Indexed OCR Text

Pages 621-640

٤ - المفعول فيه
وهو المُسَمَّى ظَرْفاً
المفعول فيه ( ويسمّى ظرفاً) : هو اسمٌ يَنتصبُ على تقدير ((في))،
يُذكرُ لبيانٍ زمان الفعل أو مكانهِ .
( أما إذا لم يكن على تقدير ((في)) فلا يكون ظرفاً، بل يكون كسائر
الأسماء، على حسب ما يطلبه العامل. فيكون مبتدأ وخبراً، نحو: ((يومنا يومٌ
سعيد))، وفاعلاً، نحو: ((جاء يومُ الجمعة)، ومفعولاً به، نحو: ((لا تضيع أيامَ
شبابك)). ويكون غير ذلك، وسيأتي بيانه .
والظرف ، في الأصل، ما كان وعاء لشيء . وتسمى الأواني ظروفاً ،
لأنها أوعية لما يجعل فيها. وسميت الأزمنة والأمكنة ((ظروفاً))، لأنّ الأفعال
تحصل فيها، فصارت كالأوعية لها).
وهو قسمانِ : ظرفُ زمانٍ ، وظرفُ مكان .
فظرفُ الزمان : ما يَدُلُّ على وقتٍ وقعَ فيه الحدثُ نحو: ((سافرتُ
ليلاً )».
وظرفُ المكان: ما يدلُّ على مكانٍ وقعَ فيه الحدثُ، نحو: ((وقفتُ
تحتَ عَلَّمِ العلم )).
:
والظرفُ ، سواءٌ أكانَ زمانياً أم مكانياً، إما مُبِهَمٌ أو محدودٌ (ويقال
للمحدود : المُوَقَّتُ والمختصُّ أيضاً )، وإما مُتصرّفٌ أو غيرُ مُتصرفٍ .
وفي هذا الباب ثمانيةُ مباحثَ :
٤٨

١ - الظَّرفُ المُبْهَمُ والظّرفُ المَحْدُودُ
المُبهَمُ من ظروفِ الزمانِ : ما دلَّ على قَدْرٍ من الزمان غير مُعَيِّنٍ ،
نحو: « أبدٍ وأمدٍ وحیٍ ووقتٍ وزمانٍ».
والمحدودُ منها (أو المُوقَّتُ أو المختصُّ): ما دلَّ على وقتٍ مُقدَّرٍ مُعَينٍ
محدودٍ، نحو: ((ساعةٍ ويومٍ وليلةٍ وأُسبوعٍ وشهرٍ وسنةٍ وعامٍ)).
ومنه أسماءُ الشهور والفُصولِ وأيام الأسبوع وما أُضيفَ من الظروف
المُبهَمةِ إلى ما يزيلُ إبهامَهُ وَشُيوعَهُ : كزمانِ الرَّبيعِ ووقتِ الصيف .
والمُبهمُ من ظروف المكان : ما دلَّ على مكانٍ غيرٍ مُعيَّنٍ ( أي: ليس
له صورةٌ تُدرَكُ بالحسِّ الظاهر ، ولا حُدودٌ لصورةٍ ) كالجهاتِ الستِّ ، وهيَ :
((أمامٌ (ومثلُها قُدَّامٌ) ووراءُ ( ومثلها خَلفٌ ) وَيَمِينٌ ، ويَسار (ومثلُها شمال)
وفوق وتحت))، وكأسماءِ المقادير المكانيّة: كميل وفرسخ وبَريدٍ وقَصبةٍ
وكيلومترٍ ، ونحوها ، وكجانبٍ ومكانٍ وناحيةٍ، ونحوِها .
ومن المُبهَمِ ما يكونُ مُبهمَ المكانِ والمسافة معاً : كالجهاتِ الست ،
وجانبٍ وجهةٍ وناحيةٍ . ومنه ما يكون مُبهم المكانِ مُعينَ المسافةِ : كأسماءٍ
المقادير ، فهي شبيهةُ بالمُبهم من جهةِ أنها ليست أشياءَ مُعيَّنَةً في الواقع ،
ومحدودةٌ من حيثُ أنها مُعَيّنةُ المقدار .
(فمكان الجهات الست غير معين لعدم لزومها بقعة بخصوصها ، لأنها
أمور اعتبارية أي : اعتبار الكائن في المكان، فقد يكون خلفك أماماً لغيرك؛
وقد تتحول فينعكس الأمر. وهكذا مقدارها أي مسافتها ليس له أمد معلوم.
فخلفك مثلاً اسم لما وراء ظهرك إلى ما لا نهاية. أما أسماءُ المقادير فهي ،
٤٩

وإن كانت معلومة المسافة والمقدار . لا تلزم بقعة بعينها ، فابهامها من جهة
أنها لا تختص بمكان معين ) .
والمختص منها (أو المحدودُ) : ما دلَّ على مكانٍ معيَّنٍ، أي: له صورة
محدودة، محصورةٌ: كدارٍ ومدرسةٍ ومكتبٍ ومسجدٍ وبلدٍ. ومنهُ أسماءُ البلادِ
والقُرَى والجبال والأنهارِ والبحار.
٢ - الظَّرْفُ الْمُتَصرِّفُ والظرفُ غَيْرُ الْمُتَصَرِّفِ
الظّرفُ المتصرفُ : ما يُستعملُ ظرفاً وغيرَ ظرفٍ . فهو يُفارق الظرفيّة
إلى حالةٍ لا تُشبهُها : كأن يُستعمل مبتدأ أو خبراً أو فاعلا أو مفعولاً به، أو
نحوَ ذلك، نحو: ((شهرٍ ويومٍ وسنةٍ وليل))، ونحوها. فمِثالُها ظرفاً: ((سرتُ
يوماً أو شهراً أو سنةً أو ليلاً)). ومثالُها غيرَ ظرف: ((السنةُ اثنا عشر شهراً.
والشهرُ ثلاثون يوماً والليلُ طويلٌ. وسرَّني يومُ قدومِكَ. وانتظرتُ ساعةً
لقائك. ويومُ الجمعة يومٌ مُباركُ)).
والظرفُ غيرُ المُتصرفِ نوعانِ :
النّوعُ الأولُ: ما يُلازمُ النصبَ على الظرفية أبداً، فلا يُستعمَلُ إلَّ ظرفاً
منصوباً، نحو: ((قَط وعوْضُ وبَيْنا وبينما وإذا وأَيَّانَ وأَنّى وذا صَباحٍ وذاتَ
ليلةٍ)». ومنه ما رُكِّبَ من الظروف: كصباحَ مساءً وليلَ ليلَ .
النوع الثاني : ما يَلْزَمُ النصبَ على الظرفية أو الجرِّ بمن أو إلى أو حتى
أو مُذ أو مُنْذُ، نحو : « قبَل وبَعدَ وفوق وتحت ولدى ولَدُنْ وعندَ ومتى وأينَ
وهُنا وثَمَّ وحيث والآن )).
( وتُجرّ ((قبل وبعد)) بمن، من حروف الجر. وتُجر ((فوق وتحت ))
٥٠

