Indexed OCR Text
Pages 101-120
أين - أوَّه أين لفظ يُبحث به عن المكان، كما أنَّ ((متى)) يُبحث به عن الزمان، والآن: كل زمان مقدَّرٍ بين زمانين ماضٍ ومستقبل، نحو: أنا الآن أفعل كذا، وخُصَّ الآن بالألف واللام المعرَّف بهما ولزماه، وافعلْ كذا آونةً، أي: وقتاً بعد وقت، وهو من قولهم: الآن. وقولهم: هذا أوان ذلك، أي: زمانه المختص به وبفعله. قال سيبويه(١) رحمه الله تعالى: الآنَ أَنُكَ، أي: هذا الوقت وقتك. وَآَنَ يُؤُونُ، قال أبو العباس(٢) رحمه اللَّه: ليس من الأوّل، وإنما هو فِعلٌ على حدَته. والأَيْنُ: الإِعياء، يقال: آنَ يَئِينُ أيناً، وكذلك: أنى يأني أيناً: إذا حان. وأمَّا بلغَ إناه فقد قيل: هو مقلوبٌ منْ أَنى، يني - أنياً، وقد تقدَّم. قال أبو العباس: قال قوم: آنَ يَئِين أيناً، والهمزة مقلوبة فيه عن الحاء، وأصله: حانَ يحينُ حيناً، قال: وأصل الكلمة من الحين. أوَّه الأوّاء: الذي يكثر التأوّه، وهو أن يقول: أوَّه أي أوَّه، وكل كلام يدل على حزن يقال له: التأوه، ويعبّرُ بالأوَّاه عمَّن يُظهر خشية الله تعالى، وقيل في قوله تعالى: ﴿أوَّاهُ مُنِيبٌ ﴾ [هود / ٧٥] أي : المؤمن الداعي، وأصله راجعٌ إلى ما تقدَّم. قال أبو العباس(٣) رحمه اللَّه: يقال: إِيهاً: إذا كففتَهُ، وويهاً: إذا أغريتَهُ، وواهاً: إذا تعجَّبت منه. أي أي في الاستخبار موضوع للبحث عن بعض الجنس والنوع وعن تعيينه، ويُستعمل ذلك في الخبر والجزاء، نحو: ﴿أَيّاً ما تَدْعُو فَلَهُ الأَسماءُ الحُسنىْ﴾ [الإسراء/ ١١٠]، و﴿ أَيَّما الأجلينِ قضيتُ فلا عُدوانَ عليّ ﴾ [القصص / ٢٨] والآية: هي العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيء ظاهر، وهو ملازمٌ لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مُدركٌ الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذ كان حكمهما سواءً، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العَلَم للطريق المنهج ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئاً مصنوعاً علم أنَّهُ لا بدَّ له من صانع. واشتقاق الآية إمّا من أيّ فإنها هي التي تُبَيِّن آیاً مِن أيّ، أو من قولهم؛ أوي إليه. والصحيح أنها مشتقة من التأبي الذي هو (١) راجع: أخباره في إنباه الرواة ٢ / ٣٤٦. (٢) هو أحمد بن يحيى، المعروف بثعلب، المتوفى سنة ٢٩١ . (٣) انظر مجالس ثعلب ٢٢٨/١ . ١٠١ التثبتُ(١) والإِقامة على الشيء. يقال: تَأَيَّ، أي: ارفق(٢)، أو من قولهم: أوى إليه. وقيل للبناء العالي آية، نحو: ﴿أَتْبُنُون بكلِّ رِيعٍ آيةً تعبثُونَ ﴾ [الشعراء / ١٢٨]. ولكلِّ جملة من القرآن دالة على حكم آيةٍ، سورةً كانت أو فصولاً أو فصلاً من سورة، وقد يقال لكل كلامٍ منه منفصل بفصلٍ لفظي: آية . وعلى هذا اعتبار آيات السور التي تُعدُّ بها السورة . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ في السموات والأرض لآياتٍ للمُؤمنينَ ﴾ [الجاثية/ ٣]، فهي من الآيات المعقولة التى تتفاوت بها المعرفة بحسب تفاوت منازل الناس في العلم، وكذلك قوله: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّنَاتٌ في صدورِ الذين أُوتوا العِلمَ وما يجحدُ بآياتِنا إلا الظَّالمونَ ﴾ [العنكبوت/ ٤٩]، وكذا قوله تعالى: ﴿وكأيّنْ من آيةٍ في السَّمواتِ والأرضِ ﴾ [يوسف / ١٠٥]، وذكر في مواضع آية وفي مواضع آيات، وذلك لمعنى مخصوص(٣) ليس هذا الكتاب موضع ذكره. وإنما قال: ﴿ وَجعلْنَا ابْنَ مَرِيمَ وَأَمَّهُ آيَةً ﴾ [المؤمنون / ٥٠] ولم يقل: آيتين(٤)؛ لأنَّ كل آية واحدٍ صار آية بالآخر. وقوله عزَّ وجل: ﴿ وما نُرسلُ بالآياتِ إلا تخويفاً﴾ [الإسراء / ٥٩] فالآيات ههنا قيل: إشارة إلى الجراد والقمل والضفادع، ونحوها من الآيات التي أرسلت إلى الأمم المتقدمة، فنَّهَ أنَّ ذلك إنما يُفعل بمن يفعله تخويفاً، وذلك أخسُّ المنازل للمأمورین، فإنَّ الإِنسان يتحرّى فعل الخير لأحدٍ ثلاثة أشياء: - إمَّا أن يتحراه لرغبة أو رهبة، وهو أدنى منزلة . - وإمَّا أن يتحراه لطلب محمدة. - وإمَّا أن يتحراه للفضيلة، وهو أن يكون ذلك الشيء فاضلاً في نفسه، وذلك أشرف المنازل. فلمّا كانت هذه الأمة خير أمة كما قال تعالى : ﴿ كَنْتُم خيرَ أُمَّةٍ أُخرجتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران/ ١١٠] رفعهم عن هذه المنزلة، ونبّه أنه لا يعمُّهم بالعذاب وإنْ كانت الجهلة منهم كانوا يقولون: ﴿ أَمطرْ علينا حجارةً من السَّماءِ أو ائتنا بعَذابٍ ٤ الیم [الأنفال / ٣٢]. وقيل: الآيات إشارة إلى الأدلة، ونبّه أنه يقتصر معهم على الأدلة، ويصانون عن العذاب الذي يستعجلون به في قوله عزَّ وجل: (١) قال ابن منظور: يقال: قد تأييتُ أي: تلبّثتُ وتحبّستُ. (٢) والتأيّي: التنظر والتؤدة، يقال: تأيًّا الرجل: إذا تأنَّى في الأمر. (٣) وقد بسط الكلام على ذلك الإِسكافي في درّة التنزيل وغرّة التأويل، انظر: ص ٤٣٥ - ٤٣٦. (٤) قال ابن عرفة: ولم يقل آيتين لأن قصتهما واحدة. ١٠٢ أيان - إِيًّا ﴿ يستعجلونَك بالعَذابِ ﴾ [العنكبوت / ٥٤]. وفي بناء آية ثلاثةُ أقوال: قيل: هي فَعَلَةِ(١)، وحقُّ مثلها أن يكون لامُه مُعَلَّا دون عينه، نحو: حياة ونواةٍ، لكن صحِّح لامه لوقوع الياء قبلها، نحو: راية. وقيل: هي فَعْلَةٍ (٢) إلا أنها قُلبت كراهة التضعيف كطائي في طيِّىء. وقيل: هي فاعلة، وأصلها: آبِيّة، فخفَّفت فصار آية، وذلك ضعيف لقولهم في تصغيرها: أُبَيَّة، ولو كانت فاعلة لقيل: أُوَيَّةِ (٣). وأَيانَ عبارة عن وقت الشيء، ويُقارب معنى متى، قال تعالى: ﴿ أَيَّانَ مُرساهَا ﴾ [الأعراف/ ١٨٧]، ﴿أَيَّانَ يَومُ الدِّينِ﴾ [الذاريات / ١٢] من قولهم: أيٌّ، وقيل: أصله: أيُّ أوان، أي: أيُّ وقتٍ، فحذف الألف ثم جعل الواو ياءً فأدغم فصار أيّان. و: وإيّا لفظ موضوع ليتوصل به إلى ضمير المنصوب أي - إي - أوى إذا انقطع عمّا يتصل به، وذلك يستعمل إذا تقدَّم الضمير، نحو: ﴿إِيَّاكَ نعبدُ ﴾ [الفاتحة / ٤] أو فُصل بينهما بمعطوف عليه أو بإلا، نحو: ﴿ نَرزقُهم وإِيَّكم ﴾ [الإِسراء / ٣١]، ﴿وقضىْ ربُّكَ أَلا تعبدُوا إِلا إِيّهُ ﴾ [الإسراء / ٢٣]. وإِيْ كلمة موضوعة لتحقيق كلامٍ متقدّم (٤)، نحو: ﴿إِيْ وربّي إِنَّه لَحقٌ﴾ [يونس / ٥٣]. ((أيا)) و ((أيْ)) و((أ) من حروف النداء، تقول: أيْ زيد، وأيا زيدٌ وأزيدُ. ٤ آني كلمة يُنَّه بها أنَّ ما يذكر بعدها شرح وتفسير لما قبلها. أوی المَأْوَى مصدر أَوِى يَأْوِي أُوِيَّاً ومَأْوى، تقول: أوى إلى كذا: انضمَّ إليه يأَوِي أُوِيًَّ ومأوىٍ، وآواه غيرهُ يُؤ ویه إِیواء. (١) وهذا قول الخليل، واختاره المبرد في المقتضب ٢٨٩/١. (٢) وهذا أصح الأقوال، وهو قول سيبوبه، انظر: الكتاب ٤ / ٣٩٨؛ والمسائل الحلبيات ص ٣٣٥. (٣) وفي هذا يقول العلامة سِيْدَنا بن الشيخ سيديَّ الكبير الشنقيطي: ما وزنُها من قبل ذا الإِعِلالِ في آيةٍ خِلفٌ على أقِوالِ وقيل: بل أَبِيَةٌ أو أَبِيَةْ قَصَّبةٍ وذا الخليل شهَّرَه فقيل: أَيَّةٌ وقيل: أَيَّيِهُ كتوبةٍ نَبِقَةٍ وَسَمُره وعندهم أنَّ المُعَلَّ الأول وقيل: بل آبِيَة كفاعلة كما همُ في غايةٍ قد جعلوا ((وحُذِفَ العينُ ولا مُوجَب له (٤) ولا تقع إلا قبل القسم. ١٠٣ الألف قال عزَّ وجلَّ : ﴿ إِذْ أَوىُ الفِتِيةُ إلى الكهفِ ﴾ [الكهف / ١٠]، وقال: ﴿سَآوي إلىْ جَبلٍ ﴾ [هود/ ٤٣]، وقال تعالى: ﴿آوى إِليه أَخَاهُ ﴾ [يوسف / ٦٩]، وقال: ﴿ تُؤْوِي إِليكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [الأحزاب / ٥١]، ﴿وَفَصيلتهِ التي تُؤويهِ ﴾ [المعارج / ١٣]، وقوله تعالى: ﴿جَنَّةُ المأوى﴾ [النجم / ١٥]، كقوله: ﴿دَارُ الخُلِدِ ﴾ [فصلت / ٢٨] في كون الدار مضافة إلى المصدر، وقوله تعالى: ﴿مَأواهم جهنمٌ ﴾ [آل عمران/ ١٩٧] اسم للمکان الذي یأوي إليه . وأَويتُ له: رحمته، أيَّاً وأيَّةً ومأوِيَةً، ومَاوِيَّةً(١). وتحقيقه: رجعت إليه بقلبي و﴿ آوى إليه أَخاهُ ﴾ [يوسف / ٦٩] أي: ضمَّه إلى نفسه. يقال: أواه وآواه. والماوية في قول حاتم طيىء: ٣٦ - أماوي إنَّ المالَ غادٍ ورائحُ(٢) المرآة، فقد قيل: هي من هذا الباب، فكأنها سميت بذلك لكونها مأوى الصورة. وقيل: هي منسوبة للماء، وأصلها مائية، فجعلت الهمزة واواً. ٤ الألفات التي تدخل لمعنى على ثلاثة أنواع: - نوعٍ في صدر الكلام. - ونوع في وسطه . - ونوعٍ في آخره(٣). فالذي في صدر الكلام أضرب: - الأوَّل: ألف الاستخبار، وتفسيره بالاستخبار أولى من تفسيره بالاستفهام، إذ كان ذلك يعمُّه وغيره نحو: الإِنكار والتبكيت والنفي والتسوية . فالاستفهام نحو قوله تعالى: ﴿أَتجعلُ فيها مَنْ يُفسد فيها﴾ [البقرة/ ٣٠]، والتبكيت إمَّا للمخاطَب أو لغيره نحو: طيِّباتكم اذهبتم [الأحقاف / ٢٠]، ﴿ أَتَّخِذْتُم عندَ اللَّهِ عَهْداً ﴾ [البقرة/ ٨٠]، ﴿آلآنَ وقد عَصيتَ قبلُ﴾ [يونس / ٩١]، ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ﴾ [آل عمران / ١٤٤]، ﴿أَفإِنْ متَّ فهمُ الخَالدونَ ﴾ [الأنبياء / ٣٤]، ﴿أَكانَ لِلنَّاسِ عَجباً﴾ [يونس / ٢]، ﴿الذَّكرينِ حرَّمَ أمِ الْأَنْثَيْنِ [الأنعام / ١٤٤]. والتسوية نحو: ﴿ سَواءٌ علينا أَجزِعْنَا أَمْ (١) انظر: الأفعال ١ / ١١٩، واللسان (أوى) ١٤/ ٥٣. (٢) هذا شطر بيت، وعجزه: ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذكرُ وهو في ديوانه ص ٥٠. (٣) وقد عدَّ الفيروزآبادي للألِف في القرآن ولغة العرب: أربعين وجهاً، راجع البصائر ٢ / ٥. وقال ابن خالويه: وهي تنقسم سبعة وسبعين قسماً. راجع: الألفات له ص ١٥. ١٠٤ الألف صبرْنا﴾ [إبراهيم / ٢١]، ﴿سَواءٌ عليهم أنذرتَهم أمْ لم تُنذرْهم لا يُؤمنونَ ﴾ [البقرة/ ٦](١)، وهذه الألف متى دخلت على الإِثبات تجعله نفياً، نحو: أُخرجَ؟ هذا اللفظ ينفي الخروج، فلهذا سأل عن إثباته نحو ما تقدَّم. وإذا دخلت على نفي تجعله إثباتاً؛ لأنه يصير معها نفياً يحصل منهما إثباتٌ، نحو: ﴿ أَلستُ بربِّكم ﴾ [الأعراف / ١٧٢](٢)، ﴿ أَليسَ اللَّهُ بأحكمِ الحاكِمينَ ﴾ [التين / ٨]، ﴿أولم يروا أنَّا نأتِي الأَرضَ ﴾ [الرعد / ٤١]، ﴿أولمْ تأتهم بَيِّنةُ﴾ [طه / ١٣٣] ﴿أولا يرونَ ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ﴿أولمْ نُعمّرْكم﴾ [فاطر / ٣٧]. - الثاني: ألف المخبر عن نفسه(٣)، نحو: أسمعُ وأُبصر. - الثالث: ألف الأمرِ، قطعاً كانَ أو وصلاً، نحو: ﴿ أَنزِلْ علينا مَائِدةً من السّماءِ ﴾ [المائدة/ ١١٤] ﴿ابنِ لي عندَكَ بيتاً في الجنَّةِ﴾ [التحريم / ١١] ونحوهما. - الرابع: الألف مع لام التعريف (٤)، نحو: العالمين . - الخامس: ألف النداء، نحو: أُزيدُ، أي : یا زید . والنوع الذي في الوسط: الألف التي للتثنية، والألف في بعض الجموع في نحو: مسلمات ونحو مساکین. والنوع الذي في آخره: ألف التأنيث في حبلى وبيضاء(٥)، وألف الضمير في التثنية، نحو: اذهبا . والذي في أواخر الآيات الجارية مجرى أواخر الأبيات، نحو: ﴿وتظنّونَ بِاللَّهِ الظُّنونا﴾ [الأحزاب / ١٠]، ﴿فَأَضلونا السَّبيلا﴾ [الأحزاب / ٦٧]، لكن هذه الألف لا تثبت معنىً، وإنما ذلك لإصلاح اللفظ. تمَّ كتابُ الألف (١) انظر: بصائر ذوي التمييز ٢ / ١٠. (٢) انظر: البصائر ٢ / ١٠ . (٣) انظر: بصائر ذوي التمييز ٢ / ٧. (٤) راجع: الألفات ص ٥١؛ والبصائر ٢ / ٩. (٥) انظر: البصائر ٨/٢. ١٠٥ كنات البَاء بتك البَنْكُ يقارب البتّ، لكنِ البتكُ يستعمل في قطع الأعضاء والشعر، يقال: بَتَكَ شعره وأُذْنَه. قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيُبِتُّكُنَّ آذانَ الأنعامِ ﴾ [النساء / ١١٩]، ومنه سيف باتك(١): قاطع للأعضاء، وبتَّكتُ الشَّعَر: تناولت قطعة منه، والبَّْكَةُ: القطعة المنجذبة، جمعها بِتَك، قال الشاعر: ٣٧ - طارَتْ وفي كفّهِ من ريشها بِتَكُ(٢) وأمَّا البتّ فيقال في قطع الحبل والوصل، ويقال: طُلِّقْتِ المرأة بتَّةً وَبَتْلَةً(٣)، وبتتُّ الحكم بينهما، وروي: ((لا صيامَ لَمَنْ لم يَبُثَّ الصومَ من الليل)) (٤). والبشك مثله، يقال في قطع الثوب، ويستعمل في الناقة السريعة، ناقةٌ بَشَكَى(٥)، وذلك لتشبيه يدها في السرعة بيد الناسجة في نحو قول الشاعر(٦): (١) انظر: أساس البلاغة ص ١٤. (٢) هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى، وصدره: حتى إذا ما هوت کفُّ الوليدِ لها وهو في ديوانه ص ٥٠؛ وأساس البلاغة ص ١٤؛ والمجمل ١١٥/١؛ والغريبين ١٣١/١؛ ومثلث البطليوسي ٣٠٦/٢. (٣) راجع اللسان (بتل) ١١ / ٤٢. (٤) الحديث أخرجه الدارقطني ٢ / ١٧٢ بلفظ: ((لم يُبيِّتْ)) وأخرجه أصحاب السنن وإسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وصوّب النسائي وقفه، وسيأتي الكلام عليه ثانية. انظر سنن النسائي ١٩٦/٤. (٥) انظر: المجمل ١ / ١٢٦. (٦) البيت للمسيب بن علس شاعر جاهلي، وهو خال الأعشى والبيت من مفضليته التي مطلعها: قبلَ العطاسِ ورُعْتَها بوداعِ أرحلْتَ من سلمى بغيرِ متاعٍ وهو في المفضليات ص ٦٢؛ وشرح المفضليات للتبريزي ١/ ٣١٣. ١٠٦ بتر ٣٨ - فعلَ السريعة بادرَتْ جُدَّادها قبلَ المساء تهمُّ بالإِسراعِ بتر البتر يقارب ما تقدَّم، لكن يُستعمل في قطع الذَّنب، ثم أُجْري قطع العَقب مجراه. فقيل: فلانٌ أَبترُ: إذا لم يكن له عقبٌ يخلفه، ورجل أَبتر وأُباتر: انقطع ذكره عن الخير ورجل أباتر: يقطع رحمه، وقيل على طريق التشبيه: خطبةٌ بتراء لما لم يُذكر فيها اسم الله تعالى. وذلك لقوله عليه السلام: ((كلُّ أَمٍ لا يُبدأُ فيه بذكْرِ اللَّهِ فهو أَبترُ»(١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شانئك هُوَ الأَبترُ﴾ [الكوثر / ٣] أي: المقطوع الذكر، وذلك أنهم زعموا أنَّ محمداً ◌َله ينقطع ذكره إذا انقطع عمره لفقدان نسله، فنبّه تعالى أنَّ الذي ينقطع ذكره هو الذي يشنؤه، فأمّا هو فكما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَرفَعْنَا لَكَ ذکرَكَ﴾ [الشرح / ٤] وذلك لجعله أباًّ للمؤمنين، وتقييض من يراعيه ويراعي ـتل دينه الحق، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين رضي اللَّه عنه بقوله: ((العلماء باقون ما بقي الدَّهر، أعيانُهم مفقودةٌ، وآثارُهم في القلوبِ موجودة))(٢) هذا في العلماء الذين هم تُبَّاع النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف هو وقد رفع الله عزَّ وجل ذكره، وجعله خاتم الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام؟! بتل قال تعالى: ﴿وَتَبتَّلْ إليه تَبتِيلاً ﴾ [المزمل/ ٨] أي: انقطع في العبادة وإخلاص النية انقطاعاً يختص به، وإلى هذا المعنى أشار بقوله عزَّ وجل: ﴿قلِ اللَّهُ ثمَّ ذرهُمْ ﴾ [الأنعام / ٩١] وليس هذا منافياً لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا رَهبانيةَ ولا تَبَثُّلَ فِي الإِسلام))(٣) فإنَّ التبتل ههنا هو الانقطاع عن النكاح، ومنه قيل لمريم : العذراء البتول، أي: المنقطعة عن الرجال (٤)، والانقطاع عن النكاح والرغبة عنه محظورٌ لقوله عزَّ وجل: ﴿وَأَنكِحُوا الأيامى منكم ﴾ [النور/ ٣٢]، (١) الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ ﴿: ((كل كلامٍ أو أمرٍ ذي بالٍ لا يُفتح بذكر الله عزّ وجلَّ فهو أبتر، أو قال: أقطع)) أخرجه أحمد في المسند ٣٥٩/٢. وابن ماجه ٦١٠/١، وحسَّنه النووي وابن الصلاح. (٢) انظر: شرح نهج البلاغة ٢ / ١٧٢ . (٣) قال ابن حجر في الفتح: لم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند الطبراني: ((إنَّ اللَّه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة))، وفي الحديث: نهى رسول الله عن التبتل أخرجه أحمد ١٧٥/١، وابن ماجه ٥٩٣/١. راجع فتح الباري ١١١/٩، وذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: ((ولا ترهُّبَ في الإِسلام)) ونسبه إلى عبد الرزاق عن طاوس مرسلاً. راجع شرح السنة ٢ / ٣٧١، وذكره البغوي ولم يعزه. (٤) راجع المجمل ١ / ١١٥؛ والغريبين ١/ ١٣٢؛ واللسان (بتل). ١٠٧ بث - بجس بحث وقوله عليه الصلاة والسلام: ((تَناكجُوا تكثُرُوا | الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار يُستعمل فيه وفيما يخرج من فإني أُباهي بكم الأممَ يومَ القيامةِ))(١). ونخلة مُبتِلة: إذا انفرد عنها صغيرة معها(٢). شيء واسع، ولذلك قال عزَّ وجل: ﴿فانبجَستْ منه اثنتا عشرةَ عيناً﴾ [الأعراف / ١٦٠]، وقال في موضع آخر: ﴿فانفجرَتْ منه اثنتا عشرةً عيناً﴾ [البقرة/ ٦٠]، فاستعمل حيث ضاق المخرج اللفظان(٣)، قال تعالى: ﴿وفجّرنا خلالَهما نَهراً﴾ [الكهف / ٣٣]، وقال: ﴿وَفَجَّرنا الأَرض عُيوناً ﴾ [القمر / ١٢] ولم يقل: بجسنا. بث أصل البث: التفريق وإثارة الشيء كبث الريح التراب، وبثّ النفس ما انطوت عليه من الغمّ والسِّرِّ، يقال: بَثْتُه فانبثَّ، ومنه قوله عزَّ وجل: ﴿ فكانَتْ هَباءً مُنبئاً ﴾ [الواقعة/ ٦]، وقوله عزَّ وجل: ﴿وَبِثَّ فيها من كُلِّ دابَّةٍ ﴾ [البقرة/ ١٦٤] إشارة إلى إيجاده تعالى مالم يكن موجوداً وإظهاره إياه. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ كالفَراشِ المبثَوَثِ ﴾ [القارعة / ٤] أي: المهيَّج بعد ركونه وخفائه. وقوله عزَّ وجل: ﴿ إِنَّما أشكو بتِّي وحُزني ﴾ [يوسف / ٨٦] أي: غمّي الذي أبُّه عن كتمان، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو بمعنى : غمّي الذي بثَّ فكري، نحو: توزَّعني الفكر، فيكون في معنى الفاعل. بحث البَحْثُ: الكشف والطلب، يقال: بحثتُ عن الأمر، وبحثتُ كذا، قال اللَّه تعالى: ﴿فبعثَ اللّهُ غُراباً يبحثُ في الأرضِ ﴾ [المائدة / ٣١]. وقيل: بحثَتِ الناقة الأرض برجلها في السير: إذا شددت الوطء تشبيهاً بذلك. بحر أصل البحر: كل مكان واسعٍ جامع للماء يقال: بَجَس الماء وانبجس: انفجر، لكن | الكثير، هذا هو الأصل، ثم اعتبر تارةً سعته بجس (١) الحديث أخرجه ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر، وإسناده ضعيف؛ وعبد الرزاق عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً، والبيهقي في المعرفة عن الشافعي أنه بلغه، وفيه زيادة: ((حتى بالسقط)). راجع تخريج أحاديث الإحياء في الإِحياء ٢ / ٢٢؛ والفتح الكبير ٢ / ٣٨؛ وفتح الباري ٩/ ١١١؛ ومصنف عبد الرزاق ١٧٣/٦. (٢) قال الأصمعي: المُبتل: ((النخلة يكون لها فسيلة قد انفردت واستغنت عن أمها، فيقال لتلك الفسيلة: البتول. (٣) قال أبو جعفر بن الزبير: إنّ الواقع في الأعراف طلب بني إسرائيل من موسى عليه السلام السقيا، والوارد في البقرة طلب موسى عليه السلام من ربّه، فطلبهم ابتداء فأشبه الابتداء، وطلب موسى غاية لطلبهم لأنه واقع بعده ومرتب عليه، فأشبه الابتداء الابتداء والغاية الغاية، فقيل جواباً لطلبهم فانبجست، وقيل إجابة لطلبه: فانفجرت، وتناسب على ذلك. وقال: الانبجاس: ابتداء الانفجار، والانفجار بعده غايةٌ له. راجع ملاك التأويل ١ / ٦٧ - ٦٨. ١٠٨ بحر المُعاينة، فيقال: بَحرْتُ كذا: أوسعتُه سعةً البحر، تشبيهاً به، ومنه: بَحرْتُ البعير: شققتُ أُذَنَه شقاً واسعاً، ومنه سميت البَحيرة. قال تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ من بحيرةٍ ﴾ [المائدة/ ١٠٣]، وذلك ما كانوا يجعلونه بالناقة إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها فيسيبونها، فلا تُركب ولا يحمل عليها، وسموا كلَّ متوسّعٍ في شيءٍ بحراً، حتى قالوا: فَرسُ بحر، باعتبار سعة جريه، وقال عليه الصلاة والسلام في فرسٍ ركبه: ((وجدتُه بحراً))(١) وللمتوسع في علمه بحرٌ، وقد تبخّر أي: توسع في كذا، والتبحر في العلم: التوسع واعتبر من البحر تارة ملوحته فقيل: ماء بحراني، أي: ملح، وقد أَبخر الماء. قال الشاعر: ٣٩ - وقد عاد ماءُ الأرض بحراًفزادني إلى مرضي أن أَبحرَ المشربُ العَذْبُ(٢) وقال بعضهم: البحر يقال في الأصل للماء الملح دون العذب(٣)، وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ بخل البحرين هذا عَذْبٌ فراتٌ وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ [الفرقان / ٥٣] إنما سمي العذب بحراً لكونه مع الملح، كما يقال للشمس والقمر: قمران، وقيل السحاب الذي كثر ماؤه: بنات بحر (٤). وقوله تعالى: ﴿ ظهرَ الفسادُ فِي البَرِّ والبحرِ ﴾ [الروم / ٤١] قيل: أراد في البوادي والأرياف لا فيما بين الماء، وقولهم: لقيته صَحْرةً بَحْرةً(٥)، أي: ظاهراً حيث لا بناء يستره. بخل البخل: إمساك المقتنيات عمّا لا يحق حبسها عنه، ويقابله الجود، يقال: بَخِل فهو بَاخِلٌ، وأمّا البخيل فالذي يكثر منه البُخل، كالرحيم من الراحم . والبُخل ضربان: بخل بِقُنياتٍ نفسه، وبخل بقنيات غيره، وهو أكثرها ذمّاً، دليلنا على ذلك قوله تعالى: ﴿الذينَ يبخلونَ ويَأْمُرُونَ النَّاسَ بالبُخلِ ﴾ [النساء / ٣٧]. (١) الحديث: كان فزع بالمدينة فاستعار النبيُّ ◌َار فرساً من أبي طلحة يقال له: المندوب. فركب، فلما رجع قال: ((ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحراً)) أخرجه البخاري في الجهاد ٦ / ٥٨؛ ومسلم في باب شجاعة النبي رقم ٢٣٠٧؛ وأحمد ٢ / ١٦٣. (٢) البيت لنصيب. وهو في الغريبين ١٤٠/١؛ والمجمل ١١٧/١؛ واللسان والتاج (بحر)؛ وشمس العلوم ١٣٥/١؛ وديوان الأدب ٢٩٤/٢. (٣) وهذا قول نفطويه، حيث قال: كل ماء ملح فهو بحر وقول الأموي كذا. راجع الغريبين ١/ ١٤٠، واللسان (بحر). (٤) ونقل هذا أيضاً الأزهري عن الليث، ثم قال الأزهري: وهذا تصحيف منكر، والصواب: بنات بخر. قال أبو عبيد عن الأصمعي: يقال لسحائب يأتين قبل الصيف منتصبات: بنات بخر، وبنات مخر بالباء والميم والخاء، فقد تصحفت على المؤلف. راجع: اللسان (بحر) ٤ / ٤٦. وقال ابن فارس: وبنات بخر: سحائب بيض تكون في الصيف. راجع المجمل ١١٧/١. (٥) انظر الأمثال ص ٣٧٧، ومجمع الأمثال ١٩٥/٢ . ١٠٩ بخس - بخع بخس البَخْس: نقص الشيء على سبيل الظلم، قال تعالى: ﴿وَهُمْ فيها لا يُبَخَسون ﴾ [هود/ ١٥]، وقال تعالى: ﴿ وَلا تبخسُوا النَّاسَ أَشياءَهُمْ﴾ [الأعراف / ٨٥]، والبَخْس والباخس: الشيء الطفيف الناقص، وقوله تعالى: ﴿وَشَروهُ بَثَمنٍ بَخْسٍ ﴾ [يوسف / ٢٠] قيل: معناه: باخس، أي: ناقص، وقيل: مبخوس أي: منقوص، ويقال: تباخسوا أي: تناقصوا وتغابنوا فبخس بعضهم بعضاً. بخع البَخْع: قتل النفس غمّاً، قال تعالى: فلعلَّكَ باخعُ نفسَكَ ﴾ [الكهف / ٦] حثٌّ على ترك التأسف، نحو: ﴿فلا تَذهبْ نفسُكَ عليهم حَسراتٍ﴾ [فاطر / ٨]. قال الشاعر: ٤٠ - ألا أيهذا الباخعُ الوجد نفسَه (١) وبخع فلان بالطاعة وبما عليه من الحق: إذا أقرَّ به وأذعن مع كراهة شديدة تجري مجرى بخع نفسه في شدته. بدر بدر قال تعالى: ﴿ولا تأكلُوها إِسَرافاً وبِدارَاً ﴾ [النساء / ٦] أي: مسارعةً، يقال: بَدْتُ إليه وبَادرْتُ، ويعبّر عن الخطأ الذي يقع عن حِدَّةٍ: بَادِرةٍ(٢). يقال: كانت من فلان بوادر في هذا الأمر، والبَدْرُ قيل سُمِّيَ بذلك لمبادرته الشمس بالطلوع، وقيل: لامتلائه تشبيهاً بالبدرة(٣)، فعلى ما قيل يكون مصدراً في معنى الفاعل، والأقرب عندي أن يجعل البدر أصلاً في الباب، ثم تعتبر معانيه التي تظهر منه، فيقال تارةً: بَدرَ كذا، أي: طلع طلوع البدر، ويعتبر امتلاؤه تارةً فشُبِّه البَدرة به . والبَيْدَرُ: المكان المرشح لجمع الغلَّة فيه وملئه منه لامتلائه من الطعام. قال تعالى: ﴿وَلقَدْ نَصركم اللهُبِبدرٍ ﴾ [آل عمران/ ١٢٣]، وهو موضع مخصوص بين مكة والمدينة . بدع الإِبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاءٍ واقتداء، ومنه قيل: ركيّة بديع أي: جديدة الحفر(٤)، وإذا استُعمل في اللّه تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة (١) الشطر لذي الرّمة، وتتمته: بشيءٍ نحتْهُ عن يديك المقادرُ وهو في ديوانه ص ٣٣٨، ولسان العرب (بخع). (٢) قال ابن منظور: والبادرة: الحِدَّة، وهو ما يبدر من حدّة الرجل عند غضبه من قول أو فعل. (٣) البدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم، سميت ببدرة السخلة. (٤) انظر: اللسان (بدع). ١١٠ بدع ولا مادّة ولا زمان ولا مكان، وليس ذلك إلا لله((١) والبديع يقال للمُبدِع(٢)، نحو قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمواتِ والأرضِ ﴾ [البقرة/ ١١٧]، ويقال للمُبدَع نحو: ركيّة بديع، وكذلك البدع يقال لهما جميعاً بمعنى الفاعل والمفعول، وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما كنتُ بِدْعاً من الرُّسل﴾ [الأحقاف / ٩] قيل: معناه: مبدعاً لم يتقدّمني رسولٌ، وقيل: مُبدِعاً فيما أقوله. والبِدْعُ في المذهب: إيراد قولٍ لم يستنَّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المُتقنة، وروي: ((كلُّ مُحدَّثَّةٍ بدعةٌ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلُّ ضَلالةٍ في النَّار))(٣). والإِبداعُ بالرَّجُل: الانقطاع به لما ظهر من كلالٍ راحلته وهُزالها(٤). بدل الإِبْدَالُ والتَّبديلُ والتَبدُلُ والاستبدال: جعلُ شيء مكان آخر، وهو أعمُّ من العوض، فإنَّ العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول، بدل