يُستَرُ رأسها ليقع فيها مَنْ مرَّ ا
بؤس
عليها، ويقال لها: المغواة، وعبّر بها عن النميمة
الموقعة في البلية، والجمع: المآبر.
بؤس
الْبُؤس والبَأس والبأساء: الشدة والمكروه، إلا
أنَّ البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبَأْس
والبأساء في النكاية، نحو: ﴿واللهُ أَشدُّ بَأْسَأَّ
وأَشدُّ تنكيلاً﴾ [النساء / ٨٤]، ﴿فأخذناهم
بالبأساءِ والضرَّاءِ ﴾ [الأنعام / ٤٢]،
﴿والصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ والضَّراءِ وحينٌ
[البقرة / ١٧٧]، وقال تعالى:
البأس
﴿بأسُهم بينَهم شَدِيدٌ﴾ [الحشر / ١٤]، وقد
بَؤُسَ يَبْؤُس، و﴿ عَذابٍ بَئِيسٍ ﴾ [الأعراف/
١٦٥]، فعيل من البأس أو من البؤس، ﴿ فلا
تَبْتئسْ﴾ [هود / ٣٦]، أي: لا تلزم البؤس ولا
تحزن، وفي الخبر أنه عليه السلام: ((كانَ يكرهُ
البؤسَ والتباؤسَ والتبؤس))(٦) أي: الضراعة للفقر،
أو أن يجعل نفسه ذليلاً، ويتكلف ذلك جميعاً.
و ((بِئْسَ)) كلمةٌ تستعمل في جميع المذام،
(١) بوار الأيم أي: كسادها. والحديث في النهاية ١٦١/١؛ والفائق مادة (بور)، واللسان (بور). وأخرجه الطبراني عن
ابن عباس أنَّ النبي ◌َّه كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، ومن بوارِ الأيّم، ومن فتنة
الدجال)). أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط والكبير. قال الهيثمي: وفيه عباد بن زكريا الصريمي، ولم أعرفه،
وبقية رجاله رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد ١٤٦/١٠؛ والمعجم الصغير ص ٣٧٢؛ والأوسط ٨٣/٣.
(٢) البائر: الهالك.
(٣) البيت لعبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه ص ٣٦؛ والمشوف المعلم ١١٩/١؛ واللسان (بور)؛ والجمهرة
٢٧٧/١.
(٥) لكن المثبر مشتقة من أبر؟.
(٤) انظر: اللسان (بور) ٨٧/٤.
(٦) الحديث عن أبي سعيد أن رسول الله وَّه قال: ((إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال، ويحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده
ويبغض البُؤس والتبؤس)) أخرجه البيهقي وانظر: الفتح الكبير ٣٣١/١.
١٥٣

بيض
كما أنَّ نِعْمَ تستعمل في جميع الممادح، ويرفعان
ما فيه الألف واللام، أو مضافاً إلى ما فيه الألف
واللام، نحو: بئس الرجل زيد، وبئس غلامُ
الرجلِ زيد. وينصبان النكرة نحو: بِئْسَ رجلاً،
و﴿لِبِئْسَ ما كانُوا يفعلون﴾ [المائدة/ ٧٩]،
أي: شيئاً يفعلونه، قال تعالى: ﴿وبئسَ
القرارُ﴾ [إبراهيم / ٢٩]، و﴿لَبْسَ مثوى
المتكبرين ﴾ [النحل / ٢٩]، ﴿ بئس للظالمين
بَدَلاً﴾ [الكهف / ٥٠]، ﴿لبئسَ ما كانُوا
يَصنعون﴾ [المائدة/ ٦٣]. وأصلُ: بِئْسَ:
بَئِسَ، وهو من البؤس.
بيض
البياض في الألوان: ضدّ السواد، يقال:
ابيضَّ يبيضُ ابيضاضاً وبياضاً، فهو مبيَضٌّ
وأبيض. قال عزَّ وجل: ﴿يومَ تَبَيَضُ وجوهُ وتسوَهُ
وجوهٌ فأمَّا الذينَ اسودَّتْ وجوهُهم أَكفرتُم بعدَ
إِيمانِكم فذوقُوا العذابَ بما كنْتُم تكفرون ﴾ وأَمَّا
الذين ابيضَّت وُجوهُهم ففي رحمةِ الله ﴾ [آل
عمران / ١٠٦ - ١٠٧].