بمن وإلى. وتجر ((لدى ولدن وعند)) بمن. وتجر ((متى)) بإلى وحتى. وتجر
((أين وهنا وثم وحيث)) بمن وإلى. وقد تجر ((حيث)) بفي أيضاً. وتجر ((الآن))
بمن وإلى ومذ ومنذ. وسيأتي شرح ذلك).
٣ - نَصْبُ الظَّرْفِ
يُنْصَبُ الظَرفُ الزَّماني مطلقاً، سواءٌ أكانَ مُبهَماً أم محدوداً ، أي :
(مُختصاً)، نحو: ((سرتُ حيناً، وسافرتُ ليلةً))، على شرط أن يَتضمنَ
معنى (في).
(فإن لم يتضمن معناها ، نحو : ((جاءَ يومُ الخميس. ويومُ الجمعة يوم
مبارك. واحترم ليلةَ القدر))، وجب أن تكون على حسب العوامل).
ولا يُنصبُ من ظروف المكان إلا شيئانٍ :
١ - ما كان منها مُبهماً، أو شِبهَهُ، مُتَضمّناً معنى (في)، فالأول نحو:
(وقفتُ أمامَ المِنبر))، والثاني نحو: ((سرتُ فرسخًا).
(فإن لم يتضمن معناها نحو: ((الميل ثلث الفرسخ. والكيلومترُ ألفُ
متر)). وجب أن يكون على حسب العوامل).
٢ - ما كان منها مُشتقاً، سواءٌ أكان مُبهماً أم محدوداً، على شرطِ أن
يُنصَبَ بفعلهِ المُشتَقَّ منهُ، نحو: ((جلستُ مجلسَ أهل الفضل. وذهبتُ
مذهبَ ذوِي العقلِ».
فإن كان من غيرٍ ما اشتُقَّ منهُ عاملُهُ وجبَ جَرُّهُ نحو: ((أَقمتُ في
مجلسك . وسرتُ في مذهبكَ)).
وأَمّا قولُهم: ((هو مني مَقْعَدَ القابلةِ . وفلانٌ مَزَجَرَ الكلبِ . وهذا الأمرُ
٥١

مَناطَ الثُّرَيّا)) ، فسماعِيُّ لا يقاس عليه .
( والتقدير: (( مستقرّ مقعد القابلة ومزجرَ الكلب ومناطَ الثريا)) . فمقعد
ومزجر ومناط : منصوبات بمستقر ، وهن غير مشتقات منه ، فكان نصبهنّ
بعامل من غير مادّة اشتقاقهنَّ شاذّاً ).
وما كان من ظروف المكان محدوداً، غيرَ مُشتقٍ ، لم يجز نصبُه ، بل
يجب جَرُّهُ بِفِي، نحو : (( جلستُ في الدارِ . وأَقمتُ في البلد . وصلَّيتُ في
المسجد )). إِلَّ إذا وقعَ بعدَ ((دخلَ وَنَزَلَ وسكنَ)) أو ما يُشتقُّ منها، فيجوزُ
نصبُهُ، نحو: ((دخلتُ المدينةَ. ونزَلتُ البَلَدَ . وسكنتُ الشامَ )).
( وبعض النحاة ينصب مثل هذا على الظرفية . والمحققون ينصبونه
على التوسع ، في الكلام باسقاط الخافض ، لا على الظرفية ، فهو منتصب
انتصاب المفعول به على السعة ، باجراء الفعل اللازم مُجرى المتعدي.
وذلك لأنّ ما يجوز نصبه من الظروف غير المشتقة ينصب بكل فعل، ومثل
هذا لا ينصب إلا بعوامل خاصة، فلا يقال: ((نمت الدار، ولا صليت
المسجد، ولا أقمتُ البلدَ)) كما يقال: ((نمت عندك. وصليت أمام المنبر.
وأقمتُ يمينَ الصف»).
٤ - ناصب الظَّرْفِ (أي العاملُ فيه)
ناصبُ الظّرفِ (أي العاملُ فيه النصبَ): هَوَ الحدَثُ الواقع فيه من
فعلٍ أو شِبههِ. وهو إمّا ظاهرٌ، نحو: (( جلستُ أمام المِنْبَرِ. وصُمتُ يومَ
الخميسِ . وأنا واقفٌ لديك. وخالدٌ مسافرٌ يومَ السبتِ)). وإمّا مُقدَّرٌ جوازاً،
نحو: ((فرسخينٍ))، جواباً لمن قال لكَ: ((كم سرتَ؟))، ونحو:
٥٢
:

((ساعتينٍ))، لمن قال لك: ((كم مشيتَ؟)). وإمّا مُقدَّرٌ وجوباً، نحو: ((أنا
عندَك)). والتَّقديرُ: ((أنا كائنٌ عندَك)).
٥ - مُتَعَلَّق الظَّرف
كلُّ ما نُصبَ من الظروف يحتاجُ إلى ما يتعلّقُ بهِ ، من فعلٍ أو شِبهه ،
كما يحتاجُ حرفُ الجر إلى ذلك. ومُتعلقُهُ إمّا مذكورٌ، نحو: ((غبتُ شهراً .
وجلستُ تحت الشجرة )). وإمّا محذوف جوازاً أو وجوباً .
فُيُحذَفُ جوازاً، إنْ كان كوناً خاصاً، ودلَّ عليه دليلٌ، نحو: ((عندَ
العلماءِ))، في جواب من قال : أينَ أجلسُ؟)).
ويُحذَفُ وجوباً في ثلاث مسائل :
١ - أن يكون كوناً عاماً يَصلُحُ لأن يُرادَ به كلُّ حَدَثٍ : كموجودٍ وكائن
وحاصل. ويكون المتعلَّق المقدَّرُ إمّا خبراً، نحو: (( العصفورُ فوقَ الغصنِ.
والجنةُ تحت أقدامِ الأمهاتِ )) وإمّا صفةً، نحو: (( مررتُ برجل عندَ
المدرسةِ))، وإمّا حالاً، نحو: ((رأيتُ الهلالَ بين السحابِ)). وإمّا صِلةً
للموصولِ، نحو: ((حَضَرَ مَنْ عندَهُ الخبرُ اليقينُ)). غيرَ أنَّ مُتعلّق الصلةِ
يجبُ أن يُقدَّرَ فعلاً، كحصَل ويحصلُ ، وكان ويكون ، ووجد ويُوجَدُ،
لوجوبِ كونها جملةً .
٢ - أن يكون الظرف منصوباً على الاشتغال ، بأن يشتغل عنهُ العاملُ
المتأخرُ بالعمل في ضميره، نحو: « يوم الخميس صُمتُ فيه . ووقت الفجر
سافرتُ فيه )).
( فيوم ووقت : منصوبان على الظرفية بفعل محذوف ، لاشتغال الفعل
٥٣

المذكور عن العمل فيهما بالعمل في ضميرهما . والفعل المحذوف مقدَّر من
لفظ الفعل المذكور غير أنه يجوز التصريح به ؛ كما علمت في باب
الاشتغال ) .
٣ - أن يكون المتعلَّقُ مسموعاً بالحذف ، فلا يجوزُ ذكرُهُ ، كقولهم :
((حينئذٍ الآنَ)»، أي: «كان ذلك حينئذٍ، فاسمعِ الآنَ)).
( فحينئذ والآن : منصوب كل منهما بفعل محذوف وجوباً ؛ لأنه سُمع
هكذا محذوفاً . وهذا كلام يقال لمن ذكر أمراً قد تقادمَ زمانه لينصرف عنه إلى
ما يعنيه الآن ) .
٦ - نائبُ الظَّرْفِ
ينوبُ عن الظّرفِ - فيُنصَبُ على أنّهُ مَفعولٌ فيه - أحد ستةِ أشياءَ :
١ - المُضافُ إلى الظرفِ، ممَّا دَلَّ على كُلِيّةٍ أو بعضيّة، نحو:
((مشيتُ كلَّ النهارِ، أو كلَّ الفَرْسخِ، أو جميعَهُما أو عامَتُهُما، أو
بَعضَهما، أو نصفَهُما، أو رُبعَهُما)).
٠٠٠
٢ - صِفْتُهُ، نحو: ((وقفتُ طويلاً من الوقت(١) وجلستُ شرقيَّ
الدار))(٢) .
٣ - اسمُ الإِشارةِ، نحو: ((مشَيتُ هذا اليومَ مشياً مُتعِباً. وانتبذت
تلك الناحية )).
٤ - العدّدُ المميّزُ بالظرف، أو المضافُ إليه، نحو: (( سافرتُ ثلاثين
(١) أي: وقفت زماناً طويلاً منه.
(٢) أي : جلست مكاناً شرقياً منها.
٥٤
٠.٠ ************ ٠٠١ -**-*- >>> .5

يوماً. وسرتُ أربعين فرسخاً. ولزمتُ الدارَ ستةً أيام، وسرت ثلاثة
فراسخَ )».
٥ - المصدرُ المتضمنُ معنى الظَّرفِ ، وذلك بأن يكون الظرف مضافاً
إلى مصدر، فيُحذَفُ الظَّرِفُ المضاف ، ويقوم المصدرُ ( وهو المضاف إليه )
مَقامَهُ، نحو : (( سافرتُ وقتَ طلوعِ الشمس)). وأكثرُ ما يُفعلُ ذلك بظروف
الزمان، بشرط أن تُعيَّن وقتاً أو مقادراً. فما يُعيّن وقتاً مثل: ((قَدِمتُ قدومَ
الرّكبِ . وكان ذلك خُفُوقَ النّجمِ. وجئتكَ صلاة العصرِ))، وما يُعيّنُ مقداراً
مثل: ((انتظرتُكَ كتابةً صفحتينٍ، أو قراءَةً ثلاثٍ صفحاتٍ . ونمتُ ذهابَكَ إلى
دارِكَ وَرُجوعَكَ منها . وَنَزَلَ المطرُ ركعتينٍ من الصلاة . وأقمت في البلد راحةً
المسافرِ)).
وقد يكون ذلك في ظروف المكان، نحو: (( جلستُ قربَكَ . وذهبتُ
نحوَ المسجدِ)).
٦ - ألفاظٌ مسموعةٌ توسعُوا فيها، فنصبوها نصبُ ظروفِ الزمانِ ، على
تضمينها معنى (في)، نحو: ((أحقّاً أنك ذاهبٌ؟))(١). والأصل ((أفي
حَقّ؟)). وقد نُطِقَ بفي في قوله :
أَفِي الْحَقِّ أَني مُعْرَمُ بِكِ هَائِمٌ
وَأَنَّكِ لَا خَلُّ هَواكٍ وَلَ خَمْرُ
ونحو: ((غيرَ شَك اني على حقٍّ. وجَهدَ رأيي أنكَ مُصيبٌ. وظَّك
مني أنكَ قادمٌ )) .
(١) حقاً: منصوب على الظرفية. والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم. والمصدر المؤول بأن:
مبتدأ مؤخر. وهكذا ما سيأتي من الأمثلة. ومن العلماء من ينصب هذا وما بعده على نزع
الخافض لا على الظرفية .
٥٥

