Indexed OCR Text
Pages 241-260
١٣ - كتاب السير
٢٤١
٨ - باب النفل بعد الفراغ من قتال العدو
ابن عبد المجيد الحنفي، قالا: ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال ( لما قربنا من
المشركين أمرنا أبو بكر فشَفَفًا الغارة عليهم، فنفانى أبو بكر امرأة من فزارة أتيت بها من الغاره. فقدمت بها
المدينة، فاستوهبها منى رسول الله محمد لي، فوهبتها له، فنادى بها أناساً من المسلمين).
فكان من الحجة فى ذلك للآخرين عليهم أنّه لم يذكر فى ذلك الحديث أن أبا بكر كان تقل سلمة قبل انقطاع
الحرب أو بعد انقطاعها ، فلا حجة فى ذلك .
٥٢٢٣ - واحتجوا لقولهم أيضاً بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي ، قال: ثنا ابن المبارك، عن
عبيد اللّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله # بعث سرية فيها ابن عمر، فغنموا غنائم
كثيرة ، فكانت غنائهم لكل إنسان ، اثنى عشر بعيراً ، وتقل كل إنسانٍ منهم بعيراً بعيراً، سوى ذلك.
قالوا: فهذا ابن عمر رضى الله عنهما يخبر أنهم قد نقلوا بعد سهامهم، بعيراً بعيراً، فلم ينكر ذلك التى عمليّ.
قيل لهم: ما لكم فى هذا الحديث من حجة، ولَهُوَ إلى الحجة عليكم أقرب منه إلى الحجة لكم لأنه(١) فيه،
فبلغت سهمانهم اثنى عشر بعيراً ، ونقلوا بعيراً بعيراً .
ففى ذلك دليل أن ما نقلوا منه من ذلك؛ كان من غير ما كانت فيه سهماتهم وهو الخمس ، فلاحجة لكم
بهذا الحديث فى النفل من غير الخمس .
فلما لم يكن فى شىء مما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم من الآثار ، ما يجب به ما قالوا ، أردنا أن ننظر
فيما احتج به أهل المقالة الأخرى لقولهم من الآثار أيضاً ، فنظرنا فى ذلك .
٥٢٢٤ - فإذا ابن أبى داود قد حّشْ، قال: ثنا ابن أبى مريم، قال: أخبرنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن
ابن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبى سَلاَّم، عن أبى أمامة الباهلى، عن عبادة بن الصامت
أن رسول الله عَّم أخذ يوم حنين وَبْرَةً من جنب بعير، ثم قال ( يا أيها الناس، إنه لا يحل ◌ِى مما أفاء اله
عليكم إلا الخمس ، والخمس مر دود فيكم ، فأدوا الخيط والمخيط).
قال: وكان رسول الله وَّ بكره الأنفال، وقال ((لِيَرُدَّ قوىُّ المؤمنين على ضعيفهم)).
أفلا ترى أن رسول الله ومُ للم قل ((لا يحل ى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس» فدل ذلك أن ما سوى الخمس
من الغنائم المقاتلة ، لا حكم للإمام فى ذلك .
ثم كره رسول الله ◌َويف الأنفال وقال ((ليرد قوى المسلمين على ضعيفهم)) أى لا يفضل أحد من أقوياء المؤمنين
مما أفاء الله عليهم لقوته على ضعيفهم لضعفه ، ويستوون فى ذلك .
واستحال أيضاً أن يكون رسول الله عَ ل تعل من الأنفال ما كان يسكره، فكان النقل الذى ليس بمكرو.
هو النقل فى الخمس .
فثبت بذلك أن ما كان رسول الله عَلَه نقله، مما رواه عيادة عنه فى هذا الحديث، هو من الخمس.
(١) وفى نسخة (« لأن)).
١٣ - كتاب السير
٢٤٢
٨ - باب النفل بعد الفراغ من قتال العدو
وقد روى عن رسول الله ◌َّ أيضاً ما يدل على صحة هذا المذهب.
٥٢٢٥ - حرّشا ابن(١) أبى داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة ، عن عاصم بن كليب، عن
أبى الجويرية، عن مَعْن بن يزيد السلمى قال: سمعت رسول الله مَوَّم يقول (( لا تقل إلا بعد الخمس)).
ومعنى قوله (( إلا بعد الخمس)» - عندنا - والله أعلم، أى حتى بقسم الخمس، وإذا قسم الخمس انفرد حق
المقاتلة ، وهو أربعة أخماس .
فكان ذلك النفل الذى ينقله الا مام من بعد أن آثر به ، أن يفعل ذلك من الخمس ، لا من الأربعة الأخاص
التى هى حق المقاتلة .
٥٢٢٦ - وقد دل على ذلك أيضاً ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا يوسف بن عدى ، قال: ثنا ابن المبارك ،
عن معمر، عن أيوب ، عن ابن سيرين أن أنس بن مالك، كان مع عبيد الله بن أبى بكرة فى غزاة غزاها، فأصابوا
سبياً، فأراد عبيد الله أن يععلى أنساً من السبى قبل أن يقسم .
فقال أنس : لا ، ولكن اقسم ثم أعطنى من الخمس .
قال: فقال عبيد الله (لا، إلا من جميع الغنائم) فأبى أنس أن يقبل منه، وأبى عبيد الله أن يعطيه
من الخمس شيئاً .
٥٢٢٧ - حدّثْا ابن مر زوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن كهمس بن الحسن، عن محمد بن سيرين، عن أنس، نحوه.
فهذا أنس رضى الله تعالى عنه، لم يقبل الففل إلا من الخمس ، وقد روى مثل ذلك أيضاً عن جبلة ابن عمرو.
٥٢٢٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدى، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن بكير
ابن الأشج، عن سليمان بن يسار، أنهم كانوا مع معاوية بن خديج فى غزوة المغرب ، فنفل الناس ، ومعنا أصحاب
رسول الله ◌َيَّة ، فلم يردوا ذلك غير جبلة بن عمرو .
٥٢٢٩ - حرّشْا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبى عمران ،
قال: سألت سليمان بن يسار ، عن النقل فى الغزو فقال: لم أر أحداً صنعه غير ابن حديج، تقلنا بأفريقية النصف
بعد الخمس، ومعنا من أصحاب رسول الله وَل من المهاجرين الأوّلين أناس كثير ، فأبى جبلة بن عمرو ،
أن يأخذ منها شيئاً .
فإن قال قائل: ففي هذا الحديث أن أصحاب رسول الله تَتَّم سوى جبلة بن عمرو، قد قبلوا .
قيل له : قد صدقتَ ، ونحن فلم ننكر أن الناس قد اختلفوا فى ذلك، تهم من أجاز للإمام النقل قبل الخمس
ومنهم من لم يجزء، وأن أصحاب رسول الله يَ لتم فد كانوا فى ذلك مختلفين .
وإذا أردنا بما روينا عن أنس وجبة، أنهما يخيران قولنا هذا مع من قد ذكرنا فى أصحاب رسول الله مدٍّ.
٥٢٣٠ - فإن قال قائل: فقد روى أيضاً عن سعد بن أبى وقاص فى هذا، فذكر ما حدّثما يونس ، قال: أخبرنا
(١) وفى نخة ((أحمد)».
١٣ - كتاب السير
٢٤٣
٨ - باب الثفل بعد الفراغ من قتال العدو
سفيان، عن الأسود بن قيسٍ ، عن رجل من قومه يقال له شبر بن علقمة ، قال : بارزت رجلا يوم القادسية
فقتلته ، فبلغ سلبه اثنى عشر ألفاً ، فنفلفيه سعد بن أبى وقاص .
قيل له : قد يجوز أن يكون سعد نفله ذلك ، والقتال لم يرتفع ، فإن كان ذلك كذلك ، فهذا قولنا أيضاً .
وإن كان إنما نفاه بعد ارتفاع القتال ، فقد يحتمل أن يكون جعل ذلك من الخمس.
فإن كان جعله من غير الخمس ، فهذا فيه الذى ذكرنا من الاختلاف، فلم يكن فى ذلك الحديث لأحد
الفريقين حجة ، إذ كان قد يحتمل ما قد صرفه إليه مخالفه .
ووجب بعد ذلك أن يكشف وجه هذا الباب ، لنعلم كيف حكمه من طريق النظر .
فكان الأصل فى ذلك أن الا مام إذا قال فى حال الفقال ( من قتل قتيلا فله سلبه ) أن ذلك جائز.
