Indexed OCR Text

Pages 701-720

٦٤١
الحرارة
الحَرّ: ,Deliverance freeing
emancipation - Délivrance,
affranchissement, libération
بالفتح والتشديد لغةً الخلوص. وشرعًا
خلوص حكمي يظهر في الآدمي لانقطاع حق
الغير عنه، والحُرية بالضم مثله. والحُرّ بالضم
لغة من الحَرّ بالفتح، ويقابله الرقيق، ويقابل
الحَرّ والحرية الرق. هكذا صرح في جامع
الرموز. وفي مجمع السلوك والحرية عند
السالكين انقطاع الخاطر من تعلق ما سوى الله
تعالى بالكلية، إذًا، فالعبدُ يصلُ إلى مقام الحرية
حينما لا يبقى فيه غرض دنيوي، أَوْ لم يَعُدْ له
ميلٌ للدنيا والآخرة (زهد في الآخرة) وما ذلك
إلاَّ لأَنَّك أنت مقيَّدٌ لوقتك وهو مقيّدٌ بالروح.
وفي الإنسان الكامل يقول: الحُرُّ هو الذي
بثمانية أشياء يكمل: الأقوال والأفعال
والمعارف، والأخلاق الحَسَنة والتّرْك، والعُزلة
والقناعة والفراغ. فإنْ توفرت الأربعة الأولى لدى
أحد الأشخاص فذلك يقال له: البالغ. لا
الحُرّ. والأحرار فرقتان: فرقة آثرت الخمول
والإحتراز عن الإختلاط بأهلِ الدنيا وقبول
هداياهم. ويعلمون أَنَّ صحبةَ أَهلِ الدنيا تزيد في
التفرقة أي التشتُّت. وبعضهم ينظر بعين التسليم
والرضا ويعلمون أنَّ الإنسان عندما يواجه أمرًا
نافعًا، ولو كان في نظره ضارًا ﴿وعسى أنْ
تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾. فإذا يتساوى
عندهم الإختلاط بالناس أو العزلة عنهم، وكذلك
قبول هدایاهم أو ردّها .
ثم اعلمْ بأنّ بعض الملاحدة يقولون: متى
وصل العبد إلى مقام الحرِّية تزولُ عنه صفة العبودية
وهكذا كفر، لأَنَّ العبودية لم تَزُلْ عن مولانا رسول
الله صاحب الرسالة وَطير، فمن ذاك الذي في هذا
المقام يتكلّم. نعم. العبدُ حين يصل إلى مقام
الحرية يعتق من العبودية لنفسه، يعني كل ما تطلبُه
النَّفْس فهو لا يُلِّي طلبها لأَنَّه مالِكٌ لنفسه، ونفسُه
مطيعة ومنقادة له، وقد زالت مشقَّةُ التكاليف في
أداءِ العبادة، بل يجدُ هدوءَ نفسِه ونشاطًا للعبادة،
ويؤدِّي العبادات بكل راحة. والحرية نهايةٌ
العبودية، فهي هداية العبد عند ابتداء خلقته كذا في
مجمع السلوك في بيان الطريق(١).
الحَرارة: Heat - Chaleur
بالفتح بمعنى گرمي ضد البرودة بمعنى
سردي وماهيتهما من البديهات، وما ذكر في
حقيقتهما فهي من جملة الأحكام. وبعض
الحكماء جعل البرودة عبارة عن عدم الحرارة
عمّا من شأنه أنْ يكون حارًا. وقيد من شأنه
للاحتراز عن الفلك فإنّ عدم حرارته لا يُسمّى
برودةً إذْ ليس من شأنه أنْ يكون حارًا، فعلى
هذا التقابل بينهما تقابل العَدَم والملكة وهو
باطل لأنّها محسوسة ولا شيء من العدم
بمحسوس. واعترض عليه بأنّ الإنفصال عدم
(١) پس بنده در مقام حريت وقتي رسد که غرضي از اغراض دنیاوي ویرا نماند وپرواي دنيا وعقبی ندارد چراکه چيزي که تو در
بند آني بندة آني. وانسان كامل گفته آزاده آنست كه هشت چيز ویرا بكمال شود اقوال وافعال ومعارف واخلاق نيك وترك
وعزلت وقناعت وفراغت اگر کسي چهار اول داشته باشد آن را بالغ گویند نه آزاد. وآزاد گان دو طائفه اند بعضي خمول
اختیار کنند واز اختلاط اهل دنيا وقبول هدایاي ایشان احتراز نمایند وميدانند كه صحبت اهل دنيا تفرقه افزاست وبعضي
رضا وتسلیم نظاره کنند، ودانند که آدمي را وقتي کاری پیش آید که نافع باشد اگر چه در نظر اوضار باشد عسى أن تكرهوا
شيئًا وهو خير لكم يس اختلاط اهل دنيا وعدم اختلاط آنها نزد ايشان برابر است وهم چنين قبول هديه ورد آن. بدانكه
بعضي ملاحده میگویند که چون بنده بمقام حريت رسد ازوي بندگي زائل گردد واین کفراست چراکه بندگي از حضرت
رسالت پناه علیه الصلوة والسلام زائل نشد دیگري کیست که درین محل دم زند آري بنده چون بمقام حریت رسد از بندگي
نفس خویش آزاد گردد یعني آنچه نفس مي فرماید او برآن نرود بلکه او مالك نفس خود گردد ونفس مطيع ومنقاد او شود
تكلیف ومشقت عبادت ومشقت عبادت ازو دور شود ودر عبادت نشاط وآرام خود داند وبنشاط عبادت بجا آرد والحرية نهاية
العبودية فهي هداية العبد عند ابتداء خلقته، كذا في مجمع السلوك في بيان الطريق.

٦٤٢
الحَرارة
الاتصال مع أنّه محسوس. وأجيب بأنّ
المحسوس هو المنفصل وعوارضه كاللون،
والإنفصال يُدرَك بالوهم التابع للحسّ الظاهر لا
بالحسّ الظاهر، فإنّ الحكم بأنّ العدم غير
محسوس بالحواس الظاهرة بديهية، فالحق أنها
كيفية موجودة مضادة للحرارة من شأنها أنْ
تجمع المتشاكلات وغيرها. وههنا أبحاث.
الأول كما يقال الحار لما تحسّ حرارته
بالفعل كالنار مثلاً يقال أيضًا لما لا تحسّ
حرارته بالفعل، ولكن تحسّ بها بعد مماسّة
البدن الحيواني والتأثر منه كالأدوية والأغذية
الحارّة ويسمّى حارًا بالقوة، وكذا البارد يطلق
على البارد بالفعل والبارد بالقوة. ولهم في
معرفة الحار والبارد بالقوة طريقان، التجربة
والقياس من الإستدلال باللون والطعم والرائحة
وسرعة الإنفعال مع استواء القوام أو قوته.
والثاني الأشبه بالصواب أنّ الحرارة
الغريزية أي الطبيعية الملائمة للحيوة الموجودة
في أبدان الحيوانات، ويسمّيها أفلاطون بالنار
الإلهية والحرارة الكوكبية، والنارية أنواع متخالفة
الماهية لاختلاف آثارها الدالة على اختلاف
ملزوماتها في الحقيقة، فإنّه يفعل حَرّ الشمس في
عين الأغشى من المَضَرَّة ما لا يفعل حرّ النار.
والحرارة الغريزية أشَدّ الأشياء مقاومةً للحرارة
النارية التي ليست غريزية بل غريبة فإنّ الحرارة
النارية إذا حاولت إبطال اعتدال المزاج الحيواني
قاومتها الغريزية أشَدّ مقاومَة حتى أنّ السموم
الحارة والباردة لا يدافعها إلاّ الغريزية، وهذا
مذهب أرسطو. وقال جالينوس الغريزية والنارية
من نوع واحد. فالغريزية هي النارية واستفادت
بالمزاج مزاجًا معتدلاً حصل به التيام، فإذا
أرادت الحرارة أو البرودة تفريقها عسر عليها
ذلك التفريق. والفرق بين الحار الغريزي
والغريب أنّ أحدَهما جزء المركب والآخر خارج
عنه، مع كونهما متوافقين في الماهية.
الثالث قال ابن سينا الحرارة تفرّق المختلفات
وتجمع المتماثِلات والبرودة بالعكس، أي تجمّع
بين المتشاكلات وغيرها أيضًا لأنّ الحرارة فيها قوة
مصعِّدة فإذا أثرت في جسم مركب من أجزاء مختلفة
في رقة القوام وغلظه ينفعل الجزء اللطيف الرقيق منه
إنفعالاً أسرع من الكثيف الغليظ فيتبادر الألطف
فالألطف إلى الصعود دون الكثيف، فإنّه لا ينفعل
إلّ ببطؤ وربَّما لم تُفِدْ الحرارة فيه خفة تقوي على
تصعّده، فيلزم بهذا السبب تفريق المختلفات. ثم
تلك الأجزاء تجتمع بالطبع إلى ما يجانِسها، فإنّ
الجنسية علّة الضم كما اشتهر، والحرارة معدّة
للاجتماع الصادر عن طبائعها بعد زوال المانع الذي
هو الإلتئام، فنُسب الاجتماع إليها كما نُسبت
الأفعال إلى معدّاتها، هذا إذا لم يكن الالتئام بين
بسائط ذلك المركّب شديدًا. وأما إذا اشتد وقوي
التركيب لا تفرقها لوجود المانع، فإنْ كانت الأجزاء
اللطيفة والكثيفة في الجسم متقاربة في الكمية كما
في الذهب أفادته الحرارة سيلانًا وذوبانًا، وكلّما
حاول اللطيف صعودًا منعه الكثيف، فحدث بينهما
تمانع وتجاذب، فيحدث من ذلك حركة دوران كما
نشاهد في الذهب من حركته السريعة العجيبة في
البوتقة. ولولا هذا العائق لفرّقه النار. وإنْ غلب
اللطيف جدًا فيصعد ويستصحب معه الكثيف لقلته
كالنوشادر فإنّه إذا أشرفته النار تفرقه النار. وإنْ
غلب الكثيف جدًا لم يتأثر فلا يذوب ولا يلين
كالطلق فإنّه يحتاج في تليينه إلى حيل. ولذا قيل من
حل الطلق فقد استغنى عن الخلق.
تنبيه
الفعل الأوليّ للحرارة هو التصعيد،
والجمع والتفريق لا زمان له. ولذا قال ابن سينا
في كتاب الحدود (١) إنّها كيفية فعلية أي تجعل
(١) رسالة في الحدود: للشيخ الرئيس ابن سينا (- ٤٢٨ هـ)، وهي مختصر أورد فيها تعريفات الأسماء التي أطلقها الفلاسفة.

