Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ - وقال ((أبو عبيد)» فى حديث النبى - صلى الله عليه وسلم - (( أنه دخل على عائشة - رضى الله عنها ، وعلى الباب قرأم ستر (١))). ٤ - من أحاديث الكتاب أحاديث قليلة لاتحتاج إلى تفسير ألفاظ مشكلة، وأُوردها ((أبو عبيد)) لتوضيح المعنى العام من الحديث ، ومن ذلك: وقال أبو عبيد فى حديث النبى - صلى الله عليه وسلم -: ((لأَهل القتيل أن ينحجزوا الأَدنى فالأَدنى، وإن كانت امرأة)). وهذا حديث يروى عن الأوزاعى، عن معن ، عن أبى سلمة ، عن عائشة - رضى الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - )». وذلك أن يقتل القتيل وله ورثة رجال ونساء . يقول: ((فأَّهم عما عن دمه من الأقرب فالأقرب من رجل أو امرأة، فعفوه جائز؛ لأَن قوله : أَن ينحجزوا : أَن يكفوا عن القود ، وكذلك كل من ترك شيئاً، وكف عنه، فقد انحجز عنه (٢))) . ٥ - بدأ أبو عبيد - رحمه الله - تفسيره لغريب الحديث باستقصاء مايحتاج إلى توضيح من وجوه العربية، فإِذا وفاها حقها - بقدر ما من الله به عليه - انتقل لبيان ما يحتاج إلى بيان من أحكام فقهية وغيرها ، ومن ذلك : وقال أبو عبيد فى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - (( أَن رجلا أَناه، فقال له : يارسول الله! إنا قوم نتساءل أموالنا بيننا . فقال : يسأَلِ الرجل فى الجائحة والنَثْق، فإِذا استغنى، أَو كرَب استعفّ)) ... حدثنا أبو عبيد ، قال حدثناه محمد بن أبى عدى ، ويزيد بن هارون ، عن بَهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . (١) أنظر الحديث رقم ٧٧ الجزء الأول من هذا التحقيق . (٢) انظر الحديث رقم ١١٩ الجزء الأول من هذا التحقيق. ٦٢ : أَما قوله: ((استغنى أَو كربَ)) يقول : أُودنا من ذلك وقرب منه، وكل دان قريب ، فهو كارب ... وقوله: سدادًا من عيش - فهو بكسر السين - وكل شىء سددت به خَلَلًا، فهوُ سِدَادٌ .... وأَما السَّداد بالفتح، فإِنما معناه الإصابة فى المنطقُ، أَن يكون الرجلُ مُسدَّدًا، يقال منه: إنه لذو سَدَادٍ فى منطقه ، وتدبيره ، وكذلك الرمى . فهذا ماجاء فى الحديث من العربية، وأما مافيه من الفقه، فإنه أَخبرك لمن تحل له . المسألة(١) ٦ - التمس أبو عبيد - رحمه الله - تفسير غريب الحديث من عدة وجوه أبرزها: (١) القرآن الكريم. كان يشرح الغريب، ثم يذكر مايويد شرحه من القرآن الكريم، ومن ذلك : ((وقوله: اكفتوا صبيانكم: يعنى ضموهم إليكم* واحبسوهم فى البيوت، وكل شىءٍ ضممته إليك، فقد كَفَتَّهُ .... وقال الله - تبارك وتعالى - ((أَلَم نَجعَل الأَرضَ كفاتاً. أَحياءٍ وَأمواتًا(٢) ) يقال : إنها تضعهم إليها ماداموا أحياءً على ظهرها، فإذا ماتوا ضمتهم إليها فى بطنها(٢). (ب) الحديث الشريف، وكان كذلك يشرح غريب الحديث الذى أتى به ، ثم يؤيد قوله بما جاء فى أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحاديث الصحابة والتابعين ، ومن ذلك : : ((قوله: لَّ : لهو المطلُ ..... وقوله: الواجد : يعنى الغنى الذى يجد مايقضى دينه ، وما يصدقه حديث النبى - صلى الله عليه وسلم -: ((مطل الغنى ظُلمٌ (٤) ، (١) انظر لوحة ٣٤٠ نسخة كوبريلى، والمطبوع ٦٠/٢. (٢) سورة والمرسلات . الآيتان ٢٥-٢٦ (٣) انظر الحديث رقم ٨٨، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٤) انظر الحديث رقم ١٢٦، الجزء الأول من هذا التحقيق. ٦٣ (جـ) الشعر العربى، وكثيرا ما كان يؤثرُ ذكرَ المقطوعة الشعرية، ولا يكتفى بذكر بيت الشاهد ، ومن ذلك : . وإنما تأويله عندى - والله أعلم - أَن العربَ كانَ شَُّها أَن تذم الدَّهِرَ، وتَسبَّه عند المصائب التى تنزل بهم من موت أو هرم، أَو تلف مال أو غير ذلك ، فيقولون : أَصابتهم قوارع الدهر، وأَبادهم الدَّهرُ، وأَتى عليهم الدَّهرُ ، فيجعلونه الذى يفعل ذلك ، فيذمونه عليه، وقد ذكروه فى أَشعارهم ، قال الشاعر يذكر قوما هلكوا : والدهرُ يرمينى وما أُرمى فاستأَثر الدهرُ الغداةَ بهم بسراتنا ، وَوَقَرْت فى العَظم يادهرُ قد أَكثرتَ فجعتَنا بادهرُ ما أنصفت فى الحكم وسلبتنا مالستَ تُعقّبُنا وقال عمرو بن قميئة : فكيف بمن يُربى وليس برام رمتنى بنات الدهر من حيث لا أَرى ولكنما أُرَى بغيرِ سهام فلَو أَنَّهَا نَبَلٌ إِذًا لاتقيتها أَنوءُ ثلاثا بعدمن قيامى: على الراحتين مرة وعلى العصا فَأَخِيرِ أَن الدهر فعلَ بَه ذاك ، يصف الهرم (١). أقول : وقد لاحظت نسبته لكثير من الشعر إلى أصحابه، واهتمامه بذكر ماجاء فيه أكثر من رواية منه . . (د) أَمثال العرب، ومن ذلك: ((قوله: الغنيمة الباردة، إنما وصفها بالبرد؛ لأن الغنيمة إنما أَصلها من أرض العدو ، ولا يُنَال ذلك : إلا بمباشرة الحرب ، والاصطلاء بحرها . يقول : فهذه غنيمة ليس فيها لقاء حرب ، ولاقتال . (١) انظر الحديث رقم ١١٣؛ الجزء الأول من هذا التحقيق. ٦٤ وقد يكون أن يسمى باردة؛ لأَن صوم الشتاء ليس كصوم الصيف الذى يُقاسَى فيه العطش، والجهد، وقد قيل فى مثل: ((ولِّ حارَّها من تولَّى قارَّها)). يُضرّب للرجل يكون فى سعة وخصب ، ولا ينيلك منه شيئا ، ثم يصير منه إِلى أَذى ومكروه، فيقال : دعه حتى يلقى شره، كما لَقى خيرَهُ . فالقارّ هو المحمود ، وهو مثل الغنيمة الباردة ، والحار هو المذموم المكروه (١) (هـ) المأثور من كلام العرب ، ومن ذلك : (قال أبو عبيد : كأَنه يتيمَّن بهم ( يعنى تيمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفقراء المهاجرين ) والصعاليك: هم الفقراء، والاستفتاح هو الاستنصار .... ويروى أن أمرأة من العرب كان بينها وبين زوجها خصومة، فقالت : بينى وبينك الفتاح . تعنى الحاكم ؛ لأنه ينصر المظلوم على الظالم (٢) )). أقول : وقد قام أبو عبيد - رحمه الله - بشرح غريب ما استعان به على تفسير غريب الحديث من آيات القرآن ، وأحاديث الرسول والصحابة والتابعين، وأشعار العرب ، وأمثالهم ، ومأثور الكلام ، وفسر المعنى العام لما يحتاج إلى تفسير. (و) عَرْض آراء السابقين، ونسبتها فى أمانة تامة إِلى أَصحابها ، ومناقشتها ، واختيار مايراه مناسبا ، والإِدلاء برأيه إِن رأَى مايخالف ذلك، ومن هذا : وقال أبو عبيد فى حديث النبى - صلى الله عليه وسلم، لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر. قال حدثنيه يزيد، عن الدَّستَوانىّ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن ابن المسيب ، عن سعد ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - وليس فى حديث ((سعد )) الصفر . قال : وحدثنى حجاج ، عن حماد بن سَلّمة ، وابن جُرَيج ، عن أبى الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . وزاد فيه: ((ولاغُولَ )). (١) انظر الحديث رقم ١٣٠، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٢) انظر الحديث رقم ٩٤ ، الجزء الأول من هذا التحقيق. ٦٥ وَفستر ((جابر)) الصَّفَر : دواب البطن. قال: وحدثنى شجاعُ بن الوليد، عن ابن شُبْرُمة، عن أَبِى زَرْعةَ، عن أبى هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم .- قال : وحدثنيه إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أَبي هريرة يرفعه ، دخل حديث بعضهم فى بعض . قال أبو عبيدة: سمعت ((يونس)) يسأل روّبة بن الحجاج عن الصفر، فقال : هي حيّةٌ تكون فى البطن تصيب الماشية والناس . قال : وهى أَعدى من الجرب عند العرب . قال ((أبو عبيد)): فأَبطل النبى - صلى الله عليه وسلم - أَنْبا تعدى. ويقال : إنها تشتد على الإنسان إذا جاع وتؤذيه، قال ((أَعشى باهلة)) يرأى رجلا. لايتأرى لما فى القدر يرقُبُه ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَر قال أبو عبيد : ويروى : ولا يعض على شُرَسُوفه الصفر لايشتكى الساقَ من أَينٍ ولا وَصَم ويروى : ولا وَصَبٍ. قال أبو عبيدة : فى الصفر أيضا ، يقال: إنه هو تأخيرهم المحرم إلى صفر فى تحريمه. قال : وأَما الهامة، فإِن العرب كانت تقول: إن عظام الموتى تصيرهامة، فتطيرُ، وقال أَبو عمرو فى الصفر مثل قول روّبة، وقال فى الهامة مثل قول ((أبى عبيدة)). إلا أنه قال: كانوا يسمون ذلك الطائر الذى يخرج من هامة الميت إذا بلى : الصدى . قال أبو عبيد: وجمعه أصداءٌ، وكل هذا قدجاء فى أَشعارهم ، قال أبو دؤاد الإيادى: ·فلهم فى صَدَى المقابر هامٍ سُلِّط الموتُّ والمنون عليهم فذكر الصدا والهام جميعا . ٦٦ وقال (لبيد)) يرأى أخاه ((أُريد)) : فليس الناس بعدك فى نَقير