Indexed OCR Text

Pages 121-140

يرتقي من الأسفل إلى الأعلى ومن الأكدر إلى الأصفى) على المعتزلة))(١).
((والسُوفسطائيون (والسفسطة قياس مركب من الوهميات لتغليط الخصم
وإسكاته). ونظرية السوفسطائيين تقوم على أنه ليس هناك وجود خارجي مستقل عما
في أذهاننا، فما يظهر للشخص أنه الحقيقة فهو الحقيقة، ولو كان سراباً فهو ماء
حقيقة))(٢) والذين أثروا على الجاحظ والنظّام من المعتزلة. ((والرواقيون (وضع
أفكارهم الفيلسوف القبرصي زينون، وكان أبوه تاجراً يختلف إلى أثينا للتجارة، وكان
يحمل معه منها كتب السقراطيين، فقرأها ابنه زينون ورغب فيها، ثم قدم أثينا وتتلمذ
على فلاسفتها ثم أنشأ مدرسته في ((روق ستوي)) فدُعي أصحابه بالرواقيين)، ومذهبه
في القدر أن الإرادة مجبرة على السير في طريق لا يمكنها أن تتعداها، والإنسان لا
يفعل شيئاً بإرادته، وإنما هو مجبر على فعل أفعاله))(٣).
((والأبيقوريون أتباع أبيقورس الذي نشأ في أثينا، وبعد أن بلغ نضوجه في
الفلسفة اليونانية، أنشأ مدرسة خاصة بأفكاره التي تعتبر أن الحياة هي اللذة فأقبل عليه
التلاميذ رجالاً ونساءً يتعلمون منه وتظهر فكرة ((حرية الإرادة)) عنده الذي اقتبسها
وأخذها المعتزلة)) (٤).
إذن لم تكن مسألة القضاء والقدر شيئاً جديداً بحثها المعتزلة وغيرهم من
المتكلمين، لأن الفلاسفة اليونانيين قد سبقوهم بذلك، وبحثوا أفعال العباد، وأطلقوا
على ذلك مسألة القضاء والقدر أو الاختيار والجبر، أو حرية الإرادة، وهذه التسميات
كلها في معنى واحد، وهو أن كل ما يحدث من الإنسان من أفعال: هل هو حر في
إحداثها أم مجبور في ذلك؟ .
((وهذه المعاني الفلسفية الخارجة عن الإسلام والوافدة من أفكار فلاسفة اليونان
وغيرهم بعد عصر الترجمة والازدهار العلمي في عهد المأمون لم تكن تخطر أو ترد
(١) الملل والنحل الشهرستاني بهامش الفصل لابن حزم ٣ / ٦٥ - ٦٦.
(٢) التعريفات للجرجاني ص ٦٣ .
(٣) تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٤) تاريخ الفلسفة اليونانية ص ١٩ .
١٢١

على بال المسلمين في صدر الإسلام ومن جاء بعدهم من السلف الصالح. بل كان
إيمانهم بالقضاء والقدر: هو أنّ الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم
يكن، وأنه يُضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنّ العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون
بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم أنّ العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء
وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَنْ
فَمَنْ شَآءُ ذَكَرَهُ
08
الله))(١). قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ
يَشَاءَ اللَّ﴾(٢).
د - مذهب السلف وأهل السنة والجماعة:
عرضنا فيما سبق للمذاهب والفرق التي ضلت في مسألة القضاء والقدر وإتماماً
للبحث والفائدة لا بد أن نبين مذهب أهل الحق: مذهب السلف الصالح، أهل السنة
والجماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
وهم الذين ثبتوا على الهدى والرشاد مستنيرين بهدي الكتاب والسنة حين بزغت
بذور الفتن والانقسامات تدب إلى صفوف المسلمين، فقامت بين المسلمين فرق
ضالة أعمى الهوى أبصارها وبصائرها، وتبعها بعض المنخدعين بأقوالها ممن ليس
لهم ملكة الفقه والتفريق بين الغث والسمين والصالح والطالح، وتطاولت هذه الفرق
وتجاوزت حدودها وزعمت أنها تؤيد مقالاتها بأدلة من الكتاب والسنة، بل نسبت
مذاهبها أحياناً افتراء وزوراً إلى بعض الصحابة رضوان الله عليهم وإلى كبار التابعين
رحمهم الله تعالى. وهبّ علماء السلف الصالح يبينون للناس العقيدة الصحيحة،
ويردون على أهل الأهواء والزيغ والضلال من أصحاب الفرق الباطلة داحضين
حججهم وأقوالهم بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة من الكتاب والسنة.
وقيّض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة العلماء العاملين الذين قاموا بالزود عن
حياض الشريعة فكانوا المنتصرين بتوفيق الله وتأييده أولاً ثم بثباتهم وإيضاحهم
لمذهب السلف الذي بقي متميزاً واضحاً جلياً لا يزيغ عنه إلا ضال مضل، وبقي هذا
(١) فتاوى ابن تيمية ٤٥٩/٨ .
(٢) سورة المدثر، الآية ٥٤ ، ٥٦.
١٢٢

