Indexed OCR Text

Pages 121-140

القول فى العروض
وهو علم يتعرف منه صحيح أوزان الشعر وفاسدها ، وأنواع الأوزان المستعملة
المسماة بالبحور ، وكيفية تحليلها إلى أجزائها المسماة بالتفاعيل ، ومقادير (١) الأبيات
والمصاريع ، وأصناف التغايير المسماة بالعلل والزحافات .
ومنفعته معرفة ما هو من الكلام شعرٌ من حيث الصورة ، وأى نوع هو ، وما يجوز
أن يستعمل فيه من الاختلافات ، وربما احتيج إليه فى دفع المعاند فى شعر مّا .
وقيل إنه ليستغنى عنه السليم الطبع ، المستكثر لأنواع الشعر ، ولا ينتفع به
البليد ، ويحتاج إليه من عداهما وهم الأكثر .
وواضع العروض ابتداءً فى اللغة العربية الخليل بن أحمد (٢)، وإنما هذبه أبو النصر
الجوهرى (٢) ، ويرى الخليل أن التفاعيل ثمانية المشهورة والجوهرى يسقط منها
مفعولات محتجا بأنها لو كانت أصلاً لتركب منها بحر بمفردها كما تركب من كل واحدة
من السبع البواقى بمفردها .
وذكر الخليل أن عدة البحور خمسة عشر بحراً المشهورة، وزادها الأخفش (٤) بحراً ،
سماه المتدارك . فردّ الجوهرى الستة عشر بحراً إلى اثنى عشر بحراً : سبعة منها تكرر
كل واحدة من التفاعيل بمفردها وهى: ((المتقارب ، والمتدارك، والهزج ، والرجز ،
(١) فى ((د)) : مقادير الأفعال و.
(٢) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدى الأزدى البجيدى (١٠٠ - ١٧٠ هـ)
ابن خلكان ١٧٢/١، إنباه الرواة ٣٤١/١ السيرافى ٣٨، الحور العين ١١٢، نزهة الجليس
٨٠/١، الأعلام ٣٦٣/٢.
(٣) الجوهرى، أبو النصر إسماعيل بن حماد الفارابى الجوهرى ت ٣٩٣هـ.
الأنبارى ٤١٨، يتيمة الدهر ٢٨٩/٤، معجم الأدباء ٢٦٦/٢، بغية الوعاة ١٩٥، كشف
الظنون ٩١/٤، روضات الجنات ١١٠/١، مفتاح السعادة ٩٩/١، النجوم الزاهرة ٢٠٧/٤ ،
لسان الميزان ٤٠٠/١، الأعلام ٣٠٩/١ .
(٤) الأخفش الأوسط هو: أبو الحسن سعيد بن سعده البلخى البصرى: ت ٢١٥هـ، الأعلام:
١٥٤/٣، بغية الرعاة ٢٥٨، معجم الأدباء ٢٢٤/١١، مدخل المؤلفين العرب : ١١.
١١٩

والرمل ، والوافر، والكامل)» وخمسة كل واحد منها مركب من جزأين وهى :
«الطويل، والمديد، والبسيط، والخفيف، والمضارع)) وأدرج الأربعة الباقية فى هذه
الاثنى عشر بأن زاد فى أعاريضها وضروبها: «فالسريع يرد إلى البسيط والمنسرح
إلى الرجز والمقتضب إلى الهرج والمجتث إلى الخفيف )) . إلا أن الكتب المصنفة فى
العروض بأسرها على مذهب الخليل بزيادة الأخفش مع بيان ما ذكره الجوهرى ووضوحه ،
وقد كثرت فيه التصانيف من غير زيادة على ماذكر الخليل والأخفش .
فمن الكتب المختصرة : كتاب لابن مالك (١) ، وعروض الورقة للجوهرى على
مذهبه ، ولابن الحاجب لامّية وجيزة كافية (٢)، وضاهاها الساوى بلامية حسنة ،
وشرح قصيدة ابن الحاجب شيخنا جمال الدين واصل (٣) رحمه الله شرحاً وافيا، وشرح
الساوية للإمام القزوينى (٤)، وللأيكى (٥) مختصر بديع .
ومن المتوسطات فيه: كتاب لابن القطاع (٦)، والخطيب للتبريزى (٧).
ومن المبسوطات : كتاب الأمين المجلى .
(١) ابن مالك: سبق ذكره، وهو شارح ((مختصر ضرورى التصريف)»: ابن تغرى بردى، النجوم
الزاهرة ٢٤٤/٧، فوات الوفيات: ٢٢٧/٢، بغية الرعاة : ص ٥٣ - ٥٧.
(٢) ابن الحاجب: هو: عثمان بن عمر بن أبى بكر بن يونس المالكى المعروف بابن الحاجب ، جمال
الدين أبى عمرو: ت ٦٤٦هـ.
(٣) جمال الدين واصل محمد بن سالم الحموى . : ٦٩٧هـ.
(٤) الكافى فى علم العروض والقوافى فى شرح القصيدة الغراء والخريده الحسناء - تأليف:
صدر الدين الساوى وقد لخصها الإمام القزوينى، مفتاح السعادة ٢١٧/١ .
(٥) الأيكى: هو أستاذ قاضى القضاة جلال الدين القزوينى المولود سنة ٦٦٠هـ، مفتاح السعادة
جـ ٢٠٩/١، ٢١٦.
(٦) ابن القطاع: على بن جعفر الصقلى: ت ٥٢٨هـ، معجم الأدباء جـ ٦/١٢ ومن ص ٢٧٩ -
٢٨٣، ابن خلكان: جـ ٧/١، من ٤١٧ - ٤٢٨.
(٧) التبريزى : أبو زكريا يحيى بن على الخطيب التبريزى: ت ٥٠٢ هـ .
١٢٠