والأبيض: عِرقُ سمّيَ به لكونه أبيضَ، ولمَّا
كان البياض أفضلَ لونٍ عندهم كما قيل: البياضُ
أفضل، والسواد أهول، والحمرة أجمل،
والصفرة أشكل، عبّرَ به عن الفضل والكرم
بالبياض، حتى قيل لمن لم يتدنس بمعابٍ: هو
أبيضُ الوجه. وقوله تعالى: ﴿يومَ تَبَيَضُ وجوهٌ ﴾
[آل عمران / ١٠٦]، فابيضاض الوجوه عبارة عن
المسرَّة، واسودادها عن الغم، وعلى ذلك ﴿ وإذا
بُشِّرَ أَحدُهم بالأنثى ظلَّ وجهُهُ مُسودًّاً ﴾ [النحل /
٥٨]، وعلى نحو الابيضاض قوله تعالى:
﴿وجوه يومئذٍ نَاضرةٌ ﴾ [القيامة / ٢٢]، وقوله:
﴿وجوه يومئذٍ مُسفرةٌ * ضاحكةٌ مستبشرةٌ ﴾
[عبس / ٣٨ - ٣٩].
وقيل :
أُمُّكَ بيضاء من قضاعة(١)
وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿ بَيضاءَ لذَّةٍ
للشَّاربين ﴾ [الصافات / ٤٦]، وسمِّيَ البيضُ
لبياضه، الواحدة: بيضة، وكنّي عن المرأة
بالبيضة تشبيهاً بها في اللون، وكونها مصونة
تحت الجناح. وبيضة البلد يُقال في المدح
والذم، أمَّا المدح فلمن كان مصوناً من بين أهل
البلد ورئيساً فيهم، وعلى ذلك قول الشاعر:
٧٣ - كانت قريشٌ بيضةً فتفلَّقت
فالمُ خالصه لعبدٍ منافٍ(٢)
(١) شطر بيت لابن قيس الرُّقيات؛ وتمامه:
الذي يستظَلُّ في ◌ُنبه
أمُّك بيضاء من قضاعة في الـ
انظر ديوانه ص ١٤، والعفو والاعتذار ٤١٣/٢.
(٢) البيت لعبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه ص ٥٣؛ وأمالي المرتضى ٢٦٨/٢؛ واللسان والصحاح: (مح)؛
والمحاسن والمساوىء للبيهقي ص ٩١، والحماسة البصرية ١٥٥/١، وسمط اللآلي ص ٥٤٩.
١٥٤

ـيع
وأمَّ الذم فَلِمَنْ كان ذليلاً مُعرَّضاً لمَنْ يتناوله
كبيضةٍ متروكة بالبلد، أي : العراء والمفازة. وبيضتا
الرجل سمّيتا بذلك تشبيهاً بها في الهيئة والبياض،
يقال: باضت الدجاجة، وباض كذا، أي: تمكَّنَ.
قال الشاعر:
٧٤ - بداءٍ من ذواتِ الضغنِ يأوي
صدورهم فعششَ ثُمَّ باضَ(١)
وباضَ الحَرُّ: تمكَّن، وباضَتْ يَد المرأة: إذا
ورمت ورماً على هيئة البيض، ويقال: دجاجة
بُيُوضٌّ، ودجاجٌ بَيْضٌ(٢).
بيع
البيع: إعطاء المُثمن وأخذ الثَّمن، والشراء :-
إعطاء الثمن وأخذ المُثمن، ويقال للبيع:
الشراء، وللشراء البيع، وذلك بحسب ما يتصور
من الثمن والمثمن، وعلى ذلك قوله عزَّ وجل:
﴿ وَشَرَوه بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف / ٢٠]، وقال
عليه السلام: ((لا يبيعَنَّ أحدُكم على بَيعِ
أخيه)) (٣) أي: لا يشتري على شراه.