ولو قال ( من قتل قتيلا فله كذا وكذا درهماً) كان ذلك جائزاً أيضاً.
ولو قال ( من قتل قتيلا ، فله عشر ما أصبنا) لم يجز ذلك ، لأن هذا لو جاز ، جاز أن تكون الغنيمة كلها
للمقاتلين ، فيبطل حق الله تعالى فيها من الخمس .
فكان النفل لا يكون قبل القتال، إلا فيما أصابه المنفل بسيفه، ولا يجوز فيما أصاب غيره إلا أن يكون
فيما حكمه حكم الإجارة فيجوز ذلك، كما تجوز الإجارة كقوله ( من قتل قتيلا فله عشرة دراهم) فذلك جائز.
فلما كان ما ذكرنا كذلك، ولم يجز النقل إلا فيما أصابه النقل بسيفه، أو فيما جعل له لعمله، ولم يجز أن ينفل
مما أصابه غيره ، كان النظر على ذلك أن يكون بعد إحراز الغنيمة أحرى أن لا يجوز أن ينفل مما أصاب غيره .
ففسد بذلك قول من أجاز النفل بعد إحراز الغنيمة، ورجعنا إلى حكم ما أصابه هو، فكان ذلك قبل أن ينفله
الإمام إياه ، قد وجب حق الله تعالى فى خمسه ، وحق المقاتلة فى أربعة أخماسه .
فلو أجزنا النفل إذاً لكانَ حقهم قد بطل بعد وجوده ، وإنما يجوز النقل فيما يدخل فى ملك النفل ،
من ملك العدو .
وأمَّا ما قد زال عن ملك العدو قبل ذلك، وصار فى ملك المسلمين، فلا تقل (١) فى ذلك، لأنه من
مال المسلمين .
فثبت بذلك أن لا تقل بعد إجراز الغنيمة على ما قد فصلنا فى هذا الباب ، وبينا .
وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف ، ومحمد، رحمة الله عليهم أجمعين.
(١) وفى نسخة ((فلا ينفل)).
١٣ - كتاب السير
٢٤٤
٩ - باب المدد بعد الفراغ من القتال
٩ - باب المدد يقدمون بعد الفراغ من القتال في دار الحرب
بعد ما ارتفع القتال قبل قفول العسكر، هل يسهم لهم أم لا؟
٥٢٣١ - حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدى ، عن
ابن شهاب الزهرى، أن عنبسة بن سعيد أخبره أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص.
قال أبو هريرة: بعث النبي ◌َّم أبان بن سعيد على سرية من المدينة قِبَل نجد ، فقدم أبان وأصحابه على
العِى ◌َّه بخيير ، بعد ما فتحنا، وأن حزم خيلهم ليف .
فقال أبان : إِقْسِمْ لنا يا رسول الله، فقال أبو هريرة، فقلت: لا تقسم لهم شيئاً يا نبيًّ الله .
قال أبان: أنت بهايا وبر تحدر [علينا من رأس ضال]، فقال النبي ﴿((اجلس يا أبان)) فلم يقسم لهم شيئاً.
قال أبو جعفر : فذهب قوم إلى أنه لا يسهم من الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة .
وخالفهم فى ذلك آخرون فقالوا : يقسم لكل من شهد الوقعة ، ولمن كان غائباً عنها فى شىء من أسبابها .
فمن ذلك من خرج يريدها ، فلم يلحق بالإمام حتى ذهب القتال ، غير أنه لحق به فى دار الحرب ، قبل خروحه
منها، قسم له .
٥٢٣٢ - واحتجوا فى ذلك بما حّشْا ابن أبى داود قال: ثنا عيسى بن إبراهيم قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا
كليب بن وائل قال: حّشن هانى بن قيس، عن حبيب بن أبى مليكة قال: كنت قاعداً إلى جنب ابن عمر ،
فأتاه رجل فقال ( هل شهد عمان بدراً؟).
فقال: لا، ولكن رسول الله ميثم قال يوم بدر ((إن عثمان انطلق فى حاجة الله، وحاجة رسوله )) فضرب له
بسهم، ولم يضرب لأحد غاب غيره .
٥٢٣٣ - حدثنا أبو أمية قال: ثنا أبو معاوية بن عمرو الأزدى قال: ثنا أبو إسحاق الفزارى، عن كليب بن وائل،
ثم ذكر بإسناده مثله إلا هنا .
أفلاترى أن رسول الله رَبّ قد ضرب لعثمان فى غنائم بدر، بسهم ولم يحضرها ، لأنه كان غائباً فى حاجة الله ،
وحاجة رسوله ، فجعله رسول الله بم قتل ، كمن حضرها .
فكذلك كل من غاب عن وقعة المسلمين بأهل الحرب بشغل يشغله به الامام من أمور المسلمين ، مثل أن يبعثه
إلى جانب آخر من دار الحرب ، لقتال قوم آخرين ، فيصيب الإمام غنيمة بعد مفارقة ذلك الرجل إياه ، أو يبعث
يرجل ممن معه من دار الحرب إلى دار الإسلام، ليمده بالسلاح والرجال، فلا يعود ذلك الرجل إلى الإمام حتى يغنم
غنيمة ، فهو شريك فيها، وهو كمن حضرها .
وكذلك من أراده فرده الامام عنها ، وشغله بشىء من أمور المسلمين ، فهو كمن حضرها .
١٣ - كتاب السير
٢٤٥
٩ -باب المدد بعد الفراغ من القتال
وعلى هذا الوجه - عندنا - والله أعلم أسهم الفى تَّ لعثمان بن عفان فى غنائم بدر ، ولولا ذلك لما أسهم له ،
كما لم يسهم لغيره ممن غاب عنها، لأن غنائم بدر، وكانت وجبت لمن حضرها دون من غاب عنها، إذاً لما ضرب
الغبى عَّه لغيرهم فيها بسهم، ولكنها وجبت لمن حضر الوقعة، ولكن من بذل نفسه لها فصرفه الامام عنها وشغله
بغيرها من أمور المسلحين ، كمن حضرها .
وأما حديث أبى هريرة رضى الله عنه، فإنما ذلك عندنا - والله أعلم - أن النبى ◌َّ وجه أباناً إلى نجد قبل
أن يتهيأ خروجه إلى خيبر .
فتوجه أبان فى ذلك، ثم حدث من خروج التى يُّه إلى خيبر ما حدث، فكان ما غاب فيه أبان من ذلك
عن حضور خيبر، وليس هو شغلا شغله النبى معَّه عن حضورها بعد إرادته إياه، فيكون كمن حضرها .
فهذان الحديثان أصلان، فكل من أراد الخروج مع الإمام إلى قتال العدو، فرده الامام على ذلك بأمر آخر
من أمور المسلمين ، فتشاغل به حتى غنم الامام غنيمة، فهو كمن حضر مع الإمام ، يسهم له فى الغنيمة، كما
يسهم لمن حضرها .
وكل شيء تشاغل به رجل من شغل نفسه، أو شغل المسلمين مما كان دخوله فيه متقدماً، ثم حدث للإمام
قتال العدو ، فتوجه له فغنم، فلا حق لذلك الرجل فى الغنيمة، وهي بين من حضرها وبين من حكمه حكم الحاضر لها .
٥٢٣٤ - واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضاً، بما صّشْ سليمان بن شعيبٌ قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد قال: ثنا
شعبة، عن قيس بن مسلم قال: سمعت طارق بن شهاب، أن أهل الى سرة غزوا ((نَاوَنْد)) وأمدهم أهل
الكوفة ، فظفروا .
فأراد أهل البصرة أن لا يقموا لأهل الكوفة ، وكان عمار على أهل الكوفة ، فقال رجل من بنى عطارد :
أيها الأجدع، تريد أن تشاركنا فى غنائمنا؟ فقال: أذنى سينبت ، قال: فكتب فى ذلك إلى عمر رضى الله عنه ،
فكتب عمر ( إن الغنيمة لمن شهد الوقعة ).
قالوا : فهذا عمر رضى الله عنه قد ذهب أيضاً إلى أن الغنيمة لمن شهد الوقعة ، فقد وافق هذا قولنا .
قيل لهم: قد يجوز أن تكون نهاوند ، فتحت وصارت دار الإسلام ، وأحرزت الغنائم ، وقسمت قبل
ورود أهل الكوفة .
فإن كان ذلك كذلك ، فإنا نحن نقول أيضاً إن الغنيمة فى ذلك لمن شهد الوقعة، وإن كان جواب عمر رضي الله
عنه الذى فى هذا الحديث ، لما كتب به إليه ، إنما هو لهذا السؤال، فإن ذلك مما لا اختلاف فيه .
