Indexed OCR Text
Pages 1-20
الملكة العَربيّة السّعودية جامعة أم القرى مركز البحث العلمى وإحياء التراث الاسلامى كليّة الشريعة والدّراسَات الإسلامية مكة المكرّمَة ALITY R A L-OURA V مِنَ التّاثِ الإسْلامِى العمّ الراقِ الثَّلاثُبُ غريب الحديث المجَلدة الخامسَة للإمام أبى إسْمَاق إبراهيم بن إسْجَاق الحِربى ١٩٨ - ٢٨٥هـ تحقيق ودراسة الدكتور سليمان بن اله وم بن محمد العابد الجُزء الأول بَشِ اللهِالرّحمنِ الرَّحْمَ ( UNT L-OURA UNIVER غَريبالمادية للإمَام أبى إسْمَاق إبراهيم بن إسْجَاق الحربيّ أصل هذا الكتاب رسالة أعدت لنيل درجة الدكتوراه فى اللغة العربية وآدابها شعبة اللغويات من كلية اللغة العربية ((جامعة أم القرى)) ونوقشت فى يوم الأربعاء ١٠ / ٨ / ١٤٠٢ هـ وحصلت على درجة دكتوراه بتقدير ممتاز مع التوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة وتبادلها مع الجامعات . حقوق الطبع محفوظة لمركز البحث العلمى وإحياء التراث الإسلامى الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م دار المدنى X دار المدنى للطباعة والنشر والتوزيع جدة - ص . ب : ١٨٤٨٥ ت : ٦٤٣٢٣٦٢ مقدمة الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه . وبعد : فاستمرارًا لمركز البحث العلمى وإحياء التراث الإسلامى فى مسيرته الخيرة ، ودأبه فى نشر التراث الإسلامى بعد اختيار وتمحيص ، فيطيب لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية أن تقدم للقراء الكرام أثرًا نفسًا وسفراً ضخماً من آثار سلفنا الصالح هو (( المجلدة الخامسة)) من غريب الحديث لأبى إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربى (١٩٨ - ٢٨٥ هـ) - رحمه الله. أحد تلاميذ إمام أهل السنة الإِمام المبجل أحمد بن حنبل رضى الله عنه؛ والذى قال عنه الحربى: ((هو ألقى فى قلوبنا مُذْ كَّا غلمانا اتباع حديث النبى معَ له، وأقاويل الصحابة والاقتداء بالتابعين)). ويقول أيضا: ((ولقد صحبته عشرين سنة صيفا وشتاءً وحَرا وبردا وليلا ونهارا ، فما لقيته لقاة فى يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس)). وهذه المجلدة هى التى سلمت من الضياع وبقيت بعد فقد المجلدات الأربع . وقد امتدح العلماء كتاب أبى إسحاق هذا، قال ابن الأثير: (( جمع كتابه المشهور فى غريب الحديث وهو كتاب كبير ذو مجلدات عدة جمع فيه وبسط القول .... )). ومن مميزات كتاب أبى إسحاق جمعه بين الغريب والإِسناد . وأنه من أصول كتب الغريب المشهورة ، وقد قام الأخ الزميل الدكتور سليمان ابن إبراهيم العايد بجهد مشكور فى تحقيقه ودراسته وتصحيحه ، والتعليق