وأبعتُ الشيءَ: عرَّضتُه للبيع، نحو قول الشاعر:
٧٥ - فرساً فليس جوادُنا بمباع (٤)
بال
والمبايعة والمشاراةُ تقالان فيهما، قال اللّهُ
تعالى: ﴿وَأُحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّمَ الربا﴾ [البقرة/
٢٧٥]، وقال: ﴿وذرُوا البيعَ﴾ [الجمعة / ٩]،
وقال عزَّ وجل: ﴿لا بَيْعٌ فيه ولا خِلالٌ ﴾
[إبراهيم / ٣١]، ﴿لا بَيْعٌ فيه ولا خُلَّةٌ ﴾
[البقرة / ٢٥٤]، وبايع السلطان: إذا تضمّن بذل
الطاعة له بما رضخ له، ويقال لذلك: بَيْعة
ومُبَايعة. وقوله عزَّ وجل: ﴿ فَاسْتبِشِرُوا بِبِيعِكم
الذي بايعْتُم به ﴾ [التوبة / ١١١]، إشارة إلى
بيعة الرضوان المذكورة في قوله تعالى: ﴿لقد
رضيَ اللهُ عن المُؤمنين إذ يُبايعونكَ تحتَ
الشجرةِ﴾ [الفتح / ١٨]، وإلى ما ذكر في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الله اشترى من المؤمنينَ أَنْفُسَهم ﴾
الآية [التوبة/ ١١١]، وقوله تعالى: ﴿وبِيَعُ
وصلوات ومساجد﴾ فالبيع جمع بيعة، وهو
مصلَّى النصارى، فإنْ يكن ذلك عربياً في
الأصل: فتسميته بذلك لما قال: ﴿إنّ الله اشترى
من المؤمنين أنفسهم﴾ الآية. وأمَّا الباع فمن
الواو بدلالة قولهم: باع في السير يُبُوعَ: إذا مدَّ
باعه .
(١) لم أجده.
(٢) هو جمع بیُوض.
(٣) الحديث متفق على صحته، وقد أخرجه البخاري في باب البيوع ٤١٣/٤؛ ومسلم أيضاً فيه برقم (١٤١٢)؛
والموطأ ٦٨٣/٢؛ وهو بلفظ: ((لا يبع بعضكم على بيع بعضٍ)).
(٤) هذا عجز بيت، وشطره:
نقفو الجيادَ من البيوتِ فَمَنْ يُبع
وهو للأجدع الهمداني، في شعراء همدان وأخبارها ص ٢٢٨؛ والاختيارين ص ٤٦٩؛ والأصمعيات ص ٦٩؛
والمشوف المعلم ١٢٣/١؛ واللسان (بيع)؛ والمجمل ١٤٠/١؛ وشمس العلوم ٢٠٦/١.
١٥٥

بال
بال
البال: الحال التي يكترث بها، ولذلك يقال:
ما باليتُ بكذا بَالةً، أي: ما اكترثْتُ به. قال:
كفَّرَ عنهم سيئاتِهم وأَصلحَ بالَهم ﴾
[محمد / ٢]، وقال: ﴿ فَما بالُ القرونِ الأولى ﴾
[طه / ٥١]، أي: فما حالهم وخبرهم.
ويُعَبَّر بالبال عن الحال الذي ينطوي عليه
الإِنسان، فيقال: خطر كذا ببالي.
بين
بينَ: موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطهما.
قال تعالى: ﴿وجعلْنَا بينَهما زرعاً﴾(١) [الكهف /
٣٢]، يقال: بانَ كذا أي: انفصل وظهر ما كان
مستتراً منه، ولمّا اعتبر فيه معنى الانفصال
والظهور استعمل في كلّ واحدٍ منفرداً، فقيل للبئر
البعيدة القعر: بُيُون، لبعد ما بين الشفير والقعر
لانفصال حبلها من يد صاحبها. وبانَ الصبح:
ظهر، وقوله تعالى: ﴿لقد تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ﴾(٢)
[الأنعام / ١٩٤]، أي: وَصلُكم. وتحقيقه: أنه
ضاع عنكم الأموال والعشيرة والأعمال التي كنتم
تعتمدونها، إشارة إلى قوله سبحانه: ﴿ يَومَ لا
يَنْفعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ﴾ [الشعراء / ٨٨]، وعلى
ذلك قوله: ﴿لقدْ جئتُمونا فُرادىٌ﴾ الآية
[الأنعام / ٩٤].