ولاهم غير أصداءٍ وهام وهذا كثير فى أَشعارهم لايحصى . فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك . وقال ((أبو زيد)) فى الصفر: مثل قول أبى عبيدة الأَول . وقال أبو زيد: الهامّة - مشددة الميم - يذهب إلى واحدة الهوام، وهى دواب الأرض. قال أبو عبيد : ولا أَرى أَبا زيد حفظ هذا، وليس له معنى. ولم يقل أحد منهم فى الصفر إنه من الشهور غير أبى عبيدة ، والوجه فيه التفسير الأول (١). أقول: وقد ذكرت هذا الحديث وتفسيره ؛ لأنه يوضح إلى جانب ماذكرت من خصائص منهج ((أبى عبيد)) بعض ما أشرت إليه من ذكر روايات الحديث وروايات شواهد الشعر ، وذكر ماجاء من تفسير فى الحديث لغريبه ، والتماس التفسير من شعر العرب، وغير ذلك .. ٧ - لم يكتف أبو عبيد - رحمه الله - في كتابه غريب الحديث ببيان المعنى اللغوى الألفاظ الغربية وإنما جاء كتابه بحراً زاخرًا بقضايا العربية ، وعلوم الحديث والدراسات الفقهية، والعقائدية، وغيرها. وهو كما قال فيه ((ابن درستويه)): ((جمع)) ((أبو عبيد)» فى كتابه عامة مافى كتب السابقين، وفسره، وذكر الأسانيد، وصنف المسند على حدته، وأحاديث كل رجل من الصحابة والتابعين على حدته، وأجاد تصنيفه، فرشَّب فيه أهل الحديث ، والفقه، واللغة؛ لاجتماع مايحتاجون إليه فيه (٢) )) وأضع بين يدى القارئ أمثلة محدودة تمثل قطرات معدودة من بحر يموج به الكتاب . (١) انظر الحديث رقم ١٦ الجزء الأول من هذا التحقيق. (٢) بتصرف من تاريخ بغداد ٤٠٥/١٢ (أ) من قضايا التصريف : - اهتم اهتماماً واضحاً بتصريف الأفعال، ويكاد يكون ذلك صادقا على ٩٠٪ من الأفعال التى تعرض لها نقلاً عن السابقين ، أو تصريفا من عنده ، ومن هذا : (( قال أبو عبيدة : قوله : الهوامى: المهملة التى لا راعى لها ، ولا حافظ . . يقال منه: ناقة هامية، وبعير هام، وقد هَمَتِ تَهمى حَمْيَاً : إذا ذهبت على وجوهها ٠٠ فى الأرض لرعى أو غيره وقال الكسائى، وأبو زيد: هَمَت عينه تَهْمى هَمْياً: إِذا سالت، ودمعت ، وهو من ذلك أيضا .. قال أبو عبيد : وليس هذا من الهائم ، إنما يقال من الهائم : هام يهم ، وهى إبل هوائم ، وتلك التى فى الحديث هوامى، إلا أن تجعله من المقلوب (١) )). - اهتم اهتماما واضحا بجموع التكسير ، وخاصة نوادر الجموع، وشاذّها ، ومن هذا : ( والأَفيق: الجلد الذى لم يُتم دباغه، وجمعه أَفَقٌ. يقال : أَفيقٌ وَأَفَقُ مثلُ أَديم وأَدَم، وعَمودِ وعَمَد ؛ وإِهاب وأَهَب . قال: ولم نجد فى الحروف فعيلا ولا فعولا يجمع على ((فَعَل)) إِلا هذه الأحرف. وإنما تجمع على ((فُعُل)» مثل صبور وصُبرُ، وشكور وشُكُر (٢) - صور النسب إلى بعض الكلمات ، ومن ذلك : ((قال - يعنى أبا عبيدة - وإذا نسبوا إلى الخَبِط: حَبَطَىُّ، وإِلى سَلِمَة: سَلَمى، وإلى شَقِرة: شَقَرِىٌّ، وذلك أنهم كرهوا كثرة الكسرات، فَفتحوا (٣) )). - من الصور التى تعرض لها فى التصغير ، قوله : ((وإِنما أَدخلوا الهاءَ فى ذى الثُّكَيَّة، وأصل الثدى ذكرٌ؛ لأنه كأَنّه أَراد لحمة من ثدى ، (١) انظر الحديث رقم ١٤ الجزء الأول من هذا التحقيق . . (٢) انظر الحديث رقم ٣٧، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٣) أنظر الحديث رقم ٠٤ الجزء الأول من هذا التحقيق ٦٨ أَو قطعة من ثدى ، فصغر على هذا المعنى ، فأَنت (١) . . (( - من صور المصادر والأسماءِ ، قوله: ((قال الأَصمعى: السّوادُ: السِّرارُ . يقال منه: ساؤدتُهُ مساؤَدَةُ وسوادًا: إِذا سارزته ،" ولم يعرفها - برفع السين - قال أبو عبيد: ويجوز الرفع، وهو بمنزلة جِوار وجُوارٍ، فالجوارُ المصدرُ، والجُوارُ الاسم (٢))). - من صور وصف المذكر والمؤنث ، قوله : ((قال الأصمعى (- يعنى تفسير ((ذئر)) - ) يعنى نَفَرن، ونشزن، واجتران . يقال منه امرأةٍّذائر على مثال فاعل مثل الرجل (٣) ، (ب) من قضايا النحو : 3 ((معنى بَله فى قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((بلة ما أَظلعتهم عليه)): قال الأحمر وغيره ، قوله : بله ، معناه : كيف ما أَطلعتهم عليه . وقال الفراء : معناه : كيف ما أُطلعتهم عليه ، ودع ما أَطلعتهم عليه . قال أبو عبيد: وكلاهما معناه جائز، وقال فى ذلك كعب بن مالك الأنصارى ، يصف السيوف : بلة الأُكفّ. كأَّهَا لم تخلق تذر الجماجم ضاحيا هافاتها قال أبو عبيد: والأكف تنشد بالخفض، والنصب ، على معنى: دعِ الأَكفِّ، وقال أبو زبيد الطائى : حمالٍ أَثقال أَهل الود آونةُ - أُعطيهم الجهدَ منى بَلْهَ مَا أَسَعُ وقال ابن هَرمة : تمشى القطوف إذا غنى الخداة .