القول فى القوافى
وهو علم يُتعرف منه أحوال نهايات الشعر على أى وجه تكون ، وكم هى ، وأى
النهايات بحرف ، وأيها بأكثر من حرف ، وكم أكثرها ، وما يجوز أن يبدل منها بما
يساويه فى الزنة :"
ومنفعته نحو منفعة العروض وأشدّ لكثرة الاشتباه فى القوافى وأحكامها . ومن
الكتب المختصرة كتاب للأبكى (١)، والمتوسطة كتاب لابن القطاع (٢). ومن المبسوطة
كتاب لابن سيده (٣)، ولابن عصفور(٤) كتاب جم الفوائد(٥).
(١) سبق ذكره فى علم العروض .
(٢) سبق ذكره فى علم العروض .
(٣) المحكم والمحيط الأعظم فى لغة العرب وجمل من غريب الكتاب والحديث وفنون من النحو
والأدب للإمام أبى الحسن على بن إسماعيل الضرير الأندلسى النحوى اللغوى المعروف بابن
سيده المرسى. ت: ٤٥٨ هـ، معجم الأدباء ٨٤/٥، ابن خلكان ٤٣/١، الديباج ٢٠٤ .
مفتاح السعادة ٩٩/١ ، بغية الملتمس ٤٠٥، نفح الطيب ٨٧٥/٢، نكت الهميان ٢٠٤ ،
لسان الميزان ٢٠٥/٤ .
(٤) فى ((جـ)) لأبى عصفور: والمثبت عن بقية النسخ وقد سبق التعريف به، سركيس ١٢٤ ،
الأعلام ٦٩/٥.
(٥) كتاب الممتع فى علم التصريف: لعلى بن مؤمن الحضرمى الأشبيلى المعروف بابن عصفور
أبو الحسن . ت : ٦٦٩هـ .
١٢١

القول فى النحو
وهو علم يُتعرف منه أحوال اللفظ المركب من جهة ما يلحقه من التغايير المسماة
بالإعراب والبناء ، وأنواعها من الحركات والحروف ، ومواضعها ولزومها ، وكيفية
دخولها فى الجمل لتبين دلالتها . ومنفعته : تبين أحوال الألفاظ المركبة فى دلالتها
على المقصود ، ودفع اللبس عن سامعها ، فإن القائل : ما أحسن زيد بالسكون (١) ،
يحتمل أحد أمور ثلاثة ، التعجب من حسنه ، والاستفهام عن أى شئ منه أحسن ،
وسلب الإحسان عنه حتى يعرب فيتميز .
واعلم أن إعراب الكلام كان للعرب سجية لأنهم مفطورون على الفصاحة ، فلما جاء
الإسلام وتألفت به القلوب اختلطت الأمم بعضها ببعض ، فكادت العربية أن تتلاشى ،
فدعا ذلك أمير المؤمنين ((علياً)) رضى اللّه عنه، أن أصّل فيه أصولاً أخذها عنه أبو
الأسود الدؤلى ، وكان يراجعه فيها إلى أن حصّل من أصوله ما فيه كفاية ، ثم قرأ
على «أبى الأسود الدؤلى)) ميمون الأقرن (٢) وزاد فيه ثم «عنبسة المهرىّ)» المعروف
((بالفيل)»(٣) ثم ((عبد الله بن إسحاق الحضرمىّ))(٤) و((أبو عمرو بن العلاء)) (٥)
فزاد فيه ثم «الخليل بن أحمد))(٦)، وعنه أخذ («سيبويه))(٧). وقد كان «على بن
حمزة الكسائى ))(٨) رَسَمَ رسوماً أخذها عنه أهل الكوفة وتهذب الفن وترتب .
(١) فى ((جـ)): بالكونين. والتصحيح من ((ب)).
(٢) قيل أخذ النحو عن أبى الأسود ، وقيل أخذه عن عنبسة المعروف بالفيل تلميذ أبى الأسود :
انظر أبا بكر الزبيدى طبقات النحويين واللغويين، الطبعة الثانية ص ٢٤ ، الطبقة الأولى .
(٣) طبقات النحويين فى المرجع السابق ، الطبعة الثانية ، ص ٢٤ .
(٤) عبد الله بن إسحاق الحضرمى. ت ١٢٧ هـ، طبقات النحويين المرجع السابق الطبقة الثالثة،
ص ٢٥ .
(٥) أحد القراء السبعة ت ١٥٩ هـ، وهو معروف: طبقات النحويين المرجع السابق، الطبقة الرابعة
ص ٢٨ .
(٦) طبقات النحويين، المرجع السابق، الطبعة الخامسة، ص ٤٣ - ٤٧ .
(٧) سيبويه: هو : أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريين ، تلميذ الخليل بن أحمد ، ابن
خلكان جـ ١ / ٤٨٧ - ٤٨٨، معجم الأدباء جـ ١١٤/١٦ - ١٢٧، بغية الرعاة ٣٦٦ -٣٦٧.
(٨) أبو الحسن على بن حمزة الكسائى إمام الكوفيين : طبقات النحويين، الطبعة الثانية من
الكوفيين ص ١٣٩ - ١٤٢، معجم الأدباء ١٦٧/١٣، بغية الرعاة ٣٣١ - ٣٣٧، النجوم
الزاهرة ١٣٠/٢.
١٢٢

ومن الكتب المختصرة فيه : مقدمة ابن الحاجب (١)، والعمدة لابن مالك ،
والضوابط الكلية للمرسى .
ومن المتوسطة : المفصل الزمخشرى (٢)، والمقرب لابن عصفور(٣)، وتسهيل
الفوائد لابن مالك (٤) ، يكاد أن يخل بمسئلة من الفن .
ومن المبسوطات ، كتاب سيبويه (٥) ، وعليه نكت لابن الطراوه (٦) ، ويحتاج إلى
جودة تأمل وعليه شروح مقنعة ، وشرح تسهيل الفوائد جامع مفيد .
(١) الكافية لابن الحاجب: وقد عنى الكثيرون يشرحها: هو جمال الدين أبو عمر عثمان بن عمر
ابن أبى بكر بن يونس المصرى المالكى (ابن الحاجب ) ٥٧٠ - ٦٤٦هـ، ابن خلكان ٣٩٥/١،
الطالع السعيد ١٨٨، بغية الوعاة ٣٢٣ ، الديباج المذهب ١٨٩، مفتاح السعادة ١١٧/١ ،
الخطط التوفيقية ١٦٢/٨، غاية النهاية ٥٠٨/١، سركيس ٧١، الأعلام ٣٧٤/٤ .
(٢) الزمخشرى هو: جار الله ابو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمى المعتزلى (٤٦٧ -
٥٣٨ هـ)، الأنبارى ٤٦٩، ابن خلكان ١٠٧/٢، ابن قطلوبغا ٥٣، بغية الرعاة ٣٨٨،
الفوائد البهية ٢٠٩، روضات الجنات ٢١١/٤، مفتاح السعادة ١٠٩/١ و٤٧١، سركيس
٩٧٣، الأعلام ٥٥/٨ .
(٣) ابن عصفور: سبق التعريف به .
(٤) تسهيل الفوايد لابن مالك: جمال الدين أبى عبد الله محمد عبد الله بن مالك.
(٥) سيبويه : سبق ذكره .
(٦) ابن الطراوة فى شرح الكافية هو : أبو الحسن سليمان بن محمد بن عبد الله السباعى المالقى بن
الطراوة (٥٢٨هـ)، الأعلام ١٩٦/٣، معجم البلدان ٣٧/٦، مداخل المؤلفين العرب ٣٢٢ .
١٢٣