وإن كان على أن أهل الكوفة لحقوا بهم قبل خروجهم من دار الشرك، بعد ارتفاع القتال، فكتب (١) عمر
رضى الله عنه ( إن الغنيمة لمن شهد الوقعة ) فإن فى ذلك الحديث ، ما يدل على أن أهل الكوفة قد كانوا طلبوا
(١) وفى نجا" وكتب)) :
----.....
١٣ - كتاب السير
٢٤٦
١٠ - باب الأرض تفتتح
أن يقسم لهم، وفيهم عمار بن ياسر، ومن كان فيهم غيره، من أصحاب رسول الله عَلّه، فهم من يكاماً قول عمر
رضى الله عنه بقولهم .
فلا يكون واحد من القولين أولى من الآخر إلا بدليل عليه، إما من كتاب، أو من سنة، وإما من خطر ميح.
فنظرنا فى ذلك، فرأينا السرايا المبعوثة من دار الحرب إلى بعض أهل الحرب أنهم ما غنموا، فهو بينهم
وبين سائر أصحابهم .
وسواء فى ذلك من كان خرج فى تلك السرية ، ومن لم يخرج، لأنهم قد كانوا بذلوا من أنفسهم ، ما بذل الدين
أسروا فلم يفضل فى ذلك بعضهم على بعض .
وإن كان(١) ما لقوا من الققال مختلفاً، فالنظر على ذلك، أن يكون كذلك من بذل نفسه على مابذل به(٢)
نفسه من حضر الوقعة، فهو فى ذلك كمن حضر الوقعة، إذا كان على الشرائط التى ذكرنا فى هذا الباب، والله أعلم
١٠ - باب الأرض تفتتح كيف ينبغي للإمام أن يفعل فيها؟
٥٢٣٥ - حدّشا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبر فى هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم ،
عن أبيه، عن عمر قال: لولا أن يكون الناس بَبآباً ليس لهم شىء، ما فتح الله على قربة إلا فشها ، كافم
رسول الله بت خيير .
٥٢٣٦ - حدّشْا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن هشام بن سعد، عن زيد
ابن أسلم، عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول ، فذكر نحوه .
فذهب قوم إلى أن الإِمام إذا فتح أرضاً عنوة ، وجب عليه أن يقسمها كما يضم الغنائم، وليس له احتباسها،
كما ليس له احتباس سائر الغنائم ، واحتجوا فى ذلك بهذا الحديث .
وخالفهم فى ذلك آخرون، فقالوا: الإِمام بالخيار، إن شاء خمسها وقسم أربعة أخماسها ، وإن شاء تركها أرض
خراج ولم يقسهما .
٥٢٣٧ - مرّشْا بذلك محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدى، قال: ثنا ابن المبارك، عن أبى حنيفة، وسفيان
بذلك ، وهو قول أبى يوسف ، ومحمد ، رحمة الله عليهم .
وكان من الحجة لهم فى ذلك، ما قد روى عن رسول اللهعرضة.
٥٢٣٨ - فمن ذلك ما حدّشا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: حدّشى يحيى بن زكريا، عن الحجاج، عن الحكم،
عن [أبي] القاسم، عن ابن عباس، قال: أعطى رسول الله ؤل خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة، فقاسمهم.
٥٢٣٩ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن معمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله
عنهما أن رسول الله رَّ عام خيبر، عامل أهل خيبر بشطر ما خرج من الزرع.
(١) وفى نسخة («كانوا)).
(٢) وفى نسخة ( له)).
١٣ - كتاب السير
٢٤٧
١٠ - باب الأرض تفتح
٥٢٤٠ _ مّشْا ابن أبى داود، قال: ثنا أبو (١) عون الزيادى، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير ،
عن جابر ، قال : أفاء الله خيبر، فأقرم رسول الله عز ت كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم .
فبعث عبد الله بن رواحة ، خرصها عليهم .
٥٢٤١ - حّشْا أبو أمية، قال: ثنا محمد بن سابق، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان ، ثم ذكر بإسناده مثله .
فثبت بما ذكرنا أن رسول الله عَ ل لم يكن قسم خيبر بكالها، ولكنه قسم طائفة منها، على ما احتج به عمر
فى الحديث الأول، وترك طائفة منها فلم يقسمها ، على ما روى عن ابن عباس، وابن عمر ، وجابر رضي الله عنهم
فى هذه الآثار الأُخَر .
والذى كان قسم منها هو الشق والبطاء ، وترك سائرها ، فعلمنا بذلك أنه قسم ، وله أن يقسم ، وترك ،
وله أن يترك .
فثبت بذلك أنه هكذا حكم الأرضين المفتتحة للإمام ، فيقسمها إن رأى ذلك صلاحاً للمسلمين ، كما قسم
رسول الله وَ لقل ما قسم من خيبر .
وله تركها إن رأى فى ذلك صلاحاً للمسلمين أيضاً، كما ترك رسول الله مت لقى ما ترك من خيبر، يفعل ذلك
ما رأى من ذلك على التحرِّى منه، لصلاح المسلمين.
وقد فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى أرض السواد مثل ذلك أيضاً، فتركها للمسلمين أرض خراج، لينتفع
بها من يجىء من بعده منهم، كما ينتفع بها من كان فى عصره من المسلمين .
فإن قال قائل: فقد يجوز أن يكون عمر رضى الله عنه، لم يفعل فى السواد ما فعل من ذلك، من جهة ما قلتم ،
ولكن المسلمين جميعاً رضوا بذلك .
والدليل على أنهم قد كانوا رضوا بذلك، أنه جعل الجزية على رقابهم ، فلم يخل ذلك من أحد وجهين .
إما أن يكون جعلها عليهم ضريبة للمسلمين ، لأنهم عبيد لهم .
أو يكون جعل ذلك عليهم، كما يجعل الجزية على الأحرار، ليحقن بذلك دماءهم.
فرأينا قد أهمل نساؤهم ومشائخهم، وأهل الزمانة منهم ، وصبيانهم ، وإن كانوا قادرين على الاكتساب ،
أكثر مما يقدر عليه بعض البالغين .
فلم يجعل على أحد ممن ذكرنا من ذلك شيئاً ، فدل ما بقى من ذلك أن ما أوجب ليس لعلة الملك ، ولكنه
لعنة الذمة وقبل ذلك بجميع ما أفتتح تلك الأرض أخذهم ذلك منهم دليل(٣) على إجارتهم لما كان عمر فعل ذلك.
ثم رأيناه وضع على الأرض شيئاً مختلفاً ، فوضع على جريب الكرم شيئاً معلوماً، ووضع على جريب الحنطة
شيئاً معلوماً، وأهمل النخل فلم يأخذ منها شيئاً .
(١) وفى نسخة ((ابن)).
(٢) وفى نسخة «دليلا)).
١٣ - كتاب السير
٢٤٨
١٠ - باب الأرض تفتح
فلم يخل ذلك من أحد وجهين ، إما أن يكون ملك به القوم الذين قد ثبت حرمتهم بتار أرضيهم ، والأرض
ملك للمسلمين .
أو يكون جعل ذلك عليهم ، كما جعل الخراج على رقابهم ، ولا يجوز أن يكون الخراج يجب إلا فيا ملكه
اغير أخذ الخراج .
فإن حملنا ذلك على التمليك، من عمر رضى الله عنه إياهم تمر النخل والكرم، بما جعل عليهم مما ذكرنا ،
جعل فعله ذلك قد دخل فيما قد نهى عنه رسول الله محمد يقع ، من بيع السّنين ، ومن بيع ما ليس عندك، فاستحال
أن يكون الأمر على ذلك .
ولكن الأمر عندنا على أن تمليكه لهم الأرض التى أوجب هذا عليهم فيا (١) قد تقدم ، على أن يكون ملكهم
لذلك ، ملك خراجى .
فهذا حكمه فيما يجب عليهم فيه، وقَبِلَ الناس جميعاً منه ذلك، وأخذوا منه ما أعطاهم مما أخذ منهم .
فكان قبولهم لذلك إجازة منهم لفعله .
قالوا فلهذا جعلنا أهل السواد مالكين لأرضهم ، وجعلناهم أحراراً بالعلة المتقدمة ، وكل هذا إنما كان بإجازة
القوم الذين غنموا تلك الأرض ، ولولا ذلك لما جاز، ولكانوا على ملكهم.