ها مَشىَ النجيبة بله الجلة النجما (٤) (١) أنظر الحديث رقم ٣٨ الجزء الأول من هذا التحقيق. (٢) انظر الحديث رقم ٢٣، الجزء الأول من هذا التحقيق . (٣) انظر الحديث رقم ٥١، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٤) انظر الحديث رقم ٦١، الجزء الأول من هذا التحقيق. ٦٩ (جـ) من قضايا اللغة : من صور الإبدال : « قال الفراء: ومثل زُبْيَة من الرِّبا، حُبْية من الاحتياء سماع من العرب، يعنى أنهم قد تكلموا بها بالياء، فقالوا: رُبيّة، وحُبية، ولم يقولوا: ١ حُبُوَةٌ وَرُبْوَة، وأَصلهما الواو من الحُبْوَة والرُّبوَة (١). وقال : قوله: شَمَّتَّ: يعنى دعاله، كقولك: يرحمكم الله، أَو يهديكم الله ويصلح بالكم،"والتشميت هو الدعاء، وكل داع الأحد بخير فهو مشمت له ...... وفى هذا الحرف لغتان: سمَّت، وشمَّت، والشين (معجمة) أَعلى فى كلامهم وأكثر (٢). - من صور الإتباع : وقال أبو عبيد فى حديث العباس. رضى الله عنه، وحديث ابنه عبد الله فى ((زمزم)): لا أُحلها لمغتسل، وهى حِلٌّ لشارب وبِلَّ .. وأما قولهِ: بلٌّ، فإِن الأصمعى قال : كنت أَقول فى بلُّ إِنَّه إتباع ، كقولهم : عطشان نطشانُ، وجائع ذائعٌ، وحسنُ بسَنٌّ، حتى أَخبرنى مُعتَمِرِ بنُ سليمانَ أَن ((بلِّ)) فى لغة («حِمْيرَ)): ـباحٌ . قال أبو عبيد: وهو عندى على ماءّقال ((معتمر)) لأنا قلّ ما وجدنا الإتباعَ يكون بواو العطف ، وإِنما الإتباع بغير واو ، كقولهم : جائع نائع ، وعطشان نطشان، وحسن بسن ، وما أشبه ذلك، إنما يُتكلّم به من غير واو . وقد كان بعض النحويين يقولون فى حديث آدم - عليه السلام -: أنه لما قتل أحد ابنيه أَخاه مكث مائة سنة لا يضحك، ثم قيل له : حيَّاك الله وبيَّاك .. قال : وما بياك ؟ قال : أضحكك .. فقوله : بيَّاكَ : أَضحكك، ببين لك أنه (١) انظر الحديث رقم ٨٦، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٢) أنفار الحديث رقم ١٢٩، الجزء الأول من هذا التحقيق. ٧٠ ليس بإتباع، إنما هى كلمة أخرى ..... قال: ويقال: إِن بلَّ شفاءٌ (١) - من صور الأجناس، وهو ما اشتبه فى اللفظ واختلف فى المعنى : ((الرَّهُوُ فى مواضع: فأحدها السير السهل المستقيم، وهذا موضعه (٢). والرَّهُ : الحفير يجتمع فيه الماء . والرّهو: اسم طائر يقال له : الرِّهُوُ . 4 والرّهْوُ: أيضاً : الشىء المتفرق . ويُتبع أغلب ما يذكر من معان بما يؤكده من القرآن أو الحديث، أو الشعر ، أو كلام العرب (٣). وقد جمع ما جاء من هذه الظاهرة بكتاب غريب الحديث الذى نحن بصدد تحقيقه . فى كتيِّب أَشرت إليه فى ثبت كتبه (٤). - من صور الأضداد : قال أبو عبيد سمعت محمد بن الحسن يقول: النَّبَل: هى حجارة الاستنجاءِ .. والمحدِّثون يقولون: النَّبَل - بالفتح -،وفراها إِنما سميت نُبلا لصغرها، وهذا من الأضداد فى كلام العرب، أن يقال للعظام نُبَل، وللصغار نُبَل (٥). - من صور اشتقاق الأسماء : قال أبو عبيد: الحُمَمُ: الفحم، واحدتها حُمَمة، وبه سمى الرجل حُمَمةٌ (٦). من صور القلب ۔ القلب المكانى : * (١) انظر لوحة ٥٠١-٥٠٢ مخطوطة كوبريلى، والمطبوع فى حيدراباد ٢٦/٤ (٢) يشير إلى ما جاء فى حديث رافع بن خديج لوحة ٥٥٠ من نسخة كوبريل. والمطبوع فى حيدرأباد ١٤٥/٤ (٣) انظر لوحة ٥٥٠ من نسخة كوبريلى، والكتاب المطبوع فى حيدراباد ١٤٠/٤. (٤) انظر الكتاب رقم ١٠ من ثبت كتب أبى عيد . (٥) انظر الحديث رقم ٤٦، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٦) انظر الحديث رقم ٦٦، الجزء الأ١ من هذا التحقيق. ٧١ قال أبو عبيد ، وليس هذا من الهائم ، إِنما يقال من الهائم : هام يهم ، وهى إِبل هوائم ، وتلك التى فى الحديث هوامى، إلا أن تجعله من المقلوب ، كما قالوا جذّب وجبَذ ، وضَبِّ، وبَض : إِذا سالَ الماءُ وغيره وأشباه ذلك (١). القلب المعنوى : ٠ قال الأصمعى: إيما سمى اللديغ سليما؛ لأنهم تطيروا من