المذهب مذهب الأمة الإسلامية على مر العصور والدهور في مشارق الأرض
ومغاربها .
فأهل السنة كما قال الطحاوي: ((بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل،
وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس)) (١).
وقال ابن تيمية: ((هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة الإسلامية هي الوسط
في الأمم، فهم وسط في باب الصفات بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل
المشبهة، وهم وسط في أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله
بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين
الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية وفي أصحاب رسول الله لله بين الرافضة
والخوارج))(٢).
وقد دوّن مذهب أهل السنة والجماعة العدد الجمّ من أساطين العلم والمعرفة،
نقتطف بعضاً من أقوالهم التي توضح مذهبهم في عقيدة القضاء والقدر:
١) يقول إمام أهل السنة والجماعة: أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ((ونؤمن
بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله. ويقول في مكان آخر: أجمع سبعون
رجلاً من التابعين، وأئمة المسلمين، وأئمة السلف، وفقهاء الأمصار، على أنّ السنة
التي توفي عليها رسول الله وَالتر: ((أولها الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والصبر
تحت حكمه، والأخذ بما أمر الله به، والنهي عما نهى عنه، وإخلاص العمل لله،
والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين)) (٣).
٢) وروى الإمام البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (([كل
شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك]. قال أبو عبد الله البخاري: سمعت
عبد الله بن سعيد يقول: [ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد
مخلوقة]، قال أبو عبد الله حركاتهم، وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم مخلوقة
(١) شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٨٥٩ .
(٢) العقيدة الواسطية ص ١٣ - ١٦.
(٣) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٢١٩ و٢٢٨.
١٢٣

وقال: فالله في ذاته هو الخالق، وحظك واكتسابك من فعلك خلق لأنّ كل شيء دون
الله يصنعه وهو خلق))(١) .
٣) ويقول الإمام الحافظ البيهقي في كتاب القضاء والقدر موضوع تحقيقنا
الباب الثاني عشر: باب ذكر البيان أن أفعال الخلق مكتوبة لله تعالى مقدورة له، فإنها
من الله عزّ وجل خلق وممن باشرها كسب. قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ
الْوَجِدُ الْقَهَرُ ﴾﴾(٢)، وبعد أن ساق عدداً من الآيات الدالة على ذلك أردف قائلاً:
فامْتُلِحَ بالخلق والربوبية، فلا يخرج شيء عن قدرته وربوبيته وخلقه، ولا يدخل فيما
خلق كلامه وسائر صفاته الذاتية كما لا يدخل فيه ذاته، لأن الله تعالى خالق غيره، ولا
نقول في صفاته أنها غيره، ولأنه أخبر أنه يخلق بكلامه، فلا يكون كلامه مخلوقاً،
ولأنا رأينا من قال أنا بنيت كل شيء من هذه المدينة، لم يدخل الباني ولا كلامه في
البناء .
ثم خروج شيء من عموم آية بحجة، لا يوجب خروج غيره بغير حجة. قال
عز وجل: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾(٣) وأفعال الخلق بينهما فتتناولها صفة
الخلق. وقال: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ () وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾(٤). يعني خلقكم
وخلق أعمالكم التي هي أكسابكم، ولا يجوز حمله على المعمول فيه(٥).
٤) ويقول ابن قتيبة: ((وعدل القول في القدر أن تعلم أن الله عدل لا يجور،
كيف خلق، وكيف قدّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنّه لا يخرج من قدرته شيء،
ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد، وأنه لا دَيْن لأحدٍ عليه، ولا
حق لأحد قِبَلَه، فإن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل، وأن العباد يستطيعون ويعملون،
ويجزون بما يكسبون، وأن الله لطيفة يبتدي بها من أراد، ويتفضل بها على من أحب،
يوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقت عليه كلمته، فهذه جملة
(١) خلق أفعال العباد ص ٤٧ و٤٩ .
(٢) سورة الرعد، الآية ١٦ .
(٣) سورة الفرقان، الآية ٥٩.
(٤) سورة الصافات، الآية ٩٥، ٩٦.
(٥) كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا الباب (١٢).
١٢٤

ما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله عز وجل، وما سوى ذلك مخزون عنه))(١).
٥) ويقول أبو جعفر الطحاوي في القدر: ((خلق الخلق بعلمه، وقدّر لهم
أقداراً، وضرب لهم آجالاً، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم
عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري
بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة العباد، إلا ما شاء الله لهم، فما شاء الله
كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء،
ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم متقلبون في مشيئته بين فضله وعدله.
وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا
غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أنّ كلاً من عنده))(٢). ويقول: ((وقد علم الله
تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد
في ذلك العدد، ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل
ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من
شقي بقضاء الله .
وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي
مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر
كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه،
٢٣
ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: ﴿لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
(٣) . فمن
٠
سأل: لِم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين .
فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو مُنوّر قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة
الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق
مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا
بقبول العلم الموجود، وترك العلم المفقود.
(١) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة ص ٢٣٢ .
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ١٤٧ - ١٥٦.
(٣) سورة الأنبياء، الآية ٢٣.
١٢٥

ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على
شيء كتبه الله تعالى في أنه كائن، ليجعلوه غير كائن، لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا
كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً، لم يقدروا عليه، جف القلم بما
هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن
ليخطئه.
وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدّر ذلك
تقديراً محكماً مبرماً، ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص
ولا زائد من خلقه في سمواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة
والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، كما قال في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ
(٢)
نَقْدِيرً (َ﴾(١). وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُ ورًا له
فويل لمن صار في القدر لله خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس
بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفّاكاً أثيماً))(٣).
٦) قال محمد بن الحسين الآجري: ((مذهبنا في القدر أن نقول: إن الله
عز وجل خلق الجنة، وخلق النار، ولكل واحدة منهما أهلاً، وأقسم بعزته أنه يملأ
جهنم من الجنة والناس أجمعين، ثم خلق آدم عليه السلام، واستخرج من ظهره كل
ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة. ثم جعلهم فريقين: فريق في الجنة وفريق في
السعير. خلق الخلق، كما شاء لما شاء، فجعلهم شقياً وسعيداً قبل أن يخرجهم إلى
الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم
أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كُتِبَ له وعليه.
ثم بعث رسله، وأنزل عليهم وحيه، وأمرهم بالبلاغ لخلقه، فبلغوا رسالات
ربهم، ونصحوا قومهم، فمن جری في مقدور الله عز وجل أن يؤمن آمن، ومن جری
في مقدوره أن يكفر كفر، قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُ مُؤْمِنٌ
(١) سورة الفرقان، الآية ٢.
(٢) سورة الأحزاب، الآية ٣٨.
(٣) العقيدة الطحاوية وشرحها ص ٢٧٤ - ٣٠٦.
١٢٦

وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ﴾﴾(١). أحبّ من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان
والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن
يهتدوا أبداً، يضل من يشاء ويهدي من يشاء: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
(٢).
٢٣
الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم، جلّ ذكره عن أن يُنسب ربنا
إلى الظلم، إنّما يظلم من يأخذ ما ليس له بملك، وأما ربنا عز وجل فله ما في
السموات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرى، وله الدنيا والآخرة، جل
ذكره، وتقدّست أسماؤه، أحب الطاعة من عباده، وأمر بها، فجرت ممن أطاعه
بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبته منه لها، ولا للأمر بها،
تعالى الله عز وجل، أن يأمر بالفحشاء، أو يحبها، وجل ربنا وعزّ أن يجري في ملكه
ما لم يرد أن يجري، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه، قد علم ما الخلق عاملون
قبل أن يخلقهم، وبعد أن يخلقهم، قبل أن يعملوا قضاء وقدراً. قد جرى القلم بأمره
عز وجل في اللوح المحفوظ بما يكون، من بر أو فجور، يثني على من عمل بطاعته
من عبيده ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم، ولولا توفيقه لهم
ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاء: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
(٣)
اَلْعَظِيمِ
وكذا ذمّ قوماً عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها، وأضاف العمل إليهم
بما عملوا وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. فإن قال
قائل: ما الحجة فيما قلت؟. قيل له: كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله وَل، وسنة
أصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان وقول أئمة المسلمين)) (٤).
٧) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((مذهب أهل السنة والجماعة في
هذا الباب ما دل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء، وملیکه، وقد دخل
(١) سورة التغابن، الآية ٢.
(٢) سورة الأنبياء، الآية ٢٣.
(٣) سورة الحديد، الآية ٢١.
(٤) الشريعة للآجري ص ١٥٠ - ١٥٢.
١٢٧

في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير
أفعال العباد .
وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلا بمشيئته
وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو القادر على كل شيء، ولا يشاء إلا وهو
قادر عليه .
وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد
دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدّر
آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة.
فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه
بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون. وغلاة القدرية
ينكرون علمه المتقدم، وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهى، وهو لا يعلم من
يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنف، أي مستأنف))(١).
((وسلف الأمة متفقون أيضاً على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون
عما نهاهم الله عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب
والسنة. ومتفقون على أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه، ولا محرم فعله،
بل لله الحجة البالغة على عباده، ومن احتج بالقدر على ترك مأمور، أو فعل محظور.
أو دفع ما جاءت به النصوص في الوعد والوعيد، فهو أعظم ضلالاً وافتراءً على الله
ومخالفة لدين الله من أولئك القدرية))(٢).
٧ - شبهات أثارها ويثيرها مارقون وحاقدون
أ - الشبهة الأولى: معنى المحو والإثبات في الصحف وزيادة الأجل ونقصانه:
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ: أُمُّ
٣٩.
اُلْكِتَبِ
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٤٩/٨ - ٤٥٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/ ٤٥٢.
(٣) سورة الرعد، الآية ٣٩.
١٢٨

