Indexed OCR Text

Pages 21-40

التشتت والانقسام صفة جلية وبارزة. فالأمويون في الأندلس ينازعهم العلويون من
ذرية إدريس بن عبد الله، فكانت البلاد في اضطراب لا يقل عما كان في المشرق
ویزید علیه))(١).
أما إفريقيا ومصر والشام: فقد تعاقب عليها الأمراء الفاطميون.
ونخلص من ذلك إلى القول بأن عصر الإمام البيهقي اتّسم بكثرة الدويلات
الإسلامية المتناحرة والمتصارعة، لفقدان السلطة المركزية من الخليفة وتفشي الفساد
السياسي وكثرة القتل والنهب والسلب وترويع الناس، الأمر الذي أقلق العلماء وأقضّ
مضاجعهم ومنهم الإمام الحافظ البيهقي.
(١) تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ٤٠٠/٢ .
٢١

المبحث الثاني
الناحية الاجتماعية
تتأثر الناحية الاجتماعية تأثراً كبيراً وبالغاً بالناحية السياسية. ونتيجة لسوء الحالة
السياسية وانعدام السلطة المركزية وتفشي النزاعات والخلافات بين الأمراء وكثرة
الحروب الداخلية والخارجية، واشتداد الخلاف بين أهل السنة والشيعة.
((ونتيجة حتمية لهذه الأوضاع المتردية انتشرت الأمراض في الكثير من الأقاليم،
ونزلت أوبئة عظيمة مات بسببها الكثير من الناس مما لا يحصى عددهم في بغداد
والأهواز وبخارى وأذربيجان، بحيث خلت أكثر الدور وسدت على أهلها أبوابها بما
فيها، وأهلها موتى فيها، ثم صار المار في الطريق لا يلقى الواحد بعد الواحد، وأكل
الناس الجيف والنتن من قلة الطعام، ووجد مع امرأة فخذ كلب قد اخضر، وشوى
رجل صبية في الأتون وأكلها، وقيل إن طائراً سقط من حائط ميتاً فاحتوشته خمسة
أنفس فاقتسموه وأكلوه، وورد كتاب من بخارى أنه مات في يوم واحد ثمانية عشر
ألف إنسان، ومات خلق كثير وآلاف كثيرة في غيرها، حتى أصبح الناس يمرون في
هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقاً فارغة وطرقات خالية، وأبواباً مغلقة، ووحشة، وعدم
أنس، حكاه ابن الجوزي، قال وجاء الخبر من أذربيجان وتلك البلاد بالوباء العظيم،
وأنه لم يسلم من ذلك إلا العدد اليسير من الناس، قال: ووقع الوباء بالأهواز وبواط
وأعمالها وغيرها. حتى طبق البلاد، وكان أكثر سبب ذلك الجوع، كان الفقراء
يشوون الكلاب وينبشون القبور ويشوون الموتى ويأكلونهم، وليس للناس شغل في
الليل والنهار إلا غسل الأموات وتجهيزهم ودفنهم، فكان يحفر الحفير فيدفن فيه
العشرون والثلاثون، وتاب الناس وتصدقوا بأكثر أموالهم فلم يجدوا أحداً يقبل منهم،
٢٢

وكان الفقير تعرض عليه الدنانير الكثيرة والثياب فيقول: أنا أريد كسرة أريد ما يسد
جوعي، فلا يجد ذلك، وأراق الناس الخمور وكسروا آلات اللهو، ولزموا المساجد
للعبادة وقراءة القرآن، وقلّ دار يكون فيها خمر إلا مات أهلها كلهم)) (١).
((ومما زاد في تردي الحالة الاجتماعية حدوث الزلازل والكوارث الطبيعية، فقد
حدث زلزال عظيم في خوزستان عام ٤٤٤ هـ وخراسان وكان أشده بمدينة بيهق ((بلد
الإمام البيهقي)) مما تسبب في خراب سورها ومساجدها))(٢).
ونخلص من كل ما سبق الوضع الاجتماعي المتدهور الذي عاشه الناس في
ذلك العصر، فهي فترة عصيبة وقاسية على الأمة الإسلامية، وذلك لانعدام السلطة
المركزية، وكثرة الفتن والمنازعات، بالإضافة إلى انتشار الأمراض والكوارث الطبيعية
التي انعكست أحداثها الرهيبة على الوضع الاجتماعي الذي وصل إلى مثل ما وصلت
إليه من انحطاط رهيب يشيب لهوله الولدان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(١) البداية والنهاية ١٢ / ٧٠ و٧١.
(٢) الكامل ٩ / ٥٩١.
٢٣

