Indexed OCR Text

Pages 601-620

ومثالُ الفصل بينهما بظرفٍ زمانيّ أو مكانيّ: « أيومَ الخميس تقولُ عليّاً
مسافراً * أوَ عندَ سعيدٍ تَقولُهُ نازلاً)) ، قال الشاعر :
أَبَعْدَ بُعْدٍ تَقولُ الدَّارَ جامعةٌ
شَمْلي بهمْ؟ أَمْ تَقول البُعْدَ مَحْتوما؟!
ومثالُ ما فُصِلَ فيه بينهما بالجارّ والمجرور: ((أبا لكلامِ تقول الأمّةَ
بالغةً مجدَ آبائها الأوَّلينَ؟ ». ومثالُ الفصلِ بمعمول الفعل قول الشاعر :
أَجْهَّالاً تَقُولُ بني لُؤَيٍّ؟
. لَعَمْرُ أَبِيكَ، أَمْ مُتَجاهِلينا؟
فإن فُقد شرطٌ من هذه الشروطِ الأربعة ، تَعَيّنَ الرفعُ عند عامة العربِ ،
إِلَّا بني سليمٍ ، فهم ينصبون بالقول مفعولينٍ بلا شرطٍ .
ولا يجب في القول المُتَضمّنِ معنى الظن ، المستوفي الشروط ، أن
ينصب المفعولين ، بل يجوز رفعُهما على أنهما مبتدأ وخبر ، كما كانا .
وإن لم يتضّمنِ القولُ معنى الظن فهو مُتعد إلى واحد . ومفعولهُ إمّا
مفرد ( أي غير جملةٍ ) ، وإمّا جملةٌ محكيّة . فالمفردُ على نوعينِ : مفردٍ في
معنى الجملةِ ، نحو: ((قلت شعراً، أو خطبةً، أو قصيدة أَو حديثاً))، ومفردٍ
يُرادُ به مُجردُ اللفظِ، مثلُ: ((رأيتُ رجلاً يقولون له خليلاً)) (أي يُسمُّونه
بهذا الاسم) : وأمَّا الجملة المحكِيّة بالقول ، فتكونُ في موضع نصب على
أنها مفعولة، نحو: ((قلتُ: لا إِلهَ إِلَّ اللّهُ)).
وهمزةُ ((إِنَّ)) تُكسرُ بعد القول العَري عن الظن، وتُفتح بعد القول
المُتضمّن معناهُ. كما سبقُ في مبحث ((أن)).
: .:
٢٨

١١ - الإلغاءُ والتَّعليقُ في أَفعال الْقُلُوب
الإلغاءُ: إبطال عمل الفعلِ القلبيِّ الناصبِ للمبتدأ والخبر لا لمانعٍ ،
فيعودان مرفوعينٍ على الابتداءِ والخبريّةِ، مثل: ((خالدٌ كريم ظننتُ)).
والإِلغاءُ جائز في أَفعالِ القلوب إذا لم تَسبقْ مفعولَيها. فإن تَوسطت
بينهما فإعمالُها وإلغاؤها سِيّانِ. تقول: ((خليلاً ظننت مجتهداً)) و((خليلٌ
ظننتُ مجتهد )). وإن تأخرت عنهما جاز أن تَعملَ وإلغاؤها أَحسن، تقولُ:
((المطر نازل حَسِبتُ)) و((الشمسَ طالعةٌ خلتُ. فإن تقدَّمت مفعولَيها ،
فالفصيحُ الكثيرُ إعمالُها، وعليهِ أكثرُ النُّحاةِ، تقولُ: ((رأيتُ الحقَّ أَبلج)).
ويجوزُ إهمالُها على قِلٍ وضعفٍ، وعليه بعضُ النُّحاةِ ، ومنه قولُ الشاعر :
أَرْجُو وآمُلُ أنْ تَدْنُو مَوَدَّتُها
وما إخالُ لَدَيْنَا مِنْك تنويلُ
وقول الآخر :
كَذَاكَ أُذَّبْتُ، حَتَّىْ صارَ مِنْ خُلِقِي
أَنِّي وَجَدْتُ مِلاكُ الشِّيمةِ الأَدَبُ
والتعليقُ : إبطالُ عملِ الفعل القلبيِّ لفظاً لا محلاً، لمانع، فتكونُ
الجملةُ بعده في موضع نصبٍ على أنها سادَّةٌ مَسدَّ مفعوليهِ ، مثل: (( علمتُ
لخالد شجاعٌ )) .
فيجبُ تعليقُ الفعلِ ، إذا كان هناك مانع من إعماله . وذلك : إذا وقع
بَعدَهُ أَحدُ أربعةِ أشياءً :
١ - ما وإنْ ولا النافياتُ نحو: ((علمتُ: ما زُهيرٌ كسولاً. وظَنتُ: إِنْ
فاطمة مُهملة . ودخلتُ : لا رجل سُوءٍ موجودٌ . وحَسِبتُ . لا أُسامةُ بطيءٌ ،
٢٩

