Indexed OCR Text
Pages 101-120
رآها في التركيب، وربما جعل النور أصلاً، وقال وجوده وجود حقيقي. وأما الظلمة فتبع كالظل بالنسبة إلى الشخص، فإنه يرى أنه موجود وليس بموجود حقيقة، فأبدع النور وحصل الظلام تبعاً، لأن من ضرورة الوجود التضاد، فوجوده ضروري واقع في الخلق لا بالقصد الأول، كما ذكرنا في الشخص والظل. وله كتاب قد صنّفه، وقيل أنزل ذلك عليه، وهو ((زندوستا)) يقسم العالم إلى قسمين: ميتة، وكيتي، يعني الروحاني والجسماني، والروح والشخص. ومما أخبر زرادشت في كتابه أنه يظهر رجل في آخر الزمان على أهل العالم، ويحيي العدل ويميت الجور، ويرد السنن المغيّرة إلى أوضاعها الأولى، وينقاد له الملوك، وتتيسر له الأمور، وينصر الدين المحق، ويحصل في زمانه الأمن والدعة، وسكون الفتن، وزوال المحن، والله أعلم))(١). هـ) قول مشركي العرب في القدر: لقد ذكر المولى تعالى في كتابه العزيز، احتجاج المشركين بالقدر، وردّ الله عليهم في ذلك: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَّكُوْلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِنْ شَىْءٍ أَّحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِ مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَهَلْ ﴾(٢) ٣٥ عَلَى الْرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُّبِينُ ولا شك أنّ ذلك مردود عليهم، فالشرك وعبادة غير الله من أعظم الذنوب، والقدر لا يحتج به في المعاصي. وقد ورد في كثير من شعر الجاهلية قبل الإسلام إثباتهم للقدر مع كفرهم وإشراكهم مع الله غيره. ومن ذلك ما ورد في عتاب الشاعر ((ذو الإصبع العدواني لابن عمه والذي يشير فيه إلى أنّ الله هو القابض وهو الباسط، وهو الغني، وهو العالم، وهو الذي يجازي الناس على أعمالهم: إنّ الذي يقبض الدنيا ويَبْسُطُها إن كان أغناك عني سوف يغنيني (١) الملل والنحل الشهرستاني بتصرف ٦٢/٢ - ٦٤. (٢) سورة النحل، الآية ٣٥. ١٠١ .. الله يَعْلَمُني والله يعلمكم والله يَجْزيكم عني ويَجْزيني))(١) ٤ - القضاء والقدر في الأديان السماوية أ) اليهودية: عُرِف لليهود بالنسبة للقضاء والقدر مذهبان: الأول: مذهب الربانيين، ويسمون بالفريسيين. ومعناها: المنعزلون أو المنشقّون، وهي تسمية أطلقها عليهم أعداؤهم وهم لا يرغبون بها، ويسمون أنفسهم الأحبار، أو الأخوة في الله، وهم ينفون القدر. يقول الشهرستاني: ((الربانيون كالمعتزلة فينا، والقراءون كالمجبرة والمشبهة)). الثاني: القراؤون، وهم لا يعترفون إلا بالتوراة كتاباً مقدساً، فلا يعترفون بالتلمود، ويقولون بالاجتهاد، وهم يقولون بالجبر كالمجبرة والمشبهة))(٢). ب) النصارى: افترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبار فرقهم ثلاثة : ١) الملكائية: أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها ومعظم الروم ملكائية. قالوا: ((إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته، ويعنون بالكلمة أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس أقنوم الحياة، ولا يسمون العلم قبل تدرعه به ابناً بل المسيح مع ما تدرع به ابن فقال بعضهم: إنّ الكلمة مازجت جسد المسيح كما يمازج الخمر اللبن أو الماء اللبن، وصرحت الملكائية بأن الجوهر غير الأقانيم وذلك كالموصوف والصفة، وعن هذا صرحوا بإثبات التثليث))(٣)، فأخبر عنهم القرآن: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٌ﴾ (٤). ٢) النسطورية: أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة، قال: ((إنّ الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة (١) مختار الأغاني في الأخبار والتهاني ٢/ ٣٨٠. (٢) الملل والنحل الشهرستاني ٢/ ٤٢ واليهودية لأحمد شلبي ص ٢٣١. (٣) الملل والنحل للشهرستاني ٢/ ٥١ . (٤) سورة المائدة، الآية ٧٣. ١٠٢ ٠٠ على الذات ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى عليه السلام لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكائية ولا على طريق الظهور كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة، أو على بلور أو كظهور النقش في الخاتم، وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يثبت خواص مختلفة لشيء واحد ويعني بقوله هو واحد بالجوهر أي ليس مركباً من جنس بل هو بسيط واحد، ويعني بالحياة والعلم أقنومين جوهرين أصلين مبدأين للعالم، ثم فسر العلم بالنطق والكلمة، ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى: موجوداً حياً ناطقاً كما تقول الفلاسفة في حد الإنسان، ومن النسطورية من ينفي التشبيه ويثبت القول بالقدر خيره وشره من العبد كما قالت القدرية))(١). وهناك تشابه كبير بين آراء النساطرة وبين آراء المعتزلة، مما حدا بكثير من الباحثين للقول بأن آراء المعتزلة جاءت متأثرة بآراء النصارى السابقين، ((وإن أول من أشاع القول بالقدر كمعبد الجهني، وغيلان الدمشقي، قد أخذوا آراءهم من يحيى الدمشقي