Indexed OCR Text

Pages 581-600

"; ٢٠٠
شُرَكائي الذين كنتم تزعمونَ ؟ ﴾ أي تزعمونهم شُرَكائي ، ومن ذلك قولهم :
((مَنْ يَسمَعْ يَخَلْ))، أي: يَخَلْ ما يَسمعُهُ حقاً.
( وقد تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب مزيد إيضاح لهذا البحث
في الكلام على أفعال القلوب ، فارجع إليه ) .
٣ - أنه يجوز أن يُحذَفَ فعلُهُ لدليل، كقوله تعالى: ﴿ماذا أنزلَ ربُّكم؟
قالوا خيراً﴾، أي: أنزلَ خيراً، ويقال لك: ((مَنْ أُكرِمُ ؟ ، فتقول :
(( العلماء))، أي : أكرم العلماء.
ويجبُ حذفُهُ في الأمثال ونحوها مِما اشتهر بحذف الفعل ، نحو :
(((الكلابَ على البَقَرِ))، أي: أرسلِ الكلابَ، ونحو: ((أمَرَ مُبكياتِكَ، لا
أمرَ مضحِكاتكَ))، أي: الزَمْ وآقبَلْ، ونحو: ((كلَّ شيءٍ ولا شَتيمةَ حُرّ))،
أي : آئتِ كلُّ شيءٍ، ولا تأت شتيمة حُرٍّ، ونحو: ((أهلاً وسهلاً))، أي :
جئتَ أهلاً ونزلتَ سهلاً .
ومن ذلكَ حذفهُ في أَبواب التحذير والإِغراءِ والاختصاص والاشتغال
والنّعتِ المقطوع . وسيأتي بيانُ ذلك في مواضعه .
٤ - أن الأصلَ فيه أن يتأخرَ عن الفعلِ والفاعلِ. وقد يتقدَّمُ على
الفاعلِ ، أو على الفعل والفاعل معاً ، كما سيأتي .
٣ - تقديمُ المفعولِ بهِ وتأخيرُهُ
الأصل في الفاعل أن يَتّصل بفعله ، لأنه كالجزءِ منه، ثم يأتي بعد!
المفعول . وقد يُعكْسُ الأمرُ. وقد يَتقدَّمُ المفعولُ على الفعل والفاعل معاً .
وكلُّ ذلك إمَّا جائزٌ، وإمّا واجبٌ ، وإمَّا مُمتنع.
٨

:
تقديم الفاعل والمفعول أحدهما على الآخر
يجوزُ تقديمُ المفعولِ به على الفاعلِ وتأخيرُه عنه في نحو: (( كتبَ
زُهيرٌ الدرسَ، وكتبَ الدرسَ زُهيرٌ ».
ويجب تقديمُ أَحدِهما على الآخر في خمس مسائل :
١ - إذا خُشيَ الإِلتباسُ والوقوع في الشكِّ، بسبب خفاء الإِعراب مع
عَدَمِ القرينةِ ، فلا يُعلَمُ الفاعلُ من المفعول ، فيجبُ تقديمُ الفاعل ، نحو :
((عَلّمَ موسى عيسى، وأكرمَ آبني أخي، وغلَب هذا ذاك)). فإن أُمِنَ اللّبسُ
لقرينةٍ دالّةٍ، جازَ تقديمُ المفعولِ، نحو: (( أكرمتْ موسى سَلمى، وأَضنتْ
سُعدَى الحُمّى )).
٢ - أن يتصلَ بالفاعلِ ضميرٌ يعود إلى المفعول، فيجبُ تأخيرُ الفاعل
وتقديمُ المفعولِ، نحو: ((أكرمَ سعيداً غلامُهُ)). ومنهُ قوله تعالى: ﴿وإذ
ابتلى إبراهيمَ رَبُّهُ بكلماتٍ﴾، وقولهُ: ﴿يومَ لا ينفع الظّالمينَ مَعذِرتُهم ﴾.
ولا يجوزُ أن يقال: ((أكرم غلامُهُ سعيداً))، لئلا يلزمَ عَودُ الضمير على مُتأخر
لفظاً ورتبةً ، وذلك محظورٌ(١) . وأما قولُ الشاعر :
وَلَوْ أَنَّ مَجداً أَخِلَدَ الدَّهْرَ واحِداً
مِنْ النَّاسِ ، أَبقى مَجْدُهُ الذَّهِرَ مُطْعِما
وقول الآخر :
كَسَا حِلْمُهُ ذَا الْحِلْمِ أَثوابَ سُؤدُدٍ
وَرَقَّى نَدَاهُ ذَا النَّدَى فِي ذُرَى الْمَجْدِ
(١) راجع مبحث عود الضمير في الجزء الأول من هذا الكتاب .
٩

وقول غيره :
جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيٍّ بْنَ حاتِمٍ
جَزاءَ الكِلابِ الْعاوِياتِ ، وَقَدْ فَعلْ
وقول الآخر :
جَزَى بَنُوهُ أبا الْغَيْلانِ عَنْ كِبْرٍ
وَحُسْنٍ فِعْلٍ كَمّا يُجْزَى سِنّمار
فضَرُورةٌ ، إن جازتْ في الشعر ، على قُبحها ، لم تَجزْ في النّثر.
فإنِ أَتَّصل بالمفعول ضميرٌ يعودُ على الفاعل، جازَ تقديمُهُ وتأخيرُهُ
فتقولُ: ((أكرمَ الأستاذُ تِلميذَهُ، وأَكرمَ تلميذَهُ الأستاذُ))، لأنَّ الفاعلَ رتبتُهُ
التقديمُ ، سواءٌ أَتقدّمَ أَم تأخّر .
٣ - أن يكون الفاعلُ والمفعولُ ضميرينٍ ، ولا حصرَ في أَحدهما،
فيجبُ تقديمُ الفاعل وتأخيرُ المفعول به، نحو: ((أكرمتُه)).
٤ - أن يكون أَحدُهما ضميراً متصلاً، والآخر اسماً ظاهراً، فيجبُ
تقديمُ الضمير منهما، فيُقدّمُ الفاعلُ في نحو: ((أكرمتُ علياً))، ويُقدّمُ
المفعولُ في نحو: ((أكرَمني علي))، وجوباً .
(ولك في المثال الأول تقديمُ المفعول على الفعل والفاعل معاً ، نحو:
((علياً أكرمتُ)). ولك في المثال الآخر تقديم ((عليّ)) على الفعل والمفعول
به، نحو: ((عليّ أكرمني))، غير أنه يكون حينئذ مبتدأ ، على رأي
البصريين ، ويكون الفاعل ضميراً مستتراً يعود إليه . فلا يكون الكلام ،
والحالة هذه ، من هذا الباب ، بل يكون من المسألة الثالثة ، لأن الفاعل
والمفعول كليهما حينئذ ضميران ) .
١٠