فائــدة
اعلمْ أنَّ ضميرَ الظَّرفِ لا يُنصَبُ على الظرفّة ، بل يجبُ جرهُ بفي نحو
( يومَ الخميسِ صُمتُ فيه))، ولا يُقالُ: ((صُمْتُهُ))، إلَّ إذا لم تضمّنهُ معنى
(في)، فلكَ أن تنصبه بإسقاط الجارِّ على أنهُ مفعولٌ به تَوَسُّعاً، نحو: ((إذ
جاءَ يومُ الخميسِ صُمْتُهُ))، ومنه قول الشاعر: (( ويومٍ شَهِدناهُ سُليماً
وعامراً)).
( فقد جعل الضمير في («شهدناه)) مفعولاً به على التوسع باسقاط حرف
الجر. والأصل ((ويوم شهدنا فيه عامراً وسليماً))).
٧ - الظَّرفُ المُعْرَب والظّرفُ المَبْنِي
الظروفُ كلها مُعربةٌ مُتغيرةُ الآخر ، إلَّ ألفاظاً محصورةٌ ، منها ما هو
للزمان ، ومنها ما هو للمكان ، ومنها ما يُستعملُ لهما .
فالظُروفُ المبنيّةُ المختصَّةُ بالزمانِ : إذا ومتى وأيانَ وإذْ وأمسٍ والآن
ومُذ ومُنْذُ وقَطُّ وَعَوْضُ وبَيْنا وبَينما ورَيْتُ ورَيْئما وكيفَ وكيفما(١) ولمَّا)).
ومنها ما رُكِّبَ من ظروف الزمان، نحو : (( زُرنا صباحَ مساءً، ولَيل
لَيلَ، ونهارَ نهارَ، ويومَ يومَ )). والمعنى: كلَّ صباحٍ، وكلَّ مساءٍ، وكلَّ
نهارٍ ، وکلّ يومٍ .
والظروفُ المبنيّةُ المختصة بالمكانِ هي: ((حيثُ وهُنا وثَمَّ وأينَ )).
ومنها ما قُطْعَ عن الإِضافةِ لفظاً من أسماءِ الجهاتِ الستّ .
(١) مذهب سيبويه ومن وافقه أن ((كيف)) ظرف للزمان. والمرجح عند الجمهور أن ليست بظرف،
كما ستعلم.
٥٦
٠٠ ........... ""

والظروف المبنيّةُ المشتركةُ بينَ الزمانِ والمكانِ هي: (( أنّى وَلَدَى
ولَدُنْ)). ومنها ((قبلُ وبعدُ ))، في بعض الأحوال .
وسيأتي شرحُ ذلكَ كلّه .
٨ - شَرْحِ الظُرُوفِ الْمَبْنِيَّةِ وبيانُ أَحكامِها
١ - قَط : ظرفٌ للماضي على سبيل الاستغراق ، يَستغرقُ ما مضى من
الزّمان، واشتقاقُهُ من ((قَطَطْتُهُ)) - أي قطعته - فمعنى (( ما فعلتُهُ قطُّ)): ما
فعلتُهُ فيما أنقطعَ من عُمري . ويُؤتى به بعدَ النفي أو الاستفهام للدلالة على
نفي جميع أجزاءٍ الماضي، أو الاستفهام عنها. ومن الخطأ أن يقال: ((لا
أفعلُهُ قَطُّ ))، لأنَّ الفعلَ هنا مُستقبَلُ، و((قطّ)) ظرفُ للماضي.
٢ - عَوْضُ: ظرفٌ للمستقبَلِ ، على سبيل الاستغراق أيضاً، يستغرقُ
جميعَ ما يُستقبلُ من الزمان .
والمشهورُ بناؤُهُ على الضمِّ . ويجوزُ فيه البناءُ على الفتيح والكسر
أيضاً. فإن أُضيفَ فهو مُعرَبٌ منصوبٌ، نحو: (( لا أفعلهُ عَوضَ
العائضين))(١).
وهو منقولٌ عن العَوْضِ بمعنى الدَّهر . والعَوْضُ في الأصل : مصدرُ
عاضهُ من الشيءِ يَعوضُهُ عَوْضاً وعِوَضاً وعِياضاً، إذا أعطاهُ بِوَضاً ، أي
خلفاً . سُميَ الدهرُ بذلك، لأنه كلما مضى منهُ جُزءٌ عُوِّضَ منه آخر ، فلا
ينقطعُ .
ويُؤْتِى بَعَوْضُ بعد النّفي أو الاستفهام للدلالة على نفي جميع أجزاءٍ
(١) كما يقال: لا أفعله دهرَ الداهرين وأبد الآبدين .
٥٧