والتبديل قد يقال للتغيير مطلقاً وإنْ لم يأت ببدله، قال تعالى: ﴿فبدَّلَ الذينَ ظلمُوا قَولا غير الذي قيلَ لهم ﴾ [البقرة / ٥٩]، ﴿وَلَيُبدلنّهم من بعدِ خَوفِهِم أَمْناً ﴾ [النور / ٥٥] وقال تعالى: ﴿فأُولئكَ يُبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهِم حسنَاتٍ﴾ [الفرقان / ٧٠] قيل: أن يعملوا أعمالاً صالحة تبطل ما قدّموه من الإِساءة، وقيل: هو أن يعفو تعالى عن سيئاتهم ويحتسب بحسناتهم(٥). وقال تعالى: ﴿فَمِنْ بِدَّلهُ بعدَ ما سمعَهُ﴾ [البقرة/ ١٨١]، ﴿وإذا بدَّلْنا آيَةً مكانَ آيَةٍ ﴾ [النحل / ١٠١]، ﴿وبدَّلناهُمْ بجنَّتَيْهِم جَنَّتِينِ ﴾ [سبأ/ ١٦]، ﴿ثُمَّ بَدَّلنَا مكانَ السَّيئةِ الحسنَةَ﴾ [الأعراف / ٩٥]، ﴿يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ ﴾ [إبراهيم / ٤٨] أي: تُغيّر عن حالها، ﴿أَنْ يُبدِّل دينكم﴾ [غافر / ٢٦]، ﴿ومَنْ يَتبدَّلِ الكفرَ بالإِيمان﴾ [البقرة/ ١٠٨]، ﴿وإنْ تتولَّوا يَستبدلْ قوماً غيرَكم﴾ [محمد / ٣٨]، وقوله: ﴿ مَا يُبدَّلُ القولُ لديَّ﴾ [ق / ٢٩] أي: لا يُغيِّر ما سبق في اللوح المحفوظ، تنبيهاً على أنَّ ما علمه أن سيكون يكون على ما قد علمه لا يتغيّر (١) راجع: الأسماء والصفات للبيهقي ص ٤٠. (٢) انظر: المدخل لعلم التفسير ص ٢٣٧ . (٣) الحديث في مسلم، وروايته: ((وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) فقط. ورقمه ٨٦٧ في كتاب الجمعة. والحديث برواية المؤلف أخرجه النسائي ١٨٩/٣ عن جابر بن عبد اللّه؛ وأخرجه أحمد في المسند ١٢٦/٤ دون زيادة ((وكل ضلالة في النار)). (٤) قال في اللسان: وأبدع به: كلَّت راحلته أو عطبت، وبقي منقطعاً به وقسِر عليه ظهره. (٥) راجع الدر المنثور ٦ / ٢٨٠. ١١١ بدن عن حاله. وقيل: لا يقع في قوله خُلف. وعلى الوجهين قوله تعالى: ﴿ لا تَبديلَ لكلماتِ اللَّهِ ﴾ [يونس / ٦٤]، ﴿لا تبديلَ لخَلقِ اللَّهِ ﴾ [الروم / ٣٠] قيل: معناه أمرٌ وهو نهيٌ عن الخصاء. والأبدال: قوم صالحون يجعلهم الله مكان آخرين مثلهم ماضين(١). وحقيقته: هم الذين بدلوا أحوالهم الذميمة بأحوالهم الحميدة، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ أُولئكَ يُبدِّلُ اللَّهُ سَيْئاتهم حَسناتٍ ﴾ [الفرقان / ٧٠]. والبأَدَلة: ما بين العنق إلى الترقوة، والجمع: البادل(٢)، قال الشاعر: ٤١ - ولا رَهِلٌ لّاتُهُ وبِآدِلِهُ(٣) بدن البدَنُ: الجسد، لكن البدن يقال اعتباراً بعظم الجثة، والجسد يقال اعتباراً باللون، ومنه قيل: ثوبٌ مجسّد، ومنه قيل: امرأة بَادِنٌ وَبدينٌ: عظيمة البدن، وسميت البَدَنة بذلك لسمنها يقال: بَدَنَ إذا سَمِن، وبَدَّنَ كذلك، وقيل: بل بَدَّن إذا أسنّ(٤ ◌َ (٤)، وأنشد: ٤٢ - وكنتُ خِلتُ الشَّيبَ والتَّبدينا(٥) وعلى ذلك ما روي عن النبيّ عليه الصلاة والسلام: ((لا تُبادروني بالرُّكوعِ والسُّجودِ فإني قد بَدَّنْتُ))(٦) أي: كبرت وأسننت، وقوله تعالى: ﴿ فاليومَ نُنجِّيك ببدِنِكَ ﴾ [يونس / ٩٢] أي: بجسدك، وقيل: يعني بدرعك، فقد يسمى (١) وقد أنكر بعض الناس وجودهم، وللسيوطي رسالة في ذلك ذكر الأحاديث والأخبار الدالة على ذلك. راجع: الحاوي للفتاوي ٢ / ٢٤١ . (٢) انظر: اللسان (بدل). (٣) هذا عجز بيت ينسب للعُجير السلولي وينسب لأم يزيد بن الطثرية، وشطره: فتىِّ قُدَّ قَدَّ السيفِ لا متضافل وهو في اللسان (بدل) بلا نسبة؛ والمجمل ١١٩/١؛ وشمس العلوم ١٤١/١؛ والخصائص ٧٩/١؛ وشرح الحماسة ٤٦/٣. (٤) انظر: المجمل ١ / ١١٩. (٥) الشطر يُنسب لحميد الأرقط وينسب للكميت، وعجزه: والهمَّ ممَّا يُذهِل القرينا وهو في شعر الكميت ١٩/٢؛ واللسان (بدن)؛ والتاج (بدن)؛ والمجمل ١١٩/١؛ والمشوف المعلم ٩٥/١؛ وشمس العلوم ١٤٣/١ . (٦) الحديث عن معاوية عن النبي وسلم قال: ((لا تُبادروني بالركوع والسجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني إذا رفعت، فإني قد بدَّنتُ))، ويروى ((بَدُنت)) الحديث حسن وقد أخرجه أحمد ٤ / ٩٢، وأبو داود (٦١٩)؛ وابن ماجه (٩٦٣)؛ وأخرجه ابن حبان (انظر: الإِحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ٣ / ٣٢٣). راجع شرح السنة ٣/ ٤١٥. ١١٢ بدا الدرع بدنة لکونها على البدن، كما يسمى موضع اليد من القميص يداً، وموضع الظهر والبطن ظهراً وبطناً، وقوله تعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لكم من شَعائرِ اللَّهِ﴾ [الحج / ٣٦] هو جمع البَدنة التي تُهدى. بدا بَدا الشيء بُدوَّأَ وَبداءً أي: ظهر ظهوراً بَيْناً، قال الله تعالى: ﴿وَبَدا لهم من اللَّهِ مَا لَمْ يكونُوا يَحتسِبون﴾ [الزمر / ٤٧]، ﴿ وبدَا لهم سيئاتُ ما كسبُوا﴾ [الزمر / ٤٨]، ﴿فبدَتْ لهما سَواتُهما ﴾ [طه / ١٢١]. والبدو: خلاف الحضر، قال تعالى: ﴿وَجاءَ بكم من البَدْوِ ﴾ [يوسف / ١٠٠] أي: البادية، وهي كلُّ مكانٍ يبدو ما يَعِنُّ فيه، أي: يعرض، ويقال للمقيم بالبادية: بَادٍ، كقوله تعالى: ﴿ سَواءٌ العاكفُ فيه والبادٍ ﴾ [الحج / ٢٥]، ﴿لو أَنَّهِم بَادُون في الأعرابِ﴾ [الأحزاب/ ٢٠ ]. بدأ يقال: بَدأتُ بكذا وأبدأْتُ وابتدأْتُ، أي: قدَّمتُ، والبَدْءُ والابتداء: تقديم الشيء على غيره ضرباً من التقديم. قال تعالى: ﴿وبدأُ خلقَ بدأ الإِنسانِ من طينٍ ﴾ [السجدة / ٧]، وقال تعالى: ﴿كيفَ بدأ الخلقَ﴾ [العنكبوت / ٢٠]، ﴿اللَّهُ يبدأ الخلقَ ﴾ [يونس / ٣٤]، ﴿ كما بدأكم تعودُونَ ﴾ [الأعراف / ٢٩]. ومَبدأ الشيء: هو الذي منه يتركب، أو منه يكون، فالحروف مبدأ الكلام، والخشب مبدأ الباب والسرير، والنواة مبدأ النخل، يقال للسيد الذي يُبدأ به إذا عُدَّ السادات: بَدء. واللَّه هو المُبدىء المُعيد(١)، أي: هو السبب في المبدأ والنهاية، ويقال: رجع عَودَه على بَدْئِهِ، وفعل ذلك عَائِداً وَبادِثاً، ومُعِيداً ومُبدِئاً، وأبدأْتُ من أرض كذا، أي: ابتدأتُ منها بالخروج، وقوله تعالى : ﴿ بادىء الرأي ﴾ [هود/ ٢٧](٢) أي: ما يبدأ من الرأي، وهو الرأي الفطير، وقُرىء: ﴿باديَ﴾(٣) بغير همزة، أي: الذي يظهر من الرأي ولم يُروَّ فيه، وشيءٌ بَدِيءٌ: لم يُعهد من قبل كالبديع في كونه غير معمول قبلُ. والبُدْأَة: النصيب المُبدأ به في القسمة (٤)، ومنه قيل لكل قطعة من اللحم عظيمة: بدء(٥). بذر التبذير: التفريق، وأصله إلقاء البذر وطرحه، (١) انظر: الأسماء والصفات ص ٩٥؛ والمقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للغزالي ص ١٠١ . (٢) وهذه قراءة أبي عمرو بن العلاء. (٣) وهي قراءة الجميع إلا أبا عمرو. راجع: الإتحاف ص ٢٥٥. (٤) انظر: المجمل ١١٩/١. (٥) والصحيح أن البدء خير عظم الجزور. اللسان: بدأ. ١١٣ بذر - برَّ فاستعير لكلّ مُضيِّع لمالِهِ، فتبذير البذر: تضييعٌ في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يُلقيه. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبِذِّرِينَ كانُوا إِخوانَ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الإسراء / ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبذيراً ﴾ [الإسراء / ٢٦]. 13 بر البَرّ خلاف البحر، وتُصوِّر منه التوسع فاشتق منه البِرّ، أي: التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارةً نحو: ﴿إِنَّهُ هُوَ البُرُّ الرحيمِ ﴾ [الطور / ٢٨]، وإلى العبد تارة، فيقال: برَّ العبد ربه، أي: توسَّع في طاعته، فمن اللَّهِ تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وذلك ضربان : ضرب في الاعتقاد. وضربٌ في الأعمال، وقد اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿ ليسَ البِرَّ أَنْ تُولُوا وُجوهَكم ﴾ [البقرة/ ١٧٧] وعلى هذا ما روي ((أنه سئل عليه الصلاة والسلام عن البِرّ، فتلا هذه الآية))(١). فإنَّ الآية متضمنة للاعتقاد والأعمال الفرائض | والنوافل. وبرّ الوالدين: التوسع في الإِحسان إليهما، وضده العقوق، قال تعالى: ﴿ لا ينهاكم اللَّهُ عن الذينَ لم يُقاتلوكم في الدّينِ ولم يُخرجوكم من ديارِكم أَنْ تَبرُّوهم ﴾ [الممتحنة / ٨]، ويستعمل البِرّ في الصدق لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: برَّ في قوله، وبرَّ في يمينه، وقول الشاعر: ٤٣ - أكون مكانَ البِرّ منه(٢) قيل: أراد به الفؤاد، وليس كذلك، بل أراد ما تقدَّم، أي: يحبّني محبة البر. ويقال: بَرَّ أباه فهو بارِّ وبَرِّ مثل: صَائفٍ وصَيْف، وطَائف وطَيْف، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَرَأَ بِوالدتي﴾ [مريم/ ٣٢]. وبرَّ في يمنيه فهو بارِّ، وأبرزْتُه، وبرَّتْ يميني، وحجّ مبرور أي: مقبول، وجمع البارّ: أَبرار وبَرَرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار لفي نعيمٍ ﴾ [الانفطار/ ١٣]، وقال: ﴿ كلّ إِنَّ كتابَ الأبرارِ لفي عِلَيِّين﴾ [المطففين / ١٨]، وقال في صفة الملائكة: ﴿ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس / ١٦]. (١) الحديث أخرجه ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذرٍ أنه سأل رسول اللَّه عن الإِيمان فتلا ﴿ ليس البرَّ ... ﴾ حتى فرغ منها ثم سأله أيضاً فتلاها، ثم سألهُ فتلاها، وقال: ((وإذا عملت حسنة أحبَّها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك)) انظر: الدر المنثور ١ / ٤١٠؛ والمستدرك ٢٧٢/٢. (٢) الشطر لخداش بن زهير وهو بتمامه: أكون مكانَ البِرّ منه ودونه وأجعل مالي دونه وأوامره وهو في تاج العروس (برّ)؛ والمجمل ١١٢/١؛ واللسان (برر)؛ وليس في شعره، وذكر جامع ديوانه بيتاً له من نفس القافية والبحر؛ وهو في شمس العلوم ١٢٣/١. ١١٤ برج فبرَرةٌ خُصّ بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من أبرار(١)، فإنه جمع بَرّ، وأبرار جمع بَار، وبَرَّ أبلغ من بارّ، كما أنَّ عَدْلًا أبلغ من عادل. والبُرّ معروف، وتسميته بذلك لكونه أوسع ما يحتاج إليه في الغذاء، والبَرير خُصّ بثمر الأراك ونحوه، وقولهم: لا يعرف الهِرَّ من البِرِّ (٢)، من هذا. وقيل: هما حكايتا الصوت. والصحيح أنَّ معناه لا يعرف مَنْ يبرُّه ومَنْ يسيء إليه . والبربرة: كثرة الكلام، وذلك حكاية صوته . برج البروج: القصور، الواحد: بُرج، وبه سمّي بروج السماء لمنازلها المختصة بها، قال تعالى : ﴿والسَّماءِ ذاتِ الْبُروجِ﴾ [البروج / ١]، وقال تعالى: ﴿تبارك الذي جعلَ في السماءِ بروجاً ﴾ [الفرقان / ٦١]، وقوله تعالى: ﴿ولو كنتُم في بروجٍ مشيدةٍ ﴾ [النساء / ٧٨] يصح أن يراد بها بروج في الأرض، وأن يراد بها بروج النجم، ويكون استعمال لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة، وتكون الإِشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير: ٤٤ - ومَنْ هابَ أسبابَ المنايا ينْنَهُ ولو نالَ أسبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ(٣) برح. وأن يكون البروج في الأرض، وتكون الإِشارة إلى ما قال الآخر: ٤٥ ۔ ولو كنتُ في غمدانَ یحرسُ بابَه أراجيلُ أحبوشٍ وأسودُ آلف ٤٦ - إذاً لأتتني حيث كنتُ منّتي يخبُّ بها هَادٍ لِإِثْريَ قائفُ (٤) وثوبٌ مُبرَّج: صُوِّرت عليه بروج، وَاعتُبر حسنه، فقيل: تَبَرَّجت المرأة أي : تشبَّهَت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها، أي : قصرها، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقْنَ في بُيُوتِكِنَّ وَلا تَبَرجْنَ تبرُّجَ الجاهلية الأولى ﴾ [الأحزاب / ٣٣]، وقوله: ﴿ غيرَ متبرِّجَاتٍ بزينةٍ ﴾ [النور / ٦٠]، والبَرَجُ: سعة العين وحسنها تشبيهاً بالبرج في الأمرين. برح البَرَاح: المكان المتسع الظاهر الذي لا بناء فيه ولا شجر، فيعتبر تارةً ظهوره فيقال: فعل كذا بَرَاحاً، أي: صُرَاحاً لا يستره شيء، وبَرِح الخفاء: ظهر، كأنه حصل في براحٍ يُرى(٥)، ومنه: بَرَاح الدار، وبَرِحَ: ذهب في البراح، ومنه: البارح للريح الشديدة، والبارح من الظباء والطير، لكن خصَّ البارح بما ينحرف عن الرامي (١) راجع: الإِتقان للسيوطي ١ / ٢٥٣؛ والبرهان للزركشي ٤/ ١٨. (٢) انظر مجمع الأمثال ٢٦٩/٢. (٣) البيت من معلقته، وهو في ديوانه ص ٨٧؛ وشرح المعلقات ١ / ١٢٢. (٤) البيتان لثعلبة بن حزن العبدي، وهما في حماسة البحتري الباب ٥٢؛ والبصائر ٢٣٤/٢؛ وتفسير الراغب ورقة ٢٧٩، وعمدة الحفاظ، مادة: برج. (٥) انظر: البصائر ٢٣٦/٢، والأمثال ص ٦٠، والمستقصى ٧/٢. ١١٥ برد إلى جهة لا يمكنه فيها الرمي فيتشاءم به، وجمعه بَوارح، وخصَّ السَّانح بالمقبل من جهة يمكن رميه، ويُتيِمَّن به، والبارحة: الليلة الماضية، وما بَرِحَ: ثبتَ في البراح، ومنه قوله عزَّ وجل: ﴿ لا أبرحُ﴾ [الكهف / ٦٠]، وخُصَّ بالإِثبات، كقولهم: لا أزال؛ لأنَّ بَرِح وزالَ اقتضيا معنى النفي، و((لا)) للنفي، والنفيان يحصل من اجتماعهما إثبات، وعلى ذلك قوله عزَّ وجل : ﴿لَنْ نِبرِحَ عليه عَاكِفِينَ﴾ [طه / ٩١]، وقال تعالى: ﴿لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مجمعَ البحرينِ ﴾ [الكهف / ٦٠]، ولمَّا تصوّر من البارح معنى التشاؤم اشتق منه التبريح والتباريح فقيل: بَرَّح بي الأمر، وبرَّح بي فلانٌ في التقاضي، وضربه ضرباً مُبرِّحاً، وجاء فلانٌ بالبَرح، و: ٤٧ - أَبرْتَ ربَّاً وأبرحْتَ جاراً(١) أي: أكرمت، وقيل للرامي إذا أخطأ: برحى (٢) دعاءاً عليه، وإذا أصاب: مرحى، دعاءاً له، ولقيتُ منه البرَحينَ(٣) والبُرَحَاء، أي: الشدائد، وبُرَحَاء الحمّى: شدتها . برد أصل البرد خلاف الحر، فتارة يعتبر ذاته فيقال: بَرَدَ كذا، أي: اكتسب برداً، وبَردَ الماء كذا، أي: أكسبه برداً، نحو: ٤٨ - ستُبردُ أكباداً وتُبكي بواكيا (٤) ويقال: بَّدَه أيضاً، وقيل: قد جاء أَبرَدَ ، وليس بصحيح(٥)، ومنه البرَّادة لما يبرِّد الماء، ويقال: بَرَد كذا، إذا ثبت(٦) ثبوت البرد، واختصاص الثُبُوت بالبرد كاختصاص الحرارة بالحرّ، فيقال: بَرَد كذا، أي: ثبت، كما يقال: بَرَد عليه دَيْنٌ. قال الشاعر: ٤٩ - اليومُ يومٌ باردٌ سَمومُهْ(٧) وقال الآخر: (١) هذا عجز بيت للأعشى وصدره: تقول ابنتي حين جدَّ الرحيل وهو في ديوانه ص ٨٢؛ والأفعال ٨٢/٤؛ وجمهرة اللغة ٢١٨/١؛ والمجمل ١٢٣/١؛ وديوان الأدب ٢٨٨/٢. (٢) انظر: المجمل ١ / ١٢٣. (٣) البرحين: مثلَّثة الباء، أي: الدواهي والشدائد، وانظر المستقصى ١٨٤/٢. (٤) هذا عجز بيت لمالك بن الريب، وصدره: وعطِّلْ قلوصي في الركاب فإنها وهو في المجمل ١ / ١٢٤؛ واللسان (برد)؛ وأساس البلاغة ص ١٩؛ وشمس العلوم ١ / ١٥٢. (٥) قال ابن منظور: ولا يقال أبردته إلا في لغة رديئة. (٦) انظر: الأفعال ٤ / ٧٩. (٧) هذا شطر بيت وعجزه: مَنْ جَزِعَ اليوم فلا تلومُهْ ١١٦ = برد ٥٠ -.... قد بردَ المو تُ على مصطلاهُ أيَّ برودٍ(١) أي: ثبت، يقال: لم يبرد بيدي شيء، أي : لم يثبت، وبرَدَ الإِنسان: مات. وبردَه: قتله، ومنه: السيوف البوارد، وذلك لما يعرض للميت من عدم الحرارة بفقدان الروح، أو لما يعرض له من السكون، وقولهم للنوم: بَرْد، إمَّا لما يعرض عليه من البرد في ظاهر جلده، أو لما يعرض له من السكون، وقد علم أنَّ النوم من جنس الموت لقوله عزَّ وجلّ: ﴿اللَّهُ يتوفّى الْأَنفُسَ حينَ موتِها والتي لم تمتْ في مَنامِها ﴾ [الزمر / ٤٢]، وقال: ﴿ لا يذوقُونَ فِيها بَرْداً ولا شَراباً ﴾ [النبأ / ٢٤] أي: نوماً. وعيشٌ باردٌ، أي: طيِّب، اعتباراً بما يجد الإِنسان في اللذة في الحرّ من البرد، أو بما يجد من السكون . والأَبْرَدان: الغداة والعشي؛ لكونهما أبرد الأوقات في النهار، والبَرَدُ: ما يبرد من المطر في الهواء فيصلب، وبَرِدَ السحاب (٢): اختصَّ بالبَرَد، وسحابٌ أَبرد وبَرِد: ذو برد، قال الله تعالى: ﴿ويُنزِّلُ من السَّماءِ من جبالٍ فيها من بَرَدٍ ﴾ [النور / ٤٣]. والبرديّ: نبت ينسب إلى البَرْد لكونه نابتاً به، وقيل: ((أصلُ كلِّ داءِ البَرَدَة))(٣) أي: التخمة، وسميت بذلك لكونها عارضة من البرودة الطبيعية التي تعجز عن الهضم. والبُرُود يقال لما يُبَرَد به، ولما يَبْرُد، فيكون تارةً فَعولاً في معنى فاعل، وتارة في معنى مفعول، نحو: ماءٌ بَرودٌ، وثَغرٌ بَرودٌ، كقولهم للكحل: بُرُود. وبَردْتُ الحديد: سَحْتُه، من قولهم: بَرَدْتُه، أي: قتلته، والبُرَادة ما يسقط، والمِبْرَد: الآلة التي يبرد بها. والْبُرُد في الطرق جمع البريد، وهم الذين يلزم كل واحدٍ منهم موضعاً منه معلوماً، ثم اعتبر فعله في تصرّفه في المكان المخصوص به، فقيل = ولم يُنسب، وهو في اللسان (برد)؛ والمجمل ١٠٤/١؛ والأفعال ٧٩/٤؛ والجمهرة ٢٤٠/١؛ وتهذيب اللغة ١٠٥/١٣. (١) البيت تمامه : بارزٌ ناجذاه قد بردَ المو ت على مصطلاه أيَّ برود وهو لأبي زبيد الطائي في اللسان (برد)؛ وديوانه ص ٥٩٤؛ وأمالي اليزيدي ص ٩؛ وتهذيب اللغة ١٤ /١٠٥؛ والمعاني الكبير ٨٥٩/٢؛ ونظام الغريب ص ١٣ . (٢) قال ابن مالك : وبَرَدَافتحْ إن ذكرتَ المِبْرَدا وبَرِدَ المُزنُ أَقَّلَ البَرَدا (٣) الحديث ضعيف، أخرجه أبو نعيم والمستغفري والدارقطني في العلل بسند فيه تمام بن نجيح، ضعفه الدارقطني ووثقه ابن معين وغيره، عن أنسٍ رفعه. ولأبي نعيم أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً مثله، ومن حديث عمر بن الحارث عن أبي سعيد رفعه: ((أصل كل داء البردة)) ومفرداتها ضعيفة . وقال الدارقطني كغيره: الأشبه بالصواب أنه من قول الحسن البصري، وحكاه في الفائق من كلام ابن مسعود. راجع: كشف الخفاء ١ / ١٣٢؛ والفائق ١١ / ١٠٢. ١١٧ برز لكلّ سريع: هو يَبْرُد، وقيل لجناحي الطائر: بريداه، اعتباراً بأنَّ ذلك منه يجري مجرى البريد من الناس في كونه متصرفاً في طريقه، وذلك فرع على فرع حسب ما يبيّن في أصول الاشتقاق . برز البراز: الفضاء، وبرز: حصل في براز، وذلك إمّا أن يظهر بذاته نحو: ﴿وترى الأرضَ بارزةً ﴾ [الكهف / ٤٧] تنبيهاً أنه تبطل فيها الأبنية وسكَّاتها، ومنه: المبارزة للقتال، وهي الظهور من الصف، قال تعالى: ﴿لَبرزَ الذين كُتِبَ عليهم القتلُ ﴾ [آل عمران / ١٥٤]، وقال عزَّ وجل: ﴿ولمَّا برزُوا لجالوتَ وَجُنودِهِ﴾ [البقرة / ٢٥٠]؛ وإمَّا أن يظهر بفضله، وهو أن يسبق في فعلٍ محمود؛ وإمّا أن ينكشف عنه ما كان مستوراً منه، ومنه قوله تعالى: ﴿وبرزُوا اللَّهِ الواحدِ القَهَارِ ﴾ [إبراهيم / ٤٨]، وقال تعالى: ﴿ يومَ هُمْ بارزُون﴾ [غافر / ١٦]، وقوله: عزَّ وجلَّ: ﴿وبُرِّزتِ الجحيمُ للغاوينَ ﴾ [الشعراء/ ٩١] تنبيهاً أنهم يعرضون عليها، ويقال: تبرَّز فلان، كنايةٌ عن التغوّط(١). وامرأة برْزة(٢)؛ برزخ - برص عفيفة؛ لأنَّ رفعتها بالعفة، لا أنَّ اللفظة اقتضت ذلك. برزخ البرزخ: الحاجز والحدُّ بين الشيئين، وقيل: أصله برزه فعُرِّبَ، وقوله تعالى: ﴿ بينَهما بَرَزِخٌ لا يَبغيانِ﴾ [الرحمن / ٢٠]، والبرزخ في القيامة: الحائل بين الإِنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إشارة