٥ - أن يكون أحدُهما محصوراً فيه الفعلُ بإلَّ أَو إنما ، فيجبُ تأخيرُ ما
حُصرَ فِيه الفعلُ ، مفعولاً أو فاعلاً، فالمفعولُ المحصورُ نحو « ما أكرمَ سعيدٌ
إلَّ خالداً))، والفاعلُ المحصورُ نحو: (( ما أكرمَ سعيداً إلَّ خالدٌ. وإنما أَكرمَ
سعيداً خالدٌ )).
( ومعنى الحصر في المفعول أن فعل الفاعل محصور وقوعه على هذا
المفعول دون غيره . وذلك يكون ردّاً على من اعتقد أن الفعل وقع على
غيره ، أو عليه وعلى غيره . ومعنى الحصر في الفاعل أن الفعل محصور
وقوعه من هذا الفاعل دون غيره . وذلك يكون رداً على من اعتقد أن الفاعل
غيره ، أو هو وغيره ) .
وقد أَجازَ بعضُ النَّحاة تقديمَ أحدِهما وتأخيرَ الآخرِ ، أَيًّا كمان المحصورُ
فيهِ الفعلُ ، إِذا كان الحصرُ بإلَّ، تمسكاً بما ورَدَ من ذلك . فمن تقديم
المفعول المحصورِ بإلَّ قول الشاعر:
:
وَلَمَّا أَبَى إِلَّ جَمَاحاً فُزَادُهُ
وَلَمْ يَسْلُ عَنْ لَيْلَى بِمَالٍ ولا أَهلِ
وقول الآخر :
تَزَوَّدْتُ مِنْ لَيْلَى بِتَكْلِيمِ ساعةٍ
فَما زادَ إِلَّ ضِعْفَ ما بِي كَلامُها
ومن تقديم الفاعلِ المحصورِ بها قولُ الشاعر :
ما عابَ إِلَّ لَئِيمٌ فِعْلَ ذِي كَرَم
وَلاَ جَفَا قَطُّ إِلَّ جُبَّأْ بَطَلَا(١)
(١) الجبأ : الجبان.
١١
:
١

وقول الآخر :
نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بِالنَّارِ جارَهُمُ !
وَهَلْ يُعَذِّبُ إِلَّ اللّهُ بِالنَّارِ؟!
وقولُ غيره :
فَلَمْ يَدْرٍ إِلَّ اللّهُ مَا هَيَّجَتْ لَنا،
عَشِيَّةَ آناءِ الذِّيارِ، وِشامُها (١)
والحق أَن ذلكَ كله ضرورةٌ سَوَّغَها ظهورُ المعنى المرادِ ووضُوحهُ ،
وسَهّلها عدمُ الالتباسِ .
وأعلم أَنهُ متى وجبَ تقديمُ أَحدِهما ، وجبَ تَأخيرُ الآخر بالضرورة .
تقديم المفعول على الفعل والفاعل معاً
يجوزُ تقديمُ المفعول به على الفعل والفاعل معاً في نحو: ((عليّاً
أكرمتُ. وأكرمتُ عليّاً))، ومنه قوله تعالى: ﴿فَفريقاً كذَّبتمٍ وَفَرِيقاً
تقتلون
٠
ويجبُ تقديمهُ عليهما في أَربع مَسائلَ :
١ - أَن يكونَ أَسمَ شرطٍ، كقولهِ تعالى: ﴿من يُضلِلِ اللَّهُ فما لهُ من
هادٍ﴾، ونحو: ((أيَّهُمْ تُكرِمْ أُكرِمْ))، أو مضافاً لاسمِ شرطٍ، نحو: ((هذْيَ
من تَتَبعْ يَتَبِعْ بَنوكَ ».
(١) عشية : منصوب على الظرفية ، وفاعل هيجت هو وشامها . والآناء : جمع النأي ، وهو البعد
والفراق . والوشام : بكسر الواو : جمع وشيمة ، وهي العداوة وكلام الشر .
١٢