المبحث الثالث
الناحية العلمية
إنّ سوء الحالتين السياسية والاجتماعية لم يكن له أي تأثير سلبي على الناحية
العلمية، فقد كانت تلك الحقبة من الزمن من أزهى عصور الإسلام حيث توافر فيها
عدد ضخم من رواد العلم والمعرفة.
ففي هذه الفترة كان وعاش أئمة المحدثين، وجهابذة المفسرين، وأساطين
الأدباء، ومشاهير الفلاسفة، وأرباب الكلام فقد بلغت الثقافة أوجها، وبلغ التأليف
ذروته، ونحن نعيش اليوم آثار تلك النهضة العلمية الجبارة، وما وصل إلينا من تراثهم
الوفير إنما هو غيض من فيض، فقد قدّموا آلاف الكتب والمجلدات في كل فن،
ولكن الحروب الدامية التي أزهقت نفوس الكثير من البشر امتد أوارها إلى الكثير من
مكتبات العالم الإسلامي الزاخرة بشتى العلوم والفنون، وشاهد على ذلك نكبة بغداد
عند دخول التتار وحرق الكثير من مكتباتها التي كانت تزخر بنفائس ودرر العلوم
والفنون التي جادت بها قرائح علمائنا وسلفنا الماجد.
وقد أنشئت المدارس المستقلة عن المسجد لأول مرة في هذا العصر، يقول
المقريزي: ((والمدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زمن الصحابة ولا
التابعين، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سني الهجرة، وأول من حفظ عنه أنه
بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبنيت بها المدرسة البيهقية، وبنى بها الأمير
نصر بن سبكتكين المدرسة السعدية، وبنى بها أخو السلطان محمود بن سبكتكين
مدرسة لمّا كان والياً على نيسابور))(١)، ((ومدرسة ثالثة بنيسابور بناها أبو سعد
٤
(١) الخطط والآثار للمقريزي ٣/ ٣١٤، ٣٦٣/٢.
٢٤

إسماعيل بن علي بن المثنى الاستراباذي، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضاً بنيت للأستاذ:
أبي إسحاق الإسفرائيني)»(١).
((كما قام الوزير نظام الملك: الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي ببناء مدارس
جديدة: مدرسة ببغداد، ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بهراة، ومدرسة
بأصبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بأمل طبرستان، ومدرسة
بالموصل، وكان أشهر هذه المدارس مدرسة نيسابور التي كان يدرس بها إمام
الحرمين الجويني، وهذه المدارس تعرف بالمدارس النظامية))(٢).
ومما تقدم يظهر لنا جلياً أنّ مدينة نيسابور كانت المهد الأول لهذه المدارس
حتى أصبحت تضاهي مدينة بغداد بازدهار العلم فيها وارتحال العلماء وطلبة العلم
إليها في ذلك العصر.
يقول السبكي في طبقاته: ((وقد بلغت العناية بالعلم وطلابه إلى حد أن كثيراً من
أهل الفضل كانوا ينفقون على الطلاب من مالهم الخاص، ويقفون عليهم كتبهم، كما
حدث من أبي بكر البستي الذي بنى مدرسة لطلاب العلم على باب داره، وأوقف
عليها جملة من ماله الوفير، وهذا الرجل كان من كبار المدرسين والمناظرين
بنيسابور))(٣) .
ونخلص بالقول أن هذا العصر امتاز بتقدم الحركة العلمية التي بلغت أرقى
درجاتها، وأن هذا العصر هو الذي بدأ فيه إنشاء المدارس مستقلة عن المساجد، وأنّ
هذه المنطقة التي عاش فيها البيهقي كانت غنية بأعلام العلماء. يقول الإمام الحافظ
الذهبي: ((أن الخطيب البغدادي أراد الرحلة إلى ابن النحاس في مصر فاستشار
البرقاني في ذلك، فقا له: إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، فإن فاتك
ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة فخرج إلى نيسابور))(٤).
(١) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣١٤/٤.
(٢) المصدر السابق ٣١٤/٤ .
(٣) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٤/ ٨٠.
(٤) تذكرة الحفاظ ١١٣٧/٣.
٢٥