و ((بينَ)) يستعمل تارةً اسماً وتارة ظرفاً، فمن
قرأ: ﴿ بَيْنُكُمْ﴾ [الأنعام / ٩٤]، جعله اسماً،
ومَنْ قَرَأ: ﴿بينكم) جعله ظرفاً غير متمكن
وتركه مفتوحاً، فمن الظرف قوله: ﴿لا تُقدِّموا
بِينَ يَدِي اللهِ ورَسولِهِ ﴾ [الحجرات / ١]، وقوله:
﴿ فَقَدِّمُوا بينَ يدي نَجواكم صَدقةً ﴾ [المجادلة/
١٢]، ﴿فاحكمْ بيننا بالحقِّ ﴾ [ص / ٢٢]،
وقوله تعالى: ﴿فلمَّا بلغَا مجمعَ بَيْنِهِما ﴾
[الكهف / ٦١]، فيجوز أن يكون مصدراً، أي:
موضع المفترق. ﴿وإنْ كانَ من قَومٍ بينكم
وبينَهُم ميثاقٌ﴾ [النساء / ٩٢]. ولا يستعمل
((بین)» إلا فيما كان له مسافة، نحو: بین البلدین،
أو له عددٌ ما اثنان فصاعداً نحو: بين الرجلين،
وبينَ القوم، ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة
إلا إذا كرِّر، نحو: ﴿ومن بَيْنِنا وبينِكَ حجابٌ﴾
[ فصلت / ٥]، ﴿فاجعلْ بيننا وبينَكَ موعداً ﴾
[طه / ٥٨]، ويقال: هذا الشيء بين يديك،
أي: متقدماً لك، ويقال: هو بين يديك أي:
قريب منك، وعلى هذا قوله: ﴿ثمَّ لآتِيَّهم من
بَيْنِ أيديهم﴾ [الأعراف / ١٧]، و﴿لَهُ ما بينَ
أَيدينا وما خلفَنا﴾ [مريم / ٦٤]، ﴿وجعلْنَا من
بَيْنِ أَيديهم سَدَّاً ومن خَلْفِهم سَدَّاً ﴾ [يس/ ٩]،
﴿ مُصدِّقاً لما بينَ يديّ من التوراةِ ﴾ [المائدة/
(١) ونقل هذا السيوطي عنه في الإتقان ٢ /٢٠٩.
(٢) وهذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة ويعقوب وخلف وشعبة عن عاصم وابن عامر الشامي برفع (بينُكم)، وقرأ
نافع وحفص والكسائي وأبو جعفر (بينكم) بنصب النون.
١٥٦

بان
٤٦]، ﴿أَأُنزل عليه الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ [ص / ٨]،
أي: من جملتنا، وقوله: ﴿وقالَ الذين كفرُوا
لن نُؤمنَ بهذا القُرآنِ ولا بالذي بین یدیه ﴾ [سبأ/
٣١]، أي: متقدّماً له من الإِنجيل ونحوه،
وقوله: ﴿فاتقوا اللهَ وأَصلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم﴾
[الأنفال / ١]، أي: راعوا الأحوال التي تجمعكم
من القرابة والوصلة والمودة .