٢ - أن يكون اسم استفهامٍ، كقوله تعالى: ﴿فأيَّ آياتِ اللّهِ
تُنْكِرونَ؟ ﴾، ونحو: ((من أكرمتَ؟ وما فعلتَ؟ وكمْ كتاباً اشتريت؟))، أو
مضافاً لاسم استفهام ، نحو : كتاب من أخذتَ ؟)).
وأجاز بعض العلماء تأخيرَ اسم الاستفهام ، إذا لم يكن الاستفهامُ
ابتداءً، بل قُصِدَ الاستثباتُ من الأمر، كأن يُقالَ: ((فعلتُ كذا وكذا))،
فتستثبِتُ الأمرَ بقولكَ: ((فعلتَ ماذا؟)). وما قولُهم ببعيدٍ من الصواب.
٣ - أن يكون ((كمْ)) أو ((كأيِّنْ)) الخَبرِيَّتينِ، نحو: ((كم كتابٍ مَذْكتُ!))،
ونحو: ((كأيِّنْ من عِلمٍ حَوَيتُ!))، أَو مضافاً إلى (( كم)) الخبريَّةِ نحو :
ذَنبَ كم مُذْنِبِ غَفَرتُ!)) .
( أما ((كأين)) فلا تضاف ولا يضاف إليها . وإنما وجب تقديم المفعول
به إن كان واحداً مما تقدم ، لأنّ هذه الأدوات لها صدر الكلام وجوباً ، فلا
يجوز تأخيرها ) .
٤ - أَن ينصبه جواب ((أما))، وليسَ لجوابها منصوبٌ مُقدّمٌ غيرُهُ ،
كقولهِ تعالى: ﴿فأمّا اليتيم فلا تَقهرْ، وأَمّا السائلَ فلا تَنْهَرْ ﴾.
( وإنما وجب تقديمه، والحالة هذه، ليكون فاصلاً بين ((أما))
وجوابها ، فإن كان هناك فاصل غيره فلا يجب تقديمه، نحو : (( أما اليوم
فافعل ما بدا لك ))) .
تقديم أحد المفعولين على الآخر
إذا تعدَّدَت المفاعيلُ في الكلام ، فلبعضها الأصالةُ في التقدُّم على
بعضٍ، إمّا بكونهِ مبتدأً في الأصل كما في باب ((ظنَّ))، وإمّا بكونِهِ فاعلا
١٣

في المعنى ، كما في باب (( أَعطى)).
( فمفعولا ((ظنّ)) وأخواتها أصلهما مبتدأ وخبر، فاذا قلت: ((علمت الله
رحيماً)). فالأصل: ((اللّهُ رحيمٌ)). ومفعولا ((أعطى)) وأخواتها ليس
أصلهما مبتدأ وخبراً ، غير أن المفعول الأول فاعل في المعنى ، فإذا قلت :
((ألبستُ الفقير ثوباً))، فالفقير : فاعل في المعنى ، لأنه لبس الثوب ) .
فإذا كانَ الفعل ناصباً لمفعولين ، فالأصلُ تقديمُ المفعولِ الأوَّل ، لأنّ
أصله المبتدأُ، في باب ((ظَنَّ))، ولأنهُ فاعلٌ في المعنى في باب ((أَعطى)) ،
نحو: ((ظننتُ البدرَ طالعاً))، ونحو: ((أعطيتُ سعيداً الكتابَ)). ويجوز
العكسُ إن أُمِنَ اللّبْسُ، نحو: ((ظنتُ طالعاً البدرَ))، ونحو: ((أَعطيتُ
الكتابَ سعيداً )).
ويجب تقديم أحدهما على الآخر في أربع مسائل :
١ - أَن لا يُؤْمِنَ اللّبْسُ، فيجبُ تقديمُ ما حقّهُ التقديمُ، وهو المفعولُ
الأول ، نحو: ((أَعطيتكَ أَخاكَ))، إن كان المخاطَبُ هو المُعطى الآخذ ،
وأخوه هو المعطى المأخوذ، ونحو: ((ظننت سعيداً خالداً))، إن كان سعيدٌ
هو المظنونَ أنه خالدٌ . وإلاّ عكستُ .
٢ - أن يكونَ أحدُهما اسماً ظاهراً، والآخر ضميراً، فيجبُ تقديمُ ما
هو ضميرٌ، وتأخيرُ ما هو ظاهرٌ، نحو: ((أعطيتُكَ درهماً)) و ((الدرهمَ
أعطيتُهُ سعيداً)).
٣ - أن يكون أحدُهما محصوراً فيه الفعلُ ، فيجبُ تأخير المحصور ،
سواءٌ أكان المفعولَ الأولَ أم الثاني، نحو: (( ما أعطيتُ سعيداً إِلَّ درهماً))
و (( ما أعطيتُ الدرهمَ إلَّ سعيداً)).
١٤

٤ - أن يكونَ المفعولُ الأولُ مشتملاً على ضمير يعودُ إلى المفعول
الثاني، فيجب تأخيرُ الأول وتقديم الثاني، نحو: ((أعطِ القوسَ بارّيها)).
( فلو قُدِّم المفعولُ الأول لعاد الضمير على متأخر لفظاً ورتبة ، لأن
المفعول الثاني رتبته التأخير عن المفعول الأول . أما إن كان المفعول الثاني
مشتملاً على ضمير يعود إلى المفعول الأول، نحو: ((أعطيت التلميذَ
كتابه))، فيجوز تقديمه على المفعول الأول، نحو: ((أعطيتُ كتابه التلميذَ))
لأن المفعول الأول ، وإن تأخر لفظاً ، فهو متقدم رتبة ) .
٤ - المُشَبَّهُ بِالْمَفْعول به
إن كان معمولُ الصفةِ المُشَبَّهة (١) معرفةٌ، فحقُّهُ الرفعُ ، لأنه فاعلٌ
لها، نحو: ((عليٌّ حَسَنْ خُلقُهُ))(٢). غيرَ أنهم إذا قصدوا المبالغةَ حَوَّلوا
الإِسنادَ عن فاعلها إلى ضميرٍ يَسْتَتِرُ فيها يعود إلى ما قبلها، ونَصبوا ما كان
فاعلاً، تشبيهاً له بالمفعول به، فقالوا: ((علي حَسَنْ خُلقَهُ، بنصبِ الخُلُق
على التَّشبيه بالمفعول به ، وليس مفعولاً به ، لأنّ الصفةَ المشبّهة قاصرةٌ غيرُ
متعديةٍ ، ولا تمييزاً ، لأنه معرفةٌ بالإِضافة إلى الضمير . والتمييزُ لا يكونُ إلَّ
نكرةٌ .
٥ - التَّحْذيرُ
التَّحذيرُ : نصبُ الاسمِ بفعلٍ محذوفٍ يُفيدُ الَّنبيهَ والتحذيرَ . ويُقدّرُ
بما يُناسبُ المقامَ: كاحذَرْ، وباعِدْ، وَتَجَنَّبْ، و((قِ )) وتَوَقَّ ، ونحوها .
(١) تقدم الكلام على الصفة المشبهة في الجزء الأول من هذا الكتاب فراجعه .
(٢) علي مبتدأ، وحسن: خبره، وخلقه: فاعل لحسن. ويجوز أن يكون ((حسنٌ)) خبراً مقدماً،
وخلقه مبتدأ مؤخراً، والجملة خبر عن علي .
١٥