اللديغ، فقلبوا المعنى، كما قالوا للحبشى : أبو البيضاء ، وكما قالوا للفلاة مفازة، تطيروا إلى الفوز، وهى مَهْلَكة ، ومهلِكة (- أى بفتح اللام وكسرها - )، وذلك؛ لأنهم تطيروا (٢). - من صور الاهتمام باللغات: • ((قال الأصمعى: السّوادُ: السرار يقال منه : ساوذته مساودة ويسوادا : إذا ساررته، ولم يعرفها ( الأصمعى ) برفع السين سُوادا . قال أبو عبيد : ويجوز الرفع ، وهو بمنزلة جوار وجُوارٍ، فالجوار: المصدر ، والجوار : الاسم ((قوله: الدد: هو اللعب واللهو. قال الأحمر : وفى الدد ثلاث لغات: يقال : هذا دَدٌّ على مثال يد ، ودم . وهذا ددّاً على مثال قفاً وعصاً . وهذا دَدّنّ على مثال حزن ، قال الأعشى : أَترحل من ليلى ولما تزوَّدِ وكنت كمن قضَّى الْلبانة من دَدِ : وقال ( عدی بن زيد ، أيها القلب تعلّل بِدَدَن إِن هَمِّى فى سَماعٍ وَأَذَنْ (٣)). (١) أنظر الحديث رقم ١٤، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٢) انظر الحديث رقم ٤١، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٣) انظر الحديث رقم ٢٢، الجزء الأول من هذا التحقيق. ٧٢ « والمربد أيضاً موضع التمر مثل الجرين، والبَيْدَرِ للحنطةِ . والمربد بلغةٍ أَهل الحجاز، والجرين لهم أيضاً، والأَنْدَرُ لأُهل الشام، والبَيْدَرُ لأَهل العراق. (١). - مِن صور المعرَّب والدخيل : (قوله: سَرَق الحرير: هى الشّقق منها ◌ُأيضاً، كما قال ابن عمر)) إلا أنها البيض منها خاصة ..... والواحدة سَرَقَةُ. قال أبو عبيد : وأَحِسبُ أَصلَ هذه الكلمة فارسية، إِنَّا هُوَ سَرَهْ: يعنى الجِّدَ، فَعُرِّبَ، فقيل: سَرَقٌ ، فجعلت القاف مكان الهاء ، ومثله فى كلامهم كثيرٌ ، ومنه قولهم للخروف : بَرَقٌ، وإِنما هو بالفارسية: بَرَهْ، وكذلك يَلْمَؤُلاً، إنما هو بالفارسية: يَلْمَه: يعنى القَبَاء، والاستبرق مثلهُ، إنما هو استَبرَهْ: يعنى الغليظ من الديباج،" وهكذا تفسيره فى القرآن. قال حدثناه يحيى بن سعيد، عن ابن أبى عروبة، عن قتادة ، عن عكرمة . قال أبو عبيد: فصار هذا الحرف بالفارسية فى القرآن مع أحرف سواه . وقد سمعت ((أَبا عُبيدَة)) يقول: مَن زَعم أَن فى القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول،، واحتَجَّ بقوله - تعالى - ((إِنَّا جَعلنَاهُ قُرآنًا عريباً (٢) )). وقد رُوى عن ((ابن "عباس)) ومجاهد، وعكرمة، وغيرهم فى أَحرف كثيرة أنه من غير لسان العرب مثل: سجِّيلٍ، والمشكاة، واليَمِّ، والطورِ، وأَباريق، واستمرق ، وغير ذلك . هؤلاءِ أَعلم بالتأويل من أبى عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب، وذهب هذا إلى غيره، وكلاهما مصيب - إن شاء الله - . وذلك أَن أَصل هذه الحروف بغير لسان العرب فى الأصل). (١) انظر الحديث رقم ٩٣، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٢) سورة الزخرف الآية (٣). ٧٣ فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فَعربته، فصار عربيا بتعريبها إياه، فهى عربية فى هذه الحال عجمية الأصل، فهذا القول يصدق الفريقين جميعاً (!))). أقول: وقد نقلت هذا عن أبى عبيد - رحمه الله - مع طوله - هنا - ؛ لأنه مبحث جيد أدلى فيه المؤلف بدلوه فى قضية، المعرَّب فى القرآن)) وعرض أقوال غيره، ووقَّق بينها، جزاه الله خير الجزاء . - من صور النحت : (قال الكسائى، وغيره قولها: أَجِنَّك: تريد من أجل أَنك، فتركت (مِن)، والعرب تفعلُ ذلك ، تدع (مِن) مع (أجلٍ)، تقول: فعلت ذلك أجلِك: بمعنى من أَجلك، قال ((عدى بن زيد )) : أَجل أَنَّ اللهَ قد فَضَّلكم فرق ما أُحكى بصُلبٍ وإزار أراد : من أجلٍ، وأراد بالصلب: الحسب، وبالإِزار: العفة. ويروى أيضاً : .