٦٤٣
الحَرْف
محلها فاعلاً لمثلها فيما يجاوره، فإنّ النار
تسخن ما جاورها محركة لما تكون تلك الكيفية
فيه إلى فوق لإحداثها الخفة، فيحدث عن هذا
التحريك أنْ تفرق الحرارة المختلفات وتجمع
التماثلات وتحدث تخلخلاً من باب الكيف
وتكاثفًا من باب الوضع لتحليله الكثيف وتصعيده
اللطيف. وفعلها في الماء إحالته إلى الهواء لا
تفريق بين أجزاء المتماثلات. وفعلها في البُيّض
إحالتها في القوام لا جمع للأجزاء المختلفة فإنّ
النار بحرارتها توجب غلًا في قوام الصفرة
والبياض، وأمّا الإنضمام بينهما فقد كان حاصلاً
قبل تأثير الحرارة فيهما .
الرابع الحركة تحدث الحرارة والتجربةُ
تشهده، وأنكره أبو البركات مستدلاً بأنه حينئذ
يجب أنْ تسخّن الأفلاك سخونة شديدة، وتسخّن
بمجاورتها العناصر الثلاثة، فتصير كلها بالتدريج
نارًا. والجواب أنّ مواد الأفلاك لا تقبل
السخونة أصلاً ولا بد في وجود الحرارة مع
المقتضي الذي هو الحركة من وجود القابل،
ولا تسخّن العناصر، فإنّ النار متحركة بمشايعة
الفلك دون باقي العناصر، وليس سخونة النار
توجب سخونة الباقي لأنّ برودة الطبقة الزمهريرية
تقاومها، هذا كلّه خلاصة ما في شرح المواقف
وشرح التجريد.
الحِرْز: Safe place - Lieu sur
بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين في
اللغة الموضع الحصين. يقال أحرزه إذا جعله
في الحرز كذا في المغرب. وفي الشرع ما
يحفظ فيه المال عادة، أي المكان الذي يحرز
فيه كالدار والحانوت والخيمة والشخص نفسه.
والمحرَز على صيغة اسم المفعول من الإحراز
ما لا يعدّه صاحبه مضيّعًا كذا في البحر الرائق
في كتاب السرقة في فصل الحرز. وفي فتح
القدير الحرز في اللغة الموضع الذي يحرز فيه
الشيء، وكذا في الشرع إلاّ أنه بقيد المالية أي
المكان الذي يحرز فيه المال كالدار والحانوت
والخيمة والشخص.
الحِرْص: ,Lust, greed - Convoitise
avidité
بالكسر وسكون الراء المهملة عند
السالكين ضد القناعة، وهو طلب زوال نعم
الغير. وقيل طلب ما لا يقسم. وقال أهل
الرياضة الحرص فغير مذموم عند العقلاء، كذا
في خلاصة السلوك. وفي اصطلاحات السيّد
الجرجاني الحرص طلب شيء باجتهاد في
إصابة .
الحَرْف: ,Letter, phoneme - Lettre
phonème
بالفتح وسكون الراء المهملة في العرف
أي عرف العرب كما في شرح المواقف يطلق
على ما يتركب منه اللفظ نحو ا ب ت لا ألف
وباء وتاء، فإنَّها أسماء الحروف لا أنفسها كما
في النظامي شرح الشافية(١) ويسمّى حرف
التهجي وحرف الهجاء وحرف المبني. وماهيته
واضحة بديهية وجميع ما ذكر في تعريفها
المقصود منها التنبيه على خواصها وصفاتها .
وبهذا الاعتبار عرفه القرّاء بأنه صوت معتمد
على مقطع محقّق وهو أنْ يكون اعتماده على
جزء معين من أجزاء الحلق واللسان والشفة، أو
مقطّع مقدّر وهو هواء الفم إذْ الأنف لا معتمد
له في شيء من أجزاء الفم بحيث إنه ينقطع في
ذلك الجزء، ولذا يقبل الزيادة والنقصان
كشف الظنون، ١ / ٨٦١.
(١) شرح الحسن بن محمد النظام الأعرج النيسابوري (- ٧١٠هـ). والشافية لعثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب
(- ٦٤٦ هـ). بروكلمان، ج ٥، ص ٣٢٧ - ٣٢٨.

٦٤٤
الحَرْف
ويختصّ بالإنسان وضعًا كذا في تيسير القاري.
وعرَّفه ابن سينا بأنه كيفية تُعْرَض للصوت بها
أي بتلك الكيفية يمتاز الصوت عن صوت آخر
مثله في الحدة والثقل تمييزًا في المسموع. فقوله
كيفية أي هيئة وضعية. وقوله تعرض للصوت
أراد به ما يتناول عروضها له في طرفه عروض
الآن للزمان، فلا يرد ما قيل إنّ التعريف لا
يتناول الصوامت كالتاء والطاء والدال فإنها لا
توجد إلاّ في الآن الذي هو بداية زمان الصوت
أو نهايته فلا تكون عارضةً له حقيقة، إذْ
العارض يجب أنْ يكون موجودًا مع المعروض،
وهذه الحروف الآنية لا توجد مع الصوت الذي
هو زماني. وتوضيح الدفع أنها عارضة للصوت
عروض الآن للزمان والنقطة للخط، فإنّ عروض
الشيء للشيء قد يكون بحيث يجتمعان في
الزمان وقد لا يكون، وحينئذ يجوز أنْ يكون
كلّ واحد من الحروف الآنية طرفًا للصوت
عارضًا له عروض الآن للزمان. وقوله مثله في
الحدّة والثقل ليخرج عن التعريف الحدّة والثِّقل
فإنّهما وإنْ كانتا صفتين مسموعتين عارضتين
للصوت يمتاز بهما ذلك الصوت عما يخالفه في
تلك الصفة العارضة، إلاّ أنه لا يمتاز بالحدّة
صوت عن صوت آخر يماثله في الحدّة ولا
بالثقل صوت عما يشاركه فيه. وقوله تمييزًا في
المسموع ليخرج الغُنَّة وهي التي تظهر من
تسريب الهواء بعضها إلى جانب الأنف وبعضها
إلى الفم مع انطباق الشفتين، والبحوحة التي
هي غلظ الصوت الخارج من الحلق، فإنّ الغُنَّة
والبحوحة سواء كانتا ملذتين أو غير ملذتين
صفتان عارضتان للصوت يمتاز بهما عما يشاركه
في الحدّة والثِّقل، لكنهما ليسا مسموعين، فلا
يكون التمييز الحاصل منهما تمييزًا في المسموع
من حيث هو مسموع ونحوهما كطول الصوت
وقصره، وكونه طيبًا وغير طيب، فإنّ هذه
الأمور ليست مسموعة أيضًا. أما الطول والقصر
فلأنهما من الكميات المحضة والمأخوذة مع
الإضافة ولا شيء منهما بمسموع وإن كان
يتضمن ههنا المسموع، فإنّ الطول إنما يحصل
من اعتبار مجموع صوتين صوتٍ حاصلٍ في
ذلك الوقت وهو مسموع وصوت حاصلٍ قبل
ذلك الوقت وهو ليس بمسموع. وأمّا كون
الصوت طيّبًا أي ملائِمًا للطبع أو غير طيب فأمر
يدركه الوجدان دون السمع فهما مطبوعان لا
مسموعان، إذْ قد تختلف هذه الأمور أعني الغُنّة
والبحوحة ونحوهما والمسموع واحد، وقد تتّحد
والمسموع مختلف، وذلك لأنّ هذه الأمور وإنْ
كانت عارضة للصوت المسموع إلاّ أنها في
أنفسها ليست مسموعة فلا يكون اختلافها
مقتضياً لاختلاف المسموع، ولا اتحادها مقتضيًا
لاتحاده، بخلاف العوارض المسموعة فإنّ
اختلافها يقتضي اختلاف المسموع الذي هو
مجموع الصوت وعارضه واتحادها يقتضي اتحاد
المسموع لا مطلقًا بل باعتبار ذلك العارض
المسموع. والحق أنّ معنى التمييز في المسموع
ليس أنْ يكون ما به التمييز مسموعًا بل أنْ
يحصل به التمييز في نفس المسموع بأنْ يختلف
باختلافه ويتّحد باتحاده، كالحرف بخلاف الغُنَّة
والبحوحة ونحوهما، كذا في شرح المواقف في
مبحث الأصوات.
ويعرّف الحرف عند أهل الجفر بأنّه بناء
مفرد مستقل بالدلالة وتسمّى دلالة الحروف دلالة
أولية، ودلالة الكلمة دلالة ثانية، وهو موضوع
علم الجفر، وبهذا صرح في بعض رسائل
الجفر. ولذا يسمّى علم الجفر بعلم الحروف.
تقسيمات حروف الهجاء
الأول إلى المعجمة وهي المنقوطة وغير
المعجمة وهي غير المنقوطة وتسمى بالمهملة
أيضًا. الثاني إلى نوراني وظلماني. قال أهل
الجفر الحروف النورانية حروف فواتح السور
ومجموعها صراط علي حق نمسكه والباقية

٦٤٥
الحَرْف
ظلمانية. ومنهم من يسمّي الحروف النورانية
بحروف الحق والظلمانية بحروف الخلق. ومنهم
مَنْ قال: النورانية تسمَّى الأَعلى والظُلمانية
قسمان. منها سبعة حروف تسمَّى الأَذْنى وهي:
بَ، تَ، دَ، ذَ، ضَ، وَ، غَ، والسبعةُ الباقية
تسمَّى أدنى الأدنى. كذا في بعض رسائل
الجفر. الثالث: إلى المسروري والملبوبي
والملفوظي. وفي بعض رسائل الجفر: الحروف
ثلاثة أقسام: ١ - ملفوظي: وهي التي تلفظ
بواسطة ٣ حروف مثل: ألف وجيم ودال. وهذه
١٣ حرفًا تنحصر في قسمين: قسم زائد الحركة
مثل الألف التي وسطها متحرك وقسم زائد الأول
وهو ثلاثة حروف: الميم والنون والواو.
٢ - ملبوبي: وهو ما يلفظ بحرفين وهي
١٢ حرفًا. انتهى كلامه. وينبغي أَنْ يعلم أَنَّ
الحرفَ الملفوظي يشترك فيه أَنْ لا يكونَ أَوَّلُه
وآخرُهُ نفسَ الحرف، وإلاَّ فالمسروري يمكن
اعتبارُه من الملفوظي. فحينئذ يلغي التقابل بين
الأقسام. وهذا مُبْطِلٌ للتَّقْسيم الثلاثي ومَؤْيِّدُ لما
ذكره في قاموس جهانگيري حيث قال: إنَّ
علماء العربية ذكروا أنواع الحروف وقسّموها إلى
ثلاثة أقسام: الأول: مسروري وهو ما يتم لفظه
بواسطة حرفين اثنين وعددها: ١٢ حرفًا وهي بآ
تآثاً حاً خار آ زاً طاً ظاً فآ هآ ياً.
والثاني: ملفوظي: وهو ما يلفظ بثلاثة
أحرف لا يكون آخرها مثل أوّلها: وهي ١٣
حرفًا : الف جيم دال ذال سين شين صاد ضاد
عين غين قاف كاف لام.
والقسم الثالث: يقال له: ملبوبي ومكتوبي :
وهو ثُلاثي الحروف وآخرُه مثل أوله ومجموعه ٣
أحرف هي: الميم والنون والواو. انتهى.
ولا يخفى أنَّه في هذا الكلام أطلق اسم
الملبوبي على المسروري بعكس الكلام السابق.
الرابع: إلى المنفصلة وغيرها في أنواع
البسط يأتي بالألف والدال والذال والراء والزاي
والواو ولا، ويسمّيها الحروف السبعة المنفصلة
وما عداها يقال لها: غير منفصلة.
الخامس: إلى المفردة والمتزاوجة التي
تسمّى بالمتشابهة أيضًا. ويقول في أنواع البسط:
الحروف إما متشابهة، وتسمّى أيضًا متزاوجة،
وهي الحروف التي لا اختلاف بينها في الصورة
إلاَّ في النقط مثل الحاء والخاء.
وإمّا مفردة: وهي التي ليست كذلك(١).
(١) ومنهم من قال نوراني را أعلى خوانند وظلماني دو قسم اند هفت حروف را ادنی وآن ب ت د ذ ض وغ است وهفت حرف
باقي را ادنى ادنى خوانند كذا في بعض رسائل الجفر. الثالث الى المسروري والملبوبي والملفوظي. وفي بعض رسائل
الجفر حروف سه قسم اند ملفوظي آنكه از تركيب سه حرف در تلفظ تمام شود چون الف وجيم ودال واينها سيزده حرف
است منحصر در دو قسم قسمي زائد الحركت جون الف كه اوسط او متحرك است وقسمي زائد السكون چون جيم ودال.
ومسروري آنكه از تر کیب سه حرف بتلفظ آید لیکن حرف آخر از جنس اول بود وآن سه حرف است ميم ونون وواو. ملبوبي
آنکه تلفظ آن بدو حرف است وآنها دوازده حرف است انتھی کلامه. وباید دانست که در ملفوظی مشروط است که حرف
اول وآخر ازيك جنس نباشند والا مسروري از اقسام ملفوظي گردد پس تقابل از اقسام بر خیزد واین مبطل تقسيم است
بسوي سه قسم وموید است اینرا آنچه در فرهنگ جهانگیري ذکر نموده و گفته که علماء عرب حروف را سه قسم ساخته اند
اول را مسروري نامند وآن دو حرفي است واین دوازده حرف اند با تا ثا حا خا را زا طا ظا فا ها يا وقسم دویم را ملفوظی
گویند وآن سه حرفي بودکه آخرش از قسم اول نباشد واين سيزده حرف است الف جيم دال ذال سين شين صاد ضاد عين
غین قاف کاف لام وقسم سوم را ملبوبي ومکتوبي گویند وآن سه حرفي باشد که آخرش از قسم اول باشد واین سه حرف
است ميم نون واو انتهى. ومخفي نيست كه درين كلام ملبوبي رابر مسروري اطلاق نموده بعكس كلام سابق. الرابع إلى
المنفصلة وغيرها در انواع البسط مي آرد الف ودال وذال ورا وزا وواو ولا اينها حروف سبعة منفصله خوانند چه اينها در
كتابت منضم بحرفي ديكر نمي شوند واينها را خواتيم نيز خوانند وماوراي اينها را غير منفصله گويند. الخامس إلى المفردة
والمتزاوجة التي تسمّى بالمتشابهة أيضًا. در انواع البسط میگويد حروف یا متشابه اند ومتزاوجه نيز نامند وآن حروفیکه در
صور آنها تفاوتی نیست مگر بنقطه چون حا وخا ويا مفرده وآن حروفيكه چنين نباشند.