وفائدتُهُ تنبيهُ المخاطبِ على أمرٍ مكروهٍ ليجتنبَهُ .
ويكونُ التحذيرُ تارةً بلفظِ ((إِيَّاكَ )» وفروعه، من كلّ ضميرٍ منصوبٍ
متصل للخطاب، نحو: ((إيَّكَ والْكَذِبَ(١)، إياكَ إياكَ والشرّ (٢)، إياكما من
النفاقِ(٣)، إياكم الضَّلالَ(٤)، إياكنَّ والرَّذيلةَ(٥))).
ويكونُ تارةً بدونِهِ، نحو: (( نفسَكَ والشرّ(٦)، الأسدَ الأسدَ))(٧).
وقد يكونُ بـ («إيّاه، وإيايَ)) وفروعهما، إذا عُطفَ على المُحذّر،
كقوله :
فَلا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ وَإِنَّاكَ وَإِيَّـ
هُ
ونحو : ((إيّايَ والشرَّ)). ومنه قولُ عُمَرَ، (( إيايَ وان يَحذفَ أحدكمُ
الأرنب)) يريد أن يحذفها بسيفٍ ونحوهِ. وجعلَ الجمهورُ ذلك من الشُّذوذ .
ويجبُ في التّحذيرِ حذفُ العامل مع ((إيّاكَ)) في جميع استعمالاته ،
ومعَ غيره ، إن كُرِّر أو عطفَ عليه، كما رأَيتَ . وإلا جازَ ذِكرُه وحذفُهُ ،
(١) إياك: في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره. ((باعد، أوقٍ أو أحذِّر)). والكذبَ:
معطوف على ((إياك))، أو مفعول به لفعل محذوف أيضاً تقديره : احذر ، أو توقَّ وتقدير الكلام
من جهة المعنى: باعد نفسك من الكذب وباعد الكذب من نفسك. ولك أن تجعل الواو واو
المعية، والكذب مفعولاً معه والأمران جائزان ، كما يفهم من كلام سيبويه في كتابه، وقس
على ذلك كلَّ ما استُعمل في باب التحذير بالعطف .
(٢) إياك الثانية : تأكيد للأولى.
(٣) إياكما: مفعول لفعل محذوف تقديره: ((باعدا، أو قيا، أو أحذّرُ)). و((من النفاق»: متعلق بالفعل
المقدّر.
(٤) التقدير ((أحذّركم الضلال، أو جنّبوا أنفسكم الضلال)) فإياكم والضلال: مفعولان لفعل مقدَّر
ينصب مفعولين .
(٥) إعرابها كإعراب ((إياك والكذبَ)).
(٦) إعرابها كإعراب ((إياك والكذب)).
(٧) التقدير: ((إحذرِ الأسدَ، أو توقه أو تجنبه)) والأسد الثانية: توكيد.
١٦

نحو: ((الكسلَ، نفسَكَ الشرّ))، فيجوز في هذا أن تقول: ((احذَرْ، أو
توقّ الكسلَ ، قِ نفسكَ الشرَّ، أو أُحذِّرُكَ الشرَّ)).
وقد يُرفعُ المكرّرُ، على أنهُ خبرٌ لمبتدأَ محذوفٍ، نحو: ((الأسدُ
الأسدُ )) أي : هذا الأسدُ .
وقد يُحذَفُ المحذورُ منه، بعد ((إياك)) وفروعهِ ، اعتماداً على
القرينة، كأنْ يُقال: ((سأفعلُ كذا))، فتقولُ: ((إياكَ))، أي: ((إياك أن
تفعله )) .
وما كان من التّحذير بغير ((إياك)) وفروعهِ، جاز فيه ذكرُ المُحذَّر
والمحذَّر منه معاً، نحو: (( رجلَكَ والحجرَ)) وجازَ حذفُ المحذّر وذكرُ
المحذّر منه وحدَهُ، نحو: ((الأسدَ الأسدَ)). ومنه قوله تعالى: ﴿ناقةَ اللّهِ
وسُقياها﴾(١).
٦ - الإِغراء
الإِغراءُ : نصبُ الاسمِ بفعلٍ محذوفٍ يُفيدُ الترغيبَ والتشويقَ
والإِغراءَ . ويقدَّرُ بما يُناسبُ المقامَ : كالزَمْ واطلُبْ وافعلْ ، ونحوها .
وفائدتُهُ تنبيهُ المخاطَبِ على أمرٍ محمودٍ ليفعلهُ، نحو: ((الاجتهادَ
الاجتهادَ))(٢) و (( الصِدِقَ وَكَرَّمَ الخلقِ )).
ويجبُ في هذا البابِ حذفُ العاملِ إِن كُرّرَ المُغْرَى به ، أو عُطِفَ
عليهِ، فالأولُ نحو : ((النّجدةَ النّجدةَ)) . ومنه قول الشاعر:
(١) التقدير: ((احذروا، أو تجنبوا، أو دعوا، أو توقوا ناقة اللّه وسقياها)).
(٢) الاجتهاد الأول: منصوب على الإغراء بفعل محذوف تقديره (الزم))، والاجتهاد الآخر: تأكيد
للإجتهاد الأول .
١٧