القول فى قوانين الكتابة (١)
وهو علم يتعرف منه صور الحروف المفردة وأوضاعها وكيفية تركيبها خطاً ، وما
يكتب منها فى السطور ، وكيف سبيله أن يكتب ، وما لا يكتب ، وإبدال ما يبدل
منها وبماذا يبدّل ، ومواضعه ومنفعته ظاهرة .
وهذا العلم والذى يليه متلازمان فى الوجود لغاية واحدة ، وهى معرفة دلالة الخط
على اللفظ ، واعلم أن جميع المعلومات إنما تعرف بالدلالة عليها بأحد الأمور الثلاثة :
((الإشارة، واللفظ، والخط)).
فالإشارة تتوقف على المشاهدة ، واللفظ يتوقف على حضور المخاطب وسماعه ،
أما الخط فلا يتوقف على شئ ، فهو أعمها نفعاً وأشرفها ، وهو خاصة النوع الإنسانى.
(١) الكتابة : صناعة الكاتب .
١٢٤

القول فى قوانين القراءة (١)
وهو علم يعرف منه العلامات الدالة على ما يكتب فى السطور من الحروف المميزة
بين المشتركة منها فى الصور ، والمتشابهة من النّقط والأشكال ، والعلامة الدالة على
الإدغام والمد والقضّر والوصل والفصل والمقاطع ، وأحوال هذه العلامات وأحكامها .
ومنفعته ما ذكرناه فى العلم المتقدم .
واعلم أن بهذين العلمين ظهرت خاصة النوع الإنسانى من القوة إلى العقل ، وامتاز
عن سائر أنواع الحيوانات ، وضبطت الأموال ، وترتبت الأحوال ، وحفظت العلوم فى
الأدوار ، واستمرت على الأكوار، وانتقلت الأخبار من زمان إلى زمان ، وحملت سراً من
مكان إلى مكان . ولهذه الفضائل حافظت الغريزة الإنسانية على قبول هذين العلمين
حال تعلمهما محافظة لم يحتج معها إلى تذكار بعد الغيبة ، ولهذه العلة استغنى عن
كتاب يصنف فيهما ، وهذا أخر العلوم والقول فى العلوم الأدبية .
(١) القراءة: لمن يقدر على النظر والنطق (قرأ الكتاب - قراءةً: تتبع كلماته نظراً ونطق بها ).
١٢٥

القول فى المنطق (١)
وهو علم يتعرف فيه ضروب الانتقالات من أمور حاصلة فى ذهن الإنسان إلى أمور
مستحصلة فيه ، وأحوال تلك الأمور ، وأصناف ما ترتيب الانتقال فيه وهيئته جاريان
على الاستقامة (٢) ، واصناف ما ليس كذلك .
وموضوعه المعلومات التصورية (٣) والتصديقية من حيث توصل إلى مطلوب
تصورى أو مطلوب تصديقى تأدياً صواباً ، واشتقاقه من النطق الداخلى ، أى القوة
العاقلة . وقد رتبه ارسطوطا ليس على تسعة أجزاء .
الجزء الأول : يسمى ايساغوجى، ومعناه: المدخل ، ويتبين فيه الألفاظ والمعانى
المفردة من حيث هى عامة كلية وهى الجنس ، والنوع ، والفصل ، والخاصة ، والعرض
العام .
(٤) الثانى : ويسمى قاطيغورياس ومعناه: المقولات ، ويتبين فيه المعانى
المفردة الشاملة بالعموم لجميع الموجودات ، وهى الجوهر والأعراض التسعة التى هى:
الكم والكيف والأين والوضع والمتى والملك والإضافة والفعل والانفعال .
الجنس الثالث : ويسمى بأدير مينياس (٥) ومعناه: العبارة، ويتبين فيه كيفية
تركيب المعانى المفردة بالنسبة الإيجابية أو السلبية حتى تصير قضية وخبراً يلزمه أن
يكون صادقاً أو كاذباً .
الجزء الرابع : ويسمى ارتولوطيقى ومعناه : التحليل بالعكس ، ويتبين فيه كيفية
تركيب القضايا حتى يصير منها دليل يفيد علماً بمجهول وهو القياس .
(١) المنطق: الكلام. وعلم يعصم الذهن من الخطأ فى الفكر، ويقال: فلان منطقى: يفكر
تفكيراً .
(٢) مستقيماً: فى نسخة ((جـ)) على الاستقامات.
(٣) فى ((جـ)»: التصويرية .
(٤) هكذا فى الأصل، مرة يقول عنها الجزء وأخرى يقول عنها الجنس. وفى (بقية النسخ ):
الجزء فقط .
(٥) فى ((د)): بارمنياس. فى ((ب)) وفى ((هـ)): ( بارير مينياس).
١٢٦

الجزء الخامس : ويسمى بادبيطيقى ومعناه: البرهانى ، ويتبين فيه شرائط القياس
اليقينى ومقدماته .
الجزء السادس : ويسمى طوبيقى ومعناه: المواضع ، ويراد بها الجدلية ، ويتبين
منه (١) القياس الجدلى النافع فى مخاطبة من يقصر علمه أو فهمه (٢) عن البرهان ،
والمواضع التى يستخرج منها المقدمات الجدلية ، ووصايا المجيب والسائل .
الجزء السابع : ويسمى ريطوريقى ومعناه: الخطابى ، ويتبين منه القياسات
الخطابية والبلاغية المقنعةُ النافعة فى مخاطبات الجمهور ، وعلى سبيل المشاورات
والمخاطبات (٣) والمشاجرات والحيل النافعة فى الاستعطاف والاستمالة.
الجزء الثامن : ويسمى طوريقى ومعناه: الشعرى ، ويتبين فيه حال القياسات
الشّعرية ومقدماتها ، وكيف يستعمل التشبيه المفيد للتخييل الموجب للانفعالات
النفسانية ، وقبول الترغيب والترهيب ، والمدح والذم ، والاغراء والتحذير ، والتعظيم
والتحقير وما أشبهها .
الجزء التاسع : ويسمى سوفسطيقى ومعناه (٤): نقض شُبه المموهين، ويتبين فيه
القياسات المغالطية ، وأصناف الغلط الواقعة فى الحدود ، والأقيسة من جهة اللفظ
والمعنى من مادة أو صورة ، ووجه التحرّز منها ، وربما جعل هذا الجزء تالياً للبرهان
فيكون سابعاً .
ولأرسطوطاليس فى هذه الأجزاء التسعة تسعة كتب إلا أن الأول منها وهو :
المدخل ، لم يقع إلينا وإنما نقل إلينا وضع فرقوريوس (٥) والمتأخرون حذفوا الكلام فى
المقولات من تصانيفهم المنطقية ، لأن الكلام فيها ليس من علم المنطق (٦).
(١) فى ((د)) : يتبين عنه .
(٢) أو فهمه موجودة فى ((أ)) و (( هـ)).
(٣) فى ((د)): المخاصمات. وكذلك فى ((هـ)).
(٤) فى ((جـ)»: ومعناه نقض شُبّه المموهين، وكذلك فى (( د)».
(٥) فى (جـ)»: فرفيريوس .
(٦) من هنا لم يذكر المختصر فى ((د)) شيئاً عن مراجع علم المنطق كلها من أول: ولأرسطوطاليس
فى هذه الأجزاء التسعة تسعة كتب ... حتى آخر علم المنطق .
١٢٧