٦٤٦
الحَرْف
السادس إلى المصوّتة والصامتة فالمصوتة حروف
المَدّ واللين أي حروف العلّة الساكنة التي حركة
ما قبلها مجانسة لها. والصامتة ما سواها سواء
كانت متحركة أو ساكنة ولكن ليس حركة ما
قبلها من جنسها. فالألف أبدًا مصوتة لوجوب
كونها ساكنة وما قبلها مفتوحًا. وإطلاق اسم
الألف على الهمزة بالاشتراك اللفظي. وأما
الواو والياء فقد تكونان صامتتين أيضًا كذا في
شرح المواقف. السابع إلى زمانية وآنية. وفي
شرح المواقف الحروف إمّا زمانية صرفة
كالمصوتة فإنها زمانية عارضة للصوت باقية معه
زمانًا بلا شبهة. وكذا بعض الصوامت كالفاء
والقاف والسين والشين ونحوها ممّا يمكن
تمديدها بلا توهّم تكرار، فإنّ الغالب على الظنّ
أنها زمانية أيضًا. وإمّا آنية صرفة كالتاء والطاء
وغيرهما من الصوامت التي لا يمكن تمديدها
أصلاً فإنها لا توجد في آخر زمان حبس النفس
كما في لفظ بيت وفرط، أو في أوله كما في
لفظ تراب، أو في آن يتوسطهما، كما إذا وقعت
تلك الصوامت في أوساط الكلم فهي بالنسبة
إلى الصوت كالنقطة والآن بالنسبة إلى الخط
والزمان. وتسميتها بالحروف أولى من تسميتها
بغيرها لأنها أطراف الصوت والحرف هو
الطرف. وأما آنية تشبه الزمانية وهي أنْ تتوارد
افرادًا آنية مرارًا فيظن أنها فرد زماني كالراء
والحاء والخاء، فإنّ الغالب على الظن أنّ الراء
في آخر الدار مثلاً راءات متوالية، كلّ واحد
منها آني الوجود، إلاّ أنّ الحسّ لا يشعر بامتياز
أزمنتها فيظنها حرفًا واحدًا زمانيًا، وكذا الحال
في الحاء والخاء كذا في شرح المواقف. الثامن
إلى المتماثلة والمتخالفة. فالمتماثلة ما لا
اختلاف بينها بذواتها ولا بعوارضها المسمّاة
بالحركة والسكون كاليائين المتحركين بنوع واحد
من الحركة. والمتخالفة ما ليس كذلك سواء
كانت متخالفة بالذات والحقيقة كالياء والميم،
أو بالعرض كالياء الساكنة والمتحركة كذا في
شرح المواقف. هذا لكن المذكور في فن
الصرف أنّ المتماثلة هي المتفقة في الحقيقة وإنْ
كانت مختلفة بالعوارض. قال في الإتقان في
بحث الإدغام نعني بالمتماثلين ما اتفقا مخرجًا
وصفة كاليائين واللامين، وبالمتجانسين ما اتفقا
مخرجًا واختلفا صفّة كالطاء والتاء والظاء
والثاء، وبالمتقاربين ما تقاربا مخرجًا أو صفّة
كالدال والسين والضاد والشين انتهى. فالحروف
على هذا أربعة أقسام. المتماثلة والمتجانسة
والمتقاربة وما ليس شيئًا منها. التاسع إلى
المجهورة والمهموسة فالمجهورة ما ينحصر
جري النَّفَس مع تحركه. والمهموسة بخلافها أي
ما لا ينحصر جري النفس مع تحركه.
والإنحصار الإحتباس وهي السين والشين والحاء
والخاء والثاء المثلثة والتاء المثناة الفوقانية
والصاد المهملة والفاء والهاء والكاف.
والمجهورة ما سواها، ففي المجهورة يشبع
الاعتماد في موضعه. فمن إشباع الإعتماد
يحصل ارتفاع الصوت، والجهر هو ارتفاع
الصوت فسمّيت بها. وكذا الحال في المهموسة
لأنه بسبب ضعف الاعتماد يحصل الهمس وهو
الإخفاء، فإذا أشبعت الاعتماد وجرى الصوت
كما في الضاد والزاء والعين والغين والياء فهي
مجهورة رخوة، وإذا أشبعته ولم يجر الصوت
كالقاف والجيم والطاء والدال فهي مجهورة
شديدة. قيل المجهورة تخرج أصواتها من
الصدر، والمهموسة تخرج أصواتها من مخارجها
في الفم وذلك مما يرخي الصوت، فيخرج
الصوت من الفم ضعيفًا. ثم إنْ أردت الجهر
بها وإسماعها أتْبَعْتَ صوتَها بصوتٍ من الصدر
لتفهم. وتمتحن المجهورة بأنْ تكرّرها مفتوحّة
أو مضمومة أو مكسورةً، رفعتَ صوتَك بها أو
أخفيتَه، سواء أشبعت الحركات حتى تتولّد
الحروف نحو قاقاقا، أو قوقوقو، أو قي قي

٦٤٧
الحَرْف
قي، أو لم تشبعها نحو ققق فإنّك ترى الصوت
يجري ولا ينقطع، ولا يجري النَّفَسَ إلاّ بعد
انقضاء الإعتماد وسكون الصوت. وأما مع
الصوت فلا يجري وذلك لأنّ النَّفَسَ الخارج من
الصدر وهو مركّب الصوت يحتبس إذا اشتدّ
اعتمادُ الناطق على مخرَج الحرف، إذْ الاعتماد
على موضعٍ من الحلْقِ أو الفم يحبِسُ النَّفَس
وإنْ لم يكن هناك صوت، وإنّما يجري النَّفَسُ
إذا ضعف الاعتماد. وإنّما كُرّرت الحروف في
الإمتحان لأنك لو نطقت بواحدٍ منها غيرَ مكرَّر
فعقيب فراغِك منه يجري النَّفَس بلا فصل فيظن
أنّ النفس إنّما خرج مع المجهورة لابعده، فإذا
تكرَّر وطال زمان الحرف ولم يخرج النَّفَس مع
تلك الحروف المكرَّرة عرفت أنّ النطق بالحروف
هو الحابس للنفس. وإنّما جاز إشباع الحركات
لأنَّ الواو والألف والياء أيضًا مجهورة، فلا
يجري مع صوتها النَّفَس. وأما المهموسة فإنّك
إذا كرَّرتها مع إشباع الحركة أو بدونها فإنّ
جوهرها لضعف الإعتماد على مخارجها لا
يحبِسُ النَّفَس، فيخرج النَّفَس ويجري كما يجري
الصوت نحوك، وقِسْ على هذا. العاشر إلى
الشديدة والرخوة وما بينهما. فالشديدة ما
ينحصر جري صوته في مخرجه عند إسكانه فلا
يجري الصوت والرخوة بخلافها. وأما ما بينهما
فحروف لا يتم لها الانحصار ولا الجري. وإنما
اعتبر إسكان الحروف لأنّك لو حَرَّكتها،
والحركات أبعاض الحروف من الواو والياء
والألف وفيها رخاوة مّا، لجرت الحركات لشدة
اتصالها بالحروف الشديدة إلى شيء من الرخاوة
فلم يتبين شدتها. فقيد الإسكان لامتحان
الشديدة من الرخوة. فالحروف الشديدة الهمزة
والجيم والدال والطاء المهملتان والباء الموحدة
والتاء المثناة الفوقانية والكاف والقاف. والرخوة
ما عدا هذه الحروف المذكورة، وما عدا حروف
لم يروعنا فإنها ليست شديدة ولا رخوة فهي مما
بينهما. وإنّما جعل هذه الأحرف الثمانية أي
اللام والميم والياء المثناة التحتانية والراء
المهملة والواو والعين المهملة والنون والألف
مما بينهما أي بين الشديدة والرخوة لأنّ الشديدة
هي التي ينحصر الصوت في مواضعها عند
الوقف، وهذه الأحرف الثمانية ينحصر الصوت
في مواضعها عند الوقف أيضًا لكن يعرِضُ لها
إعراض توجب حصر الصوت من غير مواضعها .
أما العين فينحصر الصوت عند مخرجه لكن
لقربه من الحاء التي هي من المهموسة ينسلّ
صوته قليلاً فكأنّك وقفت على الحاء. وأما
اللام فمخرجها أعني طرف اللسان لا يتجافى
عن موضعه من الحَنَّك عند النطق به، فلا
يجري منه صوت، لكن لمّا لم يُسَدّ طريق
الصوت بالكلية كالدال بل انحرف طرف اللسان
عند النطق به خرج الصوت عند النطق به من
متشدِّق اللسان فُوَيْقَ مخرجه. وأمّا الميم والنون
فإنّ الصوت لا يخرج عن موضعهما من الفم،
لكن لمَّا كان لهما مخرجان في الفم والخيشوم
جرى الصوت من الأنف دون الفم لأنّك لو
أمسكت أنْفك لم يجر الصوت بهما. وأمّا الراء
فلم يجر الصوت في ابتداء النطق به لكنه جرى
شيئًا لانحرافه وميله إلى اللام كما قلنا في العين
المائل إلى الحاء، وأيضًا والراء مكرّر فإذا تكرّر
جرى الصوت معه في أثناء التكرير. وكذلك
حروف العلّة لا يجري الصوت معها كثيرًا، لكن
لمّا كان مخارجها تتسع لهواء الصوت أشَدّ من
اتساع غيرها من المجهورة كان الصوت معها
يكثر فيجري منه شيء. واتساع مخرج الألف
الهواء صوته أكثر من اتساع مخرجي الواو والياء
لهواء صوتهما، فلذلك سمّي الهاوي أي ذا
الهواء كالناشب والنابل. وإنّما كان الإتساع
للألف أكثر لأنّك تضم شفتيك للواو فتضيق
المخرج وترفع لسانك قبل الحَنَك للياء. وأما
الألف فلا يعمل له شيء من هذا، فأوسعُهنَّ