أَخَاكَ أَخاكَ، إِنَّ مَنْ لا أَخَا لَهُ
كساعٍ إلى الهَيْجا بِغَيْرٍ سِلاَحِ
وإنَّ ابْنَ عَمِّ الْمَرْءِ فَآعلَمْ، جَناحُهُ
وَهَلْ يَنْهَضُ الْبَازِي بِغَيْرٍ جَنَّاحٍ
والثاني نحو: ((المُروءةَ والنّجدةَ)). ويجوزُ ذِكرُ عاملهِ وحذفه إن لم
يُكرّر ولم يُعطفَ عليه، نحو: ((الإِقدامَ، الخيرَ)). ومنه: ((الصّلاةَ
جامعةٌ )). فإن أظهرتَ العاملَ فقلتَ: ((إلزمِ الإِقدام، إفعلِ الخيرَ، أُحضُرٍ
الصلاة))، جاز .
وقد يُرفعُ المكرَّرُ، في الإِغراءِ ، على أنهُ خبرٌ لمبتدأ محذوف ،
كقوله :
إِنَّ قَوْماً مِنْهُمْ عُمَيْرٌ وَأَشبا
هُ عُمْيْرٍ، ومِنْهُمُ السَّفَّاحُ
بالوفاءِ إِذَا قا
لَجَدِيرُونَ
لَ أَخُو السنَّجْدةِ. السِّلَاحُ السِّلَاحُ
٧ - الاختصاصُ
الاختصاصُ: نصبُ الاسمِ بفعلٍ محذوفٍ وجوباً تقديرُهُ: ((أَخصُّ ،
أو أعْني )). ولا يكونُ هذا الاسمُ إلَّ بعد ضميرٍ لبيان المرادِ منه، وقَصرِ
الحكمِ الذي للضمير عليه، نحو: ((نحنُ - العرَبَ - نُكرِمُ الضّيفَ)).
ويُسمّى الاسمَ المُختصّ .
( فنحن : مبتدأ ، وجملة نكرم الضيف : خبره . والعرب : منصوب
١٨

على الاختصاص بفعل محذوف تقديره: (( أخصّ)). وجملة الفعل
المحذوف معترضة بين المبتدأ وخبره . وليس المراد الإخبار عن (( نحن ))
بالعرب ، بل المراد أن إكرام الضيف مختص بالعرب ومقصور عليهم .
فإن ذُكرَ الاسمُ بعد الضمير للاخبار به عنه ، لا لبيان المراد منه ، فهو
مرفوع لأنه يكون حينئذ خبراً للمبتدأ. كأن تقول: ((نحنُ المجتهدون )) أو
(( نحن السابقون )).
ومن النصب على الاختصاص قولُ الناس: ((نحنُ - الواضعين أسماءنا
أدناه - نشهد بكذا وكذا)). فنحن: مبتدأ، خبره جملة ((نشهد))
والواضعين: مفعول به لفعل محذوف تقديره : (( تخصّ ، أو نعني))).
ويجبُ أن يكونَ مُعرّفاً بأل، نحو: ((نحنُ ـ العربَ - أوفى الناسِ
بالعُهود ))، أو مضافاً لمعرفةٍ، كحديث: (( نحنُ ـ مَعاشرَ الأنبياء - لا نورثُ
ما تركناهُ صدَقةٌ))، أو عَلَماً، وهو قليلٌ، كقول الراجز: (( بنا - تميماً -
يُكشَفُ الضّبابُ)). أما المضافُ إلى العَلَمِ فيكونُ على غيرٍ قِلّةٍ ، كقولهِ :
(( نحنُ - بَنِي ضَبَّةً أصحابَ الجَمَل )) . ولا يكونُ نكرةً ولا ضميراً ولا اسمَ
إشارة ولا اسم موصولٍ .
وأكثرُ الأسماءِ دخولاً في هذا البابِ ((بنو فلان ، ومعشر ( مضافاً)،
وأهلُ البيتِ ، وآلُ فلانٍ ».
واعلمْ أن الأكثر في المختصِّ أن يَلي ضمير المتكلِّمِ ، كما رأيتَ .
وقد يلي ضميرَ الخطاب، نحو: ((بكَ - اللّهَ. أرجو نجاحَ القصدِ))
و ((سُبحانَكَ - اللّهَ - العظيمَ)). ولا يكون بعدَ ضميرٍ غيبة.
وقد يكون الاختصاصُ بلَفظ ((أَيُّها وَأَيَّتُها))، فُيُستعملان كما يستعملانِ
١٩

في النّداءِ ، فيبنيان على الضمِّ ، ويكونانِ في محلِّ نصبٍ بأخْص محذوفاً
وجوباً، ويكونُ ما بعدَهما اسماً مُحَلّى بألْ، لازمَ الرفعِ على أنه صفةٌ
لِلفظهما، أو بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له . ولا يجوزُ نصبه على أنه تابعٌ
لمحلهما من الإعراب. وذلك نحو: (( أَنا أفعلُ الخيرَ، أيُّها الرجلُ، ونحن
نفعلُ المعروفَ، أَيُّها القومُ)). ومنه قولهم: ((أَللهمَّ اغفر لنا، أَيَّتُها العِصابةُ)).
( ويراد بهذا النوع من الكلام الاختصاص ، وإن كان ظاهره النداء .
والمعنى: ((أنا أفعل الخير مخصوصاً من بين الرجال ، ونحن نفعل المعروف
مخصوصين من بين القوم . واللهمّ اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب)) .
ولم ترد بالرجل إلّ نفسك : ولم يريدوا بالرجال والعصابة إلّ أنفسهم. وجملة
((أخص)) المقدّرة بعد ((أيها وأيتها)) في محل نصب على الحال ) .
٨ - الاشتغالُ
الاشتغالُ: أن يَتقدَّمَ اسمُ على عامل من حقِّهِ أن يَنصِبَه، لولا اشتغالهُ
عنه بالعمل في ضميره ، نحو : ((خالدٌ أكرمتُهُ )).
( إذا قلت : ((خالداً أكرمتُ))، فخالداً: مفعول به لأكرمَ . فإن قلتَ :
(خالدٌ أكرمته)»، فخالدٌ حقه أن يكون مفعولاً به لأكرم أيضاً، لكنّ الفعلَ هنا
اشتغل عن العمل في ضميره ، وهو الهاء . وهذا هو معنى الاشتغال ) .
والأفضلُ في الاسم المتقدمِ الرفعُ على الابتداء ، كما رأيتَ . والجملةُ
بعدَهُ خبرهُ . ويجوز نصبُهُ نحو: ((خالداً رأيتُهُ)(١).
(١) خالداً: مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. وتقديره: ((رأيت)) وجملة «رأيته)):
مفسرة للجملة المقدّرة، ولا محلّ لها من الإعراب .
٢٠