ولا سُعادُ))، قال تعالى: ﴿لَقد علمتَ، ما هؤلاءِ يَنطقونَ﴾.
٢ - لامُ الإِبتداءِ، مثلُ علمتُ: ((لأخوكَ مجتهدٌ. وعلمتُ: إنَّ أخاكَ
المجتهدٌ)). قال تعالى: ﴿ولقد علموا: لِمَنِ آشتراهُ مالَهُ في الآخرةِ من
خلاقٍ ﴾(١) .
٣ - لامُ القسم ، كقول الشاعر لبيد :
وَلَقَدْ عَلِمْتُ: لَتَأْتِيَنَّ مَنِيِّتي
إِنَّ الْمَنَابَا لا تَطِيشُ سِهَامُها
٤ - الاستفهامُ ، سواءٌ أكان بالحرف ، كقوله تعالى: ﴿وإنْ أدري:
أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعِدُونَ؟﴾ أم بالاسمِ، كقوله عزّ وجلّ: ﴿لَنَعلَمَ : أُّ
الحزبينِ أحصى لما لَبِثُوا أمداً؟﴾، وقوله: ﴿لَتَعلمُنَّ: أُنا أشدُّ
عذاباً ؟ ﴾. وسواءٌ أكانَ الاستفهام مبتدأ ، كما في هذه الآيات ، أم خبراً ،
مثل: ((علمتُ: مَتى السّفرُ؟))(٢)، أم مضافاً إلى المبتدأ، مثل: ((علمتُ
فَرَسُ أيهم سابقٌ؟)) أم إلى الخبر، مثل: ((علمتُ: ابنُ مَن هذا؟))(٣).
وقد يُعلّقُ الفعلُ المتعدي ، من غير هذه الأفعالِ ، عن العمل ، كقوله
تعالى: ﴿ فَلَيَنظُرْ: أيُّها أزكى طعاماً؟﴾(٤)، وقوله: ﴿وَيَستَنبِئُونَكَ: أحقّ
هُوَ؟ ﴾(٥).
؛
(١) الخلاق: النصيب من الخير.
(٢) متى: اسم استفهام. وهي ظرف زمان في موضع رفع على أنه خبر مقدم والسفر مبتدأ مؤخر .
(٣) ابن خبر مقدم. ومن: مضاف إليه . وذا مبتدأ مؤخر.
(٤) اسم الاستفهام - وهو أي - مبتدأ. وأزكى: خبره ، والجملة في محل نصب لأنها مفعول ينظر.
وقد علق عن العمل لفظاً بالاستفهام.
(٥) حق: خبر مقدم، وهو: مبتدأ مؤخر، والجملة مفعول ثان ليستنبيء. وهي في موضع نصب ،
ومفعوله الأول ضمير المخاطب .
٣٠

وقد اختُصَّ ما يَتصرّفُ من أفعال القُلوب بالإلغاءِ والتَّعليقِ . فلا يكونانِ
في ((هَبْ وَتَعلّمْ)) ، لأنهما جامدانٍ .
وقد علمت أن الإلغاء جائز عند وجود سبيلهِ، وأن المُلغى لا عملَ له
البنَّةَ ، وإنَّ المُعلّقَ ، إن لم يعملْ لفظاً فهو يعمل النصبَ في مَحلِّ الجملةِ ،
فيجوزُ العطفُ بالنصب على محلها، فنقولُ: ((علمت لخالد شجاع وسعيداً
كريماً))، بالعطف على مَحلّ ((خالدُ وسعيد)»، لأنهما مفعولان للفعل المعلّق
عن نصبهما بلام الإبتداءِ . ويجوز رفعُهما بالعطف على اللفظ ، قال الشاعر
كثير عزة :
وما كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةً. ما أَلْبُكا (١)
ولا مُوجِعاتُ الْقَلْبِ؟ حَتَّى تَوَلَّتِ
يُروىَ بنصب مُوجعات(٢)، عطفاً على محل (( ما البكا))(٣). ويجوزُ
الرفعُ عطفاً على البكا(٤).
والجملة بعدَ الفعلِ المُعلَّق عن العمل في موضع نصبٍ على
المفعولية . وهي سادّةٌ مَسدّ المفعولينِ ، إن كان يتعدّى إلى اثنينٍ ولم ينصب
الأوّلَ. فإن نصبَهُ سدّت مسدّ الثاني، مثلُ: ((علمتكَ أَّ رجل أنتَ؟)).
وإن كان يتعدّى إلى واحد سدّت مسدّهُ، مثل: ((لا تأتِ أمراً لم تعرفْ
ما هُو؟))(٥).
(١) ما: اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم، والبكا: مبتدأ مؤخر مرفوع تقديراً على الألف
وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب بأدري، وقد سدَّت مسدّ مفعوليه .
(٢) هي منصوبة بالكسرة لأنها جمع مؤنث سالم .
(٣) لأن محل هذه الجملة الاستفهامية النصب بأدري كما علمت .
(٤) لأنه مرفوع تقديراً على الألف، كما علمت .
(٥) ما: اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم. وهو مبتدأ مؤخر. والجملة في محل نصب مفعول
به لتعرف المعلَّق عن العمل لفظاً بالاستفهام .
٣١

وإن كان يتعدى بحرف الجر، سقطَ حرفُ الجرّ وكانت الجملة منصوبة
محلاً بإسقاط الجارِّ (وهو ما يسمُّونَهُ النصبَ على نَزع الخافض ) ، مثل :
((فكرتُ أصحيحُ هذا أم لا؟))(١)، لأنَّ فَكْرَ يتعدّى بفي، تقول: ((فكِّرْتُ في
الأمر )» .
٢ - المفعول المطلق
المفعول المطلَقُ : مَصدرُ يُذكرُ بعد فعلٍ من لفظهِ تأكيداً لمعناهُ ، أو
بياناً لِعَدَدِهِ، أو بياناً لنوعهِ، أو بَدَلاً من التلفُّظِ بفعله. فالأول نحو: ﴿وكلّم
اللّهُ مُوسى تكليماً﴾. والثاني نحو: ((وقفتُ وقفتينِ)). والثالثُ نحو:
(( سرتُ سيرَ الْعُقلاءِ))، والرابعُ نحو: ((صَبراً على الشدائد)).
وأعلم أنّ ما يُذكرُ بدلاً من فعلهِ لا يُرادُ به تأكيدٌ ولا بيان عددٍ أو نوع .
وفي هذا المبحث ستَّةَ مَباحث .
١ - الْمَصْدَرُ الْمُبْهَمُ وَالْمَصْدَرُ الْمُخْتَصُّ
المصدرُ نوعانِ: مُبِهِمٌ وَمُخْتَص .
***
فالمُبهم : ما يُساوي معنى فعلهِ من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ ، وإنما يُذكرُ
لمجرّد التأكيد، نحو: ((قمتُ قياماً. وضربتُ اللصّ ضرباً))، أو بدلاً من
التّلفّظِ بفعلهِ، نحو: ((إيماناً لا كُفْراً))، ونحو: (( سَمعاً وطاعةً))، إذ
المعنى: ((آمِنْ ولا تكفُرْ، وأَسمِعُ وأُطيعُ )).
ومن ثمَّ لا يجوزُ تثنيتهُ ولا جمعهُ ، لأنَّ المؤكد بمنزلة تكرير الفعل ،
(١) صحيح : خبر مقدم. واسم الإشارة: مبتدأ مؤخر. والجملة في موضع نصب على أنها مفعول
به لفكر، وهي منصوبة على نزع الخافض .
٣٢
:

والبدل من فعله بمنزلةِ الفعل نفسهِ ، فَعُومِلّ مُعاملتّهُ في عدَمِ التثنيةِ
والجمعِ .
والمختصُّ: ما زاد على فعلهِ بإفادتهِ نوعاً أو عدداً، نحو: (( سرتُ سَيرَ
العُقلاءِ . وضربتُ اللصِّ ضرْبَتِينٍ ، أو ضَرَباتٍ )).
والمُفيدُ عَدَداً يُثنّى ويُجمَعُ بلا خلافٍ. وأمّا المُفيدُ نوعاً، فالحقُّ أنه
يُثَّى ويُجمَعُ قياساً على ما سُمِعَ منهُ : كالعقولِ والألبابِ والحُلُوم وغيرها .
فَيصحُّ أن يُقالَ: ((قمتُ قِيامَينِ )) ، وأنتَ تُريدُ نوعينٍ من القيام .
ويَختصُّ المصدرُ بألْ العهديَّةِ، نحو: ((قمتُ القيامَ))، أي: ((القيامَ
الذي تَعَهَدُ ))، وبأل الجنسيّةِ، نحو: ((جلستُ الجلوسَ))، تُريدُ الجنسَ
والتنكير، وبوصَفِهِ ، نحو : (( سعيتُ في حاجتك سعياً عظيماً، وبإضافته ،
نحو: ((سرتُ سيرَ الصالحينَ))(١).
٢ - الْمَصْدَرُ الْمُتَصَرِّفُ وَالْمَصْدَرُ غَيْرُ الْمُتَصَرِّفِ
المصدرُ المتصرف : ما يجوز أن يكون منصوباً على المصدرية ، وأن
ينصرف عنها إلى وقوعه فاعلاً، أو نائبَ فاعل ، أو مبتدأ ، أو خبراً، أو
مفعولاً بهِ ، أو غيرَ ذلك. وهو جميعُ المصادر، إِلَّ قليلاً جِدًّا منها . وهو ما
سیذکر .
وغيرُ المتصرّفِ : ما يُلازمُ النصبَ على المصدريَّة ، أي المفعوليّة
المطلقةِ ؛ لا يَنصرف عنها إلى غيرها من مواقع الإِعراب . وذلك نحو :
(١) والأصل: ((سرت سيراً مثل سير الصالحين))، حذف المصدر - الذي هو المفعول المطلق - ثم
صفته، فقام مقام المصدر المضاف إلى ((مثل)» فأعرب مفعولاً مطلقاً.
٣٣

((سبحان ومعاذَ وَلَبِيكَ وسَعدَيكَ وحَنانَيكَ ودَوَاليكَ وَحَذارَيك)). وسيأتي
الكلام على هذه المصادر .
٣ - النائبُ عن المَصْدَر
ينوب عن المصدر - فيعطى حكمه في كونه منصوباً على أنه مفعولٌ
مُطلَقٌ - اثنا عشرَ شيئاً :
١ - اسم المصدرِ، نحو: ((أعطيتُك عَطاءً)) و((اغتسلتُ غُسلًاً))
و ((كلّمتك كلاماً)) و ((سلّمتُ سلاماً))(١).
٢ - صفتُه، نحو: ((سرت أحسنَ السيرِ)) و((اذكروا الله كثيراً)) (٢).
٣ - ضميرُهُ العائدُ إليهِ، نحو: ((اجتهدُت اجتهاداً لم يجتهدْهُ
غيري))(٣). ومنه قوله تعالى: ﴿فإني أعذِّبُهُ عذاباً لا أعذبُهُ أحداً من
العالمينَ ﴾(٤).
٤ - مرادقُهُ - بأن يكون من غير لفظه، مع تَقارُب المعنى - نحو :
((شَيْتُ الكسلانَ بُغضاً)). و((قمت وقُوفاً)) و((رُضتُه إذلالاً)) و(( أعجبني
الشيء حُباً)»(٥) ، وقال الشاعر:
يُعْجِبُهُ السَّخُونُ والَبَرُودُ(٦) والتَّمْرُ، حُبَّا مَا لَهُ مَزِيدُ
(١) تقدم الكلام عن اسم المصدر في الجزء الأول من هذا الكتاب فراجعه .
(٢) والأصل: سرت سيراً أحسن السير. واذكروا الله ذكراً كثيراً: حذف المصدر فقامت صفته
مقامه .
(٣) أي: لم يجتهد الاجتهاد المذكور. فالضمير عائد إلى المصدر المذكور ، وهو في محل نصب
على أنه مفعول مطلق .
(٤) أي : لا أعذب العذاب المذكور.
(٥) لأنه إذا أعجبك الشيء فقد أحببته . وإذا أحببته فقد أعجبك .
(٦) السخون: مَرّقٌ يسخّن. والبرود: خبز يبرد في الماء، وكانت تطعمه النساء للسمنة، والبرود =
٣٤