قالوا: فكذلك(٣) نقول: كل أرض مفتحة عنوة، فحكمها أن تقسم كما تقسم الأموال ، خمسها لله،
وأربعة أخماسها للذين افتتحوها، ليس للإمام منعهم من ذلك، إلا أن تطيب أنفس القوم بتركها ، كما طابت أنفس
الذين افتتحوا السواد لعمر بما ذكرنا .
فكان من الحجة للآخرين عليهم: أنا نعلم أن أرض السواد لو كانت كما ذكر أهل المقالة الأولى، لكان
قد وجب فيها خمس الله بين (٣) أهله الذين جعله الله لهم، وقد علمنا أنه لا يجوز للإمام أن يجعل ذلك الخمس ولا شيئاً
منه لأهل الذمة .
وقد كان أهل السواد الذين أقرهم عمر رضى الله عنه ساروا أهل الذمة ، وقد كان السواد بأسره فى أيديهم.
فثبت بذلك أن ما فعله عمر رضى الله عنه من ذلك ، كان من جهة غير الجهة التى ذكروا ، وهو على أنه لم يكن
وجب لله عز وجل فى ذلك خمس .
وكذلك ما فعل فى رقابهم ، فنَّ عليهم بأن أقرهم فى أرضيهم ، ونفى الرق منهم، وأوجب الخراج عليهم
فى رقابهم وأرضيهم ، فملكوا بذلك أرضيهم، وانتفى الرق عن رقابهم .
فثبت بذلك أن للإمام أن يفعل هذا بما افتتح عنوة ، فنفى عن أهلها رق المسلمين، وعن أرضيهم ملك المسلمين،
ويوجب ذلك لأهلها، ويضع عليهم ما يجب عليهم وضعه، من الخراج، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه، بحضرة
أصحاب رسول الله صلَّ
(١) وفى نسخة ((فيها)).
(٣) وفى نسخة « فتنا»
(٣) وفى نسخة (من )).
١٣ - كتاب السير
٢٤٩
١٠ - باب الأرض تفتح
واحتج عمر رضي الله عنه فى ذلك بقول الله عز وجل ﴿مَا أُنَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللَّهِ
وللرَّسُولِ وَلَّذِى الْغُرْبَى وَالْيَتَى والمسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيل﴾.
ثم قال ﴿لِلْفُقَراءِ الْهَاجِرِينَ﴾ فأدخلهم معهم، ثم قال ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُوا الدَّارَ والإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
يريد بذلك الأنصار ، فأدخلهم معهم .
ثم قال ﴿وَالَّذِينَ جَهُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فأدخل فيها جميع من يجىء من المؤمنين من بعدهم"، فللإمام أن يفعل
ذلك ، ويضعه حيث رأى وضعه ، فيما سمى الله فى هذه السورة .
فثبت بما ذكرنا ما ذهب إليه أبو حــ، وسفيان، وهو قول أبى يوسف ومحمد ، رحمة الله عليهم.
٥٢٤٢ - فإن احتج في ذلك محتج ، بما حدّثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدى ، قال: ثنا ابن المبارك،
عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن قيس بن أبى حازم ، قال: لما وفد جرير بن عبد الله ، وعمار بن ياسر ، فى أناس من
المسلمين إلى عمر بن الخطاب، قال عمر لجرير ( يا جرير، والله لولا أنى قاسم (١) مسئول، لكنتم على ما قسمت لكم
ولكنى أرى أن أرده على المسلمين، فرده .
وكان ربع السواد الجبيلة، فأخذه منهم وأعطاهم ثمانين ديناراً .
٥٢٤٣ - حدّثْا فهد قال: ثنا ابن الأصبهانى قال: أخبرنا أبو أسامة قال: ثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير،
قال : كان عمر قد أعطى بجيلة ربع السواد ، فأخذناه ثلاث سنين .
فوفد بعد ذلك جرير إلى عمر ، ومعه عمار بن ياسر ، فقال عمر رضى الله عنه (والله ، لولا أنى قاسم مسئول،
لتركتكم على ٠ كنت أعطيتكم فأرى أن ترده على المسلمين) ففعل ، قال : فأجازنى عمر بثمانين ديناراً.
قالوا: فهذا يدل على أن عمر قد كان قسم السواد بين الناس، ثم أرضاهم بعد ذلك بما أعظام، على أن
يعود للمسلمين .
قيل له: ما يدل هذا الحديث ظاهره، على ما ذكرتم ، ولكن يجوز أن يكون عمر رضى الله عنه فعل من
ذلك ما فعل، فى طائفة من المواد ، فجعلها لبجيلة ، ثم أخذ ذلك منهم للمسلمين ، وعوضهم منهم ، عوضا من
مال المسلمين .
فكانت تلك الطائفة التى جرى فيها هذا الفعل للمسلمين، بما عوض عمر أهلها ما عوضهم منها، من ذلك،
وما بقي بعد ذلك من المواد فعلى الحكم الذى قد بينا ، فيما تقدم من هذا الباب ، ولولا ذلك ، لكانت أرض المواد
أرض عشر ، ولم يكن أرض خراج .
٥٢٤٤ - فإن احتجوا فى ذلك بما حدّثْا ابن أبى داود، قال: حدثشى عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم (١) عن إسماعيل
ابن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، قال: جاءت امرأة من بجيلة إلى عمر رضى الله عنه فقالت (إن قومى رضوا
(١) وفى نسخة ((أقاسم)).
(٢) وفى نسخة «هشام».
١٣ - كتاب السير
٢٥٠
١٠ - باب الأرض تفتح
منك من السواد، بما لم أرض، ولست أرضى، حتى تملأ كفى ذهباً، أو جملى طعاما) أو كلاما هذا معناه،
ففعل ذلك بها عمر رضي الله عنه .
قيل لهم : ذلك أيضا، عندنا والله أعلم، بالجزء الذى كان سلمه عمر لبجيلة ، فملكوه، ثم أراد انتزاعه منهم،
بطيب أنفسهم فلم يخرج حق تلك المرأة منها إلا بما طابت به نفسها، فأعطاها عمر ما طلبت ، حتى رضيت، فسامت
ما كان لها من ذلك ، كما سلم سائر قومها حقوقهم.
فهذا - عندنا - وجه هذا الباب كله من طريق الآثار ، ومن طريق النظر ، على ما بينا ، وهو قول أبى حنيفة
وسفيان ، وأبى يوسف ، ومحمد ، رحمة الله عليهم أجمعين.
٥٢٤٥ - وقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى أرض مصر أيضا، ما حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن
أبي مريم، قال: ثنانعيم بن حماد، قال: ثنا محمد بن خْرَ، عن عمرو بن قيس السكوني، عن أبيه(١)، عن عبد الله
ابن عمرو بن العاص ، قال (لما فتح عمرو بن العاص أرض مصر، جمع من كان معه من أصحاب رسول الله(عز ت
واستشارهم فى قسمة أرضها بين من شهدها، كما قسم بينهم غنائمهم، وكما قسم رسول الله محمد بت خيير بين من شهدها
أو يوقفها ، حتى راجع فى ذلك رأى أمير المؤمنين ) .
فقال نفر منهم - فيهم الزبير بن العوام - والله ما ذاك إليك، ولاء إلى عمر، إنما هى أرض فتح الله علينا،
وأوجفنا (٢) عليها خيلنا ورجالنا ، وحوينا ما فيها ، فما قسمتها بأحق من قسمة أموالها .
وقال نفر منهم (لا نقسمها حتى تراجع رَأْىّ أمير المؤمنين فيها).
فاتفق رأيهم على أن يكتبوا إلى عمر فى ذلك ، ويخبروه فى كتابهم إليه، بمقاتهم.
فكتب إليهم عمر (( بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فقد وصل إليّ ما كان من إجماعكم على أن تغتصبوا عطايا
المسلمين ، ومؤن من يغزو أهل العدو، وأهل الكفر، وإنى إن قسمتها بينكم، لم يكن لمن بعدكم من المسلمين
مادة يقوون(٣) به على عدوكم، ولولا ما أحمل عليه فى سبيل الله، وأدفع عن المسلمين من مؤم، وأجرى على
ضعفائهم وأهل الديوان منهم، لقسمتها بينكم، فأوقفوها فَيْئًا، على من بقى من المسلمين حتى ينقرض(٤) آخر
عصابة تغزو من المؤمنين ، والسلام عليكم )» .