وناصبهُ فعلٌ مقدَّرٌ وجوباً، فلا يجوزُ إظهارهُ . ويُقدَّرُ المحذوف من لفظ
المذكور . إِلَّ أن يكونَ المذكورُ فعلاً لازماً متعدياً بحرف الجر، نحو :
((العاجز أخذتُ بيده)) و((بيروتَ مررتُ بها))، فيُقدّرُ من معناهُ.
( فتقدير المحذوف : ((رأيت))، في نحو ((خالداً رأيته)). وتقديره:
((أعنت، أو ساعدت ، في نحو: ((العاجزَ أخذت بيده
). وتقديره: ((جاوزت)) في نحو: (( بيروتَ مررت بها))) .
وقد يَعرِضُ للاسمِ المُشتَغَلِ عنه ما يوجبُ نصبَهُ أو يُرَجّحُهُ ، وما
يوجبُ رفعَهُ أو يُرَجّحُهُ .
فيجبُ نصبُهُ إذا وقعَ بعدَ أدواتِ التّحضيضِ والشرطِ والاستفهامِ غير
الهمزة، نحو: ((هلّ الخيرَ فعلتَهُ. إنْ علياً لقيتَهُ فَسَلّمْ عليهِ، هل خالداً
أكرمتهُ ؟ )).
( غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في
الشعر. إِلَّ أن تكون أداة الشرط ((أن)) والفعل بعدها ماض، أو ((إذا))
مطلقاً، نحو: ((إذا عليّاً لقيته، أو تلقاه فسلم عليه)). وفي حكم ((إذا))،
في جواز الاشتغال بعدها في النثر، ((لو ولولا))).
ويُرجَّحُ نصبُهُ في خمسٍ صُوَر :
١ - أن يقعَ بعد الاسمِ أمرٌ، نحو: ((خالداً أكرِمْهُ)) و((عليّاً لِيُكرِمْهُ
سعیدٌ)).
٢ - أن يقع بعدَهُ نهيَ، نحو: ((الكريمَ لا تُهِنهُ)).
٣ - أن يقعَ بعدَهُ فعلٌ دُعائي، نحو: ((اللهمَّ أَمرِي يَسْرُهُ، وعَمَلي لا
٢١

تُعَسّرْهُ)). وقد يكونُ الدعاءُ بصورةِ الخبرِ، نحو: ((سليماً غفرَ اللّهُ لهُ، وخالداً
هداهُ اللّهُ)).
(فالكلام هنا خبريّ لفظاً، إنشائيّ دعائي معنى. لأنَّ المعنى : اغفر
اللهم لسليم ، واهدٍ خالداً . وإنما نرجح النصب في هذه الصورة لأنك إن
رفعت الاسم كان خبره جملة إنشائية طلبية ، والجملة الطلبية يضعف الإِخبار
بها ) .
٤ - أن يقعَ الإِسمُ بعدَ همزة الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿أَبِشَراً مِنّا
واحداً نَتَّبِعُهُ؟﴾ .
( وإنما ترجح النصب بعدها لأن الغالب أن يليها فعلٌ ، ونصبُ الاسم
يوجبُ تقديرَ فعل بعدها ) .
٠٠٠٠ ٫
.......
٥ - أن يقع جواباً مُستفهَمٍ عنه منصوبٍ، كقولك: ((عليّاً أكرمتُهُ))،
في جواب من قال: ((مَنْ أَكرمتَ؟)).
( وإنما ترجح النصب لأنّ الكلام في الحقيقة مبنيّ على ما قبله من
الاستفهام ) .
ويجبُ رفعُهُ في ثلاثة مواضعَ :
١ - أن يقعَ بعدَ ((إذا الفجائيَّةِ)) نحو: ((خرجت فإذا الجوُّ يَملَؤُهُ
الضَّبابُ )) .
( وذلك لأن ((إذا)) هذه لم يؤوّلها العربُ إلَّ مبتدأ، كقوله تعالى:
﴿ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾، أو خبراً، كقوله سبحانه: ﴿فإذا
لهم مكرٌ في آياتنا﴾. فلو نُصب الاسمُ بعدها، لكان على تقدير فعل
بعدها ، وهي لا تدخل على الأفعال).
٢٢
.... .. "

