Indexed OCR Text
Pages 401-420
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا الحميدي، قال: سمعت سفیان، يقول: كان هذا الأمر مستقيما حتى نشأ أبو حنيفة بالكوفة، وربيعة بالمدينة، والبتي بالبصرة، قال: ثم نظر إلي سفيان، فقال: فأما بلدكم فكان على قول عطاء، ثم قال سفيان: نظرنا في ذلك فظننا أنه كما قال هشام بن عروة، عن أبيه، إن أمر بني إسرائيل لم يزل مستقيما معتدلا حتى ظهر فيهم المولدون، أبناء سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي، فضلوا وأضلوا. قال سفيان: فنظرنا فوجدنا ربيعة ابن سبي، والبتي ابن سبي، وأبو حنيفة ابن سبي، فنرى أن هذا من ذاك. قلت: قول سفيان إن صح ففيه نظر شديد لأن أبا حنيفة لم يكن من سبایا الأمم، يرده قول إسماعيل. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص ١٩٧ : قول إسماعيل بن حماد: والله ما وقع علينا رق قط، وحديث أبي عبد الرحمن المقرئ في ((مشكل الآثار)) للطحاوي، وإنما كان ولاء أبي حنيفة ولاء الموالاة، لا ولاء الإسلام، ولا ولاء العتق، بل كان جده النعمان بن قيس بن المرزبان حامل راية علي كرم الله وجهه يوم النهروان. - ٤٠١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٤٦/١٥: أخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا ابن درستویه، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: سمعت نعيما، يقول: قال سفيان: ما وضع في الإسلام من الشر ما وضع أبو حنيفة إلا فلان، لرجل صلب. قلت: فيه نعيم بن حماد، وهو وضاع مثالب أبي حنيفة والخبر مختلق مکذوب علی سفيان بن عيينة. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٨٠: الجواب عن هذا كالجواب عن ما تقدمه، ومن هو فلان الذي صلب حتى إن كان له مذهب يوافق مذهب أبي حنيفة نتكلم عليه، وإلا فلان لا يعرف، وإن كان كل من صلب يلزم أن يكون مخطئا منسوبا إلى الخطإ فيلزم من هذا أن يكون زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وابن الزبير، وخبيب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصورة. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطیب)» ص٢١٢: وفي ((الانتصار والترجيح)) لسبط ابن الجوزي، بالسند إلى أبي نعيم الأصبهاني، قال: أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي في الرواية عنه، حدثني إبراهيم بن محمد بن داود، قال حدثنا إسحاق بن بهلول، قال - ٤٠٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني سمعت. سفيان بن عيينة يقول: ما مقلت عيني مثل أبي حنيفة، قال المصنف: وقد رأى سفيانُ الشافعي، وأحمد انتهى. أقول: بل الأوزاعي، والثوري ومالکا، کما لا يخفى. وقد أخرج ابن أبي العوام عن إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي، عن القاسم بن غسان، عن إسحاق بن أبي إسرائيل: ذكر قوم يوما أبا حنيفة بین یدي سفیان بن عیینة، فتنقصه بعضهم، فقال سفیان: مه، کان أبو حنيفة أكثر الناس صلاة، وأعظمهم أمانة، وأحسنهم مروءة. وأخرج ابن أبي العوام أيضا، عن محمد بن أحمد بن حماد، عن محمد بن سعدان، عن سويد بن سعيد، عن سفيان بن عيينة أنه قال: أول من أقعدني للحديث أبو حنيفة، قدمت الكوفة، فقال أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار، فاجتمعوا علي فحدثتهم. ثم أخرج عدة أخبار عنه بأسانيدها في الثناء عليه، وقد أخرج ابن عبد البر أيضا في ((الانتقاء)» ص١٢٨ أخبارا عن ابن عيينة في الثناء على أبي حنيفة لكن الهوى يُعمي ويُصم. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥ / ٥٦٢: أخبرني عبد الله بن يحيى السكري، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الشافعي، قال: حدثنا منصور بن محمد الزاهد، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال مساور الوراق: - ٤٠٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني بآبدة من الفتوى طريفه إذا ما أهل رأي حاورونا صليب من طراز أبي حنيفه أتيناهم بمقياس صحيح وأثبتها بحبر في صحيفه إذا سمع الفقيه بها وعاها فأجابه بعضهم بقوله: وجاء ببدعة هنة سخيفه إذا ذو الرأي خاصم عن قیاس وآيات محبرة شريفه أتيناه بقول الله فيها أحل حرامها بأبي حنيفه فكم من فرج محصنة عفيف فكان أبو حنيفة إذا رأی مساورا الوراق أوسع له، وقال: ههنا، ههنا. قلت: هذا الشاعر الهاجي مجهول، والمسألة مجهولة، لا نستطيع الكلام معه سوى الدعاء له بكشف غشاوة الجهل عن بصيرته، والمحارم في باب النكاح منصوص عليها، وأبو حنيفة يتوسع في باب الحرمة بالمصاهرة وبالرضاع، فمذهبه أحوط المذاهب في باب النكاح لكن الشاعر يهيم في کل واد. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٤: أخبرنا عبد الله بن يحيى السكري، والحسن بن أبي بكر، - ٤٠٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ومحمد بن عمر النرسي، قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، قال: حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل أبو عبد الرحمن، قال: سألت سفيان بن عيينة، قلت: يا أبا محمد، تحفظ عن أبي حنيفة شيئا؟ قال: لا، ولا نعمة عين. قلت: فيه محمد بن يونس الديمي البصري. قال الذهبي في ((الميزان)) ٤٧٩٠: أحد المتروكين، وقال ابن عدي: قد أتهم بالوضع، وقال ابن حبان: لعله قد وضع أكثر من ألف حديث، وقال الدار قطني: يتهم بوضع الحدیث. وشيخه مؤمل بن إسماعيل أيضاً ضعيف، فالخبر مختلق ومكذوب على سفيان بن عيينة. وانظر رواية سفيان بن عيينة عن أبي حنيفة في ((الكشف)) من ٢٨ إلى ٤٢. وقد ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن سفيان بن عيينة نحوه وقد سبق الرد عليه ويكفي لبطلانها وجودها في هذا الكتاب. مالك بن أنس قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٤٥/١٥: أخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، - ٤٠٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثني الحسن بن الصباح، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني، قال: قال مالك: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة، وكان يعيب الرأي، ويقول: قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله، صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا تتبع الرأي، وإنه متى اتبع الرأي، جاء رجل آخر أقوى منك في الرأي فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا الأمر لا یتم. قلت: فيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني، قال الذهبي في ((الميزان)) ٧٢٥: روى عن مالك وغيره، صاحب أوابد، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وذكره الطبري في تهذيب الآثار كما في ((جامع بيان العلم)) ١٤٤/٢ عن الحسن بن الصباح، عن الحنيني، عن مالك به، وليس فيه ذكر لأبي حنيفة، فليتق الله من يجعل بعض الأئمة يتكلم في بعض بمثل هذا السند، وكان مالك صاحب القدح المعلى في الرأي وأصحابه المعروفون بالفقه معدودون في أهل الرأي وتظهر آراؤه في المؤطأ رواية الليثي. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٧٨ -٧٩: هذا لا يكاد يصح عن مالك فإن ظاهر مذهبه أنه يعمل بإجماع أهل - ٤٠٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني المدينة ويترك الحديث الذي رواه في موطئه وهذا عمل بالرأي وهو خلاف عمل أبي حنيفة رضي الله عنه، لأن رأي أبي حنيفة أن يأخذ بخبر النبي صلی الله عليه وسلم. ما جاء فإن اختلف خبران أو كان لأحدهما وجه في التأويل يوافق به الخبر الآخر الذي ليس له إلا وجه واحد في الظاهر وفق بينهما. فإن لم يجد خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم عمل من أقوال الصحابة رضي الله عنهم لما كان أقرب إلى كتاب الله وسنة نبيه ویسمی ذلك اجتهادا. ومالك فقد عمل بإجماع أهل المدينة وترك الحديث الذي رواه في موطئه وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) وقد رواه عن أنبل شيوخه عن نافع عن ابن عمر ثم ترك العمل به وأفتى بغير قياس لأنه أفتى بقول أهل المدينة فصار مقلدا لهم، فإذا كان هذا مذهبه فكيف يمكن أن يصح عنه مثل هذا القول الناقض لمذهبه. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٠٧ : وما رده من الأحاديث التي رواها هو بأصح الأسانيد عنده في ((الموطأ)) ولم يعمل هو به: يزيد على سبعين حديثا. وقد قال يحيى بن سلام: سمعت عبد الله بن غانم، في مجلس إبراهيم بن الأغلب، يحدث عن الليث بن سعد، أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة، كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مما قال مالك فيها برأيه، قال: وقد كتبت إليه في ذلك، كما في ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البر ١٤٨/٢. - ٤٠٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٤٥/١٥: أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا ابن سلم، قال: حدثنا الأبار، قال: حدثنا أبو الأزهر النيسابوري، قال: حدثنا حبيب كاتب مالك بن أنس، عن مالك بن أنس، قال: كانت فتنة أبي حنيفة أضر على هذه الأمة من فتنة إبليس في الوجهين جميعا: في الإرجاء وما وضع من نقض السنن. قلت: فيه حبيب بن أبي حبيب المصري كاتب مالك، قال الذهبي في ((الميزان)) ٢٥٨٢: قال أحمد: ليس بثقة، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن داود: كان من أكذب الناس، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها موضوعة، انتھی. وهو فرية أخرى بطريق سلسلة التعصب، وأما نقض السنن فليس من شأن الأئمة المتبوعين وإن تقول عليهم بذلك بعض من ضاق فهمه. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٧٩: أما السنن فقد ذكرنا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فيها، وأما الإرجاء فأصحاب أبي حنيفة كلهم على خلاف رأي أصحاب الإرجاء فلو كان أبو حنيفة مرجئا لكان أصحابه على رأيه وهم الآن موجودون على خلاف ذلك وهذا يبطل ما ادعاه الخطيب من الثبت فإنه جاء إلى أصحاب أبي حنيفة مع كثرتهم أهمل ما نقلوه وما هم عليه وتمسك بقول رجل واحد و جعله ثبتا. - ٤٠٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني روى الحارثي في ((الكشف)) ١٢١، ١٢٣: حدثنا محمد بن القاسم البلخي، قال: أخبرنا أحمد بن الأزهر، قال: حدثني حبيب كاتب مالك، قال: قدم أبو حنيفة المدينة، فناظره مالك، فلما قام سمعت مالكاً يقول: ما أحلمه. حدثنا الفضل بن بسام، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: كان مالك ربما اعتبر بقول أبي حنيفة رحمة الله عليه في المسائل. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥١/١٥: أخبرنا إبراهيم بن مخلد المعدل، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي، قال: حدثنا القاسم بن المغيرة الجوهري، قال: حدثنا مطرف أبو مصعب الأصم، قال: سئل مالك بن أنس عن قول عمر في العراق: بها الداء العضال، قال: الهلكة في الدين، ومنهم: أبو حنيفة. قلت: فيه مطرف بن عبد الله أبو مصعب المدني. قال الذهبي في («الميزان» ٤٨٦٠: قال أبو حاتم: صدوق مضطرب الحديث، وقال ابن عدي: یأتي بمناکیر. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٨٤: لم يرد عمر رضي الله عنه بالداء العضال الهلكة في الدين كما ذكر - ٤٠٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني مالك، إنما أراد الوباء بدليل قوله: لا تسكنوا العراق، فإن العرب لا تصلح إلا حيث يصلح البعير، فاختطوا بأرض العرب. فاختط الناس الكوفة والبصرة فكتبوا إليه إنا قد اختطينا بأرض كوفة، فسميت الكوفة. وبأرض بصرة فسميت البصرة. والثاني والثالث مكرر، وقد سبق من مالك إعماله الرأي في موطئه، وقد ثبت استفادة مالك عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. روى الحارثي في ((الكشف»: ١١٧ - حدثنا عبد الله بن عبيد الله، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: قال محمد بن إدريس: وقد سألت الدراوردي - يعني عبد العزيز بن محمد - هل قال أحد بالمدينة: ألا يكون الصداق أقل من ربع دينار، فقال: لا والله ما علمنا أحداً قال هو قبل مالك بن أنس، وأراه أخذه عن أبي حنيفة رحمة الله عليه. ١١٨ - حدثنا سهل بن خلف بن وردان القطان، قال: حدثنا محمد بن عيسى بن يزيد، قال: سمعت أبا يعقوب البويطي، يقول: سمعت الشافعي رحمة الله عليه يقول سألت الدراوردي هل أحد من أهل المدينة قال: لا يجوز النكاح بأقل من ثلاثة دراهم، لأنه حد من الحدود، والقطع حد من الحدود فقال الدراوردي: ما علمت أن أحداً من أهل مدينة قاله، ولا أظن مالكاً أخذه إلا قياساً على قول أبي حنيفة رحمة الله عليه، لأن - ٤١٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أبا حنيفة قال: القطع في عشرة دراهم، ولا يجوز النكاح بأقل من عشرة دراهم، لأنه حد من الحدود، فقال مالك به على هذا المعنى. ١١٩ - سمعت أبا سليمان محمد بن منصور البلخي، يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، قال: كان الشافعي رحمة الله عليه يقول: لو أن امرأة تزوجت بغير إذن الولي ثم بلغ ذلك الولي فأجاز أنه لا يجوز، قال أبو عبيد: وكان مالك يقول بقول أبي حنيفة رحمة الله عليه أنه جائز إذا أجازه الولي. ١٢٠ - حدثنا أبو أسامة زيد بن يحيى البلخي، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: سمعت محمد بن عمر الواقدي، يقول: كان مالك بن أنس كثيرا ما كان يقول بقول أبي حنيفة رحمة الله عليه، ويتفقده متنكراً وإن لم یکن یظهره. فالأخبار التي ساقها الخطيب هي منكرة ومكذوبة على مالك بن أنس. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥١/١٥: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، والحسين بن جعفر السلماسي، والحسن بن علي الجوهري، قالوا: أخبرنا علي بن عبد العزيز البرذعي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن أبي سريج، قال: سمعت الشافعي، - ٤١١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له: تعرف أبا حنيفة؟ فقال: نعم، ما ظنكم برجل لو قال: هذه السارية من ذهب لقام دونها حتى يجعلها من ذهب، وهي من خشب أو حجارة؟ قال أبو محمد: يعني: أنه كان يثبت على الخطأ، ويحتج دونه، ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له. قلت: هذا كلام ثابت من كلام مالك وله طرق أخرى، وأما تفسير ابن أبي حاتم لعبارة مالك، ففيه مجازفة وآثار التعصب والحقد الكمين يلوح علیه. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٨٥: هذا لا يصلح أن يصدر عن مالك، لأن مالكا رضي الله عنه كان يثني على أبي حنيفة وهو ما رواه الخطيب، قال: أنبأنا البرقاني، أنبأنا أبو العباس بن حمدان لفظا، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا أحمد بن الصباح، قال: سمعت الشافعي محمد بن إدريس، قال: قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. وأما قول أبي محمد إن مالكا عنى أنه كان يثبت على الخطا ويحتج دونه ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له فمن أين لأبي محمد هذا؟ وهذا القول من مالك في حق أبي حنيفة أقرب إلى المدح منه إلى الذم وأظهر. - ٤١٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ثم إن القائلين بمذهب مالك من عهد مالك إلى وقتنا هذا - وهي سنة إحدى وعشرين وستمائة - لا يقدرون على إثبات خطإ لأبي حنيفة، فكيف يسوغ لفقيه أن يتكلم في أمر فقيه ولا يقوم بما قال ومسائل الخلاف أشهر من أن أبینها لك. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطیب)) ص٢٢٥ : ابن أبي حاتم المسكين - الذي يقال عنه إنه ما كتب كاتب الشمال شيئا عليه - أفسده حرب بن إسماعيل السيرجاني في المعتقد، حتى أصبح ينطوي على العداء لمتكلمي أهل الحق، ويقول: إن القول بأن لفظي بالقرآن مخلوق، كفر ينقل قائله من الملة. وقد ذكر في كتاب ((الرد على الجهمية))، ما يدل على ما أصيب به عقله، وهو يضمر عداء لا مزيد عليه لمن لا يقول عن لفظ اللافظ: إنه غير مخلوق، فسبحان قاسم العقول، فترى لهذا السبب نفسه، لا يتحاشى أن يقول في البخاري شيخ حفاظ الأمة: تركه أبو زرعة، وأبو حاتم. فإذا كان هذا حالته مع أهل صناعته - أعني الرواية - فماذا يكون رأيه في أهل الفقه والدراية، وهو الذي اعترف أنه يجهل علم الكلام كما في ((الأسماء والصفات)) ص٢٦٩، ومع ذلك تراه يدخل في مضايق علم أصول الدين، مباعدا التفويض والتنزيه، فتزل قدمه. ثم إنه يحسب فيما فعله هنا، أنه لم يفعل شيئا غير أنه نقل الرواية - ٤١٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني بالمعنى، وهو يغير هذا التغيير، ويؤول هذا التأويل. وهذا الذي يقول عنه المجازفون: إن كاتب الشمال لم يجد ما يكتب عليه، قد قال في كتاب ((الجرح والتعديل)): أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيما كتب إلي، عن أبي عبد الرحمن المقرئ، قال: كان أبو حنيفة يحدثنا، فإذا فرغ من الحديث قال: هذا الذي سمعتم کله ريح وأباطيل. ثم قال: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فیما کتب إلي، حدثني إسحاق بن راهويه، قال سمعت جريرا يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني. ثم قال أخبرنا أحمد بن منصور المروزي، قال سمعت سلمة بن سليمان، قال عبد الله يعني ابن المبارك: إن أصحابي ليلومونني في الرواية عن أبي حنيفة، وذاك أنه أخذ كتاب محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، فروى عن حماد ولم يسمعه منه. وابن أبي حاتم من أعرف الناس، أن الجوزجاني منحرف عن أهل الكوفة، حتى استقر قول أهل النقد فيه على أنه لا يقبل له قول في أهل الكوفة، وكان ناصبيا خبيثا حريزي المذهب، أخرجت جارية له فروجة لتذبحها، فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان الله، فروجة لا يوجد من يذبحها، وعلي يذبح نيفا وعشرين ألف مسلم اهـ. - ٤١٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني فمثل هذا الخبيث يصدقه ذلك التقي الورع في أبي حنيفة. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٥١: أخبرنا علي بن محمد المعدل، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبو معمر، عن الوليد بن مسلم، قال: قال لي مالك بن أنس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن. قلت: فیه عبد الله بن أحمد، راوي تلك الطامات في كتاب سماه السنة ولا يبعد عنه أكثر من هذا كما صنع في السنة وهو غير صحيح عن مالك بل هو مكذوب عليه، يدل على كذبه ما روى عن مالك الثناء والاستفادة من علومه والمناظرة معه في العلم، وما كان مالك ليتكلم من مثله إلا بما يليق بفضله وثناء مالك على أبي حنيفة من الشهرة بمكان يغني عن الإطالة. وانظر مبحث التوثيق ومعه ((كشف الآثار)) ١١٧ - ١٢٥: ١١٧ - قال: حدثنا عبد الله بن عبيد الله، قال: حدثنا الربيع بن سلیمان، قال: قال محمد بن إدريس: وقد سألت الدراوردي - يعني عبد العزيز بن محمد - هل قال أحد بالمدينة: ألا يكون الصداق أقل من ربع دينار، فقال: لا والله ما علمنا أحداً قال هو قبل مالك بن أنس، وأراه أخذه عن أبي حنيفة رحمة الله عليه. - ٤١٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ١٢٥ - حدثنا أحمد بن علي بن سلمان المروزي، وأبو زيد عمران بن فرينام (١)، وإبراهيم بن منصور البخاريان، قالوا: سمعنا أبا عصمة سعد بن معاذ، يقول: سمعت عمر بن حماد بن أبي حنيفة، يقول: لقيت مالك بن أنس فأقمت عنده، وسمعت علمه، فلما قضيت حاجتي أو نهمتي وأردت فراقه قلت: إني لا آمن أن يكون أهل العداوة والحسد ذكروا عندك أبا حنيفة بغير ما كان عليه، وإني أريد أن أذكر لك ما كان هو عليه، فإن رضيت منه فذاك، وإن كان عندك شيء أحسن منه أو كان عندك غير ذلك علمته، فقال لي: هات، قال: فقلت: إنه كان لا يكفر أحداً بذنب من المؤمنين، قال: فقال لي: أحسن، أو قال: أصابَ، قال: قلت: إنه كان يقول: أكبر من ذلك كان يقول: وإن أصاب الفواحشَ لم أكفره، فقال: أصاب أو أحسن، قال: قلت: إنه كان يقول: أكبر من هذا، قال: وما هو؟ قال: قلت كان يقول: وإن قتل رجلاً متعمداً لم أكفره قال: أصاب أو قال: أحسن، قال: قلت له: فهذا قوله، فمن أخبرك أن قوله غير هذا، فلا تصدقه قال: فقال لي: إنه بلغني أنه كان يقول: إيماني مثل إيمان جبرائيل عليه السلام، قال: قلت: بلغك الباطل، ولكن كان يقول: إن الله تعالى بعث جبرائيل إلى النبي صلوات الله عليهما وعلى جميع الملائكة والأنبياء والمرسلين فأمره أن يدعو الناس إلى الإيمان كما بعثه إلى من قبله من (١) في ((المناقب)) للمكي ٤٨/ ب زيادة (وأبو يعقوب الغزال) والبخاريون بدل البخاريان. - ٤١٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الأمم، والإيمان إنما هو إيمان واحد، ولا أقول: الإيمان إيمانان، وثلاثة، وإيمان هذا غير إيمان هذا، أو قرآن هذا غير قرآن هذا، فهذا قوله، فتبسم(١) كالراضي به ولم يقل شيئاً، وقلت له: وكان ينكر الشك، ويراه خطأ قال: فقال: وما الشك! قال: قلت: إن عندنا قوماً لا يقولون: إنا مؤمنون حتى يستثنوا أو يقول أحدهم: لا أدري أنا مؤمن أم لا [قال]، فأنكر هذا وقال: من يقول هذا (٢). وقال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٥٢: أنبأنا علي بن محمد المعدل، قال: أخبرنا أبو علي ابن الصواف، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: سمعت مالك بن أنس، وذكر أبا حنيفة، فقال: كاد الدین، کاد الدین. قلت: لا يصح هذا عن مالك بل هو مكذوب عليه بدليل ما صح عنه الثناء والمحبة له. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٢٩ : ولست أدري كيف يرميه من يرميه بكيد الدين؟ مع أنه لم يكن (١) في الأصل طمس قدر كلمة ولعلها ((عليه)). (٢) انظره في ((المناقب)) للموفق المكي ٧٣. - ٤١٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني متساهلا في أمر الطهور، ولا متبرئا من المسح على الخفين في رواية من الروايات عنه، ولا منقطعا عن الجمعة والجماعات، ولا قائلا بتحليل لحم الكلاب، ولا مبيحا للإثفار، ولا محكما لعمل أهل بلده على الأدلة الشرعية، ولا متوسعا في سد الذرائع بالرأي، ولا مجترئا على إقامة عقوبات بدون بينة، ولا معطلا لروايات غير مقيله، ولا مسترسلا في المصلحة، بل وقف عندما وقف الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فأبان الدليل وأوضح السبيل. ولكبار قدماء المالكية، في أمثال تلك الكلمات المروية عن مالك ثلاثة آراء: الأول: رأي الإمام أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي، صاحب النامي على ((الموطأ)) حيث قال: هذا الذي ذكر إن سلم من الغلط وثبت، فقد يكون ذلك من مالك في وقت حرج، اضطره لشيء ذكر له عنه مما أنكره، فضاق به صدره، فقال ذلك، والعالم قد يحضره ضيق صدر، فيتقول ما یستغفر الله عنه بعد وقت إذا زال غضبه. اهـ. والثاني: قول ابن عبد البر في ((الانتقاء» ص ٣٧٠: روی ذلك كله عن مالك أهل الحديث، وأما أصحاب مالك من أهل الرأي الفقهاء، فلا يروون من ذلك شيئا عن مالك اهـ. فأكتفي بلفت النظر إلى انفراد الرواة بذلك، دون الفقهاء الذين هم بطانة مالك. والثالث: قول أبي الوليد الباجي، فتراه ينفي في ((المنتقى شرح الموطأ)) - ٤١٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ثبوت ذلك عن مالك بشدة ويقول: لم يتكلم مالك في الفقهاء أصلا، وإنما تكلم في بعض الرواة من جهة الضبط، ثم يذكر مبلغ إجلال مالك لابن المبارك، الذي هو من أخص أصحاب أبي حنيفة، كما يذكر رواية محمد بن الحسن ((الموطأ)) عن مالك، وتلقّى الباجي ((الموطأ)) من روايته عن أبي ذر الهروي، إلى آخر ما ذكره هناك كما سبق. فظهر من ذلك أن تلك الأقوال، على فرض ثبوتها ممن نسبت هي إليهم، يكون القائل بها مجرما، فأنى يقلد المجرم في إجرامه؟ وعلى تقدير أنها مختلقة، فراويها من غير تفنيدها يكون شريك المختلق في الإثم، وإن لم يشاركه في الاختلاق، فلا قدوة لمن قدوته الأثمة. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٥٢: أخبرني أبو الفرج الطناجيري، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: حدثنا محمد بن زكريا العسكري، قال: حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال: حدثنا الحنيني، قال: سمعت مالكا، يقول: ما ولد في الإسلام مولود أشأم من أبي حنيفة. قلت: فيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني، روى عن مالك وغيره، صاحب أوباد، فلا يعتمد في نقل هذه المثالب على هذا الضعيف ويدل على كذبه ما صح في باب التوثيق. - ٤١٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وقال الشيخ محمد أحمد عاموه في الكلمات الشريفة ص٣٢٧ : وما كان مالك ليتكلم من مثله -كذا ولعلها في مثله- إلا بما يليق بفضله ولا نعلم أن مالكاً تكلم في أحد من أهل الرأي وإنما تكلم في قوم من أصحاب الحديث من جهة النقل وقد روي عنه أنه قال: أدركت بالمدينة قوماً لم تكن لهم عيوب فبحثوا عن عيوب الناس فذكر الناس لهم عيوبا، وأدركت بها قوما كانت لهم عيوب سكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم. فمالك يزهد الناس عن العيوب ومن أين يبحث عن عيوب الناس؟ وكيف يذكر الأئمة بما لا يليق بفضله؟ وقد ذكرت في كتاب ((فرق الفقهاء)) ما نقل عنه من ذلك وبينت وجوهه، والله أعلم وأحكم، انتهى. فنفي هذا الإمام الجليل عن الإمام مالك النبيل صدور هذا القول منه، وهو الذي تطمئن النفس إليه، والحمد لله رب العالمين، قاله الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. أبو بكر بن عياش قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٦٣: أخبرنا ابن رزق، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا إدریس بن عبد الکریم، قال: سمعت یحیی بن أیوب، قال: حدثنا صاحب لنا ثقة، قال: كنت جالسا عند أبي بكر بن عياش، فجاء - ٤٢٠ -