ويقول المقدسي عن أهل خراسان: ((إنّهم أشد الناس فقهاً، وهم أكبر الأقاليم
علماً)) (١).
.
ومما تقدم يتبين لنا أنّ إمامنا الحافظ البيهقي عاش وعاصر حقبة ازدهرت فيها
العلوم وانتشرت فيها المدارس، فاقترن اسمه بهذه النهضة العلمية الجبارة حيث شارك
وساهم فيها مساهمة إيجابية وأثّر فيها تأثيراً كبيراً عالماً ومتعلماً، تغمده الله برحمته
وأحسن إليه المثوبة .
(١) أحسن التقاسيم ص ٢٩٤.
٢٦

المبحث الرابع
الناحية الاقتصادية
لقد ساءت الحالة الاقتصادية وتردت إلى أدنى مستوى، فبدلاً من أن يعتني
الحكام بالموارد الشرعية للدولة وتوزيع نتاجها توزيعاً عادلاً بين الناس، ((نراهم
يسلكون طرقاً غير سليمة لجمع المال، فالغنائم الحاصلة من الحروب فيما بينهم
كانت تشكل أهم الموارد لخزينة الدولة، كما أن أموال الناس التي كانت تصادر لأتفه
الأسباب كانت تشكل مورداً آخر))(١).
((وبيوت الحكام كانت تتعرض في بعض الأحيان للنهب والسلب من قبل
جنودهم الخارجين عليهم)) (٢). ((فإذا كان الحكّام أنفسهم يتطلعون لما في أيدي
الآخرين ويتحينون الفرص لضمه لما في أيديهم، وإذا كانت منازلهم قد تعرضت
للسلب والنهب فكيف لنا أن نتصور المجتمع الذي يحكمونه بمساعدة أولئك الجند
فكانوا إذا غضبوا على حاكمهم تمردوا عليه ونهبوا أمواله، ثم التفتوا إلى أموال
الناس فنهبوها، وقتلوا من يقف في طريقهم ، كما حدث في سنة سبع عشرة
وأربعمائة))(٣).
إنّ حالة كهذه تؤكد لنا المعاناة التي كان يعيشها الناس، فضعف السلطان كان
سبباً لشيوع شريعة الغاب بين الناس في ذلك العصر حين استفحل أمر اللصوص
فأغاروا على المنازل في وضح النهار، حتى إذا لم يجدوا شيئاً مما يريدون في المنزل
(١) الكامل لابن الأثير ٧/ ١٨٢، ٢٠٦.
(٢) المصدر السابق ٢/٨، وشذرات الذهب ٢٠٤/٣.
(٣) المصدر السابق ٣٢٥/٧.
٢٧