..
المستقبَلِ، أو الاستفهام عن جميع أجزائهِ. فإذا قلت: ((لا أفعله عَوْضُ))،
كان المعنى : لا أفعلُهُ في زمنٍ من الأزمنةِ المُستقبلة . وقد يُستَعملُ للزمانِ
الماضي .
٣ - بَيْنا وبَينما: ظرفان للزمانِ الماضي. وأصلهما: (( بينَ))، أشبعت
فتحةُ النون، فكان منها (( بيْنا)). فالألفُ زائدةٌ، كزيادة (( ما)) في ((بَيْنما)).
وهما تلزَمانِ الجُملَ الإِسميّة كثيراً، والفعليّةَ قليلاً . ومن العلماءِ من
يُضيفُهما إلى الجملة بعدَهما. ومنهم من يكفَّهُما عن الإِضافة بسببٍ ما
لحقهما من الزيادة . وهو الأقربُ ، لبُعدهِ من التكلُّف .
وأصلُ ((بَيْنَ)) للمكانِ: وقد تكونُ للزَّمان، نحو: (( جئتُ بينَ الظهر
والعصر)). ومنه حديثُ: ((ساعةُ الجُمعةِ بينَ خروجِ الإِمامِ وانقضاءٍ
الصلاة)). وإذا لحقتها الألف أو ((ما)) الزَّائدتانِ، اختصّتْ بالزمان، كما
تقدَّم .
٤ - إذا: ظرفٌ للمستقبَل غالباً، مُتَضمنٌ معنى الشرطِ غالباً. ويختصّ
بالدخول على الجملِ الفعليّة. ويكونُ الفعلُ معه ماضيَ اللَّفظِ مُستقبَلَ
المعنى كثيراً ؛ ومضارعاً دونَ ذلك . وقد اجتمعا في قول الشاعر :
والنَّفْسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتَها وإِذَا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ
وقد يكونُ للزمان الماضي ، كقوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارةً أو لهواً
أنفضوا إليها ﴾ .
وقد يتجرَّدُ للظرفية المحض ، غيرَ مُتَضمنٍ معنى الشرط ، كقوله
تعالى: ﴿والليل إذا يَغشَى، والنهارِ إذا تَجِلَّى﴾، وقولهِ: ﴿واللَّيلِ إذا
سَجى ﴾ ، ومنه قول الشاعر :
٥٨

وَنَدْمانٍ. يزيد الكأْسَ طِيباً
إذا تَغَوَّرَتِ النُّجومُ
سَقَيْتُ
٥ - أَيَّانَ: ظرفٌ للمستقبل. يكونُ أَسمَ استفهام، فَيُطلَبُ به تعيينُ
الزَّمانِ المستقبل خاصةً . وأكثرُ ما يكونُ في مواضع التَّفخيم ، كقوله تعالى :
﴿ يَسألُ أيانَ يومُ الذِّين؟﴾. ومعناهُ: أيُّ حينٍ؟ وأصلُهُ: ((أَيُّ آنٍ)) فَخُفِّفَ،
وصارَ اللفظانِ واحداً .
١
وقد يتضمّنُ معنى الشّرط، فيجزمُ الفعلين، نحو : (( أيّانَ تجتهدْ تَجِدْ
نجاحاً )».
١
٦ - أنّى: ((ظرفٌ للمكان. يكونُ أَسمَ شرطٍ بمعنى ((أينَ))، نحو:
(أنّى تَجلسْ أجلسْ))، وأَسمَّ استفهامٍ عن المكان، بمعنى (( من أينَ؟))،
كقوله تعالى: ﴿يا مريمُ أَنّى لكِ هذا؟﴾ أي: ((من أينَ))، ويكون بمعنى
((كيفَ؟»، كقوله سبحانهُ: «أنّى يُحيي هذهِ اللّهُ بعدَ موتها؟﴾ أي :
(كيفَ يُحييها؟)). ويكونُ ظرفَ زمانٍ بمعنى ((متى؟))، للاستفهام، نحو:
(( أُنّى جئتَ ؟)).
٧ - قَبلُ وبعدُ: ظرفانٍ للزمانِ ، يُنصبَانِ على الظرفّة أو يُجرَّانِ بمن،
نحو: ((جئتُ قبلَ الظهر، أو بعدَهُ، أو من قبلهِ ، أو بعدهِ )).
وقد يكونانِ للمكان نحو: ((داري قبلَ دارك، أو بعدَها)).
وهما مُعْرَبان بالنّصبِ أو مجروران بمن . ويُبنيانِ في بعض الأحوال
وذلك إذا قطعا عن الإِضافة لفظاً لا معنَّى - بحيثُ يَبقى المضافُ إليه في النية
والتقدير - كقوله تعالى: ﴿اللّهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ﴾، أي : من قَبلِ
الغَلَبةِ ومن بعدها )) . فإن قُطِعا عن الإِضافة لفظاً ومعنَّى لقصدِ التَّكير - بحيثُ
لا يُنْوَى المضافُ إليه ولا يُلاحَظُ في الذهن - كانا مُعرَبين، نحو: ((فعلتُ
٥٩

ذلكَ قبلاً، أو بعداً))، تَعني زماناً سابقاً أو لاحقاً، ومنه قول الشاعر :
فَسَاغَ لِيَ الشَّرابُ ، وكُنْتُ قَبْلا
أَكَادُ أَغَصُّ بالماءِ الْفُرَاتِ
( وإليك توضيح هذا البحث :
إذا أردت قبليّةً أو بعديةً معينتين، عينتَ ذلك بالإضافة، نحو: (( جئت
قبل الشمس أو بعدها))، أو بحذف المضاف إليه وبناء ((قبل وبعد)) على
الضم، نحو : ((جئتك قبلُ أو بعدُ، أو من قبلُ أو من بعدُ ))، تعني بذلك:
قبل شيء معين أو بعده ، فالظرف هنا ، وإن قُطع عن الإِضافة لفظاً، لم
يُقطع عنها معنى ، لأنه في نية الإِضافة .
وإن أردت قبليّة أو بعدية غير معينتين، قلت: ((جئتك قبلاً، أو بعداً،
أو من قبلٍ أو من بعدٍ))، بقطعهما عن الإِضافة لفظاً ومعنى وتنوينهما ، قصداً
إلى معنى التنكير والإِبهام ) .
٨ - لدَى وَلَدُنْ: ظرفانٍ المكان والزمان، بمعنى: ((عند))، مَبنّيّانٍ
على السكون .
والغالبُ في ((لدُنْ)) أن تُجرَّ بمن، نحو: ((وعلَّمناهُ من لَدُنّا علماً. وقد
تُنصَبُ محلاً على الظرفيّة الزمانية، نحو: (( سافرتُ لَدُنْ طُلوعِ الشمسِ))،
أو المكانيّة، نحو: ((جلستُ لَدُنْك)).
وإذا أُضيفت إلى ياء المتكلم لَزمتها نونُ الوقاية، نحو: ((لَدُنِّي)). وقد
تترَك هذه النونُ، على قِلَّةٍ، نحو : ((لدُنِي)).
وهي تُضافُ إلى المفرد، كما رأيتَ، وإلى الجملة، نحو : ((انتظرتُك
من لَدُنْ طلعت الشمسُ إلى أن غَرِبتْ)).
٦٠