٦٤٨
الحَرْف
مخرجًا الألف ثم الياء ثم الواو، فهذه الحروف
أخفى الحروف لاتساع مخارجها وأخفاهن
الألف لسعة مخرجها أكثر.
إعلمْ أنّ الفرق بين الشديدة والمجهورة أن
الشديدة لا يجري الصوت بها بل إنّك تسمع به
في آن ثم ينقطع. والمجهورة لا اعتبار فيها
لعدم جري الصوت بل الإعتبار فيها لعدم جري
النَّفَس عند التصويت بها. هذا كله ما ذهب إليه
إبن الحاجب واختاره الرضي. وبعضهم أخرج
من المجهورة الأحرف السبعة التي هي من
الرخوة أي الضاد والطاء والذال والزاء والعين
والغين والياء، فيبقى فيها الحروف الشديدة،
وأربعة أحرف مما بينهما وهي اللام والميم
والواو والنون، فيكون مجموع المجهورة عنده
اثنى عشر حرفًا، وهي حروف ولمن أجدك
قطبت. وهذا القائل ظنَّ أنّ الرخاوة تنافي
الجهر وليس بشيء لأنّ الرخاوة أنْ يجري
الصوت بالحرف، والجهر رفع الصوت بالحرف
سواء جرى الصوت أو لم يجر. الحادي عشر
إلى المُطْبَقة والمنفتحة. فالمطبقة ما ينطبق معه
الحَنَك على اللسان لأنّك ترفع اللسان إليه
فيصير الحَنَك كالطبق على اللسان، فتكون
الحروف التي يخرج بينهما مطبقًا عليهما، وهي
الصاد والضاد والطاء والظاء. وأما قولُ ابن
الحاجب من أنّها ما ينطبق على مخرجه الحَنَك
فليس بمطَّرد لأنَّ مخرج الضاد حافّة اللسان
وحافته ينطبق عليها الأضراس وباقي اللسان
ينطبق عليه الحنك. قال سيبويه لولا الإطباق في
الصاد لكان سينًا وفي الظاء لكان ذالاً وفي
الطاء لكان دالاً، ولخرجت الضاد من الكلام
لأنه ليس شيء من الحروف في موضعها غيرها .
والمنفتحة بخلافها لأنه ينفتح ما بين اللسان
والحَنَك عند النطق بها، وهي ما سوى الحروف
الأربعة المطبقة. الثاني عشر إلى المُستَعْلِية
والمنخفضة. فالمستعلية ما يرتفع بسببها اللسان
وهي الحروف الأربعة المطبقة والخاء والغين
المعجمتان والقاف لأنه يرتفع بهذه الثلاثة أيضًا
اللسان، لكن لا إلى حَدّ انطباق الحَنَك
عليها . والمنخفضة ما ينخفض معه اللسان ولا
يرتفع وهي ما عدا المستعلية. وبالجملة
فالمستعلية أعمّ من المطبقة إذْ لا يلزم من
الاستعلاء الإطباق ويلزم من الإطباق الإستعلاء.
ولذا يسمّى الأحرف الأربعة المطبقة مستعلية
مطبقة. الثالث عشر إلى حروف الذَّلاَقة
والمصْمَتة، فحروف الذَّلاَقة ما لا ينفك عنه
رباعي أو خماسي إلّ شاذًا كالعسجد والدهدقة
والزهزقة والعسطوس، وهي الميم والراء المهملة
والباء الموحدة والنون والفاء واللام. والمصمتة
بخلافها وهي حروف ينفك عنها رباعي
وخماسي وهي ما سوى حروف الذلاقة.
والذلاقة الفصاحة والخفة في الكلام، وهذه
الحروف أخفّ الحروف. ولذا لا ينفك عنها
رباعي وخماسي فسمّيت بها. والشيء المصمَت
هو الذي لا جوف له فيكون ثقيلاً فسمّيت بذلك
لثقلها على اللسان. الرابع عشر إلى حروف
القلقلة وغيرها. فحروف القلقلة ما ينضم إلى
الشدّة فيها ضغط في الوقف وذلك لاتفاق كونها
شديدة مجهورة معًا. فالجهر يمنع النَّفَس أنْ
يجري معها، والشدّة تمنع الصوت أنْ يجري
معها، فلذلك يحصل ما يحصل من الضغط
للمتكلّم عند النطق بها ساكنةً فيحتاج إلى قلقلة
اللسان وتحریکه عن موضع، حتى يجري صوتها
فيسمع، وهي القاف والدال المهملة والطاء
المهملة والباء الموحدة والجيم. وقال المبرّد
ليس القاف منها بل الكاف وغيرها ما سواها.
الخامس عشر إلى حروف الصفير وغيرها.
فحروف الصفير ما يصفر بها أي يصوت بها
وهي الزاء المعجمة والصاد والسين المهملتان،
سمّيت بها لوجود الصفير عند النطق بها وغيرها
غيرها. السادس عشر إلى حروف العِلّة وغيرها.

٦٤٩
الحَرْف
فحروف العلة الألف والواو والياء، سمّيت بها
لكثرة دورانها على لسان العليل فإنّه يقول واي
وغيرها غيرها. وحروف العلّة تسمّى بالحروف
الجوفية أيضًا لخروجها من الجوف. ثم إنّ
حروف العلّة إذا سكنت تسمّى حروف لِينٍ، ثم
إذا جانسها حركة ما قبلها فتسمّى حروفُ مَدّ،
فكلّ حرف مَدّ حرف لين ولا ينعكس. والألف
حرف مَدّ أبدًا والواو والياء تارة حرفا مدٍّ وتارة
حرفا لين، هكذا ذكر في بعض شروح
المفصل(١). وكثيرًا ما يطلقون على هذه
الحروف حرف المَدّ واللين مطلقًا، فهو إمّا
محمول على هذا التفصيل أو تسمية الشيء باسم
ما يؤل إليه. هكذا في جاربردي شرح الشافية
في بحث التقاء الساكنين. وقيل بتباين المَدّ
واللين وعدم صدق أحدهما على الآخر، لكن
من المحققين مَنْ جعل بينهما عمومًا وخصوصًا
مطلقًا كذا في تيسير القاري. السابع عشر إلى
حروف اللين والمَدّ وغيرها وقد عرفت قبيل
هذا. الثامن عشر إلى الأصلية والزائدة.
فالأصلية ما ثبت في تصاريف اللفظ كبقاء
حروف الضرب في متصرفاته. والزائدة ما سقط
في بعضها كواو قعود في قعد. ثم إذا أريد
تعليم المتعلمين فالطريق أن يقال إذا وزن اللفظ
فما كان من حروفه في مقابلة الفاء والعين
واللام الأولى والثانية والثالثة فهو أصلي وما
ليس كذلك فهو زائد. وليس المراد من الزائد
ههنا ما لو حذف لدلّ الكلمة على ما دلَّتْ عليه
وهو فيها، فإنّ ألف ضارب زائدة لو حذفت لم
يدل الباقي على اسم الفاعل، كذا في جاربردي
حاشية الشافية. وحروف الزيادة حروف: اليوم
تنساه، أعني أنه إذا وجد في الكلمة زائد لا
يكون إلاّ من تلك الحروف لا من غيرها.
ولمعرفة الزائد من الأصلي طرق كالاشتقاق
وعدم النظير وغيرهما يطلب من الشافية وشروحه
في بحث ذي الزيادة.
والحروف في اصطلاح الصوفية الصورة
المعلومية في عرضة العلم الإلّهي قبل انصباغها
بالوجود العيني. كذا قال الشيخ الكبير صدر
الدين (٢) في النفحات(٣). ويجيء في لفظ
الكلمة. وفي الإنسان الكامل في باب أم
الكتاب: أمّا الحروف فالمنقوطة منها عبارة عن
الأعيان الثابتة في العلم الإلهي، والمهملة منها
نوعان، مهملة تتعلق بها الحروف ولا تتعلّق هي
بها وهي خمسة: الألف والدال والراء والواو
واللام، فالألف إشارة إلى مقتضيات كمالاته
وهي خمسة، الذات والحيوة والعلم والقدرة
والإرادة إذْ لا سبيل إلى وجود هذه الأربعة إلاّ
للذات، فلا سبيل إلى كمالات الذات إلاّ بها .
ومهملة تتعلّق بها الحروف وتتعلّق هي بها وهي
تسعة. فالإشارة بها إلى الإنسان الكامل لجمعه
بين الخمسة الإلهية والأربعة الخلقية وهي
العناصر الأربع مع ما تولَّد منها فكانت أحرف
الإنسان الكامل غير منقوطة لأنّه خلقها على
صورته، ولكن تميَّزت الحقائق المطلقة الإلهية
(١) المفضّل في النحو: للعلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي (- ٥٣٨هـ). وله شروحات عديده
منها: شرح للشيخ أبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب النحوي (- ٦٤٦هـ) وسمّاه الإيضاح. وشرح للشيخ
أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري النحوي (- ٦١٠ هـ) وسمّاه الإيضاح ايضًا أو المحصل حَسب أسانيد خواجه محمد.
وهناك شرح للشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بابن مالك النحوي (- ٦٧٢هـ)، وشرح للإمام فخر الدين محمد
بن عمر الرازي (- ٦٠٦ هـ)، وغيرهم ... كشف الظنون، ١٧٧٤/٢ - ١٧٧٧ .
(٢) صدر الدين محمد بن اسحاق القونوي (- ٦٧٣ هـ) وردت ترجمته .
(٣) النفحات الإلهية: للشيخ صدر الدين محمد بن اسحاق القونوي (- ٦٧٣هـ). كشف الظنون، ١٩٦٧/٢. الا علام، ٣٠/٦.

٦٥٠
الحَرْف
عن الحقائق المقيّدة الإنسانية الاستناد الإنسان
إلى موجِدٍ يوجِدُه. ولو كان هو الموجِد فإنّ
حكمه أن يستند إلى غيره. ولذا كانت حروفه
متعلّقة بالحروف وتتعلّق الحروف بها. ولما كان
حكم واجب الوجود أنّه قائم بذاته غير محتاج
في وجوده إلى غيره مع احتياج الكلّ إليه.
كانت الحروف المشيرة إلى هذا المعنى من
الكتاب مهملة تتعلّق بها الحروف ولا تتعلق هي
بحرف منها. ولا يقال إنّ لام ألف حرفان فإن
الحديث النبوي قد صرَّح بأن لام ألف حرف
واحد فافهم.
واعلمْ أنّ الحروف ليست كلمات لأنّ
الأعيان الثابتة لا تدخل تحت كلمة كُنْ إلاّ عند
الإيجاد العيني، وأمّا هي ففي أوجهها وتعيينها
العلمي فلا يدخل عليها اسم التكوين، فهي حقّ
لا خَلْق، لأنّ الخَلْق عبارة عمَّا دخل تحت
كلمة كُنْ، وليست الأعيان في العلم بهذا
الوصف، لكنها مُلْحَقة بالحدوث إلحاقًا حكميًا
لما تقتضيه ذواتها من استناد وجود الحادث في
نفسه إلى قديم. فالأعيان الموجودة المعبّر عنها
بالحروف مُلْحَقة في العالم العلمي بالعلم الذي
هو ملحق بالعالم فهي بهذا الاعتبار الثاني قديمة
انتهى كلامه.
وقال الشيخ عبد الرزاق الكاشي: إنَّ
حروف الحقائق بسيطة وهي من الأعيان، وأمَّا
الحروف العالية فهي للشؤون الذاتية وهي كامِنةٌ
في غيبِ الغيوب، كالشَّجرة في النواة. واعلم
أنَّ أهل الجَفْر يقولون لبعض حروف الزمام
حروف أوتاد. وذلك كالأَوّل والرابع، ومثل
هذين الحرفين يتجاوزونهما ويأخذون الحرف
الثالث كما سيرِدُ في بحث الوتد. ويقول
بعضهم: الحروف أدوار. وهي دائمًا أربعة:
الأول: حرف زمام، والثاني: الحرف الأخير،
والثالث: الحرف الأول للزمام الأخير. والحرف
الرابع: الحرف الأخير لذلك. ويسمّي بعضهم
الحروف قلوبًا. وتلك الحروف هي التي وسط
الزمام. وعليه فإذا كانت الحروف والسطور كل
منها شفعًا فتكون حروف القلوب أربعةً وهي
وسط جميع الحروف، وإذا كانت مُفردة
كلاهما. فهو واحد (أي حرف القلب) وفي غير
هذا الشَّكل حروف القلوب إثنان. مثلاً: إذا كان
عددُ الحروف والسطور كلٌّ منها تسعة. وعليه
فحرفُ القلب هو الخامس مِنْ السطر الخامس.
وإذا كان عددُ الحروف ثمانية وعددُ السطور
أربعة فالحرف الرابع والخامس من كلٍّ من
السطر الثاني والثالث هي حروف قلوب. يعني
كل أربعة وإذا كانت الحروف سبعة والسطور
أربعة، فالحرف الرابع من كلّ السطرين الثاني
والثالث هي حروف قلوب. وإذا كانت الحروف
عشرة والسطور خمسة، فالخامس والسادس من
السطر الثالث هي حروف قلوب. وعلى هذا
فقس. كذا في أنواع البسط(١).
(١) وشيخ عبد الرزاق كاشي گفته حروف حقائق بسيطه اند ازاعيان وحروف عاليات شئون ذاتيه اند كامنه در غيب الغيوب چون
شجر در نواة. بدانکه اهل جفر از حروف زمام بعضي را حروف اوتاد گويند وآن اول وچهارم ومثل این دو حرف از میان
بگذارند وحرف سیوم بگیرند چنانچه در لفظ وتدهم خواهد آمد وبعضی را حروف ادوار گویند وآن همیشه چهار باشند یکي
حرف اول زمام اول دويم حرف آخر آن سوم حرف اول زمام آخرين چهارم حرف آخر آن وبعضي را حروف قلوب نامند وآن
حروف وسط زمام اند پس اگر حروف وسطور هر دو زوج باشند حروف قلوب چهار باشند که وسط جميع حروف باشند
واگر هر دو فرد باشند یك باشد ودر غیر این دو صورت حروف قلوب دو باشند مثلاً اگر عدد حروف وسطور نه نه باشند پس
حرف قلب پنجمي حرف سطر پنجم باشد واگر عدد حروف هشت باشند وعدد سطور چهار چهارم وپنجم از هريك از سطر
دویم وسیوم حروف قلوب باشند یعني هر چهار واگر حروف هفت وسطور چهار باشند چهارم حروف از هریك از سطر دویم
وسویم قلوب باشند واگر حروف ده وسطور پنج باشند پنجم وششم از سطر سيوم قلوب باشند همبرين قياس كذا في انواع
البسط .