عليه ضمن رسالته لنيل درجة الدكتوراه ، فاستحق عليه الثناء . وقد أحسن المركز اختيارًا فى إدراجه فى سلسلة منشوراته ، ولازال المركز يبادر إلى نشر البحوث والدراسات القيمة والكتب النادرة أمثال كتاب أبى إسحاق . ولا يفوتنى أن أسجل شكرى وتقديرى للإِخوة المسؤولين بالمركز على حرصهم على متابعة نشر هذه الأعمال الخيرة ، والعناية بتصحيحها وضبطها ما أمكن ، وتذليل كل الصعوبات التى قد يواجهها الباحثون ، وتهيئة الجو العلمى الملائم للبحث والتحقيق . كما أننى باسم مجلس المركز أشكر إدارة الجامعة التى وفرت جميع الوسائل الكفيلة ؛ التى يستطيع المركز بواسطتها مواصلة جهوده ونشاطه على الوجه المشرِّف . والله أسأل أن يجعل هذا العمل وكل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، إنه جواد كريم . عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ورئيس مجلس إدارة مركز البحث العلمى وإحياء التراث الإسلامى الدكتور صالح بن عبدالدين حميد ٦ بَشِ اللهِالرّحمنِ الرَّحْمِ خطبة الكتاب الحمد لله الَّذى تكفل بحفظ دينه وصِيانَةِ كِتِابِهِ ، وجعل من ذَوى العدل في الأُمّة أناسا ، خلفا بعد سلف ، يحفظون لها شرعه ، ينفون عنه تَحْرِيفَ الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، وزَيْفَ الوضَّاعين، وبيَّنِونه للناس كما أمر الله ، ويبلّغُونَهُ ويقومون بحقِّهِ خير قيام ، وصلى الله وسلم على أَفْصَحِ العرب بياناً وأعذبِهم مَنْطِقا، أَوِيَ فَصَاحة العرب كلها ، وعلمه رَبُّه كُلَّ لغاتها ، فكان خطابه لكل قوم بما يُحسنونه من قول وما سَهُل عليهم فهمه من بیان ، فكان منه لكل قبيل لسان ، وقد أُوتِيَ من ذلك كُلّه أفصح بيان. ورضِىَ الله عن أصحابه ، حملة هذا الدين ، والأُمَنَاءِ عليه ، اختارهم الله لصحبة نبيه ، وتبليغ دينه إلى العالمين فقاموا بأمره خير قيام ، وخلف من بعدهم خَلَفُ ، ورئوا تِلْكَ الأمانة ، فساروا مَسِيرَهُمْ ، ونهجوا مِنْهاجهم ، وتعاقب مِنْ بعدهم قرن بعد قرن على هذه الأمانة ، وقام كل جيل بما ينبغى له أن يُؤَدِّيَه ، فجدَّ لهم من العلوم ماِهِ ثَبَاتُ هذا الأمر ، وحفظ هذا الكتاب ، فكان من تلك العلوم وهاتيك المعارف ما يتعلق بالسُّنَّةِ والحَدِيثِ ، فجمعوها من أفواه الرّجال ، ثم أَلْفُوا مِنْ بَعْدُ الدواوينَ والمصَنَّفات ، والسنن والمسانيد ، ٧ واستخرجوا أحكامها وبيَّنُوا ما احتاج إلى بيان ، وشرحوا غريبه ، وما بعد إدراكه ، وبيّنُوا مختلفه ووجه اختلافه، وتَعَقِّبُوا المُصَحَّفَ والمُزَالَ عَنْ بَابِه، فكان للأمة من هذا عملٌ جليل ، ويد بَيْضَاءُ يشكرها الآخِرُ لِلْمُتَقَدِّمِ ، ويحفظها الَّلاحِقُ عَنِ السابقِ . وتَغَيََّتِ الأُمُورُ مِنْ حال إلى حال ، وانْقَرِضَتْ تلك القرون ، واختلط الفصحاء بغيرهم ، ودخل في نَقَلَةِ الحديثِ أناسٌ من العجم ، وكثرت الرواية فيهم ، ومنهم من يورد الكلام على غير وجهه ، ورأى حملة هذه الأمانة ، ما الناس فيه من خطر ، من تفشى العجمة واختلاط الألسنة ، وتداخل الصحيح مع غيره ، وجهل بوجوه كلام العرب ، ففزعوا إلى القرآن والسنة ، يشرحون منهما غامضا ، ويبينون مُبْهَماً ، ويُفَضِّلُونَ مُجْمَلًا ، قياماً بحق الشرع ووفاءً بِعَهدِ الله ، الَّذِى أَخَذه من المؤمنين وتَحَمَّلَ عُظْمَ أَمْرِهِ أولو العلم والمعرفة (وإِذْ أَخَذَ الله ميثاقَ الَّذِين أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبيِِّنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ ) . فكان أوَّلَ مَنْ سَبَقَ إلى هذا العلم ، جماعة مِنْ أَهلِ العربيّةِ . منهم النَّضْرُ بنُ شُمَيْلِ، ومحمدُ بْنُ المُسْتِير المعروف بـ ((قطرب))، وأبو عُبَيْدَةَ مَعَمَرُ بنُ المثنىّ، وأبو سَعِيدٍ عَبْدُ المَلكِ بن قُرَيْبٍ الأَصْمَعِيّ، وأبو زيدٍ سَعِيدُ بنُ أَوْسِ الأنْصَارِىُّ. ثم تبعهم جمعٌ آخر. منهم ابن الأَعْرَابِّ، وأبو الحسنِ الأُخْمُ ، وعمرو بنُ أَبِي عَمْروٍ الشَّيْبانيّ ، ومحمد بن حَبِيبٍ ، ومحمد بن قادِمِ ، وشِمْر بن حَمْدُويَه ، وغيرهم من أهل اللغة . ٨ فكانت تلك البداية . وكان استواء هذا التصنيف ونضجه على يد أبى عبيد القاسم بِنِ سَلَام (٢٢٤) وابن قتيبة (٢٧٦) وإبراهيم الحربى (٢٨٥ ) مِنَ القرن الثالث، وأبو سليمان حَمْد بن محمد الخطّابى (٢٨٨) من القرن الرابع. ولم يَبْقَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ إِلا الجَمْعُ والاخْتِصَارُ، وضَمُّ الكتاب إلى صِنْوِهِ مِنَ الكُتُبِ، وإِلَّا الْتَنِظِيمُ والتَّرْتِيبُ ، والتَقْسيِمِ والتَّبْوِيِبُ . وَأشياء قليلة فاتت السابقين وتداركها مِنْ بَعْدُ اللّاحِقُونَ. فجزاهم الله عن هذا الدين خَيْرَ جزاءٍ ، وَأَتَابُهُمْ بِعَمَلِهِمْ جَزِيلَ الثَّوَابِ . وكان المُحَدِّثون قبل هؤلاء يشرحون اللفظة واللفظتين ، معرضين عما سواهما مِنْ أَلْفَاظِ الحديث ، إذْ لا حاجة للناس - وقتئذ - بِأكْثَرَ مِنْ هَذَا ، لأَنَّهُ لغتهم التى ينطقون ، ولسانهم الَّذى يُحْسِنُونَ ، وكلامهم الَّذِى يَفْهَمُونَ، فما كانوا ليفسروا لمثل هؤلاء . ثُمَّ دَارَ الزَّمَنُ ، وتَغيّرتِ الأَحْوَال . وتَبَدَّلتِ النَّاس ، فكان مِنَ العلماء استجابة ، ومن الطلاب رغبة، فتباروا في شرح حديث رسول الله عَو ◌ّعليم . وتنافسوا