· فَوقَ مَن أَحْكَأَ صُنْبًا بإزار . . أحكاً: شَدَّ ..... وقولها: أَجَنَّك: فحذفت الأَّلف واللام، كقوله: ((لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّى))(٢) يقال إِن معنَاه - والله أعلم -: لكن أنا هو الله ربى، فحذفت الألف، فالتقت نونان فجاء التشديد لذلك ، وأنشدنا الكسائى : 2 لَهِنَّك من عَبِسِيَّة لَوسيمةُ عَلَ هَنَوَاتٍ كاذب مَن يقولُها أراد : الله إنك لوسيمة، فأسقط إحدى اللامين، وحذف الألف من إنك. وكذلك اللام مِن أَجل حذفت (٣))): - من صور الزيادة ، وفصل ما يوصل ، ووصل ما يفصل: (١) انظر لوحة ٥٨٥ نسخة كوبريلى، والمطبوع فى حيدر أباد ٢٤١/٤، وجاء فيها تكملة من نسخة المقابلة لا من نسخة الأهل التى اعتمدها ما يؤكد أنها تهذيب لغريب حديث أي عيه (٢) سورة الكهف ، الآية ٣٨ (٣) انظر لوحة ٥٢٠-٥٢١ من نسخة كوبريل، والمطبوع فى حيدر أباد ٧٣/٤ ٧٤ (( ثم قال: ((اذهب بهذه تلآن معك)) ... قال الأموى : قوله: تَلْآنَ: يريد الآن، وهى لغة معروفة يزيدون التاء فى الآن، وفى حين، فيقولون: تَلْآنَ، وَتَحِينَ، قال: ومنه قول الله - تبارك وتعالى - ( ولات . حين مناص (١)))، قال: إنما هى : ولا حين مناص. قال وأَنشدنا الأَموى لأبى وجزة السعدنى : العاطفون تحين مَا مِن عَاطف والمطعمون زمانَ مَا مِن مُطْعِم وكان الكسائى ، والأحمر ، وغيرهما من أصحابنا يذهبون إلى أن الرواية : العاطفونه، فيقولون : جعل الهاء صلة ، وهى فى وسط الكلام ، وهذا ليس يوجد إلا على السكت . فحدَّثت به ((الأموى))، فأَنكره، وهو عندى على ما قال ((الأموى)، ولا حجة لمن احتج بالكتاب فى قوله: ((ولات))؛ لأن التاء منفصلة من حين؛ لأنهم قد كتبوا مثلها منفصلا أيضاً مما لا ينبغى أن يفصل، كقوله - عز وجل -: ((ياوَيْلَتا مَالِ هذا الكتاب (٢))) .. وقد وصلوا فى غير موضع وصل، فكتبوا: ((ويكأَنّه (٣) ) . وربما زادوا الحرف، ونقصوا ،وكذلك زادوا ياء فى قوله: ((أُولى الأَيدِى والأبصار (٤)١ ٠ فالأيدى فى التفسير عن ((سعيد بن جبير)) أَولو القوة فى الدين والبصر . قال أبو عبيد : فالأَيدِ : القوة بلاياء ، والأبصار : العقول ، وكذلك كتبوه فى موضع آخر: «دَاوُدَ ذَا الأَيدِ (٥) ) . (د) من وجوه البلاغة : * قوله: ((إِن أهل هذه الأمصار نزلوا فى مثل جدقة البعير من العيون العذاب: (١) سورة ص ، الآية ٣ (٢) سورة الكهف ، الآية ٤٩ (٣) سورة القصص آية ٨٢ (٤) سورة ص الآية ٤٢ (٥) سورة ص الآية ١٧، وانظر فى هذا لوحة ٥٨٩ نسخة كوبريلى، والمطبوع فى حيدر أباد ٢٤٩/٤ وفى عبارة المطبوع نقص نتيجة التهذيب، واستدرك فى الهامش من نسخ المقابلة، وجاء بالهامش : أولو القوة فى الدنيا والبصر فى موضع: (( أولوالقوة فى الدين والبصر)). ٧٥ یعنی کثرة میاههم وخصبهم ، وأن ذلك عندهم کثیر دائم . وإنما شبهه بحدقة البعير؛ لأنه يقال : إن المخ ليس يبقى فى شىء من جسد البعير بقاءه فى السُّلامى والعين ، وهو فى العين أَبقى منه فى السلامى أيضا ، ولذلك قال الشاعر : مادامَ مُخَّ فى سُلامى أَو عَينْ (١) لايَشْتَكِيَنْ عَملاً ما أَنْقَيَنْ - ((وجَمعُ المكِنَة مَكِنَاتٌ ومَكِنٌ . قال أبو عبيد : هكذا روى الحديث، وهو جائز فى الكلام، وإِن كان المكِنُ للضباب، أن تجعل للطير تشبيها بذلك ، كالكلمة تستعار ، فتوضع فى غير موضعها، ومثله كثير فى كلام العرب كقولهم : مشافِرُ الحُبَش، وإِنما المشافر للإبل. وكقول زهير يصف الأسد: « له لبدٌ أَظفارُه لم تقلم وإنما فى المخالب . وَفَرْوَةَ ثَغْرَ الثورةِ المُتَضاجم(٢) # # وكقول الأخطل : وإنما الثفر للسباع (٣) )). أقول: وهذه الأمثلة من وجوه العربية التى مثلت بها قُلْ من كثر لايحصى عدًّا يزخر به كتاب غريب الحديث لأبي عبيد ، وقد سردتها فى إيجاز ومن غير تعليق تفاديا للإطالة . (هـ ) من وجوه الفقه : المسائل الفقهية التى أوردها أبو عبيد فى كتابه أكثر من أن تحصى، فلم يأت بحديث مشتمل على مسألة فقهية إلا وأدلى فيها بدلوه ، ومن أمثلة ذلك : - جاء فى تفسير غريب الحديث: ((لَّ الواجد يُحلُّ عقوبَتة وعرضَه). قال أبو عبيد : وفى هذا الحديث باب من الحكم عظيم . (١) انظر لوحة ٦٣٧ نسخة كوبريلى، والمطبوع فى جيدراباد ٣٨٠/٤ (٢) صدره فى ديوان الأخطل ٢٧٧، واللسان / ثغر : .. جزى الله فيها الأعور بن قلامة .. « ويروى: مدمة» عبدة ثغر الثورة. (٣) انظر الحديث ١٠٩، الجزء الأول من هذا التحقيق. ٧٦ قوله: لَىّ الواجد، فقال: الواجدُ، فاشترط الوُّجْدَ، ولم يَقُل: فَّ الغَريمِ، وذلك أنه قد يكون غربما ، وليس بواحد . وإِنما جعل العقوبة على الواجد خاصة ، فهذا يبين لك أنه من لم يكن واجدا ، فلا سبيلَ للطالب عليه بحبس ، ولاغيره حتى يجد مايقضى (١) )) .. وجاء فى تفسير