قال أبو جعفر : ففى هذا الحديث، ما قد دل فى حكم الأرضين المفتتحة على ما ذكرنا، وأن حكمهما ، خلاف
حكم ما سواها من سائر الأموال المغنومة من العدو.
فإن قال قائل: ففي هذا الحديث ذكر أصحاب رسول الله عز لتهم عن رسول الله مؤلم أنه كان قسم خيير بين من
كان شهدها، فذلك ينفي أن يكون فيا فعل رسول الله عَ ل فى خيبر حجة لمن ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة،
وسفيان ، ومن تابعهما ، فى إيقاف الأرضين المفتتحة النوائب المسلمين .
قيل له: هذا حديث لم يفسر أنا فيه كل الذى كان من رسول الله حَ ﴾ فى خير.
(١) ویُروی بدون ذکر أبيه.
(٢) وفى نسخة «فأوجفناء.
(٤) وفى نسخة ( يقى من )
(٣) وفى نسخة «يعدون).
١
١٣ - كتاب السير
٢٥١
١١ - باب الرجل يحتاج إلى القتال على دابة
وقد جاء غيره فبيّن لنا ما كان من رسول الله عَ ◌ِّ فيها .
٥٢٤٦ - حدّثْا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة ،
قال: حّشن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبى حثمة، قال (قسم رسول الله عَيه
خيبر نصفين ، نصفا لنوائبه وحاجته ، ونصفا بين المسلمين ، فقسمها بينهم على ثمانية عشر سهما).
ففي هذا الحديث بيان ما كان من رسول الله ◌َ تع فى خيبر، وأنه أوقف نصفها لتوائبه وحاجته ، وقسم نصفها
بين من شهدها من المسلمين .
فالذى كان أوقفه منها، هو الذى كان دفعه إلى اليهود مزارعة، على ما فى حديث ابن عمر وجابر، رضي الله عنهم
اللذين ذكرناهما ، وهو الذى تولى عمر قسمته فى خلافته بين المسلمين لما أجلى اليهود عن خيبر .
وفيما بينا من(١) ذلك تقوية لما ذهب إليه أبو حنيفة، وسفيان، فى إيقاف الأرضين، وترك قسمتها إذا رأى
الإمام ذلك .
١١ - باب الرجل يحتاج إلى القتال على دابة من المغنم
٥٢٤٧ - حرّشْا يونس قال أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى ابن لهيعة ، عن جعفر بن ربيعة ، عن أبي مرزوق
التجی ، عن حش بن عبد الله ، عن رویفع بن ثابت ، عن النبى څ﴾ أنه قال عام خبر: « من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر ، فلا يأخذ دابة من المغانم فيركبها ، حتى إذا أنقصها ردها فى المغانم ، ومن كان يؤمن بالله واليوم
الآخر، فلا يلبس ثوبا من المغانم، حتى إذا أخلقه ردها فى المغانم)).
٥٢٤٨ - مرّشا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبر نى يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم التجيبى، عن
حنش، عن رويفع بن ثابت، عن رسول الله عَّ مثله.
فذهب قوم، منهم الأوزاعي، إلى أنه لا يأخذ الرجل السلاح من الغنيمة، فيقاتل به. [إلّ] في معمعة القتال
ما كان إلى ذلك محتاجاً، ولا ينتظر برده الفراغ من الحرب، فتعرضه للهلاك(٢) وانكساد الثمن، فى طول مكته،
فى دار الحرب ، واحتجوا فى ذلك بهذا الحديث .
٥٢٤٩ _ وخالفهم فى ذلك آخرون، منهم أبو حنيفة، رحمة الله عليه، فيما حدشى سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبى
يوسف، فقالوا: لا بأس أن يأخذ ذلك الرجل من الغنيمة السلاح، إذا احتاج إليه ، بغير إذن الإمام ، فيقاتل به ،
حتى يفرغ من الحرب ، ثم يرده فى المغم .
قال أبو يوسف: وقد بلغنا عن النبى يَلقل ما احتج به الأوزاعى، ولحديث رسول الله عَلى معان ووجوه وتفسير
لا يفهمه ولا يبصره إلا من أعانه الله عليه .
(١) وفى نسخة (فى)).
(٢) وفى نسخة ( فى الهلاك».
١٣ - كتاب السير
٢٥٢
١٢ - باب الرجل يسلم في دار الحرب
فهذا الحديث - عندنا - على من يفعل ذلك ، وهو عنه غنى، يبقى بذلك على دابته ، وعلى ثوبه ، أو يأخذ ذلك
يريد به الخيانة .
فأما رجل مسلم فى دار الحرب ، ليس معه دابة، وليس مع المسلمين فضل يحملونه إلا دواب الغنيمة، ولا يستطيع
أن يمشى، فإن هذا لا يحل للمسلمين تركه ولا بأس أن يركبها هذا، شاءوا، أو كرهوا، وكذلك هذه الحالى
في الثياب، وكذلك هذه الحال في السلاح، وبحال [السلاح] أبْيَنُّ وأوضح.
ألا ترى أن قوما من المسلمين لو تكسرت سيوفهم، أو ذهبت، ولهم (١) غنى عن المسلمين، أنه لا بأس أن
أن يأخذوا سيوفاً من الغنيمة ، فيقاتلوا بها ، ما داموا فى دار الحرب.
أرأيت ، ولو لم يحتاجوا إليها فى معمعة القتال، واحتاجوا إليها بعد ذلك بيومين أغار عليهم العدو، أيقومون
هكذا فى وجوه العدو بغير سلاح؟ كيف يصنعون؟ أيستأسرون؟ هذا الرأى فيه توهين لمنكيدة المسلمين .
وكيف يحل هذا فى المعمعة، ويحرم(٢) بعد ذلك؟.
٥٢٥٠ - وقد حدّشْا سليمان بن شعيب عن أبيه، عن أبى يوسف، قال: ثنا أبو إسحاق الشيبانى، عن محمد بن
أبى المجالد، عن عبد الله بن أبى أوفى، صاحب رسول الله عَّ} قال: كنا مع رسول الله ◌َّه بخيير يأتى أحدنا إلى
طمام من الغنيمة ، فيأخذ منه حاجته .
فإذا كان الطعام لا بأس بأخذه وأكله واستهلاكه لحاجة المسلمين إلى ذلك، كان كذلك أيضاً، لا بأس بأخذ
الدواب والسلاح والثياب واستعمالها، للحاجة إلى ذلك ، حتى لا يكون الذى أريد من حديث ابن أبى أوفى هذا ،
غير ما أريد به من حديث رويفع ، حتى لا يتضادان .
وهو قول أبى حنيفة ، وأبى يوسف ، ومحمد ، رحمة الله عليهم ، وبه نأخذ .
١٢ - باب الرجل يسلم في دار الحرب وعنده أكثر من أربع نسوة
٥٢٥١ - حرّشْ أحمد بن داود قال: ثنا بكر بن خلف، قال: ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، عن معمر ، عن
الزهري، عن سالم ، عن ابن عمر، أن غيلان بن سلمة ، أسلم وتحته عشر نسوة ، فقال له النبي عليه السلام (( خذ
منهن أربعاً)) .
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أسلم، وعنده أكثر من أربع نسوة ، قد كان تزوجهن فى دار
الحرب وهو مشرك ، أنه يختار منهن أربعاً، فيمسكهن ، ويفارق سائرهن، وسواء عندهم، كان تزويجه إياهن
فى عقدة واحدة ، أو فى عقد متفرقة، وممن قال هذا القول، محمد بن الحسن رحمه الله .
(١) وفى نسخة ((فلهم».
(٢) وفى لسنة (وجرض».
-- ---------- -------- -
..
١٣ - كتاب السير
٢٥٣
١٢ - باب الرجل يسلم في دار الحرب
وخالفهم فى ذلك آخرون، فقالوا : إن كان تزوجهن فى عقدة واحدة ، فنكاحهن كلهن باطل ، ويفرق
بينه ويبهن .
وإن كان تزوجهن فى عقد متفرقة، فنكاح الأربع الأولى منهن ثابت ، ويفرق بينه وبين سائرهن ، ومن ذهب
إلى هذا القول أبو حنيفة، وأبو يوسف ، رحمة الله عليهما.
وكان من الحجة لهم فى ذلك أن هذا الحديث منقطع ، نيس كما رواه عبد الأعلى وأصحابه البصريون عن معمر .
٥٢٥٢ - إنما أصله ما حدّشْا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب أنه قال: بلغنا أن
رسول الله ◌َ لق قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة (أمسك منهن أربعا، وفارق سائهن).