NTW I I I
وإن وقعت بعدَها ((غُدْوَةٌ)) نحو: «جئتُك لَدُن غُدْوة)) جاز جرها بالإِضافة
إلى (لَدُنْ)). وجاز نصبها على التمييز، أو على أنها خبر لكان المقدَّرة معَ
اسمها. والتقديرُ: ((لَدُنْ كان الوقتُ غُدوةً)) وجاز رفعها على أنها فاعلٌ لفعل
محذوف. والتقديرُ: ((لَذُنْ كانت غدوةٌ)) أي: ((وُجِدتْ)). فكان هنا تامّة.
والغالبُ على ((لَذَى)) النّصبُ محلاً على الظرفيّة الزمانيّة، نحو: ((جئتُ
لَدَى طُلوعِ الشمس))، أو المكانّة، نحو: ((جلست لَديكَ)). وقد تُجُرُّ بمن،
نحو: «حضَرتُ من لَدَى الأستاذ)).
ولا تقعُ (لَدُنْ)) عمدةً في الكلامِ، فلا يُقالُ: ((لدُنهُ عِلمُ))، بخلافٍ
(لَدَى)) فتقعُ، نحو: ((وَلَدَيْنا مَزِيدٌ)). وكذلك ((عند)) تقعُ عُمدةً، نحو: ((عندَك
حُسنُ تدبيرٍ)».
ولا تكون (((لَدِى وَلَّدُنْ)) إلَّ للحاضر. فلا يُقال: ((لديَّ كتابٌ نافعٌ))، إلاّ
إذا كان حاضراً. أمّا ((عند)) فتكون للحاضر والغائب.
ولا تُجرُّ((لَدَى وَلَدُنْ وعند)» بحرف جرّ غِيرِ ((من)»، فمن الخطأ أن يُقال:
((ذهبتُ إلى عندهِ)). وكثيرٌ من الناس يخطئُون في ذلك، والصوابُ أن يقال:
((ذهبتُ إليه، أو إلى حضرتِهِ)).
وإذا اتصلَ الضميرُ بِلَدَى انقلبت ألفُها ياءً، نحو: ((لَدَيه ولديهم
ولدينا)).
٩ - مَتى : ظرفٌ للزمان ، مبني على السكونِ .
وهو يكون اسم استفهامٍ ، منصوباً محلاً على الظرفيّة، نحو (( متى
جئتَ؟))، ومجروراً بإلى أو حتى، نحو: (( إلى متى يرتَعُ الغاوي في غيِّه ؟
وحَتّى متى يبقى الضّال في ضلالِهِ؟ )).
٦١

ويكونُ اسمَ شرطٍ ، نحو : (( متى تُتقنُ عملَكَ تبلغْ أملَكَ ».
ومتى تضمّنت (( متى)) معنى الشرط لَّزِمتِ النصبَ على الظرفية ، فلا
تُستعمل مجرورةً .
١٠ - أينَ: ظرفٌ للمكانِ ، مبنيٌّ على الفتح .
وهو يكونُ اسمَ استفهامٍ ، منصوباً على الظرفيّة ، فَيُسأل به عن المكان
الذي حلَّ فيه الشيءُ، نحو: ((أينّ خالدٌ؟ وأينّ كنتَ؟)). ومجروراً بمن ،
فيُسألُ به عن مكانٍ بُروزٍ الشيءِ، نحو: ((من أَيْنَ جِئتَ؟))، ومجروراً بإِلى،
فُيُسألُ به عن مكان انتهاءِ الشيءِ. نحو: (( إلى أينَ تذهبُ؟)).
ويكونُ اسمَ شرطٍ. وحينئذٍ يَلزَمُ النصبَ على الظرفّة، نحو: (( أينَ
تَجلسْ أجلسْ)) وكثيراً ما تلحقُهُ ((ما)) الزائدةُ للتّوكيد، نحو: ((أينما تكونوا
يُدرِكْكُمُ الموتُ)».
١١ - هنا وثَمَّ: اسما إشارةٍ للمكان. فهُنا: يُشار به إلى المكان
القريب وثَمَّ : يُشار به إلى البعيد. والأول مبني على السكون. والآخرُ مبنيّ
على الفتح. وقد تلحقُهُ التاءُ التأنيث الكلمة، نحو: ((ثَمَّةُ)). ومَوضعُها النصبُ
على الظرفية. وقد يُجرَّان بمن وبإلى .
١٢ - حيثُ: ظرفٌ للمكان، مبنيٌّ على الضمِّ، نحو: ((إجلِسْ حيثُ
يجلسُ أهلُ الفضلِ ))، ومنهم من يقول، ((حَوْثُ)).
وهي ملازمةُ الإضافةَ إلى الجملة . والأكثرُ إضافتها إلى الجملة
الفعليّة، كما مُثُّلَ. ومن إضافتها إلى الاسميةِ أن تقولَ: ((إجلِسْ حيثُ خالدٌ
جالسٌ)). ولا تُضاف إلى المفردِ. فإن جاءَ بعدَها مفردٌ رُفعَ على أنهُ مبتدأ
خبرُهُ محذوف، نحو: ((إجلسْ حيثُ خالدٌ))، أي: ((حيث خالدٌ جالس)).
٦٢