ويزاد في بين ((ما)) أو الألف، فيجعل بمنزلة
((حين))، نحو: بينما زيدٌ يفعل كذا، وبينا يفعل
كذا، قال الشاعر:
٧٦ - بينا تَعَثُّقه الكماة ورَوغه
يوماً أُتيحَ له جَريءٌ، سلفع(١)
بان
يقال: بَانَ واستبان وتَبيَّن نحو عجلَ واستعجلَ
وتعجَّلَ وقد بيّنْتُه. قال الله سبحانه: ﴿وقدْ تَبَيَّنَ
لكم من مَساكِنهم ﴾ [العنكبوت / ٣٨]، ﴿ وتبيَّنَ
لكم كيفَ فعلْنَا بهم﴾ [إبراهيم / ٤٥]،
و﴿لِتستبينَ سَبِيلُ المُجرمينَ ﴾ [الأنعام / ٥٥]،
قد تبيَّنَ الرُّشدُ من الغيّ ﴾ [البقرة/ ٢٥٦]،
قد بيَّنا لكم الآياتِ﴾ [آل عمران / ١١٨]،
﴿ وَلَّبِينَ لكم بعضَ الذي تختلفون فيهِ ﴾
[الزخرف / ٦٣]، ﴿وَأَنزلنَا إليكَ الذكرَ لِتُبِيِّن
للنَّاسِ ما نَزِّلَ إليهم ﴾ [النحل / ٤٤]، ﴿ ليبيِّنَ
لهم الذي يَختلفُونَ فيه ﴾ [النحل / ٣٩]، ﴿فيه
آياتٌ بَيّنَاتٌ﴾ [آل عمران / ٩٧]، وقال: ﴿ شَهِرُ
رمضانَ الذي أُنزل فيه القرآنُ هدى للناسِ
وبيناتٍ﴾ [البقرة/ ١٨٥]. ويقال: آية مبيّنة
اعتباراً بَمَنْ بَّنها، وآيةٌ مُبِّنة اعتباراً بنفسها،
وآيات مبِّنَاتٍ ومُبِيِّنَات.
والبيّنة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو
محسوسة، وسمي شهادة الشاهدين بيِّنةً لقوله
عليه السلام: ((البيّنةُ على المدَّعي واليمينُ على
مَنْ أنكر))(٢)، وقال سبحانه: ﴿أَفَمِنْ كانَ على
بَيِّةٍ من ربِّه﴾ [هود / ١٧]، وقال: ﴿ليهلِكَ مَنْ
هَلَكَ عن بيِّنةٍ ويحيا مَنْ حِيَّ عن بَيِّنةٍ﴾ [الأنفال /
٤٢]، ﴿جاءَتْهُم رُسلُهم بالبيّناتِ﴾ [الروم /
٩].
والبيان: الكشف عن الشيء، وهو أعمُّ من
النطق؛ لأنَّ النطقَ مختص بالإِنسان، ويسمَّى ما
بُيّن به بياناً. قال بعضهم: البيان يكون على
ضربین :
أحدهما بالتسخير، وهو الأشياء التي تدلُّ على
(١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٣٧/١؛ وشمس العلوم ٢٠٥/١؛ واللسان (بين)؛ وغريب
الحديث للخطابي ٤٦٩/٢.
(٢) الحديث أخرجه البيهقي ٢٧٩/٨؛ والدارقطني ١١١/٣؛ ولمسلم: ((البيّنة على المدعي)) وليس فيه:
((واليمين ... )) (انظر: صحيح مسلم رقم ١١٧١)، وقال النووي في أربعينه: حديث حسن، رواه البيهقي وغيره
هكذا، وبعضه في الصحيحين، وأخرجه الدارقطني بلفظ: ((البيّنة على المدعي واليمين على مَنْ أنكر إلا في
القسامة)) وفيه ضعف، وله عدة طرق متعددة لكنها ضعيفة، انظر: كشف الخفاء ٢٨٩/١.
١٥٧

حالٍ من الأحوال من آثار الصنعة.
والثاني بالاختيار، وذلك إما يكون نطقاً، أو
كتابة، أو إشارة.
فممّا هو بيانٌ بالحال قوله: ﴿ولا يَصُدَّنَّكم
الشيطانُ إِنَّهُ لكم عدوٌّ مُبين ﴾ [الزخرف / ٦٢]،
أي: كونه عدوّاً بَيِّنَ في الحال. ﴿ تُريدون أَنْ
تَصدُّونا عمَّا كانَ يعبدُ آبَاؤُنَا فَأَتُونا بسلطانٍ مُبِينٍ ﴾
[إبراهيم / ١٠].