٥٢٥٣ - حرشا أحمد بن داود المكر قال: ثنا يعقوب بن حميد ، قال: ثنا ابن عيينة، عن معمر ، عن ابن شهاب ،
عن المی ټ مثله .
٥٢٥٤ - حرّشْ) أحمد قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، عن النبى يَ ◌ّ مثله.
فهذا هو أصل هذا الحديث ، كما رواه مالك عن الزهرى ، وكما رواه عبد الرزاق ، وابن عيينة ، عن معمر ،
عن الزهرى، وقد رواه أيضاً عقيل ، عن الزهرى ، ما يدل على الموضع الذى أخذه الزهرى منه .
٥٢٥٥ - حدّثُمْأ نصر بن مرزوق، وابن أبى داود قالا: ثنا أبو صالح، عبد الله بن صالح قال: حدثشى الليث
قال : مرگی عقیل ، عن ابن شهاب قال : بلغنى عن عثمان بن محمد بن أبى سوید أن رسول الله ◌ُ تل قال لنيلان
ابن سلمة الثقفى، حين أسلم وتحته عشر نسوة « خذ منهن أربعاً، وفارق سائرهن)).
فبين عقيل فى هذا، عن الزهرى ، مخرج هذا الحديث ، وأنه إنما أخذه هما بلغه ، عن عثمان بن محمد ،
عن النبي ◌ُّلّ .
فاستحال أن يكون الزهرى عنده فى هذا شىء، عن سالم، عن أبيه، فيدع الحجة به ، ويحتج بما بلغه عن
عثمان بن محمد بن أبى سويد، عن النبى ◌َّ.
ولكن إنما أتى (١) معمر فى هذا الحديث لأنه (٣) كان عنده عن الزهرى، فى قصة غيلان حديثان، هذا أحدهما.
والآخر، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة، طلق نساءه ، وقسم ماله، فبلغ ذلك عمر ، فأمره أن
يرتجع نساءه وماله وقال: (لو رمِتَّ على ذلك، لرجت قبرك، كما رجم قبر أبى وغال فى الجاهلية).
فأخطأ معمر فجعل إسناد هذا الحديث الذى فيه كلام عمر، للحديث الذى فيه كلام رسول الله تَ ففسد هذا
الحديث من جهة الإسناد .
ثم لو ثبت، على ما رواه عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهرى، لما كانت أيضاً فيه حجة عندنا، على من
ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف، رحمة الله عليهما فى ذلك، لأن تزويج غيلان ذلك إنما كان
فى الجاهلية، قد بيَّن ذلك سعيد بن أبى عروبة، عن معمر فى هذا الحديث .
(١) وفى نسخة «أرى ».
(٢) وفى نسخة (( أنه».
١٣ - كتاب السير
٢٥٤
١٢ - باب الرجل يسلم في دار الحرب
٥٢٥٦ - حدثنا خلاد بن محمد الواسطى قال: ثنا محمد بن شجاع، عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا سعيد بن أبى عروبة
عن معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، عن النبى ◌َج، بمثل حديث أحمد بن داود، وزاد ( إنه كان
تزوجهن فى الجاهلية).
فكان ترويج غيلان للنسوة اللاتى كُنَّ عنده حين أسلم، فى وقت كان تزوج ذلك العدد جائزاً، والنكاح
عليه ثابت .
ولم يكن الواحدة حينئذ، من ثبوت النكاح إلا ما العاشرة مثله، ثم أحدث الله عز وجل حكماً آخر ، وهو
تحريم ما فوق الأربع، فكان ذلك حكماً طارئاً، طرأت به حرمة حادثة على نكاح غيلان، فأمره النبي عليه
لذلك ، أن يمسك من النساء العدد الذى أباحه الله ، ويفارق ما سوى ذلك، وجعل كرجل له أربع نسوة، فطلق
إحداهن ، حكمه أن يختار منهن واحدة فيجعل ذلك الطلاق عليها ، ويمسك الأخرى.
وكذلك أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، رحمهما الله يقولان فى هذا .
فأما من تزوج عشر نسوة، بعد تحريم الله ما جاوز الأربع فى عقدة واحدة ، فإنه إنما عقد النكاح عليهن عقداً
فاسداً ، فلا يثبت بذلك له نكاح .
ألا ترى أنه لو تزوج ذات رحم محرم منه فى دار الحرب، وهو مشرك، ثم أسلم، أنها لا تقر تحته، وإن كان
عقده لذلك كان فى دار الحرب وهو مشرك .
فلما كان هذا يرد حكمه فيه إلى حكم نكاحات المسلمين فيما يعقدون فى دار الاسلام، كان كذلك أيضاً حكمه
فى العشر نسوة اللاتى تزوجهن وهو مشرك فى دار الحرب، يرد حكمه فى ذلك إلى حكم المسلمين فى نسكامتهم.
فإن كان زوجهن فى عقدة واحدة، فنكاحهن باطل، وإن كان تزوجهن فى عقد متفرقة، جاز نكاح الأربع
الأول منهن ، وبطل نكاح سائرهن .
فإن قال قائل: فقد ترك أبو حنيفة، وأبو يوسف قولهما، فى شىء قالاه فى هذا المعنى.
وذلك أنهما قالا فى رجل من أهل الحرب ◌ُسِيَ وله أربع نسوة، وسُبِينَ معه: إن نكاحهن كلهن قد فسد
ویفرق بينه وییهن .
قال: فقد كان ينبغى ـ على ما حملا عليه حديث غيلان - أن يجعلا له أن يختار منهن اثنين فيمسكهما، ويفارق
الاثنتين الباقيتين ، لأن نكاح الأربع قد كان كله ثابتاً صحيحاً، وإنما طرأ الرق عليه ، فحرم عليه ما فوق الاثنتين
كما أنه لما طرأ حكم الله فى تحريم ما فوق الأربع، أمر رسول الله ميله غيلان باختيار أربع من نسائه،
وفراق سائرهن .
قيل له : ما خرج أبو حنيفة، وأبو يوسف، رحمهما الله بما ذكرت ، عن أصلهما، ولكنهما ذهبا إلى ما قد
خفى عليك .
وذلك أن هذا كان تروج الأربع فى وقت ما تزوجمن بعد ما حرم على العبد تزوج ما فوق الاثنتين .
١٣ - كتاب السير
٢٥٥
١٢ - باب الرجل يسلم في دار الحرب
فإذا تزوج، وهو حربىٌّ فى دار الحرب، ما فوق اثنتين، ثم ◌ُسِيَ وسُبِينَ معه، رد حكمه فى ذلك إلى حكم
تحريم ، قد كان قبل نكاحه ، فصار كأنه تروجهن فى عقده بعد ما سار رقيقاً، وهو فى ذلك، کرجل تزوج سبيتين
صغيرتين، فيامت إمرأة فأرضحتهما معاً، فإنهما تبينان منه جميعاً، ولا يؤمر بأن يختار إحداهما فيمسكها ، ويفارق
الأُ خرى ، لأن حرمة الرضاع طرأت عليه بعد نكاحه إياهما .
وكذلك الرق الطارىء على النكاح ، الذى وصفنا ، حكمه حكم هذا الرضاع الذى ذكرنا .
وهما جميعاً مفارقان، لما كان من رسول الله عَ ◌ٍّ فى غيلان ابن سلمة، لأن غيلان لم يكن حرمة الله لما فوق
الأربع، تقدمت نكاحه(١) فيرد حكم نكاحه إليها ، وإنما طرأت الحرمة على نكاحه بعد ثبوته كله ، فردت حرمة
ما حرم عليه من ذلك إلى حكم حادث بعد النكاح ، فوجب له بذلك الخيار ، كما يجب له فى الطلاق الذى ذكرنا .
٥٢٥٧ - فإن اختجوا أيضاً فى ذلك، بما حّشْا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم،
قال: أخبرنا ابن أبى ليلى ، عن حميضة بن الشمردل، عن الحارث بن قيس، قال : أسلمت وعندى ثمانى نسوة ،
فأمر فى رسول الله مَّ أن أختار منهن أربعاً.
٥٢٥٨ - حدّثًا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن بعض ولد الحارث بن قيس الآ عن
الحارث بن قيس ]، عن النبي {1، نحوه.
قيل له : قد يحتمل ذلك ما قد ذكرناه فى حديث غيلان .
وقد يجوز أيضاً أن يكون رسول الله مَيتم أراد بقوله له ((اختر منهن أربعاً)) أى (اختر منهن أربعاً،
فتزوجهن) .