ومن الناس من زعم أن المنطق آلة لغيره من العلوم فلا يكون علماً فى نفسه ، وهذا
تحامل ، لأن كونه آلة لا ينافى كونه علماً فى نفسه ، فالهندسة آلة لعلم الهيئة وعلم
فى نفسه . ومنفعته أن يرشد الطالب(١) إلى الطرق التی یجب أن تسلك فی کل بحث
ومعرفة التعريفات بالحدود والرسم ، ومعرفة أنواع الحجج البرهانية وغيرها وكيفية وجه
التحرّز من الغلط فى التصورات والتصديقات ، وهو مفتاح العلوم العقلية وسلّمها ،
وميزان المعانى لأن نسبته إلى المعانى ، نسبة النحو إلى اللفظ ، والعروض إلى
القريض ، وبه يتبين حال كل علم فى وثاقته وضعفه ، وحال كل عالم وباحث ، ولهذا
قال الغزالى (٢) رحمه اللّه: من لا معرفة له به لا ثقة بعلمه، وسماه معيار العلم، وهو
من العلوم التى تشحذ الذهن وتنقح (٣) الفكر ، وبالجملة فهو حلية الجنان ، كما أن
الأدب حلية اللسان والبنان ، ويستغنى عنه المؤيّد من اللَّه تعالى ومَنْ عِلْمُه ضرورى ،
ويحتاج إليه من عداهما وهم الأكثر .
وقد رفض هذا العلم وجحد منفعته من لم يفهمه ولا اطلع عليه عداوة لما جهل ،
وقد بيّنا منه ما فيه كفاية ، وبعض الناس ربما توهم أنه يشوش العقائد مع أنه موضوع
للاعتبار والتحرير ، وسبب هذا التوهم أن من الأذكياء الأغمار الذين لم يرتاضوا
بالعلوم الحكمية ولا أدّبتهم الشريعة مَن اشتغل بهذا العلم ، واستضعف حجج بعض
العلوم ، فاستخف بها وبأهلها ، ظناً منه أنها برهانية لطيشه وجهله بحقائق العلوم
ومراتبها ، فالفساد منه لا من العلوم .
والمشهور أن واضع هذا العلم ومبتدعه أرسطوطاليس وأنه لم يجد لمن تقدمه غير
كتاب المقولات ، وأنه تنبه لوضعه وترتيبه من نظم كتاب إقليدس (٤) فى الهندسة
والمناقشة فى هذا غير مفيدة .
(١) الطالب: غير موجودة فى ((جـ )).
(٢) الغزالى : حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالى الطوسى (٤٠٥ -
٥٠٥ هـ)، ابن خلكان ٥٨٦/١، طبقات السبكى ١٠١/٤، مفتاح السعادة ١٩١/١،
الفوائد البهية ٣٤٣ بالتعليقات، الوافى بالوفيات ٢٧٧/١، روضات الجنات ٤/ ١٨٠،
.
جلاء العينين ٧٣، اللباب ٢/ ١٧٠، سركيس ١٤٠٨، الأعلام ٢٤٧/٧ .
(٣) تنقع من ((هـ)».
(٤) سبق ذكره .
١٢٨

ولخص أبو نصر الفارابى (١) كتب ارسطوطاليس ، فى كتابه المسمى بالثمانية فى
علم المنطق، وشرحها شروحاً (٢) يقصر زماننا عن استثمار فوائدها، ولخصها أيضاً
ابن رشد (٣) تلخيصاً حسناً ، وزاد المتأخرون عليها كثيراً .
ومن الكتب المختصرة : عين القواعد للكاتبى (٤)، والمناهج للأرموى (٥)،
والقسطاس للسمرقندى(٦)، والتجريد لخواجه نصير الدين الطوسى (٧).
ومن المتوسطة: كشف الأسرار للخوغجى (٨)، وعليه حواش مهمة لابن البديع
البندهى(٩)، وجامع الدقائق للكاتبى (١٠)، ونخبة الفكر لابن واصل.
(١) الفارابى هو: أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن اوزلغ الفارابى التركى (٢٦٠-
٣٩٩هـ)، عيون الأنباء ١٣٤/٢. أخبار الحكماء ابن خلكان ٢/ ١٠، روضات الجنات
١٧١/٤، ابن العبرى ٢٩٥، مفتاح السعادة ٢٩٥/١. الوافي بالوفيات ١٠٦/١، احصاء
العلوم ، المقدمه ، الأعلام ٢٤٣/٧ .
(٢) فى ((أ)» شرعاً والتصحيح من باقى النسخ .
(٣) ابن رشد: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد الأندلسى المالكى
(٥٢٠ - ٥٩٥هـ)، عيون الأنباء ٧٥/٢، الديباج المذهب ٢٨٤، شذرات الذهب ٣٢٠/٤،
المغرب ١٠٤، التكملة لابن الابار ٢٦٩/١، سركيس ١٠٨، الأعلام ٢١٣/٦.
(٤) الكاتبى : مفتاح السعادة : جـ ١، ص ٣٠٢،٢٩٩.
(٥) الأرموى هو: سراج الدين أبو الثناء محمود بن أبى بكر بن أحمد الأرموى (٥٩٤ -
٦٨٢ هـ)، طبقات السبكى ١٥٥/٥، مفتاح السعادة ٢٤٥/١، سركيس ٤٢٧.
( ٦) السعرقتدى هو: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الفقيه السمرقندى المشهور
بإمام الهدنى ( - - ٣٧٣هـ)، ابن قطلوبنا ٥٨/، الفوائد البهية ٢٢٠، الجواهر المضيئة
١٩٦/٢ . كشف الظنون ٤٤١ ، الأعلام ٣٤٩/٨.
( ٧) الطوسى هو: نصر الدين أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسى الشبعى الفيلسوف
ويعرف بنصير الدين الطوسى (٥٩٧ - ٦٧٢هـ ) فرات الوفيات ١٤٩/٢، المنهل الصافى
٢٦٥/٣، روضات الجنات ٦٠٥، مفتاح السعادة ٢٦١/١، الوافي بالوفيات ٠١٧٩/١
شذرات الذهب ٣٣٩/٥ ، البداية والنهاية ٣٦٧/١٣، سركيس ١٢٥٠، الأعلام ٢٥٧/٧ .
(٨) ابن فضل الدين الخونجى: محمد بن بامادر بن عبد الملك القاضى، أفضل الدبن ت ٦٤٩هـ:
مفتاح السعادة جـ ١، ص ٢٩٨.
(٩) ابن الربيع البندهى: مفتاح السعادة ، ج ١، فى ٢٢٣.
(١٠) الكاتبى : سبق ذكره برقم (٤).
١٣٩