إلى العَقبة المذكورة في قوله عزَّ وجل: ﴿فَلا اقتحمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد / ١١]، قال تعالى: ﴿ومن ورائِهِم بَرْزخٌ إلى يَومٍ يُبعثونَ ﴾ [المؤمنون/ ١٠٠]، وتلك العقبة موانعُ من أحوالٍ لا يصل إليها إلا الصالحون. وقيل: البرزخ ما بين الموت إلى القيامة. برص البَرَص معروف، وقيل للقمر: أبرص، للنكتة التي عليه، وسَامٌ أبَرَص(٣)، سمّي بذلك تشبيهاً بِالْبَرَص، والبريصُ: الذي يلمع لمعان الأبرص، ويقارب البصيص (٤)، بصَّ يبُصُ: إذا برق. برق البرق: لمعان السحاب، قال تعالى: ﴿فيه ظُلماتٌ وَرَعدٌ وبَرْقٌ ﴾ [البقرة/ ١٩]. يقال: (١) انظر: الفائق ١ / ٩٢. (٢) انظر: الأفعال ٤ / ١١٨. (٣) وهو من كبار الوزغ، وهما اسمان جعلا واحداً، راجع: حياة الحيوان ١ / ٥٤٢. (٤) انظر: أساس البلاغة ص ٢٠، ولم ترد هذه المادة في القرآن. ١١٨ برق بَرِقَ وَأَبَرَق(١)، وبَرَقَ يقال في كل ما يلمع، نحو: سيفٌ بارِق، وبَرَق وَبِرِق يقال في العين إذا اضطربت وحالت من خوف قال عزَّ وجل: ﴿ فإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة / ٧]، وقرىء: (بَرَق)(٢)، وتُصوَّر منه تارةً اختلاف اللون فقيل البُرْقة للأرض ذات حجارة مختلفةِ الألوان، والأبرق: الجبل فيه سواد وبياض، وسمّوا العين برقاء لذلك، وناقة بَرُوق: تلمع بذنبها، والبُرُوقة : شجرة تخضرُّ إذا رأت السحاب، وهي التي يقال فيها: أَشكرُ من بَرُوقَةِ(٣). وبَرَقَ طعامه بزيتٍ: إذا جعل فيه قليلاً يلمع منه، والبَارِقة والأبيرق: السيفُ، لِلَمعانِهِ، والبُراق، قيل: هو دابةٌ ركبها النبيّ ◌َّ لَمَّا عُرج به، والله أعلم بكيفيته، والإِبْرِيق معروف، وتصوِّر من البرق ما يظهر من تجويفه، وقيل: بَرَقَ فلان وَرَعد، وأَبرقَ وأرعدَ: إذا تهدّد. برك أصل البَرْك صدر البعير وإن استعمل في غيره، ويقال له: بِرْكة، وبَرَكَ البعير: ألقىْ بَرْكه، واعتبر منه معنى اللزوم، فقيل: ابتركوا في الحرب، أي: ثبتوا ولازموا موضع الحرب، وبَراكاء الحرب وبَرُوكَاؤها للمكان الذي يلزمه برك الأبطال، وابتركت الدابة: وقفت وقوفاً كالبُروك، وسمّي محبس الماء بِرْكَة، والبرَكة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء. قال تعالى: ﴿لَفَتَحنا عليهم بركاتٍ من السَّماءِ والأَرَضِ ﴾ [الأعراف / ٩٦]، وسمِّي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة . والمُبارك: ما فيه ذلك الخير، على ذلك: وهذا ذِكرٌ مباركٌ أنزلناه ﴾ [الأنبياء / ٥٠] تنبيهاً على ما يفيض عليه من الخيرات الإلهية، وقال: ﴿كتابُ أنزلناهُ إِليك مُباركٌ ﴾ [الأنعام / ١٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وجعلَني مُباركاً ﴾ [مريم / ٣١] أي: موضع الخيراتِ الإلهية، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناهُ في ليلةٍ مُباركةٍ ﴾ [الدخان / ٣]، ﴿رَبِّ أَنزلني منزلاً مُباركاً﴾ [المؤمنون / ٢٩] أي: حيث يوجد الخير الإلهي، وقوله تعالى: ﴿ونزَّلنا من السَّماءِ ماءً مباركاً ﴾ [ق / ٩] فبركة ماء السماء هي ما نبّه عليه بقوله: ﴿ألم تر أنَّ اللَّه أنزلَ من السَّماء ماءً فسلكَهُ ينابيعَ في الأرضِ ثُمَّ يخرجُ به زرعاً مُختلفاً ألوانُه ﴾ [الزمر / ٢١]، وبقوله تعالى: ﴿وأنزلْنَا من السماءِ ماءً بقدَرٍ فأسكنَّهُ في الأرضِ ﴾ [المؤمنون/ [١٨]، ولمّا كان الخير الإِلهي يصدر من حيث لا (١) أجاز أبو عمروٍ وأبو عبيدة: أبرق وأرعد ولم يجزه الأصمعي. (٢) وهي قراءة نافعٍ وأبي جعفر المدنيّيْن. راجع: الإتحاف ص ٤٢٨. (٣) راجع المَثَل في المجمل ١ / ١٢١؛ وأساس البلاغة ص ٢٠؛ ومجمع الأمثال ١ / ٣٨٨. ١١٩ برم يُحَسُّ، وعلى وجهٍ لا يُحصى ولا يُحصر قيل لكلّ ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة، وإلى هذه الزيادة أُشير بما روي أنه: ((لا يَنْقِصُ مَالٌ مِن صَدقةٍ))(١) لا إلى النقصان المحسوس حسب ما قال بعض الخاسرين حيث قيل له ذلك، فقال: بيني وبينك الميزان. وقوله تعالى: ﴿تباركَ الذي جعلَ فِي السَّماءِ بُروجاً ﴾ [الفرقان / ٦١] فتنبيه على ما يفيضه علينا من نعمه بواسطة هذه البروج والنّرات المذكورة في هذه الآية، وكلُّ موضع ذُكِرَ فيه لفظ ((تبارك)) فهو تنبية على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر ((تبارك)). وقوله تعالى: ﴿ فتباركَ اللَّهُ أحسَنُ الخالقين ﴾ [المؤمنون/ ١٤]، ﴿ تباركَ الذي نَّلَ الفُرِقَانَ ﴾ [الفرقان/ ١]، ﴿تباركَ الذي إنْ شاءَ جعلَ لكَ خيراً من ذلكَ جَنَّاتٍ﴾ [الفرقان / ١٠]، ﴿فتباركَ اللَّهُ ربُّ العالمين﴾ [غافر / ٦٤]، ﴿تباركَ الذي بيدِهِ المُلك ﴾ [الملك / ١]. كلُّ ذلك تنبيهٌ على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر ((تبارك)). برم الإِبرام: إحكام الأمر، قال تعالى: ﴿أَمْ أَبرِمُوا أَمْراً فإِنَّا مُبرِمُون﴾ [الزخرف / ٧٩]، وأصله من إبرام الحبل، وهو ترديد فتله، قال الشاعر: ٥١ - على كُلِّ حالٍ من سحيلٍ ومُبَرَمٍ(٢) والبريم: المُبرَم، أي: المفتول فتلاً محكماً، يقال: أبرمتُهُ فَبَرِمَ، ولهذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر: بَرَم(٣)، كما يقال للبخيل: مغلول اليد. والمُبرِم: الذي يلحّ ويشدّد في الأمر تشبيهاً بُمُبرمِ الحبل، والبَرَم كذلك، ويقال لمن يأكل تمرتين تمرتين: بَرَم، لشدة ما يتناوله بعضه على بعض، ولما كان البریم من الحبل قد یکون ذا لونين سُمِّيَ كلُّ ذي لونين به من جيشٍ مختلطٍ أسود وأبيض، ولغنمٍ مختلط، وغير ذلك. والبُرْمَة في الأصل هي القِدر المُبرَمة، وجمعها بِرامٌ، نحو حُفْرَة وحِفار، وجُعل على بناء المفعول، نحو: ضُحْكَةٌ وهُزْأَةٌ(٤). (١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، وروايته فيه: ((ما نقصت صدقة من مال)) في باب البر والصلة رقم (٢٥٨٨). (٢) هذا عجز بيت لزهير، وصدره: يميناً لِنِعمَ السيدانِ وجدتما وهو من معلقته الميمية، انظره: في ديوانه ص ٧٩؛ وشرح المعلقات ١٠٨/١؛ وأساس البلاغة ص ٢١. (٣) انظر: اللسان (برم). (٤) قال الحسن بن زين الشنقيطي في تكميل لامية الأفعال لابن مالك: من وزنِهِ العينُ يرتدَّ اسمُ مَنْ فَعلا وَفُعْلَةُ لاسمِ مفعولٍ وإِنْ فُتُحَتْ ١٢٠ =