١) وأخبر أنس بن مالك أن رسول الله وَ ل﴿ه قال: ((من أحبّ أن يُبْسَط له في رزقه
ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه))(١) .
٢) وروى علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَلّى: ((من سره أن يمدّ الله في
عمره، ويوسع له رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه)(٢)
٣) قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ وَعِندَهُ أُمّ
١)﴾. قال: [هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله،
الْكِتَبِ
فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله، وقد
كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله، فهو الذي يثبت](٣).
٤) وروى ابن عباس رضي الله عنهما قالت: قال أم حبيبة: اللهم أمتعني
بزوجي رسول الله وَّر، ويأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي وَلّ: ((قد سألت
الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة لن يُعجِلَ شيئاً قبل حِلُّه، أو يؤخر
شيئاً عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر،
كان خيراً وأفضل» (٤) .
٥) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((لو قلت لشيء يسبق القدر لقلت
العين تسبق القدر))(٥) .
اختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص وتوجيهها على قولين:
:
(١) الحديث رقم (٢١٢) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وأخرجه البخاري
ومسلم وغيرهما.
(٢) الحديث رقم (٢١٣) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وأخرجه الحاكم في
المستدرك.
(٣) أثر رقم (٢١٧) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وأخرجه ابن كثير ٣٩١/٤.
(٤) الحديث رقم (١٩٠) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وأخرجه مسلم رقم
٢٦٦٣.
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ١٣٥/١ رقم الحديث ٣١٠.
١٢٩

القول الأول: ذهب فريق من العلماء إلى أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره من
القدر.
القول الثاني: وفريق آخر قال إن كل شيء من القدر يمكن تغييره إلا الحياة
والموت، والشقاء والسعادة.
يقول ابن حجر: ((أكثر من الفريقين الاحتجاج لقوله مستدلاً بما تقدم من
النصوص، والحق أنّ النزاع لفظي، وأنّ الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل،
وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل، ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن
يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات،
كالزيادة في العمر والنقص، وأما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات والعلم عند
الله))(١).
وقال ابن كثير: ((يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم
يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابت لا يغير))(٢).
فقد استدل الفريق الأول: بعموم الآية الكريمة: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُقْبِثٌ﴾.
والفريق الثاني: استدلوا أيضاً بالآية الكريمة لكن خصوا منها الحياة والموت
ج﴾(٣). كما خصوا منها
لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (
الشقاء والسعادة بما رواه عمر حيث قال: ((يا رسول الله أرأيت ما نعمل في أمرٍ مبتدع
أم في أمر فرغ منه؟ قال: ((فيما قد فرغ منه)). قال: ففيم نعمل إذاً، قال: ((اعمل ابن
الخطاب، فإن كلاً لما يسر له، فأما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما
من كان من أهل الشقاوة فإنه يعمل للشقاء))(٤).
وجمع الإمام الطحاوي بين القولين: بعد أن ذكر النصوص المختلفة من القرآن
(١) فتح الباري ١١/ ٤٩٧.
(٢) تفسير ابن كثير ٣٨٩/٤، وتفسير الطبري الأثر رقم ٢٠٤٦٧، ٤٧٩/١٦.
(٣) سورة الأعراف، الآية ٣٤.
(٤) الحديث رقم (٣٠) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وأخرجه أحمد والترمذي
وغيرهما.
١٣٠

والسنة فقال: ((إن هذا مما لا اختلاف فيه، إذ كان يحتمل أن يكون الله عز وجل، إذا
أراد أن يخلق النسمة جعل أجلها إن بَرّت كذا وكذا، وإن لم تبر كذا وكذا لما هو دون
ذلك، وإن كان منها الدعاء رُدّ منها كذا، وإن لم يكن منها الدعاء نزل بها كذا، وإن
عملت كذا حُرِمَت كذا، وإن لم تعمله رُزِقَت كذا، ويكون ذلك مما يثبت في
الصحيفة التي لا يزاد على ما فيها ولا يُنْقَص منه، وفي ذلك بحمد الله التئام هذه الآثار
واتفاقها، وانتفاء التضاد عنها))(١) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجل
مقيد، وبهذا يتبين معنى قوله وَله: ((من سره أن يُبْسَطَ له رزقه ويُنْسأ له في أثره فليصل
رحمه)). فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلاً وقال: ((إن وصل رَحِمَهُ زدته كذا وكذا،
والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا
يتقدم ولا يتأخر))(٢).
ب - الشبهة الثانية: الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، فإنّ كل من أذنب
ذنباً أو ارتكب معصية، فإنه يحتج بأنّه مقدر عليه، وواقع لا محالة، وعليه فما على
العاصي من ذنب في فعل المعصية طالما أنّها مقدرة عليه ومكتوبة منذ الأزل. وحجة
هؤلاء ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة يخبر عن النبي ◌َّر قال: ((احتج
آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم:
يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّر الله عليّ قبل أن
يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى ثلاثاً)(٣). ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه
الشبهة فقال:
١) [إنّ الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة،
فإن كان القدر حجة للعبد، فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر،
(١) مشكل الآثار ٤/ ١٧٠ .
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٥١٧/٨).
(٣) الحديث رقم (١٢) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وأخرجه البخاري ومسلم
وغيرهما.
١٣١