وقد تُجرُّ بمن أو إلى، نحو: ((إرجِعْ من حيثُ أتيتَ إلى حيثُ كنتَ)).
وأقلُّ من ذلك جرُّها بالباءِ أو بفي .
وإذا لحقتها ((ما)» الزائدة كانت اسمَ شرطٍ، نحو: ((حيثما تذهبْ أذهبْ)).
١٣ - الآن: ظرفُ زمانٍ للوقت الذي أنت فيهِ، مبني على الفتح.
ويجوز أن يدخلهُ من حروفِ الجرِّ ((من وإلى وحتى ومُذْ ومُنذُ»، مبنيّاً مَعَهنَّ
على الفتح . ويكون في موضعِ الجرِّ .
١٤ - أمسٍ: لها حالتان: إحداهما أن تكون معرفةً، فتُبنى على
الكسر، وقد تُبنى على الفتح نادراً. ويُرادُ بها اليومُ الذي قبلَ يومكَ الذي
أنت فيه، نحو: ((جئتُ أمسٍ)). وتكونُ في موضع نصب على الظرفّة
الزمانية .
وقد تخرجُ عن النصب على الظرفية، فتجرُّ بمن أو مُذْ أو منذُ . وتكونُ
فاعلا أو مفعولاً به أو غيرهما . ولا تخرجُ في ذلك كلهِ عن بنائها على الكسر
قال الشاعر :
أَلَيَوْمَ أعلمُ ما يَجِيءُ بهِ وَمَضى بِفَصلِ قَضائِه أَمْسٍ (١)
ومن العرب من يُعربها إعرابَ ما لا ينصرفُ وعليه قولهُ :
إني رَأَيتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا .
عَجَائِزاً مِثْلَ السَّعالِي خَمْساً (٢)
(١) أمس: مبني على الكسر. وهو في محل رفع فاعل لمضى.
(٢) أمسا: مجرور بمد، وهو هنا معرب مجرور بالفتحة ، لأنه ممنوع من الصرف للتعريف
والعدل. والسعالي: جمع سعلاة - بكسر السين وهي انثى الغيلان.
٦٣
:

وقول الآخر :
إعتَصِمْ بالرَّجاءِ إِنْ عَنَّ يَأْسُ
تَضَمِّنَ أَمْسُ
وَتَنَاسَ الَّذِي
ومنعُها من الصّرف هو للتعريف والعَدْل ، لأنها معدولة عن الأمس .
كما أنَّ ((سحَرَ)) معدولٌ عن السَّحَر. كما سبقَ في إعراب ما لا ينصرف .
والحالةُ الثانيةُ أن تدخلَ عليها ( أل ) ، فتُعرَبُ بالإِجماع . ولا يُرادُ بها
حينئذٍ أمس بعينِهِ ، وإنما يُرادُ بها يومٌ من الأيام التي قبل يومك . وهي
تتصرّفُ من حيثُ موقعُها في الإِعراب تَصرُّفَ (( أمس)).
١٥ - دُون: ظرفٌ للمكان. وهو نقيضُ ((فَوْق))، نحو ((هو دونّه))،
أي: أحطُّ منه رتبةً، أو منزلةً، أو مكاناً. وتقولُ: ((قعدَ خالدٌ دونَ سعيدٍ ))
أي : في مكانٍ مُنخفض عن مكانه. وتقولُ: ((هذا دُونَ ذاك))، أي : هو
مُسفّلٌ عنه .
ويأتي بمعنى ((أمام)) نحو: ((الشيء دونَك))، أي: ((أمامَكَ)) وبمعنى
((وراء))، نحو: ((قعدَ دُونَ الصَّفِّ))، أي: وراءَه. وهو منصوبٌ على
الظرفية المكانّة ، كما رأيتَ .
وقد يأتي بمعنى ((رديءٍ وَخَسيسٍ)) فلا يكون ظرفاً، نحو: ((هذا شيءٌ
دُونٌ)) أي : خسيسٌ حقيرٌ . وهو حينئذٍ يتصرَّفُ بوجوهِ الإِعرابِ . وتقولُ :
(( هذا رجلٌ من دُونٍ. وهذا شيءٌ من دونٍ)). هذا أكثرُ كلامِ العرب،
ويجوز حذفُ ((من))، كما تقدَّمَ وتُجعَلُ ((دون)) هي النّعت.
وهو مُعرَبٌ . لكنَّه يُبنى في بعض الأحوال ، وذلكَ إذا قُطع عن الإِضافةِ
٦٤

-----
لفظاً ومعنى، نحو : (( جلستُ دونُ))، بالبناءِ على الضم . ويكونُ في موضع
نصب .
١٦ - رَيْثَ: ظرفٌ للزمان منقول عن المصدر. وهو مصدر ((راث
يَرِيثُ رَيْئاً))، إذا أبطأ، ثُمَّ ضُمنَ معنى الزمان ، ويُرادُ به المقدارُ منه،
نحو: ((انتظرتهُ رَيثَ صَلَّى، وانتظرني رَيثَ أجيءُ))، أي : قدْرَ مُدَّةٍ
صلاتهِ ، وقدرَ مدة مجيئي .
ولا يَليهِ إلَّ الفعلُ، مُصدَّراً بما أو أنْ المصدريتين، أو مُجرَّداً عنهما
فالأول نحو: ((انتظرني ريثما أحضُرُ. وانتظرتُهُ رَيثَ أن صَلّى))، فيكون
حينئذ مضافاً إلى المصدر المُؤوّل بِهما والثاني تقدّم مثاله .
وإذا لم يُصَدّر الفعلُ بهما، أُضيفَ ((رَيْث)) إلى الجملة. وكان مبنيّاُ
على الفتح، إن أُضيف إلى جملةٍ صَدرُها مبنيٌّ، نحو: (( وَقَفَ رَيث
صلَّينا))، ومُعرَباً ، إن أُضيف إلى جملةٍ صدرُها مُعربٌ ، كقول الشاعر :
لاَ يَصعُبُ الْأَمْرُ إِلَّ رَيْثَ يَرْكِبُهُ
وَكلَّ أَمرٍ، سِوَى الْفَحْشاءِ، يَأْتَمِرُ
لأنَّ المضارعِ هنا مُعْرَب .
وأكثرُ ما يُستعملُ (رَيثَ) قبل فعلٍ مُصَدّر بما أو أنْ. وقد يُستعمل
مُجرّداً عنهما. كما تقدم.
ويكثر وقوعه مُستثنىَّ بعد نفي، نحو: (( ما قعدَ عندنا إلَّ ريثما تُقرأ
الفاتحة)). ومنهُ حديثُ: ((فلم يَلْبَثْ إلَّ رَيثما قلتُ)).
١٧ - معَ: ظرفُ لمكانِ الاجتماع ولزمانهِ، فالأول نحو: ((أنا معكَ))،
والثاني نحو : (( جئتُ معَ العصر)). وهو مُعرَب منصوب وقد يُبنى على
٦٥
.....
----- --------
....
- -