٦٥١
الحُرْقة
الحَرف : Particle - Particule
في اصطلاح النحاة كلمة دَلَّت على معنّى
في غيره ويسمَّى بحرف المعنى أيضًا، وبالأداة
أيضًا. ويسمّيه المنطقيون بالأداة. ومعنى قولهم
على معنى في غيره على معنى ثابت في لفظ
غيره، فإنّ اللام في قولنا الرجل مثلاً يدلّ بنفسه
على التعريف الذي هو في الرجل، وهل في
قولنا هل قام زيد يدلّ بنفسه على الإستفهام
الذي هو في جملة قام زيد. وقيل المعني على
معنّى حاصل في غيره أي باعتبار متعلِّقه لا
باعتباره(١) في نفسه. وهذ هو التحقيق؛ وقد مَرَّ
ذلك مستوفّى في لفظ الإسم.
ثم الحروف بعضها عاملة جارة كانت أو
جازمة أو ناصبة صرفة كَانَ وأخواتها، أو مع
الرفع كالحروف المشبّهة بالفعل وهي إنّ وأنَّ
وكأنّ وليت ولعلّ ولكنّ فإنها تنصب الإسم
وترفع الخبر على عكس ما ولا المشبَّهتين
بليس، وبعضها غير عاملة كحروف العطف
كالواو وأوْ وبَلْ ونحوها مما يحصل به العطف،
وحروف الزيادة التي لا يختلّ بتركها أصل
المعنى كإِنْ المكسورة المخففة وتسمّى بحروف
الصِّلة كما يجيء في لفظ الصلة. وحروف النفي
الغير العاملة، وحروف النداء التي يحصل بها
النداء كيا، وحروف الاستثناء وحروف
الاستفهام، وحروف الإيجاب كنعم وبلى،
وحروف التنبيه كها وأَلاً، وحروف التحضيض
كهلاً وألاّ، وحروف التفسير كأيْ، وحروف
التنفيس كالسين وسوف، وحرف التوقّع كقد،
وحرف الردع أي الزجر والمنع وهو كلّ، وغير
ذلك. وإنْ شئت تفاصيل هذه فارجع إلى كتب
النحو .
الحَرْق : Ardour, flame - Ardeur, flamme
بالفتح وبالراء المهملة الساكنة سوختن.
وفيٍ اصطلاح الصوفية عبارة عَنْ واسِطة
التَّجَلِّيات التي هي جاذِبة للسَّالك نحو الفناء.
كذا في لطائف اللغات(٢).
الحُرْقة : Sourness, heartburn - Aigreur
بالضم وسكون الراء المهملة سوزش وما
يجده الإنسان في العين من الرَّمَد أو في القلب من
الألم أو في طعم شيء محرق. وحُرْقة البول وجع
احتراقي عند خروج البول كذا في بحر الجواهر.
والحُرْقة عند البُلغاء هي أَنْ يؤتى بكلام
يبعثُ على الرِّقَّة ويدعو إلى البكاء، وإنْ يكن
تركيبه عاديًا ومعانيه ليست بديعة. ولا صناعة
فيها. ولكنها وجدانية وليس ثمّة إِجماع على
ذلك، بخلاف الذوق فإنَّه شرط، ولا يتلذذ بهذا
الكلام إِلَّ أصحاب القلوب. وهو مؤثِّر في ذوي
الطباع السَّليمة لأَنَّه يذكر عظمة الباري تعالى
وهيبتَه واستغناءَه. ومثل هذا الكلام يسمَّى
بالحقيقي ويمكن أنْ يكونَ الكلام بالوصف
المذكور إذا تضمَّن ذكر الثناء على بعض الناس
والأحبة والفراق، وإمّا أَنْ يتعلَّق بقلَّة وفاءِ الزمان
أَوْ غلبة الشوق وشدَّةٍ أَلَم الفراق وأمثال ذلك.
ومثل هذا الكلام يُدْعى مَجازيًا. كذا في جامع
الصنائع(٣) .
(١) لاعتباره (م).
(٢) ودر اصطلاح صوفيه عبارتست از واسطة تجليات كه جاذب است سالك را سوي فنا كذا في لطائف اللغات.
(٣) وحرقت نزد بلغاء آنست كه كلام بطوري گويد كه رقّت آرد وموجب بكاء شود اگرچه تركيب عالي ومعاني بديع ندارد
ومصنوع نباشد واين وجداني است وليكن اجماع بدان شرط نيست چنانچه در ذوق شرط است وتلذذ بدان جز اهل دل نگيرد
وموثر در طبائع سليم بود بسبب ذكر عظمت وقدرت وهيبت وبي نيازي باريتعالى واين چنين كلام را حقيقي خوانند ويا بسبب
ذكر ثناي اشخاص ومحبوبات ووقوع مفارقت احباء واصحاب بود ويا ببيان بي وفائي دوران بود و غلبات اشتياق وشدائد
فراق ومانند آن باشد واينچنين كلام را مجازي خوانند كذا في جامع الصنائع.

٦٥٢
الحَرَكة
الحَرَكة : - Movement, motion
Mouvement
بفتح الحاء والراء المهملة في العرف العام
النقل من مكان إلى مكان، هكذا ذكر العلمي
في حاشية شرح هداية الحكمة، وهذا هو
الحركة الأينية المسماة بالنقلة. قال صاحب
الأطول: لا تطلق الحركة عند المتكلمين إلاّ
على هذه الحركة الأينية وهي المتبادرة في
استعمالات أهل اللغة. وقد تطلق عند أهل
اللغة على الوضعية دون الكميّة والكيفية انتهى.
وهكذا في شرح المواقف. ويؤيد الإطلاقين ما
وقع في شرح الصحائف(١) من أنّ الحركة في
العرف العام انتقال الجسم من مكان إلى مكان
آخر، أو انتقال أجزائه كما في حَرَكة الرَّحَى
انتھی .
وعند الصوفية الحَرَكة السلوك في سبيل
الله تعالى، كذا في لطائف اللغات.
ثم المتكلمون عرَّفوا الحركة بحصول
جوهر في مكان بعد حصوله في مكان آخر أي
مجموع الحصولين لا الحصول في الحيز الثاني
المقيَّد بكونه بعد الحصول في الحيز الأول،
وإنْ كان متبادرًا من ظاهر التعريف. ولذا قيل
الحركة كونان في آنين في مكانين، والسكون
كونان في آنين في مكان واحد. ويرد عليه أنّ
ما أحدث(٢) في مكان واستقر فيه آنين وانتقل
منه في الآن الثالث إلى مكان آخر لزم أنْ يكون
كون ذلك الحادث في الآن الثاني جزءًا من
الحركة والسكون، فإنّ هذا الكون مع الكون
الأول يكون سكونًا، ومع الثالث يكون حركة،
فلا تمتاز الحركة عن السكون بالذات، بمعنى
أنّه يكون الساكن في آن سكونه أعني الآن الثاني
شارعًا في الحركة. فالحق هو المعنى المتبادر
من التعريف. ولذا قيل الحَرَكة كونِّ أولٌ في
مكانٍ ثانٍ، والسكون كونٌ ثانٍ في مكانٍ أول.
ويرد عليه وعلى القول الأول أيضًا أنّ الكون
في أول زمان الحدوث لا يكون حركة ولا
سکونا .
إعلمْ أنّ الأشاعرة على أنّ الأكوان وسائر
الأعراض متجدّدة في كل آن. والمعتزلة قد
اتفقوا على أنّ السكون كون باق غير متجدّد،
واختلفوا في الحركة هل هي باقية أم لا؟ فعلى
القول ببقاء الأكوان يُرَدّ على كلا الفريقين أنه لا
معنى للكونين ولا لكون الكون أولاً، وثانيًا
لعدم تعدّده اللهم إلاّ أنْ يفرض التجدّد فرضًا.
وعلى القول بعدم بقائها يُرد أنْ لا يكون الحركة
والسكون موجودين لعدم اجتماع الكونين في
الوجود، اللهم إلاّ أنْ يقال يكفي في وجود
الكل وجود أجزائه ولو على سبيل التعاقب.
وقيل الحق أنّ السكون مجموع الكونين في
مكان واحد، والحركة كونٌ أول في مكانٍ ثان.
ومما يجب أنْ يُعلم أنّ المراد بكونين في مكانٍ
أنّ أقل السكون ذلك وبالكون الثاني في مكانٍ
أول ما يعمّ الكون الثالث. وعلى هذا قس سائر
التعاريف .
واعلمْ أيضًا أنّ جميع التعاريف لا يشتمل
الحركة الوضعية لأنّه لا كون للمتحرك بها إلّ
في المكان الأول، هكذا يستفاد مما ذكره
المولوي عصام الدين والمولوي عبد الحكيم في
حواشيهما على شرح العقائد النسفية. ويجيء ما
يدفع بعض الشكوك في لفظ الكون.
وأمّا الحكماء فقد اختلفوا في تعريف
(١) المعارف في شرح الصحائف: لشمس الدين محمد بن أشرف السمر قندي (- بعد ٦٩٠هـ). وهو شرح لكتاب الصحائف في
الكلام، وعلى هذا الكتاب شرحان ايضًا للبهشتي (- ٩٧٩هـ).
هدية العارفين، ١٠٦/٢. كشف الظنون، ١٠٧/٢.
(٢) حدث (م، ع).