الذي أغاروا عليه أخذوا صاحبه، وتفننوا في تعذيبه حتى يرشدهم إلى المكان الذي
أخفى فيه ماله إن كان له مال «كما حدث من جماعة العيّارين ببغداد)»(١).
((وقد صاحب هذه الحوادث المروّعة غلاء شديد في المعيشة، فقد اشتد الغلاء
بخراسان جميعها وعدم القوت، فكان الإنسان يصيح: الخبز، الخبز ويموت))(٢).
وهذا مما يدل على سوء الحالة الاقتصادية، وتردي الحالة الاجتماعية وتفشي
السلب والنهب وقلة ما في أيدي الناس، وشيوع اللصوصية والاعتداء على أموال
الآخرین .
ومن أشهر الحاصلات الزراعية في ذلك العصر، ((الحنطة في خوزستان
وكرمان، والأرز في خوزستان ومازندران، وكانت بلخ تزرع الكروم، وكثرت زراعة
قصب السكر وخاصة في بعض بلاد الأفغان وخوزستان، ويزرع في أصبهان السفرجل
والكمثرى والتفاح))(٣).
أما الصناعات ((فقد اشتهرت مدينة كازرون بفارس بصناعة النسيج حتى سميت
دمياط الأعاجم، كما كان لصناعة القطن في شرق البلاد الإسلامية مركز ممتاز في
صناعة الكتان، حتى قال الثعالبي: إن القطن لخراسان والكتان لمصر، وانتقلت زراعة
القطن وصناعته من الهند إلى خراسان وفارس أولاً، ثم انتقلت بعد ذلك بزمن طويل
إلى الأقاليم الغربية للدولة الإسلامية. واشتهرت مدينة كابل في هذا العصر بنسيج
القطن الذي كانت تصدره إلى الصين، كما اشتهرت بلاد ما وراء النهر بزراعة القطن
وصناعته. وقد اشتهرت مرو بإقليم خراسان بصناعة الإبريسم واشتهرت فارس وبلاد
ما وراء النهر بصناعة الملابس والفرش الصوفية، وكان للبسط الفارسية التي تصنع في
أصبهان خاصة المكانة الأولى، ومما ذكره الجاحظ نرى أن خير الأكسية من الصوف
هي المصرية ثم الخوزية نسبة إلى خوزستان الفارسية. واشتهرت سابور والكوفة
وجور جنوبي فارس بصناعة الروائح العطرية المستخرجة من البنفسج والنرجس
(١) شذرات الذهب ٢٠٤/٣.
(٢) الكامل ٣٢٣/٧، ٢٥٥.
(٣) تاريخ الإسلامي السياسي ٣٢١/٣.
٢٨

والزنبق والنارنج. واختصت مدينة جور باستخراج ماء الورد الذي كان يحمل إلى
الصين والهند واليمن ومصر والمغرب والأندلس.
واشتهرت سمرقند بصناعة الكاغد، حتى قيل إن كواغد سمرقند عطلت قراطيس
مصر وحافظت سمرقند على شهرتها في هذه الصناعة. وقد قال ابن الفقيه الهمداني
عن شهرة فارس في صناعة الحديد وغيره: لقد ألان الله عز وجل لهؤلاء القوم الحديد
وسخره لهم حتى عملوا منه ما أرادوا، فهم أحذق الأمة بالجوامع والأقفال والمرايا
وتطبيع السيوف والدروع والجواشن، ولهم الثياب الجبائية والسلينيزية، ولهم الماورد
الجوري، والطين السيرافي، والأكسية الفسوية، والأدهان السابورية والثياب
الكازرونية)»(١) .
كما أن تجارة المسلمين كان لها مكانة عالمية وكانت الإسكندرية وبغداد مقياساً
الأسعار البضائع العالمية ومن أشهر طرق التجارة من الغرب إلى الشرق عن طريق
مصر، ويقوم بها غالباً اليهود الذين كانوا من أكبر المنافسين لتجار المسلمين من
فارس والعراق. وكان لهم بمدينة أصبهان حي يسمى اليهودية. كما كان معظم تجار
مدينة تستر بخوزستان من اليهود الذين كانوا يشرفون أيضاً على تجارة اللؤلؤ الذي
يستخرج من خليج فارس. وكان هؤلاء التجار يفدون من مقاطعة بروفانس بفرنسا.
ومن طرق التجارة التي اشتهرت في ذلك العصر أيضاً: من بلاد الروس الشمالية إلى
المشرق عن طريق بحر قزوين، ثم إلى مرو فبلغ وبخارى وسمرقند ببلاد ما وراء
النهر ومنها إلى الصين، ويحمل هؤلاء التجار معهم جلود الخز وجلود الثعالب
والسيوف والشمع والعسل. وكان المسلمون يعاملونهم معاملة طيبة ويأخذون منهم
الجزية باعتبارهم مسيحيين. ومما جعل لهذه الطريق أهمية تجارية اعتناق أهل الفلجا
الإسلام في أوائل القرن الرابع الهجري، وجهود السامانيين الذين عملوا على إقرار
الأمن في خراسان وبلاد ما وراء النهر، حتى أنّ قوافل التجار كانت تسير في أمن
ودعة. أضف إلى ذلك زواج ولد نصر أحمد الساماني من ابنة ملك الصين وما
كان لذلك من أثر في رواج التجارة بين الصين وبلاد السامانيين، وينبغي ألا ننسى
(١) المصدر السابق بتصرف ٣٢٢/٣ - ٣٢٥.
٢٩