ولا دلالة فى هذا الحديث على واحد من هذين المنيين .
٥٢٥٩ - وإن احتجوا فى ذلك أيضاً، بما حدثًا ربيع الجيزى، قال: ثنا أبو الأسود، وحسان بن غالب، قالا: ثنا
ابن لهيعة ، عن أبى وهب الجيشانى، عن الضحاك بن فيروز الديلمى، عن أبيه قال: أسلمت وعندى أختان، فأتيت
رسول الله عَ له فقال ((طلق إحداهما)).
٥٢٦٠ - حّشْا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يحيى بن أيوب
عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى وهب الجيشانى، عن الضحاك بن فيروز الديلمى، عن أبيه قال: أسلمت وعندى
أختان، فأتيت النبي عَّل، فسألته فقال ((طلق أينهما شئت)).
قيل لهم : هذا يوجب الاختيار، كما ذكرتم ، وهو أوضح من حديث حارث بن قيس .
ولكنه قد يجوز أن يكون رسول الله مَث إنما خيّره، لأن نكاحه كان فى الجاهلية، قبل تحريم الله عز وجل
ما فوق الأربع .
فيكون معنى هذا الحديث ؛ مثل معنى حديث غيلان بن سلمة .
(١) وفى نسخة (عليه ».
١٣ - كتاب السير
٢٥٦
١٣ - باب الحربية تسلم في دار الحرب
فقد ثبت بما بينا فى هذا الباب، ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف، رحمهما الله، وفسد ما ذهب إليه
محمد بن الحسن رحمه الله .
وقد ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، بعض المتقدمين .
٥٢٦١ - حّشْ أحمد بن داود، قال: ثنا بكر بن خلف، قال: ثنا غندر، أو عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة،
قال : يأخذ الأولى والثانية والثالثة والرابعة .
١٣ - باب الحربية تسلم في دار الحرب فتخرج إلى دار الإسلام
ثم يخرج زوجها بعد ذلك مسلماً
٥٢٦٢ - مرّشْا ابن أبى داود، قال: ثنا الوهى، قال: ثنا ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن
ابن عباس رضى الله عنهما، قال: رد الفى عَّ ابنته زينب، على أبى العاص بن الربيع، على النكاح الأول ،
بعد ثلاث سنين .
٥٢٦٣ - حدّشًا ابن أبى داود، قال: ثنا الوهمى، قال: ثنا ابن إسحاق، عن الزهرى، عن أبى بكر بن عبد الرحمن
قال: رد النبي ◌ُّ على عكرمة بن أبي جهل ، أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد أشهر، أو قريب من سنة .
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن المرأة إذا أسلمت فى دار الحرب، وجاءتنا مسلمة، ثم جاء زوجها بعد ذلك
فأدركها وهي فى العدة ، معي امرأته على حالها ، وإن لم يدركها حتى تخرج من العدة ، فلا سبيل له عليها ، واحتجوا
فى ذلك بهذا الحديث .
وخالفهم فى ذلك آخرون ، فقالوا : لا سبيل له عليها فى الوجهين جميعاً، وخروجها عندهم من دار الحرب،
يقطع العصمة التى كانت بينها وبين زوجها ، ويبينها منه .
٥٢٦٤ - واحتجوا فى ذلك، بما حدّشْا فهد، قال: ثنا يحيى الحمانى، قال: ثنا حفص، يعنى ابن غياث، عن الحجاج،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله رد زينب على أبى العاص بنكاح جديد.
٥٢٦٥ - حّشْا فهد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا حفص، عن داود، عن الشعبى، مثله.
قالوا : ففي حديث عبد الله بن عمرو هذا ، حلاف ما فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما .
وقد وافقى عبد الله بن عمرو، على ذلك، عامى الشعبى، مع علمه بمغازى رسول اللهمحمد .
قالوا: فهذا أولى مما قد خالفه ، لمعان سنبينها فى هذا الباب، إن شاء الله تعالى.
وكان من الحجة لهم فى ذلك ، على من ذهب إلى القول الأوّل، أن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما إنما فى حديثه
أن رسول الله ◌َ ◌ّ ردها، على أبى العاص، على النكاح الأول.
١٣ - كتاب السير
٢٥٧
١٣ - باب الحربية تسلم في دار الحرب
فليس فى ذلك دليل أنه ردها إليه ، لأنها فى العدة ، ولا كيف كان الحكم يومئذ فى المشركة تسلم وزوجها
مشرك ، أيبينها ذلك منه ، أو تكون زوجة له على حالها ؟.
وإنما يكون حديث ابن عباس حجة لأهل المقالة الأولى، لو كان فيه أن رسول الله عزّه ردها على أبى العاص.
لأنه أدركها وهى فى العدة .
فأما إذا لم يتبين لنا العلة، التى لها ردها عليه، فقد يجوز أن يكون هى العدة، وقد يجوز أن تكون ، لأن
الإسلام لم يكن حينئذ يبينها منه ، ولا يزيلها عن حكمها المتقدم .
٥٢٦٦ - ولقد حّشا أبو بكر، محمد بن عبدة بن عبد الله بن زيد، قال: حدثى أبو توبة الربيع بن نافع،
قال : قلت لمحمد بن الحسن ( من أين جاء اختلافهم فى زينب ؟).
فقال : بعضهم ردها رسول الله مَّل على أبى العاص على النكاح الأول ، وقال بعضهم : ردها بنكاح جديد
أترى كل واحد منهم سمع من النبى ◌َّ ما قال ؟
فقال محمد بن الحسن لم يجىء اختلافهم من(١) هذا الوجه، وإنما جاء اختلافهم أن الله إنما حرم أن ترجع
المؤمنات إلى الكفار فى سورة الممتحنة ، بعد ما كان ذلك جائزاً حلالا ، فعلم ذلك عبد الله بن عمرو ، ثم رأى أن
رسول الله عَ ل قد رد زينب، على أبى العاص، بعد ما كان على حرمتها عليه، بتحريم الله المؤمنات على الكفار،
فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد، فقال: ردها عليه رسول الله عَ ل ◌ّم بنكاح جديد .
ولم يعلم عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما، بتحريم الله عز وجل المؤمنات على الكفار، حتى علم برد
النبى ◌َّ زينب، على أبى العاص فقال: ردها عليه بالنكاح الأُول، لأنه لم يكن عنده، بين إسلامه وإسلامها،
فسخ النكاح الذى كان بينهما .
قال محمد رحمه الله، فمن ههنا جاء اختلافهم، لا من اختلاف سمعوه من النبى تزّه فى ذكره، ما رد زينب به
على أبي العاص أنه النكاح الأول ، أو النكاح الجديد.
قال أبو جعفر: وقد أحسن محمد فى هذا، وتصحيح الآثار فى هذا الباب على هذا المعنى الصحيح ، يوجب
صحة ما قال عبد الله بن عمرو .
والدليل على ذلك أن ابن عباس رضى الله عنهما، قد كان يقول فى النصرانية إذا أسات فى دار الإسلام،
وزوجها كافر .
٥٢٦٧ - ما قد حّشا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب
عن عكرمة ، عن ابن عباس، فى اليهودية والنصرانية، تكون تحت النصرانى أو اليهودى، فتسلم هى، قال (يفرق
بينهما، الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه.
(١) وفی نخة « فی»
١٣ - كتاب السير
٢٥٨
١٣ - باب الحربية تسلم في دار الحرب
٥٢٦٨ - وحرّشا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن عبد الكريم الجوزى، عن
عكرمة، عن ابن عباس مثله، غير أنه لم يقل ( الاسلام يَعْلو ولا يُعلى).
أفيجوز أن تكون النصرانية عنده إذا أسات فى دار الإسلام وزوجها نصرانى، أنها تبين منه، ولا ينتظر
بها إسلامه إلى أن تخرج من العدة، وتكون الحربية التى ليست بكتابية، إذا أسات فى دار الحرب، ثم جاءتنا
مسلمة ، ينتظر بها إلحاق زوجها بها مسلماً ، فيما بينه وبين خروجها من العدة ؟
هذا محال، لأن إسلامها فى دار الإِسلام إذا كان يبينُها من زوجها النصر انى الذى، فإسلامها فى دار الحرب
وخروجها إلى دار الإسلام ، وتركها زوجها المشرك فى دار الحرب أن يبينها .
مثبت بهذا ، من قول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ، أنه كان يرى العصمة منقطعة بإسلام المرأة ،
لا لخروجها من العدة .