٦٥٣
الحَرَكة
الحركة. فقال بعض القدماء هي خروجٌ مّا بالقوة
إلى الفعل على التدريج. بيانه أنّ الشيء
الموجود لا يجوز أنْ يكون بالقوة من جميع
الوجوه وإلاّ لكان وجوده أيضًا بالقوة، فيلزم أنْ
لا يكون موجودًا، فهو إمّا بالفعل من جميع
الوجوه وهو البارئ تعالى، والعقول على رأيهم
أو بالفعل، من بعضها وبالقوة من بعض. فمن
حيث إنّه موجود بالقوة لو خرج ذلك البعض من
القوة إلى الفعل فهو إمّا دفعة وهو الكون
والفساد فتبدل الصورة النارية بالهوائية انتقال
دفعي، ولا يسمّونه حركة بل كونًا وفسادًا، وإمّا
على التدريج وهو الحركة. فحقيقة الحركة هو
الحدوث أو الحصول أو الخروج من القوة إلى
الفعل إمّا يسيرًا يسيرًا أوْ لا دفعة أو بالتدريج.
وكل من هذه العبارات صالحة لإفادة تصوّر
الحركة. لكن المتأخّرين عَدَلوا عن ذلك لأنّ
التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان،
فيقع الزمان في تعريفه، والزمان مُفسَّر بأنّه مقدارُ
الحَرَكة، فيلزم الدور. وكذا الحال في اللادفعة،
وكذا معنى يسيرًا يسيرًا. فقالوا الحركة كمال
أول لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة.
وهكذا قال أرسطو. وتوضيحه أنّ الجسم إذا
كان في مكانٍ مثلاً وأمكن حصوله في مكان آخر
فله [هناك](١) إمكانان، إمكان الحصول في
المكان الثاني، وإمكان التوجّه إليه. وكلّ ما هو
ممكن الحصول له فإنه إذا حصل كان كمالاً له،
فكل من التوجه إلى المكان الثاني والحصول فيه
كمال، إلاّ أنّ التوجّه متقدّم على الحصول لا
محالة، فوجب أن يكون الحصول بالقوة ما دام
التوجّه بالفعل. فالتوجّه كمال أول للجسم الذي
يجب أنْ يكون بالقوة في كماله الثاني الذي هو
الحصول. ثم إنّ التوجّه ما دام موجودًا فقد بقي
منه شيء بالقوة. فالحركة تفارق سائر الكمالات
بخاصتين: إحداهما أنها من حيث إنّ حقيقتها
هي التأدّي إلى الغير، والسلوك إليه تستلزم أن
يكون هناك مطلوب ممكن الحصول غير حاصل
معها بالفعل ليكون التأدّي تأدّيًا إليه، وليس
شيء من سائر الكمالات بهذه الصفة، إذْ ليست
ماهيتها التأدّي إلى الغير ولا يحصل فيها واحد
من هذين الوصفين. فإنّ الشيء مثلاً إذا كان
مربعًا بالقوة ثم صار مربعًا بالفعل فحصول
المربعية من حيث هو هو لا يستعقب شيئًا ولا
يبقى عند حصولها شيء منها بالقوة. وأما
الإمكان الإستعدادي وإنْ كان يستلزم أنْ لا
يكون المقبول غير حاصل معه بالفعل فإنّ
التحقيق أنّ الاستعداد يبطل مع الفعل لكن
حقيقتها ليس التأدّي. وثانيتهما أنها تقتضي أنْ
يكون شيء منها بالقوة فإنّ المتحرّك إنما يكون
متحركًا إذا لم يصل إلى المقصد، فإنّه إذا وصل
إليه فقد انقطع حركته، وما دام لم يصل فقد
بقي من الحركة شيء بالقوة. فهوية الحركة
مستلزمة لأن يكون محلها حال اتصافه بها يكون
مشتملاً على قوتين، قوة بالقياس إليها وقوة
أخرى بالقياس إلى ما هو المقصود بها. أما
القوة التي بالنسبة إلى المقصد فمشتركة بلا
تفاوت بين الحركة، بمعنى القطع والحركة
بمعنى التوسط. فإنّ الجسم ما دام في المسافة
لم يكن واصلاً إلى المنتهى، وإذا وصل إليه لم
تبق الحركة أصلاً. وأما القوة الأخرى ففيها
تفاوت بينهما، فإنّ الحركة بمعنى القطع حال
اتصاف المتحرّك بها يكون بعض أجزائها بالقوة
وبعضها بالفعل. فالقوة والفعل في ذات شيء
واحد. والحركة بمعنى التوسّط إذا حصلت
كانت بالفعل، ولم تكن هناك قوة متعلّقة بذاتها،
بل بنسبتها إلى حدود المسافة. وتلك النسبة
خارجة عن ذاتها عارضة لها كما ستعرف. فقد
ظهر أنّ الحركة كمال بالمعنى المذكور للجسم
الذي هو بالقوة في ذلك الكمال وفيما يتأدّى
(١) [هناك] (+ م، ع).

٦٥٤
الحَرَكة
إليه ذلك الكمال. وبقيد الأول تخرج الكمالات
الثانية، وبقيد الحيثية المتعلّقة بالأول تخرج
الكمالات الأولى على الإطلاق، أعني الصورة
النوعية لأنواع الأجسام والصور الجسمية للجسم
المطلق فإنّها كمالات أولى لما بالقوة، لكن لا
من هذه الحيثية بل مطلقًا، لأنّ تحصيل هذه
الأنواع والجسم المطلق في نفسه إنّما هو بهذه
الصور وما عداها من أحوالها تابعة لها،
بخلاف الحركة فإنّها كمال أول من هذه الحيثية
فقط، وذلك لأنّ الحركة في الحقيقة من
الكمالات الثانية بالقياس إلى الصور النوعية.
وإنّما اتصفت بالأولية لاستلزامها ترتّب كمال
آخر عليها بحيث يجب كونه بالقوة معها فهي
أول بالقياس إلى ذلك الكمال، وكونه بالقوة
معها لا مطلقًا. فالحاصل أنّ الحركة كمال أول
للجسم الذي هو بالقوة في كماله الثاني بحيث
يكون أوليته من جهة الأمر الذي هو له بالقوة
بأن تكون أولية هذا الكمال بالنسبة إليه.
وههنا توجيهان آخران. الأول أنْ يكون
قولهم من جهة ما هو بالقوة متعلّقًا بما يتعلّق به
قولهم لما هو بالقوة كالثابت والحاصل، فيكون
المعنى كمال أول حاصل للجسم الذي يجب
كونه معه بالقوة في كماله الثاني، ومتعلّق به من
جهة كونه بالقوة، وذلك لأنّ الحركة كمال
بالنسبة إلى الوصول أو بقية الحركة للجسم الذي
يجب كونه معه بالقوة في كماله الثاني، وحصوله
له من جهة كونه بالقوة إذْ على تقدير الوصول
أو بقية الحركة بالفعل تكون الحركة منقطعة غير
حاصلة للجسم. وبيان فائدة القيود مثل ما مَرّ،
لكن بقي انتقاض تعريف الحركة بالإمكان
الاستعدادي إذْ يصدق أنّه كمال بالنسبة إلى ما
يترتب عليه سواء كان قريبًا أو بعيدًا للجسم
الذي يجب كونه معه بالقوة في الكمال الثاني،
من جهة كونه بالقوة، فإنّه إذا حصل ما يترتّب
عليه بطل استعداده، وكذلك أولية الاستعداد
بالنسبة إلى ما يترتب. والثاني أن يكون متعلّقًا
بلفظ الكمال ويكون المعنى أنّ الحركة كمال
أول للجسم الذي هو بالقوة في كماله الثاني من
جهة المعنى الذي هو به بالقوة، بأنْ يكون ذلك
المعنى سببًا لكماليته، وذلك فإنّ الحركة ليست
كمالاً له من جهة كونه جسمًا أو حيوانًا بل إنما
هي كمال من الجهة التي باعتبارها كان بالقوة،
أعني حصوله في أين مخصوص أو وضعٍ
مخصوص أو غير ذلك؛ وفيه نظر، وهو أنّ
الحركة ليست كمالاً من جهة حصوله في أين أو
وضع أو غير ذلك، فإنّ كماليتها إنما هو باعتبار
حصولها بعد ما كان بالقوة.
ويُردّ على التوجيهات الثلاثة أنه يخرج من
التعريف الحركة المستديرة الأزلية الأبدية الفلكية
على زعمهم، إذْ لا منتهى لها إلاّ بالوهم، فليس
هناك كمالان أول هو الحركة وثانٍ هو الوصول
إلى المنتهى إلاّ إذا اعتبر وضعٌ معين واعتبر ما
قبله دون ما بعده؛ إلاّ أنّ هذا منتهى بحسب
الوهم دون الواقع المتبادر من التعريف. وفي
الملخص أنّ تصور الحركة أسهل مما ذكر فإنّ
كل عاقل يدرك التفرقة بين كون الجسم متحركًا
وبين كونه ساكنًا. وأمّا الأمور المذكورة فمما لا
يتصورها إلّ الأذكياء من الناس.
وقد أجيب عنه بأنّ ما أورده يدلّ على
تصورها بوجه والتصديق بحصولها للأجسام لا
على تصوّر حقيقتها .
إعلمْ أنهم اختلفوا في وجود الحركة.
فقيل بوجوده وقيل بعدم وجوده. وحاكم بينهم
ارسطو، فقال: الحركة يقال بالاشتراك اللفظي
المعنيين. الأول التوجّه نحو المقصد وهو كيفية
بها يكون الجسم أبدًا متوسطًا بين المبدأ
والمنتهى، أي مبدأ المسافة ومنتهاها، ولا يكون
في حيّز آنين بل يكون في كل آن في حيّزٍ آخر،
وتسمّى الحركة بمعنى التوسط. وقد يعبر عنها
بأنها كون الجسم بحيث أي حَدٍّ من حدود

٦٥٥
الحَرَ كة
المسافة يفرض لا يكون هو قبل الوصول إليه
ولا بعده حاصلاً فيه، وبأنها كون الجسم فيما
بين المبدأ والمنتهى بحيث أي آنٍ يفرض يكون
حاله في ذلك الآن مخالفًا لحاله في آنين
يحيطان به، والحركة بهذا المعنى أمرٌ موجود
في الخارج، فإنّا نعلم بمعاونة الحسّ أنّ
للمتحرك حالةً مخصوصةً ليست ثابتة له في
المبدأ ولا في المنتهى، بل فيما بينهما، وتستمر
تلك الحالة إلى المنتهى وتوجد دفعة. ويستلزم
اختلاف نسب المتحرك إلى حدود المسافة فهي
باعتبار ذاتها مستمرة وباعتبار نسبتها إلى تلك
الحدود سيالة وبواسطة استمرارها وسيلانها تفعل
في الخيال أمرًا ممتدًا غير قارِّ هو الحركة بمعنى
القطع. فالحركة بمعنى التوسّط تنافي استقرار
المتحرّك في حيّز واحدٍ سواء كان منتقلاً عنه أو
منتقلاً إليه، فتكون ضدّا للسكون في الحيّز
المنتقل عنه وإليه، بخلاف مَنْ جعل الحركة
الكون في الحيّز الثاني كما يجيء في لفظ
الكون. الثاني الأمر الممتد من أول المسافة إلى
آخرها ويسمّى الحركة بمعنى القطع ولا وجود
لها إلاّ في التوهم، إذْ عند الحصول في الجزء
الثاني بطل نسبته إلى الجزء الأول منها ضرورةً،
فلا يوجد هناك أمر ممتد من مبدأها إلى
منتهاها. نعم لما ارتسم نسبة المتحرك إلى
الجزء الثاني الذي أدركه في الخيال قبل أنْ
يزول نسبته إلى الجزء الأول الذي تركه عنه،
أي عن الخيال، يخيّل أمر ممتد، كما يحصل
من القطرة النازلة والشعلة المدارة أمرٌ ممتد في
الحسّ المشترك فيرى لذلك خطًّا ودائرة.
التقسيم
الحركة إمّا سريعة أو بطيئة. فالسريعة هي
التي تقطع مسافة مساوية لمسافة أخرى في زمان
أقلّ من زمانها، ويلزمها أن تقطع الأكثر من
المسافة في الزمان المساوي. أعني إذا فرض
تساوي الحركتين في المسافة كان زمان السريعة
أقلّ، وإذا فرض تساويهما في الزمان كانت مسافة
السريعة أكثر. فهذان الوصفان لازمان للسريعة
مساويان لها. ولذلك عرفت بكلّ واحد منهما .
وأمّا قطعها لمسافة أطول في زمان أقصر فخاصة
قاصرة. والبطيئة عكسها فتقطع المساوي من
المسافة في الزمان الأكثر أو تقطع الأقل من
المسافة في الزمان المساوي، وربما قطعت مسافةً
أقل في زمان أكثر لكنه غير شامل لها. والاختلاف
بالسرعة والبطء ليس اختلافًا بالنوع إذْ الحركة
الواحدة سريعة بالنسبة إلى حركة والبطيئة بالنسبة
إلى أخرى، ولأنهما قابلان للاشتداد والنقص.
فائدة :
قالوا علّة البطء في الطبيعة ممانعة
المخروق الذي في المسافة، فكلما كان قوامه
أغلظ كان أشدّ ممانعة للطبيعة وأقوى في اقتضاء
بطء الحركة كالماء مع الهواء، فنزول الحجر إلى
الأرض في الماء أبطأ من نزوله إليها في الهواء.
وأمّا في الحركات القسرية والإرادية فممانعة
الطبيعة إمّا وحدها لأنه كلما كان الجسم أكبر أو
كانت الطبيعة السارية فيه أكبر كان ذلك الجسم
بطبيعته أشدّ ممانعة للقاسر، والمحرك بالإرادة
وأقوى في اقتضاء البطء وإنْ اتحد المخروق
والقاسر والمحرّك الإرادي. ومِنْ ثَمّ كان حركة
الحجر الكبير أبطأ من حركة الصغير في مسافة
واحدة من قاسر واحد، أو ممانعة الطبيعة مع
ممانعة المخروق كالسهم المرمي بقوة واحدة تارةً
في الهواء، وكالشخص السائر فيهما بالإرادة،
وربّما عاوق أحدهما أكثر والآخر أقل فتعادلا ،
مثل أنْ يحرك قاسر واحد الجسم الكبير في
الهواء والصغير في الماء الذي يزيد معاوقة الهواء
بمقدار الزيادة التي في طبيعته (١). وأيضًا الحركة
(١) طبيعة الاكبر (م، ع).