ومن المبسوطة ((المنطق الكبير)) للإمام فخر الدين بن الخطيب(١)، وشرح
القسطاس لمصنفه(٢)، وشرح كشف الأسرار للكاتبى(٣)، والبحر الخضم منطق الشفا
للشيخ الرئيس أبى على بن سينا(٤).
ومعظم كتب المنطق مجموعة من كتب الطبيعى والإلهى ، فلنذكر منها جملة :
فمن المختصرة: كشف الحقائق للأثير الأبهرى (٥)، وتنزيل الأفكار له (٦).
(١) فخر الدين: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن على التيمى البكرى الطبرستانى
( فخر الدين) ٥٥٤/٥٤٣ - ٦٠٦هـ)، أخبار الحكماء ١٩٠، ابن خلكان ٦٠/١، عيون
الأنباء : ٢٣/٢، تاريخ الكامل لابن الأثير ١١٣/١٢، طبقات السبكى ٣٣/٥، الفوائد
البهية ١٩١ ، مفتاح السعادة ٤٤٥/١، روضات الجنات ١٩٠/٤، لسان الميزان ٤٢٦/٤،
الأعلام ٢٠٣/٧ .
(٢) شرح قسطاس والميزان: كلاهما للعلامة شمس الدين محمد السمر قندى: صاحب الصحائف فى
علم الكلام .
(٣) كشف الأسرار عن غوامض الأفكار - تأليف: الإمام القاضى أفضل الدين محمد بن نامادر بن
محمد بن عبد الملك الخرنجى الشافعى / ت ٦٤٩ ، وقد شرحه الكاتبى وقد سبق الكلام عن
الخوفجى والكاتبى .
(٤) الشفا - تأليف: شرف الملك أبو على الحسين بن عبد الله الحسين بن على بن سيناء البخارى
(٣٧٠ - ٤٢٨ هـ). أخبار الحكماء ٣٦٨، عيون الأنباء ١٢/٢، ابن خلكان ١/ ١٩٠.
تاريخ مختصر الدول ٣٢٥، أبو الفدا ٠١٦١/٢١ خزانة الأدب ٤٤٦، روضات الجنات ٢٤١،
لسان الميزان ٢/ ٢٩١، سركيس ١٢٧، الأعلام ٢/ ٢٦١.
(٥) كشف الحقائق فى تحرير الدقائق - تأليف العلامة: أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل
الأبهرى .
(٦) تنزيل الأفكار - تأليف العلامة: أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل الأبهرى.
١٣٠

ومن المتوسطة : التلويحات السهروردى(١)، والملخص للإمام فخر الدين (٢).
وعليه حواش مفيدة للأبهرى (٣)، ومطالع الأنوار للأرموى (٤)، والحكمة الجديدة لابن
كمونه ، والمعتبر لأبى البركات (٥).
ومن المبسوطات ؟ الشفا(٦)، وشرح التلويحات لابن كمونه (٧)، وشرح الملخص
للكاتبى ، وشرح الإشارات والتنبيهات لخواجه نصير الدين الطوسى (٨).
(١) التلويحات السهروردى وهو: أبو الفتوح شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك السهروردى
الفيلسوف. (٥٤٩ - ٥٨٧هـ ) وهو مؤلف كتاب المطارحات فى المنطق والحكمة ، ابن خلكان
٣٤٥/١، طبقات الأطباء ١٦٧/٢، النجوم الزاهرة ١١٤/٦، ابن الوردى ١٠٤/٢، اعلام
النبلاء ٢٩٢/٤، مرآة الجنان ٤٣٤/٣، لسان الميزان ١٥٦/٣، مفتاح الكنوز ٤٥٦ ،
الفلاكة ٦٧ ، مفتاح السعادة ٢٤٧/١ .
السهروردى ت ٥٨٧هـ - ١١٩١ هـ، ومن مؤلفاته المطبوعة: ((هياكل النور)» و«حكمة
الإشراق » .
(٢) فخر الدين الرازى ((سبق ذكره ».
(٣) سبق ذكره برقم (٥) فى الصفحة السابقة .
(٤) مطالع الأنوار - تأليف: العلامة أبو الثناء محمود بن أبى بكر الأرموى (فى: ((جـ)) للأدموى)
بالدال المهملة وهو خطأ .
(٥) المعتبر لأبى البركات البغدادى هبة الله بن ملكه / ت: فى أواسط القرن السادس.
(٦) الرئيس أبو على بن سيناء (سبق ذكره ) .
(٧) ابن كمونه: مفتاح السعادة، جـ ١، ص ٣٤٦.
(٨) شرح الاشارات لنصير الدين بن محمد الطوسى / ت ٦٧٢هـ وترجمتة فى ابن شاكر الكتبى:
فوات الوفيات جـ ١٤٩/٢ - ١٥٠، الأعلام جـ ٢٥٧/٧ - ٢٥٨.
١٣١

القول فى الإلهى
وهو علم يُبحث فيه عن الموجودات كلها من حيث تعينها وثُبوتها وتحقق حفائقها ،
وما يَعْرِض لها ، ونسب ما بينها ، وما يعمها وما يخصها من حيث هى موجودات
مجردة عن المادة وعلائقها .
وموضوعه : الموجودات وأحوالها من هذه الحيثية، ويُعبّر عنه بالعلم الإلهى
لاشتماله على علم الربوبية ، وبالعلم الكلى لعمومه وشموله بالنظر لكليات الموجودات ،
ويعلم ما بعد الطبيعة لتجرد موضوعه من المواد ولواحقها .
وأجزاؤه الأصلية خمسة :
الأول : النظر فى الأمور العامة مثل الوجود ، والماهية ، والوحدة ، والكثرة ،
والوجوب ، والإمكان ، والقِدَم، والحدوث، والأسباب، والمسببات ، وما يجرى فى هذا
المجرى .
الثانى : النظر فى مبادى العلوم كلها وتبيين مقدماتها ومراتبها .
الثالث : النظر فى إثبات وجود الإله الحقّ، والدلالة على وحدته وتفرّده بالربوبيّة
وإثبات صفاته ، وبيان أنها لا توجب كثرة فى ذاته .
الرابع : النظر فى إثبات الجواهر المجردة من العقول ، والنفوس ، والملائكة ،
والجن ، والشياطين ، وحقائقها وأحوالها .
الخامس : أحوال النفوس البشرية بعد مفارقتها الهياكل الإنسانية ، وحال المعاد ،
وكيفية ارتباط الخلق بالأمر .
حـ
ومنفعته : أن يتبين فيه المعتقدات الحقّة فى حقائق الموجودات التى يجب أن تعتقد ،
ما هى ، والباطلة التى يجب أن تجتنب ، ما هى . بالبراهين القاطعة اليقينية .
وهذا العلم هو المقصود بالذات للإنسان فى كمال ذاته وسعادته فى دار البقاء ، وكل
علم سواه ، إن تعلقت منفعته بأمر المعاد فهو وسيلة إليه. وإن تعلقت بأمر المعاش
فهو خدم لما يعدله . وسائر العلوم تستمد منه مباديها وتفتقر إليه، وهو غنى عنها .
١٣٢

إذ لا علم بعده ، ومن وفق للوقوف على حقائقه فقد فاز فوزاً عظيماً ، ومن زلت فيه
قدمه خسر خسراناً مبيناً ، ولما اشتدت الحاجة إلى هذا العلم وجَلَّتْ فائدته ، وعزّ
مطلبه ، توفرت الدواعى عليه ، واختلفت الطرق إليه : فمن المجتهدين من رام إدراكه
بالبحث والنظر ، ويقيم على ما يظهر له الدليل والبرهان ، وهؤلاء زمرة الحكماء
الباحثين ، ورئيسهم أرسطوطاليس ، وكتابه فيما بعد الطبيعة حاصل محصوله .
وتلخيص أغراض هذا الكتاب لأبى نصر مفتاحُ له(١)، وبعده كتاب أو ثولوجيا.
والمباحث المشرقية للإمام فخر الدين (٢) مشحون بمباحث هذه المطالب. وفى بعضها
ما ظاهره يخالف ظاهر الشريعة الحقة . وعند التحقيق لا مخالفة إلا فى اللفظ .
وكتاب فصل المقال فيما بين الشريعة والطبيعة من الاتصال لابن رشد (٣) متكفل
ببيان المهم من هذا الحال .
واعلم أن طريق الباحثين أنفع للمتعلم لو وفّى بجملة المطالب ، وقامت عليها براهين
يقينية ، وهيهات .
ومن المجتهدين من سلك طريق تصفية النفس بالرياضة ، وهؤلاء هم النساك .
وأكثرهم يصل إلى أمور ذوقية يكشفها له العيان تجلّ عن أن توصف بلسان ، فلا يقوم
عليها دليل غير الوجدان . ونساك ملتناهم الصوفية ، ولهم آداب شرعية واصطلاحية
يشتمل عليها كتاب عوارف المعارف السهروردى (٤)، وأما المشارع للجليانى(٥)،
(١) أبو نصر الفارابى: سماه العرب المعلم الثانى. عنى بتلخيص وشرح فلسفة أرسطو.
(٢) فخر الدين يحيى بن حيش السهروردى المقتول. أمر صلاح الدين بقتله تنفيذاً لحكم الشرع
حيث كان يدعو للانقطاع عن الدنيا ومجاهدة النفس بالرياضة حتى تتصل بالذات الإلهية
العليا تبعاً لنظرية الحلول التى قال بها الجنيد من قبل .
(٣) فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال - تأليف: أبو الوليد محمد بن رشد
الأندلسى ، وهو كتاب الكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة .
(٤) عوارف المعارف - تأليف: شهاب الدين أبى حفص عمر بن عبد الله السهروردى ت ٦٣٢. ابن
خلكان : وفيات الأعيان ج ١ ، ص ٤٨٠ - ٤٨١ .
- (٥) أبو الفضل عبد المنعم بن عمر الجليانى، ولد بجليانة بالأندلس سنة ٥٣١هـ، وعاش بدمشق
إلى أن توفى سنة ٦٠٢، واشتغل بالطب وله فيه مؤلفات، وعاصر صلاح الدين : القاموس
الإسلامى جـ ١، ص ٦٢٤ - ٦٢٥ .
١٣٣

فآداب وجدانية ، وفى خلالها رموز على نفحات ربانية، ورسالة القشيرى (١) تشتمل
على سيرة أعيان الصوفية إلى زمان مصنفها ، وقوت القلوب(٢) يشتمل على ما
يحتاج إليه السالك لهذا الطريق من علم ومن عمل ، ولا أنفع ولا أجمع من كتاب
الفتوحات المكية للشيخ محيى الدين بن العربى الطائى (٣). وكتبه كلها (٤) لا تخلو
عن فوائد ضمن إشارات لطيفة ، وهذه الكتب جلها رمز ، فمن قدح فى ظاهرها فهو
بمعزل عنها .
ومن المجتهدين من ابتدأ أمره بالبحث والنظر وانتهى إلى التجريد وتصفية النفس
فجمع بين الفضيلتين . وحاز كلتا الحسنيين .
وينسب مثل هذا الحال إلى سقراط وأفلاطون والسهروردى (٥). وكتاب حكمة الإشراق
له صادر عن هذا المقام برمز أخفى من السر فى صدر كاتم . ومن فتح له كتاب المفتاح
للشيخ صدر الدين القونوى (٦)، ودخل إلى تفسير فاتحة الكتاب العزيز من الباب
المذكور، هُدِىَ إلى صراط مستقيم، وفاز بجنة النعيم ، وهذه الطرق هى طرق
المجتهدين. وهم أفراد فى الأوراد ، وأما الجمهور فلما لم يكن لهم بُدُّ من النظر فى هذا
الأمر لباعث الشوق الغريزيّ على طلب الكمال الإنسانى والشعور الطبيعى بأن ثم أمراً له
وجده الإنسان غير ما شارك(٧) فيه الحيوان على ما يوضح هذا الأمر أبو بكر بن الطفيل
(١) الرسالة القشيرية - تأليف: أبى القاسم عبد الكريم بن هوران بن عبد الملك بن طلحة بن محمد
القشيرى الشافعى الصوفى ( ٣٧٦ - ٤٦٥ هـ ) ابن خلكان ٣٧٦/١، طبقات السبكى
٢٤٣/٣، تاريخ بغداد ٨٣/١١، مفتاح السعادة ٠٤٣٩/١ ١٨٦/٢، الأعلام ١٨٠/٤.
(٢) قوت القلوب لأبى طالب محمد الحارثى المكى: مفتاح السعادة جـ ٢، ص ٣٣٨/٨٦.
(٣) الفتوحات المكية فى معرفة الأسرار المالكية والملكية - تأليف: الشيخ الأكبر محيى الدين
محمد بن على بن محمد بن العربى الطائى الأندلسى الحاتمى الطائى (٥٦٠ - ٦٣٨هـ) فرات
الوفيات ٢٤١/٢، نفح الطيب ٤٠٤/١، مفتاح السعادة ١٨٧/١، ميزان الاعتدال
٠١٠٨/٣ لسان الميزان ٣١١/٥، مرآة الجنان ١٠٠/٤، الأعلام ١٧٠/٧.
(٤) كلها ليست فى (( جـ)).
(٥) ابو الفتوح يحيى الملقب بشهاب الدين، الحكيم المقتول ت ٥٨٧هـ .
(٦) القرنوى هو : صدر الدين أبو المعالى محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف بن على القرنوى
الرومى (٦٧٣هـ)، طبقات السبكى ١٩/٥، جامع كرامات الأولياء ١٣٣/١، كشف
الظنون ١٩٠٦، فهرس المؤلفين ٢٤٢ ، مفتاح السعادة ٤٥١/١ ٢١١/٢، سركيس
١٥٣٢، الأعلام ٢٥٤/٦.
(٧) فى ((جـ)» : غير ما وجد شارك.
١٣٤