وإذا ثبت ذلك من قوله، استحال أن يكون ترك ما قد كان ثبت عنده، من حكم رسول اللهمحمد الفل ، فى رده
زينب ، على أبى العاص، على النكاح الأُول ، وصار إلى خلافه ، إلا بعد ثبوت نسخ ذلك عنده.
فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار .
وأمَّا النظر فى ذلك، فإنا رأينا المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر، فقد صارت إلى حال لا يجوز أن يستأنف
نكاحه عليها ، لأنها مسلمة وهو كافر .
فأردنا أن ننظر إلى ما يطرأ على النكاح، مما لا يجوز معه الاستقبال للنكاح ، كيف حكمه ؟
فرأينا الله عز وجل قد حرم الأخوات من الرضاعة ، وكان من تزوج امرأة صغيرة لا رضاع بينه وبينها
فأرضعتها أمه، حرمت عليه بذلك، وانفسخ النكاح ، فكان الرضاع الطارئء على النكاح، فى حكم الرضاع المتقدم
للنكاح فى أشباه لذلك ، يطول الكتاب بذكرها .
وكانت ثمة أشياء، يختلف فيها الحكم إذا كانت متقدمة للنكاح، أو طرأت على النكاح .
من ذلك أن الله عز وجل حرم نكاح المرأة فى عدتها من زوجها ، وأجمع المسلمون أن العدة من الجماع فى النكاح
الفاسد، يمنع من النكاح، كما يمنع إذا كانت بسبب شكاح صحيح .
وكانت المرأة لو وطئت بشبهة ، ولها زوج، فوجبت عليها بذلك عدة ، لم تبن بذلك من زوجها ، ولم يجعل هذه
العدة كالعدة المتقدمة للنكاح .
ففرق فى هذا ، بين حكم المستقبل والمستدير .
فأردنا أن ننظر فى المرأة إذا أسات وزوجها كافر، هل تبين منه بذلك، ويكون حكم مستقبل ذلك ومستدبره
سواء، كما كان ذلك فى الرضاع الذى ذكرنا؟ أو لا تبين منه بإسلامها ، فلا يكون حكم إسلامها الحادث كهو ،
إذا كان قبل النكاح ، كالمدة التى ذكرنا التى فرق بين حكم المستقبل فيها وحكم المستدير ؟
فنظرنا فى ذلك ، فوجدنا العدة الطارئة على النكاح ، لا يجب فيها فرقة فى حال وجوبها ، ولا بعد ذلك .
١٣ - كتاب السير
٢٥٩
١٣ - باب الحربية تسلم في دار الحرب
وكان الرضاع الذى ذكرنا، يجب به الفرقة فى حال كونه، ولا ينتظر بها شيء بعده، وكان الإسلام الطّارى.
على النكاح، كل قد أجمع أن فرقة تجب به .
فقال قوم : تجب فى وقت إسلام المرأة ، وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما .
وقال آخرون ( لا يجب الفرقة، حتى تعرض على الزوج الا سلام فيأباه، فيفرق بينه وبين المرأة أو تختاره ،
فتكون امرأته على حالها) وهو قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه .
وقال آخرون ( هى امر أته ما لم يخرجها من أرض الهجرة) وهو قول علي بن أبى طالب رضى الله عنه، وستأتى
بأسانيد هذه الروايات فى آخر هذا الباب ، إن شاء الله تعالى .
فلما ثبت أن إسلام الزوجة الطارى, على النكاح ( يوجب الفرقة (١)) بين المرأة وبين زوجها، فى حال ما ثبت،
أن حكم ذلك بحكم الرضاع ، أشبه منه بحكم العدة .
فلما كان الرضاع تجب به الفرقة ساعة يكون، ولا ينتظر به خروج المرأة من عدَّها، كان كذلك، الإسلام.
فهذا وجه النظر فى هذا الباب ، أن المرأة تبين من زوجها بإسلامها، فى دار الإسلام كانت، أو فى دار الحرب.
وقد كان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، رحمهم الله يخالفون هذا، ويقولون فى الحربية، إذا أسلمت
فى دار الحرب وزوجها كافر، إنها امرأته، ما لم تحض ثلاث حيض، أو تخرج إلى دار الإسلام، فأيُّ ذلك كانت
بانت به من زوجها .
وقالوا : كان النظر فى هذا، أن تبين من زوجها بإسلامها ساعة أسلمت .
وقالوا : إذا أسلمت، وزوجها فى دار الإسلام، فهى امرأته على حالها ، حتى يعرض القاضى على زوجها
الاسلام فیسلم ، فتبتي تحته ، أو أبی ، فیفرق بينهما .
وقالوا: كان النظر فى ذلك أن تبين منه بإسلامها ، ساعة أسلمت ، ولكنا قلدنا ما روى عن معمر رضى الله عنه .
٥٢٦٩ - فذكروا ما حرّشا أبو بشر الرقى، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن أبى إسحاق الشيبانى، عن السفاح،
عن داود بن كُرْدُوس قال: كان رجل منا من بنى تغلب نصراني، نحته امرأة نصرانية فأسلمت ، فرفعت إلى عمر
فقال له ( أسلمت وإلا فرقت بينكما) .
فقال له ( لم أدع هذا إلا استحياء من العرب أن يقولوا: إنه أسلم على بضع امرأة) قال: ففرق عمر بينهما.
٥٢٧٠ - حدّا أبو بكرة، قال: ثنا هلال بن يحيى، قال: ثنا أبو يوسف، قال: ثنا أبو إسحاق الشيبانى، عن
"السفاح، عن داود بن كُرْدُوس الثعلبي، عن عمر، نحوه.
فقادوا ما روى عن عمر رضى الله عنه فى هذا الذى أسلمت امرأته فى دار الإسلام، وجعلوا للذى أسات
إمىأنه فى دار الحرب أجلاً، إن أسلم فيه، وإلا وقعت الفرقة بينه وبين امرأته، بدلاً من العرض الذى كانوا
(١) وفى نسخة بدل ما بين القوسين (موجب الفرقة)).
١٣ - كتاب السير
٢٦٠
١٤ - باب الغذاء
يعرضونه عليه، لو كان فى دار الإسلام، وهو العدة ، إلا أن تخرج المرأة قبل ذلك إلى دار الإسلام، فينقطع الأجل
بذلك ، وتجب به البينونة .
ونحن فى هذا على ما روينا، عن ابن عباس رضى الله عنهما، من وجوب البيئونة بالإسلام ، ساعة
يكون من المرأة .
٥٢٧١ - وأما ما رُوِىَ عن على رضى الله عنه فى ذلك، فا حدّثْا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح ،
قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن علياً قال (هو أحق بنكاحها ، ما كانت فى دار مجرتها).
وقد روى عن الزهرى وقتادة، فى رد رسول الله عَل زينب، على أبى العاص، أن ذلك منسوخ ،
واختلفا فيما نسخه .
٥٢٧٢ - حدّشْا عبيد الله بن محمد بن المؤدب(١) قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهرى أن
أبا العاص بن ربيعة أُخِذَ أسيراً يوم بدر، فأُرِيَ به النبي ◌ُّ ، فرد عليه ابنته .
قال الزهرى: وكان هذا قبل أن ينزل الفرائض، يعنى ابنة النبى ◌َّه وردها على زوجها.
٥٢٧٣ - وحدثنا عبيد الله، قال: ثنا علي، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة أن رسول الله عز ◌َّ
على أبي العاص أبلته .
قال قتادة : كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة .
١٤ - باب الفداء
٥٢٧٤ - حدّثًا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهر انى، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة
ابن الأكوع، عن أبيه قال: نغلنى أبو بكر امرأة من فزارة، أتيت بها من الغارة، فقدمت بها المدينة ، فاستوهبها
منى رسول الله ◌َ ، ففادى بها أناساً من المسلمين .
٥٢٧٥ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثناعمربن يونس، قال: ثنا عكرمة، فذكر بإسناده مثله، وزاد (كانوا
أسارى بمكة).
٥٢٧٦ - مرّشْا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه، عن عمران بن حصين
أن رسول الله رَّ فادى برجل من العدو ، رجلين من المسلمين.
٥٢٧٧ - حرّشْا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا أيوب(٢)، عن
أبى قلابة، عن أبى المهلّب، عن عمران بن حصين أن النبى يَ ◌ّم فدى رجلين من المسلمين، برجل من المشركين
من بني عقيل .
(١) وفى نسخة ((المؤذن)).
(٢) وفى نسخة ((أيوب)).
....-.-