Indexed OCR Text
Pages 201-220
حَقُّ الضَّيفِ ٢٠١ = حَقُّ الضَّيفِ عن عُقبةَ بنِ(١) عَامِرٍ؛ أنَّهُ قال: قُلنَا لِرسولِ الله وَّهِ: إِنَّك تَبعَثُنَا فَتَنزِلُ بِقَومٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى في ذلك؟ فَقال لَنَا رسولُ اللهِهِ: ((إِذَا نَزَلْتُم بِقَومٌ فَأَمَرُوا لَكُم بِمَا يَنبَغِي لِلصَّفِ فَاقِبَلُوا، فَإِن لَم يَفعَلُوا فَخُذُوا منهُم حَقَّ أَلضَّيفِ الذي يَنْبَغِي لَهُم)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو دَاوُد، وابنُ مَاجَه (٢) من هذا الوجه من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ. وأخرَجَهُ الترمذيُّ(٣) من طَرِيقِ عَبدِ الله [٢٧٩/٢ظ] بنِ لَهِيعَةَ؛ كِلَاهُمَا، عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبيبٍ(٤)، عن أبي الخَيرِ، عن عُقْبَةَ. ولَفظُ الترمذيِّ: قُلتُ: يَا رسولَ الله إنَّا نَمُرُّ بِقَومٍ فَلَا هُم يُضَيِّفُونَا، ولَا هُم يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيهم من الحَقِّ(٥)، ولَا نَأْخُذُ منهُم. فَقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن أُبُوا إِلَّا أن تَأْخُذُوا (٦) كَرِهًا، فَخُذُوا))، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌّ. ■ الثَّانِيَةُ: (٢٢٥/٨م) قَولُهُ: ((لَا يَقِرُونَا)) بِفَتح اليَاءِ، يُقَالُ: قَرَى الضَّيفَ قِرّى بِكَسرِ القَافِ مَقْصُورٌ، وقَرَاءً بِفَتحِ القَافِ مَمدُودٌ. (١) في الأصل: ((عن)). (٢) البخاري (٢٤٦١، ٦١٣٧)، ومسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، وابن ماجه (٣٦٧٦) . (٣) الترمذي (١٥٨٩). في (ك٢): ((خبيف)). وفي (ح): ((حنيف)). (٤) (٥) في الأصل، (م): ((الحق)). (٦) في (ح): ((يأخذوا)). = ٢٠٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ■ الثَّالِثَةُ: ظَاهرُهُ أنَّ قِرَى الضَّيفِ (١) واجِبٌ، بِحَيثُ لَو امتَنَعَ من فِعلِه أخِذَت الضِّيَافَةُ من المُمتَنِعِ قَهرًا. وقَد حُكِيَ القَولُ بِظَاهِرِهِ عن الليثِ بنِ سَعدٍ. وقال أحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ بِوُجُوبِه على أهلِ البَادِيَةِ دُونَ أهلِ القُرَى. ومَذهَبُ أبي حَنِيفَةَ، ومَالِكِ والشَّافِعِيِّ والجُمْهُورُ: أنَّهَا (٢) سُنَّةٌ مُتَأْكِّدَةٌ (٣)، ولَا يَصِلُ أمرُهَا إلى الوُجُوبِ، ولَا إلى أخذِهَا من المُمتَنِعِ منهَا قَهرًا. وأجَابوا عن هذا الحديثِ بِأجوِيَّةٍ: أحَدهَا: أنَّهُ مَحمُولٌ على المُضطَرِّينَ، فَإِنَّ ضِيَافَتَهُم واجِبَةٌ، فَإِذَا لَم يُضَيِّفُوهُم فَلَهُم أن يَأْخُذُوا حَاجَتَهُم من مَالٍ(٤) المُمتَنِعِينَ، وهَل هُو بِعِوضٍ (٥) أو(٦) بِغَيرِ عِوضٍٍ؟ ذَهَبَ (٧) الشَّافِعِيّة(٨) إلى الأولِ، وحُكِيَ الثَّانِي عن طَائفَةٍ من أهلِ الحديثِ. ذَكَرَ (٩) هذا الجَوابَ الخَطَّابي وغَيْرُهُ(١٠)، وحَكيَ أنَّ الذَّاهبينَ إلى أنَّهُ بِغَيرِ عِوضٍ احتَجُوا: بِأنَّ أبَا بَكرِ الصِّدِّيقَ رَظُهُ جَلَبَ لِرسولِ اللهِ ◌ّهِ لَبَنّا من غَنَمِ لِرَجُلٍ من قُرَيْشٍ لَهُ فِيهَا عَبِدٌ يَرْعَاهَا، وصَاحِبُهَا غَائبٌ، وشَرِبَهُ رسولُ اللهِ وََّ، وذلك في مَخرَجِه من مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ(١١). قال: واحتَجُوا أيضًا بِحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ حُبِهِ: أنَّ النبيِِّ قال: ((مَن دَخَلَ خَائطًا فَلَيَأْكُل منهُ ولَا يَتَّخِذ خُبنَةً))(١٢). وعن الحَسَنِ أنَّهُ قال: إذَا مَرَّ الرَّجُلُ (١) في (ح): ((الصنف)). (٣) في (ك٢، ح): ((مؤكدة)). (٥) في (ش): ((عوض)). في الأصل: ((وذهب)». (٧) (٩) في (ك٢، ح): ((وذكر)). (٢) ليست في (ش). ليس في: (ش). (٤) (٦) في (ك٢، ش): ((أم)). (٨) في (م): ((الشافعي)). (١٠) معالم السنن (٢٣٩/٤)، وأعلام الحديث (١٢٢٤/٢، ١٢٢٥)، وشرح النووي على مسلم (٣٠/١٢، ٣١)، وينظر: فتح الباري (١٠٨/٥) وما بعده. (١١) أخرجه الحاكم (٩/٣)، وعنه البيهقي في الدلائل (٤٩٧/٢) من حديث قيس بن النعمان ◌ُه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (١٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣٠١)، والترمذي (١٢٨٧). حَقُّ الضَّیفِ ٢٠٣ بِالإِبِلِ وهُو عَطشَانُ، صَاحَ بِرَبِّ الإِلِ ثَلَاثًا، فَإن أَجَابَهُ وإلَّا حَلَبَ وشَرِبَ (١). الثَّانِي: أنَّ المُرَادَ (٣ أنَّ لَكُم٢) أن تَأْخُذُوا من أعرَاضِهم بِألْسِنَتِكُم، وتَذْكُرُوا لِلنَّاسِ لُؤمَهُم وبُخلَهُم، والعَتبَ(٣) عَلَيهم، وذَمَّهُم. حَكَاهُ المَازَرِي(٤) عن الشَّيخ أبي الحَسَنِ، قال: ولَعَلَّهُ أَرَادَ حَملَ الحديثِ على مَا يَعُمُّ؛ لِأَنَّ مَا قُلنَاهُ - أي: من الجَوابِ الأولِ - يَخُصُّ. قال: ولَكِنَّهُ مَعَ خُصُوصِيَّتِه(٥) أرجَحُ من جِهَةِ أنَّ العَتبَ(٦) واللومَ والذَّمَّ عِندَ النَّاسِ، نَدَبَ الشَّرعُ إلى تَركِه لَا إلى فِعلِه. الثَّالِثُ: أنَّ هذا كَانَ في أولِ الإسلام، وكَانَت المُواسَاهُ واجِبَةً، فَلَمَّا اتَّسَعَ الإِسلَامُ نُسِخَ ذلك بِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((جَائزَتُهُ يَومٌ ولَيلَةٌ))(٧). قَالُوا: والجَائزَةُ تَفَضُلٌ، وَلَيسَت بِواجِبَةٍ، حَكَاهُ ابنُ بَطَّالٍ(٨) عن أكثَرِ العُلَمَاءِ. وقال النَّووِيُّ(٩) بَعدَ ذِكرِه عن حِكَايَةِ القَاضِي عِيَاضٍ لَّهُ: وهُو تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ أو بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هذا الذِي ادَّعَاهُ قَائِلُهُ لَا يُعرَفُ. (٢٢٦/٨م) الرَّابعُ: أنَّ هذا الحديثَ ورَدَ في العُمَّالِ المَبعُوثِينَ من جِهَةِ الإمَامِ؛ بِدَلِيلٍ قَولِه: إنَّك تَبعَثْنَا، فَكَانَ على المَبعُوثِ إلَيهم طَعَامُهُم ومَركَبُهُم