٥ - مصدر يُلاقيهِ في الاشتقاقِ، كقولهِ تعالى: ﴿واللّهُ أنبتكم من
الأرض نباتاً ﴾، وقوله: ﴿تَبتَّلْ إليهِ تَبتيلاً ﴾(١).
٦ - ما يدلُّ على نوعه، نحو: ((رجعَ القهقرَى)) و ((قعدَ القُرْفُصاءَ))
و ((جلسَ الاحتباءَ))(٢) و ((اشتمل الصّمَاءَ))(٣).
٧ - ما يدلُّ على عدده نحو: ((أنذرتُك ثلاثاً))، ومنه قوله تعالى :
: فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما ثمانينٌّ جلدةً ﴾.
٨ - ما يدلُّ على آلته التي يكون بها، نحو: (( ضربتُ اللصَّ سَوطاً،
أو عصاً. ورشقتُ العدوَّ سهماً، أو رصاصةً أو قذيفةً)). وهو يَطَرِدُ في جميع
أسماءِ آَلاتِ الفعلِ. فلو قلتَ: ((ضربتُه خشبةً، أو رميتُه كرسيّاً))، لم يَجُز
لأنهما لم يُعهَدا للضرب والرمي .
٩ - ((ما)) و((أيُّ)) الإستفهامَّتان، نحو: ((ما أكرمتَ خالداً؟))(٤)
و((أَيَّ عيش تعيش؟))، ومنه قوله تعالى: ﴿وسيعلمُ الذين ظلموا أَيَّ
مُنقلب ينقلبون ﴾.
١٠ - ((ما ومهما وأَيُّ)) الشَّرطيّاتُ: ((ما تجلسْ أجلسْ))(٥) و(( مهما
أيضاً : الماء البارد. يقال: ماء برد وبارد وبرود. وفي لسان العرب وشرح القاموس:
=
(((والعصيد)) بدل (البرود). ولعله أقرب وأولى.
(١) تبتل: انقطع. والتبتل: الانقطاع والبتل: القطع.
(٢) الاحتباء: أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب أو عمامة أو نحوهما، يجمعهما مع ظهره
ويشد عليهما. وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب.
(٣) اشتمال الصماء: أن يردَّ الإِنسان الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده
ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعاً .
(٤) ما : اسم استفهام في محل نصب مفعول مطلق مقدم لأكرمت. والمستفهم عنه المصدر.
والمعنى : أي إكرام أكرمت خالداً؟ .
(٥) ما: اسم شرط جازم يجزم فعلين. وهو في محل نصب مفعول مطلق لتجلس. والمعنى: أي:
جلوس تجلس اجلس .
٣٥

تقِفْ أَقِفْ)) و ((أيَّ سَيرٍ تَسِرْ أَسِرْ)).
١١ - لفظ كل وبعضٍ وأي الكماليّة، مضافاتٍ إلى المصدرٍ ، نحو:
((فلا تَميلوا كلُّ المَيلِ)) و((سَعَيتُ بعضَ السعيِ)) و((أجتهدتُ أيَّ
آجتهادٍ )).
( وهذا في الحقيقة من صفة المصدر النائبة عنه، لأن التقدير: ((فلا
تميلوا ميلًا كلّ الميل . وسعيت سعياً بعض السعي . واجتهدت اجتهاداً أيّ
اجتهاد)» .
وسميت ((أي)) هذه بالكمالية ، لأنها تدل على معنى الكمال . وهي إذا
وقعت بعد النكرة كانت صفة لها، نحو: ((خالد رجل أي رجل)) أي: هو
كامل في صفات الرجال . وإذا وقعت بعد المعرفة كانت حالاً منها ، نحو :
((مررت بعبد اللّهِ أي رجل)). ولا تُستعمل إلَّ مضافة وتطابق موصوفها في
التذكير والتأنيث ، تشبيهاً لها بالصفات المشتقات . ولا تطابقه في غيرهما ) .
١٢ - اسمُ الإِشارةِ مُشاراً به إلى المصدر، سواءٌ أَُتبعَ بالمصدر،
نحو: ((قلتُ ذلكَ القولَ)) أم لا، كأن يُقال: ((هل اجتهدتَ اجتهاداً
حَسَناً؟))، فتقولُ: ((اجتهدتُ ذلك)).
٤ - عاملُ الْمَفْعول المُطْلَق
يعملُ في المفعولِ المُطلقِ أحدُ ثلاثةِ عواملَ : الفعلُ التام المتصرّفُ ،
نحو: ((أتقِنْ عملَك إتقاناً))، والصفةُ المُشتقّةُ منهُ، نحو: ((رأيتُهُ مُسرعاً
إسراعاً عظيماً))، ومصدرُه، نحو: ((فرحتُ باجتهادك اجتهاداً حسناً))، ومنه
قوله تعالى : ﴿إِنَّ جهنمَ جزاؤْ كم جزاءً مَوفوراً ﴾.
٣٦
....
٠٠ ٠٠٠

٥ - أَحكامُ المفعولِ المطلَق
للمفعول المطلق ثلاثةُ أحكام :
١ - أنهُ يجبُ نصبُه .
٢ - أنهُ يجبُ أن يقعَ بعدَ العامل، إن كان للتأكيد. فإن كان للنّوع أو
العدَدِ ، جاز أن يُذكرَ بعدَه أو قبله، إلَّ إن كان استفهاماً أو شرطاً ، فيجبُ
تَقدمُه على عاملهِ ، كما رأيتَ في أمثلتهما التي تقدّمت . وذلكَ لأنَّ لأسماءِ
الاستفهام والشرط صدرَ الكلام .
٣ - أنهُ يجوزُ أن يُحذَفَ عاملُهُ، إن كان نَوعيّاً أو عدديّاً، لقرينةٍ دالّةٍ
عليه، تقولُ: ((ما جلستَ))، فيقالُ في الجواب: (( بَلى جُلوساً طويلاً، أَو
جَلستينِ ))، ويُقالُ: ((إنك لا تعتني بعملك))، فتقولُ: ((بلى اعتناءً
عظيماً))، ويقال: ((أيَّ سيرٍ سرتُ؟))، فتقول: ((سيرَ الصالحينَ))،
وتقول: لِمَنْ تأهَّبَ للحجِّ: ((حَجَأَ مبروراً))، ولِمِن قَدِمَ من سفَر: ((قُدوماً
مُباركاً)) و((خيرَ مَقَدَمٍ))، ولِمَنْ يَعِدُ ولا يَفي: ((مَواعيدَ عُرقوبٍ))(١) ومن ذلك
(١) عرقوب: رجل يضرب به المثل بالإِخلاف بالوعد: وذلك أنه وعد وعداً فأخلف فضرب به
المثل لذلك. يقال: إنه أتاه أخ له يسأله شيئاً، فقال عرقوب: إذا أطلعَ نخلي. فلما أطلعَ قال:
إذا أبلحَ. فلما أبلح قال: إذا أزهى. فلما أزهى قال: إذا أُرطب. فلما أرطبَ قال: إذا صار
تمرأ. فلما صار تمراً أخذه من الليل، ولم يعطه شيئاً. وعرقوب هذا هو المراد بقول الشاعر :
وعدت
وكان الخلف
مواعيدَ
منكِ
عُرقوبٍ
سَجيْةً
أخاهُ
بِيْترَبِ
ويترب. إنما هي بالتاء المثناة لا بالتاء المثلثة، وراؤها مفتوحة لا مكسورة. وهي موضع قريب
من اليمامة. فليست هي ((يثرب))، بالثاء المثلثة والراء المكسورة، التي هي مدينة
الرسول #، كما يرويها كثير من الناس، لأن ((عرقوباً)) هذا رجل من العماليق، وكانوا
بالبعد من يثرب مدينة الرسول ( *. قال في القاموس: ويترّب - كيمنع - موضع قرب
اليمامة. وهو المراد بقوله: ((مواعيد عرقوب أخاه بيترب)). ونحوه في لسان العرب ومعجم
البلدان . ومن قال غير ذلك فقد وهم .
٣٧