٦٥٦
الحَرَكة
إمّا أينية وهي الإنتقال من مكان إلى مكان تدريجًا
وتسمّى النقلة، وإمّا كمية وهي الإنتقال من كم
إلى كم آخر تدريجًا وهو أولى مما ذكره الشارح
القديم من أنّها انتقال الجسم من كَمّ إلى كَمّ على
التدريج، إذْ قد ينتقل الهيولى والصورة أيضًا من
كم إلى كَم، وهذه الحركة تقع على وجوه
التخلخل والتكاثف والنمو والذبول والسِّمَن
والهزال، وإمّا كيفية وهي الإنتقال من كيفية إلى
أخرى تدريجًا وتسمّى بالاستحالة أيضًا، وإمّا
وضعية وهي أنْ يكون للشيء حركة على
الاستدارة، فإنّ كلّ واحد من أجزاء المتحرّك
يفارق كلّ واحد من أجزاء مكانه لو كان له
مكان، ويلازم كله مكانه، فقد اختلفت نسبة
أجزائه إلى أجزاء مكانه على التدريج. وقولهم لو
كان له مكان ليشمل التعريف فلك الأفلاك.
والمراد بالحركة المستديرة ما هو المصطلح وهو
ما لا يخرج المتحرّك بها عن مكانه لا اللغوي
فإنّ معناها اللغوي أعمّ من ذلك، فإنّ الجسم إذا
تحرك على محيط دائرة يقال إنه متحرك بحركة
مستديرة، فعلى هذا حركة الرحى وضعية وكذا
حركة الجسم الآخر الذي يدور حول نفسه من
غير أنْ تخرج عن مكانه حركة وضعية. وقيل
الحركة الوضعية منحصرة في حركة الكرة في
مكانها وليس بشيء إذْ الحركة في الوضع هي
الإنتقال من وضع إلى وضع آخر تدريجًا. وقيل
حصر الوضعية في الحركة المستديرة أيضًا ليس
بشيء على ما عرفت من معنى الحركة في
الوضع، كيف والقائم إذا قعد فقد انتقل من
وضع إلى وضع آخر مع أنّه لا يتحرك على
الاستدارة وثبوت الحركة الأينية لا ينافي ذلك.
نعم لا توجد الوضعية هناك على الانفراد.
وبالجملة فالحق أنّ الحركة الوضعية هي
الانتقال من وضع إلى وضع كما عرفت، فكان
الحصر المذكور بناءً على إرادة الحركة الوضعية
على الإنفراد. ولذا قيل الحركة الوضعية تبدل
وضع المتحرك دون مكانه على سبيل التدريج،
وتسمّى حركة دورية أيضًا انتهى.
وهذا التقسيم بناءً على أنّ الحركة عند
الحكماء لا تقع إلاّ في هذه المقولات الأربع،
وأما باقي المقولات فلا تقع فيها حركة لا في
الجوهر لأنّ حصوله دفعي ويسمّى بالكون
والفساد، ولا في باقي مقولات العرض لأنها
تابعة لمعروضاتها، فإنْ كانت معروضاتها مما
تقع فيه الحركة تقع في تلك المقولة الحركة
أيضًا وإلاّ فلا. ومعنى وقوع الحركة في مقولة
عند جماعة هو أنّ تلك المقولة مع بقائها بعينها
تتغير من حال إلى حال على سبيل التدريج،
فتكون تلك المقولة هي الموضوع الحقيقي لتلك
الحركة، سواء قلنا إنّ الجوهر الذي هو موضوع
لتلك المقولة موصوف بتلك الحركة بالعرض
وعلى سبيل التبع أو لم نقل وهو باطل، لأنّ
التسود مثلاً ليس هو أنّ ذات السواد يشتدّ لأنّ
ذلك السواد إنْ عُدِمَ عند الاشتداد فليس فيه
اشتداد قطعًا، وإنْ بقي ولم تحدث فيه صفة
زائدة فلا اشتداد فيه أيضًا، وإنْ حدثت فيه صفة
زائدة فلا تبدل ولا اشتداد قطعًا ولا حركة في
ذات السواد، بل في صفة (١) والمفروض خلافه.
وعند جماعة معناه أنّ تلك المقولة جنس لتلك
الحركة، قالوا إنّ من الأين ما هو قارّ ومنه ما
هو سيّال، وكذا الحال في الكم والكيف
والوضع. فالسيّال من كل جنس من هذه
الأجناس هو الحركة فتكون الحركة نوعًا من
ذلك الجنس وهو باطل أيضًا إذْ لا معنى للحركة
إلاّ تغيّر الموضوع في صفاته على سبيل
التدريج، ولا شك أنّ التغيّر ليس من جنس
المتغيّر والمتبدّل لأنّ التبدّل حالة نسبية إضافية
(١) صفته (م).

٦٥٧
الحَرَكة
والمتبدّل ليس كذلك، فإذا كان المتبدّل في
الحركة هذه المقولات لم يكن شيء منها جنسًا
للتبدل الواقع فيها. والصواب أنّ معنى ذلك هو
أنّ الموضوع يتحرك من نوع لتلك المقولة إلى
نوع آخر من صنف إلى صنف آخر أو من فرد
إلى فرد آخر.
وأيضًا الحركة إمّا ذاتية أو عرضية. قالوا
ما يوصف بالحركة إمّا أنْ تكون الحركة حاصلة
فيه بالحقيقة بأن تكون الحركة عارضة له بلا
توسط عروضها لشيء آخر أوْ لا تكون، بأنْ
تكون الحركة حاصلة في شيء آخر يقارنه
فيوصف بالحركة تبعًا لذلك، والثاني يقال له إنّه
متحرك بالعَرَض وبالتبع وتسمّى حركته حركة
عرضية وتبعية كراكب السفينة، والأول يقال له
إنّه متحرك بالذات وتسمّى حركته حركة ذاتية.
والحركة الذاتية ثلاثة أقسام لأنه إمّا أنْ يكون
مبدأ الحركة في غيره وهي الحركة القسرية أو
يكون [مبدأ] (١) الحركة فيه إمّا مع الشعور أي
شعور مبدأ الحركة بتلك الحركة، وهي الحركة
الإرادية أوْ لا مع الشعور وهي الحركة الطبعية.
فالحركة النباتية طبعية وكذلك حركة النَّبَض لأنّ
مبدأ هاتين الحركتين موجود في المتحرّك ولا
شعور له بالحركة الصادرة عنه. وقد أخطأ مَنْ
جعل الحركة الطبيعية هي الصاعدة والهابطة
وحصرها فيهما إذْ تخرج عنها حينئذ هاتان
الحركتان، وكذا أخطأ مَنْ جعل الحركة الطبعية
هي التي على وتيرة واحدة من غير شعور
بخروج هاتين الحركتين. ومنهم مَنْ قَسَّم الحركة
إلى ذاتية وعرضية، والذاتية إلى ستة أقسام، لأنّ
القوة المحركة إنْ كانت خارجة عن المتحرك
فالحركة قسرية، وإنْ لم تكن خارجة عنه فإمّا
أنْ تكون الحركة بسيطة أي على نهج واحد وإمّا
أنْ تكون مركّبة أي لا على نهج واحد.
والبسيطة إمّا أنْ تكون بإرادة وهي الحركة
الفلكية أوْ لا بإرادة وهي الحركة الطبعية.
والمركَّبة إمّا أنْ يكون مصدرها القوة الحيواية أوْ
لا. الثانية الحركة النباتية. والأولى إمّا أنْ تكون
مع شعور بها وهي الحركة الإرادية الحيوانية أوْ
مع عدم شعور وهي الحركة التسخيرية كحركة
النبض.
فائدة :
الحركة تقتضي أمورًا ستة. الأول ما به
الحركة أي السبب الفاعلي. الثاني ما له الحركة
أي محلها. الثالث ما فيه الحركة أي إحدى
المقولات الأربع. الرابع ما منه الحركة أي
المبدأ. والخامس ما إليه الحركة أي المنتهى
وهما أي المبدأ والمنتهى بالفعل في الحركة
المستقيمة وبالفرض في الحركة المستديرة.
السادس المقدار أي الزمان فإنّ كل حركة في
زمان بالضرورة فوحدتها متعلّقة بوحدة هذه
الأمور، فوحدتها الشخصية بوحدة موضوعها
وزمانها وما هي فيه ويتبع هذا وحدة ما منه وما
إليه، ولا يعتبر وحدة المحرك وتعدده، ووحدتها
النوعية بوحدة ما فيه وما منه وما إليه ووحدتها
الجنسية بوحدة ما فيه فقط. فالحركة الواقعة(٢)
في كل جنس جنس من الحركة، فالحركات
الأينية كلّها متحدة في الجنس العالي، وكذا
الحركات الكمية والكيفية. ويترتّب أجناس
الحركات بترتب الأجناس التي تقع تلك
الحركة(٣) فيها فالحركة في الكيف جنس هي
فوق الحركة في الكيفيات المحسوسة وهي فوق
الحركة في المبصرات وهي [جنس] (٤) فوق
(١) [مبدأ] + (م، ع).
(٢) الواقعة - (م، ع).
(٣) الحركات (م، ع).
(٤) [جنس] (+ م، ع).