وما هو بيانٌ بالاختيار ﴿ فاسألُوا أَهلَ الذِّكرِ إِنْ
كنتُم لا تعلمونَ * بالبيناتِ والزبرِ وأَنزلنَا إليكَ
الذِّكرَ لتبيِّنَ للنَّاسِ ما نُزّل إِليهم ﴾ [النحل/
٤٣ - ٤٤]، وسمَِّ الكلام بياناً لكشفه عن
المعنى المقصود إظهاره نحو: ﴿ هذا بيانٌ
للنَّاسِ ﴾ [آل عمران / ١٣٨].
وسمي ما يشرح به المُجمل والمبهم من
الكلام بياناً، نحو قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ علينا بيانَه ﴾
[القيامة/ ١٩]، ويقال: بَّتُه وأَبنتُه: إذا جعلت
له بياناً يكشفه، نحو: ﴿لتبيِّنَ للناسِ ما نزّل
إليهم ﴾ [النحل / ٤٤]، وقال: ﴿ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾
[ص / ٧٠]، و﴿ إِنَّ هذا لُهُوَ البلاءُ المُبِينُ﴾
باء
[الصافات / ١٠٦]، ﴿ولا يكادُ يُبِينٌ ﴾
[الزخرف / ٥٢]، أي: يُبيِّن، ﴿وهو في
الخصام غيرُ مُبينٍ ﴾ [الزخرف / ١٨].
باء
أصل البَواء: مساواة الأجزاء في المكان،
خلاف التُّبُوِّ الذي هو منافاة الأجزاء. يقال:
مكانٌ بَواء: إذا لم يكن نابياً بنازله، وبوَّتُ له
مكاناً: سَوّيتُه فتبوَّأْ، وبَاءَ فلانٌ بدم فلان يُبُوءُ به
أي: ساواه، قال تعالى: ﴿وَأَوحينا إلى موسى
وأخیهِ أَنْ تبوّآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ [يونس/
٨٧]، ﴿ولقد بوَّأْنَا بني إسرائيلَ مُبُوَّأَ صِدْقٍ﴾
[يونس / ٩٣]، ﴿ تُبِّىءُ المؤمنينَ مقاعدَ للقتالِ ﴾
[ آل عمران / ١٢١]، ﴿يَتَبوَّأُ منها حيثُ يشاءُ﴾
[يوسف / ٥٦]، وروي أنه: (كان عليه السلام
يتبوَّأُ لبولِه كما يتبوَّأْ لمنزِلِهِ)(١).
وبوَّأْتُ الرمحَ: هيأتُ له مكاناً، ثم قصدت
الطعن به، وقال عليه السلام: ((مَنْ كذبَ عليَّ
متعمِّداً فليتبوأ مقعدَهُ من النَّار))(٢)، وقال الراعي
في صفة إبل :
٧٧ - لها أمرُها حتى إذا ما تبوَّأَتْ
(١) الحديث عن أبي هريرة قال: ((كان رسول الله وَله يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله)) أخرجه الطبراني في الأوسط، وهو من
رواية يحيى بن عبيد بن دجي عن أبيه. قال الهيثمي: ولم أر من ذكرهما، وبقية رجاله موثقون . انظر: مجمع الزوائد
٢٠٩/١. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة، وانظر: المطالب العالية ١٥/١.
(٢) الحديث صحيح متفق على صحته وهو في فتح الباري ١٣٠/٣ في الجنائز؛ ومسلم رقم ١٤١ في المقدمة، باب
تغليظ الكذب على رسول الله. وقال محمد بن جعفر الكتاني: لا يعرف حديث رواه أكثر من ستين صحابياً إلا
هذا، ولا حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا هو. انظر: نظم المتناثر ص ٢٣؛ وشرح السنة ٢٥٣/١.
