Indexed OCR Text
Pages 81-100
أولاً: ما كتب في موضوع القضاء والقدر قبل عصر البيهقي إن أكثر الكتب المدونة في العقيدة أفردت باباً أو فصلاً لموضوع الإيمان بالقضاء والقدر، ولم أعثر إلا على عدد يسير من الكتب تفرّد بهذا العنوان كما أفرده بذلك شيخنا الإمام الحافظ البيهقي رحمه الله. وسأذكر بعضاً من هذه الكتب حسب تاريخ وفاة مؤلفيها: ١ - رسالة في القدر: منسوبة إلى الحسن البصري متوفى (١١٠ هـ)، ضمن رسائل العدل والتوحيد، تحقيق: محمد عمارة - دار الهلال سنة ١٩٧١ م. ٢ - شرح الفقه الأكبر: للإمام أبي حنيفة المتوفى (١٥٠ هـ)، إعداد: عبد الكريم تتان، نشر مكتبة الغزالي ومكتبة ابن الفارض ـ حماة - سوريا. ٣ - كتاب القدر: لعبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري المتوفى ١٩٧ هـ، مخطوط يوجد صورة عنه في المكتبة المركزية لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ضمن مجموع برقم ٢٢٧٦ . ٤ - كتاب القضاء والقدر: للحسين بن محمد بن عبد الله النجار - رئيس الفرقة النجارية المتوفى سنة ٢٢٠ هـ، ذكره ابن النديم بالفهرست ص ٢٥٤، والأعلام ٢٧٦/٢. ٥ - أصول العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد الحميد: للقاسم بن إبراهيم الرسي (زيدي معتزلي) متوفى (٢٤٦ هـ)، تحقيق محمد عمارة، ضمن رسائل العدل والتوحيد. ٨١ ٦ - كتاب القدر: لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي المتوفى ٢٧٥ هـ، ذكره ابن حجر في الإصابة ٤/ ٧٦٤. ٧ - الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة: لعبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى (٢٧٦ هـ)، ضمن عقائد السلف، تحقيق علي سامي النشّار وعمار جمعي الطالبي، نشر منشأة المعارف سنة ١٩٧١ م، مصر - الإسكندرية. ٨ - كتاب السنة: للحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني المتوفى (٢٨٧ هـ)، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، ط ٢، المكتب الإسلامي - بيروت، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م. ٩ - كتاب القدر: لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن المستفاض الفريابي المتوفى (٣٠١ هـ)، حققه جمال حمدي الذهبي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٤ هـ. ١٠ - العقيدة الطحاوية: لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي المتوفى (٣٢١ هـ)، شرح وتعليق محمد ناصر الدين الألباني ط ٥ - المكتب الإسلامي - بيروت سنة ١٣٩٩ هـ. ١١ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: لعلي بن إسماعيل الأشعري، المتوفى (٣٣٠ هـ)، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ط ٢، مكتبة النهضة المصرية في القاهرة ١٣٨٩ هـ. ١٢ - الإبانة عن أصول الديانة: لعلي بن إسماعيل الأشعري المتوفى (٣٣٠ هـ)، الناشر: بشير عيون، دمشق ١٤٠٠ هـ. ١٣ - الشريعة للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الأجرّي، المتوفى (٣٦٠ هـ)، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر أنصار السنة المحمدية، لاهور - باكستان. ١٤ - الرسالة في اعتقاد أهل السنة: لعبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن الغزاوي القيرواني المتوفى سنة ٣٨٦ هـ، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض. ٨٢ ١٥ - الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: للقاضي أبي بكر بن الباقلاني - محمد بن الطيب بن محمد المتوفى (٤٠٣ هـ)، تحقيق - محمد زاهد الكوثري، صححه: عبد الوهاب عبد اللطيف، ط ٢ مؤسسة الخانجي للطباعة والنشر والتوزيع، مطبعة السنة المحمدية، ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م. ١٦ - أوائل المقالات في المذاهب المختارات: للشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري البغدادي ((أبو عبد الله)) ويعرف بابن المعلّم، محقق إمامي متوفى (٤١٣ هـ)، تقديم فضل الله الشهير بشيخ الإسلام: الزنجاني الطبعة الثالثة، المطبعة الحيدرية بالنجف، ١٣٩٣ هـ. ١٧ - المغني في أبواب التوحيد والعدل، قاضي القضاة: عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني آخر علماء المعتزلة الكبار المتوفى (٤١٥ هـ)، تحقيق محمد علي النجار وعبد الحليم النجار، طبعة القاهرة ١٣٨٥ هـ. ١٨ - الفَرْق بين الفِرَق: لعبد القاهر بن طاهر البغدادي المتوفى (٤٢٩ هـ)، تحقيق: عبد الرؤوف سعد، نشر مؤسسة الحلبي - القاهرة. ١٩ - عقيدة السلف أصحاب الحديث: للشيخ إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، ضمن عقيدة الفرقة الناجية المتوفى (٤٤٩ هـ)، إعداد وتقديم: عبد الله حجاج، نشر شركة السلام العالمية، طبعة ١٤٠٠ هـ. ٢٠ - الفِصَلْ في الملل والنحل: علي بن أحمد بن حزم بن غالب الأندلسي القرطبي اليزيدي الظاهري المتوفى (٤٥٦ هـ)، دار المعرفة - بيروت ط ٢، ١٣٩٥ هـ. ٨٣ ثانياً: ما كُتِبَ في موضوع القضاء والقدر بعد عصر البيهقي ١ - العقيدة النظامية: لأبي المعالي الجويني - عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن حيّويَه، المتوفى (٤٧٨ هـ)، وهو من أئمة الأشاعرة، تحقيق أحمد حجازي السقا، ط ١، سنة ١٣٩٨ هـ. ٢ - الاقتصاد في الاعتقاد: محمد بن محمد الغزالي الطوسي حجة الإسلام المتوفى (٥٠٥ هـ)، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، مصر - ١٣٩٢ هـ. ٣ - كتاب الأربعين في أصول الدين: حجة الإسلام الغزالي تحقيق محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، مصر ١٣٩٠ هـ/ ١٩٧٠ م. ٤ - شرح السنة: الحسين بن مسعود الفراء البغوي: محيي السنة، شيخ الإسلام، المتوفى (٥١٦ هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط - ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٣٩٠ هـ. ٥ - الملل والنحل: لأبي الفتح: محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر الشهر ستاني المتوفى (٥٤٨ هـ)، تحقيق - محمد سيد الكيلاني، شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة ١٣٨٧ هـ. ٦ - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي اليمي (فخر الدين) القرشي البكري، المتوفى (٦٠٦ هـ)، تحقيق طه عبد الرؤوف، ومصطفى الهواري، شركة الطباعة الفنية، القاهرة سنة ١٣٩٨ هـ. ٨٤ ٧ - لمعة الاعتقاد: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المتوفى (٦٢٠ هـ)، ط ٢، المطبعة السلفية سنة ١٣٩٧ هـ. ٨ - لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول: لأبي الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي، المتوفى (٦٢٦ هـ) - تحقيق الدكتورة: فوقية حسين محمود، ط ١، دار الأنصار - القاهرة ١٩٧٧ م. ٩ - كتاب القدر: لشيخ الإسلام - أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي الحنبلي (ابن تيمية)، المتوفى ٧٢٨ هـ، المجلد الثامن من الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم العاصمي، النجدي، ط ١، سنة ١٣٩٨ هـ، توزيع إدارة البحوث والإفتاء بالرياض. ١٠ - الاحتجاج بالقدر: لشيخ الإسلام ابن تيمية، المكتب الإسلامي - بيروت ط ٣، ١٤٠٠ هـ. ١١ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية: شيخ الإسلام ابن تيمية، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض. ١٢ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل: لابن قيم الجوزية المتوفى (٧٥١ هـ)، عني بتصحيحه السيد محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي، ط ١، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض سنة ١٣٢٣ هـ. ١٣ - القضاء والقدر في الإسلام: د.فاروق أحمد الدسوقي، المكتب الإسلامي - بيروت، ومكتبة الخاني الرياض، ط ٢، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م. ١٤ - مسألة القضاء والقدر: عبد الحليم محمد قنبس وخالد عبد الرحمن العك، دار الكتاب العربي، حلب، دمشق - سوريا . ١٥ - القضاء والقدر: د.عمر الأشقر، دار النفائس - الكويت، ط ١، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م. ١٦ - القضاء والقدر: الشيخ: محمد متولي شعراوي، الناشر: دار الندوة - الإسكندرية، ١٩٨٧ م. ٨٥ ١٧ - القضاء والقدر بين الفلسفة والدين: عبد الكريم الخطيب - دار الفكر العربي، ط ٢، سنة ١٣٩٨ هـ. ١٨ - عقيدة القضاء والقدر وأثرها في سلوك الفرد: د. عبد الكريم زيدان، بحث نشر في مجلة كلية الدراسات الإسلامية، العدد الخامس سنة ١٩٧٤ م. ١٩ - الجامع الصحيح في القدر: لأبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، مكتبة ابن تيمية - القاهرة. ٢٠ - الإيمان باليوم الآخر وبالقضاء والقدر: للشيخ أحمد عز الدين البيانوني، ط ١، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م، نشر مكتبة الهدى - حلب. ٢١ - الإنسان هل هو مسير: د.فؤاد العقلي، ط ١، ١٩٨٠ م، مكتبة الخانجى، مصر - القاهرة. ٢٢ - الاختيار وحرية الإرادة: مريم جميلة، مترجم عن الفرنسية، مطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٧٧ هـ. ٢٣ - هل نحن مسيرون أم مخيرون أو مستقبلك في يدك: د.محمد علي الزعبي، ط ٢، سنة ١٩٦٨ م. ٢٤ - الإيمان: د.حسن الترابي، ط ١، سنة ١٣٩٤ هـ، دار القلم، الكويت. ٢٥ - الإيمان: د.محمد نعيم ياسين، ط ١، سنة ١٣٩٨ هـ، الأردن/ عمان .. ٢٦ - العقائد الإسلامية: سيد سابق - دار الكتاب العربي بيروت. ٢٧ - العقيدة الإسلامية وأسسها: عبد الرحمن حسن حبنكة، دار القلم، بيروت، ط ٢، ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م. ٢٨ - مشكلة القدر والحرية في المسرح الغربي المعاصر: د.عماد الدين خليل، ط ١، سنة ١٣٩١ هـ. ٢٩ - الجبر الذاتي: د. زكي نجيب محمود، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٧٣ م. ٨٦ ٣٠ - موقف البشر تحت سلطان القدر: شيخ الإسلام: مصطفى صبري، ط ١، المطبعة السلفية سنة ١٣٥٢ هـ. ٣١ - مشيئة الله ومشيئة العباد: د.عبد الكريم الخطيب، ط ١، دار اللواء، الرياض سنة ١٤٠٠ هـ. ٨٧ ثالثاً: مقارنة كتاب القضاء والقدر للإمام الحافظ البيهقي بالكتب التي تناولت هذا الموضوع إن معظم من ألّفوا وكتبوا في العقيدة، وخاصة مَنْ سبقوا عصر الإمام الحافظ البيهقي، أفردوا باباً أو فصلاً في مؤلفاتهم وكتبهم لموضوع القضاء والقدر، ما عدا النذر اليسير الذي خصّ ذلك بمؤلف مستقل، ويتضح هذا جلياً بما سقناه آنفاً من المؤلفات والكتب قبل وبعد البيهقي . ولقد تميز كتاب القضاء والقدر للإمام الحافظ البيهقي : ١ - أنّه من بين العلماء القلة الذين خصوا هذا الموضوع بمؤلف مستقل. ٢ - بيّن الإمام الحافظ البيهقي منهجه في التأليف في مقدمة كتاب دلائل النبوة ((وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، فلا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزاً فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار)) (١). ويعتمد الإمام البيهقي أساساً على الصحيحين، وينقل منهما كثيراً ويشير إلى ذلك، ثم يأخذ عن مسند الإمام أحمد بن حنبل وعن سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه وسنن أبي داود، ولا يشير إلى ذلك إلّ نادراً. ويأخذ كثيراً عن مستدرك الحاكم، وهو شيخه الذي تأثر فيه كثيراً في علم الحدیث. (١) دلائل النبوة ٨٨/١. ٨٨ ٣ - حسن الترتيب والتبويب الذي اختطه الإمام الحافظ البيهقي في كتابه حيث يذكر الباب ثم يتبعه بالآيات القرآنية الدالة على عنوان الباب، ثم يتبع ذلك بذكر الأحاديث والآثار المناسبة والدالة على الموضوع من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وتابعيهم بإحسان رحمهم الله جميعاً. ٤ - يروي الأحاديث النبوية والآثار بسندها على طريقة المحدثين. ٥ - جمعه وإيراده لعدد من الأحاديث في بعض رجالها مقال، ولكن يورد طرقاً أخری للحديث تجعله يتقوی بتعدد طرقه . ٦ - شرحه لبعض الألفاظ المشكلة في العقيدة أو في تفسير بعض الآيات. ٧ - العطف بين الشيوخ، ويذكر أحياناً البلد الذي سمع فيه من شيخه. ٨ - التحويلة بين الأسانيد. ٩ - قد يكرر في كتابه بعض الأحاديث كتكراره مخاصمة مشركي قريش الرسول ◌َ في القدر في الحديث (١) والحديث (١٢٧)، وتكرار الحديثين / ٣٢٥/ و/ ٣٢٦/. وغيرهما الكثير في كتابه مما تكرر بسند آخر. ١٠ - التزم الإمام الحافظ البيهقي بالدليل السمعي حسب منهج الكتاب والسنة في تقديم الشرع، وفي بيان أنّ العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وأن القرآن كلام الله، وغير مخلوق، وكل ما فيه حق وصدق، خلافاً للمعتزلة وغيرها من الفرق الضالة. كما التزم بإثبات الصفات على ما يليق بجلال الله وعظمته على منهج السلف وأهل السنة والجماعة. ٨٩ رابعاً: دراسة وتحليل علمي لموضوع القضاء والقدر ١ - تعريف القضاء والقدر في اللغة والشرع. ٢ - أ - مراتب الإيمان بالقضاء والقدر. ب - أنواع المقادير. ٣ - القول في القضاء والقدر في الأديان والنحل القديمة. ٤ - القضاء والقدر في الأديان السماوية. ٥ - نشأة القول بالقدر في الإسلام. ٦ - مذاهب الناس وفرقهم في القدر: أ - فرقة القدرية. ب - فرقة الجبرية . ج - قول الفلاسفة. د - مذهب السلف وأهل السنة والجماعة. ٧ - شبهات أثارها ويثيرها مارقون وحاقدون. ٨ - آثار وثمار الإيمان بالقضاء والقدر. ١ - تعريف القضاء والقدر القضاء: الفصل والحكم. وقد تكرر في أحاديث الرسول وي لر ذكر القضاء، وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاءً فهو قاض، إذا حكم وفصل. وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق. وقال الزهري: ((القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقضاء الشيء ٩٠ وتمامه، وكل ما أُحْكِمَ عمله، أو أُتِمّ، أو أُدّي، أو أُوْجِب، أو عُلِمَ، أو نُفِّذ، أو أمضي، فقد قُضي، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الأحاديث))(١). وقال ابن فارس: ((القاف والضاد والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته))(٢). وقال الجوهري: «القضاء بالمد، ويقصر، أصله قَضَايٌ فلما جاءت الياء بعد ألف زائدة متطرفة همزت وجمعه أقضية))(٣) . والقدر: ((مصدر، تقول: قَدَرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها، بالسكون والفتح قَدْراً وقَدَراً، إذا أحطت بمقداره))(٤). وقال الفيروز آبادي: ((القدر في اللغة: القضاء والحكم ومبلغ الشيء، والتقدير: التروية والتفكر في تسوية الأمر))(٥). والقدر في الشرع: ((ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنّه عز وجل، قدّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها))(٦). وقال ابن تيمية: ((القضاء والقدر: هو تقدير الله الأشياء في القِدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قَدّرها وخَلْقُهُ لها))(٧). وقال ابن حجر: ((المراد أنّ الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل (١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٧٨/٤ ولسان العرب ١٨٦/١٥. (٢) معجم مقاييس اللغة ٩٩/٥. (٣) الصححاح للجوهري ٦/ ٢٤٦٣. (٤) الصحاح للجوهري ٧٨٦/٢ ومعجم مقاييس اللغة ٦٢/٥ وتاج العروس ٤٨١/٣. (٥) القاموس المحيط ٣/ ٥٩١. (٦) عقيدة السفاريني ٣٤٨/١. (٧) العقيدة الواسطية ص ٢١ وشفاء العليل ص ٢٩. ٩١ إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته))(١). وكل هذه التعريفات متقاربة فيما بينها، وهي تفيد أنّ القدر يشمل أمرين: أ - علم الله الأزلي الذي حكم فيه بوجود ما شاء أن يوجده، وحدد صفات المخلوقات التي يريد إيجادها، وقد كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ بكلماته، فالأرض والسماء أحجامهما وأبعادهما، وطريقة تكوينهما وما بينهما وما فيهما كل ذلك مدون علمه في اللوح المحفوظ تدويناً دقيقاً وافياً. ب - إيجاد ما قدّر الله إيجاده على النحو الذي سبق علمه وجرى به قلمه، فيأتي الواقع المشهود مطابقاً للعلم السابق المكتوب. ((والقدر يطلق ويراد به التقدير السابق لما في علم الله، ويطلق ويراد ما خلقه وأوجده على النحو الذي علمه))(٢). وقال الربيع بن سليمان: كنت جالساً عند الشافعي وذكر القدر فأنشأ يقول: ما شئتَ كان وإنْ لم أشأ وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكن ففي العلم يجري الفتى والمسن خلقتَ العباد على ما علمتَ وهذا أعنتَ وذا لم تُعِنْ على ذا مننتَ وهذا خذلتَ فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن))(٣) وقد فرّق العلماء بين القضاء والقدر: أولاً: قال ابن حجر: ((قال العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله))(٤) وقال أيضاً: ((القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك (١) فتح الباري ١١٨/١ . (٢) القضاء والقدر لعمر الأشقر ص ٢٦. (٣) طبقات الشافعية الكبرى ٢٩٥/١ ومناقب الشافعي ص ٧٥ وشرح اعتقاد أهل السنة ٧٠٢/٤. (٤) فتح الباري ١١/ ٤٨٦ . ٩٢ الكليات على سبيل التفصيل))(١). ثانياً: أنّ القدر: ((هو التقدير، والقضاء: هو الخلق. قال ابن بطّال: ((القضاء: هو المقضي)) (٢)، ومراده بالمقضي، المخلوق)). وهذا ما قاله الخطّابي: ((القدر: اسم لما صار مُقَدّراً عن فعل القادر، كالهدم والنشر والقبض: أسماء لما صدر من فعل الهادم والناشر والقابض، والقضاء في هذا: معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَنْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنٍ﴾(٣) أي: ((خلقهن))(٤). ((وبناء على هذا القول يكون القضاء من الله تعالى أخص من القدر، لأنه الفصل بين التقديرين، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع))(٥). فالقضاء والقدر ((أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه، وإنما كان موضع الحجة لآدم عليه السلام على موسى عليه السلام أنّ الله سبحانه كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة، ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك))(٦). ٢ - مراتب الإيمان بالقضاء والقدر أ - أنواع مراتب القدر: الإيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب، من آمن وأقر بها جميعاً، فإن إيمانه يكون كاملاً، ومن انتقص واحدة منها أو أكثر فقد اختل إيمانه. ((المرتبة الأولى: علم الله تعالى ما الخلق عاملون بعلمه القديم. المرتبة الثانية: كتابة الله مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ. (١) فتح الباري ١١/ ١٥٣. (٢) فتح الباري ١١/ ١٥٣ . (٣) سورة فصلت، الآية ١٢ . (٤) معالم السنن للخطابي ٧/ ٧٠ . (٥) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص ٤٠٦. (٦) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٧٨/٤ وجامع الأصول ١٠٤/١٠ - ١٠٥. ٩٣ المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة وقدرته التامة، بأنّ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ليس في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته، ولا يكون في ملكه إلا ما يريده. المرتبة الرابعة: الخلق والتكوين، فالله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد كما دلت على ذلك النصوص)) (١). أولاً: أدلة المرتبة الأولى: يجب الإيمان بعلم الله الشامل والمحيط بكل شيء، وأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وأنه علم أرزاق المخلوقين وآجالهم وجميع حركاتهم وسكناتهم، وأنه علم من سيدخل الجنة، ومن سيدخل النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلِمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ آلْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكِسِبُ غَدَّا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيْرٌ (٨)﴾(٢). وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ عَلِمُ اُلْغَيْبٍ وَالشَّهَدَةِ﴾ (٣). وقال: ﴿لِنَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ (٤) عِلْمًا الشَّ ١٢ وعن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال رجل: يا رسول الله أَعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: ((نعم))، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: ((كلِّ ميسرٌ لما خُلِقَ له))(٥). وعن علي رضي الله عنه قال: كنا قعوداً حول النبي وص لته، وهو ينكت في الأرض ثم رفع رأسه فقال: ((ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة أو مقعده من النار)). قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل، قال: ((اعملوا فكل ميسر لما خُلِقَ له)) (٦). (١) العقيدة الواسطية ص ٢١ وشفاء العليل ص ٢٩. (٢) سورة لقمان، الآية ٣٤. (٣) سورة الحشر، الآية ٢٢. (٤) سورة الطلاق، الآية ١٢ . (٥) الحديث (٩٠) من كتاب القضاء والقدر للإمام البيهقي الذي نحققه وأخرجه مسلم في كتاب القدر رقم ٢٦٤٩ . (٦) الحديث (٣٣) من كتاب القضاء والقدر للإمام البيهقي الذي نحققه وأخرجه البخاري ٤٩٤٥. ٩٤ (ج)(١) إلى آخر الآية. ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى (٢) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ الدليل العقلي: قال الإمام الطحاوي: ((أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل، ولأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد، هو العلم بالمراد فكان الإيجاد مستلزماً للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم. ولأن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها، لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم ولأن من المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالماً، وهذا له طريقان: أحدهما: أن يقال نحن نعلم بالضرورة أنّ الخالق أكمل من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنّا لو فرضنا شيئين: أحدهما عالم والآخر غير عالم، كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالماً لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع. الثاني: أن يقال كل علم في الممكنات، التي هي المخلوقات فهو منه، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عارياً منه بل هو أحق به، والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقات، لا في قياس تمثيلي، ولا في قياس شمولي، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق به أحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه أولى))(٢). وكل هذه الأدلة يمكنك أن تلمحها في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ 61 (٣) ١٤ اْخِيرُ! ويستدل على علمه تبارك وتعالى بإخباره بالأشياء والأحداث قبل وقوعها (١) سورة الليل، الآية ٥ و٦ . (٢) العقيدة الطحاوية ص ١٤٨ . (٣) سورة الملك، الآية ١٤. ٩٥ وحدوثها، فقد أخبرنا جلّ وعلا في الكتب السماوية السابقة عن بعثه رسولنا الكريم وَل وعن صفاته، وأخلاقه وعلاماته، فقد جاء على لسان عيسى عليه السلام: (سيأتي من بعدي الفاراقليط، ويأتي وصفه: يملأ الأرض نوراً وعدلاً))(١). كما أنّ المولى أخبر في محكم كتابه أن الروم سينتصرون في بضع سنين على الفرس، وقد تحقق هذا الأمر ووقع كما أخبر، ولقد ورد في الكتاب والسنة الإخبار عن الكثير من المغيبات المستقبلة، وتحقق وقوعها دليل على علمه السابق في الأزل. ثانياً: أدلة المرتبة الثانية: إن النصوص في الكتاب والسنة تدل أنّ الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، ولم يفرّط فيه من شيء. قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَكٍ﴾(٢). وقال: ﴿ وَمَا مِنْ غَآِقٍ فِ جَ﴾(٣). السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلََّّ فِ كِنَبٍ مُبِينٍ ! وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء))(٤). وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله بَ له: ((إنّ أول ما خلق الله خلق القلم فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب يا رب. قال: القدر، قال: فجرى في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلى الأبد))(٥). ثالثاً: أدلة المرتبة الثالثة: أدلة الكتاب والسنة متوافرة بأن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله تعالى، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، قال الله تعالى: (١) التوحيد لمحمد قطب ص ١١٥ - ١١٦. (٢) سورة الحج، الآية ٧٠. (٣) سورة النمل، الآية ٧٥. (٤) رقم الحديث في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا (٨٩) ورقمه في صحيح مسلم ٢٦٥٣. (٥) رقم الحديث في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا (٣٩٦) ورقمه في سنن الترمذي ٢١٥٥. ٩٦ ﴾(١). وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَدَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ◌َجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِنْ لِّيَبْلُوَكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾(٢) . وعن أبي موسى قال: كان رسول الله وَّ﴿ إذا أتاه، وربما قال: جاءه سائل أو صاحب الحاجة قال: ((اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء))(٣). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه سمع رسول الله وَله يقول: ((إنّ قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله وَية: ((اللهم مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك)) (٤). رابعاً: أدلة المرتبة الرابعة: وهي مرتبة الخلق، فالله جَلّت أسماؤه خالق كل شيء، وأفعال العباد مخلوقة ومقدرة، وهذه المرتبة محل خلاف كبير وطويل بين أهل السنة والجماعة ومن خالفهم من فرق المعتزلة القدرية، والجبرية . قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾(٥). وقال قاصاً وحاكياً عن سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ (٢٥) وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (﴾﴾﴾(٦)، ((أي خلقكم وعملكم، فتكون (ما) مصدرية، وقيل: إنّها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم وهو الأصنام))(٧) . وعن حذيفة قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله خلق كل صانع وصنعته))(٨). وعن المغيرة بن شعبة أنّ رسول الله وَ ل كان يقول في دبر صلاته إذا سلّم: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع (١) سورة يس، الآية ٨٢. (٢) سورة المائدة، الآية ٤٨ . (٣) رقم الحديث (٢٢٠) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وهو متفق عليه. (٤) رقم الحديث (٢٤٢) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا أخرجه مسلم ٢٦٥٤ . (٥) سورة الزمر، الآية ٦٢ . (٦) سورة الصافات، الآية ٩٥ - ٩٦. (٧) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ٧/ ٧٠. (٨) رقم الحديث (٩١) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ص ١٥٨ . ٩٧ لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ))(١). فالمعطي والمانع هو الله، فهو الفاعل لهما حقيقة، وهذا يدل على أنّه الخالق، وقوله: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد))، قال النووي: ((الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنّه بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان. وفيه نسبة الأفعال إلى الله والمنع والإعطاء وتمام القدرة))(٢). ب - أنواع المقادير: المقادير أربعة: وتقع ضمن المرتبة الثانية. وهي كتابة الله المقادير العامة للخلائق، وترجع كلها إلى علم الله الشامل لكل شيء. أولاً: التقدير الأول: وهو التقدير العام لجميع الأشياء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة عندما خلق القلم وأمره بالكتابة لما هو كائن إلى يوم القيامة، وهو التقدير الأزلي. قال الله تعالى: ﴿مَّآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتٍَ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَاهَاً ﴾(٣). وما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء))(٤). ثانياً: التقدير الثاني: التقدير العمري، وهو ما يجري على الإنسان من بداية حياته عند تخليق النطفة إلى ما بعد ذلك، وهو عام للرزق والعمل والسعادة والشقاوة. روى عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله وَليل وهو الصادق المصدوق: ((إنّ أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالله إنّ أحدكم يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا (١) ورد الحديث في الرقم (٢١٨) و(٢٣٨) في كتاب القضاء والقدر للبيهقي موضوع تحقيقنا وهو متفق عليه . (٢) فتح الباري ٣٨٧/٢. (٣) سورة الحديد، الآية ٢٢. (٤) سبق تخريج الحديث ص ٩٦ . ٩٨ ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإنّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)) (١). وهذا التقدير بحسب الخصوص مما هو في اللوح المحفوظ. ثالثاً: التقدير الثالث: التقدير السنوي ويكون في ليلة القدر من كلٍ عام، ومصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿ أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾﴾(٢). فقد ذكر المفسرون أنه يكتب في هذه الليلة كل ما سيكون في العام من الخير والشر والأرزاق والآجال وغير ذلك، إفراداً لحوادث السنة كلها مما سبق كتابته في اللوح المحفوظ ومما أثبت فيما يخص الإنسان في تقديره العمري والله تعالى أعلم. رابعاً: التقدير الرابع: التقدير اليومي وهو لما يحصل في اليوم من الحوادث المقدرة من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب. قال تعالى: ﴿كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ ﴾﴾ (٣). أي مما هو من شأنه تعالى في خلقه. وهذا التقدير وما سبقه من التقدير السنوي والعمري هو تفصيل من القدر الأزلي. ٣ - القول في القدر في الأديان والنحل القديمة أ) المجوس: وهم الذين يقولون بأصلين مدبّرين يقتسمان الخير، والشر، والنفع، والضر، أحدهما النور والآخر الظلمة قالوا: ((القدر من الإنسان خيره وشره، فالإنسان هو الخالق والمحدث لأفعاله بدون قدرة الله))(٤) . ب) الدهرية: وهي طائفة من الأمم السابقة أنكروا وجود الصانع المدبر العالم، القادر، وقالوا: ((إن العالم وجد هكذا بنفسه بدون صانع ولم يزل موجوداً، فالحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، هكذا كان وكذلك يكون (١) الحديث أورده البيهقي في كتابه القضاء والقدر موضوع تحقيقنا مرتين بالرقم ٥٩ والرقم ٧٦، وهو متفق عليه. (٢) سورة الدخان، الآية ٤ و٥. (٣) سورة الرحمن، الآية ٢٩. (٤) الملل والنحل الشهرستاني بتصرف ٢٣٣/١ . ٩٩ أبداً))(١)، وجعلوا الدهر هو المبدأ الأسمى، وجعلوا الدهر عين القدر، أو الفلك الأعظم، أو حركة الأفلاك. ج) الصابئة: ((ويعتقدون أن للعالم خالقاً وصانعاً، فاطراً، حكيماً، مقدساً، وأنّ الإنسان عاجز إلى عظمة هذا الصانع، وللوصول إليه يتم ذلك بالوسطاء والمقربين إليه وهم ((الملائكة)) الذين يفيضون على الموجودات السفلية، ومنها مدبرات الكواكب السبع السيارة في أفلاكها وهي هياكلها، ونسبة الروحاني من الملائكة إلى ذلك الهيكل كنسبة الروح إلى الجسد فهو ربه ومدبره، وبناءً على ذلك فهم يعبدون الكواكب، لأن الملائكة تتمثل فيها، وهم ينكرون طاعة الأنبياء ويصلون ثلاث صلوات ومركزهم في حران، العراق))(٢). والصابئة تقول بالجبر، وقد أثّرت معتقداتها وأفكارها كثيراً على ((الجعد بن درهم)) من المتكلمين القائلين بالجبر. د) الزرادشتية: ((أصحاب ((زرادشت بن بورشب)) الذي ظهر في زمان ((كشتاسف بن لهراسب)» الملك وأبوه كان من أذربيجان وأمه من الري، وبعث زرادشت نبياً، فبعثه الله إلى الخلق فدعا كشتاسف الملك، فأجابه إلى دينه، وكان دينه عبادة الله والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الخبائث، وقال: النور والظلمة أصلان متضادان وهما مبدأ موجودات العالم، وحصلت التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة، والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما، وهو واحد لا شريك له ولا ضد ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة . لكن الخير والشر، والصلاح والفساد، والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم يمتزجا لما كان وجود للعالم، وهما يتقاومان ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة، والخير الشرّ، ثم يتخلص الخير إلى عالمه، والشر ينحط إلى عالمه، وذلك هو سبب الخلاص. والباري تعالى هو مزجهما وخلطهما لحكمة (١) المنقذ من الضلال ص ٩٤ . (٢) الملل والنحل للشهرستاني بتصرف ٥/٢ وما بعدها. ١٠٠