النصراني))(٢). ٣) اليعقوبية: أصحاب يعقوب قالوا بالأقانيم الثلاثة، إلا أنهم قالوا ((انقلبت الكلمة لحماً ودماً، فصار الإله هو المسيح وهو الظاهر بجسده، بل هو هو))(٣). وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوَأْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَةٌ﴾ (٤). ٥ - نشأة القول بالقدر في الإسلام ١ - القول بالقدر في عهد الرسول والآن : لقد حذّر الرسول و له أصحابه من الخوض في القدر، ووصف القدرية بأنهم مجوس هذه الأمة، حيث أنّ المجوس يقولون بإلهين اثنين، والقدرية يقولون بوجود (١) الملل والنحل للشهرستاني ٢/ ٥٢ - ٥٤ . (٢) فجر الإسلام لأحمد أمين ص ٢٨٥ وما بعدها. (٣) الملل والنحل للشهرستاني ٢/ ٥٤ . (٤) سورة المائدة، الآية ٧٢. ١٠٣ خالقين مثل المجوس، فالله خالق، والعباد خالقون لأفعالهم عند القدرية. والصحابة لم يخوضوا في القدر، بل سلموا وآمنوا بالله واتبعوا رسول الله وَل، منفذين ما أمرهم الله وما أمرهم رسوله. فصفت وسلمت عقيدتهم ورسخت رسوخ الجبال. فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنّ رسول الله مَله قال: ((القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)) (١). وما رواه أبو هريرة قال: خرج علينا رسول الله وَل ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقىء على وجنتيه حب الرمان، ثم أقبل علينا فقال: ((أبهذا أمرتم أو بهذا أرسلتُ إليكم، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه))(٢). نستخلص مما تقدم أنه جرى بعض المخاصمة والمنازعة في القدر بين الصحابة رضوان الله عليهم، ولكن لما نهاهم الرسول مَ ل﴿، وشاهدوا غضبه، انتهوا وكفوا عن الخوض في ذلك وندموا أشدّ الندم ورجعوا وسلموا الأمر لله تعالى مصدقين وموقنین . ب) القول بالقدر في عهد الصحابة والخلفاء الراشدين: كان موقف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بالنسبة لعقيدة القضاء والقدر التسليم والإيمان الحق على ما بينه الله في كتابه العزيز، وبينه رسوله المصطفى وَلّ في سنته الشريفة، وإذا التبس أو أشكل أمر في شأن القضاء والقدر سرعان ما يزول الالتباس والإشكال بعد البيان والإيضاح، وأن ما وقع من بعضهم لم يكن اعتراضاً ولا احتجاجاً، بل إشكالاً واشتباهاً يزول وينقضي عندما تعالج شبهته من إخوانه الذين عرفوا الحق والصواب عن الصادق المصدوق، فيسارع إلى الإيمان والتسليم. (١) تكرر الحديث (٣٢٩) و(٣٣٠) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وهو حسن أخرجه أبو داود وابن ماجه. (٢) الحديث رقم (٣٥٦) و(٣٥٧) من كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا أخرجه الترمذي . ١٠٤ ١) عن أبي الأسود الدّؤلي قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قُضي عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلونه مما آتاهم به نبيهم ◌َّر، وثبتت به الحجة عليهم، فقلت: بل شيءٌ قُضي عليهم ومضى عليهم، فقال: أفلا يكون ذلك ظلماً. قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، وقلت: كل شيء خَلْقُ الله ومِلْكُ يده فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فقال: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأجرب عقلك، إنّ رجلين من مزينة أتيا رسول الله وَلاه فقالا: يا رسول الله: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون اليوم أشيء قُضِيَ عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يُستقبلون به مما أتاهم نبيهم وثبتت عليهم الحجة. فقال: ((لا بل شيء قُضي عليهم ومضى فيهم))، قال: ففيم العمل إذاً، قال: ((من كان الله خَلَقه لإحدى المنزلتين فييسره لها))(١). فَمَهَا نُرَهَا ٧ وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّهَا (٢) وَتَقْوَنهَا ٢) وعن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، قال: فأتيت أبيّاً فقلت: إنه وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيءٍ، لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: ((إن الله عز وجل لو عذب أهل سماواته، وأهل أرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، ولو مت على غير ذلك دخلت النار)). قال: فأتيت حذيفة فحدثني بمثل هذا. قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فحدثني بمثل هذا، قال: فأتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي بَّ بمثل هذا(٣). وهذا يدل على وضوح الرؤية وصحة العقيدة وسلامة المنهج والمصدر الذي (١) الحديث رقم (٢٥) من كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا أخرجه مسلم وأبو داود. (٢) سورة الشمس، الآية ٧ و ٨. (٣) الحديث رقم (١٣٧) من كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا أخرجه أبو داود ٤٦٩٩. ١٠٥ أخذ عنه الصحابة جميعاً، فكانوا كلهم متفقين على جواب واحد فيما سئلوا عنه من أمر القدر. ج) القول بالقدر في عهد التابعين