١٥٨

بأخفافها مأوى تبوّاً مضجعا(١)
أي: يتركها الراعي حتى إذا وجدت مكاناً
موافقاً للرعي طلب الراعي لنفسه متبوأً
لمضجعه. ويقال: تبوَّأ فلانٌ كناية عن التزوّج،
كما يُعبَّر عنه بالبناء فيقال: بنى بأهله. ويستعمل
البواء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة
والقصاص، فيقال: فلانٌ بَواءٌ لفلان إذا ساواه،
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿بَاءَ بِغَضِبٍ من اللهِ ﴾
[الأنفال / ١٦]، أي: حلَّ مُبُوَأَ ومعه غضبُ الله،
أي: عقوبته، وقوله: ﴿ بِغَضبٍ ﴾ في موضع
حالٍ، كخرجَ بسيفه، أي: رجع، لا مفعول
نحو: مُرَّ بزيد. واستعمالُ (بَاءَ) تنبيهاً على أنَّ
مكانَه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره
من الأمكنة؟ وذلك على حدّ ما ذكر في قوله:
﴿فبشِّرْهم بعذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران / ٢١]،
وقوله: ﴿إني أُريدُ أنْ تَبُوءَ بِإِثمي وإِثْمِكَ ﴾
[المائدة / ٢٩] أي: تقيم بهذه الحالة. قال:
الباء
٧٨ - أنكرتُ باطلَها وبُؤْتُ بحقٌّها (٢)
وقول مَنْ قال: أقررت بحقها فليس تفسيره
بحسب مقتضى اللفظ(٣).
والبّاءة كنايةٌ عن الجماع. وحكي عن خلف
الأحمر (٤) أنه قال في قولهم: حيَّكَ اللّهُ وبَيَّاكَ:
إنّ أصله: بوَّأك منزلاً، فَغُيّر لازدواج الكلمة، كما
غيّر جمعُ الغداةِ في قولهم: آتيه الغَدايا
والعشايا(٥).
الباء
يجيء إمّا متعلِّقاً بفعل ظاهرٍ معه، أو متعلّقاً
بمضمر، فالمتعلق بفعلٍ ظاهرٍ معه ضربان:
- أحدهما: لتعدية الفعل، وهو جارٍ مجرى
الألف الداخل على الفعل للتعدية، نحو: ذهبتُ
به، وأذهبته. قال تعالى: ﴿وإذا مُرُّوا باللغو مُرُّوا
كراماً ﴾ [الفرقان / ٧٢].
- والثاني: للآلة، نحو: قطعه بالسكين (٦).
والمتعلّق بمضمٍ يكون في موضع الحال،
(١) البيت في ديوانه ص ١٦٤؛ وغريب الحديث ٤ /٤٤٤؛ والجمهرة ٣٤٧/٢؛ والفائق ٦٥٥/١.
عندي ولم يفخرْ عليَّ کرامُها
(٢) الشطر للبيد، وعجزه:
وهو في ديوانه ص ١٧٨؛ شرح المعلقات ١/ ١٧٠؛ والعباب الفاخر (بوء) ٥٦/١.
(٣) قال الصاغاني: ويقال: باء بحقّه، أي: أقرَّ، وذا يكون أبداً بما عليه لا له. انظر العباب: (بوء)؛ واللسان (بوء)؛
والمجمل (بوء).
(٤) انظر ترجمته في إنباه الرواة ٣٨٣/١؛ ومعجم الأدباء ٦٦/١١؛ وهذا خطأ من المؤلف فالأحمر المراد هنا ليس خلفاً
بل هو علي بن المبارك الأحمر، صاحب الكسائي، وقد نقل هذا عنه أبو عبيدٍ في الغريب المصنف.
(٥) قال ابن منظور: وقالوا: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، والغداة لا تجمع على الغدايا، ولكنهم كسروه على ذلك
ليطابقوا بين لفظه ولفظ العشايا، فإذا أفردوه لم يكسروه. وقال ابن السكيت: أرادوا جمع الغداة فأتبعوها العشايا
للازدواج. راجع اللسان (غدا) ١١٧/١٥.
(٦) ذكر أبو الحسين المزني للباء واحداً وعشرين معنىً، فارجع إلى كتابه ((الحروف)) ص ٥٤.