٦٥٨
الحَرَكة
الحركة في الألوان، وهكذا إلى أن ينتهي إلى
الحركات النوعية المنتهية إلى الحركات
الشخصية. وتضاد الحركتين ليس لتضاد المحرّك
والزمان وما فيه بل لتضاد ما منه وما إليه إمّا
بالذات كالتسوّد والتبيّض أو بالعرض كالصعود
والهبوط، فإنّ مبدأهما ومنتهاهما نقطتان
متماثلتان عرض لهما تضاد من حيث إنّ
إحداهما صارت مبدأ والأخرى منتهَى، فالتضاد
إنّما هو بين الحركات المتجانسة المتشاركة في
الجنس الأخير. ففي الاستحالة كالتسوّد والتبيّض
وفي الكم كالنمو والذبول وفي النقلة كالصاعدة
والهابطة وأمّا الحركات الوضعية فلا تضاد فيها .
فائدة :
إنقسام الحركة ليس بالذات بل بانقسام
الزمان والمسافة والمتحرك؛ فإنّ الجسم إذا
تحرّك تحركت أجزاؤه المفروضة فيه، والحركة
القائمة بكل جزء غير القائمة بالجزء الآخر، فقد
انقسمت الحركة بانقسام محلها .
فائدة :
ذهب بعض الحكماء كأرسطو وأتباعه
والجُبّائي من المعتزلة إلى أنّ بين كل حركتين
مستقيمتين كصاعدة وهابطة سكونًا، فالحجر إذا
صعد قسرًا ثم رجع فلا بد أنْ يسكن فيما بينهما
فإنّ كل حركة مستقيمة لا بد أن تنتهي إلى سكون
لأنها لا تذهب على الإستقامة إلى غير النهاية،
ومنعه غيرهم كأفلاطون وأكثرُ المتكلّمين من
المعتزلة. وإن شئت تحقيق المباحث فارجع إلى
شرح المواقف وشرح الطوالع والعلمي وغيرها .
تذنيب
الحركة كما تطلق على ما مَرّ كذلك تطلق
على كيفية عارضية (١) للصوت وهي الضم والفتح
الكسر ويقابلها السكون. قال الإمام الرازي
الحركات أبعاض المصوّتات. أمّا أولاً فلأنّ
الحروف المصوتة قابلة للزيادة والنقصان، وكلّما
كان كذلك فله طرفان ولا طرف في النقصان
للمصوّتة إلاّ بهذه الحركات بشهادة الإستقراء.
وأمّا ثانيًا فلأنّ الحركات لو لم تكن أبعاض
المصوّتات لما حصلت المصوتات بتمديدها،
فإن الحركة إذا كانت مخالفة لها ومددتها لم
يمكنك أنْ تذكر المصوّت إلاّ باستئناف صامتٍ
آخَر يجعل المصوّت تبعًا له، لكن الحسّ شاهد
بحصول المصوتة (٢) بمجرّد تمديد الحركات،
كذا في شرح المواقف في بحث المسموعات.
حركات الأفلاك وما في أجرامها لها أسماء
الحركة البسيطة وتسمّى متشابهة وبالحركة
حول المركز أيضًا، وبالحركة حول النقطة
أيضًا، وهي حركة تحدث بها عند مركز الفلك
في أزمنة متساوية زوايا متساوية. وبعبارة أخرى
تحدث بها عند المركز في أزمنة متساوية قِسِي
متساوية. والحركة المختلفة وهي ما لا تكون
كذلك. والحركة المفردة وهي الحركة الصادرة
عن فلك واحد وقد تسمّى بسيطة، لكن المشهور
أنّ البسيطة هي المتشابهة. والحركة المركّبة
وهي الصادرة عن أكثر من فلك واحد. وكل
حركة مفردة بسيطة وكل مختلفة مركبة وليس كل
بسيطة مفردة وليس كل مركّبة مختلفة. والحركة
الشرقية وهي الحركة من المشرق إلى المغرب
سُمّيت بها بظهور الكوكب بها من الشرق،
وتسمّى أيضًا حركة إلى خلاف التوالي لأنّها
على خلاف توالي البروج، والبعض يسمّيها
بالغربية لكونها إلى جهة الغرب. والحركات
الشرقية أربع: الأولى الحركة الأولى وهي حركة
الفلك الأعظم حول مركز العالم سمّيت بها
(١) عارضة (م، ع).
(٢) المصوتات (م، ع).

٦٥٩
الحَرَكة
لأنها أول ما يُعرف من الحركات السماوية بلا
إقامة دليل، وتسمّى بحركة الكُلّ أيضًا إذْ الفلك
الأعظم يسمّى أيضًا بفلك الكل لأنّ باقي
الأجرام في جوفه وتسمّى أيضًا بالحركة اليومية،
لأنّ دورة الفلك الأعظم تتم في قريب من يوم
بليلته على اصطلاح الحساب، وتسمّى أيضًا
بالحركة السريعة لأنّ هذه الحركة أسرع
الحركات. الثانية حركة مدير عطارد حول مركزه
وتسمّى حركة الأوج إذ في المدير الأوج الثاني
لعطارد فيتحرك هذا الأوج بحركة المدير
ضرورة. الثالثة حركة جوزهر القمر حول مركزه
وتسمّى بحركة الرأس والذنب لتحركهما بهذه
الحركة. الرابعة حركة مائل القمر حول مركزه
وتسمّى حركة أوج القمر لتحركه بحركته. ولما
كان الأوج كما يتحرك بهذه الحركة كذلك
يتحرك بحركة الجوزهر أيضًا. ويسمّي البعض
مجموع حركتي الجوزهر والمائل بحركة الأوج
صرَّح به العلاَّمة في النهاية. والحركة الغربية
كحركة فلك الثوابت وهي الحركة من المغرب
إلى المشرق وتسمّى أيضًا بالحركة إلى التوالي
لأنها على توالي البروج والبعض يسميها شرقية
أيضًا لكونها إلى جهة الشرق، وتسمّى أيضًا
بالحركة البطيئة لأنها أبطأ من الحركة الأولى،
وبالحركة الثانية لأنها لا تعرف أولاً بلا إقامة
دليل. وحركات السبعة السيارة أيضًا تسمّى
بالحركة الثانية والبطيئة وإلى التوالي والغربية أو
الشرقية. فمن الحركات الغربية حركة فلك
الثوابت. ومنها حركات الممثلات سوى ممثل
القمر حول مراكزها وتسمّى حركات الأوجات
والجوزهرات، وحركات العقدة. ومنها حركات
الأفلاك الخارجة المراكز حول مراكزها. وحركة
خارج مركز كل كوكب يسمّى بحركة مركز ذلك
الكوكب اصطلاحًا ولا تسمّى حركة مركز
التدوير كما زعم البعض وإنْ كانت يطلق عليها
بحسب اللغة. وحركة مركز القمر تسمّى بالبعد
المضعف أيضًا .
إعلمْ أنّ خارج مركز ما سوى الشمس
يسمّى حاملاً فحركة حامل كل كوكب كما
تسمّى بحركة المركز كذلك تسمّى بحركة العرض
لأنّ عرض مركز التداوير إنّما حصل بها فلهذه
الحركة دخل في عرض الكوكب وهي أي حركة
العرض هي حركة الطول بعينها إذا أضيفت
وقيست إلى فلك البروج.
إعلمْ أنّ مركز التدوير إذا سار قوسًا من
منطقة الحامل في زمان مثلاً تحدث زاوية عند
مركز معدّل المسير ويعتبر مقدارها من منطقة
معدل المسير، وبهذا الاعتبار يقال لهذه الحركة
حركة المركز المعدّل الوسطى وتحدث أيضًا
زاوية عند مركز العالم ويعتبر مقدارها من منطقة
البروج. وبهذا الاعتبار يُقال لهذه الحركة حركة
المركز المعدل. وإذا أضيفت إلى حركة المركز
المعدّل حركة الأوج حصل الوسط المعدّل فإذا
زيد التعديل الثاني على الوسط المعدّل أو نقص
منه يحصل التقويم المسمّى بالطول وهذا في
المتحيرة، ويعلم من ذلك الحال في النيرين.
فلهذا سميت بهذه الحركة المضافة إلى فلك
البروج بحركة الطول. ومعنى الإضافة إلى فلك
البروج أنْ تعتبر هذه الحركة بالنسبة إلى مركز
فلك البروج الذي هو مركز العالم.
إعلمْ أنّ مجموع حركة الخارج والممثل
في الشمس والمتحيّرة تسمّى حركة الوسط وقد
تسمّى حركة المركز فقط بحركة الوسط وأهل
العمل يسمّون مجموع حركة الممثل وفضل
حركة الحامل على المدير في عطارد بالوسط،
فإنهم لما سمّوا فضل حركة الحامل على حركة
المدير في عطارد بحركة المركز سمّوا مجموع
حركة الممثل والفضل المذكور بحركة الوسط.
وأما الوسط في القمر فهو فضل حركة المركز
على مجموع حركتي الجوزهر والمائل، وتسمّى
حركة مركز القمر في الطول أيضًا وقد يسمّى

٦٦٠
الحُرْمة
جميع الحركات المستوية وسطًا .
وحركة الاختلاف وهي حركة تدوير كل
كوكب سمّيت بها لأنّ تقويم الكوكب يختلف
بها، فتارة تزاد تلك الحركة على الوسط وتارة
تنقص منه ليحصل التقويم وتسمّى أيضًا حركة
خاصة الكوكب لأنّ مركزه يتحرك بها بلا واسطة
وهذه الحركة ليست من الشرقية والغربية لأنّ
حركات أعالي التداوير لا محالة مخالفة في
الجهة لحركات أسافلها لكونها غير شاملة
للأرض فإنْ كانت حركة أعلى التدوير إلى
التوالي أي من المغرب إلى المشرق كانت حركة
الأسفل إلى خلافه، وإنْ كانت بالعكس
فبالعكس. هذا كله مما يستفاد مما ذكره الفاضل
عبد العلي البرجندي في تصانيفه في علم الهيئة
والسيّد السنّد في شرح الملخص.
الحُرْمة : - Holy thing, taboo, prohibition
Chose sacrée, tabou, interdiction
بالضم وسكون الراء في الشرع هو الحكم
بطلب ترك فعل ينتهض فعله سببًا للعقاب
ويسمّى بالتحريم أيضًا. وذلك الفعل يسمّى
حرامًا ومحظورًا. قالوا الحرمة والتحريم متّحدان
ذاتًا ومختلفان اعتبارًا وستعرف في لفظ الحكم.
فالطلب احتراز عن غير الطلب. وبقيد ترك فعل
خرج الواجب والمندوب. وبقولنا ينتهض فعله
الخ خرج المكروه. وفي قولنا سببًا للعقاب
إشارة إلى أنّه يجوز العفو على الفعل. وقيد
الحيثية معتبر أي ينتهض فعله سببًا للعقاب من
حيث هو فعل فخرج المباح المستلزم فعله ترك
واجب كالاشتغال بالأكل والشرب وقت الصلوة
إلى أنْ فاتت، فإنَّ فعلَ مثلِ هذا المباح ليس
سببًا للعقاب من حيث إنّه فعلٌ مباح بل من جهة
أنّه مستلزِمٌ لترك واجب. إنْ قيل يخرج من الحَدّ
المحظور المخير وهو أنْ يكون المحرم واحدًا
لا بعينه من أمور متعددة كما إذا قال الشارع
هذا حرام أو هذا فلا ينتهض فعل البعض وترك
البعض سببًا للعقاب، بل يكون فعل الجميع
سببًا له، فاختص الحَدّ بالمحظور المعين. قلت
المراد بانتهاض فعله سببًا للعقاب هو الانتهاض
بوجهٍ ما وهو في المحظور المخيّر أنْ يفعل
جميع الأمور. ولهذا قيل الحرام ما ينتهض فعله
سببًا للذم شرعًا بوجهٍ ما من حيث هو فعل له.
فالقيد الأول احتراز عن الواجب والمندوب
والمكروه والمباح، والثاني أي قوله بوجهٍ ما
ليشتمل المحظور المخيّر وقيد الحيثية للاحتراز
عن المباح المستلزِم فعلُه ترك واجب.
إعلمْ أنّ أبا حنيفة وأبا يوسف رحمهما الله
لم يقولا بإطلاق الحرام على ما ثبت حرمته
بدليل قطعي أو ظني، ومحمّد رحمه الله يقول
إنّ ما ثبت حرمته بدليلٍ قطعي فهو حرام ويعرِّف
الحرام بما كان تركه أولى من فعله مع منع
الفعل وثبت ذلك بدليل قطعي، فإن ثبت بدليل
ظنّي يسمّى مكروهًا كراهة التحريم ويجيء في
لفظ الحكم. ثم الحرام عند المعتزلة فيما تدرك
جهة قبحه بالعقل هو ما اشتمل على مفسَدَة
ويجيء في لفظ الحسن.
التقسيم
الحرام قد يكون حرامًا لعينه وقد يكون
حرامًا لغيره. توضيحه أنّه قد يضاف الحِلّ
والحرمة إلى الأعيان كحرمة الميتة والخمر
والأمهات ونحو ذلك. وكثير من المحققين على
أنّه مجاز من باب إطلاق إسم المحلّ على
الحال أو هو مبني على حذف المضاف أي حَرَّم
أكل الميتة وشرب الخمر ونكاح الأمهات لدلالة
العقل على الحذف. وذهب بعضهم إلى أنه
حقيقة لوجهين. أحدهما أنّ الحرمة معناها المنع
ومنه حرم مكّة وحريم البئر، فمعنى حرمة الفعل
كونه ممنوعًا بمعنى أنّ المكلَّف منع من اكتسابه
وتحصيله. ومعنى حرمة العين أنها منعت من
العبد تصرفًا فيها فحرمة الفعل من قبيل منع