غريب الحديث: ((أنه لم يصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتى عشرة أوقية ونش والأحاديث المستشهد بها معه : وفى هذا الحديث من الفقه أنه يرد قول من قال : لايكون الصداق أقل من عشرة دراهم ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه (٢) ماصنع. وفيه من الفقه أيضا أنه لم ينكر عليه الصُّفْرَةَ، لما ذكَر التزويج (٣))). (و) من وجوه التصدى لأَهل الزندقة والإلحاد : تصدى أبو عبيد - رحمه الله - فى إِيمان صادق، ويقين ثابت، لأهل الزندقة والقائلين بالدهر فزيف أقوالهم ، ودحض حججهم ، ومن ذلك ، ماجاء فى تفسيره لغريب الحديث: ((لاتسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر)) من قوله: ((قوله: فإن الله - عز وجل - هو الدهر)). هذا ما لاينبغى لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، وذلك أن أهل التعطيل يحتجون. به على المسلمين . قال أبو عبيد : وقد رأيت بعض من يتهم بالزندقة والدهرية، يحتج بهذا الحديث، ويقول : أَلا تراه يقول: فإن الله هو الدَّهر؟ فقلت: وهل كان أحد يسب الله - عزوجل - فى آباد الدهر، وقد قال ((الأعشى)) فى الجاهلية الجهلاء : استأثر الله بالوفاء وبالحمد وَوَلَّى الملامةُ الرَّجُلا وإِنما تأويله عندى - والله أعلم - [أن العرب كان شأنها أن تذم الدَّهْرَ وتَسبَّهُ عند (١) انظر الحديث ١٢٦ الجزء الأول من هذا التحقيق. (٢) أى على ((عبد الرحمن بن عوف)» .. (٣) انظر الحديث رقم ١٣٤، الجزء الأول من هذا التحقيق. ٧٧ المصائب التى تنزل بهم من موت، أَو هرّم، أو تلف مال، أو غير ذلك ، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأنى عليهم الدهرُ، فيجعلونه الذى يفعل ذلك، فيذهونه عليه، وقد ذكروه فى أشعارهم ... وقد أخبر الله - تبارك وتعالى - بذلك عنهم فى كتابه الكريم، ثم كذبهم بقولهم، فقال: ((وَقالوا ماهىَ إِلَّ حَياتُنا الدُّنيا نُوتُ ونَحيّاً، وَمَا يُهْلِكَنَا إِلَّ الدَّهُرُ (٤)! قال الله - تبارك وتعالى -: ((وَمَالَهُم بذلك من عُلم إِنْ هُم إِلاّ يَظْنُون(٢))) فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: لاتسبوا الدَّهر على تأويل: لاتسبوا الذى يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سبيتم فاعلها ، فإنما يقع السب على الله .. تبارك وتعالى - ؛ لأنه الفاعل لها لا الدهر . فهذا وجه الحديث - إن شاء الله - لا أعرف له وجها غيره (٣))). أقول : لقد قدم لنا أبو عبيد - رحمه الله وغفر له - هذا العلم الفياض، والمعرفة الشاملة التى يجد فيها كل طالب معرفة حاجته بمنهج العالم ، المتواضع ، الورع، الأمين الذى يُرجِع العلم فيه إلى الله فى نهاية الأمر، فيقول: وإِنما تأويله عندى - والله أعلم -... " والذى يعلق العلم على المشيئة، فيقول : فهذا وجه الحديث - إن شاء الله -.... والذى يصل الذروة فى الأمانة، فيقول: لا أدرى: ((قال الكسائى: قوله: تَعارٌّ من الليل : يعنى استيقظ . يقال منه قد تَعَارَّ الرَّجُل يَتَعَارُّ تَمَارًّا: إذا استيقظ من نومه، ولا أحسب ذلك يكونة إِلا مع كلام أو صوت، وكان بعض أهل العلم يجعله مأخوذا من حرار الفليم وهو صوته . ولا أدرى أَهو من ذلك أم لا (٤))) . جزاك الله ياأبا عبيد خير الجزاء: إِن من قال لا أدرى، وهولايدرى فقد أجاب. (١) سورة الجاثية الآية ٢٤ . (٢) تكملة الآية ٢٤ من سورة الجاثية. (٣) انظر الحديث ١١٣، الجزء الأول من هذا التحقيق. (٤) انظر لوحة ٥٤٥ نسخة كوبريل، والمطبوع فى حبدراياد ١٣٥/٤. ٧٨ مكانة كتاب غريب الحديث لأبى عبيد بين كتب غريب الحديث : ألف أبو عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله - كتابه فى غريب ما صح عنده من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثار أصحابه، وتابعيهم - رضى الله عنهم أجمعين - ففسر الغريب ، وقدم من قضايا اللغة العربية، والفقه، والعقيدة ؛ ما جعل من الكتاب قبلة كل طالب ، ووجهة كل دارس ، وأصبح نهاية الأرب فى هذا الميدان حتى استقر فى خلد كثير من علماء العصر، والعصور بعده أَن كتاب أبى عبيد ، لم يترك من بعده فى فنة زيادة* لمستزيد . قال بهذا ((ابن قتيبة ت ٢٦٧ هـ وقيل غير ذلك.)) فى