٢ - أن يقعَ بعدَ واو الحال، نحو: ((جئتُ والفرسُ يَركِبُهُ أَخوكَ )).
٣ - أن يقعَ قبلَ أدوات الاستفهام، أو الشرط ، أو التحضيض ، أو ما
النافية، أو لامِ الإِبتداء، أو ما التَّعجبيةِ، أو كم الخبرية، أو ((إنَّ)) وأخواتها،
نحو: «زُهيرُ هل أكرمتَهُ؟، سعيدٌ إن لقيتَهُ فأكرِمه، خالدٌّ هلَّ دعوتهُ ، الشرُّ ما
فعلتُهُ، الخيرُ لأنا أَفعلُهُ ، الخلُقِ الحَسَنُ ما أَطيبَهُ!، زُهيرٌ كم أكرمتُهُ!، أُسامةُ
إني أَحِبُّهُ )) .
( فالاسم في ذلك كله مبتدأ . والجملة بعده خبره . وإنما لم يجز نصبه
بفعل محذوف مفسر بالمذكور ، لأن ما بعد هذه الأدوات لا يعمل فيما قبلها .
وما لا يعمل لا يفسر عاملاً ).
ويُرَجَّعُ الرفعُ، إذا لم يكن ما يوجبُ نصبَهُ، أو يرَجِّحُه ، أو يوجبُ
رفعَه، نحو : (( خالدٌ أكرمتُهُ ». لأنه إذا دار الأمرُ بينَ التقديرِ وعدَمِهِ فتركهُ
أولى .
٩ - التَّنازُعُ
التّنازُعُ : أَن يَتوجهَ عاملانٍ مُتقدماٍ، أو أكثرُ، إلى معمول واحدٍ مُتأخرٍ
أو أكثر، كقوله تعالى: ﴿آتوني أُفرِغْ عليه قِطراً ﴾.
( آتوا: فعل أمر يتعدى إلى مفعولين . ومفعوله الأول هو الياء ، ضميرٌ
المتكلم. وهو يطلب ((قطراً) ليكون مفعوله الثاني. و((أفرغ)): فعل مضارع
متعد إلى مفعول واحد. وهو يطلب ((قطراً)) ليكون ذلك المفعول. فأنت ترى
أنّ ((قطراً)) قد تنازعه عاملانٍ، كلاهما يطلبه ليكون مفعولاً به له ، لأنّ
التقدير: (( آتوني قطراً أفرغه عليه)). وهذا هو معنى التنازع).
٢٣

ولكَ أن تُعمِلَ في الاسم المذكور أيَّ العاملَينِ شئتَ . فإن أعملت
الثاني فَلْقُربهِ ، وإن أعملت الأولَ فلسبَقِهِ .
فإن أَعملتَ الأوَّلَ في الظاهرِ أَعملتَ الثاني في ضميرهِ ، مرفوعاً كان أم
غيرهُ، نحو : ((قام، وقعدا، أخواك * اجتهدَ، فأكرمتُهما، أخواك *
وقف ، فسلمتُ عليهما ، أخواك * أكرمتُ، فَسُرًّا، أَخَوَيْكَ * أكرمتُ ،
فشكرَ لي ، خالداً)). ومن النُّحاة من أجاز حذفه، إن كان غيرَ ضميرِ رفعٍ ،
لأنهُ فضلةٌ ، وعليه قول الشاعر :
بِعُكَاظَ يُعْشِي الِنَّاظِرِيـ ـنَ، إذا هُمُ لَمَحُوا، شُعاعُهْ (١)
وإن أعملتَ الثاني في الظاهر ، أعملتَ الأولَ في ضميرهِ ، إن كان
مرفوعاً نحو : ((قاما، وقعدَ أخواك * اجتهدا ، فأكرمتُ أخوَيْك * وَقَفا ،
فَسَلَّمتُ على أخويكَ)). ومنه قولُ الشاعر :
٩.٨٨-
جَفَوْني، ولم أَجفُ الأَخِلَّءَ، إِنَّني
لِغَيْرٍ جَميلٍ مِنْ خَلِيلَيَ مُهْمِلُ
وإن كان ضميرُهُ غير مرفوعٍ حذفتَهُ، نحو : ((أكرمتُ، فَسُرَّ أخواك *
أكرمتُ ، فشكرَ لي خالدٌ * أكرمتُ ، وأكرمَني سعيدٌ * مررتُ، ومَرّ بي
عليٌّ)). ولا يقال: ((أكرمتهما، فَسُرَّ أخواكَ * أكرمتُهُ ، فشكرَ لي خالد ﴾
أكرمتُهُ ، وأكرمني سعيدٌ * مررتُ به، ومَرَّ بي عليٍّ)). وأمّا قول الشاعر:
-
(١) شعاعه: فاعل ((يُعشي)) وقد حذف مفعول ((لمحوا)) ولم يأت به ضميراً. ولو أضمره لقال:
(لمحوه)). وذلك أن كلا من ((يعشي ولمحوا)» يطلب ((شعاعه)) ليعمل فيه. فالأول يطلبه لأنه
فاعل له. والآخر يطلبه لأنه مفعوله فأعملَ الأول، واهمل الآخر؛ ولم يُعمله في ضميره
والمعنى : يُعشى شعاعه الناظرين ، إذا لمحوه ، أي يبهرهم، فلا يستطيعون إدامة النظر
إليه.
٢١٨٠٠٠
٢٤

إذا كُنْتَ تُرْضِيهِ ، ويُرْضيكَ صاحبٌ
جِهاراً، فَكُنْ في الْغَيْبِ أَحفَظَ للَعَهْدِ
الْوُشاة، فَقْلَّما
وَأَلْغٍ أَحَادِيثَ
يُحاوِلُ واشٍ غَيْرَ هِجْرانِ ذِي وُدِّ
بإظهار الضمير المنصوب في ((تُرضيه))، فضرورةٌ لا يحسُنُ ارتكابها عند
الجمهور . وكان حقُّهُ أن يقول : ((إذا كنت تُرضي، ويُرضيكَ صاحبٌ)).
وأجاز ذلك بعضُ مُحَقّقي النّحاة .
( وذهب الكسائيّ ومن تابعه إلى أنه إذا أعملتَ الثاني في الظاهر ، لم
تُضمر الفاعلَ في الأول بل يكون فاعله محذوفاً لدلالة ما بعده عليه ( لأنه يُجيز
حذف الفاعل إذا دل عليه دليل). فإذا قلت: ((أكرمني فسرّني زهيرٌ))، فإن
جعلت زهيراً فاعلاً لسرّ، كان فاعل ((اكرمَ)) (على رأي سيبويه والجمهور)
ضميراً مستتراً يعود إليه. وعلى رأي الكسائي ومن وافقه يكون فاعل ((أكرمَ))
محذوفاً لدلالة ما بعده عليه . ويظهر أثر الخلاف في التثنية والجمع . فعلى
رأي سيبويه يجب أن تقول: ( إن أعملت الثاني): ((أكرماني، فسرَّني
صديقاي. وأكرموني، فسرَّني أصدقائي)). وتقول على مذهب الكسائي ومن
تابعه: ((أكرمني، فسرَّني صديقايَ. وأكرمني، فسرَّني أصدقائي)). فيكون
الاسم الظاهر فاعلًا للثاني . ويكون فاعل الأول محذوفاً . وما قاله الكسائي
ليس ببعيدٌ، لأن العرب تستغني في كلامها عما يُعلم لو حُذف ، ولو كان
عمدة . ولهذا شواهدُ من كلامهم . أما لو أعملتَ الأول في الاسم الظاهر ،
فيجب بالاتفاق الإِضمار في الثاني ، نحو: ((أكرمني ، فسرَّاني، صديقاي ،
وأكرمني ، فسرّوني ، أصدقائي )» .
والذي دعا الكسائيّ إلى ما ذهب إليه ، أنه لو لم يحذف الفاعل ،
٢٥