وحينئذ فيلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ويفسد حريمه ويضرب
عنقه، ويهلك الحرث والنسل. وهؤلاء جميعهم كذّابون متناقضون، فإن أحدهم لا
يزال يذم هذا، ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى أن الذي ينكر عليهم يبغضونه
ويعادونه، وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات
لزمهم أن لا يذموا أحداً، ولا يبغضوا أحداً، ولا يقولوا في أحد أنه ظالم، ولو فعل
ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن أحداً فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين
أن قولهم فاسد في العقل، كما أنه كفر في الشرع، وأنهم كذابون مفترون في قولهم:
((إن القدر حجة للعبد)).
٢) إنّ هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون وقوم نوح وعاد وكل من أهلكه الله
بذنوبه معذوراً، وهذا من الكفر الذي اتفق عليه أرباب الملل.
(٣) إن هذا يلزم منه ألا يفرق بين أولياء الله وأعداء الله، ولا بين المؤمنين
والكفار ولا أهل الجنة وأهل النار، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
﴾(١) .
٢٨.
كَالْمُفْسِدِينَ فِ اْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُبَّارِ
٤) إنّ القدر نؤمن به ولا نحتج به، فمن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن
اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج مقبولاً لقبل من إبليس وغيره من
العصاة، ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحداً من الخلق، لا في الدنيا ولا في
الآخرة، ولو كان القدر حجة لم تقطع يد سارق، ولا قتل قاتل ولا أقيم حد على ذي
جريمة، ولا جوهد في سبيل الله، ولا أمر بالمعروف، ولا نُهي عن المنكر.
٥) أنّ النبي ◌َ لو سئل عن هذا فيما رواه علي فقال: ((ما منكم من أحد إلا وقد
كُتِبَ مقعده من الجنة، ومقعده من النار))، فقالوا: ألا نتكل يا رسول الله، قال: ((لا
(٣)
٦
اعملوا فكلٌ ميسرٌ))(٢)، ثم قرأ الآية: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى (٢) وَصَدَّقَ بِالْنَى
(١) سورة ص، الآية ٢٨.
(٢) الحديث رقم (٣٣) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وأخرجه البخاري
ومسلم.
(٣) سورة الليل، الآية ٥، ٦.
١٣٢

٦) إن الله علم الأمور وكتبها على ما هي عليه، ((فهو سبحانه قد كتب أنّ فلاناً
يؤمن ويعمل صالحاً فيدخل الجنة، وفلاناً يعصي ويفسق فيدخل النار، كما علم
وكتب أنّ فلاناً يتزوج امرأة ويطؤها فيأتيه ولد، وأن فلاناً يأكل ويشرب فيشبع
ويروى، وأن فلاناً يبذر البذر فينبت الزرع. فمن قال: إن كنت من أهل الجنة فأنا
أدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولاً باطلاً متناقضاً، لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله
الصالح، فلو دخلها بلا عمل كان هذا مناقضاً لما علمه الله وقدره، فمن اعتقد أن
الأعمال التي أمر الله بها لا يحتاج إليها، ولا فرق بين أن يعملها أو لا يعملها، كان
كافراً، والله قد حرم الجنة على الكافرين فهذا الاعتقاد يناقض الإيمان الذي لا يدخل
صاحبه النار))(١).
قال أبو المظفر السمعاني: ((وأما الكلام فيما جرى بين آدم وموسى من المحاجة
في هذا الشأن، فإنما ساغ لهما الحجاج في ذلك لأنهما نبيان جليلان خُصّا بعلم
الحقائق، وأذن لهما في استكشاف السرائر، وليس سبيل الخلق الذين أمروا بالوقوف
عند ما حُدّ لهم، والسكوت عما طُوي عنهم .
وليس قوله: ((فحج آدم موسى)) إبطال حكم الطاعة، ولا إسقاط العمل
الواجب، ولكن معناه: ترجيح أحد الأمرين، وتقديم رتبة العلة على السبب، فقد تقع
الحكمة بترجيح معنى أحد الأمرين، فسبيل قوله: ((فحج آدم موسى)) هذا السبيل وقد
ظهر في قصة آدم، قال الله تعالى: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(٢). إلى أن قال: فجاء
من هذا أنّ آدم لم يتهيأ له أن يستديم سكنى الجنة، إلا بأن لا يقرب الشجرة السابق
القضاء المكتوب عليه في الخروج منها، وبهذا صال على موسى عند المحاجة، وبهذا
المعنى قُضِي له على موسى فقال: ((فحج آدم موسى)) (٣).
ويقول ابن القيم: ((إنّ آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم
بربه وذنبه، بل أحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى عليه
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/ ٢٦٣ - ٢٦٦ بتصرف يسير . .
(٢) سورة البقرة، الآية ٣٠.
(٣) الاحتجاج بالقدر ص ٧ و٨.
١٣٣

السلام كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه
واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة فاحتج
آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب، لا عند
المعايب .
والاحتجاج على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به
بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من
التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع
بالقدر أمراً ولا نهياً ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد
والبراءة من الحول والقوة.
وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلاً
محرماً أو يترك واجباً، فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فَيُبْطِل
بالاحتجاج به حقاً ويرتكب باطلاً كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير
الله))(١)
ج - الشبهة الثالثة: إذا كانت المعاصي مقدرة من الله فلماذا يعاقب عليها؟ إن
الله خلق العباد وتفضل عليهم بأن خلقهم وأنشأهم على الفطرة السليمة، وهداهم
الهداية العامة :
١) يقول الرسول وَل﴿ فيما رواه أبو هريرة: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه
يهوذانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تُنْتَج البهيمة، هل ترى فيها
جدعاء))؟(٢). فالنفوس والخلق جميعاً خلقوا على الفطرة من محبة الخالق وعبادته،
فلا تشرك به ولا تجحد ربوبيته ولكن إذا تسلط عليها شياطين الإنس والجن فزينوا لها
الغواية والضلال والزيغ فإنها تنحرف عن أصل فطرتها التي فطرها الله عليها .
٢) إن المولى جل وعلا هدى الناس هداية عامة، حيث أودع فيهم المعرفة،
فأرسل لهم الرسل، وأنزل معهم الكتب، فهيأ بذلك لهم الهداية إلى معرفته والإيمان
(١) شفاء العليل ص ١٤ - ١٨، بتصرف يسير.
(٢) أخرجه البخاري رقم ١٣٨٥، وأخرجه مسلم برقم ٢٦٥٨ .
١٣٤

به، فقامت بذلك الحجة عليهم، فإذا ما أعرض العباد عن الهداية كانوا هم المختارين
والمريدين، وعليهم أن يتحملوا عاقبة إعراضهم وكفرهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((إن الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي من
العبد بمعنى أنها قائمة به، وحاصلة بمشيئته وقدرته، وهو المتصف بها المتحرك بها
الذي يعود حكمها عليه، فإنه قد يقال لما اتصف به المحل وخرج هذا منه وإن لم
يكن له اختيار كما يقال هذا الريح من هذا الموضع، وهذه الثمرة من هذه الشجرة
وهذا الزرع من هذه الأرض فلأن يقال لما صدر من حي باختياره هذا منه بطريق
الأولى، وهي من الله بمعنى أنه خلقها قائمة بغيره، وجعلها عملاً له وكسباً وهو
خلقها بمشيئة نفسه وقدرة نفسه بواسطة خلقه بمشيئة العبد وقدرته، كما يخلق
المسببات بأسبابها فيخلق السحاب بالريح والمطر بالسحاب والنبات بالمطر،
والحوادث تضاف إلى خالقها باعتبار وإلى أسبابها باعتبار، فهي من الله مخلوقة له في
غيره، كما أن جميع حركات المخلوقات وصفاتها منه، وهي من العبد صفة قائمة به،
كما أنّ الحركة من المتحرك المتصف بها وإن كان جماداً، فكيف إذا كان حيواناً،
وحينئذٍ فلا شركة بين العبد وبين الرب لاختلاف جهة الإضافة، كما أنا إذا قلنا هذا
الولد من المرأة بمعنى أنها ولدته، ومن الله بمعنى أنه خلقه لم يكن بينهما تناقض.
وإن كان قد خلق الأفعال كلها لحكمة له في ذلك، فإنه حكيم عادل يضع الأشياء
مواضعها ولا يظلم ربك أحداً، وإذا كان غير الله يعاقب عبده على ظلمه وإن كان مقراً
بأن الله خالق أفعال العباد وليس ذلك ظلماً منه، فالله سبحانه أولى أن لا يكون ذلك
ظلماً منه))(١).
يقول ابن القيم: ((إذا كان الله قد علم وكتب أن فلاناً سيعصي، وقَدَرُ الله سيقع
لا محالة، كما علمه سبحانه، فهل يقال: إنه مستحق العقوبة بذلك، أم أن الله أخبر
أنه لا يعاقب إلا بعد وقوع المعصية منه؟ أم أن الأمر سيان؟ فإذا كان من المقطوع به
أنّ العقاب لا يقع إلا بعد وقوع المعاصي من العباد، دلّ ذلك على أنّ القدر السابق لا
حجة فيه للعاصي، فالله سبحانه وتعالى قد علم قبل أن يُوجِدَ عباده أحوالهم، وما هم
(١) منهاج السنّة النبوية ٣١/٢ -٣٢.
١٣٥

عاملون، وما هم إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه
فيهم كما علمه، وابتلاهم من الأمر والنهي، والخير والشر، بما أظهر معلومه،
فاستحقوا المدح والذم، والثواب والعقاب، بما قام بهم من الأفعال والصفات
المطابقة للعلم السابق. ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن يعملوها،
فأرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، إعذاراً إليهم، وإقامة للحجة عليهم، لئلا
يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟))(١).
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: ((إن المسألة ليس فيها تناقض عقلي،
لأنه لو كان هناك تناقض عقلي، لكانوا سيقولون: إذا كان الله كتب على الإنسان
المعصية، فلماذا يعذبه؟.
ولنا هنا أن نقول إنه يأتي الشق الثاني، وإذا كان كتب عليه الطاعة فلماذا يثيبه؟
لم نسمع السؤال الثاني أبداً؟ .
لأن المسألة الأولى جاءت له بظلم كما يرى، والثانية جاءت له بيسر، فهو يريد
أن يوجد لنفسه منفذاً ليخلص منه ... من ذلك الغُرم.
ويضيف قائلاً: ليست العقوبة على الفعل بل على توجيه الفعل: التليفزيون مثلاً
صالح بأن تجعل مؤشره على القناة الخامسة التي بها حديث ديني، وصالح لأن تجعل
مؤشر التلفزيون على القناة السابعة التي بها حفلة راقصة، والقناتان يمكن رؤيتهما
بمنتهى السهولة، وبدون أي عقبة، ومع ذلك أنت تفرض على أولادك ألا يجعلوا
مؤشر التلفزيون إلا على قناة واحدة معينة مع أنه صالح للقناتين، فأنت حين تعاقب
أولادك ... على ماذا تعاقبهم؟. لا تعاقبهم على خلق الطاقة، وإنما على توجيه
الطاقة، فهذه الموجة موجودة وتلك الموجة موجودة لكن أنتم توجهتم بإرادتكم إلى
فتح موجة معينة، فالعقوبة ليست على الفعل بل على توجيه الفعل إلى شيء لا
تستطيع أن تفعله))(٢).
((إذن فالهوى ومحاولة إيجاد مبررات الانحراف والعصيان هو الداعي لهذه
(١) شفاء العليل ص ٣٥.
(٢) القضاء والقدر ص ٢١ - ٢٢.
١٣٦

المقالة: إذا كان كتب عليّ المعصية فلماذا يعاقبني ويعذبني عليها؟. وقد قال بعض
العلماء: أنت عند الطاعة قدريّ، وعند المعصية جبريّ، أي مذهب وافق هواك
تمذهبت به))(١) .
د - الشبهة الرابعة: يقول صاحب هذه الشبهة: كيف يأمر المولى تعالى الكافر
بالإيمان، وهو لا يريده منه؟.
ويقول صاحب هذه الشبهة: إن الكافر مطيعٌ لله، لأنه فعل ما هو مراد الله وما
قدّره وما قضاه عليه.
قال ابن تيمية: ((إن النصوص دالة على أنّ كل شيء يجري بمشيئة الله وإرادته،
وهذا يشمل الطاعات والمعاصي، والنصوص دلت على أنّ الله لا يحب الكفر ولا
المعاصي ولا الفساد، وقد اتفقت الأمة على أن الله يكره المنهيات دون المأمورات،
ويحب المأمورات دون المنهيات، فالطاعات يريدها الله من العباد الإرادة المتضمنة
لمحبته لها ورضاه بها إذا وقعت، وإن لم يفعلها، والمعاصي يبغضها ويكره من
يفعلها من العباد وإن شاء أن يخلقها هو لحكمة اقتضت ذلك، ولا يلزم إذا كرهها
للعبد لكونها تضرّ به، أن يكره أن يخلقها هو لما فيه من الحكمة، وكون الإرادة لا
تستلزم المحبة، مما هو مستقر في فِطر العقول وفي واقع الناس، كإرادة المريض
الدواء الذي يبغضه، وكمحبة المريض للطعام الذي يضره، ومحبة الصائم للطعام
والشراب الذي لا يريد أن يأكله ولا يريد أن يشربه، ومحبة الإنسان للشهوات التي لا
يريدها والتي يكرهها بعقله ودينه، فإذا عقل بثبوت أحدهما دون الآخر، وأن أحدهما
لا يستلزم الآخر، فكيف لا يمكن ثبوت ذلك في حق الخالق سبحانه وتعالى.
وقد يقال كل هذه الأمور مرادة، لكن فيها ما يراد لنفسه فهو مراد بالذات
محبوب الله مرضي له، وفيها ما يراد لغيره، وهو مراد بالعرض، لكونه وسيلة إلى
المراد المحبوب لذاته، فالإنسان يريد العافية لنفسها، ويريد شرب الدواء لكونه
وسيلة إليها، فهو يريد ذلك من هذه الجهة، وإن لم يكن محبوباً في نفسه)) (٢).
(١) منهاج السنة النبوية ١/ ٣٦٢.
(٢) منهاج السنة النبوية ٣٦/٢.
١٣٧

ويقول شارح العقيدة الطحاوية: ((فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد
لغيره، فالمراد لنفسه، مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة
الغايات والمقاصد .
والمراد لغيره: قد لا يكون مقصوداً لما يريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى
ذاته، وإن کان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حیث نفسه وذاته مراد له
من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مراده فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان
لاختلاف متعلقهما.
وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أنّ فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل،
إذا علم أنّ في قطعه بقاء جسده وكقطع المسافة الشاقة، إذا علم أنها توصل إلى مراده
ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب، وإن خفيت
عنه عاقبته، فكيف ممن لا يخفى عليه خافية، فهو سبحانه يكره الشيء، ولا ينافي
ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سبباً إلى أمر هو أحب إليه من فوقه.
من ذلك: أنه خلق إبليس، الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات
والإرادات وهو سبب لشقاوة كثير من العباد، وعملهم بما يغضب الرب سبحانه تبارك
وتعالى، وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى
محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، ووجودها أحبّ إليه من عدمها منها.
١) أنه يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق
هذه الذات، التي هي أخبث الذوات وشرها، وهي سبب كل شر، في مقابلة ذات
جبرائيل، التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل خير، فتبارك
خالق هذا وهذا.
كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والداء والدواء، والحياة والموت،
والحسن والقبيح، والخير والشر، وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه
وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات، وقابلها بعضها ببعض، وجعلها محال تصرفه
وتدبيره. فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبيره
وملكه.
١٣٨

٢) ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية مثل: القهار، والمنتقم، والعدل،
والضّار ... إلخ فإن هذه الأسماء والأفعال كمال، لا بد من وجود متعلقها، ولو كان
الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء.
٣) ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه
عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى
ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبي ◌َّ إلى هذا
بقوله: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم))(١).
٤) ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير، الذي يضع
الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا
ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته.
٥) ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس ما حصلت، فإن
عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه ولو كان الناس كلهم مؤمنين
لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله سبحانه وتعالى والمعاداة فيه، وعبودية
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محاب
الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه
ويعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها))(٢).
هـ- الشبهة الخامسة: تقول هذه الشبهة: لماذا أعان الله ومنّ على المؤمنين
حتى أصبحوا مؤمنين طائعين، ولم يعن الكافر فكان عاصياً كافراً؟.
لقد منّ الله جلّ وعلا على عباده بنعم جليلة وعديدة لا تُحصى، ولو انصاعوا
لعبادته بشتى أنواع القربات والعبادات طوال أعمارهم، لما قابلت سوى ذرة صغيرة
من أفضاله تعالى، والمولى يدخل الناس جنته برحمته وفضله لا بأعمالهم، وأعمالهم
سبب لدخول الجنة لا بدل لها. فإذا منّ على بعض عباده بالهدایة کان ذلك منه تفضلاً
(١) أخرجه مسلم ٩٤/٨ عن أبي هريرة، وأبي أيوب نحوه.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٨٠ - ٢٨٣.
١٣٩

ولا يعد ظلماً.
لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والله سبحانه وتعالى إنما يضع العقوبة
في محلها، فإذا بين الله سبحانه الهدى للناس جميعاً، وأقام الحجة عليهم، وأقدرهم
على الإيمان وعدمه، كان كل ذلك محض العدل منه، فحين يمنّ على بعض عباده
بالإيمان، ولا يمنّ على بعضهم لا يكون ذلك ظلماً منه سبحانه وتعالى)) (١).
والله تعالى أقام حجته على من منعهم الهدى وذلك «بتخليته بينهم وبين الهدى،
فالله تعالى قد أرسل لهم الرسل ليردوهم إلى الصراط المستقيم ويدلوهم عليه، كما
أقام لهم أسباب الهداية ظاهراً وباطناً، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب التي
توصلهم إلى الهداية، فلم يكلف الصغير والمجنون. فالله لم يمنعهم من الهدى ولم
يحل بينهم وبينه، وحين تكون الحجة قائمة عليهم لا يبقى لمعترض اعتراض على
توفيق الله ومنته لبعض عباده بالهدى والتوفيق)) (٢).
و - الشبهة السادسة: تقول هذه الشبهة: إذا كان الكفر بقضاء الله، فيلزم عدم
الرضا بقضاء الله وقدره، يقول شارح العقيدة الطحاوية جواباً على هذه الشبهة: ((إننا
لا نسلم بأن الرضا واجب لكل المقضيات، ولا دليل على وجوب ذلك من كتاب أو
سنة، ولا قاله أحد من السلف، والله تعالى أخبر بأنه لا يرضى بأمور مع أنها مخلوقة
له، فهو سبحانه يكره ويبغض ويمقت أموراً كثيرة، وقد أمرنا الله أن نكرهها
ونبغضها، وذلك كالكفر والمعاصي وغيرها))(٣).
يقول ابن تيمية: ((تنازع الناس في الفقر والمرض والذل ونحوها هل هو
مستحب أو واجب على قولين في مذهب أحمد وغيره، وأكثر العلماء على أن الرضا
بذلك مستحب وليس بواجب لأن الله أثنى على أهل الرضا، وإنما أوجب الله الصبر
فإنه أمر به في غير آية))(٤).
(١) منهاج السنة النبوية ١/ ٩٢ - ٩٣، تحقيق محمد رشاد سالم.
(٢) شفاء العليل ص ٨٠ بتصرف يسير.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٨٧ بتصرف.
(٤) منهاج السنة النبوية ٤٩/٢ .
١٤٠