في ذلك . ولقائل أنْ يَقُول: أَنَّى يَكُونُ فى حديثِ رسول الله عَّةِ ، وهو القائل (( أنا أفصح العرب بَيْدَ أَنِّى من قريش)). أَمْ كيف يكون فى حديث صَحْبِهِ وَحْشِي ، وهم كانوا أفصح الناس ، سمعوا القُرآن مِنْ فِي رَسُولِ الله وقبسوا من بَيَانِهِ ، وسألوا رسول الله عما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ ؟ فنقول : مَرَدُّ تِلْك الغَرَابِةِ ، وسبب تلك الوَحْشَةِ ، ما أُوتِيَهُ رسولُ الله عَ لّهِ مِنْ بَيَان، إذ كان يُخَطِبُ كُلّ قَوْمِ ببيانهم ، وينطق بلسانهم حَتَّى لكَأَنَّهُ أفصحُهُمْ فِيهِ . ٩ وقد يَسَّرَ اللهِ هَذَا القُرْآنَ، فَأَنْزَلَهُ بلغاتِ العَرَب وهى لُغَاتٌ شَتَّى - وان كانت أُمُّ آيَاتِهِ بِأَفْصَحِ اللُّغاتِ، وأعذب الألسنة ، لُغَةٍ قُرَيْشٍ ، فَقَامَتِ الحَاجَةُ لِتَوْضِيجِ القرآن ، وبيان مقصده لكُلّ قَبِيلٍ . والعربُ قَدْ تفوتهم أَلْفَاظٌ. لا يُدْرِكُونَ معناها ، ويخفى عليهم تَأْوِيلُهَا، فيسألون غَيْرَهُمْ عَنْهَا، وَقَدِ اسْتَفَاضَ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَحَابَة غُموضُ ألفاظ قرآنية عليهم ، وَخَفَاءُ معانٍ لكلمات نَبَوِيَّة ، حتى سألوا عنها فاتَّضَحَ الغَامِضُ وَظَهَرِ الخَفِيّ . ووَفَدَ هذا الدين على العرب بالْفَاظِ ما كان لهم بِهَا عَهْدٌ ، ومعان ما جَاَلتْ لهم بِفِكْرٍ ، فاستحدث أَلْفاظاً مِمَّا كَانُوا يَعْرِفُونَ ، وجعل بينها وبين تلك المَعَانِي أَوْثَقَ رِباطٍ ، فاحتاجوا إلى تَوْضِيحِ مَا لَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ أَوْ خُبْرٌ ، وإِنْ كَانَ مِنْ لُغِتِهِمْ قَدْ أُخِذَ ، ومِنْ مَنْطِقِهِمْ قَدِ انْتُزِعَ . وقد يكون مَرْجع الغَرَابة ، جهل السامع بلغة القوم ، لقلة بضاعته من لسانهم فيخفى عليه ما لا يخفى على مثله منهم . قيل الأعرابى : أَسْألُكَ عَنْ حرف من الغريب ، فقال : هو كلام القوم ، إِنَّما الغَرِيِبُ أَنْتَ وأمثالك مِنْ الدُّخَلَاءِ . وعظم العلماء أَمْرَ الغريب ، فأحجم أكثرهم عن رُكُوبِه ، وما أقحموا أنفسهم فيه ، وما جَسَرُوا عليه تِعْظِيماً لِأَمْر الله وصوناً لِحَديثِ رسولِ الله أن يتكلموا فيه بغير بَيِّنة ولا حُجَّة . ولما يَقُومُ على الشَّرْح من آثارٍ ، تتعلق بها أحكام شرعية، ولم يَخُضْ هذا البحر أوْ يُرْكَبْ لُجَّهُ ، إِلّا أَهْلُ الرُّسُوخِ والثَبَت ممّنْ جمعوا إلى رواية الحديث البَصَرَ بكلام ١٠ العَرَبِ، وقد قال ثعلب لمّا بلغه أَنَّ إبراهيم الحَرْبِيَّ صَنَّف ((غريب الحديث)) - وهو كتاب نفيس - لمصنف إمام ، قال ثعلب : ما لإِبراهيم وغريب الحديث ! رجل محدّث . ومازالَ نَكَيُرُ ثَعْلَب وارتفع تهجينه ، حَتَّى حَضَرَ مجلسه ، فلما حضر المَجْلِسَ قال ثعلب : ما ظَنَنْتُ أَنَّ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ . وموضوع هذه الرسالة ، هو كتاب هذا الرجل ، الذى عَظَّمَهُ وَأَعْلَىَ شأنَّهُ ثعلب ، إمام عَصْرِهِ في اللغة . وَلَمْ يصل إلينا من هذا الكتاب العظيم إِلَّ((المُجَلّدة الخامسة)) موضوع الرسالة. وهذه هِىَ فِقَر هذه الرسالة ، بإيجاز مقتضب ، وإشارة تُغْنِي عَنْ عبارة ، وما أحب أنْ أَبْسُطَ القول فيه ، ولا أن أشيد بجُهْدِى وَعَمَلِى ، وَقَدْ بَيَّنْتُ طَرَفَاً مِنْهُ فِي المَدْخَلِ مِمّا أَعُدُّ القول فيه هنا عَبَثاً لا طائلَ تحته . فهذه الرسالة من مدخل ترجمت فيه للإِمام الحَرْبِّ ترجمةً لم أَسْمَحْ لِنفسى بالاتّساع فيها وبَسْطِ الَّقُولِ. لِنّ الشيخ حمد الجاسر قَدْ كَتَبَ عَنْهُ وَأَفَاضَ في مقدمة كتابٍ سَمَّاه ((المناسك)) ونسبه له ، وعرفت بكتاب الحربى ((غريب الحديث)) وتحدثت عنه - ما شاء الله لى - عَنِ الكتاب وعَنِ المُجَلِّدةِ الخامسة منه. ثم أتبعته بنص ((المجلدة الخامسة )) محققا فيما ينيف على ألف ومائتي صحيفة . ثم بفهارس لأبواب وَأَحَادِيثِ المُجَلَّدةِ ، وللآيات القرآنية، وللأمثال، وللأشعار والأرجاز ، وللأماكن والمياه والجبال ونحوها ، وفهرسٍ للقبائل والطوائف والنجوم ١١ والأنواء . وأعلام غَيْرِ الأَناسِي، والألفاظ التاريخية ونحوها ، وفهرس للألفاظ اللغوية التى ورد لها فى هذه المجلدة شرح أو ما يشبهه . ثم ختمت هذه الفهارس بمصادر التحقيق والدِّراسة . وقد تركت صنع بعض الفهارسِ مِمّا له فائدة لا تخفى ، وفَضْلٌ لا يُجْحَد كفهرس الأعلام والشعراء والأحاديث ، وغيرها ، تركت ذلك تَجَنُّباً لِتَضَخُّمِ الرِّسالة، ولأَنَّ ذلك مُسْتَدْرَكٌ إِنْ يَسَّرَ الله العُُورَ على بَقِيّةِ الكتَاب . هذا هو موضوع الرسالة، وأرجو أنْ أكون قَدْ وُقِّقْتُ ، وإنْ كَان فيها خَلَّلٌ أَوْ تقصير فمن نَفْسِى، وَعَلَيْهَا اللَّوْمُ، وعلى واجد الخلِلِ أَنْ يَدُلَّنَا عَلَيَهِ ، وله من الله جَزَاؤُهُ وَأَجْرُهُ . وبعد : فَإِنَّ العمل بمثل هذا الكتاب ليس بالأمر الهَيِّن ، ولا بالشىء السَّهْل ، كتابٌ عظيم ، لإِمام عظيم ، عرف العلماء مَنْزِلَتَهُ ونَعَتُوه بالرجل الصالح وَأَقُّوا له بالفَضْل والسَّبْقِ ، وحظى كتابه بكل تقدير وإِجلال ، وقيمته تأتِي من مؤلفه ، ومن كثرة ما فيه من أحاديث مسندة ، وَقَدْ حَفِظ نصوصاً من كتب قد فقدت ، أو كتبٍ قَدْ نشرت ، وأخلت بتلك النصوص لسوء النَّشْر ، أوْ نَقْص الروايَةِ ، وانفرد ببعض معانٍ وَأَلْفَاظِ ، وَأقوال وأشعار ، وآراءٍ في التفسير ، وحديثٍ مِنَ الأحاديث ، وقراءةٍ مِنَ القراءات زاد فيها وتفرد بها عن الكتب الخاصة بتلك الموضوعات . وَكُلّ ذلك بسماعٍ، وَسَنَدٍ مُتَّصِلٍ، إِلَّا أَشْيَاءَ يَسِيرَةً. ونشر هذا الكتاب - إنّ وُجدَ كاملا ـ يفيدنا في تصحيح ١٢ نصوص العَرَبِّةِ وغيرها من العلوم ، مِمَّا كَانَ فى القرن الثانى أو الثالث ، مثل كتاب الجيم ، ومعانى القرآن ومجاز القرآن وكتب اللغة ولا سيما التهذيب . ثُمَّ إنه صورة للتأليف في عصره ، ولو لم يكن فى نشره من فائدة إِلا نشر نص في الَقْرنِ الثالث لكفى بها فائدة . وفي ختام هذه الخطبة : لا يَسَعُنِي أَنْ أَنْسَىَ فَضْلَ من كان لهم عَلَىَّ فَضْلٌ، وأخص منهم الدكتور راشدَ بنَ راجح الشريف وكيلَ جامعة أُمّ القرى الذى أشرف على هذا البحث سَنَتَهُ الأُولى ، والدكتور محمود محمد الطناحى الذى أتم الأشراف وَقَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلى آخِرِهِ ، أشكرهما لقاء ما أُوْلِيانِه مِنْ عِنَايِةٍ، وتسديد ونصح وتوجيه، وإِرشاد لمظَانٌ البَحْثِ وَطَرَائِقِهِ . وأشكر الأستاذ الجليل محمود محمد شاكر ، والأخ عبد الرحمن العُثْمين ، والدكتور ناصر بن سعد الرشيد مدير مركز البحث العلمى ، وسائر الزملاء الذن مَدُّوا إِلَّ أَيْدِيَهُمْ لإِعانتى فى هذا البحث ، ولسائر المسؤولين في كليتى اللغة العربية والشريعة مِنْ جامعة أُمّ القرى ، ولعميد كلية اللغة العربية الدكتور عليان الحازمى مِنِّي الشكر والتقدير . والله وليُّ التوفيق . سليمان بن إبراهيم بن محمد العايد مكة المكرمة ١١ / ٦/ ١٤٠٢ هـ ١٣ مدخل التحقيق الفصل الأول: ترجمة المؤلف الفصل الثانى: تعريف بالكتاب والمجلدة الفصل الأول الإِمام إبراهيم بن إسحاق الحربي (١٩٨ - ٢٨٥ ) (*) مولده ووفاته وعصره : يجمع المؤرخون على أنّ مولد الإِمام إبراهيم بنِ إسحاق الحَرْبِي سنة ثمان وتسعين ومائة ، ولا أعلم فى ذلك اختلافا . واتفقوا على أن وفاته سنة خمس وثمانين ومائتين ، لِتسج بقين من ذى الحجة ، وسيأتى بيان ذلك وإيضاحه . (*) مصادر ترجمته : ١ - مروج الذهب للمسعودى (٣٤٦) ٤ / ٢٦١ - ٢٦٣ . ٢ - الفهرست، لابن النديم (٤٣٨) ٢٨٧. ٣ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ( ٤٦٣) ٦ / ٢٧ - ٤٠. ٤ - طبقات الحنابلة لابن أبى يعلى ( ٥٢٦) ١ / ٨٦ - ٩٣ . ٥ - نزهة الأَلِبَّاءِ لأبى البركات الأنبارى (٥٧٧ ) ٢١٣ - ٢١٤ ومواضع أخرى . ٦ - المنتظم لابن الجوزى ( ٥٩٧ ) ٦ / ٣ - ٧ نقلها عن الخطيب، وترجم له فى صفة الصفوة ٢ / ٤٠٤ - ٤١٠ ومناقب الإِمام أحمد ٣٩، ٥٠٨ . ٧ - معجم الأدباء لياقوت ( ٦٢٦) ١ / ١١٢ - ١٢٩ نقل عن الخطيب وعنده زيادة وترجم له فى معجم البلدان ٢٣٧/٢ . وعن ياقوت نقل الصَفَدِىُّ وابنُ شاكر (٧٦٤ ) ترجمته فى كتابهما الوافى ٥ / ٣٢٠ فما بعدها وفوات الوفيات ١ / ١٤ - ١٧ . = ١٧ (٢) والحَرْبُبي بهذا أُدْرك عصر قُوّة الدولة العباسية ، وسيطرةِ الخلفاء على الدولة ، وإِمساكهم بزمام الحكم والإدارة وإِحكامهم القَبضَةَ على جميع بلدان المسلمين ما عدا رُقْعَةً صغيرةٍ في المغرب ، هى الأندلس ، حكمها الفَأْرُونَ مِنْ بَنِي أَمَّيَّةً بعد سقوطِ دولتهم ، ولم يجرؤوا على إِعلان انْفِصَالِهِمْ عن العباسيين ، وَإِنْ كَانُوا في حقيقة أمرهم كذلك . وفي آخر القرنِ الثالثِ ظهر الخلفاء ببدعة جديدة في الحكم ، إذ يُولُّونَ شخصاً ما وذُرِّيَتَهُ إقليماً أو أقاليم ، ويُفَوِّضون إليه أنْ يحكمَ بما شاء ، ویرثه أولاده من بعده في هذه الولاية ، على أن يبقوا داخل الدولة العبّاسية ، وتحت مِظَلَّتِها ، يدعون للخليفة على المنابر ، ويراسلون الخليفة فى العَظَائِم ، ٨ - إنباه الرواة للقفطى (٦٤٦) ١ / ١٥٥ - ١٥٨ . = ٩ - وترجم له الذهبى ( ٧٤٨ ) فى بعض كتبه ومنها : سير أعلام النبلاء ( مخطوط ) ٩ / ١٦٧ - ١٧٦ . التاريخ الكبير ( مخطوط ) ولم أقرأ ترجمته فيه . تذكرة الحفاظ ٥٨٤ - ٥٨٦ . العبر ٢ / ٧٤ . ١٠ - طبقات الشافعية لابن السبكى (٧٧١) ٢ / ٢٥٦ - ٧٥٧ وَعَوَّل عَلَى الخطيب . وانظر ترجمته - أيضاً - في الأنساب للسَمْعانى ، وطبقات الشيرازى ، وطبقات ابن هِداية الله ، والنجوم الزاهرة ، وبغية الوعاة ، وتلخيص ابن مكتوم ، وشذرات الذهب ، وطبقات ابنٍ قاضي شهبة ، وكشف الظنون ، ومرآة الجنان ، والأعلام ، ومعجم المؤلفين . وقد ترجم له الشيخ حمد الجاسر ، ترجمة طويلة في مقدمة الكتاب الذى سمّاه ((المناسك))، ونسبه للحربى . ١٨ وَيَجْبُون له خَرَاجاً مَقْدُوراً ، ويحابونه بالهدايا والهبات . ثم ظهر بعد هذه البدعة ما هو أكبر منها ، وهو سيطرة الأتراك على الخليفة يعزلونه متى شاءوا ، ويُثَبِّتُونَهُ مَتَى أرادوا ويعاقبونه إذا عصى ويرجمونه إذا خالف وحاد . وقدِ اعتزل الحربي هؤلاء الحُكَّامَ جميعاً، فَلَمْ يقبل أُعْطِيَاتِهِمْ ، ولم يَطْرُقْ أبوابَهُمْ ولم يحضر حَفَلَاتِهِمْ، وَلَمْ يَجْلِسْ مَجَالِسَهُمْ ، ولم يَأْكُلْ مَنْ مَوَائِدِهِمْ . والخلفاء على ما هم عليه من فَسادٍ قد رفعوا عَلَمَ الجِهَاد ، وأذِنُوا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يِأَمُرَ بالمعروفِ وَيَنْهَى عَنِ المُنْكَر ، وَأقاموا شعائر الدين وكانت عندهم مُعَظَّمةً ، ولها فى نفوسِهِم هَيْبَةٌ ، فَكَانَتْ أحكامُ هذا الدينِ جارِيةً على الناس لم تبطل ولم تُعَطّل . وأقبلت الدولة على الترجمة وسعت لإِنشاء حياة ذات حضارة فنظروا إلى من حولهم من الأمم ، فاقتبسوا علومهم وترجموها ، وطَرَائِقٍ عَيْشِهِمْ فسلكوها ، وكان لهذا الإِقبال أَنْ نَقَلُوا عَن سِوَاهُمْ مِنَ الأُمَمِ الصَّالِحَ والطَّالِحَ، والغَثَّ والسَّمين، فكان لهذا الخليط أثّر في الفكر والتصورات ، فَتَشَأْت عنه فِرَقٌ، واسْتُحْدِثَتْ بدع ، ما كان السابقون ليعرفوها . وكانت المذاهب تنقسم إلى قسمين عظيمين : أَهْلِ السنة ، وأَهْلِ الأهواء . فأهل السنة مذهبهم في فهم نصوص القرآن مذهب السلف ، الإِيمان به إيماناً مطلقاً، واعتقاد ما دل عليه وَفْقَ منهج رسول الله عَّه، والصحابة ، والتابعين ، والإِيمانُ بما صَحَّ مِنَ السنة ، وَأَنَّهَا وَحْيٌ ١٩ كالقرآن توجب العَمَلَ والاعْتِقَادَ ، وتعظيمُ الصحابةِ ومَعْرِفَةُ قدرهم وفَضْلِهِم ، هذه بعض أصول أهْلِ السُّنَّةِ . وأما أهل الأهواء أصحاب البدع ، فهم طوائف شتَّى ومِلَلٌ كثيرة، ونِحَلٌ مُخْتَلِفةٌ يدين كل قوم منهم بدينٍ يخالف الآخَر ، فخالفوا أَهْلَ السُّنَّةِ في قضايا العقيدة كُلُّهَا أَوْ بَعْضِهَا، واختلفوا فيما بينهم كُلّ اختلاف، ومُرِّقُوا كُلَّ مُمَّقٍ، وأبى الله أن يكون لأهل الأَهْوَاء رَأَىّ واحد أَوْ طرِيقٌ لاحِب ، فكان منهم الخَوارِجُ وطوائفهم لا تحصر ، ومذاهبهم تُعْجِزُ البَشَرَ عَنَ الإِحَاطَةِ ، وكان منهم الجهمية ، وكان منهم المعتزلة ، وكان منهم الشيعة وكانوا شِيعاً وَأَحْزابا ، وغيرهم كثير ، ويعظم الأَمْرُ حين تدخل فيهم الزنادِقَةُ والباطِيّةُ، ولِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِيها . وكان الصراع بين أهل السنة وهذه الطوائف على أشُدِّهِ ، وما كان لِأُهْلِ الأهواء مِنْ شَأَنٍ ، وما كان ينبغى لَهُمْ ، لولا أَنَّهُمْ حَرِقُوا ذَوِي السلطان ، فاعتنقوا مَذَاهِبَهُمَ الفاسِدَةً، وحملوا النَّاسَ عليها بسلطانهم وقُوَّتِهِمْ ، وَضَعُفَتْ محاربتهم للَّْدَقَةِ والإلحاد ، وَضُيِّقَ على أهل السُّنَّة الخِناق ، وَلُّوا فِي قَرٍَ واحدٍ ، ودخلوا في امتحان صَعْب ، هلك فيه مَنْ هَلَكَ، ونَجَا مَنْ قَالَ خَيْراً وسَلِمِ . وشَعَر أهل السنة بالخطر المحيط بهم ، فانْبَرَوْا يذودون عَنْ حِیاضٍ الإِسلام ، فكتبوا في الَّدِّ عليهم كثيرا فَبَيِّئُوا غَوَايَتَهُمْ وضَلَالَتَهُمْ، وخطرهم على الدين ، وَكَذِبَهُمْ على الله فيما يَدَّعُونَ ، وكان مِنْ أَظهر مَنْ رَدَّ عليهم الإِمام أحمد بن حنبل شيخ الحربي (٢٤١ ) والبخارىّ صاحب ٢٠