فتوح محمود الغزنوي ٤٢٢/٣٨٨ هـ في بلاد الهند وما كان لها من أثر في رواج
التجارة .
ويرجع معظم النقود الإسلامية التي اكتشفت في شمال أوروبا إلى القرن الرابع
الهجري وكان أكثرها من نقود السامانيين. ولا غرو فقد أصبحت بلاد الروس منذ
ذلك الحين طريقاً هاماً بين شمال أوروبا وبلاد الشرق.
٣٠
%

المبحث الخامس
الناحية الدينية
زخر العصر العباسي الثاني بكثير من الحركات السياسية والدينية التي كان لها
أثر بعيد في تاريخ هذا العصر. فقد قام الشيعيون بحركات ثورية كان من أثرها انتزاع
كثير من بلاد الدولة العباسية، وانتشار المبادىء الشيعية، وخاصة مبادىء الإسماعيلية
بين القرامطة في سواد الكوفة، وفي البحرين، وفي شمال العراق، وفي بلاد اليمن
على يد ابن حوشب وخلفائه من الصليحيين خاصة.
ولم تخل بلاد فارس من دعاة الإسماعيلية في هذا العصر، وتكللت جهود
الإسماعيلية بقيام الدولة الفاطمية في بلاد المغرب ثم في مصر، وامتداد رقعتها إلى
فلسطين والشام، وإلى بلاد الحجاز وغيرها، وخطب للفاطميين في الموصل وبغداد
حيناً من الدهر.
وظهر كذلك في هذا العصر كثير من الحركات السياسية والدينية على أيدي
الخوارج والزنج. وعلى الرغم من أنّ العباسيين استطاعوا أن يقضوا على هذه
الحركات، إلا أنها شغلت الدولة العباسية وكلفتها كثيراً من الدماء والأموال، أضف
إلى ذلك حركات المعتزلة الذين انتعش مذهبهم حيناً من الدهر، وتأثروا بالفلسفة
الإغريقية كما تأثر بها إخوان الصفا مؤلفو الرسائل الفلسفية المشهورة.
((وذاع مذهب السنة بظهور أبي الحسن الأشعري وحجة الإسلام الغزالي،
وتطورت آراء المتصوفين، فظهر منهم المعتدلون والغلاة))(١).
(١) تاريخ الإسلام ١٩٢/٣.
٣١

انتشرت الدعوة الإسماعيلية في فارس وكان من أكبر دعاتها أبو حاتم الرازي،
ومن أشهر دعاتها أيضاً محمد بن أحمد النسفي الذي عمل على جذب أمير خراسان
وما وراء النهر وأدخله في الدعوة الإسماعيلية، ولكن نوح بن نصر الساماني عمل
على القضاء على المذهب الإسماعيلي في بلاده.
وقد عمل العباسيون جاهدين لوقف انتشار المذهب الفاطمي والقضاء عليه،
((وساعدهم في ذلك بنو بويه رغم تمسكهم بعقائد المذهب الإسماعيلي مذهب
الفاطميين وذلك حتى لا يتعرض سلطانهم للخطر في العراق، وهذا يعلل مساعدة
البويهيين للقرامطة في حروبهم مع الفاطميين، وقد حاول العزيز الفاطمي أن يجذب
إليه البویهیین .
على أن سياسة المودة قد تبدلت في أواخر عهد عضد الدولة الذي توجس خيفة
من ناحية الفاطميين، فجمع مجلساً حضره العلويون الذين أقروا بطلان نسب
الفاطميين. ويعتبر هذا العمل بدء تدوين المحاضر العباسية التي عقدت ببغداد في
القرن الخامس الهجري وأنكر فيها نسب الفاطميين إلى علي وفاطمة، وقد هال
العباسيين إقامة الخطبة للحاكم الفاطمي في بلاد الموصل.
ونلاحظ تطوراً واضحاً في سياسة البوهيين نحو الفاطميين منذ عهد أبي كاليجار
٤٤٠/٤٣٥ هـ، الذي تقرب إلى الفاطميين لإلقاء الرعب في قلوب العباسيين، وذلك
بتأثير المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي داعي المستنصر الفاطمي في فارس الذي
عمل على مساعدة البساسيري حين خرج على الخليفة العباسي القائم وأقام الخطبة
الخليفة الفاطمي على منابر بغداد نحواً من سنة)) (١). وفي سنة ٤٠٨ هـ جهر حمزة بن
علي بألوهية الحاكم وصنف كتاباً ذكر فيه أن روح الله سبحانه وتعالى حلّت في آدم
عليه السلام، ثم انتقلت إلى علي بن أبي طالب، وأن روح علي انتقلت إلى العزيز،
ثم إلى ابنه الحاكم، الذي أصبح في نظرهم إلهاً عن طريق الحلول، كما يعتبر
حمزة بن علي المؤسس الحقيقي لمذهب الدرزية .
(١) تاريخ الإسلام ج ٣، ص ٢٠١ - ٢٠٢ بتصرف.
٣٢

((تطور مذهب المعتزلة في العصر العباسي الثاني واتخذ شكلاً جديداً وانتشر
تحت تأثير فلسفة اليونان، كما انقسم بطبيعة الحال، إلى أقسام تتفق جميعها في نقط
معينة، فقد أجمع المعتزلة على اختلاف فرقهم على نفي الصفات الإلهية، وعارضوا
كل فكرة تتنافى مع وحدة الله، ولكي ينزهوا الله عن الظلم، اعترفوا للإنسان بالحرية
التامة في خلق أفعاله، وكان من تعاليمهم أنّ إدراك وسائل الخلاص وطرق النجاة إنما
ترجع إلى سلطان العقل))(١). وقد عالج معظم المعتزلة علم التوحيد بتوسع كثير،
بينما انساق آخرون وراء مناظراتهم وشغفهم بالجدل مما أبعدهم عن روح الإسلام
وتعاليمه. ((وكان بعضهم يعتقد بالتناسخ كفرقة الحمّارية الذين أخذوا ذلك من
أحمد بن خابط))(٢). ولقد تأثر المعتزلة تأثراً شديداً بالفلسفة الإغريقية وأجهدوا
أنفسهم أن يضيفوا إلى المعاني الإسلامية التي جاء بها الكتاب والسنة معاني جديدة
تعتمد على تقديم العقل على النقل. وقد نشأ الخلاف بين المعتزلة والفلسفة من
ناحية، وبين الدين من ناحية أخرى، واستمرت المعتزلة على قوتهم حتى ثار عليهم
أبو الحسن الأشعري فانفصل عن أستاذه الجبائي من المعتزلة وألّف مؤلفات كثيرة تردّ
على المعتزلة وعلى الملاحدة والرافضة وفرق الزيغ والضلال والفساد، فأحيا بذلك
مذهب أهل السنة والجماعة، وكاد يقضي على مذهب الاعتزال قضاء مبرماً، ثم تمّ
انتصار مذهب السنة على المعتزلة بظهور حجة الإسلام أبي حامد الغزالي الذي وجه
نشاطه وجهده في آخر سني حياته، بعد أن ردّ على الفلاسفة وقوّض بنيانهم، فأشاد
بمذهب أهل السنة والجماعة المؤيد بالأدلة النقلية من نصوص الكتاب والسنة، كما
كان لجهود الكثير من علماء هذا العصر الفضل ببيان مذهب أهل السنة والجماعة،
والذين كان منهم شيخنا وإمامنا الحافظ البيهقي، والذي أفنى حياته بالإشادة والدفاع
عن مذهب السلف وأهل السنة والجماعة رحمهم الله جميعاً ونفعنا بعلومهم.
(١) تاريخ الإسلام، ج ٣، ص ٢١٤.
(٢) الفَرْق بين الفِرَق ص ١٦٧ .
٣٣

الفصل الثاني
حياة الإمام الحافظ البيهقي
ويشتمل على :
أولاً : اسمه ونسبه.
: كنيته ولقبه.
ثانياً
: أسرته.
ثالثاً
رابعاً : مولده ووفاته.
خامساً : نشأته وحياته.
سادساً : رحلاته العلمية.
سابعاً : شيوخه.
ثامناً : تلاميذه.
تاسعاً : كتبه وآثاره.
عاشراً: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
٣٥

أولاً: اسمه ونسبه
((هو أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، وينسب إمامنا
إلى خسر وجرد))(١) وإلى ((بيهق))(٢) فيقال الخسر وجردي البيهقي، وقد ينسب إلى
((نيسابور))(٣).
ثانياً: كنيته ولقبه
أما كنيته فأبو بكر، ويلقب بالحافظ البيهقي، ((وانفرد حاجي خليفة بتلقيبه
بشمس الدين)» (٤) .
(١) طبقات الشافعية للسبكي ٤ /٩.
(٢) ناحية كثيرة البلدان من نواحي نيسابور تشتمل على ٣٢١ قرية أخرجت الكثير والعديد من
العلماء والفضلاء، معجم البلدان ١/ ٥٣٧ .
(٣) مدينة عظيمة ذات فضائل عظيمة وهي منبع العلماء فتحها المسلمون أيام عثمان، معجم البلدان
٣٣١/٥.
(٤) كشف الظنون ٥٣/١.
انظر ترجمة الإمام الحافظ البيهقي في المصادر التالية:
١ - سير أعلام النبلاء ١٦٣/١٨.
٢ - الكامل لابن الأثير ٥٢/١٠.
٣ - البداية والنهاية ١٢ / ٩٤.
٤ - النجوم الزاهرة ٨٧/٥.
٥ - الأنساب ٢/ ٤١٢ .
٦ - تبيين كذب المفتري ص ٢٦٥.
٧ - العبر ٣٠٨/٢.
٨ - المنتظم ٢٤٢/٨.
٣٧
=

ثالثاً: أسرته
إن نبوغ الحافظ البيهقي في شتى مجالات العلم يعطينا دلالة واضحة على أن
أسرته كانت تضع العلم في أوليات اهتماماتها، ولو أن المصادر لم تذكر شيئاً عن
حال أسرته وأبيه، ولعل أسرته كانت ميسورة الحال مما جعل ابنها يتفرغ للعلم وينتج
أفضل النتائج، ولو كان الفقر حاله فإنّ ذلك لن يثنيه عن طلب العلم لشغفه وتعلقه
به، شأن الأئمة الكبار من سلف هذه الأمة، وقد اهتم المؤرخون بذکر ابن له وحفيد
شاركا في حياته العلمية وتتلمذ على يديه وهما ابنه إسماعيل بن أحمد، وحفيده أبو
الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد.
٩ - مرآة الجنان ٢/ ٨٢.
=
١٠ - طبقات الشافعية للأسنوي ١٩٩/١ .
١١ - البيهقي وموقفه من الإلهيات ص ٣١.
١٢ - المدخل إلى السنن الكبرى ص ١٣.
١٣ - فضائل الأوقات ص ٢٢.
١٤ - شذرات الذهب !/ ٥٣.
١٥ - طبقات الشافعية للسبكي ٨/٤.
١٦ - اللباب ١/ ٢٠٢.
١٧ - تذكرة الحفاظ ١١٣٢/٣.
١٨ - وفيات الأعيان ١/ ٧٥.
١٩ - معجم البلدان ١/ ٥٣٧.
٢٠ - طبقات الحفاظ ص ٤٣٣.
٢١ - كشف الظنون ٩/١، ٥٣، ١٧٥.
٢٢ - دائرة المعارف الإسلامية ٤٢٠/٢.
٢٣ - الوافي بالوفيات ٦/ ٣٥٤.
٢٤ - الأعلام للزركلي ١١٣/١.
٣٨