وسُكنَّاهُم، يَأْخُذُونَهُ عن العَمَلِ الذِي يَتَوَلَّونَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَقَامَ لَهُم إلَّ بِإِقَامَةِ هَذِهِ الحُقُوقِ. وذَكَرَهُ(١٠) الخَطَّابي(١١) وقال: إنَّمَا (١٢) كان (١٣) يَلَزَمُ ذلك لِمَن كَانَ رسولُ اللهِ وَّهُ يَبعَثُهُم في زَمَانِه، ولَيسَ إذ ذَاكَ لِلمسلمِينَ بَيت(١٤) مَالٍ. (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢١١/٧) ح (٦٨٧٨) من طريق الحسن عن سمرة مرفوعًا . (٣) في (ك٢، ح): ((والعيب)). (٢ - ٢) ليس في: (ك٢، ح). (٤) في (ش): ((الماوردي)). وينظر: المعلم (١٢٢/٢). (٦) في (ك٢، ح): ((العيب)). (٥) في (ك٢، ح): ((خصوصه)). (٧) أخرجه البخاري (٦١٣٥)، ومسلم (١٥/٤٨)؛ من حديث أبي شريح الكعبي. (٨) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٨٥/٦). (٩) شرح النووي على مسلم (٣٢/١٢)، وينظر: إكمال المعلم (٢٣/٦). (١٠) في (ك٢، ح، ش): ((وذكر)). (١١) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١٢٢٤/٢، ١٢٢٥). (١٢) في (ش): ((وإنما)). (١٤) في (م): ((بين)). (١٣) ليست في (م). = ٢٠٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ فَأَمَّا اليَومَ، فَأرزَاقُهُم في بَيتِ المَالِ لَا حَقَّ لَهُم في أموالِ المسلمِينَ، قال: وإلى نَحوِ (١) منهُ ذَهَبَ أبو يُوسُفَ(٢) في الضِّيَافَةِ على أهلٍ نَجرَانَ، فَزَعَمَ أنَّهَا كَانَت خَاصَّةً. الخَامِسُ: أنَّهُ مَحمُولٌ على مَن مَرَّ بأهلٍ (٣) المَدِينَةِ(٤) الذِينَ شَرَطَ(٥) عَلَيهم ضِيَافَةً مَن يَمُرُّ بهم من المسلمِينَ. قال الخَطَّابي(٦): وقَد كَانَ عُمَرُ رَهُ حِينَ ضَرَبَ(٧) الجِزِيَةَ على نَصَارَى الشَّامِ، جَعَلَ عَلَيهِم الضِّيَافَةَ لِمَن نَزَلَ بهم، فَإِذَا شُرِطَت على قَومٍ من أهلِ الذِّمَّةِ مَعَ الجِزِيَةِ فَمَنَعُوهَا، كَانَ لِلصَّيفِ أن يَأْخُذَ حَقَّهُ من عَرَضِ أموالِهم. قال النَّووِيُّ(٨): وهذا أيضًا ضَعِيفٌ، إنَّمَا صَارَ هذا في زَمَنِ عُمَرَ ظُه. أي: فَكَيفَ يُحمَلُ الحديثُ عَلَيه. السَّادِسُ: بَوّبَ عَلَيه [٢/ ٢٨٠ و] الترمذيُّ في ((جَامِعِه))(٩): مَا يَحِلُّ من أموالٍ أهلِ الذِّمَّةِ. ثُمَّ قال: إنَّمَا مَعنَى الحديثِ: أنَّهُم كَانُوا يَخْرُجُونَ في الغَزْوِ، فَيَمُرُّونَ بِقَومٍ ولَا يَجِدُونَ من الطَّعَامِ مَا يَشْتَرُونَ بِالثَّمَنِ، فَقال النبيِ نَّهِ: ((إن أبَوا أن يَبيعُوا إِلَّا أن تَأْخُذُوا كَرهَا فَخَذُوا)). هَكَذَا رُوِيَ فِي بَعضِ الحديثِ مُفَسَّرًا، وقَد رُوِيَ عن عُمَرَ بِنِ الخَطَّابِ رَُه؛ أنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِنَحوِ هذا. انتَهَى. وتَبِيبُهُ قَد يُوافِقُ الجَوابَ الخَامِسَ، ولَكِن مَا شُرِحَ به الحديثُ يَقْتَضِي حَمَلَهُ على مَن امتَنَعَ من بَيعِ المُحتَاجِ (١٠)، وإن لَم يَصِل به الحَالُ لِلضَّرُورَةِ، فَإِن كَانَ مُضطَرًّا فَهُو الجَوابُ الأولُ، واللهُ أعلمُ. (١) بعده في (م): ((ذلك)). وهي في الأصل مضروب عليها. (٢) الخراج (ص ٨٧). (٣) في (م): ((من أهل)). في (ش): ((الذمة)). وبعده في (م): ((على)). ووضعها بين معكوفين. (٤) (٥) في (ش): ((تشترط)). أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١٢٢٥/٢). (٧) في (ك٢): ((صرت)). (٦) الترمذي (١٥٨٩). (٩) (٨) شرح النووي على مسلم (٣٢/١٢). (١٠) في (م): (للمحتاج)). حَقُّ الضَّیفِ ٢٠٥ = الرَّابِعَةُ: استَدَلَّ به البخاريُّ كَثُ على مَسألَةِ الَّفَرِ، وأنَّ الإنسَانَ إذَا كَانَ لَهُ على غَيرِهِ حَقٌّ فَمَنَعَهُ إِيَّاهُ وجَحَدَهُ، كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذَ مَا قَدَرَ عَلَيه من مَالِه في مُقَابِلَةِ مَا مَنَعَهُ من حَقِّه فَبَوّبَ عَلَيه: بَابُ قِصَاصِ المَظلُومِ إذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِه، وحُكِيَ عن ابنِ سِيرِينَ أنَّهُ قال: يُقَاصُّهُ، وقَرَأْ (١): ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٍِ﴾(٢) [النحل: ١٢٦]، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ(٣): فَجَزَمَ بِالأخذِ فيمَا إذَا لَم يُمكِن تَحصِيلُ الحَقِّ بِالقَاضِي بِأن يَكُونَ مُنكِرًا، ولَا بَيِّنَةَ لِصَاحِبِ الحَقِّ. قال: ولَا يَأْخُذُ غَيرَ الجِنسِ مَعَ ظَفَرِهِ بِالجِنسِ، فَإن لَم يَجِد إلَّا غَيرَ (٢٢٧/٨) الجِنسِ جَازَ الأخذُ، وإن أمكَّنَ تَحصِيلُ الحَقِّ(٤) بِالقَاضِي؛ بِأن كَانَ مُقِرَّا مُمَاطِلًا، أو مُنكِرًا عَلَيه بَيِّنَةً، أو كَانَ يَرْجُو إقرَارَهُ لَو حَضَرَ عِندَ القَاضِي؛ وعَرَضَ عَلَيه الَيَمِينَ، فَهَل(٥) يَستَقِلُّ بِالأخذِ، أو (٦) يَجِبُ الرَّفعُ إلى القَاضِي؟ فيه لِلشَّافِعِيَّةِ وجهَانِ: أصَحُّهُمَا عِندَ أكثَرِهم: جَوازُ الأخذِ. وقال ابنُ بَطَّالٍ (٧): اختَلَفَ قَولُ مَالِكِ في ذلك، فَرَوى ابنُ القَاسِمِ عنهُ: أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ. ورُوِيَ عنهُ الأخذُ إذَا لَم يَكُن فيه زِيَادَةٌ. ورَوى ابنُ وهبٍ عنهُ: أَنَّهُ إِذَا لَم يَكُن على الجَاحِدِ دَينٌ فَلَهُ الأخذُ، وإن كَانَ عَلَيهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لَهُ أن يَأْخُذَ إلَّا بِقَدرِ مَا يَكُونُ فيه أُسوة الغُرَمَاءِ (٨). وقال أبو حَنِيفَةَ: يَأْخُذُ من الذَّهَبِ الذَّهَبَ، ومن الفِضَّةِ الفِضَّةَ، ومن المَكِيلِ المَكِيلَ، ومن المَوزُونِ المَوزُونَ(٩)، ولَا يَأْخُذُ غَيرَ ذلك. وقال زُفَرُ: لَهُ أن يَأْخُذَ العِوضَ بِالقِيمَةِ. قال ابنُ بَطَالٍ: وأولى الأقوالِ بِالصَّوابِ: قَولُ مَن أَجَازَ؛ بِدَلَالَةِ الآيَةِ، (١) من (٢)، وهي في البخاري. (٢) البخاري قبل حديث (٢٤٦٠). ينظر: روضة الطالبين (٢٨٢/٨، ٢٨٣). (٣) (٤) لیست في (ح). (٥) في (ح): ((فهو)). (٦) في (ك٢، ح): ((أم)). (٧) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٨٤/٦، ٥٨٥). (٨) في (م): ((بالغرماء)). (٩) ليست فى الأصل. = ٢٠٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وحَدِيثٍ هندَ (١). ألَا تَرَى أَنَّ النبي ◌ََّ (٢أجَازَ لَهَا٢) أن تُطعِمَ عَائِلَةَ زَوجِهَا من مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ عِوضًا (٣) عَمَّا قَضَّرَ من(٤) إطعَامِهِم، فَدَخَلَ في مَعنَى ذلك كُلُّ مَن وجَبَ عَلَيْه حَقٌّ لَم يُوفِّه أو جَحَدَهُ، فَيَجُوزُ لَهُ الإِقتِصَاصُ منهُ. انتَهَى. وقَد يُقَالُ: إنَّ في (٥) الاستِدلَالِ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ(٦) على ذلك نَظَرًا؛ فَإِنَّهُ لَم يَقُل فيه(٧): خُذُوا منهُم بِطَرِيقِ الَّفَرِ والقَهرِ، فَلَعَلَّ مَعنَاهُ: خُذُوا مِنْهُم بِرَفِعِ الأمرِ إلى الحُكَّامِ لِيُلزِمُوهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيهم من ذلك. وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد)»(٨) من حَدِيثِ المِقدَامِ بنِ مَعدِي كَرِبَ أبي كَرِيمَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أُّمَا رَجُلِ أضَافَ قَومًا فَأصبَحَ الضَّيفُ مَحرُومًا؛ فَإِنَّ نَصرَهُ حَقٌّ على كُلِّ مسلم، [حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى لَيلَةٍ من زَرعِه ومَالِه)). ورَواهُ أيضًا بِلَفِظِ: ((لَيلَةُ الضَّيفِ حَقٌّ على كُلِّ مسلم](٩)، فَمَن أصبَحَ بِفِنَائِه فَهُو (١٠ عَلَيه دَيْنٌ ١٠)، إن(١١) شَاءَ اقتَضَى وإن شَاءَ تَرَك))." [ورواه ابن ماجه(١٢) بلفظ: ((ليلة الضيف واجبة، فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه، فإن شاء اقتضى وإن شاء ترك))](١٣). فَظَاهرُ هذا الحديثِ: أنَّهُ يَقتَضِي ويُطَالِبُ ويَنصُرُهُ المسلمُونَ؛ لِيَصِلَ إلى حَقِّه، لَا أنَّهُ يَأْخُذُ ذلك بيدِه من غَيرِ عِلمٍ أحَدٍ، واللهُ أعلمُ. (١) سبق تخريجه، وهو أول حديث في باب النفقات. (٢ - ٢) ليس في: (ش). (٣) من هنا يبدأ خرم في المخطوط (ح) بمقدار لوحة كاملة، ينتهي في أثناء الفائدة العاشرة، من الحديث الأول، في باب الرجاء والخوف. (٤) في (م): ((في)). (٦) في (م): ((عتبة)). (٨) أبو داود (٣٧٥٠، ٣٧٥١). (١٠ - ١٠) في الأصل: ((عليه دين عليه)). (١٢) ابن ماجه (٣٦٧٧). (١٣) ما بين المعكوفين ليس في: (م). (٥) ليست في الأصل، (ش). (٧) ليست في (ك٢). (٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (١١) في (م): ((فإن)). الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢٠٧ (٢٣٨/٨م) الرَّجَاءُ والخَوفُ الحديثُ الأولُ عن هَمَّام، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قال اللهُ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبدِيَّ بِأن يَعمَلَ حَسَنَةً: فَأَنَا أُكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَم يَفعَل(١)، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أكتُبُهَا لَهُ بِعَشرِ أمْثَالِهَا. فَإِذَا تَحَدَّثَ بِأن يَعمَلَ سَيِّئَةً: فَأَنَا أَغفِرُهَا (٢) مَا لَم يَفعَلَهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أكتُبُهَا لَهُ بِمِثِلِهَا)). وعنهُ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أحسَنَ أحَدُكُم [٢٨٠/٢ظ] إسلَامَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعمَلُهَا تُكتَبُ بِعَشرِ أمْثَالِهَا؛ (٣إلى سَبِعِمِائَة٣ٍ) ضِعِفٍ، وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعمَلُهَا تُكتَبُ لَهُ بِمِثِلِهَا (٤)؛ حَتَّى يَلقَى اللهَ رَات)). وعنه قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: «قالت المَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبدُك يُرِيدُ أن يَعمَلَ سَيِّئَةً، وهُو أبصَرُ به، فَقال: ارقُبوهُ؛ فَإن عَمِلَهَا فَاكتُبوهَا لَهُ بِمِثلِها». فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ بِالفَاظِهِ الثَّلَاثَةِ (٢٢٩/٨م) مَجمُوعَةً: مسلمٌ(٥) من هذا الوجه، عن مُحَمَّدٍ بنِ رَافِعٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ. وفيه في الرِّوايَةِ الثَّالِثَةِ بَعدَ قَولِه (١) في (ش): (يعمل))، وفي (م): ((يفعلها)). وينظر: المسند (٣١٥/٢). (٢) بعده في (م): ((له)). (٣) في (ش): ((سبع مائة)). وكذا في نظائرها مما يأتي. (٤ - ٤) ليس في: (ش). (٥) مسلم (٢٠٥/١٢٩). = ٢٠٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بِمِثْلِهَا: ((وإن تَرَكَهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً؛ إِنَّمَا(١) تَرَكَهَا من جَرَّايَ(٢)). وأخرَجَهُ البخاريُّ(٣) بِمَعنَى اللفظِ الثَّانِي، عن إسحَاقَ بنِ مَنصُورٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ. وأخرَجَهُ البخاريُّ(٤) أيضًا في التَّوحِيدِ من ((صَحِيحِهِ))، من طَرِيقٍ المُغِيرَةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ. وأخرَجَهُ مسلمٌ أيضًا والترمذيُّ والنسائيُّ(٥)، من طَرِيقِ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةً؛ كِلَاهُمَا عن أبي الزِّنَادِ. عن، الأعرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ. وفي رِوايَةِ البخاريِّ: ((وإن تَرَكَهَا من أجلِي، فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً)). وفيها: «إلی سَبعِمِائَةٍ ضِعفٍ)). وأخرَجَهُ مسلمٌ(٦) أيضًا، من طَرِيقٍ إسمَاعِيلَ بنِ جَعفَرٍ، عن العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، وفيه: ((إلى سَبِعِمِائَةٍ ضِعْفٍ))، ومن طَرِيقٍ هِشَامٍ، عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، (٢ عن أبي هُرَيْرَةََه(٧). وفيه أيضًا: ((إلى سَبِعِمِائَةٍ ضِعِفٍ))(٨). ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((إذَا تَحَدَّثَ عَبدِي بِأَن يَعمَلَ حَسَنَةً))، المُرَادُ حَدَّثَ بِذلك نَفْسَهُ، ولَا يَتَوقَّفُ ذلك على تَحَدُّثِه به بِلِسَانِهِ، وقَد دَلَّ على ذلك قَولُهُ في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((وإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَم (٩) يَعمَلهَا فَاكتُبُوهَا (١٠) حَسَنَةً)). والظَاهرُ: أنَّ المُرَادَ إذَا مَنَعَهُ من ذلك عُذرٌ، ولا تُكتَبُ لَهُ (١١) الحَسَنَةُ بِمُجَرَّدِ الهَمِّ مَعَ الاِنكِفَافِ(١٢) عن الفِعلِ بِلَا عُذٍ . (١) في (ك٢): ((إنه)). (٣) البخاري (٤٢). (٢) في (م): ((جرائي). (٤) البخاري (٧٥٠١). مسلم (٢٠٣/١٢٨)، والترمذي (٣٠٧٣)، والنسائي في الكبرى (١١١٨١). (٥) (٦) مسلم (٢٠٤/١٢٨). (٨) مسلم (٢٠٦/١٣٠). (٩) في (م): ((ولم)). (١٠) بعده في (م): ((له)). (١١) من (م). (١٢) في الأصل: ((الانفكاك)). (٧ - ٧) ليس في: (ك٢، ش). = الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢٠٩ ويُحتَمَلُ: حَملُهُ على إطلَاقِه، وأنَّ مُجَرَّدَ الهَمِّ بِالخَيرِ قُربَةٌ، وإن لَم يَمنَع منهُ مَانٌِ. ■ الثَّالِثَةُ: هَل تَكْتُبُ لَهُ المَلَائِكَةُ الهَمَّ بِالحَسَنَةِ أو فِعلَ الحَسَنَةِ؟ فيه نَظَرٌ واحتِمَالٌ، وظَاهرُ لَفِظِ الحديثِ يَقْتَضِي كِتَابَةَ نَفسِ الحَسَنَةِ، واللهُ أعلمُ. ■ الزَّابِعَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): قال أبو جَعفَرِ الطََّرِيُّ: فيه دَلِيلٌ على أَنَّ الحَفَظَةَ يَكتُبُونَ أعمَالَ القُلُوبِ وعَقدَهَا، خِلافًا لِمَن قال: إنَّهَا لَا تَكتُبُ إلَّا الأعمَالَ الظَّاهرَةَ. وحَكَى النَّووِيُّ(٢) ذلك عن أبي جَعفَرِ الطَّحَاوِيِّ. وذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّ المَلَكَ يَعلَمُ ذلك بِرَائحَةٍ طَيَِّةٍ تَفُوحُ من الإنسَانِ، بِخِلَافٍ مَا إِذَا هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ؛ فَإِنَّهُ تَفُوحُ منهُ رَائحَةٌ خَبِيثَةٌ، واللهُ أعلَمُ. ■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أُكتَبُهَا لَهُ بِعَشرِ أَمِثَالِهَا)»، كَذَا وقَعَ في الأصُولِ: ((بِعَشرٍ))، والوجهُ: بِعَشِرَةِ أمْثَالِهَا (٢٣٠/٨م)؛ فَإِنَّ المِثْلَ مُذَكَّرٌ. وَلَكِنَّ ذلك لِتَأوِيلِهِ بِالحَسَنَاتِ، واللهُ أعلمُ. ا السَّادِسَةُ: هَل المُرَادُ أنَّهُ (٣) تُكتَبُ لَهُ عَشرُ حَسَنَاتٍ مَضمُومَةٌ إلى الحَسَنَةِ المَكتُوبَةِ على الهَمِّ، أو يُكَمَّلُ لَّهُ عَشرُ حَسَنَاتٍ، أو يَنْتَظِرُ المَلَكُ بِكِتَابَةِ الهَمِّ، فَإِن حَقَّقَهُ كَتَبَ عَشرًا، وإن لَم يُحَقِّقهُ كَتَبَ واحِدًا؟ فيه احتِمَالٌ ويَحتاجُ إلى نَقلٍ صَرِيحٍ. واللهُ أعلمُ. ■ السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((إلى سَبِعِمِائَةٍ ضِعْفٍ))، فيه أنَّ التَّضعِيفَ(٤) قَد يَنتَهي إلى سَبعِمِائَةٍ ضِعفٍ، وهذا جُودٌ واسِعٌ وكَرَمُ مَحضّ، وقَد دَلَّ على ذلك قَولُه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتَبْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّْ﴾ [البقرة: ٢٦١]. (١) إكمال المعلم (٤٢٧/١). وينظر: المفهم (٣٤٢/١). (٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢). (٤) في (٢٥): ((الضعف)). (٣) في الأصل: (به)). = ٢١٠ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وفي ((الصَّحِيحَينِ))(١)، عن ابنِ عَبَّاسِ رَّ، عن رسولِ اللهِ وَّ، فِيمَا يَروِي عن رَبِه تَبَارَكَ وتعالى قال: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذلك فَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ (٢) يَعمَلَهَا: كَتَبَهَا اللهُ رَكَ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإن هَمَّ بها فَعَمِلَهَا: كَتَبَهَا اللهُ [٢/ ٢٨١و] عِندَهُ عَشرَ حَسَنَاتٍ؛ إلى سبعِمِائَةِ [ضعفٍ إلی أضعافٍ كَثِيرَةٍ). وهُو صَرِيحٌ في أنَّ التَّضعِيفَ لَا يَقِفُ على سَبِعِمِائَةٍ](٣)، بَل قَد يَزِيدُ عَلَيهَا لِمَن أَرَادَ اللهُ تعالى زِيَادَتَّهُ لَهُ، وهُو أحَدُ القَولَينِ(٤) في قوله تعالى: ﴿وَلَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ [أي: بزيادة على المذكور. والقولُ الثَّاني: أن المراد: والله يضاعفُ لمن يشاءُ](٥) هذا(٦) التَّضعِيفَ. والأولُ أصَحُ. وقال النَّوِيُّ(٧): المَذهَبُ الصَّحِيحُ المُختَارُ عِندَ العُلَمَاءِ: أنَّ التَّضِعِيفَ لَا يَقِفُ على سَبعِمِائَةٍ. وحَكَى أبو الحَسَنِ المَاوردِيُّ(٨) عن بَعضِ العُلَمَاءِ: أنَّ التَّضعِيفَ لَا يُجَاوِزُ سَبعَمِائَةٍ . قال الثَّورِيُّ: وَهُو (٩غَلَطٌ لِهذا٩) الحديثِ. انتَهَى. وقَد ورَدَ التَّضعِيفُ بِأكثَرَ من سَبعِمِائَةٍ في عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وقَد ذَکَرتُ ذلك في كِتَابِ الصِّيَامِ من هذا الشَّرِحِ، فأغنَى (١٠) عن إعَادَتِهِ. ■ الثَّامنةُ: تَقَدَّمَ فِي قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وأَنَا أجزِي به))، استِثنَاءُ الصِّيَامِ من حَصرِ التَّضعِيفِ في قَدرٍ مَخصُوصٍ، وتَقَدَّمَ الكَلَامُ على ذلك في الصِّيَامِ. البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (٢٠٧/١٣١، ٢٠٨). (١) (٢) ليس في: (ش). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. ينظر: تفسير الطبري (٦٥٣/٤)، وتفسير البغوي (٣٢٥/١)، وتفسير ابن عطية (٣٥٦/١). (٤) ما بين المعكوفين من (ك٢، ش). (٥) (٦) في (م): ((بهذا)). (٨) النكت والعيون (٣٦٦/١). وينظر: فتح الباري (١٠٠/١). (٧) شرح النووي على مسلم (١٥٢/٢). (٩ - ٩) مكانها في (ك٢): ((كهذا)). (١٠) في (م): ((بما أغنى)). كم ٢١١ الرَّجَاءُ والخَوفُ ■ التَّاسِعَةُ: في (١) قَولِهِ: ((فَإِذَا تَحَدَّثَ بِأن يَعمَلَ سَيِّئَةً: فَأَنَا أغفِرُهَا (٢) مَا لَم يَفعَلهَا))، دَلِيلٌ على أنَّ حَدِيثَ النَّفسِ والخَواطِرَ لَا يُؤَاخَذُ بها. وهُو مُجمَعٌ عَلَيْه فيمَا لَا يَستَقِرُّ من الخَواطِرِ، ولَا يَقْتَرِنُ به عَزمُ مُصَمِّمٍ. (٣)فَإن عَزَم٣َ) على ذلك عَزمًا مُصَمَّمًا، فَاختَلَفُوا فيه؛ قال المَازَرِي(٤): مَذْهَبُ القَاضِي أبي بَكرِ ابنِ الطَيِّبِ(٥): أنَّ مَن عَزَمَ على المَعصِيَةِ بِقَلبه، ووظَّنَ نَفْسَهُ عَلَيهَا، أثِمَ في اعتِقَادِهِ وعَزمِه، ويُحمَلُ مَا وقَعَ في هَذِهِ الأحَادِيثِ وأمثَالِهَا على أنَّ ذلك فيمَن لَم يُوطِّن نَفسَهُ على المَعصِيَةِ، وإنَّمَا مَرَّ ذلك بِفِكرِهِ من غَيرِ اسْتِقِرَارٍ، ويُسَمَّى هذا وهمًا، ويُفَرَّقُ بَينَ (٢٣١/٨م) الهَمِّ والعَزم (٦)، هذا مَذهَبُ القَاضِي أبي بَكرٍ، وخَالَفَهُ كَثِيرٌ من الفُقَهَاءِ والمُحَدِّثِينَ، وأَخَذُوا بِظَاهِرِ الأحَادِيثِ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٧): عَامَّةُ السَّلَفِ وأهلِ العِلم من الفُقَهَاءِ والمُحَدِّثِينَ على مَا ذَهَبَ إِلَيه القَاضِي أبو بَكرٍ؛ لِلأحَادِيثِ الدَّالَّةِ على المُؤَاخَذَةِ بِأعمَالٍ القُلُوبِ، لَكِنَّهُم قَالُوا: إنَّ هذا العَزمَ يُكتَبُ سَيِّئَةٌ، وَلَيسَتِ السَّيِّئَةَ التي هَمَّ بها لِكَونِه لَم يَعمَلِهَا وقَطَعَهُ عنهَا قَاطِعٌ غَيرُ خَوفِ الله تعالى والأمَانَةِ، لَكِنَّ نَفْسَ الإصرَارِ والعَزِمِ مَعْصِيَةٌ، فَتُكتَبُ مَعْصِيَةً، فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَت مَعْصِيَةً ثَانِيَةً. فأمَّا (٨) الهَمُّ الذي لَا يُكتَبُ: فَهُو الخَواطِرُ التي لَا يُوطِّنُ النَّفْسَ عَلَيْهَا، ولَا يَصحَبُهَا عَقَدٌ، ولَا نِيَّةُ عَزمٍ. انتَهَى. قال النَّووِيُّ(٩): وهُو ظَاهرٌ حَسَنٌ لَا مَزِيدَ عَلَيه، وقَد تَظَاهَرَت نُصُوصُ (٢) بعده في (م): ((له)). (١) ليس في: الأصل. (٣ - ٣) ليس في: (ك٢). (٤) المعلم بفوائد مسلم (٧٩/١). وينظر: إكمال المعلم (٤٢٤/١)، وشرح النووي على مسلم (١٥١/٢). (٥) في (ك٢): ((أبي الطيب))، وفي (م): ((الخطيب)). وهو ابن الباقلاني. وينظر: شرح القسطلاني على البخاري (٢٨١/٩)، والإتحافات السنية للمناوي (ص٢٦). في (ك٢): ((الغم)). (٦) (٧) إكمال المعلم (٤٢٥/١). (٨) في (م): ((وأما)). (٩) شرح النووي على مسلم (١٥١/٢، ١٥٢). وينظر: فتح الباري (٣٢٧/١١). ٢١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الشَّرعِ بِالمُؤَاخَذَةِ بِعَزم(١) القَلبِ المُستَقَرِّ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿أَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ اَلَّنِّ إِنَ بَعْضَ اَلَّنِ إِذْ﴾ [الحجرات: ١٢]. والآيَاتُ في هذا كَثِيرَةٌ، وقَد تَظَاهَرَت نُصُوصُ الشَّرع وإجمَاعُ العُلَّمَاءِ على تَحرِيمِ الحَسَدِ واحتِفَارِ المسلمِينَ وإرَادَةِ المَكْرُوه بهم (٢)، وغَيرِ ذلك من أعمَالِ القُلُوبِ وعَزمِهَا. انتَهَى. (٣العَاشِرَةُ: في قَولِه٣) في رِوايَةِ البخاريِّ: ((فَإِنْ تَرَكَهَا من أجلِي: فَاكتُبوهَا لَهُ(٤) حَسَنَةً))، زِيَادَةً على قَولِه في هَذِه الرِّوايَةِ(٥): ((فَأَنَا أَغفِرُهَا))؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِن مَغْفِرَتِهَا كِتَابَةُ حَسَنَةٍ بِسَبَبٍ تَركِهَا، وهُو مُقَيَّدٌ في الحديثِ بِأن يَكُونَ تَرَكَهَا من أجلِ الله تعالى، وعَلَيهِ يَدُلُّ قَولُهُ فِي رِوايَةِ مسلم: ((إنَّمَا تَرَكَهَا من جَرَّائي)). فَإِنَّ التَّعلِيلَ بِذلك دَالٌّ على تَصوِيرِ المَسألَةِ به، ووجهُهُ: أنَّ تَركَهُ لَهَا لِخَوفِ الله تعالى ومُجَاهدَتِهُ نَفسَهُ الأمَارَةَ بِالسُّوءِ في ذلك وعِصيَانِهُ هَواهُ حَسَنَةٌ، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٦) من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﴿َّ: ((ومَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَم يَعمَلهَا: كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً))، فَلَم(٧) يُقَيِّد ذلك [٢٨١/٢ظ] بِأن يَكُونَ تَرَكَهَا(٨) لِجَلِ الله تعالى، فَقَد يُتَمَسَّكُ به على كِتَابَتِهَا حَسَنَةٌ، وإن لَم يَترُكِهَا لِخَوفِ الله تعالی. وقَد حَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٩)، عن بَعضِ المُتَكَلِّمِينَ: أنَّهُ ذَكَرَ في ذلك خِلَافًا، وعَلَّلَ كِتَابَتَهَا حَسَنَةً: بِأَنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ على تَرِكِهَا الحَيَاءُ. (١) في (ك٢): ((بهم)). (٣ - ٣) طمس في (ش). (٢) ليس في: (ك٢). (٤) ليس في: (ك٢). (٥) هنا انتهى الخرم في المخطوط (ح)، والذي بدأ في أثناء الفائدة الرابعة، من باب ((حق الضيف)». (٦) تقدم تخريجه . في (م): ((ولم)). (٧) (٨) ليس في: (ك٢، ح). إكمال المعلم (٤٢٦/١). وينظر: شرح النووي (١٥١/٢). (٩) الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢١٣ قال القَاضِي عِيَاضٌ: وهذا(١) ضَعِيفٌ لَا وجهَ لَهُ. قُلتُ: والظَّاهرُ: حَملُ هذا المُطلَقِ على ذلك المُقَيَّدِ، فَهُو الذي يَقْتَضِيه الدَّلِيلُ وتُسَاعِدُهُ القَاعِدَةُ، واللهُ أعلمُ. وقال الخَطَّابي(٢): هذا إذَا لَم يَعمَلهَا تَارِكًا لَهَا مَعَ القُدَرَةِ عَلَيْهَا، لَا إذَا هَمَّ بها فَلَمْ يَعمَلَهَا مَعَ العَجزِ عنهَا وعَدَم (٢٣٢/٨م) القُدَرَةِ عَلَيهَا، ولَا يُسَمَّى الإنسَانُ تَارِكًا لِلشَّيءِ الذي لا يُتَوهَّمُ قُدرَتُهُ عَلَّيِهِ. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ: ((فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أكتُبُهَا لَهُ بِمِثِلِهَا))، يَقتَضِي أَنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تُضَاعَفُ، وهُو كذلك، لَكِن يُستَثنَى منهُ مَا (٣) في التَّنزِيلِ في أمَّهَاتِ المُؤمِنينَ: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ يِفَحِشَةٍ مُبِنَةٍ يُضَعَفْ(٤) لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وذلك لِشَرَفِهِنَّ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ وعُلُوِّ مَرتَبَتِهنَّ، وأنَّ الفَاحِشَةَ منهُنَّ عَظِيمَةُ المَوقِعِ لِشِدَّةِ تَأَذِّي النبيِنَّهِ بها، وكذلك جَاءَ في سَيِّئَاتِ الحَرَمِ(٥). ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ: ((فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثِلِهَا))(٦)؛ أي: إن جَازِيَتُهُ على ذلك، وقَد يَتَجَاوزُ(٧) اللهُ عنهُ فَلَا يُؤَاخِذُهُ به(٨). وفي لَفِظِ لِمسلمٍ(٩)، في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((كَتَبَهَا اللهُ سَبِّئَةً واحِدَةً، أو مَحَاهَا اللهُ)). وفي ((صَحِيحِ مسلم))(١٠) أيضًا (١١) من حَدِيثِ أبي ذَرِّ: ((ومَن جَاءَ بِالسَِّّئَّةِ: فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، أو أغفِّرُ)). (١) في (م): ((وهو). أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢٢٥٢/٣). (٢) (٤) في (ش): ((يُضَعَّفُ)). وهي قراءة أبي جعفر، وأبي عمرو، ويعقوب. وينظر: السبعة (٣) ليس في: (ش). لابن مجاهد (ص١٨٤)، والنشر (٣٤٨/٢). ينظر: تفسير الطبري (٥٠٧/١٦ - ٥١٠)، وأحكام القرآن لابن العربي (٢٣١/٣). (٥) بعده في (م): ((يقتضي أن السيئات لا تضاعف)). (٦) (٧) في (ك٢، ح): ((يجاوز)). (٩) في (ك٢، ح): ((مسلم)). (١١) ليس في: (ك٢، ح). (٨) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ١٤١). (١٠) مسلم (٢٦٨٧/ ٢٢). ٢١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ)) (١) مُعَلَّقًا، من حَدِيثٍ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: ((وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعمَلُهَا (٢تُكتَبُ لَهُ(٢) بِمِثِلِهَا، إِلَّا أن يَتَجَاوزَ اللهُ عنهَا)). ووصَلَهُ النسائيّ(٣) في (سُنَّتِه))، وكذلك وصَلَهُ الدَّارَقُطِنِيُّ في «غَرَائبٍ (٤) مَالِكِ)) من تِسِعَةِ ظُرُقٍ. قال ابنُ بَطَّالٍ(٥): وفيه رَدٌّ على مَن أنفَذَ الوعِيدَ على العُصَاةِ(٦) المُؤمنينَ؛ لِدَلَالَتِهِ على أنَّ اللهَ تعالى قَد يَتَجَاوزُ عنهَا إِذَا شَاءَ، وهُو مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ * (٧) والحَقَ ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قَولُهُ: ((إِذَا أحسَنَ أحَدُكُمْ إِسلَامَهُ))؛ أي: أسلَمَ إِسلَامًا حَقِيقِيًّا، ولَيسَ كَإِسلَام المُنَافِقِينَ، ولَا يُرَادُ بِذلك قَدرُ زَائدٌ على حَقِيقَةِ الإسلامِ؛ ذَكَرَهُ النَّوِيُّ(٨). وقالَ: وهذا مَعرُوفٌ(٩) في استِعمَالِ الشَّرع، يَقُولُونَ: حَسُنَ إِسلَامُ فُلَانٍ: إذَا دَخَلَ فيه حَقِيقَةً بِإخلاصٍ. وسَاءَ إسلَامُهُ، أو لَم يَحسُن إسلَامُهُ: إِذَا لَم يَكُن كذلك، واللهُ أعلمُ. وقال ابنُ بَطَّالٍ (١٠): قَولُهُ: ((فَحَسُنَ(١١) إسلَامُهُ))، قَد فَسَّرَهُ(١٢) عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، حِينَ ((سُئلَ مَا الإحسَانُ؟ فَقال: أن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّك تَرَاهُ». أرَادَ: مُبَالَغَةً الإخلاصِ لِلَّه تعالى بِالطَّاعَةِ والمُرَاقَبَةِ لَهُ(١٣). انتَهَى. (١) البخاري (٤١). وقد وصله أبو ذر الهروي في نسخة ــ كما في عمدة القاري (٢٥٠/١). (٢ - ٢) ليس في: (ك٢، ح). (٣) النسائي (٥٠١٣)، وفي الكبرى (١١٧٢٩)، والدارقطني في غرائب مالك - كما في تغليق التعليق (٤٥/٢)، ونقل نص كلامه العيني في عمدة القاري (٢٥٠/١)، وينظر: فتح الباري (٢٠/١). (٤) في (ك٢، ح): ((غریب)). شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩٨/١، ٩٩). (٥) (٧) من (٢٤). (٦) بعده في (ك٢، ح): ((من)). شرح النووي على مسلم (١٣٦/٢). (٨) (٩) في (ش): ((هو المعروف)). (١٠) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩٨/١). (١١) في (ك٢، ح): ((یحسن)). (١٢) في (ك٢، ح): ((فسّر)). (١٣) ليس في: (ش). الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢١٥ والأولُ هُو الظّاهرُ، ولَا يَتَوقَّفُ كَونُ الحَسَنَةِ بِعَشرِ أمْثَالِهَا وغَيرُ ذلك مِمَّا ذُكِر في هذا الحديثِ على أن يَكُونَ الفَاعِلُ لِذلك مُبَالِغًا في الإخلاصِ لِلَّه تعالى بِالطَّاعَةِ والمُرَاقَبَةِ لَهُ(١)، بَل مُجَرَّدُ الإسلامِ الذي هُو شَرطُ صِحَّةِ العِبَادَةِ(٢)، كَافٍ في ذلك، ولَا يُحتَرَزُ بِذلك إلَّا عن النِّفَاقِ، واللهُ أعلمُ. ■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: فيه بَيَانُ مَا تَفَضَّلَ اللهُ تعالى به على هَذِهِ الأَمَةِ من كِتَابَةِ خَواطِرِهم الحَسَنَةِ، دُونَ (٢٣٣/٨م) خَواطِرِهم السَّيِّئَةِ، ومُجَازَاتِهم على السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا(٣) إن شَاءَ، وعلى الحَسَنَةِ بِعَشرِ أمْثَالِهَا إلَّا أن يَشَاءَ اللهُ الزِّيَادَةَ على ذلك إلى مَا لَا يُحصَى. وفيه تَرجِیحُ جَانِبِ الرَّجَاءِ. وفي ((صَحِيحٍ مسلم)) (٤) في آخِرِ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((وَلَا يَهلِكُ على الله إِلَّا(٥) هَالِكٌ)). قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): مَعنَاهُ: مَن حُتِمَ(٧) هَلَاكُهُ وسُدَّت (٨) عَلَيه أبوابُ الهُدَى، مَعَ سَعَةِ رَحمَةِ الله تعالى وكَرَمِه، وجَعِلِه السَّيْئَةَ حَسَنَةً إِذَا لَم يَعمَلِهَا (٩ وإِذَا عَمِلَهَا٩) واحِدَةً، والحَسَنَةُ(١٠) إذَا لَم يَعمَلهَا واحِدَةً، وإذَا عَمِلَهَا عَشرَةً [٢٨٢/٢ و] إلى سَبِمِائَةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كَثِيرَةٍ، فَمَن حُرِمَ هَذِهِ السَّعَةُ وفَاتَهُ هذا الفَضلُ وكَثُرَت سَيِّئَاتُهُ حَتَّى غَلَبَت مَعَ أنَّهَا أَفرَادُ حَسَنَاتِهِ مَعَ أَنَّهَا مُتَضَاعِفَةٌ فَهُو الهَالِكُ المَحْرُومُ، واللهُ أعلمُ. (١) ليس في: (ح). (٣) في (ك٢، ح): ((مثلها)). (٢) في (م): ((العبارة)). (٤) مسلم (٢٠٨/١٣١). زيادة من مصادر التخريج والشروح. (٥) إكمال المعلم (٤٢٧/١). وينظر: شرح النووي على مسلم (١٥٢/٢). (٦) (٧) في (ش): ((ختم)). (٨) في الأصل: ((وشدت)). (٩ - ٩) ليس في: (ك٢، ح). (١٠) ليس في: (ح). = ٢١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الحديثُ الثَّانِي ﴿ وعنه قال: قال رسولُ اللهِوَله: (١ وقال اللهُ وَق١َ): ((أَنَا عِندَ ظَنِّ عبدي بي)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ الأئمَّةُ السِّنَّةُ(٢) خَلَا أَبَا دَاوُد، من طَرِيقِ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ. وأخرَجَهُ مسلمٌ والترمذيُ(٣) أيضًا، من طَرِيقِ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ. كِلَاهُمَا عن أبي هُرَيْرَةَ. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((أنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بي))، قال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): قِيلَ: مَعْنَاهُ بِالْغُفرَانِ لَهُ(٥) إِذَا استَغفَرَنِي، والقَبولِ إِذَا تَابَ (٦) إِلَيَّ (٧)، والإِجَابَةِ إِذَا دَعَانِي، والكِفَايَةِ إِذَا استَكفَانِي؛ لِأَنَّ هَذِه (٨) الصِّفَاتِ لَا تَظهَرُ من العَبدِ إلَّا إِذَا(٩) حَسُنَ ظَتُّهُ بِالله وقَوِيَ يَقِينُهُ. قال القَابِسِيُّ: ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ تَحذِيرًا مِمَّا يَجِرِي في نَفسِ العَبدِ مِثلُ قَوله (١٠): ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وقال الخَطَّابي(١١)، في قَولِه: ((لَا يَمُوتَنَّ أحَدُكُم إلَّا وهُو يُحسِنُ الظَّنَّ (١ - ١) من (ش). (٢) البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (١/٢٦٧٥، ٢)، والنسائي في الكبرى (٧٧٣٠)، وابن ماجه (٣٨٢٢)، والترمذي (٣٦٠٣). مسلم (١٩/٢٦٧٥)، والترمذي (٢٣٨٨). (٤) إكمال المعلم (٨/ ١٧٢). (٣) (٥) ليس في: (ش). (٧) ليس في: (م). (٩) ليس في: الأصل. (١٠) بعده في الأصل، (ك٢، ح، ش): ((قل)). وبعده في (م): ((تعالى)). (١١) معالم السنن (٣٠١/١). (٦) في الأصل: ((آب)). (٨) ليس في: الأصل. الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢١٧ = بِالله))؛ يَعنِي: في حُسنِ عَمَلِه، فَمَن حَسُنَ عَمَلُهُ حَسُنَ ظَنُّهُ، ومَن سَاءَ عَمَلُهُ سَاءَ ظَنُهُ. وقَد يَكُونُ من الرَّجَاءِ وتَأْمِيلٍ(١) العَفِ. واقتَصَرَ النَّورِيُّ(٢)، في نَقلِه عن القَاضِي عِيَاضٍ(٣)، على القَولِ الذي حَكَاهُ أولًا، والذي (٤) حَكَاهُ آخِرًا، وعَبَّرَ (٢٣٤/٨م) عنهُ بِقَولِه: و(٥)قِيلَ: المُرَادُ به الرَّجَاءُ وتَأْمِيلُ العَفوِ. ثُمَّ قال: وهذا أصَخُّ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٦): قِيلَ: مَعنَاهُ: ظَنُّ الإِجَابَةِ عِندَ الدُّعَاءِ، وظَنُّ القَبولِ عِندَ الثَّوبَةِ، وظَنُّ المَغْفِرَةِ عِندَ الاستِغْفَارِ، وظَنُّ قَبولِ الأعمَالِ عِندَ فِعِلِهَا على شُرُوطِهَا؛ تَمَسُّكًا بِصَادِقِ وعدِه وجَزِيلِ فَضلِهِ. قال: ويُؤَيِّدُهُ قَولُهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ(٧): ((ادعُوا اللهَ وأنتُم مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ))، وكذلك يَنْبَغِي لِلتَّائبِ والمُستَغْفِرِ ولِلعَامِلِ: أن يَجتَهدَ في القِيَامِ بِمَا عَلَيه من ذلك، مُوقِنًا أنَّ اللهَ تعالى يَقبَلُ عَمَلَهُ ويَغْفِرُ ذَنبَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تعالى قَد وعَدَ بِقَبولِ الثّوبَةِ الصَّادِقَةِ والأعمَالِ الصَّالِحَةِ. فَأمَّا لَو عَمِلَ هَذِه الأعمَالَ وهُو يَعتَقِدُ أو يَظُنُّ أنَّ اللهَ تعالى لَا يَقبَلُهَا، وأنَّهَا لَا تَنفَعُهُ: فَذلك هُو القُنُوطُ من رَحِمَةِ الله واليَأْسُ من رَوحِ الله، وهُو من أعظَمِ الكَبَائِرِ . ومَن مَاتَ على ذلك وصَلَ إلى مَا ظَنَّ(٨) مِنْهُ، كَمَا قَد جَاءَ في بَعضِ ألفَاظِ هذا الحديثِ: ((أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي؛ فَلَيَظُنَّ بِي عَبدِي مَا شَاءَ)) . فَأَمَّا ظَنُّ الرَّحمَةِ والمَغفِرَة، مَعَ الإصرَارِ على المَعصِيَةِ: فَذلك مَحضُ الجَهلِ والغِرَّةِ، وهُو يَجُرّ (٩) إلى مَذْهَبِ المُرجِئَةِ، وقَد قال عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ (١٠): (١) في (ك٢، ح): ((ومثل)). (٣) ليس في: (ك٢، ح). (٥) ليس في: (ك٢). (٦) المفهم (٥/٧، ٦). الترمذي (٣٤٧٩). وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (٧) (٨) في (ك٢، ح): ((تظن)). (٩) في (م): ((يجره). (١٠) الترمذي (٢٤٥٩)، وقال: هذا حديث حسن. (٢) شرح النووي على مسلم (٢/١٧). (٤) ليس في: (ك٢، ح). ٢١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ((الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفسَهُ وعَمِلَ لِمَا (١) بَعدَ المَوتِ، والعَاجِزُ مَن أَتْبَعَ نَفسَهُ هَواهَا وتَمَنَّی علی الله)). والظّنُّ: تَغْلِيبُ أحَدِ المُجَوّزَينِ(٢) بِسَبَبٍ يَقتَضِي التَّغلِيظُ(٣)، فَلَو خَلَا عن السَّبَبِ المُغَلِّبِ لَم يَكُن ظَنَّا، بَل غِرَّةً وتَمَنْيًا. انتَهَى. ■ الثَّالِثَةُ: فيه تَرجِيحُ جَانِبِ الرَّجَاءِ، وأنَّ الإنسَانَ إذَا أمَلَ عَفو الله وصَفْحَهُ: أعطَاهُ اللهُ أمَلَهُ، وعَفَا عنهُ. وأمَّا قَوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، فَذلك في (٤) الكُفَّارِ. وكذلك قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((والعَاجِزُ: مَن أَتَبَعَ نَفسَهُ هَوَاهَا وَتَمَتَّى على الله))؛ أي: طَلَبَ المَغفِرَةَ من غَيرِ تَحَقُّظٍ ولَا تَوبَةٍ وَلَا تَعَاِي سَبَبٍ، والمُؤَمِّلُ عَفو الله لَا يَكُونُ أَمَلُهُ إلَّا عن سَبَبٍ: من تَوبَةٍ واستِغْفَارٍ، وتَقَرُّبٍ بِحَسَنَاتٍ تَمحُو سَيِّئَاتِهِ؛ فَيَرِجُو (٥) لُحُوقَ الرَّحمَةِ لَهُ، ومَحو سَيِّئَاتِهِ. وقَد كَانَ السَّلَفُ يَستَحِبونَ استِحِضَارَ مَا يَقتَضِي الرَّجَاءَ قُربَ المَوتِ؛ لِيَحصُلَ مَعَهُ ظَنُّ المَغْفِرَةِ؛ فَيَدِخُلُ في هذا(٦) الحديثِ ونَحوِهِ، بِخِلَافِ زَمَنٍ [٢٨٢/٢ظ] الصِّحَّةِ؛ يَنبَغِي فيه استِحضَارُ مَا يَقتَضِي الخَوفَ لِيَكُونَ أعونَ على العَمَلِ، وأمَّا(٧) حَالَةَ المَوتِ: (٢٣٥/٨م) فَإِنَّهُ لَا عَمَلَ فِيهَا، فَإِذَا لَم يَرِجُ أيِسَ، وإِذَا رَجَا انْبَسَطَ، وحَمَلَهُ ذلك على الثَّوبَةِ والتَّقَرُّبِ في تِلكَ الحَالَةِ بِمَا أمكَنَهُ، واللهُ أعلمُ. (١) في (ك٢، ح): ((إلى ما)). (٢) في (م)، والمفهم: ((التغليب)). وينظر: المعتمد لأبي الحسين البصري (٤٠٤/٢)، والمحصول للرازي (١/ ٢٠١). (٣) ليس في: الأصل. بعده في (م): ((حق)). (٤) (٥) في (ح): ((فنرجوا)). (٦) لیس في: (ح). في (ش): ((فأما)). (٧) الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢١٩ = الحديث الثالث وعنهُ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((إنَّ اللهَ رَتْ قال: إذَا تَلَّقَّانِي عَبدِي بِشِيرٍ: تَلَقَّيته بِذِرَاعٍ، وإِذَا تَلَقَّانِي بِذِرَاعٍ: تَلَّقَيته بِبَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ: اتیته بِأُسرَعَ)). لَم يَذكُر البخاريُّ: ((وإِذَا تَلَقَّانِي)» الثَّالِئَةَ. وَذَكَرَ في مَوضِعٍ: ((وإن أَتَانِي يَمِشِي أَتَيْتِه هَرولَةً)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: قال الخَطَّابي(١): هذا مَثَلٌ، و(٢) مَعنَاهُ: حُسنُ القَبولِ ومُضَاعَفَةٍ الثَّوابِ على قَدرِ العَمَلِ الذي يَتَقَرَّبُ به العَبدُ إلى رَبِهِ، حَتَّى يَكُونَ ذلك مُمَثَّلًا بِفِعلِ مَن أقبَلَ نَحو صَاحِبِه قَدرَ شِبرٍ فَاستَقِبَلَهُ صَاحِبُهُ ذِرَاعًا، وكَمَن مَشَى إِلَيه فَهَرولَ إلَيه صَاحِبُهُ قَبَولًا لَهُ وزِيَادَةً في إكرَامِهِ. وقَد يَكُونُ مَعْنَاهُ(٣) : التَّوفيقَ لَهُ والتَّيسِيرَ لِلعَمَلِ الذي يُقَرِّبُهُ(٤) مِنْهُ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٥): قِيلَ: يَجُوزُ أن يَكُونَ مَعنَى مَن تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِيرًا؛ أي: بِالقَصدِ والنِّيَّةِ، قَرَّبته تَوفيقًا وتَيسِيرًا ذِرَاعًا، وإن تَقَرَّبَ (٦) بِالعَزمِ والاجتِهَادِ ذِرَاعًا: قَرَّبته بِالهِدَايَةِ والرِّعَايَةِ بَاعًا، وإن(٧) أتَانِي مُعرِضًا عَمَّن سِوايَ مُقْبِلًا إِلَيَّ، أدنَيتُهُ وحُلت بَيْنَهُ وبَيْنَ كُلِّ قَاطِعِ وسَبَقَت به كُلَّ مَانِعِ وهُو مَعنَى الْهَرولَةِ. وقال النَّووِيُّ(٨): هذا من أحَادِيثِ الصِّفَاتِ، ويَستَحِيلُ إِرَادَةُ ظَاهرِهِ، (١) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢٣٥٨/٤). (٢) ليس في: (ش). (٣) في (ش): ((معنى)). (٥) إكمال المعلم (١٧٤/٨). (٦) في (ك٢، ح): ((يقرب)). (٤) بعده في (م): ((إلى)). وهو موافق لما في إكمال المعلم. (٧) في (ك٢، ح): ((وإذا)). شرح النووي على مسلم (٣/١٧، ٤). (٨) = ٢٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ومَعنَاهُ: مَن تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِطَاعَتِي تَقَرَّبتُ إلَيه بِرَحمَتِي والتَّوفيقِ والإعَانَةِ، وإن زَادَ زِدتُ، وإن أتَانِي يَمْشِي وأسرَعَ في طَاعَتِي أَتَيْتُهُ هَرولَةً؛ أي: صَبَبتُ عَلَيه الرَّحمَةَ وسَبَقته بها، ولَم أحوِجُهُ إلى المَشي(١) الكَثِيرِ في الوُصُولِ إلى المَقْصُودِ، والمُرَادُ: أنَّ جَزَاءَهُ يَكُونُ تَضعِيفُهُ على حَسَبٍ تَقَرُّبِه (٢). ■ الثَّانِيَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣): فَإِن قِيلَ: مُقْتَضَى (٢٣٦/٨م) ظَاهرِ هذا الخِطَابِ أنَّ مَن عَمِلَ حَسَنَّةً جُوزِيَ بِمِثْلِهَا؛ فَإِنَّ الذِّرَاعَ شِبْرَانِ والبَاعَ ذِرَاعَانِ، وفي الكِتَابِ والسُّنَّةِ أنَّ أَقَلَّ مَا يُجَازَى على الحَسَنَةِ بِعَشرِ أمْثَالِهَا إلى سَبِعِمِائَةٍ ضِعفٍ، (٤إلى أضعَاف٤ٍ) كَثِيرَةٍ لَا تُحصَى، فَكَيفَ وجهُ(٥) الجَمعِ؟ قُلنا(٦): هذا الحديثُ مَا سِيقَ (٧) لِبَيَانِ مِقِدَارِ الأجُورِ وعَدَدِ تَضَاعِيفِهَا، وإنَّمَا سِيقَ (٨) لِتَحِقِيقِ أنَّ اللهَ تَعَالى لَا يُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ قَلِيلًا كَانَ أو كَثِيرًا، وأنَّ اللهَ تعالى يُسرِعُ إلى قَبولِه وإلى مُضَاعَفَةِ الثَّوابِ عَلَيه إسرَاعَ (٩) مَن جِيءَ إلَيه بِشَيءٍ فَبَادَرَ لِأخذِهِ، وتَبَشبَشَ لَهُ بَشبَشَةَ مَن سُرَّ به ووقَعَ منهُ المَوقِعَ، أَلَا (١٠) تَرَى قَولَهُ: ((ومَن (١١) أَثَانِي يَمْشِي أَتَيته هَرولَةً))، وفي لَفِظٍ آخَرَ: ((أسرَعتُ إلَيه))، ولَا تَتَقَدَّرُ الهَرولَةُ والإسرَاعُ بِضِعفَي المَشئٍ. وأمَّا عَدَدُ الأضعَافِ فَيُؤْخَذُ(١٢) من مَوضِع آخَرَ، لَا من هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ. في (٢٥، ح): ((السير)). (١) (٢) في هذه التأويلات نظر. ينظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١٠١/٦ - ١٠٤). (٣) المفهم (٨/٧، ٩). (٤ - ٤) ليس في: (ح). (٥) في (م): «بو جه)). (٦) في (م): ((قلت)). (٧) في (ك٢، ح): ((سبق)). (٨) في (ش): ((سبق). (٩) في (ك٢، ح): ((أسرع)). (١٠) في (م): ((بوجه)). (١١) في الأصل، (م): ((وإن)). (١٢) في (ك٢، ح، ش): ((فتؤخذ)).