قولهم: ((غضَب الخيل على اللُّجْم))(١).
وأمّا المصدرُ المؤكدَ فلا يجوزُ حذفُ عامله ، على الأصح من مذاهب
النحاة ، لأنه إنما جيء به للتّقوية والتأكيد . وحذفُ عاملهِ يُنافي هذا
الغرض .
وما جيء به من المصادر نائباً عن فعله ( أي بدلاً من ذكر فعله ) ، لم
يجز ذكر عامله ، بل يحذف وجوباً، نحو: (( سَقياً لكَ ورَعياً * صبراً على
الشدائد * أَتَوانياً وقد جَدَّ قرناؤُكَ؟ * حمداً وشكراً لا كفراً * عجباً لك *
وَيل الظالمين * تَبِّّ للخائنين * وَيْحَكَ * أنتَ صديقي حقاً)). قال الشاعر :
فَصَبْراً في مجالِ الْمَوْتِ صَبْراً
فَمَا نَيْلُ الْخُلودِ بِمُسْتَطاع
٦ - الْمَصْدَرُ النائبُ عن فعلهِ
المصدرُ النائبُ عن فعله : ما يُذكرُ بَدلا من التلفظ بفعله . وهو على
سبعةِ أنواعٍ :
١ - مصدرٌ يَقعُ مَوقعَ الأمر، نحو: ((صبراً على الأَذَّى في المجد))،
ونحو: (( بَلْهاً الشر، وبَلْهَ الشَّرٌ )).
(و((بله)): مصدر متروك الفعل ، وهو منصوب على المصدرية بفعله
المهمل أو بفعل من معناه تقديره: ((أترك)): وهو إما أن يستعمل مضافاً أو
منوّناً. كما رأيت. وأكثر ما يستعمل اسم فعل أمر بمعنى ((أترك))).
(١) مثل يضرب لمن يغضب على من لا يرضيه. أي: غضبتَ غضب الخيل على اللجم.
٣٨
....

٢ - مصدرٌ يقعُ موقعَ النَّهي، نحو: ((إجتهاداً لا كسلا، جِداً لا تَوانياً
* مهلاً لا عجلةً* سُكوتاً لا كلاماً * صَبراً لا جَزَعاً ((. وهو لا يقع إلّ تابعاً
المصدر يُرادُ به الأمر كما رأيت .
٣ - مصدرٌ يقعُ موقعَ الدعاءِ، نحو: (( سَقياً لك ورَعياً * تَعساً للخائن
* بُعداً للظالم * سُحقاً للَّثيمِ * جَدعاً للخبيثِ * رحمةً للبائس * عذاباً
الكاذب * شقاءً للمهمل * بُؤْساً للكسلان * خيبة للفاسق * تّاً للواشي *
نُكساً للمتكبِّر )).
ومنع سيبويه أن يُقاسَ على ما وَرَدَ من هذه الألفاظ . وأجاز الأخفش
القياسَ عليها . وهو ما يظهرُ أنه الحقُّ .
( ولا تُستعمل هذه المصادر مضافة إلَّ في قبيح الكلام. فإن أضفتها
فالنصّبُ حتمٌ واجب، نحو: (( بُعدَ الظالم وسُحقَهُ)). ولا يجوز الرفع لأنّ
المرفوع يكون حينئذ مبتدأ ولا خبرَ له وإن لم تُضفها فلك أن تنصبها ، ولك
أن ترفعها على الإِبتداء، نحو: ((عذاباً له، وعذابٌ له)). والنصب أولى. وما
عُرّف منها بأل فالأفضل فيه الرفع على الإِبتداء، نحو: (( الخيبةُ
للمفسد )) ) .
ومما يُستعمَلُ للدُّعاءِ مَصادرُ قد أُهملت أفعالها في الاستعمال ، وهي :
((ويِلَّهُ ، وَوَيِبَهُ، ووَيْحَهُ، وَوَيسَهُ)). وهي منصوبةٌ بفعلها المُهمَل، أو بفعل
من معناها .
( ((ويل وويب)): كلمتا تهديد تقالان عند الشتم والتوبيخ. و((ويح
وويس )) : كلمتا رحمة تقالان عند الإنكار الذي لا يراد به توبيخ ولا شتم؛
وإنما يراد به التنبيه على الخطأ . ثم كثرت هذه الألفاظ في الاستعمال حتى
صارت كالتعجب ، يقولها الإِنسان لمن يحب ولمن يبغض . ومتى أضفتها
٣٩

கப்பட்ட-மாM
لزمتِ النصب ، ولا يجوز فيها الرفع ، لأن المرفوع يكون حينئذ مبتدأ ولا خبر
له. وإن لم تُضفها فلك أن ترفعها، ولك أن تنصبها. نحو: (( ویلٌ له وویحٌ
له، وويلا له وويحاً له)» والرفع أولى ) .
٤ - مصدرٌ يقعُ بعدَ الاستفهام موقعَ التوبيخ ، أو التعجُّب ، أو التوجعِ .
فالأول نحو: ((أجُرأةً على المعاصي؟))، والثاني كقول الشاعر:
أَشَوْقاً؟ ولَمَّا يَمْضِ لي غَيْرُ لَيْلَةٍ
فَكَيْفَ إِذَا خَبَّ المطِيُّ بِنَا عَشْرَا(١)
والثالث كقول الآخر :
أَسِجْناً وقتْلاً واشتياقاً وغُرْبَةً
ونَأَيَ حَبيب ؟ إِنَّ ذا لَعَظَيم
وقد يكونُ الاستفهامُ مُقدَّراً ، كقوله :
خُمُولاً وإهْمالاً؟ وَغَيْرُكِ مُولَعٌ"
بِتَثْبيتِ أَركانِ السَّيادَةِ وَالْمَجْدِ
أي : أخمولاً ؟ وهو هنا للتوبيخ .
٥ - مَصادرُ مسموعةٌ كثرَ استعمالُها ، ودلَّتِ القرائنُ على عاملها، حتى
صارت كالأمثال، نحو : ((سَمعاً وطاعةً * حمداً لله وشُكراً * عَجَباً * عَجَباً
لكَ *، ويُقالُ: أنفعلُ هذا؟ فتقول: ((أفعلُهُ، وكرامةً ومَسَرَّةً))(٢)، أو ((لا
(١) الخب والخبب والخبيب: نوعٌ من السير سريعً. والمطيُّ: جمع مطية، وهي الدابة التي
تمطو في سيرها أي تسرع .
(٢) أي أفعله وأكرمك بذلك وأسرك . فالمصدر نائبٌ عن الفعل ومُؤدٍّ معناه .
٤٠

أفعلُهُ ولا كَيْداً ولا همّاً ﴾(١) و «لأفعلنَّهُ ورغَماً وهواناً ﴾(٢)
وإذا أفرَدْتَ ((حمداً وشكراً)) جاز إظهارُ الفعل، نحو: ((أحمدُ اللّهَ
حمداً )) و((أشكرُ اللّهَ شُكراً)). أمّا ((لا كُفراً)) فلا يُستعمل إلَّ مَعَ ((حمداً
وشكراً)».
ومن هذه المصادر (( سُبحانَ اللّهِ، ومَعاذَ اللّهِ)). ومعنى ((سبحانَ
اللّه)). تَنزيهاً للّهِ وبراءَةً له مما لا يليقُ به. ومعنى ((مَعاذَ اللّهِ)): عياذاً
باللّهِ، أي : أعوذُ به . ولا يُستعملان إلا مُضافين .
ومنها ((حِجْراً)) - بكسر الحاءِ وسكون الجيم - يقال للرجل : أتفعلُ
هذا؟ فيقولُ: ((حِجْراً))، أي: منعاً، بمعنى: أمنعُ نفسي منه، وأُبعِدُهُ
وأبرأُ منه، وهو في معنى التعوُّذ: ويقولون عند هجوم مكروهٍ: ((حِجْراً
محجوراً))، أي : منعاً ممنوعاً. والوصف للتأكيد. وتقول لمن أراد أن
يخوض فيما لا يجوز الخوض فيه، أو أراد أن يأتي ما لا يحلُّ: ((حِجْراً
محجوراً))، أي: حراماً مُحرَّماً.
ومنها مصادرُ سُمعتْ مُثَّةً، نحو : ((لَبِّيكَ وسَعدَّيكِ وحَنانَيكَ ودَوالَيكَ
وحَذَارَيكَ)). وهي مُثَنّاةٌ تَثنيةً يُرادُ بها التكثيرُ، لا حقيقةُ النَّثنيةِ .
( و((لبيك وسعديك)): يستعملان في إجابة الداعي، أي: ((إجابة
بعد إجابة واسعاداً بعد اسعاد)»، أي كلما دعوتني أجبتك وأسعدتك ، ولا
(١) أي لا أفعله، ولا أكاد أفعله كيداً، ولا أهمُّ به همّاً. فالكيد: مصدر ((كاد يكاد)) من أفعال
المقاربة. وليس من الكيد ، الذي هو المكر . والهم : العزم. ومنه الهمة بمعنى العزيمة ،
وليس من الهم بمعنى الحزن . وهذا الكلام تأكيد لنفي أن يفعل .
(٢) أي: أني أفعله وأرغمك بفعله رغماً وأهينك إهانة. وأصل معنى الرغم: لصوق الأنف بالرّغام
- وهو التراب - وهو كناية عن الذل.
٤١

يستعمل ((سعديك)) إلَّ تابعاً للبيك. ويجوز أن يستعمل لبيك وحده .
و((حنانيك)): معناه تحنناً بعد تحنن. ومعنى قولهم: (( سبحان الله
وحنانيه)): أسبحه وأسترحمه. و((دواليك)) معناه مداولة بعد مداولة.
و ((حذاريك)): معناه حذراً بعد حذر ) .
٦ - المصدرُ الواقعُ تفصيلاً لمُجمَلٍ قبلُهُ، وتَبييناً لعاقبته ونتيجتهِ كقوله
تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فإمّا مَنّاً بعدُ، وإمّا فِداءً)) وكقول الشاعر :
لأَجهَدَنَّ، فإِمَّا دَرْءَ مَفْسَدَةٍ
تُخْشى، وإمَّا بُلُوِغَ السُّؤْلِ والأَمَلِ
٧ - المصدرُ المؤكّدُ لمضمون الجملة قبله . سواءٌ أَجيءَ بهِ لمجرَّد
التأكيدِ ( أيٍ : لا لدفعِ احتمال المجازِ، بسبب أنَّ الكلامَ لا يحتملُ غيرَ
الحقيقةِ) نحو: ((لكَ عليَّ الوفاء بالعهد حَقّاً))، أم للتأكيد الدافعِ إرادةً
المجاز نحو : ((هو أخي حقّاً)). فإنَّ قولكَ: ((هو أَخي)) يحتملُ أنك أردتَ
الأخوّة المجازيَّةَ، وقولكَ: ((حقّاً)) رفعَ هذا الاحتمال . ومن المصدر المؤكّدِ
المضمونِ الجملةِ قولهم : ((لا أفعله بَّاً وبتاتاً وبَنَّةً وآلبَنَّةَ)) .
(ويجوز في همزة ((البتة)) القطع والوصل ، والثاني هو القياس لأنها
همزة وصل . واشتقاق ذلك من البت ، وهو القطع المستأصل ، لأن من يقول
ذلك يقطع بعدم الفعل . ويُستعمل من كل أمر يمضي لا رجعة فيه ولا
التواء ) .
فكلّ ما تقدَّمَ من هذه المصادر ، النائبة عن أفعالها ، يجبُ فيه حذفُ
العامل كما رأيتَ . ولا يجوزُ ذكرهُ. لأنها إنما جِيءَ بها لتكونَ بدلاً من
أفعالها .
وأعلم أنْ ليسَ المصدرُ ، الذي يُؤتى بهِ بَدلا من التلفظ بفعله ، من
٤١
عرب
.....

:
المصادرِ المؤكّدةِ ( كما زعم جمهورٌ من النُّحاةِ )، وإنما هو ضرب آخرُ من
المصادرِ ، كما علمتَ . ولو كان مؤكداً لم يَجُز حذفُ عامله ، لأنه إنما أُتيَ
به ليؤكّدَ عاملهُ ويُقوِّيه . فحذفُ العاملِ بعدَ ذلك يُنافي ما جيءَ بالمصدرِ
لأجله . ولو كان مؤكداً لجاز ذكر العامل معه . ولم يقل بذلك أحدٌ منهم ،
مع إجماعِهم على أنه يجوزُ ذكرُ العاملِ ومصدرِهِ المؤكدِ له معاً . نحو :
((يا أيُّها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلموا تسليماً ﴾.
٣ - المفعول له
المفعولُ لهُ (ويُسمّى المفعولَ لأجلهِ، والمفعولَ من أجلهِ ) : هو
مصدرٌ قَلبيٌّ يُذكرُ عِلّةً لحدَثٍ شاركهُ في الزمانِ والفاعلِ، نحو: ((رغبةً)» من
قولكَ (( اغتربتُ رغبةً في العلم )) .
( فالرغبة : مصدر قلبي ، بين العلة التي من أجلها اغتربت ، فإن سبب
الإغتراب هو الرغبة في العلم . وقد شارك الحدثُ ( وهو : اغتربت ) المصدرَ
(وهو: رغبة) في الزمان والفاعل . فإن زمانهما واحد وهو الماضي ، وفاعلهما
واحد وهو المتكلم .
والمراد بالمصدر القلبي : ما كان مصدراً لفعل من الأفعال التي منشؤُها
الحواس الباطنة : كالتعظيم والإِجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة
والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل . ونحوهما . ويقابل
أفعال الجوارح ( أي الحواسّ الظاهرة وما يتصل بها ) كالقراءة والكتابة والقعود
والقيام والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة، ونحوها ) .
وفي هذا المبحث مبحثانٍ :
٤٣

١ - شُروطُ نَصْبِ المفعولِ لأجلِهِ
عَرفتَ ، ممّا عَرَّفنا به المفعول لأجله ، أنه يُشترَطُ فيه خمسةُ شروطٍ .
فإنْ فُقِدَ شرطٌ منها لم يَجُز نصبُهُ . فليسَ كلُّ ما يُذكر بياناً لسبب حُدوثٍ
الفعلِ يُنصَبِ، على أنه مفعولٌ له . وهاكَ تفصيلَ شروط نصبه :
١ - أن يكون مصدراً .
( فإن كان غير مصدر لم يجز نصبه كقوله تعالى: (( والأرض وضعها
للأنام)) ) .
٢ - أن يكون المصدر قلبياً .
( أي : من أفعال النفس الباطنة ، فإن كان المصدر غير قلبي لم يجز
نصبه، نحو: (( جئت للقراءة)) ) .
٣ و٤ - أن يكونَ المصدرُ القلبيُّ مُتّحداً معَ الفعلِ في الزمان ، وفي
الفاعل .
( أي : يجب أن يكون زمان الفعل وزمان المصدر واحداً ، وفاعلهما
واحداً . فإن اختلفا زماناً أو فعلًا لم يجز نصب المصدر . فالأول نحو :
(( سافرت للعلم)) . فإن زمان السفر ماضٍ وزمان العلم مستقبل والثاني نحو :
(( أحببتك لتعظيمك العلم)). إذ أن فاعل المحبة هو المتكلم وفاعل التعظيم
هو المخاطب .
ومعنى اتحادهما في الزمان أن يقع الفعل في بعض زمان المصدر :
كجئت حباً للعلم ، أو يكون أول زمان الحدث آخر زمان المصدر :
كأمسكته خوفاً من فراره . أو بالعكس ، كأدبته إصلاحاً له ) .
٥ - أن يكون هذا المصدرُ القلبي المُتَّحدُ معَ الفعل في الزمان
٤٤

والفاعل، عِلَّةً لحُصولِ الفعلِ، بحيثُ يَصِحُ أن يقعَ جواباً لقولكَ: ((لِمَ
فعلت؟)).
( فإن قلت: ((جئت رغبة في العلم ((، فقولك: ((رغبة في العلم))
بمنزلة جواب لقول قائل: (( لم جئت؟)).
فإن لم يذكر بياناً لسبب حدوث الفعل ، لم يكن مفعولاً لأجله ، بل
يكون كما يطلبه العامل الذي يتعلق به . فيكون مفعولاً مطلقاً في نحو :
((عظمت العلماء تعظيماً))، ومفعولاً به في نحو ((علمتُ الجبن معرةً))،
ومبتدأ في نحو: ((البخل داء))، وخبراً في نحو: ((أدوى الأدواء الجهل))،
ومجروراً في نحو: ((أي داء أدوى من البخل ))، وهلم جراً) .
ومثال ما اجتمعت فيهِ الشروطُ قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشيةً
إملاقٍ(١) ، نحن نرزُقُهم وإيّاكم ﴾.
فإن فُقدَ شرطٌ من هذه الشروطِ ، وجب جرُّ المصدرِ بحرف جر يفيدُ
التعليلَ(٢)، كاللامِ ومن وفي، فاللامُ نحو: ((جئت للكتابة))، ومن ، كقولهِ
تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أولادَكم من إملاقٍ نحن نَرْزُقكم وإيّاهم))(٣)، وفي ،
كحديثِ : ((دخلتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ حَبَستها ، لا هي أطعمتها ، ولا هي
(١) الإِملاق: الفقر.
(٢) هذا إن كان المصدر قد ذكر بياناً لسبب حصول الفعل. فإن لم يرد به التعليل، كان كما كان
يطلبه العامل الذي في الجملة، كما سبق.
(٣) هذه الآية في سورة الأنعام (عدد ١٥١)، والآية التي قبلها في سورة الإسراء (عدد ٣١).
والفرق بين الآيتين : أن الأولى تنهاهم عن قتل أولادهم خوف فقر ربما يكون . والأخرى
تنهاهم عن قتلهم لفقر واقع بالفعل . ولذلك قدم رزق أولادهم على رزقهم في الآية الأولى،
ليبين لهم أنه قد ضمن رزقهم فلا يقتلوهم خشية الفقر. وقدم في الآية الثانية رزقهم على رزق
أولادهم، لأن الفقر واقع بالآباء فعلاً. فهون الأمر عليهم بأن يرزقهم ويدفع عنهم الفقر . فلا
يتخذوا الفقر الحاضر ذريعةٌ للفتك بأولادهم .
٤٥

٠٠ ...
تركتها تأكلُ من خَشاشِ الأرض ))(١).
٢ - أَحكامُ الْمَفْعولِ لَهُ
للمفعولِ من أجلهِ ثلاثةٌ أحكام :
١ - يُنصَبُ، إذا استوفى شروطَ نصبهِ، على أنهُ مفعولٌ لأجله صريحٌ.
وإن ذُكرَ للتعليل ، ولم يَستوف الشروطَ ، جُرَّ بحرف الجرِّ المُفيد للتَّعليل،
كما تقدَّمَ، واعتُبِرَ أنّهُ في محلّ نصبٍ على أنه مفعولٌ لأجلِهِ غيرُ صريحٍ ،
وقد أجتمع المنصوبان ، الصريحُ وغيرُ الصريح ، في قوله تعالى : ﴿يجعلون
أصابعَهم في آذانهم من الصّواعق حَذَّرَ الموت ﴾، وفي قول الشاعر
الفرزدق :
يُغضِي حَياءً، ويُغضَى من مَهابِهِ
فَلاَ يُكَلَّمُ إِلَّ حِينَ يَبْتَسِمُ
( فقوله تعالى: ﴿ من الصواعق﴾ في موضع نصب على أنه مفعول
لأجله غير صريح. وقوله: ﴿حذر﴾ مفعول لأجله صريح. وقول الشاعر:
((حياء)) مفعول لأجله صريح. وقوله: ((من مهابته)) في محل نصب على أنه
مفعول له غير صريح. ونائب فاعل ((يغضى)) ضمير مستتر يعود على مصدره
المقدر. والتقدير: ((يغضى الإِغضاء)). ولا يجوز أن يكون ((من مهابته)» في
موضع نائب الفاعل، لأن المفعول له لا يُقام مُقامَ الفاعل، لئلا تزول دلالته
على العلة. وقد عرفت في مبحث نائب الفاعل (في الجزء الثاني) أن
(١) خشاش الأرض: هوامها وحشراتها. وذكر ابن الناظم الحديث في شرح ألفيته بلفظ: ((دخلت
امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت)).
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي وردت في وجوب الرفق بالحيوان .
٤٦

المجرور بحرف الجر لا ينوب عن الفاعل؛ ان جُرّ بحرف جر يفيد التعليل).
٢ - يجوزُ تقديمُ المفعولِ لأجلِهِ على عامله، سواءٌ أَنُصبَ أم جُرَّ
بحرف الجرِّ، نحو: ((رغبةً في العلم أتيتُ)) و(للتِّجارةِ سافرتُ)).
٣ - لا يجبُ نصبُ المصدر المُستوفي شروطَ نصبهِ، بل يجوزُ نصبُهُ
وجرُّهُ. وهو في ذلك على ثلاث صور:
١ - أن يَتجرَّدَ من ((أَل)) والإِضافة، فالأكثرُ نصبُهُ، نحو: ((وقفَ الناسُ
احتراماً للعالم)». وقد يُجَرُّ على قلَّةٍ، كقوله:
مَنْ أَمَّكُمْ، لِرَغْبَةٍ فِيكُمْ، جُچِرْ
وَمَنْ تَكُونُوا نَاصِرِيهِ يَنْتَصِرْ
٢ - أن يقترن بأل، فالأكثرُ جرهُ بحرفِ الجر، نحو: «سافرتُ للرغبة
في العلم)). وقد يُنصَبُ على قلةِ كقولهِ :
لا أَقْعُدُ، الجُبْنَ، عَنِ الْهَيْجاء
وَلَوْ:
الأعداءِ
زُمَرُ
تَوَالَتْ
٣ - أن يُضافَ، فالأمرانِ سواءٌ، نصبُهُ وجرُّهُ بحرف الجرِّ ، تقول :
(( تركتُ المنكَرَ خَشيةَ اللّهِ، أو لخشيةِ اللّه، أو من خشيةِ اللّهِ)). ومن النصب
قولهُ تعالى: ﴿يُنفقونَ أموالهَمُ ابتغاءَ مَرضاةِ اللّهِ﴾، وقولُ الشاعر :
وَأَغْفِرُ عَوْراء الْكريمِ أَدِّخـارَهُ
وَأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكُّما
ومن الجرِّ قوله سبحانَهُ : ﴿وإنَّ منها لمَا يَهِط من خشيةِ اللّهِ ﴾ .
٤٧
.. ........ . ....... . . .
. - -- -------