الاشبلى فى رسالة حى بن يقظان له، ولم يصلوا إلى الطرق المذكورة لعدة موانع.
ليس هذا موضع شرحها. فافترقوا إلى فريقين(١) ، فريق رام النظر وليس من أهله ،
وفريق وقف عند حده . فأما من رام النظر وليس له بأهلٍ فَضَلَ وأَضَلَ، وهؤلاء طوائف ،
فمنهم(٢) الثنوية القائلون بأصلين اثنين كالمجوس القائلين بأصلين(٣) هما النور
والظلمة ، ويرون أن النور إله الخير ، ولأجله يستديمون وقود النيران . وأن الظلمة إله
الشر . ويشاركهم فى القول بإلهين المانوية والكيومرتية والمزدكية والزروانية والمرقونية
والزرادشتية والبيصانية ، ومقالتهم متقاربة . ومنهم الصابثية القائلون بالأصنام
الأرضية للأرباب السماوية أى الكواكب متوسطين إلى رب الأرباب ، وينكرون الرسالة
فى الصور البشرية عن اللّه تعالى، ولا ينكرونها عن الكواكب . ومنهم الحنفاء
القائلون بالروحانية أى مدبرات الكواكب ، ومنهم أصحاب الهياكل فمنهم الشخصية
القائلون (« إنه لابد من شخص مرئىّ متوسط بين العباد والمعبود يتوجه إليه فيشفع)».
والشمسية القائلون : بإلهية الشمس . والحرثانيون القائلون : إن الخالق تعالى واحد ،
والمعبود واحدٌ وكثير : أما الواحد فالذات الأصل الأول الأزل ، وأما الكثير فالمدبرات
للعالم . ومنهم القنطارية ، وهم أصحاب قنطار بن أرفخشد . يقولون : بمتابعة نوح
عليه السلام فقط . ومنهم البيدانية . وهم أصحاب بيدان الأصفر يقولون : بنبوة من
يفهم عالم الروح . ومنهم الكاظمية ، يرون أن الحق الجمع بين شريعة نوح وإدريس
وإبراهيم عليهم السلام . ومنهم الطبيعية أصحاب الحِكّم الغريزية ، والأحكام السماوية ،
فمنهم من وقف عند هذه الحدود . ومنهم من عرف الله تعالى وعبده بأدب النفس ،
ومنهم أهل الأهواء القائلون بالأحكام المصلحية (٤) فقط ، ويدركون العقول والنفوس ،
وينكرون ما وراءها . ومنهم المعطلة ، وهم على قسمين : معطلة جاهلية لا تنكر شيئاً
ولا تثبت ، ومعطلة ينكرون الشرائع والحقائق . ومنهم من يقول بالرجعة إلى هذه الدار.
كأصحاب الكنوز وبعض العرب فى الجاهلية .
(١) فى ((جـ)): (فرقتين) وكذلك فى ((ب)).
(٢) فمنهم غير موجودة فى (( جـ)).
(٣) فى ((جـ)): القائلون بإلهين اثنين وكذلك فى ((ب)) وفى ((هـ)).
(٤) فى نسخة ((جـ)) : بأحكام المصلحة .
١٣٥

وأما من صرف نظره عن النظر واعترف بعجز بنى (١) البشر فمنّ عليهم موجدهم بأن
بعث فيهم أنبياء منهم ، وأوحى إليهم ما ينفعهم فى العاجل والآجل ، ويجمعهم على
الفضائل ، ويمنعهم من الرذائل . وأظهر الأنبياء عليهم السلام أنواع المعجزات الخارقة (٢)
للعوائد ، دليلاً على صدقهم لقبول قولهم، والعلم المتكفل ببيان هذا الحال يسمى :
علم النواميس ، وسنذكره بعد انقضاء الكلام فى العلم الإلهى: وهؤلاء هم المِليون ،
والملل الموجودة(٣) فى زماننا هذا ثلاثة: المسلمون ، واليهود، والنصارى، وكل ملّة
من هذه تفرقت فرقاً كثيرة كما قال النبىّ معَّ: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب
افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة ، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ، ثنتان
وسبعون فى النار ، وواحدة فى الجنة وهى الجماعة ) (٤).
[ الفرق الإسلامية] (٥)
والمسلمون شيد اللّه أركانهم، وأنار برهانهم، وثبت ملكهم ، وجعل الأرض بأسرها
ملكهم. اتفقوا بأسرهم على رسالة خير خلق الله محمد بن عبد اللَّه عَ لّه وقبول
شريعته الفاضلة وكتابه المطهّر المُنَزّل الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،
وأنه لو اجتمعت الإنس والجن لا يأتون بمثله. وأنه أوتى جوامع الكلم ، وبه ختمت
الرسالة ، واتفقوا أيضاً على دعائم الدين الخمس . التى هى : شهادة التوحيد ،
والصلاة، والصيام، والزكاة ، والحج ، وإنما اختلفوا بعد ذلك فى إثبات الصفات لله
تبارك وتعالى ، ونفيها عنه ، والفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال وبيان ما يجب
لله تعالى، وما يجوز فى حقه، وما يستحيل عليه، وفى القَدَرِ خيره وشرّه، وقُدْرَةُ
اللّه تعالى، وقُدْرَةُ العبد ، وفى الوعد والوعيد، والتحسين والتقبيح، وأحوال النبوة
والإمامة، وتحصيلها(٦) بالنص والاجتهاد أو الاختبار ، فحصل من هذا الاختلاف فرق
(١) فى ((أ)) و ((هـ)) بن، وفى ((ب)) بعجز البشر.
(٢) فى ((جـ)»: المخرقة .
(٣) فى (( ب)) وفى ((هـ)): وهم المليون والموجودون فى زماننا هذا.
(٤) ((رواه أبو داود عن معاوية)) الفتح الكبير ٤٨٣/١.
(٥) أضغتا هذا العنوان من عندنا للإيضاح وزيادة التنظيم .
(٦) فى ((جـ)): يحيلها، وفى (ب)) وتحليها.
١٣٦