السكون . ( وذلك في لغة غُنْمٍ وربيعة)، فيكون في محلِّ نصبٍ . وإذا وَلِيَهُ
ساكنُ حُرِّكَ بالكسر ، على هذه اللغة ، تَخلصاً من التقاء الساكنينِ ، نحو :
((جئتُ معِ القومِ )).
وأكثرُ ما يُستعملُ مضافاً ، كما رأيتَ . وقد يُفرَدُ عن الإِضافة ، فالأكثر
حينئذٍ أن يقعَ حالاً، نحو: ((جئنا معاً)) أي: جميعاً، أو مجتمعينٍ . وقد
يقعُ في موضع الخبر، نحو: ((سعيدٌ وخالدُ معاً ))، فيكونُ ظرفاً متعلقاً
بالخبر .
والفرقُ بين ((مع))، إذا أُفردت، وبينَ ((جميعاً) أنكَ إذا قلتَ: ((جاءُوا
معاً))، كان الوقتُ واحداً. وإذا قلتَ: ((جاءوا جميعاً))، أحتمل أن يكونَ الوقتُ
واحداً، وأحتملَ أنهم جاءُوا مُتَفرِّقينَ في أوقات مختلفة .
١٨ - كيفَ: اسمُ استفهام . وهي ظرفٌ للزمان عندَ سيبويهِ ، في
موضع نصبٍ دائماً، وهي مُتعلقةٌ إما بخبرٍ، نحو: (( كيفَ أنت؟ وكيفَ
أصبحَ القومُ؟))، وإمّا بحالٍ، نحو: ((كيفَ جاءَ خالدٌ؟)). والتقديرُ عندهُ: ((في
أي حالٍ ، أي على أي حالٍ؟)).
والْمُعتمَدُ أنها للاستفهامِ المجرّدِ عن معنى الظرفيّة ، فتكون هي الخبر
أو الحال ، لا المتعلّقَ المقدّر.
وتكون أيضاً ثانيَ مفعولَيْ ((ظنّ)) وأخواتها، لأنه في الأصل خبرٌ،
نحو : ((كيفَ ظننتَ الأمرَ؟)).
٦٠٨٣:١٢٧
وقد تكون اسمَ شرطٍ فيجزمُ فعلين، عندَ الكوفيين، نحو: ((كيفَ
تجلسْ أجلسْ. وكيفما تكنْ أكنْ)). وهي ، عند البصريين، اسمُ شرطٍ غيرُ
جازم .
٦٦

١٩ - إذْ: ظرفٌ للزمان الماضي، نحو: ((جئتُ إذْ طلعت الشمسُ)).
وقد تكونُ ظرفاً للمستقبل ، كقوله تعالى: ﴿ فسوف يعلمونَ إِذِ الأغلال في
أعناقهم ﴾ .
وهي مبنية على السكون في محل نصبٍ على الظرفية . وقد تقعُ موقعَ
المضاف إليه، فتضافُ إلى اسمِ زمانٍ، كقولهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تَزْ قُلُوبَنا
بعدَ إِذْ هَدَيْتنا ﴾(١).
وقد تقعُ موقعَ المفعولِ به ( أو البدلِ منه) . فالأولُ كقوله سبحانه :
واذكُرُوا إذ كنتم قليلاً﴾(٢). والثاني كقوله: ﴿واذكرْ في الكتاب مريمَ، إذ
انتبذتْ من أهلها مكاناً شرقيّاً ﴾(٣).
وهي تلزمُ الإِضافةَ إلى الجُمل ، كما رأيتَ . فالجملةُ بعدها مضافة
إليها . وقد يُحذف جزء الجملة التي تضافُ إليها ، كقول الشاعر :
هَلْ تَرجِعَنَّ لَيالٍ قَدْ مَضَيْنَ لَنا
وَالْعَيْشُ مُنْقَلِبٌ إِذْ ذَاكَ أَقْنَانَا (٤)
وقد تُحذَفُ الجملةُ كلُّها، ويُعوّضُ عنها بتنوينِ ((إذ)) تنوين العِوَض،
كقوله تعالى: ﴿ فَلَولا إذْ بلغتِ الرُّوحُ الحُلقُومَ، وأنتم حينئذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي :
وأنتم حينَ إذْ بلغت الروحُ الحُلقوم تنظرون .
(١) بعد: منصوب على الظرفية، وإذ مضاف إلى بعد. مبني على السكون في محل جر.
(٢) إذ: مبني على السكون في محل نصب مفعول به لاذكروا ، أي اذكروا وقت كنتم قليلاً .
(٣) مريم: مفعول به لأذكر. وإذ: بدل من مريم بدل اشتمال. والمعنى: اذكر وقت انتباذ
مريم .
(٤) إذ: في محل نصب على الظرفية . وذاك : مبتدأ ، والخبر محذوف، والتقدير: إذ ذاك.
كذلك، أو حاصل. أو ذاك: خبر، والمبتدأ محذوف، والتقدير: إذ الأمر ذاك. والإشارة إلى
رجوع الليالي الماضية التي يتمنى رجوعها . والاستفهام للتمني .
٦٧