مقدمة كتابه: ((وقد كنت زمانا أَرى أن كتاب ((أَبى عبيد)» قد جمع تفسير غريب الحديث، وأن الناظر فيه مستغن به (١) » . وقال به ((الخطائ ت ٣٨٨ هـ)) فى مقدمة كتابه: (( وكان ذلك منى بعد أَن مضى علىّ زمان، وأَنا أَحسب أنه لم يبق فى هذا الباب لأحد متكلَّم، وأن الأول لم يترك للآخر شيئاً(٢) )) .. ثم قيّض الله لحديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - وآثار أصحابه وتابعيهم من سار على الدرب ونهج منهج أبى عبيد فى كتابه ، وسار على هديه ، فاستدرك ما فاته من غريب ، أو ما رآه غريباً، ورآه ((أَبو عبيد)) على غير ذلك. ومع هذا، فقد بقيت ريادة ((أبى عبيد)) لمن بعده ثابتة، وإمامة كتابه لكتب من بعده راسخة، يؤكد هذا شهادة رجال الحديث ، والمؤلفين فى غريبه من بعده بذلك : قال ((ابن درستويه)، ث ٣٤٧ - وهو من ألف فى غريب الحديث -: ((صنف أبو عبيد كتاب غريب الحديث ، فأَجاد تصنيفه ، ورغب فيه أهل الحديث ، والفقه ، واللغة ، (٣) لا جتماع ما يحتاجون إليه فيه (١) غريب حديث ابن قتيبة ١٥٠/١ (٢) غريب حديث الخطابي ٤٨/١ ٠٠ (٣) تاريخ بغداد ٤٠٥/١٢ وقال (( الخطابى)): ((انتظم أبو عبيد بتصنيفه عامة ما يحتاج إلى تفسيره من مشاهير غريب الحديث ، فصار كتابه إماما لأهل الحديث به يتذاكرون ، وإليه يتحاكمون )). وقال («الحاكم النيسابورى ت ٤٠٥ هـ)»: ((منَّ الله - تعالى ذكره - على هذه الأمة بأربعة: (( بالشافعى)) بفقه أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . و ((بأبى عبيد)) فسر غرائب أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. و ((بيحيى بن معين)) نفى الكذب عن أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. و ((بأحمد بن حنبل)) ثبت فى المحنة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. لولاهم لذهب الإِسلام (١)). أقول: وتلك شهادة نخبة من أئمة اللغة والحديث تكفى فى هذا المقام عن كل كلام . أثر الكتاب فيمن بعده : نال كتاب غريب حديث (( أبى عبيد)) اهتماما كبيراً من علماء اللغة، وعلماء الحديث وغريبه ، المعاصرين له ، والخالفين من بعده : - منهم من جعله مصدراً أصيلا اعتمده اعتماداً تاماً فى تآليفه . - ومنهم من جعله مصدراً لدراسة جديدة تدور حوله - له أو عليه - . أَما الذين جعلوه مصدراً من مصادر كتبهم ، فقد أشرت إلى بعضهم عند الحديث على اسم الكتاب ، وتوثيق نسبته إلى أبى عبيد ، وهم : ، من علماء اللغة: الأزهرى فى تهذيبه، وأبن فارس فى مقاييسه، وابن سيده فى مخصصه، والصاغانى فى عبابه . من علماء الحديث وغريبه : ابن قتيبة فى غريبه ، وفى إصلاح الخطأ الواقع فى غريب حديث أبى عبيد ، والخطابى فى معالم السنن . * من علماء الطبقات: عمر بن على بن سمرة الجعدى فى طبقات فقهاء اليمن. (١) معرفة علوم الحديث ٨٨ . ٨ ونقلت هناك من النصوص التى تؤكد ذلك ما يغنى عن إعادته هنا تفاديا للتكرار والإطالة وإلى جانب هؤلاء تأثر بالكتاب ، ونقل عنه خلق كثير ، أَذكر منهم : • من علماء اللغة : - أحمد بن محمد البشئى الخارزنجى صاحب كتاب التكملة لكتاب العين المنسوب للخليل . وقف عليه الأزهرى ، ورد عليه كثيراً من حروفه ، وبين أن مؤلفه أثبت فى صدره الكتب المؤلفة ، التى استخرج كتابه منها ، فقال : ومن مؤلفات أبى عبيد : المصنف، والأمثال، وغريب الحديث (١). - إسماعيل بن حماد الجوهرى، صاحب الصحاح، ودليل ذلك نقوله الكثيرة عن غريب حديث أبى عبيد ، ومنها : جاء فى مادة ((خبر)): ((وفى الحديث: ((أقروا الطير على مَكِناتها)) ومُكُناتِها - بالضم - قال أبو زياد الكلابى، وغيره من الأعراب: إِنا لا نعرف للطير مَكِنات ، وإنما هى وُكُنات. فَأَمَا المُكتات فإنما هى الضباب . قال أبو عبيد : ويجوز فى الكلام . وإن كان المكن للضباب أن يجعل الطير تشبيها بذلك كقولهم مشافر الحبش، وإِنما الشافر للإبل ، وكقول زهير يصف الأسد : * لهِ لِيَدٌ أَظفارُه لم تقلم . وإنما له مخالب . قال : ويجوز أن يراد به على أمكنتها : أَّى على مواضعها التى جعلها الله لها ، فلا تزجروها، ولا تلتفتوا إليها؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تعدو ذلك إلى غيره)). (١) مقدمة تهديب الغة ٣٢/١ ١