١٥٩

الباء
نحو: خرج بسلاحه، أي: وعليه السلاح، أو:
معه السلاح. وربما قالوا: تكون زائدة، نحو:
﴿وما أنتَ بمؤمنٍ لنا ﴾ [يوسف / ١٧]، ﴿وما
أنا بطاردِ المؤمنين ﴾ [الشعراء / ١١٤]،
﴿ وَكفى بنا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء / ٤٧]، وفي كل
ذلك لا ينفكُّ·عن معنى، ربما يدقّ فيتصور أنَّ
حصوله وحذفه سواء، وهما في التحقيق
مختلفان، سيما في كلامٍ مَنْ لا يقع عليه اللغو،
فقوله: ﴿وما أنتَ بمؤمنٍ لنا ﴾ [يوسف / ١٧]،
فبينه وبين قولك: (ما أنتَ مؤمناً لنا) فرقٌ،
فالمتصوَّر من الكلام إذا نصبت ذاتٌ واحدة،
كقولك: زيد خارج، والمتصور منه إذا قيل: (ما
أنت بمؤمنٍ لنا) ذاتان، كقولك: لقيتُ بزيدٍ رجلاً
فاضلاً(١)، فإِنَّ قوله: رجلاً فاضلاً - وإنْ أُريد به
زيد - فقد أُخرج في معرضٍ يتصوَّر منه إنسان
آخر، فكأنه قال: رأيتُ برؤيتي لك آخر هو رجلٌ
فاضل.
وعلى هذا: رأيتُ بك حاتماً في السخاء،
وعلى هذا: ﴿وما أَنا بطاردِ المؤمنين ﴾
[الشعراء / ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿أَليسَ اللهُ
بكافٍ عبدَهُ ﴾ [الزمر / ٣٦].
وقوله: ﴿ تَنْبُتُ بالدُّهنِ﴾ [المؤمنون / ٢٠]
قيل معناه: تُنْبِتُ الدهن، وليس ذلك بالمقصود،
بل المقصود أنها تنبت النباتَ ومعه الدهن (٢)،
أي:
والدهن فيه موجودٌ بالقوة، ونبّه بلفظة
﴿بالدُّهن﴾ على ما أنعم به على عباده وهداهم
إلى استنباطه. وقيل: الباء ههنا للحال(٣)، أي:
حالة أنَّ فيه الدهن.
والسبب فيه أنَّ الهمزة والباء اللتين للتعدية لا
يجتمعان، وقوله: ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ [الفتح/
٢٨]، فقيل: كفى الله شهيداً نحو: ﴿وَكَفىْ
اللّهُ المؤمنينَ القتالَ﴾ [الأحزاب / ٢٥] الباء
زائدة، ولو كان ذلك كما قيل لصحَّ أن يقال:
كفى بالله المؤمنين القتال، وذلك غير سائغ، وإنما
يجيءُ ذلك حيث يذكر بعده منصوب في موضع
الحال كما تقدَّم ذكره. والصحيح أن (كفى) ههنا
موضوع موضع اكتف، كما أنّ قولهم: أَحسنْ
بزيدٍ، موضوع موضع ما أحسن. ومعناه: اكتف
بالله شهيداً، وعلى هذا ﴿وكفى بربِّكَ هَادياً
(١) ويقال لها: باء التجريد، كأنك جرَّدت من هذا الشخص شخصاً آخر.
(٢) فهي باء المصاحبة.
(٣) قال أبو البقاء: في الآية وجهان: أحدهما: هو متعدّ، والمفعول محذوف، تقديره: تنبت ثمرها أو جناها، والباء
على هذا حالٌ من المحذوف، أي: وفيه الدهن، كقولك: خرج زيد بثيابه، وقيل: الباء زائدة، فلا حذف إذاً بل
المفعول الدهن. والوجه الثاني: هو لازم، يقال: نبت البقل وأنبت بمعنى، فعلى هذا الباء حال، وقيل: هي
مفعول، أي: تنبت بسبب الدهن. راجع: إعراب القرآن للعكبري ٩٥٢/٢.
١٦٠