لوجب أن يكون ضميراً عائداً على الاسم الظاهر المتأخر لفظاً ورتبة ، وذلك
قبيح . وقال سيبويه : إن عود الضمير على المتأخر أهون من حذف الفاعل ،
وهو عمدة ، والحق ؟ أنَّ لكل وجهاً ، وأنّ الإِضمار وتركه على حد سواء . وقد
ورد في كلامهم ما يؤيد ما ذهب إليه الفريقان . فقول الشاعر : وجفوني ولم
أجف الاخلاءَ ... )) شاهدٌ لسيبويه : وقول الآخر :
لها وأرادها
تعفق بالأرطى
رجالٌ، فبذَّت نبلَهم وكَليبُ(١)
( شاهدٌ للكسائي. فهو لا يُضمر في واحد من الفعلين . ولو أضمر في الأول
واعمل الثاني لقال: ((تعفقوا بالأرطى وأرادها رجال)). ولو أضمر في الثاني
وأعمل الأول، لقال: ((تعفق بالأرطى وأرادوها رجال))) .
وأعلم أنهُ لا يقعُ التنازع إلَّ بينَ فَعَلِينٍ مُتصرّفِينٍ ، أو أَسمينٍ
يُشبهانِهما، أو فعلٍ متصرفٍ وآسمٍ يُشبهُهُ. فالأول نحو: ((جاءَني ،
وأكرمتُ خالداً)) ، والثاني كقول الشاعر :
عُهِدْتَ مُغِيئاً مُغنِياً مَنْ أَجَرْتَهُ
فَلَمْ أَتَّخِذْ إِلَّ فِنَاءَكَ مَوْئِلا
والثالثُ كقوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ آقرَأُوا كتابِيَهْ﴾. ولا يقعُ بينَ حرفين ولا
(١) تعفق بالأرطى: لاذ بها والتجأ إليها. والأرطى: نوع من الشجر. والضمير في ((لها)) يعود إلى
بقرة الوحش. و(بذَّت): غلبت. وفاعله يعود إلى بقرة الوحش. و(نبلهم): مفعوله. وليس هو
الفاعل، كما قال من فسر البيت من أصحاب الشروح والحواشي النحوية تبعاً للعيني في شرح
الشواهد الكبرى. و(الكليب) : الكلاب ، جمع كلب . وهو معطوف على رجال . والمعنى أن
رجالاً لاذوا بالأرطى مستترين بها ، وأرادوا صيد هذه البقرة هم وكلابهم فلم يفلحوا ، لأنها
غلبت نبالهم وكلابهم .
٢٦
٫٠٠٠

بينَ حرفٍ وغيره ، ولا بينَ جامدینِ ، ولا بينَ جامدٍ وغیرہ .
وقد يُذكَرُ الثاني لمجرَّدِ الثَّقويةِ والتأكيد ، فلا عَمَلَ له ، وإنَّما العمل
للأوَّلِ . ولا يكونُ الكلامُ حينئذٍ من باب التنازع ، كقول الشاعر :
فَهَيْهَاتَ، هَيْهَاتَ، الْعَقِيقُ وَمَنْ بهِ
وَهَيْهَاتَ خِلِّ بِالْعَقيقِ نُواصِلُهْ
وقول الآخر :
فأَينَ إِلى أَيْنَ النَّجَاةُ بِبَغْلَتِي
أَتَاكَ، أَتَاكَ، اللَّحِقُونَ، أَحْبِسِ آحْبِسٍ
( ولو كان من باب التنازع لقال: (( أتوك أتاك اللاحقون)) ؛ بأعمال
الثاني في الظاهر والإضمار في الأول، أو (( أتاك أتوك اللاحقون)) بالإِضمار
في الأول وأعمال الثاني في الظاهر ) .
١٠ - القوْلُ المَتَضَمِّنُ مَعْنَى الظنِّ
قد يتضمنُ القول معنى الظن ، فينصبُ المبتدأ والخبر مفعولينٍ ، كما
تنصبهُما ((ظنَّ)). وذلك بشرطِ أن يكون الفعل مضارعاً للمخاطَب مسبوقاً
باستفهامٍ ، وأن لا يُفصَلّ بينَ الفعلِ والاستفهام بغير ظرفٍ ، أو جار
ومجرورٍ ، أو معمولِ الفعل ، كقول الشاعر :
مَتَّى تَقُولُ الْقُلُصَ الرَّواسِما
يَحْمِلْنَ أُمَّ قاسمٍ وَقَاسِمَا (١)
(١) القلص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة، والرواسم: جمع راسمة؛ وهي الناقة التي تؤثر في
الأرض بسيرها. والرسيم : ضرب من السير ،
٢٧
،،،، ،،،،، ..
: