Indexed OCR Text
Pages 101-120
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث يرجم، وضرب مئة، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة من فقهاءنا. والجواب عن أحاديث الباب: أن في سند الخبر الأول شريك، وفي سند الخبر الثاني مجالد والخبر الأخير مرسل، ومع ثبوته فهو يحتمل أن يكون وروده في أول الهجرة أو فيما بعد، وهذا ما رجحه المالكية وغيرهم. وقال ابن حجر في الفتح ١٢٨/١٢ : وأجابوا عن حديث الباب أنه صلى الله عليه وسلم إنما رجمها بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن، قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان مأموراً باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّتِ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نّسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ... } إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ .. ثم نسخ ذلك بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن كما تقدم. المسألة الثانية: الصلاة في أعطان الإبل قد ذكر ابن أبي شيبة في هذا الباب عن البراء بن عازب وعبد الله ابن مغفل وجابر بن سمرة وأبي هريرة وسبرة، ولفظ حديث سبرة مرفوعاً: أن لا يصلى في أعطان الإبل. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس بذلك. - ١٠١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة بل وافقه يحيى بن آدم ومالك والشافعي ومحمد ويحيى بن آدم وشريك بن عبد الله القاضي وأبو يوسف وغيرهم. ثم اختلف في سبب النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، فقيل إن من عادة أهل الإبل التغوط والبول بقرب إبلهم فيتنجس بذلك أعطان الإبل، روي هذا عن شريك بن عبد الله القاضي وقيل: يخاف من الصلاة فيها وثوبها فيعطب من يقرب منه، ويدل عليه حديث رافع بن خديج: ((إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش))، روي هذا عن يحيى بن آدم، واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله بما ذهب إليه بحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بعير. ومن حديث عبادة ابن الصامت قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من الغنم. ففي هذين الحديثين إباحة الصلاة إلى البعير، فثبت بذلك أن الصلاة إلى البعير جائزة وأنه لم ينه عن الصلاة في أعطان الإبل لأنه لا تجوز الصلاة بحذائها، واحتمل أن تكون الكراهة بعلة ما يكون من الإبل في معاطنها من أروائها وأبوالها. وتؤيد هذا رسالة عبد الله بن نافع إلى الليث بن سعد يذكر فيها: أما ما ذكرت من معاطن الإبل فقد بلغنا أن ذلك يُكره، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة فيصلي إليها وهي تبعر وتبول، ذكره - ١٠٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، ولم يخرج البخاري في صحيحه حديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل لأنه ليس من شرطه، وأما حديث ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) المخرج في جميع الصحاح والسنن والمسانيد، المفيد بعمومه جواز الصلاة في أعطان الإبل وغيرها بعد أن كانت طاهرة، كما هو مذهب جمهور العلماء منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وآخرون كما ذكره البدر العيني في شرح البخاري، والغريب أن ابن أبي شيبة المنتقد أخرج الصلاة إلى البعير في مصنفه، هكذا قضی علی نفسه بنفسه. المسألة الثالثة: سهم الفارس والراجل من الغنيمة ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب عن ابن عمر وابن عباس ومكحول وصالح بن كيسان مرفوعاً ومرسلاً، ولفظ حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قسم للفرس سهمين وللرجل سهماً. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: سهم للفرس وسهم لصاحبه. قلت: وافقه زفر بن الهذيل والحسن بن زياد من أصحابه وترجيح المجتهد لإحدى الروايات عند اختلاف الرواة ليس من المخالفة بشيء، فإن الإمام أبا حنيفة رحمه الله لما رأى اختلاف ألفاظ الرواة فوجد أن الشرع لا يرى التمليك للبهائم ضعف مما يملك الرجل، هذا من غلط الراوي حيث كان الألف في وسط الكلمة قد تحذف في خط الأقدمين فقرأ هذا الغالط فرساً ورجلاً بدل فارساً وراجلاً، فتتابعت الرواة على - ١٠٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث هذا الغلط ومضى آخرون على رواية الصحة، فرد أبو حنيفة على الغالطين بقوله: إني لا أفضل بهيمة على مؤمن. واحتج بما رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والطبراني والحاكم والبيهقي عن مجمع بن جارية قال: شهدت الحديبية ... وفيه فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً. وبما أخرجه محمد في ((السير الصغير)) عن ابن عباس مرفوعاً أعطى الفارس سهمين والراجل سهماً. وبما رواه أبو يوسف في ((آثاره)) عن المنذر بن أبي حمصة أن عمر بن الخطاب استعمله ... فأسهم للفارس سهمين وللراجل سهماً واحدا. وبما رواه الواقدي في ((المغازي)) عن الزبير شَهدت بني قريظة فضُرب لي بسهم ولفرسي بسهم. وبما أخرجه ابن مردويه عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قسم النبي صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق فأعطى الفارس سهمين والراجل سهماً. وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي قال: للفارس سهمان وللراجل سهم. وبما أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار عن أبي موسى أنه لما أخذ تستر وقتل مقاتلتهم جعل للفارس سهمين وللراجل سهماً. وأما ما ورد في مضاعفة سهم الفارس في بعض الحروب فقد حمله أبو حنيفة على التفضيل جمعاً بين الأدلة لأن الحاجة إلى الفرسان تختلف باختلاف الحروب. أفبهذا يكون أبو حنيفة رد على رسول الله صلى الله علیه وسلم! حاشاه من ذلك. - ١٠٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الرابعة: السفر بالمصحف إلى أرض العدو قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً مرفوعاً عن ابن عمر بلفظ: نهى أن يسافَرَ بالقرآن إلى أرض العدو، مخافةَ أن يَنَاله العدو. ثم قال: وذکِر أن أبا حنيفة قال: لا بأس بذلك. قلت: وافقه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني رحمهما الله، والنهي منصوص بالعلة فيقتصر النهي على حالة الخوف والإباحة على حالة الأمن، فالمنع من السفر بالقرآن إلى أرض العدو عند الخوف عليه من الأعداء مجمع عليه عند الفقهاء، فيباح ذلك عند الأمن من ذلك عند أبي حنيفة وأصحابه، وليس في هذا أدنى مخالفة للحديث السابق لعدم تحقق علة النهي في هذه الصورة، وروى السرخسي عن الطحاوي: أن هذا النهي كان في ذلك الوقت؛ لأن المصاحف لم تكثر في أيدي المسلمين وكان لا يُؤمَن إذا وقعت المصاحف في أيدي العدو أن يفوت شيء من القرآن من أيدي المسلمين، أو يغير بعض ما في المصاحف مما يعلمون أنه لم يبق بأيدي المسلمين، ويؤمن مثله في زماننا هذا - زمن الطحاوي - لكثرة المصاحف وكثرة القراء. المسألة الخامسة: التسوية بين الأولاد في العطية قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديث النعمان بن بشير من طرق ولفظه: أن أبان نحله غلاماً وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده، فقال: ((أَكُلّ ولَدِكَ نَحَلته مثلَ هذا؟)) قال: لا، قال: ((فاردُدْه)). - ١٠٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وفي لفظ: ((فاتقوا الله واعدِلوا بين أولادكم)). وفي لفظ: ((لا أشهد علی جَوْر)). ثم قال: وذكِرَ أن أبا حنيفة قال: لا بَأْسَ به. قلت: وافقه الجمهور من العلماء، منهم مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب أبي حنيفة رحمهم الله، نظراً إلى اختلاف ألفاظ الرواة في حديث النعمان بن بشير في النَّحل، وسمعت على أئمة الفقه نطاق الاجتهاد فرأى جمهورهم أن الأمر بالتسوية للندب كما ذكرت أسماءهم، ورأى بعضهم وجوب التسوية بينهم في العطية لظاهر بعض ألفاظ الرواية منهم ابن المبارك وأحمد والظاهرية، وقد أورد البيهقي نحو عشرة وجوه في تأييد أن الأمر بالتسوية هنا للندب، وإن ناقشه فيها بعضهم، وقال القاضي عياض في ((شرحه على صحيح مسلم)): الجمع بين أحاديث الباب أولى من طرح بعضها، ومن توهين الحديث بالاضطراب في ألفاظه، ووجه الجمع أن تحمل كلها على الندب، وتفضيل أبي بكر لعائشة وعمر لعاصم في العطية ممن نص عليه الشافعي، وكذا فعل غيرهما من الصحابة وإقدامهم على ذلك من أجلى الأدلة على أن الأمر بالتسوية للندب. المسألة السادسة: بيع المدبر قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديث جابر من طريقين في بيع المدبر. ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم باعَ مُدَبَّراً. ثم قال: وذکِرَ أن أبا حنيفة قال: لا يُبَاع. - ١٠٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة بل قال البدر العيني في ((شرح الهداية)): وبه قال مالك وعامة العلماء من السلف والخلف. وقال مغلطاي: اختلف العلماء في المدبر يباع أم لا؟ فذهب أبو حنيفة ومالك وجماعة من أهل الكوفة إلى أنه ليس للسيد أن يبيع مدبره، وأجازه الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأهل الظاهر، وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن سيرين وابن المسيب والزهري والشعبي والنخعي والليث بن سعد، وقال أبو الوليد الباجي: إن عمر رضي الله عنه ردّ بيع المدبرة في ملأ خير القرون وهم حضور متوافرون، وهو إجماع منهم أن بيع المدبر لا يجوز، انتهى. وحديث جابر يقيده مرسل أبي جعفر أنه قال: شهدت الحديث عن جابر إنما أذن في بيع خدمته كما في ((سنن)) الدار قطني، وهو مرسل صحيح عند النقاد، وابن أبي شيبة ممن يحتج بالمرسل، وبيع خدمة المدبر الذي دبره مالكه المديني غير بيع المدبر، وعلى كل حال فهو حكاية واقع لا تعم، فيخرج من أن يصلح للاحتجاج به عند الشافعي وأحمد وداود. المسألة السابعة: الصلاة على المقبور قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل عن أبيه ويزيد بن ثابت وعمران بن حصين وأبي هريرة وجابر بالصلاة على الميتِ بعدما دُفِن. ثم قال: وَذكِر أن أبا حنيفة قال: لا يُصلى على ميتٍ مرتين. - ١٠٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة بل كرهها النخعي والحسن والثوري والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد وأبو الوليد الباجي، قال ابن القاسم على ما في ((عمدة القاري)): قلت لمالك: فالحديث الذي جاء في الصلاة عليه، قال: قد جاء وليس عليه العمل، وفي الترمذي عزو عدم الصلاة عليه إلى مالك. والجواب عن هذا الباب: أن هذه الصلاة من خصائصه صلى الله عليه وسلم، والدليل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإني أنورها بصلاتي عليهم))، وقال أبو الوليد الباجي في الرد على المتمسكين بصلاته عليه السلام على القبور: إن النبي صلى الله عليه وسلم علل صلاته على القبور بما لا طريق لنا إلى العلم بأن حكم غيره فيه كحكمه، فقال: ((إن هذه القبور ممتلئة ظلمة والله ينورها بصلاتي عليهم))، انتهى. وجعله مالك كأبي حنيفة من خصائصه صلى الله عليه وسلم ولم تكن صلاته على غائب سواه لتكون شرعاً عاماً، بل قال ابن عبد البر: أکثر أهل العلم یقولون: إن ذلك مخصوص به. المسألة الثامنة: إشعار الهدي وذكر ابن أبي شيبة تحته حديث ابن عباس والسيدة عائشة والمسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنهم بإشعار الهدي. ولفظ السيدة - ١٠٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أَشْعَر. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: الإشعار مُثْلَة. قلت: الإشعار المسنون هو ما كان برفق، وأما الإشعار المعهود في أهل زمان أبي حنيفة من بالغ الجرح فهو مُثلة حقّاً، بل الإشعار نفسه تَرَكَتْه عائشة، وخيّر ابن عباس بين فعل الإشعار وتركه، وذكر الترمذي: أن الإشعار مُثْلَة مروي عن إبراهيم النخعي. وذكر الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) أصل مذهب أبي حنيفة فيه فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار ولا كونه سنة، وإنما كره ما يُفْعَل على وجه يخاف منه هلاك البدن لسرایة الجرح، ولا سيما في حر الحجاز مع الطعن بالسنان أو الشفرة، فأراد سد هذا الباب على العامة لأنهم لا يراعون الحد في ذل، وأما من وقف على الحد فقطع الجلد دون اللحم فلا يكرهه، وذكر الكرماني صاحب المناسك عنه استحسانه قال: وهو الأصح، لا سيما إذا كان بمبضع أو نحوه فيصير كالفصد والحجامة، وذكر ابن أبي شيبة في مصنفه بأسانيد جيدة عن عائشة وابن عباس: إن شئت فأشعِر وإن شئت فلا. ويقول الشهاب: ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوي، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه. وقد ذكر الخوارزمي في ((جامع المسانيد)) ١/ ٦٠: والجواب عنه من وجوه ثلاثة: أحدها: أنه إنما ينكر هذا من لا يعرف مذهب أبي حنيفة، فإن مذهبه أن إشعار زمانه مُثْلَة وهو مخالف لإشعار النبي صلى الله عليه - ١٠٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شق سنامها من الجانب الأيسر شقّاً لطيفاً غير موجع للحيوان ولا مؤد إلى تعذيبه، وقد بالغ الجهال في ذلك فجعلوا يشقون السنام شقّاً عنيفاً مخالفاً لشق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوجعون الحيوان أولاً ثم يتقيح الجرح في شدة الحر ويَتَدَوّد فيصير مُثْلَة، فلما رأى أبو حنيفة ذلك كره ذلك الإشعار لكونه مخالفاً للسنة ومُثْلَة، وأما الإشعار المسنون فلا بأس به . والجواب الثاني: أن الإشعار كان في ابتداء الإسلام حيث كانت المثلة مباحة كما في حديث العرنيين، ثم نسخت المثلة فنسخ الإشعار كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة للكفار المعاندين المحاربين، فيكف بالحيوان الذي هو غير مكلف، والمقصود من الإشعار الإعلام وذلك يحصل بتعليق المرادة والنعل. والجواب الثالث: أن الكفار في ابتداء الإسلام كانوا لا يتعرضون للهدايا ويتعرضون لغيرها فاحتيج إلى الإعلام لئلا يتعرض لها، فلما ظهر الإسلام وحصل الأمن لم يبق الإشعار من تلك السنن، واعتمد أبو حنيفة رحمه الله بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن شئت فأشعر وإن شئت فلا تشعر. قلت: نضيف عليه بما أن جميع هدايا النبي صلى الله عليه وسلم إما ست وثلاثون أو سبع وثلاثون بدنة، والإشعار لم يذكر إلا في واحدة منها، فيرى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أقام الإشعار في واحدة ثم - ١١٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث تركه في البقية حيث رأى الترك أولى، ولا سيما والترك آخر الأمرين، أو اكتفى عن الإشعار بالتقليد لأنه يسد مسده في المعنى المطلوب منه. المسألة التاسعة: من صلى خلف الصف وحده قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن وابصة بن معبد وعلي بن شيبان. ولفظ وابصة بن معبد: صلى رجل خلف الصف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعید. ثم قال: وذکر أن أبا حنيفة قال: تجزئه صلاتُه. قلت: وافقه سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي والحسن البصري والأوزاعي ومالك وأبو يوسف ومحمد لكنه يأثم، أما الجواز فلأنه يتعلق بالأركان وقد وجدت، وأما الإساءة فلوجود النهي عن ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لفرد خلف الصف، أخرجه الأثرم، ومعناه: لا صلاة كاملة. ودليل هؤلاء حديث أبي بكرة في الصحيحين: أنه أحرم دون الصف، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((زادك الله حرصاً فلا تعد)). وهذا يفيد الصحة مع الكراهة لا البطلان. والجواب عن حديث الباب: ضعفه، وقال ابن عبد البر: أنه مضطرب الإسناد ولا يثبته جماعة من أهل الحديث. وقال الشافعي: لو ثبت الحديث - يعني حديث وابصة - لقلت به. وقال الحاكم: إنما لم يخرجه الشيخان لفساد الطريق إليه، فظهر من هذا أن - ١١١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث بطلان صلاة من انفرد خلف الصف مذهب أحمد فقط من بين الأربعة، ومذهب الظاهرية المتساهلين في التصحيح. المسألة العاشرة: الملاعنة بالحمل قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن عبد الله بن مسعود وابن عباس مرفوعاً والشعبي، ولفظ حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بالحمل. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة كان لا يرى الملاعنةَ بالحمل. قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة بل وافقه الثوري وأبو يوسف في المشهور عنه ومحمد وأحمد في رواية وابن الماجشون من أصحاب مالك وزفر بن الهذیل. ودليلهم على هذا: أن ما يُظن أنه حمل قد يكون انتفاخاً في البطن، وحديث عبد الله مختصر من حديث هلال بن أمية فيه: فرأيت بعيني وسمعت بأذني. وهو دليل على أن اللعان كان لرميها بالزنا لا بنفي الحمل، وكذا حديث عويمر في صدره: ((أرأيت رجلاً لو وجد مع امرأته رجلاً ... )) وهذا أيضاً يدل على أن اللعان كان لرميها بالزنا. والحدیث الثاني من هذا الباب قد تُكُلِم فیه بسبب عباد بن منصور. والأمر الثالث ليس هو حديث مرفوع ولا مرسل، بل هو رأي الشعبي. - ١١٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الحادية عشر: القرعة في العتق قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن عمران بن حصين وأبي هريرة. ولفظ حديث عمران بن حصين: أن رجلاً كان له ستة أعبد، فأعتقهم عند موته، فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعاً. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس هذا بشيء ولا يرى فيه قرعة. قلت: قال القاضي عياض في ((شرح مسلم)): وبقول أبي حنيفة قال جماعة، واستدل أبو حنيفة بحديث: ((من أعتق شِقصاً له في عبد فخَلَاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استُسْعِي العبد غيرَ مشقوق عليه))، كما أخرجه مسلم وغيره. يشمل الصورتين صراحة على تقدير أن له وارثاً، فأخذ أبو حنيفة لهذا الحديث الصريح الدلالة دون ذلك الحديث المجمل غير المبين والمخالف للأثر هو المخالف للصريح لا المجمل، على أن الفعل والقول إذا تعارضا يقدم القول عندهم في الأخذ به، وما تمسك به أبو حنيفة قول، وما تمسك به الآخرون فعل، وقد أطال الطحاوي في إثبات أن القرعة منسوخة بآية الربا في ((شرح معاني الآثار))، واستدل أيضاً بأن عليّاً كرم الله وجهه كان في اليمن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين ثلاثة اختصموا في ولد فألحقه بمن خرجت قرعته، ثم حكم في عهد عمر بين شخصين اختصما في ولد فألحقه بهما جميعا يرثهما - ١١٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ويرثانه، ولولا أن عند علي ما ينسخ الحكم الأول لما حكم بدون قرعة فيما بعد. وأما حديث الباب فأخرجه مسلم بلفظين لا يمكن أن يصحا جميعاً التنابذهما ولا الترجيح لتساوي السندين، ولعل البخاري لم يخرجه لذلك. المسألة الثانية عشر: جلد السيد أمته إذا زنت قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثا عن زيد بن خالد وشبل وأبي هريرة وعلي والسيدة عائشة وعباد بن تميم عن عمه حديثاً مرفوعاً. ولفظ الحديث الأول: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فسأله عن الأمة تزني قبل أن تُحْصَن؟ قال: اجلدوها، فإن عادت فاجلدوها، قال في الثالثة أو الرابعة: فبيعوها ولو بضفير. ثم قال: وذكِرَ أن أبا حنيفة قال: لا يجلدها سيدها. قلت: يرى الإمام أبو حنيفة جلد الأمة الثانية، لكن لا يرى أن ذلك إلى آحاد الأمة ابتعاداً عن الفوضى، بل يرى أن ذلك إلى من إليه إثبات الأحكام، ولا شأن في ذلك إلا لمن له الولاية العامة، فهذا الرأي من أبي حنيفة من كمال فقهه رحمه الله، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة نفسه عن الحسن: أربعة إلى السلطان، الصلاة والزكاة والحدود والقصاص. وبما رواه عن عبد الله بن محيريز: الجمعة والحدود والزكاة والفئ إلى السلطان، ومثله عن عطاء الخراساني. وتلك الآثار تؤيد رأي أبي حنيفة في المسألة. - ١١٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الثالثة عشر: الماء إذا بلغ قلتين قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن أبي سعيد وابن عباس وعبد الله بن عمر، ولفظ الحديث الأول: ((الماءُ طهورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)). ولفظ الحديث الثاني: ((إن المَاءَ لا يُجْنِب)). ولفظ الحديث الثالث: ((إذا كان الماءُ قُلْتَيْنِ لم يَحْمِل خَبَئاً». ثم قال : وذُكِر أن أبا حنيفة قال: يَنْجُسُ المَاء. قلت: حديث بئر بضاعة ضعيف، يقول أبو الحسن القطان في كتابه ((الوهم والإيهام)): إنه ضعيف لأن في إسناده اختلافا في اسم راويه فهو لا يعرف له حال ولا عين ثم ساق بطريق ابن وضاح لكن يقول ابن عبد البر وغيره عن عبد الصمد: أنه مجهول، ولم یوجد له راوٍ غیر محمد بن وضاح فلا تنتهض بمثله حجة. وقال ابن دقيق العيد في ((الإلمام)): أن حديث القلتين ضعيف لاضطراب سنده ومتنه. وقد تمسك الحنفية بحديث: ((الماء الدائم)) المخرج في الصحيحين. المسألة الرابعة عشر: صلاة المستيقظ في أوقات الكراهة قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن أنس وعبد الله بن مسعود وأبي جحيفة وأبي هريرة. ولفظ حديث أبي جحيفة مرفوعاً للذين ناموا معه حتى طلعت - ١١٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الشمس: ((إنكم كنتم أمواتاً فرد الله إليكم أرواحكم، فمن نام عن صلاة أو نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها وإذا استيقظ)). ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجزئه أن يصلي إذا استيقظ عند طُلُوع الشمس أو عندَ غُروبها. قلت: ليس فيما سرده من الأحاديث أنه صلى في حالة الطلوع أو الغروب، وقد صح أحاديث في النهي عن مطلق الصلاة في حالة الغروب والطلوع والاستواء منها حديث عقبة، أخرجه الجماعة غير البخاري، فيكون من قضى صلاة نام عنها أو نسيها بعد الطلوع أو الغروب متمسكاً بأحاديث البابين، على أن حديث أبي هريرة في تنحيه صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل نص يفيد أن وقت الاستيقاظ غير متعين للقضاء، فيذهب اعتراض ابن أبي شيبة، ويبقى قول فقيه الملة مؤيداً بصحاح الحديث. المسألة الخامسة عشر: المسح على العمامة قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً عن بلال وسلمان والمغيرة بن شعبة. ولفظ حديث بلال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَسَحَ على الخُفّين والخِمار. ولفظ حديث المغيرة بن شعبة: أنه مسح مقدم رأسه وعلى الخفين - ١١٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ووضع يده على العمامة ومسح على العمامة. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يُجزئ المسح عليهما. قلت: ليس في تلك الأحاديث الاكتفاء بالمسح على الخمار أو العمامة، بل من رأى المتوضي يخلع عمامته وقلنسوته بإحدى يديه المبلولتين ليمسح على ناصيته بالأخرى ربما يظن به أنه مسح على عمامته، على أن كتاب الله قاطع بالمسح على الرأس، فيكون الاكتفاء بالمسح على العمامة بمثل تلك الأخبار اجتراء على النص القاطع، فيكون القائل بذلك داحض الحجة أبداً وإن كان مرويّاً عن أحمد وحده وأدعى ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث الإجماع على ترك الأخذ بحدث المسح على العمامة وقال: المسح بالناصية، فرض في الكتاب فلا يزول بحديث مختلف في لفظه وضرب أمثلة لوجوه الترك لأحادیث بالاجماع وسرد عللها. المسألة السادسة عشر: حكم زيادة ركعة خامسة سهواً ء قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديثاً من طريقين عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً . ولفظ الطريق الثانية: أنه صلى الظهر خمساً، فقيل له: إنك صليت خمساً، فسجد سجدتين بعد ما سلم. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: إذا لم يجلس في الرابعة أعاد الصلاة. - ١١٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: لا نص في الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم ما كان قعد في الرابعة ليكون أبو حنيفة مخالفاً للأثر بل الظاهر أنه قعد في الرابعة بدليل أنه زاد على المعهود في البيان مجرد زيادة الخامسة، ولو كان فعل شيئا غير معهود سواها لذكره معها، وإعادة الصلاة عند عدم القعود في الرابعة مسألة اجتهادية لا نص فيها لأحد الطرفين غير ردها إلى الأصول العامة، وذلك مما تختلف فيه الأنظار من غير تصور مخالفة للآثار وما ذهب إليه أبو حنيفة من إعادة الصلاة غاية الاحتياط، وأبو حنيفة نظر إلى أن الصلاة في الإسلام ثنائية أو ثلاثية أو رباعية ولم تعهد في الإسلام صلاة خماسية، فإذا لم يقعد في الرابعة وسجد للخامسة يكون أتى بما لم يعهد الاعتداد به، فوجبت إعادة الرباعي المزيد فيه الخامسة بدون قعود إليها. المسألة السابعة عشر: وجوب الدم على محرم لبس سراويل بعذر قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب عن ابن عباس وجابر وابن عمر. ولفظ حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : إذا لم يجد المحرم إزاراً فليلبس سراويل، وإذا لم يجد نعلين فليلبس خفين. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يفعل، فإن فعل فعليه دم. قلت: ليس في هذه الآثار نفي وجوب الدم على المحرم إذا لبس ذلك، - ١١٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ولا يوجب عذر المحرم سقوط الدم عنه إذا لبس ما لا يلبس عند العذر والإباحة لعذر لا توجب سقوط الفدية كمن به أذى من رأسه فحلق أو لبس لقوله تعالى: ﴿ فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنِ صِيَامٍ أَوْ ﴾. ولقوله عليه السلام لكعب بن عجرة عند الستة: أيؤذيك صَدَقَةٍ أَوْ هوامك هذه؟ قال: نعم، قال: احلق ثم اذبح شاة نسكاً أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين، واللفظ لمسلم، وليس في الأحاديث ما يصرح بسقوط الفدية عن المعذور، وقد روى أبو حنيفة أحاديث فيما لا يلبسه المحرم إلا بعذر، وفيما يلبسه مطلقاً، وأخذ بأحاديث البابين من غير أن يسقط عن المعذور ما لم يسقطه الشرع نصاً. المسألة الثامنة عشر: الجمع بين الصلاتين في السفر قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب أحاديث عن ابن عباس وابن عمر ومعاذ بن جبل وجابر وأنس بن مالك وعبد الله بن عمرو. ولفظ حديث ابن عباس قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيا جميعاً وسبعاً جميعاً، قال: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك. ولفظ حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجزئه أن يفعل ذلك. - ١١٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: في الصحيحين عن ابن مسعود: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها. ومنزلة ابن مسعود في الفقه وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم معروفة، فلا يجهل مثله ذلك لو لم يكن معنى الجمع على ما ذكره الأحناف، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً في غير خوف ولا سفر، وليس أحد من الأئمة المتبوعين يقول بجواز الجمع في الحضر، فدل ذلك على أن المراد بالجمع تأخير الظهر إلى آخر وقته، وأداء صلاة العصر في أول وقتها، كما ذكره ابن أبي شيبة في حديث جابر بن زيد، وبذلك يجمع بين الأدلة وما فعله أبو حنيفة هو المعروف بالجمع الصوري. المسألة التاسعة عشر: الوقف قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب عن عمر وحجر المدري. ولفظ حديث عمر مختصرا: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو یطعم صديقاً غير متمول فیه. ولفظ حجر المدري: أن في صدقة النبي صلى الله عليه وسلم يأكل منها أهلها بالمعروف غير المنكر. وقال: وذكر أن أبا حنيفة قال: يجوز للورثة أن يردوا ذلك. - ١٢٠ -