رابعاً: مولده ووفاته
ولد الحافظ البيهقي رحمه الله ((بخسروجرد في شعبان سنة أربع وثمانين
وثلاثمائة)) (١) ((وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة للهجرة بنيسابور، ونقل إلى بيهق
في تابوت حيث دفن فيها))(٢) وانفرد ياقوت الحموي بأن وفاته كانت في ((سنة أربع
وخمسين وأربعمائة)»(٣)، وذلك بعد عمر مديد أفناه خادماً للعلم وطلابه، فكان منارة
علمية شامخة من منارات العلوم الإسلامية الخالدة.
خامساً: نشأته وحياته
لقد بدأ الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى بحفظ كتاب الله قبل بدئه بسماع
الحديث على عادة العلماء، ولا نملك دليلاً على ذلك، ((ويذكر المؤرخون أنّ أول
سماعه للحديث كان على مشايخ خراسان)) (٤)، ثم تنقل ورحل إلى أماكن شتى
ومختلفة طلباً للعلم وتزوداً منه.
سادساً: رحلاته العلمية
كان الصحابة لا يتركون المدينة المنورة في حياة الرسول وَلقر حباً بلقائه والأخذ
عنه، ولذلك لازم المكثرون من رواية الحديث المدينة المنورة حتى وفاته وصله. ولما
كان عهد الخلفاء الراشدين بدأ خروج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى
الأمصار الإسلامية المفتوحة ناشرين لدين الله وحاملين لحديث الرسول و الر. كما وأنّ
الصحابة لم يكونوا في درجة واحدة في التحمل والأخذ من رسول الله وص له. فقد كان
أحدهم يسمع ما لا يسمعه الآخر، كما يحفظ ما نسيه غيره، مما جعلهم أنفسهم
يرحلون في طلب الحديث وسماعه، أو للتثبت من حديث اختصّ بتحمله أحد
(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٣ والبداية والنهاية ١٢ / ٩٤ .
(٢) الكامل ١٠٤/٨، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٤٣٣، العبر ٣٠٨/٢، الأعلام ١١٣/١.
(٣) معجم البلدان ١/ ٥٣٨ .
(٤) خراسان بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق: أزاذوار، قصبة جوين وبيهق، وآخر
حدودها مما يلي الهند: طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان. معجم البلدان ٢/ ٣٥٠.
٣٩

الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعليه فكانت الرحلة في طلب العلم سنّة متبعة سلكها
علماء الحديث حتى إنّ أحدهم ليتكبد المشاق ويتحمل قطع المسافات الشاسعة في
الحر والبرد لسماع حدیث واحد بلغه عن غيره.
واستمر الأمر كذلك بل توسع في عهد التابعين وتابع التابعين، حيث كل واحد
يطمع في الحصول على أكبر قسط ممكن من أحاديث رسول الله وَله. ولا يتسنى له
ذلك إلا بالرحلات العلمية إلى الأقطار التي نزل الصحابة الكرام وأقاموا بها. وعامل
كبير ومهم من أسباب هذه الرحلات، هو طلب علو الإسناد، فكان بعض العلماء إذا
بلغه حديث عن صحابي يحرص على الرحلة إلى الصحابي نفسه الذي روى الحديث،
وإذا بلغه الحديث عن شخص بينه وبين الصحابي، والصحابي قد مات، فإنه يحرص
على الرحلة ليسمع من الرجل الذي سمعه من الصحابي مباشرة طلباً لعلو الإسناد.
وإمامنا الحافظ البيهقي حاز على الكثير من حديث الرسول المصطفى والقر،
بسبب رحلاته العلمية في شتى البلاد الإسلامية. ((فرحل رحمه الله إلى خراسان
وطوس وهمذان وطابران وبغداد والكوفة والحجاز وغيرها، كما وتكررت رحلاته إلى
بعض هذه المدن وغيرها طلباً لملاقاة الشيوخ والأخذ عنهم، وبعد هذه الرحلات
رجع إلى بلدته بيهق وانقطع فيها مقبلاً على الجمع والتأليف))(١). وقد أحصى الدكتور
((نجم عبد الرحمن خلف)) ((أكثر من ثماني عشرة رحلة التقى فيها ومن خلالها
بمجموعة كبيرة من الشيوخ فتكونت لديه ثروة حديثية ضخمة ظهر أثرها في كتبه
ومؤلفاته المنوعة والكثيرة))(٢) كما ذكر الذهبي. ((وبورك في علمه وصنّف التصانيف
النافعة))(٣).
١) رحلته إلى خراسان: بدأ سماع الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة من أبي
الحسن محمد بن الحسين العلوي، والحاكم أبي عبد الله الحافظ، وعبد الله بن يوسف
الأصبهاني، وأبي علي الروذباري، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي بكر بن فورك.
(١) السير ١٦٥/١٨.
(٢) الصناعة الحديثية في سنن البيهقي ١/ ٥٩ .
(٣) السير ١٨/ ١٦٥ .
٠
٤٠