كثيرة . ذكرها المتكلمون على أصحاب الملل والنحل كالشهرستانى (١) وغيره ، أما إنها
هى الفرق التى أرادها النبى معَّه، فما لا نعلمه يقيناً لكنا نذكر ما ذكروه فى كتبهم
ملخصاً فمن الفرق :
المعتزلة : وسموا بذلك لاعتزالهم الحسن البصرى (رضى الله عنه) ويرون أن
المعارف عقلية ، حصولاً ووجوباً قبل الشرع وبعده. وبعضهم يرى أن الإمامة
بالاختيار وهم بعد ذلك طوائف .
ومن الفرق الجبرية: والجبر هو نفى الفعل ، وإنكار التعلق ، ورفع فعل العبد
بالجملة ، وإضافة كل شئ يظهر عنه إلى اللّه تعالى. والخالصة: منهم لا يثبتون للعبد
فعلاً ولا قدرة . ويرون الكسب منزلة بين منزلتين . والمتوسطة : يرون للعبد قدرة غير
مؤثرة ، وغيرهم يقولون بتعلق القدرة فى إثبات حال المقدور وقت التعلق .
ومن الفرق القدرية: يزعمون أن لا قدر(٢). وأن الأمر أنف، وظهروا فى زمن
ابن عمر . وتبرأً منهم .
ومن الفرق الجهمية : أصحاب الجهم بن صفوان . وافقوا المعتزلة فى نفى
الصفات الأزلية ، وانفردوا عنهم بأشياء، منها منع وصف الخالق بصفة المخلوق ،
ويتأولون ما ورد به النص من صفات التشبيه ، ومنها : إثبات علوم حادثة لا فى محل
وينسب إليهم إنكار أحوال(٣) الآخرة على ظاهرها .
ومن الفرق الصفاتية : يثبتون لله تعالى الصفات الأزلية ، كالعلم والحياة
والقدرة والإرادة من غير تعرض لمفهومها . ويثبتون له صفات يسمونها خبرية ،
كالوجه واليد، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الأفعال ، ولا يتأولون ولا يجرون
على حكم الظاهر بل يتعبدون بتصديقها فقط .
(١) الشهرستانى هو: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستانى (٤٧٩ - ٥٤٨هـ).
معجم الأدباء ٣٤٣/٣، ابن خلكان ٦١/١، طبقات السبكى ٧٨/٤ ، روضات الجنات
١٨٦/٤، مفتاح السعادة ٢٦٤/١، تاريخ حكماء الإسلام ١٤١، لسان الميزان ٢٦٣/٥،
الوافي بالوفيات ٢٧٨/٣، الأعلام ٨٤/٧ .
(٢) فى ((جـ)» : الأقدار .
(٣) فى ((جـ)»: (فعل الآخرة وأحوالها). وفى ((ب)) (الآخرة على ظهرها).
١٣٧

ومن الفرق الأشعرية : أصحاب أبى الحسن الأشعرى ، يثبتون للّه تعالى حياة
وعلماً وقدرة وإرادة وكلاماً وسمعاً وبصراً وبقاء. قديمة قائمة بذاته لا هى هو ولا غيره ،
ويتأولون الصفات الخبرية ولا يجرون ما ورد به السمع من الأمور الغائبة على ظاهره ،
ويثبتون الإمامة بالاتفاق والاختيار دون النص والتعيين .
ومن الفرق المشبهة : التزموا بظواهر الكتاب والسنة ومنعوا التأويل (١) .
ومن الفرق الكرامية : أصحاب ابن كرام ، انتهوا إلى التجسيم ، ويُجَوّزون قيام
الحوادث بذات الله تعالى .
ومن الفرق التجارية : أصحاب الحسين النجار، وافقوا المعتزلة فى نفى الصفات ،
وخالفوا الصفاتية فى خلق الأعمال (٢) .
ومن الفرق الضرارية : أصحاب ضرار بن عمر ، ويرون أن صفات اللّه تعالى
إعدام لضدها (٣) .
ومن الفرق المعلومية : قالوا من لم يعرف اللَّه بجميع أسمائه وصفاته فهو جاهل
حتى يصير عالماً بجميع ذلك حتى يصير مؤمناً ، وقالوا الاستطاعة مع الفعل والفعل
مخلوق للعبد (٤) .
ومن الفرق المجهولية : قالوا : من علم بعض أسماء الله تعالى وصفاته وجهل
بعضها فقد عرفه، وقالوا إن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى (٥).
ومن الفرق الإباضية : أصحاب ابن إباض يرون أن الاستطاعة عرض به يحصل
الفعل ، وأفعال العباد مخلوقة مكتسبة للعبد ، ومرتكب الكبيرة كافر النعمة لا
مشرك ، وتوقفوا فى أطفال المشركين ، وأجازوا أن يعذبوا انتقاماً ، وأن يدخلوا الجنة
تفضلاً ، ودار المسلمين ممَّن خالفهم دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغى (٦).
(١) انظر كتاب الحور العين للأمير علامة اليمن أبى سعيد الحميرى ت ٥٧٣هـ ص ١٥٧، ١٥٨.
٢٥١ .
(٢) كتاب الحور العين ص ٢١٢، ٢٥٤، ٢٥٥.
(٣) المرجع السابق ص ١٧١ .
(٤) المرجع السابق والصفحة نفسها .
(٥) المرجع السابق ص ١٧٣، ١٧٨، ٢٣٠،٢٠٢، ٢٥٨.
(٦) فى ((أ)» نفى، والتصحيح من بقية النسخ.
١٣٨