Indexed OCR Text
Pages 121-140
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: يرى أبو حنيفة أن الوقف إنما يكون لازماً إذا جرى مجرى الوصية أو حكم بلزومه القاضي وأن للورثة أن يردوا ما زاد على الثلث، إذا كان حبس الحابس في مرض موته، وكان تابع في ذلك شريحا القاضي لأحادیث کان يسوقها. المسألة العشرون: نذر الجاهلية قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثا عن عمر وأثراً عن طاوس. ولفظ حديث عمر قال: نذرت نذراً في الجاهلية فسألت النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أسلمت، فأمرني أن أفي بنذري. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: يسقط اليمين إذا أسلم. قلت: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وإنما النذر ما ابتغى به وجه الله، فمن نذر في الجاهلية اعتكافاً في المسجد الحرام مثلاً إنما يكون نذر لربه الذي يعبده من دون الله، وذلك معصية من غير شك وأمره عليه السلام بالوفاء ليس بمعنى استيفاء قصده في الجاهلية بحاله بل بمعنى توجيه قصده السابق في عهد الجاهلية إلى ما فيه رضی الله سبحانه وإلى ما یکون فیه طاعته جل جلاله بعد إسلامه، فقول النبي صلى الله عليه وسلم له تحويل لقصد عمر السابق إلى ما يرضي الله سبحانه في حالة إسلامه. وقول أبي حنيفة نبذ - ١٢١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المقصود الجاهلي فلا ينافي هذا ذلك. قال الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٣/٣: حدثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، أن أيوب حدثه، أن نافعا حدثه. أن عبد الله بن عمر حدثه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة فقال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اذهب فاعتكف يوما)) قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أوجب على نفسه في حال شركه من اعتكاف أو صدقة أو شيء مما يوجبه المسلمون لله، ثم أسلم، أن ذلك واجب عليه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا يجب عليه من ذلك شيء واحتجوا في ذلك بما روي عن رسول الله صلی الله عليه وسلم. المسألة الحادية والعشرون: النكاح من غير ولي قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن السيدة عائشة وأبي بردة وأبي موسى. ولفظ الحديث الأخير: ((لا نكاح إلا بولي)). ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة كان يقول: جائز إذا كان الزوج كفؤاً. قلت: راوية الحديث الأول عائشة رضي الله عنها لم تعمل بهذا الخبر - ١٢٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث حيث زوجت بنت أخيها عبد الرحمن من غير علمه كما في الموطأ، وترك الراوي العمل بحديثه علة قادحة في الحديث عند جمهرة النقاد من السلف. وأبو بردة منقطع في رواية سفيان وشعبة عن أبي إسحاق وكل منهما حجة إسرائيل، فكيف إذا اجتمعا جميعا، والمنقطع لا خير فيه ولا سيما في مناهضة ما لا انقطاع فيه، ورواية أبي الأحوص عند المصنف على طبق رواية سفيان وشعبة في الانقطاع، وحديث مسلم والأربعة: ((الأيم أحق بنفسها)). يرد حديث ((لا نكاح إلا بولي)) المنقطع، وأبو حنيفة إنما أخذ ههنا بأقوى الدليلين، وغيره هو المخالف للأثر. المسألة الثانية والعشرون: الصلاة على الميت قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن ابن عباس وبريدة وعمة سنان بن عبد الله الجهني. ولفظ الحديث الأول: أن سعد بن عبادة استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه وتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: اقضه عنها. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجزئ ذلك. قلت: وافقه على هذا الشافعي في الجديد ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ثم اضطربت الروايات وأصبح العمل مخالفاً لبعض الروايات، والصحابي إذا عمل بخلاف روايته فلا بد أن يكون هناك ناسخ لما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية الصحابي عن الرسول يقينية عنده - ١٢٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث بخلاف أخبار الآحاد في الطبقات المتأخرة، فلا يتصور أن يترك الصحابي ما هو يقيني عنده إلى رأي مظنون، وفرض خلاف هذا جهل بمقام الصحابة، وما روي عن ابن عمر وابن عباس في صحيح البخاري تعليقاً، فقد صح عنهما خلاف هذا، وفي ((الموطأ)) أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، وإزاء هذا الاضطراب يكون عمل المجتهد شاقّاً، فإما أن يُعرض عن الجميع لاضطرابه فيرجع إلى القواعد العامة، أو يجمع بين الروايات من نحو جعل الصلاة عن الميت على طريق إهداء ثوابها إليه، فیکون كأنه صلى عنه، وفي ذلك نفع الميت في الجملة، ويصح ذلك عند الحنفية، ويستأنس في ذلك بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر: لا يصلين أحد عن أحد ولا يصومن أحد عن أحد ولكن إن كنت فاعلاً تصدقت عنه أو أهديت. المسألة الثالثة والعشرون: نفي الزاني والزانية قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثا عن أبي هريرة وزید بن خالد وشبل وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم. ولفظ عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعاً : «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، والثيب بالثيب، البكر يجلد ولا ينفى، والثیب یجلد ویرجم)). ثم قال: وذكِرَ أن أبا حنيفة قال: لا يُنْفَى. قلت: وافقه محمد بن الحسن ومالك والشافعي والأوزاعي وسفيان - ١٢٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الثوري وهو قول أبي بكر وعمر والزهري والنخعي، ثم تعارضت الأحاديث في الجمع بين الجلد والتغريب في البكر، وفي الجمع بين الجلد والرجم، وإفراد الرجم في الثيب، وليس في حديث الأمة الزانية غير الجلد، ولا في حديث الغامدية والعسيف غير الرجم. فنظر أبو حنيفة رحمه الله في تلك الروايات، فرأى: أن جلد الزاني والزانية هو عقوبتهما المنصوص عليها في كتاب الله فيما إذا كانا بكرين بالسنة المتواترة، ولم يزد في الكتاب على تلك العقوبة تغريبها، ولا يزاد بالظني على القطعي وإن رجمهما هو عقوبتهما المتواترة في السنة فيما إذا كانا ثيبين محصنين، فعاد النفي الوارد في بعض الأحاديث من قبيل نفي أهل الدعارة إذا قضت المصلحة بذلك لا كعقوبة أصلية مع الجلد المنصوص عليه في الكتاب، ولو كان النفي عقوبة أصلية لذكر مع الجلد في الكتاب المبين، وقضاء المصلحة بالنفي يختلف باختلاف الأحوال حتى إذا نتج من ذلك ما هو أضر عدل إلى أخف الضررين وهو ترك النفي في بعض الحالات واختيار أخف الضررين مما دل عليه الكتاب الحكيم بقوله تعالى: ﴿ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾. واستدل بما جاء عند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: غَرَّب عمرُ ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب إلى خيبر فَلَحِقَ بهِرَقْلَ فَتَنَصَّر، فقال عمر: لا أُغَرِّبُ بعده مسلماً، ونفي التغريب هو آخر الأمرين لحديث ماعز والغامدية والعسيف، وما جاء في بعض الأحاديث الجمع بين جلد المحصن ورجمه - ١٢٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث كان لعدم العلم بأن الزاني محصن، وبعد العلم بأنه محصن رجم، كما يظهر من حديث جابر في سنن أبي داود، وسنن النسائي، ولعل وجه الصواب في قول أبي حنيفة استبان بعد هذا البيان. المسألة الرابعة والعشرون: بول الطفل قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديث أم قيس ولبابة بنت الحارث والسيدة عائشة وأبي ليلى. ولفظ أم قيس، قالت: دخلت بابن لي على النبي صلى الله عليه وسلم لم یأکل الطعام فبال علیه، فدعا بماء فرشه. ولفظ حديث لبابة: إنما ينضح من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى. ثم قال: وذکِر أن أبا حنيفة قال: يُغْسَل. قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة رحمه الله، بل وافقه في عدم الفرق بين بول الصبي والصبية ابن المسيب والنخعي والحسن بن حيي والثوري وأصحاب أبي حنيفة والإمام مالك حيث يعدون الرش والنضح في أحاديث الباب بمعني الغسل، والحديث قد ورد بألفاظ مثل: فرشه، فنضحه، ولم يغسله فدعا بماء فأتبعه إياه، وفي رواية الصحيحين في حديث أسماء: ((ثم تَنْضَحُهُ ثم تُصَلِي فيه)). ومعنى النضح هنا: الغسل. وفي رواية الترمذي: ((حُتِيهِ، ثم اقْرُصِيهِ بالماء، ثم رُشِّيهِ))، والرَّشُّ هنا بمعنى الغسل. والحديث الثاني: ((إنما يُنْضَحُ من بَول الذَّكر، ويُغْسَلُ من بول - ١٢٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الأنثى)). قد انفرد بهذا سماك عن قابوس، وقابوس إنما وثقه ابن حبان على طريقته في توثيق المجاهيل، وهو توثيق لا يعتد به لتساهله في التوثيق. فالرش والنضح في أحاديث الباب يعني الغسل، وهذا هو الأحوط الموافق للعزيمة. وقال محمد بن الحسن في الموطأ: قد جاءت رخصة في بول الغلام إذا كان لم يأكل الطعام، وأمر بغسل الجارية وغسلهما جميعا أحب إلينا، وهو قول أبي حنيفة، وبهذا ظهر أنه لم ينفرد به بل معه أئمة. المسألة الخامسة والعشرون: نكاح الملاعن بعد الملاعنة قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن سهل بن سعد وابن عباس وابن عمر. ولفظ سهل بن سعد: شَهدَ الْمُتَلاعِنَيْن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فَرَّقَ بينهما، قال: يا رسول الله، كَدَبْتُ عَلَيْها إن أنا أَمْسَكْتُها. ولفظ ابن عمر الأخير: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المُتَلَاعِنَين، فقال: يا رسول الله، مَالِي؟ فقال: ((لا مَالَ لَكَ إنْ كُنْتَ صادقاً فيما اسْتَحْلَلْتَ من فَرْحِها، وإن كنت كاذباً فذاك أَبْعَدُ لَكَ مِنها)». ثم قال: وذكِر أن أبا حنيفة قال: يتزوجها إذا كَذَّبَ نَفْسَه. قلت: الأحاديث التي ذكرها ابن أبي شيبة إنما تدل على أن اللعان ليس بقاطع وحده حبل النكاح وإلا لغى التفريق، فيكون المصنف استدل لأبي حنيفة حينما أراد أن يقيم حجة ضده، وطلاق الملاعن أمام الرسول - ١٢٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث صلى الله عليه وسلم وسكوته من الدليل على أن الفراق في الملاعنة إما بالطلاق أو بالتفريق، ومن لازم هذا الرأي أن لا تكون حرمة الملاعنة على الملاعن مؤبدة بل جواز نكاحه منها إذا كَذَّبَ نفسه، وفيه صون نسب ولدهما كما هو رواية عن أبي حينفة. وأما حديث: ((المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً)). فموقوف على علي وابن مسعود، وأما رفعه ففيه محمد بن عثمان المتهم بالكذب. وحديث سهل بن سعد في سنده عیاض الفهري وهو لین الحدیث بل منكر الحديث عند البخاري، فلا يكون أبو حنيفة مخالفاً للأثر الصحيح علی تقدیر ثبوت أن ذلك رأيه. المسألة السادسة والعشرون: إمامة الجالس قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن أنس بن مالك والسيدة عائشة وجابر وأبي هريرة. ولفظ حديث السيدة عائشة، قالت: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم جالساً، فصلوا بصلاته قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا، فلما انصرف قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)). ثم قال: وذكِر أن أبا حنيفة قال: لا يَؤُمُّ الإمامُ وهو جالِسٌ. - ١٢٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: وافقه معه في تجويز صلاة القائم خلف القاعد المعذور أبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك في رواية والأوزاعي. واستدل الإمام أبو حنيفة بما جاء عن السيدة عائشة : صلى آخر صلاته قاعداً والناس خلفه قیام. حتى قال الحميدي في صحيح البخاري : بهذا نسخ حديث: ((إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)). ومع صحة هذا الحديث آخر الأمرين صلاة الجماعة قياماً عندما يؤمهم الإمام جالساً بعذر. وأما ابن حبان فلم يصب في تصحيحه في الرد على أبي حنيفة. المسألة السابعة والعشرون: شهود الرضاعة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن عقبة بن الحارث وابن عمر. ولفظ حديث ابن عمر: سئل النبي صلى الله عليه وسلم : ما يجوز في الرضاعة من الشهود؟ قال: ((رجل أو امرأة)). ولفظ حديث عقبة بن الحارث قال: تزوجت ابنة أبي إهاب التميمي، فلما كانت صبيحة مِلْكِها، جاءت مولاة لأهل مكة، فقالت: إني قد أرضعتكما، فركب عقبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فذكر له ذلك وقال: سألت أهل الجارية فأنكروا فقال: وكيف وقد قيل؟ ففارقها ونكحت غيره. ثم قال: وذكِرَ أن أبا حنيفة قال: لا يجوز إلا أكثر. قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة بل وافقه الجمهور سوى أحمد - ١٢٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وإسحاق والأوزاعي، وأجاب الجمهور عن هذا الحديث الأول بحمل النهي في: (فنهاه عنها) في بعض رواياته على التنزيه، وبحمل الأمر في ((دعها عنك)) في بعض رواياته على الإرشاد ليبتعد عن مواقف التهم. والحديث الثاني فيه ابن البيلماني وابن عثيم، وهما ضعيفان. وقد استدل الإمام أبو حنيفة بما أسند أبو عبيد من طريق عمر والمغيرة بن شعبة وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم: أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك فقال عمر: فرق بينهما إن جاءت بينة وإلا فخل بين الرجل وامرأته إلا أن يتنزها. ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت. وقال البدر العيني في ((العمدة)): قال أصحابنا: يثبت الرضاع بما يثبت به المال وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ولا تقبل شهادة النساء المنفردات، لأن ثبوت الحرمة من لوازم الملك في باب النكاح ثم الملك لا يزول بشهادة النساء المنفردات، فلا تثبت الحرمة. المسألة الثامنة والعشرون: استئناف النكاح عند إسلام الزوج بعد إسلام زوجته قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن ابن عباس والشعبي. ولفظ الحديث الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم رَدَّ ابنته على أبي العاص بعد سنتين بنِكَاحِهَا الأول. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: يَسْتَأنِف النكاح. - ١٣٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: وافقه قول عمر وعلي والمغيرة بن شعبة وابن عباس وعطاء وطاوس وأبي ثور وابن المنذر والبخاري وفقهاء الكوفة. وقال الإمام أبو حنيفة: إذا أسلم أحد الحربيين وخرج إلى دار الإسلام وبقي الآخر كافراً بدار الحرب وقعت التفرقة بينهما؛ باختلاف الدارين لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا فَمَتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِمَنِنٌّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُؤْمِنَاتٍ فَلَتَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَمْ وَلَا هُمْ عَلُونَ لَهُنَّ ... ﴾. ومن أدلة أبي حنيفة، حديث ابن عباس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري وفيه: ((إذا هاجرت إمرأة من أهل الحرب لم تُخطَب حتى تحيض وتَطْهُر، فإذا طَهُرَت حل لها النكاح)). وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بنكاح جدید. رواه ابن ماجه، وعند الترمذي بلفظ «مهرٌ جدید ونکاحٌ جديد))، وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث عمرو بن شعيب وهو تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جدید ومهر جدید. وحدیث الباب عند ابن أبي شيبة فيه محمد بن محمد وهو مدلس وقد عنعن وابن الحصين لين، وذكر الذهبي في الميزان في عداد مناكير ابن الحصين حديث الباب ثم قال: أخرجه الترمذي وقال: لا يعرف وجهه لعله جاء من قبل حفظ داود بن الحصين، لقول ابن عبد البر في التمهيد: حديث ابن إسحاق في الرد بالنكاح الأول إن صح فهو متروك منسوخ عند الجميع. وأما الخبر الثاني فمرسل لا يحتج به في هذا الموضوع خاصة حيث ثبت إفتاء الشعبي - ١٣١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث بخلاف هذا في مصنف ابن أبي شيبة وروايته على طبق رواية عمرو بن شعيب عند الطحاوي وابن حزم وغيرهما. المسألة التاسعة والعشرون: تأخير المناسكـ بعضها عن بعض يوجب الدم قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن عبد الله بن عمرو وابن عباس وعلي بن أبي طالب وأسامة بن شريك وجابر . ولفظ حديث عبد الله بن عمرو، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: ((اذبح ولا حرج))، قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: ((إِرْمِ ولا حَرَج)). ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال : عليه دم. قلت: وافقه حبر الأمة عبد الله بن عباس وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم والحسن. والسائلون في هذه الروايات الخمسة مجاهيل وليس بينهم أحد من مشاهير الصحابة، وسياق هذه الأحاديث تعم جميع الأحوال الجهل والنسيان وتذكر، كما يتوهم منها أهل الظاهر ومن سار سيرهم. ويرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله حكم هذه الأحاديث يختص بحالتي الجهل والنسيان فلا تعم في جميع الأحوال، واستدل عليه بما ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بلفظ: فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل - ١٣٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أن أذبح قال: ((اذبح ولا حرج)) فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: ((إرم ولا حرج)). وهذا دليل على أن السائل كان جاهلاً لا عالماً. وبما ورد عند الطحاوي عن أبي سعيد الخدري وفي آخره: ((عبادَ الله، وضَعَ اللهُ عز وجل الحرج والضيق، تعلموا مناسككم فإنها من دینکم)). ودل الحديث أن رفع الحرج عنهم لجهلهم بأمر مناسكهم، وبما ورد عنده عن أسامة بن شريك وفيه أن الاعراب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء ثم قالوا: هل علينا حرج في كذا، ففي هذا الحديث الأعراب هم الذين سألوه صلى الله عليه وسلم الذين لا علم لهم بمناسك الحج. فهذا يدل على أن الذين فعلوا في حجة النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلوه على الجهل بالحكم، فأسقط الحرج عنهم، لا أنه أباح لهم أن يفعلوا ذلك في العمد. المسألة الثلاثون: تخليل الخمر قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن أنس بن مالك : أن أيتاماً ورثوا خمراً، فسأل أبو طلحة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله خلاً، قال: ((لا)). ثم قال: وذکِر أن أبا حنيفة قال: لا بأس به. قلت: قال به الشافعي وأحمد مرة، وهو قول علي وابن عباس - ١٣٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وأبي الدرداء وعطاء. وحديث الباب أخرجه مسلم وفي أغلب طرقه السدي واختلفت فيه الأنظار. وقال الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)): أن ذلك كان في مبدأ تحريم الخمر، وكان إذ ذاك تشق الزقاق فيما يكفي فيه الإهراق لمجرد التشديد، وغرس عزيمة الإقلاع في النفوس، لا لتحريم التخليل أو الزق. واستدل الإمام أبو حنيفة على ما ذهب إليه بما أخرجه أبو يعلى عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم عوض الأيتام، وبما أخرجه الدارقطني عن أم سلمة في إهاب الميتة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن دباغها يُحلَّه كما يحل خل الخمر))، وفي لفظ: ((يحل دباغها كما يحل خل الخمر)). وبما أخرجه البيهقي في المعرفة عن جابر مرفوعاً: ((خَيْرُ خَلْكُمْ خَلُّ خَمْركُم)). المسألة الحادية والثلاثون: اغتيال ناكح المحارم قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثين عن البراء، ولفظ حديث البراء الأخير: قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تذهب؟ فقال: أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله أو أضرب عنقه. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس عليه إلا الحد. قلت: في إسناد الحديثين أشعث بن سوار وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، لكن ورد الحديث من غير طريقهما عند الطحاوي وغيره. ولم - ١٣٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث يذكر في الحديث غير التزوج وهو العقد، والعقد على ذات محرم مع العلم استباحة لنكاحها، فیکون هذا العقد وحده كفراً وردة، وقد ورد في بعض طرق الحديث: عقد اللواء لمن بعث لقتله، كما ورد في بعضها استباحة مال المقتول، وهذان لا يكونان إلا ضد المرتد المحارب، ولم يذكر في طريق من طرقه الفجور بها، فيكون قتله على الردة لا على الزنا، ولو كان المراد العقوبة على الزنا لكانت عقوبته إما الرجم أو الجلد، فيكون قتله بسبب ردته الموجبة للقتل، وقيامه بالسلاح لا بسبب الزنا؛ لأنه لم يصرح به في طريق من طرق الحديث، فيكون ادعاء أن يكون ذلك القتل للزنا دعوى بلا دليل ومخالفة صريحة للمنصوص في عقوبة الزاني في الكتاب والسنة، وقد يكون اغتياله لأجل أن لا يتحدث عن مثل تلك الفضيحة الفظيعة. المسألة الثانية والثلاثون: زكاة الجنين قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن أبي سعيد مرفوعاً: ((زكاة الجنين زكاة أمه إذا أشعر)). ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا تَكُونُ ذَكَاتُهُ ذَكَاةَ أُمِّهِ. قلت: وافقه زفر بن الهذيل وابن حزم الظاهري. والتذكية: الذبح والنحر، والحديث يروى بالرفع والنصب، فإذا رفع يكون تقديره: ذكاةٌ الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف. وإذا قرئ منصوباً كان - ١٣٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث التقدير: ذكاةَ الجنين كذكاة أمه، أي: يذكى تذكية مثل ذكاة أمه. ويرى الإمام أبو حنيفة أنه لا بد من تذكية الجنين مثل ذكاة أمه، وأما إغناء ذكاة الأم عن ذكاة الجنين يفيد أكل الجنين سواء خرج حيا أو ميتاً، وهذا يكون مخالفاً لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾. والجنين إذا مات في بطن أمه يكون منخنقاً، والمُنْخَيِقَة في عداد المحرمات بنص الكتاب، وإذا خرج حيّاً ثم مات من غير ذبح شرعي يكون القول بحل أكله قولاً بحل أكل الميتة، وليس الحديث في قوة المعارضة لمدلول الكتاب الصريح؛ لأن طرقه كلها لا تخلو من ضعیف. فمجالد فيه ضعف بالاتفاق. المسألة الثالثة والثلاثون: أكل لحم الخيل قد ذكر ابن أبي شيبة تحته أحاديث عن أسماء ابنة أبي بكر وجابر. ولفظ حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: نحرنا فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلنا من لحمه. ثم قال: وذکِر أن أبا حنيفة قال: لا تُؤْكَل. قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة، بل وافقه الإمام مالك والأوزاعي وأبو عبيد. واستدل الإمام على ما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿ وَالخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾. وبما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن خالد بن الوليد: أنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الخيل والبغال والحمير. والقول: بالكراهة فيه؛ الاحتفاظ بالخيول التي - ١٣٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث تشتد الحاجة إليها في الجهاد، وإن الإذن في أكلها كان لضرورة المجاعة كما ورد في بعض طرق الحديث. وفي كتاب الذبائح من ((الدر المختار)) ١٩٣/٥: قيل: إن أبا حنيفة رجع عن حرمته قبل موته بثلاثة أيام وعليه الفتوى، أي على عدم الحرمة، وحرر ابن عابدين في حاشيته أن قول الإمام وصاحبيه على كراهة التنزيه، وذكر غيرهما أن علة ذلك كون الخيل آلة الجهاد، فيخشى أن تَقِل. المسألة الرابعة والثلاثون: الانتفاع بالمرهون قد ذكر ابن أبي شيبة تحته أحاديث عن أبي هريرة. ولفظ الحديث الأول: ((الظَّهْرُ يُرْكبُ إذا كان مَرْهُوناً وَلَبنُ الدَّرِّ يُشرب إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يَركب ويَشرب نفقتُه)». وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يُنتَفعُ به ولا يُرْکَب. وقرر الطحاوي أن انتفاع المرتهن كان في أول الأمر ثم حرم بتحريم الربا وبتحريم كل قرض جر منفعة، وابن عبد البر وافق الطحاوي في ذلك فقال: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يُخْتَلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر عند البخاري بلفظ: ((لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه)). واستدل بما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة بحديث فضالة بن عبيد عند البيهقي بلفظ: ((كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا)). - ١٣٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وبما رواه الحارث بن أبي أسامة عن علي بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض جر منفعة. وللشيخ عبد الحي اللكنوي رسالة في هذا الموضوع ((الفلك المشحون في حكم الانتفاع بالمرهون». المسألة الخامسة والثلاثون: خيار المجلس قد ذكر ابن أبي شيبة تحته أحاديث عن ابن عمر وحكيم بن حزام وأبي هريرة وأبي برزة وسمرة. ولفظ حديث ابن عمر: ((البَيِّعَان بالخيار في بيعِهما ما لم يَفْتَرقا إلا أن یکون بیعُهُما عن خِيَار)). ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: يجوزُ البيعُ وإن لم يتفرقا. قلت: وافقه الإمام مالك وإبراهيم النخعي وربيعة الرأي وسفيان الثوري. والمراد بالتفرق، التفرق بالأقوال، لا الأبدان، والتفرق بالأبدان شأنه إفساد العقود لا إتمامها. ألا ترى أن مفارقة المجلس قبل التقابض في عقد الصرف وقبل القبض لرأس المال في عقد السلم مفسدة للعقد، وكذا يتم ملك الأبضاع والإجارات وسائر التصرفات بالعقد لا بالفرقة بعد العقد. فيكون حمل الحديث على التفرق بالأبدان خروجاً عن الأصول وابتعاداً عن مقتضى الكتاب، وموجب اللغة بخلاف حمله على التفرق بالأقوال، فإنه إجراء للفظ التفرق على المعنى المشهور في الكتاب والسنة وابتعاد - ١٣٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث عن المجاز في معنى البيعين. والتفرق بالأقوال هو الشائع في الكتاب والسنة في معنى التفرق ومشتقاته. قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ ﴾. وقال: جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ .. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ وَ إِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلُّ سَعَتِهِ،﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)). رواه احمد. المسألة السادسة والثلاثون: سجود السهو بعد الكلام قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب أحاديث عن عبد الله وأبي هريرة وعمران بن حصين. ولفظ حديث عمران بن حصين: أن النبي صلی الله عليه وسلم صلى ثلاث ركعات ثم انصرف، فقام إليه رجل يقال له: الخِرْبَاق. فقال: يارسول الله ! أَنْقَصَت الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت ثلاث ركعات، فصلی رکعةً ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم. ثم قال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إذا تَكَلّم فلا يَسْجُدُهما. قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة، بل وافقه مالك بن أنس والجمهور من السلف والخلف، والأحاديث الواردة في الباب كلها منسوخة بأحاديث كثيرة، منها: حديث معاوية بن الحكم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو - ١٣٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)). أخرجه مسلم. وإسلام معاوية بن الحكم متأخر جداً، فيكون ناسخاً لما سواه. وقال النووي: فيه تحريم الكلام في الصلاة مطلقاً لحاجة أو لغير حاجة، ولمصلحة الصلاة أو لغير مصلحتها، فإن احتاج إلى تنبيه أو إذن لداخل ونحوه سبح إن كان رجلاً، وصفقت إن كانت امرأة. وحديث الباب فيه حديث أبي هريرة، فيه اضطراب كبير، وكذا عمران بن حصين. المسألة السابعة والثلاثون: أقل المهر عشرة دراهم قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب أحاديث عن عبد الله بن عامر بن ربيعة وسهل بن سعد وابن أبي لبيبة عن جده وعبد الرحمن بن البيلماني وأنس والحسن وسعيد بن المسيب. ولفظ حديث عامر بن ربيعة: أن رجلاً تزوج على عهد النبي صلى الله عليه وسلم على نعلين، فأَجَازَ النبي صلى الله عليه وسلم نِكَاحَه. ولفظ سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرجل: ((انطلق فقد زوجْتُكَها، فعلِمْها سورةً من القرآن)). ولفظ ابن أبي لبيبة عن جده مرفوعاً: ((من اسْتَحَلّ بدرهم فقد استحل)). وقال في آخره: وذكِرَ أن أبا حنيفة قال: لا يتزوجها على أقلَّ من عشرة دراهم. - ١٤٠ -