وتابعيهم: لقد تلقى التابعون رحمهم الله العقيدة الصحيحة والسليمة من صحابة رسول الله وَله. والتزموا بالمنهج الحق الذي بيّنْه رسول الله ◌َّله. فكانوا يسألون الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عما يستشكل عليهم، ثم يسلّمون الأمر لله سبحانه وتعالى ولرسوله وَّل. ولما قال معبد الجهني بالبصرة بالقدر التزم التابعون بالعقيدة الصحيحة السليمة التي أخذوها عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وفيما يلي إيضاحاً وبياناً لموقف التابعين: ١) عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله وَله، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا على يمينه والآخر على شماله، فظننت أنّ صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت يا أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنّهم يزعمون أن لا قدر وأنّ الأمر أُنف. فقال: إذا لَقيت أولئك فأخبرهم أنّي بريء منهم وأنّهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر «لو أنّ لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم ذكر حديث جبريل المشهور)) الخ(١). ٢) وعن محمد بن عبادة بن الصامت قال: دخلت على أبي وهو يجود بنفسه فقلت أوصني فقال: ((أي بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تؤمن بالله حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قال: فقلت أي أبتاه، وكيف لي أن أعلم، قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، أي بني، إنّي سمعت رسول الله ◌َ* يقول: ((إنّ أول شيء خلقه الله خلق القلم، فقال: اكتب، فقال: ما أكتب قال: اكتب القدر في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة أي بني إن متّ (١) رقم الحديث (١٥٣) من كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا أخرجه مسلم برقم (٨). ١٠٦ على غير هذا دخلت النار)) (١). ٣) روى مرحوم بن عبد العزيز قال: سمعت أبي وعمي يقولان: سمعنا الحسن ينهى عن مجالسة معبد الجهني ويقول: [لا تجالسوه فإنه ضال مضل](٢). ٤) قال محمد بن الحسين رحمه الله: [فإن قال قائل: مَنْ أئمة القدرية في مذاهبهم؟، ((قيل له: قد أجلّ الله المسلمين عن مذاهبهم، وإنما أئمتهم في مذاهبهم القذرة: معبد الجهني بالبصرة، وقد ردّ عليه الصحابة والتابعون، وقبله رجل من أهل العراق، كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني القدر، كذا قال الأوزاعي رحمه الله، وأخذ غيلان عن معبد))(٣). ٥) حدّث عبد الله بن وهب قال: سمعت الليث بن سعد يقول في المكذب بالقدر: [ما هو بأهل أن يعاد في مرضه، ولا يُرغب في شهود جنازته، ولا تجاب دعوته](٤). ٦) وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: [ما أضل من كذّب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة إلا قوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ (٥) «لکفی به حجة)»(٦). ٧) قال محمد بن الحسين: أخبرنا الفريابي قال: سمعت عمرو بن علي يقول : . سمعت أبا محمد الغنوي يقول: [سألت حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضل، والمعتمر بن سليمان عن رجل يزعم أنه يستطيع أن يشاء في ملك الله ما لا يشاء. فكلهم قال: كافر مشرك، حلال الدم، إلا معتمراً، فإنه قال: (١) رقم الحديث (١٧٣) من كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا أخرجه أبو داود وأحمد. (٢) الآجري في الشريعة ص ٢٤٣، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/ ٦٣٧ . (٣) الشريعة للآجري ص ٢٤٢ . (٤) الشريعة للآجري ص ٢٢٧ . (٥) سورة التغابن، الآية ٢. (٦) الشريعة للآجري ص ٢٢٦ . ١٠٧ الأحسن للسلطان استتابته](١). ٨) قال النووي: [أول من قال بنفي القدر معبد الجهني فابتدع وخالف الصواب الذي عليه أهل الحق](٢). ٩) وحدّث نافع بن مالك أنّ عمر بن عبد العزيز قال له: [ما ترى في الذين يقولون لا قدر؟، قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، قال عمر: ذاك الرأي فيهم، لو لم يكن إلا هذه الآية الواحدة كفى بها]: (فإنكم وما تعبدون، ما أنتم عليه بفاتنين، إلا من هو صال الجحيم)(٣)](٤). ١٠) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالی: حدثني أبي، حدثنا بهز، حدثنا عكرمة بن عمار قال: سمعت القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر [يلعنان القدرية الذين يكذبون بقدر الله، حتى يؤمنوا بخيره وشره](٥). ٦ - مذاهب الناس وفرقهم في القدر أحاديث افتراق الأمة الإسلامية مشهورة: ١) فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله وَله: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعين في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعين في النار وواحدة في الجنة والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة واثنتان وسبعين في النار، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة)) (٦). ٢) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((تفرقت اليهود على إحدى أو (١) المصدر السابق ص ٢٢٦ . (٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ١٥٣ . (٣) سورة الصافات، الآية ١٦١ و١٦٣. (٤) رقم الأثر في كتاب القضاء والقدر (٢٩٣) للبيهقي موضوع تحقيقنا وأخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد . (٥) السنة ص ١٢٢ . (٦) السنة لابن أبي عاصم ٣٢/١، وعلق عليه الألباني إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات. ١٠٨ اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة))(١). (٣) حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال: حدثنا المسيب بن واضح قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: [أصول البدع: أربع: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، ثم تتشعب كل فرقة ثماني عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون، الجماعة التي قال النبي ◌َّ: ((إنها الناجية))](٢). وسنتحدث بإيجاز مفيد عن بعض الفرق التي كان لها كبير التأثير في الحياة الإسلامية، وندع الكلام والتفصيل عن باقيها لكتب الفرق والمذاهب المتخصصة. ١) فرقة القدرية: ذكرنا فيما سبق أنّ الذين تكلموا بنفي القدر في عهد الصحابة والتابعين كانوا قلة، وقف الصحابة منهم موقفاً شديداً، وتبرؤا منهم، وأثاروا عليهم حرباً شعواء، من هؤلاء الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وواثلة بن الأصقع، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأنس بن مالك رضي الله عنهم. ولكن نبوغ طائفة أخرى في عهد التابعين من هؤلاء القدرية كمعبد الجهني، وواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وغيلان الدمشقي وهذه الطائفة أصبح لها أتباع ومؤيدون على مر العصور، يشرحون عقيدتها، ويدافعون عنها، ويردون على مخالفيها، ويؤلفون الكتب والرسائل في شرح عقيدتهم وبيان مذهبهم وهؤلاء كانوا هم المعتزلة . فزعم رأس المعتزلة ((واصل بن عطاء أنّ الشر لا يجوز إضافته إلى الله، لأن الله حكيم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتّم عليهم شيئاً ثم يجازيهم عليه . وقرر في مقالته أنّ العبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والرب تعالى أقدره على ذلك كله، وذهب النظام من المعتزلة إلى أنّ الله لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي (١) السنة لابن أبي عاصم ٣٣/١، وعلق عليه الألباني، إسناده حسن ورجاله كلهم ثقات. (٢) الشريعة للآجري ص ١٥. ١٠٩ مقدورة لله))(١). والقدرية في إجماع أهل السنة والجماعة هم الذين يقولون: ((الخير من الله والشر من الإنسان، وأنّ الله لا يريد أفعال العصاة، وسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر من الله وقضائه، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى فيقولون أنتم القدرية، حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله، وأنكم أولى بهذا الاسم منا))(٢). قال ابن قتيبة والإمام الجويني: ((هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح، فإن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويضيفون القدر والأفعال إلى الله سبحانه وتعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومدعي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه))(٣). ويمكن القول بأن المعتزلة هم ورثة القدرية، حيث أخذوا أقوالهم وزادوا عليها شذوذاً، وهكذا ظهر اسم المعتزلة ليحل مكان القدرية. يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد: ((وفي أوائل القرن الثاني كان شر الخوارج قد استطار، وكانوا قد أعلنوا أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار لا يخرج منها أبداً، وكان جماعة المسلمين يقولون: إنه مؤمن وإن فسق بارتكاب الكبيرة، وكان أبو حذيفة واصل بن عطاء يجلس إلى الحسن البصري ويتتلمذ عليه، فجرى يوماً ذكر هذه المسألة، فقال واصل: أنا أقول في مرتكب الكبيرة من هذه الأمة: إنه لا مؤمن ولا كافر، منزلة بين المنزلتين، فغضب الحسن لذلك وطرده من مجلسه، فاعتزل عنه وجلس في ناحية المسجد، وانضم إليه عمرو بن عبيد وجماعة، فقيل لهما ولأتباعهما: المعتزلون أو المعتزلة)» (٤). (١) الملل والنحل الشهرستاني ١/ ٤٧ - ٥٤ . (٢) جامع الأصول ١٢٨/١٠. (٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ١٥٤ . (٤) مقدمة مقالات الإسلاميين للأشعري ص ١٧ . ١١٠ ويقول زهدي حسن جار الله: ((وكانت تعاليمهم - أي المعتزلة - خليطاً من أقوال القدرية والجهمية، فإنهم وافقوا القدرية في نفي القدر، ووافقوا الجهمية في جميع أقوالها ما عدا الجبر، فإنهم خالفوها فيه وتحاملوا عليه، ثم يقول: أما القدرية فلم يكن بينها وبين المعتزلة شيء من الخلاف، وقد اندمجت بهم حال ظهورهم، فأصبح القدرية والمعتزلة فرقة واحدة))(١). يقول شارح العقيدة الطحاوية: والمعتزلة هم: ((عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء الغزّال وأصحابهما، سموا بذلك لمّا اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري، وقيل: إنّ واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول المعتزلة وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن الرشيد، صنّف لهم أبو الهذيل كتابين، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة: العدل، والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولبّسوا فيها الحق بالباطل، إذ شأن البدع هذا اشتمالها على حق وباطل وهم مشبهة الأفعال، لأنهم قاسوا أفعال الله على أفعال عباده، وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه !. وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا، بمقتضى ذلك القياس الفاسد !! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك لعدّ: إما مستحسناً للقبيح، وإما عاجزاً، فكيف يصح قياس أفعاله سبحانه وتعالى على أفعال عباده؟ ! . ١) فأما العدل: فستروا تحته نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به، إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جوراً !!. والله تعالى عادل لا يجور، ويلزم على هذا الأصل الفاسد أنّ الله تعالى يكون في ملكه ما لا يريده فیرید الشيء ولا يكون، ولازمه وصفه بالعجز! تعالى الله عن ذلك. ٢) وأما التوحيد: فستروا تحته القول بخلق القرآن، إذ لو كان غير مخلوق لزم (١) كتاب المعتزلة ص ٣٥ - ٣٦. ١١١ تعدد القدماء !! ويلزمهم على هذا القول الفاسد أنّ علمه وقدرته وسائر صفاته مخلوقة، أو التناقض . (٣) وأما الوعيد: فقالوا إذا أوعد بعض عبيده وعيداً فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف وعيده، لأنه لا يخلف الميعاد، فلا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد، عندهم !!. ٤) وأما المنزلة بين المنزلتين: فعندهم أنّ من ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر !!. ٥) وأما الأمر بالمعروف: فهو أنّهم قالوا: علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، وأن نُلزمه بما يلزمنا، وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه أنّه يجوز الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا !! ))(١). وقد قدمنا فيما سبق الأدلة على زيغ وكفر القدرية. أدلة فرقة القدرية : أ) المعقول: لأن القدرية (المعتزلة) يقدمون العقل على النقل، وبنوا أمور العقائد كلها، ودلالة النصوص على قضايا عقلية زعموا أنها حقائق وليست كذلك. ١ - أن فعل العبد لو كان بخلق الله تعالى لما كان متمكناً من الفعل البتة، لأنه إن خلقه الله تعالى فيه كان واجب الحصول، وإن لم يخلق الله تعالى فيه الفعل كان ممتنع الحصول. وهذا كلام مردود على قائليه، فقد غفلوا عن الفرق بين ما هو خلق الله تعالى، وما هو مخلوق له تعالى، فأفعال العباد مخلوقة لله تعالى وليست هي نفس فعل الرب وخلقه حتى لا يضاف إلى الله تعالى ما يفعله العباد من الكذب والظلم والقبائح والمعاصي. ٢ - لو كان الله خالقاً لأفعال العباد لبطل الثواب والعقاب، إذ كيف يعاقبهم على أمر خلقه فيهم، وهذا مردود أيضاً، فقد ثبت بالدليل القاطع أن الله خالق أفعال العباد، وأن الإنسان مكلف وأنه سيلقى الجزاء يوم الجزاء على أعماله في الدنيا، فالله (١) شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٨٨ و٥٨٩، بتصرف. ١١٢ أعطى العباد المشيئة والقدرة على الاختيار، والعباد هم الفاعلون حقيقة لأفعالهم، وإن كانت أفعالهم كلها مخلوقة لله. ب) المنقول: الآيات التي تثبت المشيئة للعباد وتعلق أفعالهم عليها كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءُ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾(١). والآيات التي تدل أن العباد هم الذين يؤمنون ويكفرون كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ الْهُدَى﴾(٢). والآيات التي ترتب الجزاء على الأعمال كقوله تعالى: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ ١﴾(٣) فالآية الأولى معارضة بقوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَاؤُ مَا ٨٢ يَكْسِبُونَ كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (٤). والآية الثانية تدل أن العباد فاعلون لفعلهم حقيقة ومريدوه، والله هو الخالق لأفعالهم، أما الآية الثالثة والتي تدل على ترتيب الجزاء على الأعمال فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات. قال ◌َله: ((لا يُدْخِلْ أحداً منكم عمله الجنة ... إلخ))(٥). والرواية الأخرى في مسلم: ((لن يدخل الجنة أحد بعمله))(٦)، باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول العبد الجنة، كما زعمت المعتزلة أنّ العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله! بل ذلك برحمة الله وفضله. والباء التي في قوله: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (﴾﴾(٧) وغيرها، ((باء السبب أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات. فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته)»(٨). (١) سورة الكهف، الآية ٢٩. (٢) سورة الإسراء، الآية ٩٤. (٣) سورة التوبة، الآية ٨٢. (٤) سورة القصص، الآية ٦٨. (٥) رقم الحديث (٤٧) من كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا أخرجه مسلم رقم ٢٨١٨. (٦) أخرجه مسلم ٢١٦٩/٤ رقم ٢٨١٦. (٧) سورة السجدة، الآية ١٧ . (٨) شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٩٥٩. ١١٣ الحكم في القدرية : من معجزات نبينا وَالله: الإخبار عن المغيبات وما يكون من الفتن والفرقة. ومن ذلك إخباره بافتراق الأمة الإسلامية إلى فرق شتى. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَلقال قال: ((تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)). قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح(١). وروى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان، فقال: ألا إنّ رسول الله وَ ل قام فينا فقال: ((ألا إن مَنْ قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة»(٢). وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي معلقاً على الحديث: (قوله ((ستفترق على ثلاث وسبعين ملة))، فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين، إذ قد جعلهم النبي وَّ كلهم من أمته. وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأوله)(٣). ونستخلص مما تقدم أنّ القدرية مسلمون ولا نحكم عليهم بالكفر، وكل ما ورد في شأنهم مما يشعر بكفرهم، كالنهي عن الصلاة على من مات منهم، وإعادة صلاة من صلى خلفهم وما شابه ذلك، محمول على زيادة التنفير منهم لكي لا يغتر أحد بهم، ومن ذلك ما ذكره أحمد بن حجر العسقلاني في أجوبته على أحاديث من مشكاة المصابيح، ذكرها الحافظ العراقي بالوضع منها ((حديث ((صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية)) قال ابن حجر لا يوجد فيه علامة الوضع، إذ لا يلزم من نفي الإسلام عن الطائفتين إثبات كفر من قال بهذا الرأي لأنه يحمل على نفي (١) سنن الترمذي ٢٥/٥ - ٢٦ رقم ٢٦٤٠ وأبو داود ٤/٥ رقم ٤٥٩٦ وابن ماجه ١٣٢١/٢ رقم ٣٩٩١. (٢) سنن أبي داود ٥/٥ رقم ٤٥٩٧ . (٣) معالم السنن ٥/٥ من سنن أبي داود. ١١٤ الإيمان الكامل، أو المعنى أنه اعتقد اعتقاد الكافر، لإرادة المبالغة في التنفير من ذلك لا حقيقة الكفر! وينصره بأنه وصفهم بأنهم من أمته !!! . الحديث الثاني: ((القدرية مجوس هذه الأمة)). حيث قال: ولعل مستند من أطلق عليه الوضع تسميتهم المجوس وهم مسلمون !!!. وجوابه أن المراد أنهم كالمجوس في إثبات فاعِلَيْن لا في جميع معتقد المجوس، ومن ثم ساغت إضافتهم إلى هذه الأمة !!! (١). ويتبين لنا من ذلك أنهم ضمن دائرة الإسلام ولا نكفرهم بمقالتهم بل نفسقهم ونعتبرهم غير كاملي الإيمان والله أعلم. ب) فرقة الجبرية: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وكان ظهور جهم ومقالته في تعطيل الصفات، وفي الجبر والإرجاء في أواخر دولة بني أمية بعد حدوث القدرية والمعتزلة وغيرهم، فإنّ القدرية حدثوا قبل ذلك في أواخر عصر الصحابة، فلما حدثت مقالة جهم المقابلة لمقالة القدرية أنكرها السلف والأئمة كما أنكروا قول القدرية من المعتزلة وغيرهم، وبدّعوا الطائفتين، حتى في لفظ الجبر، أنكروا على من قال: جَبَرَ، وعلى من قال: لم يَجْبَرْ))(٢). زعم الجبرية أن العبد مجبور على فعله، لیس له خیار فیما یأخذ أو يدع، وبعضهم يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، وأول من قال هذا القول هو الجهم بن صفوان السمرقندي، ((وهو الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل، وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم، الذي ضحّى به خالد بن عبد الله القسري بواسط، فإنه خطب النّاس في يوم عيد الأضحى، وقال: أيها الناس، ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أنّ الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً! ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، وكان جهم بعده بخراسان، فأظهر مقالته هناك، وتبعه عليها ناس بعد أن ترك الصلاة أربعين يوماً شكاً في ربه!، وكان ذلك لمناظرته قوماً من المشركين، يقال لهم (١) مشكاة المصابيح ٣٠٤/٣ _ ٣٠٥. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/ ٤٦٠. ١١٥ السمنية من فلاسفة الهند، الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات، قالوا له: هذا ربك الذي تعبده، هل يُرى، أو يُشم، أو يذاق أو يُلمس؟، فقال: لا، فقالوا: هو معدوم فبقي أربعين يوماً لا يعبد شيئاً، ثم لما خلا قلبه من معبود يؤلهه، نقش الشيطان اعتقاداً نَحَته فكره فقال: إنه الوجود المطلق !! ونفى جميع الصفات، واتصل بالجعد . وقد قيل: إن جعداً كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وإنه أيضاً أخذ شيئاً عن بعض اليهود المحرّفين لدينهم، المتصلين بلُبيد بن الأعصم، الساحر الذي سحر النبي ◌َّهِ. فقُتِل جهم بخراسان، قتله سلم بن أحوز، ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس، وتقلدها بعده المعتزلة. ولكن كان جهم أدخل في التعطيل منهم، لأنه ينكر الأسماء حقيقة، وهم لا ينكرون الأسماء بل الصفات))(١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فهؤلاء المحتجون بالقدر على سقوط الأمر والنهي من جنس المشركين المكذبين للرسل، وهم أسوأ حالاً من المجوس، وهؤلاء حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب))(٢): ﴿سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَّ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّأَقُلّ (٣) هَلّ عِندَكُمْ مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَّخْرُصُونَ وهؤلاء الجبرية شر من القدرية، لأن القدرية عظموا الأمر والنهي وأخرجوا أفعال العباد عن أن تكون مخلوقة لله، والجبرية سلبوا العبد اختياره وقدرته وجعلوه مجبوراً على سائر حركاته من جنس حركات الجمادات، ليس لهم أي دور فيها فهم كورق الشجر تحركه الريح كما تشاء، فيسلبون العبد القدرة مطلقاً، ولا يثبتون له إلا قدرة واحدة مقارنة للفعل، وإنما تضاف الأعمال إلى العباد على جهة المجاز فقط، ولا يجعلون للعاصي قدرة أصلاً. قال الشهرستاني: ((الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب (١) شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٩٠ - ٥٩١ . (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/ ٤٥٣. (٣) سورة الأنعام، الآية ١٤٨. ١١٦ تعالى، والجبرية أصناف: فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلاً ولا قدرة على الفعل أصلاً، والجبرية المتوسطة: أن يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، فأما من أثبت القدرة الحادثة أثراً ما في الفعل وسمّى ذلك كسباً فليس بجبري))(١). أدلة الجبرية : استدل القائلون بالجبر بالآيات التي تدل على أن الله خالق كل شيء. جَ﴾ (٢) . دلت ١) كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ الآية أن الله جل جلاله الخالق لكل شيء. ولم تنف القدرة والإرادة عن العبد، وأنه الفاعل الحقيقي لفعله، وأفعاله قائمة به، وأن الله خالقها بمعنى أنها مخلوقة له سبحانه وتعالى. ٢) كما استدلوا بآيات المشيئة كقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾﴾(٣). فهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تثبت المشيئة لله وحده وهذا حق، ولكن في نفس الوقت استدل بها القدرية المعتزلة على أن للعبد، مشيئة، ولكل من الجبرية والقدرية ردود، ردّ فيها كل طرف على الطرف الآخر، ومن مجموع هذه الأدلة يظهر الحق وهو إثبات المشيئة للعباد وهي خاضعة وواقعة ضمن مشيئة الله . ٣) كما استدلوا بآيات تدل على أنّ الله يفعل الهداية وهو يضل البشر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَهِ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا خَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّغَدُ فِ السَّمَاءِ﴾(٤). ٤) واستدلوا بالآيات التي وردت في ختم الله على القلوب فلا يصلها الإيمان كقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَفُْ بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٥) ١٥٥) (١) الملل والنحل ١ / ٩٠ . (٢) سورة الزمر، الآية ٦٢ . (٣) سورة الإنسان، الآية ٣٠. (٤) سورة الأنعام، الآية ١٢٥ . (٥) سورة النساء، الآية ١٥٥ . ١١٧ واستدلالهم بمثل هذه الآيات أنّ الله حال بين الكافرين وبين الإيمان، ومنعهم إياه مردود عليهم، وأنّ الله ختم وطبع على قلوبهم جزاءً وعقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه. ٥) واستدلوا بالعقل: فقالوا: ((إن الله عَلِمَ وأراد أزلاً وجود أفعال العباد، وتعلقت قدرته بوجودها فيما لا يزال، فما وقع منها فهو بقضاء الله وقدره، والعباد مجبورون عليها، وهذا الدليل مردود عليهم أيضاً، لأن تعلق علم الله وإرادته بأفعال العباد لا يجعلهم مجبورين في أفعالهم. لأن علم الله أزلاً بأفعال العباد وبأن العبد يختارها ليس سالباً لاختيار العبد، وإنما هو محقق لاختياره، وهذا معلوم عند كافة العقلاء، كما أن تعلق قدرته سبحانه وتعالى بوجودها لا ينافي أن تكون أفعال العباد واقعة بقدرتهم وأنهم الفاعلون لها(١). ج) قول الفلاسفة: بدأت الترجمة وازدهرت عن الثقافات الأجنبية في عهد العباسيين، وبلغت ذروتها في عهد المأمون، وشملت الترجمة كل العلوم المعروفة لدى اليونان وغيرهم، ولا شك أنه كان لذلك تأثيراً كبيراً وبالغاً على الفكر الإسلامي بشكل عام، وعلى بعض الفرق التي ادّعت انتسابها إلى الإسلام بوجه خاص ودَرَسَ هذه العلوم الأجنبية والمعارف الكثير من المسلمين، ولم يكن التأثير بها خافياً. ولكن البعض أصبح داعية لها يعتقد أنها العلوم الحقيقية التي تقوم على البحث العقلي المجرد. وقام علماء الإسلام بالرد على الفلاسفة، وبيّنوا ما في قولهم من الشطط والهوى والخروج على الدين أحياناً وإنكار بعض أركان الإيمان وجحدها. يقول شارح العقيدة الطحاوية: ((وأما أعداء الإسلام ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع، فهم متفاوتون في جحد أركان الإيمان وإنكارها، وأعظم الناس لها إنكاراً: الفلاسفة المسمّون عند من يعظمهم ((بالحكماء))، فإن من علم حقيقة قولهم عَلِمَ أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم (١) الإنسان هل هو مسير أم مخير ص ١٤ . ١١٨ الآخر. فإن مذهبهم أن الله سبحانه موجود لا ماهية له ولا حقيقة، فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكل موجود بالخارج فهو جزئي، ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم عندهم لازم له أزلاً وأبداً، وإن سموه مفعولاً له فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ، وليس عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه، وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته! فهذا إيمانهم بالله، وأما كتبه عندهم، فإنهم لا يصفونه بالكلام، فلا يكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعّال على قلب بشر زاكي النفس طاهر، متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: ١) قوة الإدراك وسرعته لينال من العلم أعظم ما يناله غيره! ٢) وقوة النفس، ليؤثر بها في هيولى العالم، يقلب صورة إلى صورة !. ٣) وقوة التخييل، ليخيل بها القوى العقلية في أشكال محسوسة، وهي الملائكة عندهم !. وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان، وأما اليوم الآخر فهم أشد الناس تكذيباً وإنكاراً له في الأعيان، وعندهم أن هذا العالم لا يخرب، ولا تنشق السموات ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم، ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار!، كل هذا عندهم أمثال مضروبة لتفهم العوام، لا حقيقة لها في الخارج، كما يفهم منا أتباع الرسل. فهذا إيمان الطائفة الذليلة الحقيرة، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهذه هي أصول الدين الخمسة. وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيراً من الدين. والرافضة المتأخرون، جعلوا الأصول أربعة))(١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع، بل هم أعظم اختلافاً من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى، والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشّائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم، وبينه وبين سلفه من النزاع والاختلاف ما يطول وصفه. ويقول: وأساطين الفلسفة يزعمون (١) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٣٣ و٣٣٤. ١١٩ أنهم لا يصلون فيه إلى اليقين، وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأحرى والأخلق، وأكثر الفضلاء العارفين بالكلام والفلسفة بل وبالتصرف الذين لم يحققوا ما جاء به الرسول تجدهم فیه حیاری)»(١) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ولهذا تجد أبا حامد - ويريد أبا حامد الغزالي - مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف، ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف، ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات وهو يشتغل في صحيح البخاري))(٢). ومع وقوف العلماء الأثبات موجهين النقد والنقض للفلاسفة وأتباعهم، ((إلا أن أثار الفلسفة الفيثاغورثية: وهم الذين ينسبون إلى فيثاغورث بن منسارخس من أهل ساميا وكان في زمن سليمان))(٣). فقد أثّرت فلسفة هؤلاء بفكرة العدد وقداسته على بعض الشيعة كما هي الحال عند الشيعة الإمامية، كما وأثروا على إخوان الصفا (وهم جماعة نقموا على الخلافة ونشأوا تحت ظل التشيع، وهم فرقة باطنية دعت ظاهراً إلى التآلف والتصافي حوالي منتصف القرن الرابع الهجري)، والتي لم تجد رسائلهم قبولاً يذكر من علماء ومفكري الإسلام. ((بل أعلن المتكلمون من السنة والشيعة أنّ أفكار إخوان الصفا إسماعيلية هدفوا من ورائها تقويض العقيدة الإسلامية، ونُسب إخوان الصفا دائماً إلى الباطنية والقرامطة)»(٤). ((كما أثر ذيموقراطيس (وهو من فلاسفة اليونان القائلين في المُبدع الأول أنه ليس هو العنصر فقط ولا العقل فقط بل الأخلاط الأربعة، وقد شنّع عليه الحكماء من جهة قوله إن أول مُبدع هو العناصر وبعدها أبدعت البسائط الروحانية فهو (١) بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول بهامش منهاج السنة ١/ ص ١١٧ و١١٨، بتصرف. (٢) بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول بهامش منهاج السنة النبوية ١٢٠/١. (٣) الملل والنحل الشهرستاني بهامش الفصل لابن حزم ٢/٣. (٤) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١٢٩/١. ١٢٠