Indexed OCR Text
Pages 441-460
الفاء الفاء حَرْفِ الشَّرْطِ في الجَزَاءِ، وَإِنْ جُعِلَتْ لمُجَرَّدِ النَّفْي جازَ دُخُولُها، كِإِنْ تُكْرِمْني لا أُهِنْكَ. ويَجِبُ دُخُولُها في غَيْرِ ما ذَكَرْنا: كَأَنْ يكونَ الجزاءُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةً، نَحْو: إِنْ جِئْتَنِي فَأَنْتَ مُكْرَمٌ. وكَمَا إِذا كانَ الجَزاءُ ماضِيًا مُحَقَّقًا بدخُولِ (قد))، نَحْو: إِنْ أَكْرَمْتَنِي فَقَد أَكْرَمْتُكَ أَمْسٍ، وَمِنْهُ قَوْلُه تَعالَى في قِصَّةِ سَيِّدِنا يُوسُفَ: ﴿مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾(١)، أَيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ زَلِيخَا فِي قَوْلِها. أَوْ كَمَا إِذَا كَانَ الجَزَاءُ أَمْرًا نحوُ: إِنْ أَكْرَمَكَ زَيْدٌ فَأَكْرِمْهُ. أَوْ نَهْيًا، كَإِنْ يُكْرِمْكَ زَيْدُ فَلَا تُهِنْه . أَوْ فِعْلًا غَيْرَ مُتَصَرِّفِ، نَحْو: إِنْ أَكْرَمْتَ زَيْدًا فَعَسَى أَنْ يُكْرِمَكَ. أَوْ مَنْفِيًّا بِغَيْرِ ((لا)) سَوَاءٌ كَانَ بِلَنْ، نَحْو: إِنْ أَكْرَمْتَ زَيْدًا فَلَنْ يُهِينَك، أو بِمَا نَحْوُ: إِنْ أَكْرَمْتَ زَيْدًا فَمَا (١) سورة يوسف، الآية: ٢٦، وقَبْلَها من الآية نفسها ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن﴾. يُهِينُك. فَإِنَّه يَجِبُ دُخُولُ الفاءِ في هذه الأَمْثِلةِ المَذْكُورَةِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِك. (وقد تُحْذَفُ) الفَاءُ (ضَرُورَةً) نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ : (* مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها (١) (*) (أَيْ: فاللهُ) يَشْكُرُها، (أَو لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، والرِّوَايَةُ) الصَّحِيحَةُ(٢): (١) شرح شواهد المغني ١٧٨/١، ٢٨٦، ٤٦٨، والبصائر ١٥٩/٤، وهو صدر بيت لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقيل: لكعب بن مالك كما في شرح شواهد المغني ١/ ١٧٨، وتمامه فيه: * والشَّرُّ بالشّر عند الله مثلان # وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائتين من شواهد القاموس. [قلت: انظر مغني اللبيب ٣٥٥/١ - ٣٥٦، وفيه تفصيل القول في البيت وتخريجه. وانظر فیہ ٤٩٥/٢ ٠ع]. (٢) كما يقول المبرّد (شرح شواهد المغني ١/ ١٧٩). [قلت انظر المقتضب ٧٢/٢، فإنّه لم يتعرّض لهذا، ولم يرد الرواية الأولى، وفي حواشي المحققين أن المبرّد لم يمنع هذا، وإنما أجازه على ضَعْف، وانظر بَسْط الخلاف في الجنى الداني/ ٦٩، وما عَلّقْتُ به على البيت في مغني اللبيب ٠٤٩٥/٢ ع]. ٤٤١ الفاء الفاء (* مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فالرَّحْمنُ يَشْكُرُه(١) =) (أَو) الحَذْفُ (لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، ومنه) قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾(٢)، أَيْ: فَالوَصِيَّةُ، (و) منه أَيْضًا(٣): (حَدِيثُ اللُّقَطَةِ: ((فَإِنْ جَاءَ صاحِبُها وَإِلَّ اسْتَمْتِعْ بِها)، أي: فاسْتَمْتِعْ بها . [] وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيه: الفاءُ في اللُّغَةِ: زَبَدُ البَحْرِ. عن الخَلِيلِ، وأَنْشَدَ :. لِمَا مُزْبِدٍ طَامٍ يَجِيشُ بِفَائِهِ بِأَجْوَدَ مِنْهُ يَوْمَ يَأْتِيهِ سَائِلِهِ(٤) (١) شرح شواهد المغني ١٧٩/١، والبصائر ٤/ ١٥٩، وسر صناعة الإعراب ٢٦٧/١. (٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٠. (٣) [قلت: الحديث عن سويد بن غفلة، وأخرجه البخاري في باب اللقطة ٩١/٥ - ٩٢. وانظر مغني اللبيب ٤٩٦/٢ الحاشية/ ٤، والتوضيح والتصحيح لآبن مالك/ ١٣٣ - ١٣٤. ع]. (٤) البصائر ١٦٠/٤، وعزي في الخروف ٤٢ للطائي، وأشار المحقق إلى أنه عزي في إحدى نسخه والمرموز إليها بـ ((جـ)) إلى زياد الأعجم. وقد تُزادُ الفاءُ الإِصْلاح الكلام، كَقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿هَذَا فَلْيَذُ وقُوهُ حَيٌ﴾(١). وتكونُ اسْتِثْنافيةٌ، كَقَولِهِ تَعالَى: ﴿گُن فَيَكُونُ﴾(٢) عَلی بحثٍ فيه .. وتأتي للتَّأْكِيدِ، ويَكُونُ في القَسَم نَحْوُ: ﴿فَبِعِزَِّكَ﴾(٣)، ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ (٤). وتكونُ زائِدَةً، وتَدْخُلُ عَلى الماضِي نَحْو: ﴿فَقُلْنَا أَذْهَبَآَ﴾ (٥)، وعَلَى المُسْتَقْبَل: ﴿فَيَقُولَ رَبٍ﴾(٦)، وعَلَى الحَرْفِ: ﴿فَلَمَّ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ﴾(٧). وقالَ الجَوْهَرِيُّ: وَكَذلِكَ القَوْلُ إِذا أَجَبْتَّ بِهَا بَعْدَ (١) سورة صّ، الآية: ٥٧ : [قلت: الفاء زائدة في الخبر في هذه الآية. انظر البحر المحيط ٤٠٥/٧ - ٤٠٦، والبيان ٢/ ٣١٧.ع]. (٢) سورة البقرة، الآية: ١١٧ . (٣) سورة صّ، الآية: ٨٢ . (٤) سورة مريم، الآية: ٦٨. (٥) سورة الفرقان، الآية: ٣٦. (٦) سورة المنافقين، الآية: ١٠. (٧) سورة غافر، الآية: ٨٥ . ٤٤٢ ٠٠ الغاء الفاء الأَمْرِ والنَّهْي والاسْتِفْهَام والنَّفْي والتَّمَنِّي والعَرْضِ، إِلَّا أَنَّكَّ تَنْصِبُ مَا بَعْدَ الفاءِ في هذه الأَشْياءِ السِّتَّةِ بِإِضْمارِ (أَنْ))، تَقُولُ: زُزْنِي فَأُحْسِنَ إِليك، لَمْ تَجْعَل الزِّيارَةَ عِلَّةً للإِحسانِ. وقالَ ابنُ بَرِّيٍّ: فَإِنْ رَفَعْتَ أُحْسِنُ، فَقُلْتَ: فَأُحْسِنُ إِلَيْكَ، لَمْ تَجْعَل الزيارةَ عِلَّةً للإِحسانِ. ثُمّ قالَ الجَوْهَرِيُّ: وَلَكِنَّكَ قُلْتَ: ذاكَ مِنْ شَأْنِي أَبَدًا أَنْ أَفْعَلَ، وأَنْ أُحْسِنَ إِلَيْكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قُلْتُ: هذا الّذِي ذَكَرَه مِثالُ الأَمْرِ، وَأَمَّا مِثالُ النَّفْي، فَكَقَوْلِه تَعالَى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطَرُدَهُمْ﴾(١)، وهذا هُو الّذِي مَرَّ في أَوَّلِ التَّرْكِيبِ، وجَعَلَ المُصَنِّفُ فيها الفاءَ ناصِبَةً، وَإِنَّما النَّصْبُ بِإِضْمارِ ((أَنْ)). ومِثالُ النَّهْي قَوْلُه تَعالَى: ﴿وَلَا (١) سورة الأنعام، الآية: ٥٢. تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ﴾(١). ومثال الاسْتِفْهامِ قَوْلُه تَعالَى: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾(٢). ومثال التَّمَنِّي: ﴿يَلَيَّتَنِىِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(٣) . ومِثال العَرْضِ قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿لَوْلَاً أَخَرْتَِيّ إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ فَأَصَّذَّقَ﴾(٤). وفات الجوْهَرِيَّ ما إِذا أُچِیبَ بها بَعْدَ الدُّعاءِ، كَقَوْلِهِم: اللَّهُمَّ وَفْقْنِي فَأَشْكُرَك. فهي مواضِعُ سَبْعَةٌ، ذَكَرَ المُصَنِّف مِنْها واحِدًا. وقولُه تَعالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكِرْ﴾(٥)، عَلَى تَقْدِير: ومَهْما يَكُنْ من شَيْءٍ فَكَبِّزْ رَبَّكَ، وَإِلَّ مَا جامَعَتِ الواوَ (١) سورة الأعراف، الآية: ٧٣، وسورة هود، الآية: ٦٤، وسورة الشعراء، الآية: ١٥٦. (٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٣. (٣) سورة النساء، الآية: ٧٣. (٤) سورة المنافقين، الآية: ١٠ . (٥) سورة المدثر، الآية: ٣. ٤٤٣ کذا . كذا وكُرِّرَتْ فِي قَوْلِهِ : ﴿ وَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذلِكَ فَاجْزَعِي (١) * لِبُعْدِ العَهْدِ. [ كذا] * (كَذَا: اسْمٌ مُبْهَمٌ) تقُولُ: فَعَلْتُ كذا، في الصِّحاحِ، ومَرَّ للمُصَنِّفِ في المُعْتَلِّ، وفَسَّرَه بأَنَّه ◌ِكِنَايَةٌ، وهنا قال: اسْمٌ مُبْهَمٌ، ولا مُنَافَاةَ، ويُرْسَمُ بالأَلفِ. قال الجَوْهَرِيُّ: (وقد يَجْرِي مَجْرَى كُمْ (٢)، فَيَنْتَصِبُ ما بَعْدَه على التَّمْيِيزِ)، (١) عجز بيت للنمر بن تولب صدره كما في شرح شواهد المغني ٤٧٣/١ وفتح الجليل بشرح شواهد ابن عقيل ١١٢ : * لا تجزعي إِن مُنْفِسا أَمْلَكْتُه ـ وهو في ديوانه ٧٢، والعجز غير معزو في المغني. [قلت: رواية الكوفيين له: إِنْ منفسٌ، بالرفع على تقدير: إن هلك منفسٌ. وانظر مغني اللبيب ٥٠١/٢، وشرح الشواهد للبغدادي ٥٢/٤، وشرح المفصل ٨٢/١، ٣٨/٢، وانظر بقية المراجع فيما عَلّقته على مغني اللبيب في الحاشية/ ٤ في الموضع المشار إليه . ع]. (٢) [قلت: مراده مجرى ((كم)) الخبرية. انظر شرح الكافية الشافية/ ١٧١٠ ٠ ع]. تقولُ: عِنْدي كذا دِرْهَمًا؛ لأنَّه كالكِنَايَةِ، قال شَيْخُنَا: قد يُفْهَمُ منه أنه يَدُلُّ على الاسْتِفْهَامِ، ولا قائلَ به، وكأَنَّه قَصَدَ(١) يجري مَجْراه في الدِّلالةِ على الكِنايَةِ الدَّالَّة علَى العَدَدِ. وقد تَكَلَّمَ ابنُ (٢) مالِكِ على اسْتِعمالها مُفْرَّدَةً ومُرَكَّبَةً ومُتَعَاطِفَةً، وَبَسَطَ فيه، فليُرَاجَعْ. قال: ومن غرائب كذا أنَّها تَلْحَقُها الكافُ، فيقال: كَذَاكَ، وتكون اسمَ فِعْلٍ بمعنى دَعْ، واتْرُكْ، فتَنْصِبُ مَفْعُولًا، قال جَرِيرٌ: يَقُلْنَ وقد تلاحَقَتِ المَطایَا كذاكَ القَوْلَ إِنَّ عليكَ عَيْنا(٣) أَيْ: دَعِ القَوْلَ. وهي مُرَكَّبَةٌ من كافِ التّشْبِيه واسْم الإِشَارَةِ وكافِ الخِطابِ، وزَالَ (١) [قلت: لم يرد هذا المصنّف. فهو مثل كم الخبرية، ولا علاقة بينه وبين الاستفهامية. ع]. (٢) [قلت: انظر حديث ابن مالك في شرح الكافية الشافية في ((كم)) ص / ١٧١٢ - ١٧١٣. ع]. (٣) ديوانه ٣٥٣ ومادة (لحق) في اللسان والتاج برواية «كفاكَ القَوْل)» من غير نسبة ؛ ٤٤٤ كذا كلا مَعْناها التَّرْكِيِيُّ، وضُمِّنَتْ مَعْنَى دَعْ. كذا في طِرازِ المَجالِسِ للخفاجيّ. ((ورَجُلٌ (١) كذاكَ: أَيْ: خَسِيسٌ، أو دَنِيءٌ . وقِيلَ: حَقِيقَةُ كَذَاكَ مِثْلُ ذَاكَ، أَيْ: الْزَمْ ما أَنْتَ عَلَيْه ولا تَتَجَاوَزْهُ، وعليه خُرِّجَ الحَدِيثُ: (٢) ((كذاك مناشدَتُكَ رَبّك)) بنَصْب الدَّالِ كما نَقَلَه ابنُ دِخْيَةَ في التَّنویرِ عن شَيْخِه ابنِ قُرْقُوْل(٣). ورُوِيَ برفعها، ويُروى ((كفاكَ))، وهي رِوَايَةُ الْبُخَارِيّ، والمَعْنَى: حَسْبُكِ، وقد أَغْفَلَه المُصَنِّفُ، وهو واجِبُ الذِّكْرِ، وأَوْرَدَه صاحِبُ اللِّسَانِ في الكافِ، وأَشَرْنا (١) [قلت: النص مأخوذ من النهاية مادة: كذا. ع]. (٢) [قلت: انظر النهاية واللسان؛ فالحديث غير مثبت في: کذا. ع]. (٣) [قلت: هو إبراهيم بن يوسف بن أدهم الوهراني عالم بالحديث، وهو أندلسي، توفي عام ٥٦٩هـ. ع]. إلى بَعْضٍ ذَلِكَ هُناك، فراجِعْه. [ كَلاَ] * (كَلَّا: تكونُ صِلَةً لما بَعْدَها). (و) تَكُونُ (رَدْعًا وَزَجْرًا)، مَعْناها: انْتَهِ، لا تَفْعَلْ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ أَقْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلَّ﴾(١)، أَنْ: لا يَطْمَعْ في ذلِكَ . (و) قد تَكُونُ (تَحْقِيقًا)، کَقَوْلِه تعالَى: ﴿كََّ لَيِنِ لَّرْ بَتَهِ لَنَشْفَمَا﴾(٢)، أَيْ: حَقًّا، كما في الصِّحاح. (و) يُقَالُ: (كَلَّاكَ واللَّهِ، وبَلَاكَ واللّهِ، أَيْ: كَلّا واللّهِ، وبَلَی واللّهِ). قال أَبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ العَرَبَ تَقُولُ ذلِكَ. قالَ الأَزْهَرِيُّ: والكافُ لا مَوْضِعَ لها من الإعرابِ. (ولابْنِ فارِسٍ) أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ زَكَرِيًّا صاحِب المُجْمَلِ وغَيْرِه (في أحكام كَلَّا مُصَنَّفُ مُسْتَقِلٌ)، وحاصِلُ ما (١) سورة المعارج، الآية: ٣٨. (٢) سورة العلق، الآية: ١٥. ٤٤٥ كلا كلا فيه وغَيْرِه من الكُتُبِ مَا أَوْرَدَه المُصَنِّفُ في ((البصائرِ)) (١) قال: هي عندَ سِيْبَوَيْهِ والخَلِيلِ والمُبَرِّدِ والزَّجَّاجِ وأَكْثَرِ نحاةِ البَصْرَةِ حَرْفٌ مَعْناهُ الرَّدْعُ وِالزَّجْرُ، لا مَعْنَى له سِواهُ، حتى إنهم يُجِيزونَ الوَقْفَ عليها أَبَدًا، والابتداءَ بما بَعْدها، حتى قالَ بَعْضُهم: إذا سَمِعْتَ (كَلّا)) في سورَةٍ فاحْكُمْ بأَنَّهَا مَكْيَّةٌ؛ لأَنّ فيها مَعْنَى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وأَكْثَرُ مَا نَزَلَ ذلِكَ بمَكَّةَ؛ لأَنَّ أَكْثَرَ العُتُوِّ كان بِها. وفيه نَظَرّ(٢)؛ لأَنَّ لزومَ المَكِّيَّةِ إِنَّمَا يكونُ عن اخْتِصاصِ العُتُوُّ بها لا عن غَلَبَتِهِ (٣)، ثم إنَّه لا يَظْهَرُ مَعْنَى (١) وأورده من قبله ابن هشام في المغني (كلّا). [قلت: معاني هذه الأدوات أخذها المصنّف من ابن هشام، وليس ذلك في هذه المادة وحدها. وانظر مغني اللبيب ٣/ ٦٠، وما بعدها ... ع]. (٢) [قلت: هذا الاعتراض لابن هشام. انظر مغني اللبيب ٦١/٢، وانظر الإتقان ٤٧/١ - ٤٨. ع]. (٣) في مطبوع التاج ومخطوطه ((غلبة)) والمثبت من البصائر ٣٨١/٤. [قلت: وهو كذلك في مغني اللبيب. ع). الزَّجْرِ في ((كَلَّا)) المَسْبُوقَةِ بِنَحْوِ : فِىّ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكَّبَكَ﴾(١). يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(٢)، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾(٣) وقَوْلُ مَنْ قالَ: فيه رَدْعٌ عن (٤) تَرْكِ الإيمانِ بالتَّصْوِيرِ في أَيِّ صُوَرةٍ شاءَ اللّهُ، وبالبَعْثِ، وعن العَجَلَةِ بالقرآنِ، فيه تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ(٥). والوارِدُ منها في التَّنْزِيلِ ثلاثَةٌ وثلاثُونَ مَوْضِعًا كُلُّهَا فِي النَّصْفِ الأَخِيرِ . ورأى(٦) الكسائِيُّ وجماعَةٌ أَنَّ مَعْنَى الرَّدْعِ لَيْسَ مُسْتَمِرًّا فيها، فزادُوا معنّى ثانِيًا يَصِحُ عليهِ أَنْ (١) سورة الانفطار، الآية: ٨. (٢) سورة المطففين، الآية: ٦. (٣) سورة القيامة، الآية: ١٩. (٤) وقول من قال فيه ردع عن ترك. هذه عبارة البصائر ٣٨١/٤، ولفظ المغني ٢٠٦/١ (دمشق)، وقولهم: المعنى: إنته. عن ترك . . . (٥) [قلت: قوله: ظاهر ليس في نص البصائر، ولا مغني اللبيب. ع]. .(٦) في مطبوع التاج ومخطوطه ((وروى)) والمثبت من البصائر ٣٨١/٤، والمغني: ١/ ... [قلت: انظر مغني اللبيب ٦٣/٣]. ع]. ٤٤٦ كلا كلا يُوقَفَ دونَها، وَيُبْتَدَأَ بها. ثم اخْتَلَفوا في تَعْيِيْنِ ذلِكَ المَعْنَى على ثلاثةٍ أَقْوالٍ، فقِيلَ: (١) بمعنَى حَقًّا، وقِيلَ(٢): بمَعْنَى أَلَّا الاسْتِفْتَاحِيّةِ، وقِيلَ(٣): حَرْفُ جَوابٍ بمَنْزِلة إيْ ونَعَمْ، وحَمَلُوا عليه ﴿كَلَّ وَالْقَمَرِ﴾(٤) فقالوا مَعْناه: إِيْ والقَمَرِ، وهذا المَعْنَى لا يتأتَّى في آيَتَي المُؤْمِنينَ(٥) والشُّعَراءِ (٦). وقَوْلُ من قالَ بِمَعْنَى حَقًّا لا يَتَأَتَّى في نَحْوٍ: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ اَلْفُجَّارِ﴾(٧) ﴿كَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوُونَ﴾(٨)؛ لأنَّ ((إنّ)) تُكْسَرُ بَعْد ((أَلَا)) (١) [قلت: ذكر هذا ابن هشام في مغني اللبيب عن الكسائي ومتابعيه. انظر ٦٤/٣. ع]. (٢) [قلت: هذا لأبي حاتم السجستاني ومتابعيه، كذا في مغني اللبيب. ع). (٣) [قلت: هذا النضر بن شميل والفرّاء وغيرهما. ع]. (٤) سورة المدثر، الآية: ٣٢. (٥) وهي قوله تعالى: ﴿كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية: ١٠٠ . (٦) وهي قوله تعالى: ﴿قَلَ كََّّ إِنَّ مَعِىَ رَقِ﴾ الآية : ٦٢. (٧) سورة المطففين، الآية: ٧. (٨) سورة المطففين، الآية: ١٥. الاسْتِفتاحِيَّةِ، ولا تُكْسَرُ بعد حَقًّا، ولا بَعْدَ ما كان بمَعْناها، ولأنَّ تَغيُّرَ(١) حَرْفٍ بِحَرْفٍ أَوْلَى من تَغَيُّرِ(٢) حَرْفٍ باسمٍ . وإِذا صَلَحَ المَوْضِعُ للرَّدْعِ ولِغَيْرِهِ جازَ الوَقْفُ عليها، والابْتِداءُ بها، على اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ. والأَرْجَحُ حَمْلُها على الرَّدْع؛ لأَنَّه الغالِبُ عليها، وذلِكَ نَحْو: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّأَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾(٣)، ﴿ وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا * كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ﴾ (٤). وقد يَتَعَيَّنُ للرَّدْعِ أو الاسْتِفْتاح، نَخْو: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلَّىَّ أَعْمَّلُ (١) في البصائر ٣٨٢/٤، والمغني ٢٧/١ ((تفسير)) . (٢) في مطبوع التاج ومخطوطه «وتغيره)) والمثبت من البصائر ٣٨٢/٤، والمغني ٢٧/١ . [قلت: في مغني اللبيب ٦٥/٣، تفسير في الموضعين، وهو أولى وأليق بالسياق. ع]. (٣) سورة مريم، الآيتان: ٧٨، ٧٩. (٤) سورة مريم، الآيتان: ٨١، ٨٢. ٤٤٧ كلا كلا صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ (١) لأنَّها لَوْ كانَتْ بمَعْنَى: حَقًّا لِمَا كُسِرَتْ هَمْزَةُ إِنَّ، ولو كانَتْ بِمَعْنَى نَعَمْ لكانَتْ لِلْوَعْدِ بالرُّجوع؛ لأَنّها بَعْدَ الطَّلَبِ، كَمَا يُقالُ: أَكْرِمْ فلانًا، فيقولُ: نَعَمْ، وَنَحْو: ﴿قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّ إِنَّ مَّعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾(٢). وذلك لِكَسْرِ إِنَّ، ولأَنْ نَعَمْ بعد الخَبَرِ للتَّصْدِيقِ. وقد يَمْتَنِعُ كونُه للزَّجْرِ وللرَّذْعِ، نَحْوُ: ﴿وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ * كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾(٣)؛ إذ لَيْس قَبْلَها مَا يَصِحُ رَدُّه. وقولُه تعالى: ﴿كَلَّأَّ سَيَكْفُرُونَ ◌ِعِبَادَتِهِمْ﴾ (٤)، قُرِئَ بالتَّنْوِين(٥)، (١) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩٩، ١٠٠ (٢) سورة الشعراء الآيتان: ٦١، ٦٢ . (٣) سورة المدثر، الآيتان: ٣١، ٣٢. (٤) سورة مريم، الآية: ٨٢. (٥) قرأ بها: أبو نهيك (المحتسب ٤٥/٢). [قلت: انظر مغني اللبيب ٦٩/٣ الحاشية (١) ففيها مراجع هذه القراة، وارجع فيها إلى كتابي: معجم القراءات. ع]. على أَنَّه مَصْدَرُ كَلَّ إِذا أَعْيَا. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كُونَهُ حَرْفَ الرَّدْعِ نُوِّنَ كَما في ﴿سَلَاسِلًا﴾(١)، ورُدَّ بِأَنَّ ﴿سَلاسِلًا﴾ اسمٌ أَضْلُه التَّنْوِينُ فَرُدَّ إِلى أَصْلِهِ(٢). وَيُصَحِّحُ تَأويلَ الزَّمَخْشَرِيِّ قراءةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَأَّلِ إِذَا يَسْرٍ﴾ (٣) بَالتَّنْوِينَ (٤)؛ إِذ الفِعْلُ ليس أَصْلُه التَّنْوِينَ . (١) سورة الإنسان، الآية: ٤، وقرأ بالتنوين من العشرة أبو جعفر، ونافع، والكسائي، وعاصم (برواية أبي بكر)، (المبسوط ٣٨٩)، والذي استشهد به الزمخشري هو قوله تعالى: ﴿قواريرا﴾ (الكشاف ٤٢٢/٢ (القاهرة ١٣٥٤). [قلت: لم يُرِدِ المصنّف هنا الإشارة إلى ذكر القراءة. ع]. (٢) الذي رده إلى أصله أبو حيان كما في المغني ١/ ١٩٠. [قلت: هذا وهم من ابن هشام وقع فيه المصنّف أيضًا، وانظر تعليقي على المسألة. في مغني اللبيب ٧٠/٣، الحاشية: ٢ و٣. ع]. (٣) سورة الفجر، الآية: ٤. (٤) قرأ ﴿يَسْرٍ﴾ بالتنوين أبو الدينار الأعرابي (شواذ القرآن ١٧٣). [قلت: انظر حديثي عن القراءة في مغني اللبيب ٣/ ٧٠ - ٧١، وكتابي معجم القراءات. والكشاف ٠٣٣٤/٣ ع]. ٤٤٨ لا لا وقالَ ثَعْلَبٌ: كَلَّا مُرَكَّبَةٌ من كافٍ التَّشْبِيهِ ولا النافِيَةِ، وَإِنَّما شُدِّدَتْ لامُها لتَقْوِيَةِ المَعْنَى، ولدَفْعِ تَوَهُمِ بقاءِ مَعْنَى الكَلِمَتَيْنِ. وعند غَيْرِهِ بَسِيطَةٌ، کما ذَكَرْنا. هذا آخِرُ ما أَوْرَدَه المُصَنِّفُ في البصائرِ. وقالَ ابنُ بَرِّيٍّ: قَد تَأْتِي كَلَّا بِمَعْنى لَا ، كَقَوْل الجَعْدِيِّ : فقلتُ لَهُم خَلُوا النّساءَ لأَهْلِها فقالُوا لنا: كَلَّا، فقُلْنا لَهُم: بَلَى(١) [ لا] (لَا : تَكُون نافِيَةً)، أَيْ: حَرْفٌ يُنْفَى به، ويُجْحَدُ به. وأَصْلُ أَلِفِها ياءٌ عِنْدَ قُطْرُبِ حِكَايَةً عن بَعْضِهم أَنَّه قال: لا أَفْعَلُ ذلِك، فَأَمَالَ ((لا)). وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: هذه لاءٌ مَكْتُوبَةٌ، فَتَمُذُها لِتَتِمَّ الكَلِمَةُ اسْمًا، ولو صَغَّرْتَ لَقُلْتَ: هَذِهِ (١) شعره/ ١١٧، ورواية الصدر: * فَقُلْنا لهم خَلُّوا طريق نسائنا ﴾. واللسان، وفيه ((فقلنا ... )). لُوَيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ إِذا كانَتْ صَغِيرَةَ الكِتْبةِ غَيْرَ جَلِيلةٍ . وحَكَى ثَعْلَبٌ: لَوَّيْتُ لاءِّ حَسَنَةً : عَمِلْتُها، وَمَدَّ ((لا))؛ لأَنَّه قد صَيَّرَها اسْمًا، والاسمُ لَا يَكُونُ على حَرْفَيْن وَضْعًا، واختارَ الأَلِفَ مِنْ بَيْنِ حُرُوفِ المَدِّ واللّيْنِ لِمكانِ الفَتْحَةِ، قال: وإِذا نَسَبْتَ إِلَيْها قُلْتَ: لَوَوِيٌّ. وقَصِيدَةٌ لَوَوِيَّةٌ: قافِيَتُها لا . (وهي(١) على خَمْسَةٍ أَوْجُهِ): الأوّلُ: (عامِلَةٌ عَمَلَ إِنَّ)، وَإِنَّما يَظْهَرُ نَصْبُ اسْمِها إِذا كانَ خافِضًا، نحو: لَا صاحِبَ جُودٍ مَمْقُوتٌ، ومنه قَوْلُ المُتَنَبِي: فلا ثَوْبَ مَجْدٍ غَيْرَ ثَوْبِ ابْنِ أَحْمَدٍ و (٢) على أَحَدٍ إلَّا بِلُؤْم مُرَفْعُ (١) [قلت: النص من هنا لابن هشام. انظر مغني اللبيب ٢٨٣/٣ وما بعدها. ع]. (٢) شرح ديوانه ٣٤٧/٢، والبصائر ٤٦١/٤ . [قلت: انظر مغني اللبيب ٢٨٣/٣، وشرح الشواهد للبغدادي ٣٧٣/٤، وأمالي ابن الشجري ٢٢٣/٢، وانظر شرح الواحدي ١٪ ٤٤. ع]. ٤٤٩ لا لا أو رَافِعًا، نحو: لا حَسَنَاً فِعْلُه مَذْمُومٌ، أو ناصِبًا، نحو: لا طالِعًا جَبلاً حاضِرٌ، ومنه: لا خَيْرًا(١) من زَيْدٍ عِنْدَنا، وقَولُ المُتَنَبِي: قِفَا قَلِيلاً بها عَلَيَّ فَلَا أَقَلَّ من نَظْرَةٍ أُزَوَّدُهَا(٢) (و) الثاني: عامِلَةٌ (عَمَلَ لَيْسَ)، وهو نَفْيُ غَيْرِ العَامِ، نَحْو: لا رَجُلٌ في الدَّار ولا امْرَأَةٌ. والفَرْقُ بَيْنَ نَفْي العَامُّ ونَفْىٍ غَيْرِ العامِ أَنَّ نَفْيَ العامِّ نَفْيٌ للجِئْسِ، تَقُول: لا رَجُلَ في الدَّارِ، أَيْ: لَيْس فِيها من جِنْسِه أَحَدٌ، ونَفْيُ غَيْرِ العَامِ نَفْيٌ للجُزْءِ؛ فإنَّ قَوْلَكَ: لَا رَجُلٌ في الدَّارِ ولا امْرَأَةٌ، يَجُوزُ أَنْ (١) [قلت: صوابه: لا خيراً ... انظر مغني اللبيب ٢٨٤/٣، وأمالي الشجري ٢٢٣/٢، وهو ما أثبتُه، وجاء في المطبوع: لا خَيْرَ، وليس بالصواب. ع]. (٢) شرح ديوانه ١٩/٢، والبصائر ٤/ ٤٦١. [قلت: انظر مغني اللبيب ٢٨٤/٣، وشرح الشواهد للبغدادي ٣٧٥/٤، وأمالي الشجري ٢٢٣/٢، والخزانة ٥٦٣/٢.ع]. يَكُونَ فِي الدَّار رَجُلانٍ أو رِجالٌ وامْرَأَتانِ أو نِساءٌ. (ولا تَعْمَلُ إلَّا في النَّكِراتِ، كَقَوْله)، أَيْ: الشَّاعِرِ، وهو سَعْدُ بنُ نَاشِبِ، وقِيل: سَعْدُ بنُ مالِكٍ يُعَرِّضُ بالحارِثِ بْنِ عَبَّادِ الْيَشْكُرِيّ، وكان قد اغْتَزَلَ حَرْبَ تَغْلِبَ وبَكْرِ ابْنَيْ وائِلٍ : (مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا فأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحٌ)(١) والقَصِيدَةُ مَرْفُوعَةٌ، وفيها يَقُولُ: (١) شرح شواهد المغني ٥٨٣، وخزانة الأدب ١/ ٤٦٧، ٤٦٨، ٤٧١، منسوبين (هو والبيت الآتي) إلى سعد بن مالك بن ضُبَيْعة بن قيس ابن ثعلبة فقط، وهو جد طرفة الشّاعر. ونسب الأول إليه في الكتاب ٥٨/١، وسبق في (نفح) معزوًا إلى سعد بن ناشب وكذلك. في (برح)، وفيها صوبت نسبة البيتين إلى سعد بن مالك، والأول غير منسوب في البصائر ٤٦١/٤، والأول هو الشاهد السابع والعشرون بعد المائتين من شواهد القاموس. .[قلت: انظر مغني اللبيب ٢٩١/٣، وما بعدها، وفيه تخريج هذا البيت مُفَصّلًا في الحاشية ٧. ع]. ٤٥٠ لا بِئْسَ الخَلائِفُ بَعْدَنا أَوْلادُ يَشْكُرَ واللَّقاحُ وأَرَادَ بِاللَّقَاحِ بَنِي حَنِيفَة، وتَقَدَّمَ للمُصَنِّفِ في الحاءِ. وقَوْلُهم: لا بَرَاحَ، مَنْصُوبٌ، كُقَوْلِهِم: لا رَيْبَ، ويَجُوزُ رَفْعُه فتكون ((لا)) مَنْزِلَةَ ((لَيْسَ)) . قُلْتُ: وهذه عندهم تُسَمَّى لا التَّبْرِئَةِ، ولها وُجُوهٌ في نَصْبٍ المُفْرَدِ والمُكَرَّرِ، وتَنْوِينِ ما يُنَوَّنُ وما لا يُنَوَّنُ، كما سَيأْتِي. والاخْتِيَارُ عند جَمِيعِ النَّحَوِيِّينَ أَنْ يُنْصَبَ بها ما لا يُعادُ فيه، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّمَ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبٌ فِهِ﴾(١)، أَجْمَعَ القُرَّاء(٢) على نَصْبِهِ (١) سورة البقرة، الآيتان: ١، ٢. (٢) [قلت: أراد المصنّف بالإجماع إجماع سبعة القراء، وقرئت في غير السبعة. لا ريبٌ: كذا بالرفع والتنوين وهي قراءة أبي الشعثاء زهير الفرقبي، وزيد بن علي، وقرأ الحسن: لا ريباً . . . انظر كتابي: معجم القراءات ٢٧/١ - ٢٨ ٠ ع]. لا وفي المِصْباح: وجاءَتْ بمعنى لَيْس، نحو: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾(١)، أَي: لَيْسَ فيها، ومنه قَوْلُهم: لا هاءَ(٢) اللّهِ ذا، أَيْ: ليس واللّهِ ذا، والمَعْنَى: لا يَكُونُ هذا الأَمْرُ. (و) الثَّالثُ: أنْ (تَكُونَ عاطِفَةً، بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمُها إِثْباتٌ كجاء زَيْدٌ لَا عَمْرٌو، أَوْ أَمْرٌ كاضْرِبْ زَيْدًا لا عَمْرًا)، أَوْ نِدَاءٌ، نَحْو: يا ابْنَ أَخِي لا ابْنَ عَمِّي، (و) بِشَرْطِ (أَنْ يَتَغَايَرَ(٣) مُتَعاطِفاها فَلَا يَجُوزُ: جاءَنِي رَجُلٌ لَا زَيْدٌ؛ لأَنَّه يَصْدُقُ على زيدٍ اسْمُ الرَّجُلِ)، بخِلافٍ: جَاءَنِي رَجْلٌ لَا امْرَأَةٌ، وبِشَرْطِ أَّا (١) سورة الصافات، الآية: ٤٧ . (٢) [قلت: النص في المصباح: ((لاها الله ذا)) كذا بدون همز بعد الألف. ومثله في الآرتشاف/ ١٧٩١، وانظر الكتاب ١٤٥/٢. ع]. (٣) لفظ البصائر ٤٦٢/٤ ((أن يتعاند)». [قلت: يتعاند، هو الصواب، وهو المثبت في معني اللبيب ٣٠٣/٣ وعنه نقل المصنف في البصائر. وذكر هذا الشرط السهيلي، والأُبدي، وأبو حيان. انظر الهمع ٢٦١/٥، ومعنى المعاندة ألّا يصدق أحدهما على الآخر. ع]. ٤٥١ لا تَقْتَرِنَ بعاطِفٍ، فهي شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ ذَكّرَ مِنْها الشَّرْطَيْن، وأَغْفَلَ عن الثَّالِثِ(١)، وقد ذَكَرَه غَیْرُه كَما سَيَأْتِي. وفي المِصْباحِ: وتَكونُ عاطِفَةٌ بعد الأَمْرِ والدُّعاءِ والإِيجابِ، نَحْو: أَكْرِمْ زَيْدًا لَا عَمْرًا، واللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدِ لَا عَمْرٍو، وقام زَيَدٌ لا عَمْرٌو. ولَا يَجُوزُ ظَهُورُ فِعْلِ ماضٍ بعدَها لئلا يَلْتَبِسَ بالدُّعاءِ، فَلَا يُقالُ: قام زَيدٌ لَا قَامَ عَمرو . وقالَ ابنُ الدَّهَانِ: ولَا تَقَعُ بعد كلام مَنْفِيٍّ؛ لأَنّها تَنْفِي عنِ الثَّانِي ما وَّجَبَ للأَوَّلِ، فَإِذا كانَّ الأَوَّلُ مَنْفِيًا فَماذا ينفَى(٢). انْتَهَى. وفي الصِّحاح: وقد(٣) تكونُ حَرْفَ عَطْفٍ لإِخْرَاجِ الثَّانِي مِمّا ٠ (١) وهو ((ألا تقترن بعاطف)) (البصائر ٤٦١/٤). [قلت: جاء هذا في مغني اللبيب شرطاً ثانياً انظر ٢٠٣/٣. ع]. (٢) [قلت: النص في المصباح: فماذا تنفي. ع]. (٣) [قلت: في الصحاح ومخطوطه وقد ... يكون ... ع]. لا دَخَلَ فيه الأَوَّلُ، كَقَوْلِكَ : رَأَيْتُ زَيْدًا لَا عَمْرًا. فَإِنْ أَدْخَلتَ عَلَيْها الواوَ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ حَرْفَ عَطْفٍ، كَقَوْلِك: لَمْ يَقُمْ زِيدٌ ولَا عَمرٌو؛ لأَنَّ حُرُوفَ النَّسَقِ لَا يَدْخُلُ بَعْضُها على بَعْضٍ، فَتَكُونُ الواوُ لِلعَطْفِ، و((لا)) إِنَّما هي لَتَوْكِيدِ النَّفْي. انْتَهَى. وفي المِصْبَاحِ: قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ، وتَبِعَهُ ابْنُ جِنِّي: مَعْنَى لا العاطِفَةِ التَّحْقِيقُ للأَوَّلِ، والنَّفْيُ عَنِ الثَّانِي، فَتَقُولُ: قامَ زَيْدٌ لَا عَمْرٌو، واضْرِبْ زَيْدًا لا عَمْرًا. وكذلك(١) لَا يَجُوز وُقُوعُها بَعْد حُرُوفِ الاسْتِثْناءِ، فَلَا يُقالُ: قامَ القَوْمُ إِلَّا زَيْدًا ولَا عَمْرًا، وشِبْهُ ذلك؛ وذلك أنَّها للإخراج مِمّا دَخَلَ فيه الأَوَّلُ، والأَوَّلُ هُنا مَنْفِيٍّ؛ ولأَنَّ الواوَ للعَطْفِ (ولا)) (١) في مطبوع التاج ومخطوطه ((ولذلك))، والمثبت من المصباح. ٤٥٢ لا للعَطْفِ، ولَا يَجْتَمِعِ حَرْفانٍ بِمَعْنَى واحِدٍ، قال(١): والنَّفْيُ فِي جَمِيعٍ العَرَبِيَّة مُتَّسِقٌ بلا(٢)، إِلَّا في الاسْتِثْناءِ، وهذا القِسْمُ داخِلٌ في عُمومٍ قَوْلِهم: لَا يَجُوزُ وُقُوعُها بَعْدَ كَلَامِ مَنْفِيٍّ، قالَ السُّهَيْلِيُّ(٣): وَمِنْ شَرْطِ العَطْفِ(٤) أَن لا يَصْدُقَ المَعْطُوْفُ عَلَيْه على المَعْطُوفِ، فَلَا يَجُوزُ: قامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، ولَا قَامَتِ امْرَأَةٌ لَا مِنْدٌ. وقد نَصْوا عَلَى جَوَازِ: اضْرِبْ رَجُلًا لَا زَيْدًا، فَيَحْتَاجُ إِلى الفَرْقِ. انْتَهى الغَرَضُ منه . وللحافِظِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ في هذه المَسْأَلَةِ رِسَالَةٌ بالخُصُوصِ سَمَّاها: (نَيْلُ العُلا في العَطْفِ بِلَا))، وهي جَوَابٌ عَن سُؤَالٍ لِوَلَدِهِ (١) أي: ابن السَّراج، كما في المصباح. (٢) في المصباح ((يُنْسَقُ عليه بلا)). (٣) [قلت: النقل مستمر من المصباح. ع]. (٤) [قلت: كذا عند المصنف، وفي المصباح وفي شرط العطف بها أنْ لا ... ع]. لا القاضِي بهاءِ الدِّين أبي حامِدٍ أَحْمَدَ ابنِ عَلِيِّ السُّبْكِيّ، وقد قَرَأَهَا الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ عَلى التَّقِيِّ في دِمَشْقَ سنة ٧٥٣، وحَضَرَ القراءَةَ جُمْلَةٌ مِنَ الفُضَلاءِ، وفي آخِرِها حَضَرَهُ القاضِي تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الوَهَّابِ وَلَدُ المُصَنِّفِ، وفيها يَقُولُ الصَّفَدِيُّ مُقَرِّظًا: يَا مَنْ غَدَا في العِلْمِ ذا هِمَّةٍ عَظِيمَةٍ بِالفَضْلِ تَمْلَا المَلَا لَمْ تَرْقَ في النَّحْوِ إِلى رُتْبَةٍ سامِيَةٍ إِلَّا بِغَيْلِ العُلَا وسَأَخْتَصِر لَكَ السُّؤَالَ والجَوَابَ، وأَذْكُرُ مِنْهُما مَا يَتَعَلَّقَ به الغَرَضُ. قالَ يُخاطِبُ وَلَدَه: سَأَلْتَ - أَكْرَمَكَ اللهُ - عَن: قَامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، هَل يَصِحُّ هُذا التَّرْكِيبُ، وَأَنَّ الشيخ أَبَا حَيَّان(١) جَزَمَ بامْتِناعِه، (١) [قلت: انظر الارتشاف/ ١٩٩٧ قال أبو حيان: وشرط عطف الاسم بـ ((لا)) أن يكون ما بعدها غير صالح لإطلاق ما قبلها عليه، فلذلك لا يجوز قام رجل لا زيد ... ع]. ٤٥٣ لا وشَرَطَ أَنْ يَكُون ما قَبْل ((لا)) العاطِفَةِ غَيْرَ صادِقٍ عَلَى ما بَعْدَها، وَأَنَّكَ رَأَيْتَ سَبَقَه لذلك السُّهَيْلِيُّ في (نَتَائجِ الفِكْر))، وَأَنَّه قالَ: لَأَنَّ شَرْطَها أَنْ يَكونَ الكَلامُ الّذِي قَبْلَها يَتَضَمَّنُ بِمَفْهُومِ الخِطابِ نَفْيَ مَا بَعْدَها، وَأَنَّ عِنْدَكَ في ذلك نَظَرًا؛ لأُمُورٍ، منها: أَنّ البَيَانِيِّينَ تَكَلَّمُوا على القَصْرِ، وجَعَلُوا مِنْهُ قَصْرَ الإِفْرادِ، وشَرَطوا في قَصْرٍ المَوْصُوفِ إِفِرادًا عَدَمَ تَّنَافِي الوَصْفَيْنِ، كَقَوْلِنا: زَيْدٌ كاتِبٌ لَا شاعِرٌ. وقُلْتَ: كَيف يَجْتَمِعُ هذا مَع كَلَامِ السُّهَيْلِيِّ والشَّيْخِ. ومنها أَنْ: قامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، مِثْلُ: قامَ رَجُلٌ وَزَيْدٌ، في صِحَّةِ التَّرْكِيبِ، فَإِنْ امْتَنَعَ قَامَ رَجُلٌ وَزَيْدٌ، ففي غايَةِ الْبُعْدِ؛ لأَنَّكَ إِنْ أَرَدْتَ بِالرَّجُلِ الأَوَّلِ زَيْدًا كَانَ كَعَطْفِ الشَّيْءٍ عَلَى نَفْسِه تَأْكِيدًا، ولَا مَانِعَ منه إِذا قُصِدَ لا الإِطْنابُ، وَإِنْ أَرَذْتَ بَالرَّجُلِ غَيْرَ زَيْدٍ، كانَ من عَطْفِ الشَّيءٍ عَلَى غَيْرِهِ، ولَا مَانِعَ منه، ویصیرُ (١) في هذا التَّقْدِيْر مِثْلَ : قام رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، في صِحَّةِ التَّرْكِيبِ وَإِنْ كانَ مَعْناهما مُتَعاكِسَيْنِ، بَلْ قَدْ يُقالُ: قامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، أَوْلَى بِالجَوازِ مِنْ: قَامَ رَجُلٌ وَزَيْدٌ؛ لأَنَّ: قَامَ رَجُلٌ وَزَيْدٌ، إِنْ أَرَدْتَ بالرَّجُلِ فيه زَيْدًا، كانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ أَرَدْتَ غَيْرَه كانَ فِيهِ إِلْباسٌ عَلَى السّامِعِ، وَإِهامٌ أَنَّه غَيْرُه، والتَّأْكِيدُ والإِلْبَاسُ مُنْتَفِيانٍ في: قامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، وأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ: زَيْدٌ كاتِبٌ لَا شَاعِرٌ، وقامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ. وبَيْنَ رَجُلٍ وَزَيْدٍ عُمُومٌ وخُصوصٌ مُطْلَقْ، وبَيْنَ كاتِبٍ وشاعِرٍ عُمُومٌ وخُصوصٌ من وَجْهٍ، كَالحَيَوانِ وكِالأَبْيَضِ. وَإِذا (١) [ قلت: في مطبوع التاج ويصيره، وصوابه ما أثبتُه . ع]. ٤٥٤ لا امْتَنَع: جاءَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، كَما قالُوه، فَهَلْ يَمْتَنِعُ ذلك في العامِّ والخاصِ، مِثْلُ: قامَ النّاسُ لَا زَيْدٌ، وكَيْفَ يَمْنَعُ أَحَدٌ مع تَصْرِيحِ ابنِ مالِكِ وغَيْرِهِ بصِحَّةٍ: قامَ النّاسُ وزَيْدٌ، ولأَيِّ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ العَطْفُ بِلَا في نَحْوٍ: مَا قامَ إِلَّا زَيْدٌ لَا عَمْرٌو، وهو عَطْفٌ عَلَى مُؤْجَبٍ، لأَنَّ زَيْدًا مُوجَبٌ؛ وتَعْلِيلُهم بِأَنَّه يَلْزَم نَفْيُهُ مَرَّتَيْنٍ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ الإِطْنابَ قد يَقْتَضِي مِثل ذلك، لاسِيَّما والنَّفْيُ الأَوَّلُ عامٌّ، والنَّفْيُ الثانِي خاصٍّ، فَأَسْوَأُ دَرَجاتِهِ أَنْ يكونَ مِثْلَ: مَا قَامَ النّاسُ ولَا زَيْدٌ. هُذا جُمْلَةُ مَا تَضَمَّنه كتابُكَ في ذلك، بَارَكَ الله فيك. والجَوَابُ: أَمَّا الشَّرْطُ الّذِي ذَكَرَه أَبُو حَيَّن في العَطْفِ بِلَا فَقَد ذَكَرَه أَيْضًا أَبو الحَسَنِ الأُبَّذِيُّ في شَرْحٍ الجَزُوليّةِ، فقالَ: لَا يُعْطَفُ بِلَا إِلَّ لا بِشَرْطٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الكَلامُ الّذي قَبْلَها يَتَضَمَّن بِمَفْهُوم الخِطابِ نَفْيَ الفِعْلِ عَمّا بَعْدَها، فَيَكُونُ الأَوّلُ لَا يَتْناوَلُ الثّانِي، نَحْوُ قَوْلِه: جَاءَني رَجُلٌ لَا امْرَأَةٌ، وجاءَنِي عَالِمُ لَا جاهِلٌ، ولَو قُلْتَ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ لَا عَاقِلٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لأَنَّه لَيْسَ في مَفْهُومِ الكَلامِ الأَوَّلِ مَا يَنْفِي الفِعْلَ عَن الثّانِي، وَهِي لَا تَدْخُلُ إِلَّا لِتَأْكِيدِ النَّفْي، فَإِنْ أَرَدْتَ ذلك المَعْنَى جِئْتَ بِغَيْرٍ، فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ غَيْرِ عاقِلٍ وغَيْرِ زَيْدٍ، وَمَرَرْتُ بِزَيْدِ لَا عَمْرٍو؛ لأَنّ الأَوْلَ لا يَتَنَاوَلُ الثّانِي. وقَد تَضَمّن كَلَامُ الأَبْذِي هذا زِيادَةٌ عَلَى مَا قَالَه السُّهَيْلِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ، وهي قَوْلُه: إِنَّها لَا تَدْخُلُ إِلَّا لِتَأْكِيدِ النَّفْي، وَإِذا ثَبَتَ أَنَّ ((لا)) لَا تَدْخُلُ إِلَّا لِتَأْكِيدِ النَّفْي اتَّضَحَ اشْتِراطُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ ؛ لأَنَّ مَفْهُومَ الخِطابِ اقْتَضَى في ٤٥٥ لا قَوْلِكَ: قامَ رَجُلٌ، نَفْيَ المَرْأَةِ، فَدَخَلَتْ ((لا)) للتَّصْرِيحِ بِمَا اقْتَضاه المَفْهُومُ، وكذلك: قامَ زَيْدٌ لا عَمْرٌو، أَمّا: قامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، فَلَم يَقْتَضِ المَفْهُومُ نَفْيَ زَيْد؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزِ العَطْفُ بِلا؛ لأَنَّهَا لَا تكونُ لِتَأْكِيدِ نَفْي، بل لِتَأْسِيسِهِ، وَهِي وَإِنْ كَانَ يُؤْتَى بِهَا لِتَأْسِيسِ الثَّفْي فَذلِكَ(١) فِي نَفْي يُقْصَدُ تَأْكِيدُهُ بِهَا بِخِلافٍ غَيْرِها مِنْ أَدَوَاتِ النَّفْي كَلَمْ وَمَا، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ. وَأَيْضًا تَمْثِيلُ ابنِ السَّرَّاجِ، فَإِنَّه قَالَ في كِتابِ («الأُصولِ))(٢): وَهِيَ تَقَعُ لإِخْرَاجِ الثّانِي مِمَا دَخَلَ فيه الأَوَّلُ، وذلِك قَوْلُه: ضَرَبْتُ زَيدًا لَا عَمْرًا، وَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ لَا امْرَأَةٍ، وَجَاءَنِي زَيْدٌ لَا عَمْرٌ، فَانْظُرْ أَمْثِلَتْه لَمْ يَذْكُر فِيها إِلَّ مَا اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ. (١) [قلت: في مطبوع التاج (فكذلك)، والمثبت من رسالة (نيل العلا في العطف بلا) المنشورة في مجلة معهد المخطوطات العربية (م/ ٣٠، ج١، ص ١٢٢). ع]. (٢) [قلت: انظر الأصول لابن السراج ١/ ٤٠٠ وما بعدها ... والارتشاف / ١٩٩٧. ع]. لا وأَيْضًا: تَمْثِيلُ جَماعَةٍ مِن النُّحاةِ مِنْهُم ابنُ الشَّجَرِيّ في ((الأَمالِي)). قال(١): ((إِنّها تَكُونُ عاطِفَةٌ فَتُشْرِكُ مَا بَعْدَها فِي إِعْرَابٍ مَا قَبْلَها، وتَنْفِي عَنِ الثّانِي مَا ثَبَتَ لِلأَوَّلِ، كَقَوْلِكَ: خَرَجَ زَيْدٌ لَا بِكْرٌ، ولَقِيتُ أَخَاكَ لَا أَبَاكَ، وَمَرَرْتُ بِحَمِيكَ لَا أَبِيكَ))، ولَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ النُّحاةِ في أَمْثِلَتِهِ مَا يَكُونُ الأَوَّلُ فيه يَحْتَمِلُ أَنْ يَنْدَرِجَ فيه الثّانِي، وخَطَرَ لي في سَبَبٍ ذَلِكَ أَمْران: أَحَدُهما: أَنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، فهذه القاعِدَةُ تَقْتَضِي أَنّه لا بُدَّ في المَعْطُوفِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عليه، والمُغايَرَةُ عِنْدَ الإِطْلاقِ تَقْتَضِي المُبايَنَةَ؛ لأَنَّها المَفْهُومُ مِنْها عِنْدَ أَكْثَرِ النّاسِ، وَإِنْ كَانَ الشَّحْقِيقُ أَنَّ بَيْنَ الأَعَمِّ والأَخَصِّ والعامِّ والخاصِّ والجُزْءِ والكُلِّ مُغايَرَةٌ، ولَكِنّ المُغايَرَةَ عِندَ (١) [قلت: انظر أمالي ابن الشجري ٢٢٧/٢. ع]. ٤٥٦ لا الإِطْلَاقِ إِنَّما تَنْصَرِفُ إِلَى مَا لَا يَصْدُقُ أَحَدُهما عَلَى الآخَرِ. وَإِذَا صَحّ ذَلِكَ أَمْتَنَعَ العَطْفُ فِي قَوْلِكَ: جاءَ رَجُلٌ وَزَيْدٌ؛ لِعَدَمِ المُغايَرَةِ، فَإِنْ أَرَدْتَ غَيْرَ زَيْدٍ جَازَ، وانْتَقَلَتِ المَسْأَلَةُ عَنِ صُورَتِها، وصارَ كَأَنَّكَ قُلْتَ: جَاءَ رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ، لَا زَيْدٌ. وغَيْرُ زَيْدٍ لَا يَصْدُقُ عَلَى زَيْدٍ. وَمَسْأَلَتُنا إِنَّما هي فِيما إذا كَانَ رَجُلٌ صادِقًا عَلَى زَيْدٍ مُحْتَمِلًا لأَنْ يَكُونَ إِيَّاهِ، فَإِن ذلِكَ مُمْتَنِعٌ للقاعِدَةِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ من وجوب المغايرة(١) بَيْنَ المَعْطوفِ والمَعْطوفِ عليه. ولو قُلْتَ: جاء زَيْدٌ ورَجُلٌ، كانَ مَعناه: وَرَجُلٌ آخَرُ؛ لما تَقَرَّرَ من وُجِوبٍ المُغايَرَةِ، وكذلك لو قُلْتَ: جاءً زَيْدٌ لَا رَجُلٌ، وَجَبَ أَنْ يُقَدَّرَ: لَا رَجُلٌ آخَرُ، والأَصْلُ في هذا أَنّا نُرِيدُ أَنْ نُحافِظَ عَلَى مَدْلولاتٍ (١) [قلت: في مطبوع التاج (التي تقررت وجرت للمغايرة)، والمثبت من رسالة (نيل العلا) ١٢٤: ٤]. لا الأَلْفاظِ، فَيَبْقَى المَعْطوفُ عليه عَلى مَدْلُولِه من عُمومٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوَ إِطْلاقٍ أَوْ تَقْبِيدٍ، والمَعْطُوفُ عَلَى مَدْلولِهِ كذلك، وحَرْفُ العَطْفِ عَلَى مَدْلولِهِ، وهو قَدْ يَقْتَضِي تَغْيِيرَ نِسْبَةِ الفِعْلِ إِلَى الأَوَّلِ كَأَوْ، فَإِنَّها تُغَيِّرُ نِسْبَتَه من الجَزْمِ إلى الشَّكُّ. كما قالَ الخَلِيلُ في الفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ إِمَّا، وقِيلَ بالإِضْرابِ عَن الأَوَّلِ، وقَد لَا تَقْتَضِي تَغْبِيرَ نِسْبَةِ الفِعْلِ إِلى الأَوَّلِ، بل زِيادَةٌ عليه، بَل زِيادَةً حُكْمٍ آخَرَ، و ((لا)) مِنْ هذا القَبِيلِ، فَيَجِبُ عَلَيْنا المُحافَظَةُ عَلَى مَعْناها مَع بَقَاءِ الأَوَّلِ عَلَى مَعْنَاه من غَيْرٍ تَغْبِيرٍ ولَا تَخْصِيصِ ولَا تَقْسِيدٍ، وَكَأَنَّكَ قُلْتَ: قامَ إِمَّا زَيْدٌ وَإِمَّا غَيْرُه، لَا زَيْدٌ. وهذا لَا يَصِحُ. الشَّيءُ الثَّانِي: أَنَّ مَبْنَى كَلَام العَرَبِ عَلَى الفَائِدَةِ، فَحَيْثُ حَصَلَتْ كَانَ التَّرْكِيبُ صَحِيحًا، وَحَيْثُ لَمْ تَحْصُلْ امْتَنَع في كَلامِهِم، وَقَوْلُك: قَامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ ٤٥٧ لا مَع إِرادَةِ مَذْلُولِ ((رُجُلٍ)) في احْتمالِه لزَيْدٍ وغَيْرِهِ لَا فَائِدَةَ فيه، وتَقُولُ: إِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ؛ لأَنّه إِنْ أَرَذْتَ الإِخْبَارَ بِقِيام رَجُلٍ غَيْرِ زَيْدٍ كانَ طَرِيقُكَ أَنْ تَقُولَ: غَيْرِ زَيْدٍ، فَإِنْ قُلْتَ: (لا))، بِمَعْنَى: ((غَيْرِ))، لَم تَكُنْ عاطِفَةٌ، وَنَحْنُ إِنَّما نَتَكَلَّمُ عَلَى العاطِفَةِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أَنّ الَّتِي بِمَعْنَى: ((غَيْر)) مُقَيِّدَةٌ للأَوَّلِ، مُبَيِّنَةٌ لِوَصْفِه، والعاِطِفَةُ مُبَيِّنَةٌ حُكْمًا جَدِيدًا لِغَيْرِهِ، فَهُذا هُو الّذِي خَطَرَ لي في ذلك، وبِه يَتَبَيَّنُ أَنَّه لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ: قَامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، وَقَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ لَا رَجُلٌ، كِلَاهُما مُمْتَنِعْ إِلَّا أَنْ يُرادَ بالرَّجُلِ غَيْرُ زَيْدٍ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُ فِيهِمَا إِنْ كانَ يَصِحُ وَضْعُ ((لا)) في هذا المَوْضِعِ مَوْضِعَ غَيْرٍ، وفيه نَظَرٌ وتَفْصِيلٌ سَنَذْكُرُه، وَإِلَّا فَتَعْدِلُ عَنْها إِلَى صِيغَةِ ((غير)) إِذا أُرِيدَ ذلك المَعْنَى، وَبَيْنِ العَطْفَ ومَعْنَى غَيْرِ فَرْقٌ، وهو أَنَّ العَطْفُ يَقْتَضِي النَّفْيَ عَنِ الثَّانِي بالمَنْطُوقِ ولَا لا تَعْرُّضَ لَه للأَوَّلِ إِلَّا بِتَأْكِيدِ مَا دَلَّ عليه بالمَفْهُومِ إِنْ سَلِم، ومَعْنَى غَيْرِ يَقْتَضِي تَقْيِيذَّ الأَوَّلِ ولَا تعرُّضَ له للثّانِي إِلَّ بِالمَفْهُومِ إِنْ جَعَلْتَها صِفَةً، وَإِنْ جَعَلْتَها اسْتِثْنَاءً فَحُكْمُه حُكْمُ الاسْتِثْنَاءِ فِي أَنَّ الدَّلَالَةَ هَل هي بالمَنْطُوقِ أَوِ بِالمَفْهُوم، وفيه بَحْثٌ. والتَّفْصِيلُ الّذِي وَعَدْنا به هو أَنّه يَجُوزُ(١) : قَامَ رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ، وامْرزْ بِرَجُلٍ غَيْرِ عَاقِلٍ، وهذا رَجُلٌ لا امْرَأَةٌ، وَرَأَيْتُ [طَويلًا لا قَصيراً. ولا يجوزُ: هذا رَجُلٌ غيرُ زيدٍ، ولا: رأيتُ] طَوِيلًا غَيْرَ قَصِيرٍ، فَإِنْ كَانَا عَلَمَيْنٍ جَازَ فيه لَا وَغَيْرٌ، وهذان الوَجْهَانِ اللّذانِ خَطَرًا لي زائدانٍ عَلى ما قَالَه السُّهَيْلِيُّ والأُبْذِيّ من مَفْهُوم الخِطابِ؛ لأَنَّه إِنَّما يَأْتِي عَلَىَ القَوْلِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وهو ضَعِيفٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ، وَمَا ذَكَرْتُه يَأْتِي (١) [قلت: هذا كلام أبي حيان في الارتشاف / ١٩٩٧. وما سيأتي بين معقوفين زيادة منه ومن رسالة نيل العلا ١٢٥ . ع]. ٤٥٨ لا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ. عَلَى أَنَّ الّذي قالَاه أَيْضًا وَجْهٌ حَسَنٌ يَصِيرُ مَعهُ العَطْفُ في حُكْم المُبَيِّنِ لِمَعْنَى الأَوَّلِ مِنْ انْفِرادِهِ بِذلِكَ الحُكْمِ وخدَه، والتَّصْرِيحِ بِعَدَمِ مُشارَكَةِ الثَّانِي له فيه، وَإِلَّاَ لَكَانَ فِي حُكْمٍ كَلَامٍ آخَرَ مُسْتَقِلٌّ وَلَيْسَ هُو المَسْأَلَةَ، وهو مُطَّرِدْ أَيْضًا في قَوْلِك: قامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، وَقَامَ زَيْدٌ لَا رَجُلٌ؛ لأَنَّ كُلَّا مِنْهُما عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ لَهُ حُكْمُ اللَّقَبِ، وهذا الوَجْهُ مَعَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ خَطَرًا لِي إِنَّما هُو في لَفْظَةِ ((لا)) خاصَّةً لاخْتِصاصِها بِسَعَةٍ الَّفْي، وَنَفْي المُسْتَقْبَلِ عَلَى خِلافٍ فيه، ووَضْعِ الكَلام في عَطْفٍ المُفْرَدَاتِ لَاَ عَطْفِ الجُمَلِ، فَلَو جِئْتَ مَكَانَها (بِمَا)) أَو (لَيْسَ)) وجَعَلْتُه كَلامًا مُسْتَقِلًا لَمْ تَأْتِ (١) المَسْأَلَةَ، ولم تَمْتَنِعْ، وَأَمّا قَوْلُ البَيَانِين في قَصْرِ المَوْصُوفِ إفرادًا: (١) [قلت: في مطبوع التاج (لم يأت ... ولم يمتنع) والمثبت من رسالة نيل العلا ١٢٦. ع]. لا زَيْدٌ كاتِبٌ لَا شاعِرٌ، فَصَحِيحٌ، ولَا مُنَافَاةَ بَيْنَه وَبَيْنَ مَا قُلْناهُ. وقَوْلُهم: عَدَمُ تَنافِ الوَصْفَيْنِ، مَعْنَاه أَنَّه يُمْكِنُ صِدْقُهُما عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ كالعالِم والجاهِلِ، فَإِنَّ الوَصْفَ بِأَحَدِهِما يَنْفِي الوَصْفَ بالآخَرِ لاسْتِحالَةِ اجتماعِهِما، وَأَمَّا شاعِرٌ وكاتِبٌ فالوَصْفُ بِأَحَدِهما لا يَنْفِي الوَصْفَ بِالآخَرِ، لإمكانِ اجتماعِهِما في شاعِرٍ كاتِبٍ، فَإِنَّه يَجِيءُ نَفْيُ الآخَرِ إِذا أُرِيدَ قَصْرُ المَوْصُوفِ عَلَى أَحَدِهما بِمَا تُفْهِمُه القرائِنُ وسِياقُ الكَلَام، فلا يُقالُ مَع هذا: كَيْفَ يَجْتَمِعُ كلامُ البَيَانِيِّينَ مَعَ كَلام السُّهَيْلِيِّ والشَّيْخِ لظُهورِ إِمْكانِ اجْتِماعِھما. وأَمَّا قَوْلُكَ: قامَ رَجُلٌ وَزَيْدٌ، فَتَرْكِيبٌ صَحِيحٌ، وَمَعْناهُ: قَامَ رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ وَزَيْدٌ، واسْتَفَدْنا التَّقْبِيدَ مِنَ العَطْفِ لِمَا قَدَّمناه من أَنّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، فهذا المُتَكَلِّمُ ٤٥٩ لا لا أَورَدَ كلامَهُ أَوَّلًا عَلَى جِهَةِ الاحْتِمالِ لأَنْ يَكُونَ زَيْدًا وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَه، فَلَمَّا قَالَ: وَزَيْدٌ، عَلِمْنَا أَنَّه أَرَادَ بِالرَّجُلِ غَيْرَهِ، ولَه مَقْصُودٌ قد يَكُونُ صَحِيحًا في إِنْهامِ الأَوَّلِ وتَعْيِينِ الثّانِي، وتَحْصُلُ للسّامِعِ بِه فائِدةٌ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَيها إِلَّ بِذَلِكَ التَّرْكِيبِ أَو مِثْلِه مع حَقِيقَةٍ العَطْفِ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: قَامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، لَمْ تَحْصُلْ به قَطُّ فائدةٌ، ولَا مَقْصودٌ زائِدٌ عَلَى المُغايَرَةِ الحاصِلَةِ بِدُونِ العَطْفِ فِي قَوْلِكَ: قامَ رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ. وَإِذا أَمْكَنَتِ الفائِدَةُ المَقْصُودَةُ بدونِ العَطْفِ يَظْهَرُ أَنْ يَمْتَنِعَ العَطْفُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى كَلَامِ العَرَبِ عَلَى الإِيْجازِ والاخْتِصارِ، وَإِنّما نَعْدِلُ إِلَى الإِطْنابِ بِمَقْصُودٍ لَا يَحْصُلُ بدونِه، فَإِذا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودٌ بِهِ فَيَظْهَرُ امْتِناعُه، ولا يُعْدَلُ إِلَى الجُمْلَتَيْنِ مَا قُدِرَ عَلَى جُمْلَةٍ واحدة، ولَا إِلَى العَطْفِ مَا قُدِرَ عليه بدونِه؛ فلذلك قُلْنا بالامْتِناعِ؛ وبهذا يَظْهَرُ الجوابُ عَن قَوْلِك: إِن أَرَدْتَ غَيْرَه كَانَ عَطْفًا . وَقَوْلُكَ: ويَصِيرُ عَلَى هذا التَّقْدِيرِ مِثْلَ: قامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ، في صِحَّةِ التَّرْكِيبِ مَمْنُوعٌ؛ لِمَا أَشَرْنا إليه من الفائدَةِ في الأَوَّلِ دونَ الثَّانِي، والتَّأْكِيدُ يُفْهَمُ بِالقَرِينَةِ، والإِلْباسُ يَنْتَفِي بالقَرِينَةِ، والفائدةُ حاصِلَةٌ مع القَرَائِنِ في: قَامَ رَجُلٌ وَزَيْدٌ، ولَيْسَتْ حاصِلَةً في: قَامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ مَعَ العَطْفِ كَمَا بَيْنَاهُ. وأَمَّا قَوْلُكَ: هل يَمْتَنِعُ ذِلك في العامٌّ والخاصِ، مِثْلُ: قامَ النّاسُ لَا زَيْدٌ، فالّذي أَقُولُه من هذا: إِنّه إِنْ أُرِيدَ النّاسُ غَيْرَ زَيْدٍ جازَ، وتَكُونُ ((لا)) عاطِفَةً بِمَا قَرَّرْناه من قَبْلُ. وإِنْ أُرِيدَ العُمُومُ وَإِخْرَاجُ زَيْدٍ بِقَوْلِك: لَا زَيْدٌ عَلَى جِهَةِ الاسْتِثْنَاءِ ٤٦٠