Indexed OCR Text

Pages 61-80

=
٦١
أبوابُ الأدَبِ
التَّقصِيرِ في حَقِّ ذِي الحَقِّ ونَحوِ هَذَا، ويَدُلُّ عليه ما ذَكَرنَاه عن الجُنَيدِ نَظُّهُ .
والله أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: قال بَعضُهم (١): هَذَا الحديثُ يَقتَضِي الحَضَّ على الامتِنَاعِ
من مَقَابِحٍ (٢) الأمُورِ ورَذَائِلِها، وكُلّ مَا يَحتاجُ إلى الاستِحيَاءِ من فِعِلِه والاعتِذَارِ
منه(٣).
وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٤) وغَيرِهِ، عن أبي(٥) مَسعُودِ البَدرِيِّ: أنَّه عليه
(١٤٨/٨م) الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال: ((إِذَا لَم تَستَحِي(٦) فَاصنَع ما شِئْت)).
ورَوى الترمذيُّ(٧) [عن ابنِ مَسعُودٍ: أَنَّ رسولَ اللهِوَو](٨) قال: ((استَحيُوا
من الله حَقَّ الحَيَاءِ. قُلْنَا: يَا رسولَ الله إنَّا لَنَستَحِيَ والحَمدُ لِلّه. قال: لَيسَ ذَاكَ،
ولَكِنَّ الاستِحيَاءَ من الله حَقَّ الحَيَاءِ: أن تَحفَظَ الرَّأْسَ وما وعَى، وتَحفَظَ البَطْنَ
وما حَوى، ولتَذكُر المَوتَ والبِلى(٩)، ومَن أَرَادَ الآخِرَةَ تَرََكَ زِينَةَ الدُّنيَا، فَمَن فَعَلَ
ذلك فَقَد استَحبًا من الله حَقَّ الحَيَاءِ)). قال الترمذيُّ: إنَّما نَعرِفُه من هَذَا
الوجه(١٠)، والله أعلم.
(١) شرح ابن بطال على البخاري (٧٦/١)، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري
(١٧٧/١).
(٢) في (م): ((قبائح)).
(٤)
البخاري (٣٤٨٣).
(٦)
في (م): (تستح)).
(٨) مكان ما بين المعكوفين في (ك٢، ح): ((أنه عليه الصلاة والسلام)).
(٩) في الأصل: ((والبلوى)).
(٣) في (م): ((عنه)) .
(٥) في الأصل، (ك٢، ح): ((ابن)).
(٧) الترمذي (٢٤٥٨).
(١٠) ينظر: تحفة الأشراف (١٣٩/٧)، والمسند الجامع (٢١٥/١٢).

=
٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الأسماءُ
(١الحديثُ الأول١ُ)
عن هَمام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِهِ: ((أغيَظُ رَجُل
على اللّهِ يَومَ القَّيَامَةِ وأخبَثُه وأغيَظُه(٢) عليه: رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى(٣) مَلِكَ
الأملَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّ اللّهُ).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه مسلمٌ(٤) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ.
وأخرجه الشيخانِ، وأبو دَاوُد، والترمذيُّ(٥) من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةً.
والبخاريُّ(٦) وحدَه (٧) من طَرِيقٍ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ؛ كِلَاهما، عن
أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هرَيرَةَ، بِلَفِظِ: ((إنَّ أختَعَ اسم عِندَ الله، رَجُلٌ
تَسَمَى (٨) مَلِكَ الأملَاكِ، لَا مالِك (٩) إِلََّ اللهُ). قال سُفيَانُ: مِثْلُ شَاهان شَاه. وقال
أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: سألتُ أبَا عَمرٍو (١٠) عن أخنَعَ، فقال: أوضَعَ. لَفظُ مسلمٍ، ولَم
يَذْكُر البخاريُّ، وأبو دَاوُد، والترمذيُّ ما بَعدَ قَولِهِ: ((الأملَاكِ)).
(١ - ١) بياض في (ش).
(٢) بعده في (ح): ((رجل)).
(٣) في (ك٢، ح، م): ((تَسمى)).
(٤) مسلم (٢١/٢١٤٣).
ليس في: (ش)، والحديث عند البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢٠/٢١٤٣)، وأبو داود
(٥)
(٤٩٦١)، والترمذي (٢٨٣٧).
(٦) البخاري (٦٢٠٥).
(٨) في (ش): ((يسمى)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((عمر)).
(٧) في (ح): ((وهذه)).
(٩) في (م): ((ملك)).

الأسماء
٦٣
=
وقال أبو دَاوُد، والترمذيُّ: ((يَومَ القِيَامَةِ)). إلَّا أنَّ في رِوايَةِ البخاريِّ: قال
سُفيَانُ: يقَولُ(١) غَيرِه(٢): شَاهان شَاه.
وفي رِوايَةِ الترمذيِّ: قال سُفيَانُ: شَاهان شَاه، ثُمَّ (١٤٩/٨م) قال الترمذيُّ:
وأخنع(٣): يَعِي : أُقْبَحُ.
ولَفظُ البخاريِّ؛ من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ: ((أخنَى(٤) الأسماءِ يَومَ
القِيَامَةِ عِندَ الله، رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ(٥) الأملَاكِ)).
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: «أغيَظُ رَجُلٍ على الله يَومَ القِيَامَةِ، [وأخبثه، وأغيظه
عليه]))(٦).
قال القَاضِي عِيَاضٌ والنَّووِيُّ(٧): كَذَا وقَعَ في جَمِيعِ النُّسَخِ بِتَكَرِيرِ أغيَظَ،
قال القَاضِي(٨): لَيسَ تَكرِيرُه وجهَ الكَلامِ.
قال: وفيه وهمٌّ من بَعضِ الرُّواةِ بِتَكرِيرِهِ أو تَغییرِه.
قال: وقال بَعضُ الشُّيُوخ(٩): لَعَلَّ أحَدَهما: أغنَطُ (١٠) بِالنُّونِ والطَّاءِ المُهمَلَةِ؛
أي: أشَدُّه عليه. والغَنَطُ شِدَّةُ الكَربِ، وكِلَا اللفظَينِ مُشكِلُ المَعنَى، [وحَكَاه عنه
النَّووِيُّ(١١)، ولَم يَعتَرِضْه إلَّا أنَّه لَم يَذْكُر قَولَه: وكِلا اللفظَينِ مُشْكِلُ المَعنَى](١٢).
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٣): ذَهَبَ بَعضُ العُلَماءِ إلى أنَّ ذلك [٢٥٦/٢ و]
وهمٌّ، والصَّوابُ: أغنَطَ، بِالُّونِ والطَّاءِ المُهمَلَةِ.
قال القُرطُبي (١٤): والصَّوابُ التَّمَسُّكُ بِالرِّوايَةِ، وتَطرِيقُ (١٥) الوهمِ لِلأئمَّةِ
(١) في (م): ((فقول)).
(٣) في الأصل، (م): ((وأحرج)).
(٥)
في (٢٤، ح): ((بملك)).
(٧)
إكمال المعلم (١٩/٧)، وشرح النووي على مسلم (١٢١/١٤).
(٨)
إكمال المعلم (١٩/٧).
(٩) هو القاضي أبو الوليد الكناني، كما في المشارق (١٤٣/٢).
(١٠) في (ك٢): ((أعنط)).
(١١) شرح النووي على مسلم (١٢١/١٤).
(١٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(١٣) المفهم (٤٥٤/٥).
(١٤) المفهم (٤٥٤/٥، ٤٥٥).
(٢) في (ك٢، ح): (عرة)).
(٤) في (ك٢، ح): ((أحفا)).
(٦) ما بين المعكوفين، ليس في: (م).
(١٥) في (ش): ((وبطريق)).

=
٦٤
S
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحُفَّاظِ وهمٌّ لَا يَنْبَغِي المُبَادَرَةُ إلَيه، ما وُجِدَ لِلكُلَامِ وجهٌ، ويُمكِنُ أن يُحمَلَ على
إِفَادَةِ تَكَرَارِ العُقُوبَةِ(١) على المُسَمَّى بِذلك الاسم، وتَعِظِيمُها، كما قال تعالى في
حَقِّ اليهودِ ﴿فَبَلْمُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]؛ أي: بِما يُوجِبُ العُقُوبَةَ بَعدَ
العُقُوبَةِ، وكذلك(٢) فَعَلَ الله بِهِم عَاقَبَهم في الدُّنَا بِأنواعٍ من العُقُوبَاتِ ولَعَذَابُ
الآخِرَةِ أشق(٣) .
قال(٤): وحَاصِلُ هَذَا الحديثِ أنَّ المُسَمَّى بِهَذَا الإِسمِ قَد انتَهَى من الكِبرِ
إلى الغَايَةِ التي لَا تَنبَغِي لِمَخْلُوقٍ، وأنَّه قَد تعاطى ما هو خَاصٌّ بِالإِلَه الحَقِّ؛ إذ لَا
يَصدُقُ هَذَا الإِسمُ بِالحَقِيقَةِ إِلَّ على الله تعالى؛ فَعُوقِبَ على ذلك من الإذلَالِ(٥)
والإخسَاسِ(٦) والاستِذَالِ بِما لَم (٧) يُعَاقَب بِهِ أحَدٌ من المَخلُوقِينَ. انتَهَى.
■ الثَّالِثَةُ: قال المازَرِيُّ(٨): أغيَظُ هنَا مَصرُوفٌ عن (٩) ظَاهرِه، والله ◌َ
لَا يُوصَفُ بِالغَيظِ، فَيُتَأولُ(١٠) هنَا الغَيظُ (١١) على الغَضَبِ، وسَبَقَ شَرحُ مَعنَى
الغَضَبِ والرَّحمَةِ في حَقِّ الله سبحانه تعالى(١٢).
■ الرَّابِعَةُ: وأما قَولُه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((أخنَعُ اسم عِندَ الله)). فَهو
بِالخَاءِ المُعجَمَةِ، والنُّونِ والعَينِ المُهمَلَةِ، وهو في ((الصَّحِيحَينِ)، وإن كَانَ لَفظُ
الشَّيخ تَتُهُ في ((النُّسَخَةِ الكُبرَى)) يَقْتَضِي أنَّه عِندَ البخاريِّ فَقَطِ، وقَد عَرَفتَ
أنَّ(١٣) في (صَحِيحِ مسلم))، عن أبي عَمرٍو (١٤): أنَّه بِمَعنَى: أوضَعَ، وأبو عَمرٍو
بعده في (م): ((بعد العقوبة)).
(١)
في (م): «أخزى)).
(٣)
(٢) في (ح): ((ولذلك)).
(٤) في (ح): ((وقال)).
في (ح): («الإدلال)).
(٥)
(٦) في (ح): ((والإحساس)).
(٧)
ليست في (ش).
(٨) المعلم (٢٤٤/٢).
(١٠) في (ش): ((فتناول)).
(٩) في (٢٤، ح): ((على)).
(١١) ليست في (ح).
(١٢) المترجح من مذهب أهل السُّنّة والجماعة، أن تمرر الصفات كما جاءت على ظواهرها، وأن
تثبت على الوجه الذي یلیق بجلال الله تعالی وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل.
ينظر: عقيدة الإمام أحمد، رواية أبي بكر الخلال (ص١٢٧) ط دار قتيبة دمشق،
والحجة في بيان المحجة (٤٤٧/١)، والعرش للإمام الذهبي (٢١٤/١).
(١٣) في (م): ((أنه)).
(١٤) في (ش): ((عمر)).

الأسماء
٦٥
=
هَذَا هو : إسحَاقُ بنُ مِرَارٍ (١) بِكَسرِ المِيم، على وزنِ قِتَالٍ، وقِيلَ: مَرَّارٌ بِفَتحِها
وتَشدِيدِ الرَّاءِ؛ كعَمارٍ، وقِيلَ: بِفَتحِها وتَخفيفِ الرَّاءِ كَغَزَالٍ(٢) .
قال النَّووِيُّ(٣): وهو (٨/ ١٥٠م) أبو عَمرِو اللُّغَوِيُّ النَّحوِيُّ المَشهورُ، وَلَيسَ
بِأبِي عَمرِو الشَّيَانِيٌّ، ذَاكَ(٤) تَابِعِيٍّ تُوفي(٥) قَبلَ وِلَادَةِ أحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.
قُلتُ: هَذِهِ عِبَارَةٌ مُوهمَةٌ، تُوهمُ أنَّه أبو عَمرِو ابنِ العَلَاءِ (٦)، ولَيسَ كذلك.
بَل [أبو عمرو بن العلاءِ شيخه، وتُوهم أنَّ هذا اللُّغوي ليس شَيبانيًّا، وليس
كذلك، بل](٧) هو مَشهورٌ بِأبِي عَمرٍو الشَّيبَانِيِّ أيضًا، إلّا أنَّ بَعضَهم قال: لَم
يَكُن شَيْبَانِيًّا، ولَكِنَّه كَانَ مُؤَدِّبًا لِأولَادِ نَاسٍ من بَنِي شَيْبَان، فَنُسِبَ إلَيهم،
واللهُ أعلمُ.
وقَد عَرَفتَ أنَّ الترمذيَّ فَسَّرَ أخنَعَ: بِأقبَحَ. قال النَّووِيُّ(٨): وهَذَا التَّفسِيرُ
الذي فَسَّرَه أبو عَمرٍو مَشهورٌ عنه وعن غَيرِهِ، قَالُوا (٩): ومَعنَاه: أشَدُّ ذُلَّا وصَغَارًا
يَومَ القِيَامَةِ(١٠)، والمُرَادُ: صَاحِبُ الاسم، ويدُلُّ عليه الرِّوايَةُ الأخرَى أغيَظُ رَجُلٍ .
قال القَاضِي عِيَاضٌ(١١): وقَد يُستَدَلُّ بِه على أنَّ الاسمَ هو المُسَمَّى، وفيه
الخِلَافُ المَشهورُ. وقِيلَ: أخنَعُ بِمَعنَى أفجَرُ، يُقَالُ: خَنَعَ الرَّجُلُ إلى المَرأةِ،
والمَرأةُ إلَيه؛ أي: دَعَاها إلى الفُجُورِ، وهو (١٢) بِمَعنَى: أخبَثَ(١٣)؛ أي: أكذَبَ
الأسماءِ، وفي رِوايَةٍ لِلبخاريّ(١٤) أخنَى(١٥). قال الخَطَّابي (١٦): إن كَانَ مَحفُوظًا،
(١) في (ك٢): ((مزاد)).
(٢) في (ك٢، ح): ((الغزال)).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢٢/١٤). وينظر: تهذيب الكمال (١٣٤/٣٤)، ومعجم
الأدباء (٦٢٥/٢).
في (ك٢، ح): ((ذلك)).
(٤)
(٦)
بعده في (م): ((شيخه، وتُوهم أن هذا اللغوي ليس شيبانِيًا)).
(٧)
ليس في: (م).
(٩)
في (ح): ((بالواو)).
(١١) إكمال المعلم (١٨/٧).
(١٣) في (ح): ((أخيف)).
(١٥) في (ح): ((أحيى)).
(٥) في الأصل، (م): ((كوفي)).
(٨) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢١).
(١٠) في (ح): ((القيمة)).
(١٢) في (ك٢، ح): ((وهذا)).
(١٤) في (ش): ((البخاري)).
(١٦) أعلام الحديث (٢٢١٦/٣).

=
٦٦
ـ
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَمَعنَاه: أفحَشُ(١) [الأسماءِ، وأقبَحُها من الخَنَا، وهو الفُحشُ.
وقال النَّووِيُّ(٢): هو بِمَعنَى ما سَبَقَ أي أفحَشَ](٣) وأفجَرَ والخَنَا:
الفُحشُ(٤). قال: وقَد يَكُونُ بِمَعنَى: أهلَكَ لِصَاحِبِهِ المُسَمَّى بِهِ، والإختَاءُ:
الهلَاكُ(٥) يُقَالُ: أخنَى عليه الدَّهرُ؛ أي: أهلَكَه. قال أبو عُبَيدٍ (٦): ورُوِيَ:
أنخَعُ(٧)؛ أي: أقتَلُ، والنَّخْعُ(٨): القَتلُ الشَّدِيدُ. انتَهَى.
■ الخَامِسَةُ(٩): قَولُه: ((رَجُلٌ كَانَ تَسَمَّى))(١٠). كَذَا ضَبَطْنَاه بِالتَّاءِ المُثَنَّاةِ
من فَوقُ المَفتُوحَةِ؛ أي: هو الذي سَمَّى نَفسَه بِذلك، وهو (١١) أبلَغُ في الذَّمّ من
أن يُسَمِّيَه غَيرُه بِذلك ويَرضَى هو بِتِلكَ الَّسمِيَةِ، وإن كَانَ مَذمُومًا أيضًا بِرِضَاه
بِذلك، أما لَو كَانَت التسمية (١٢) من غَيرِهِ ولا رضى(١٣) منه(١٤) فَلَا إثمَ عليه
بِذلك. وقَولُه: ((مَلْك)). بِكَسرِ اللام والأملَاكِ جَمعُه. قال في ((الصِّحَاحِ))(١٥): هو
مَلِيكٌ، ومَلكٌ، [٢٥٦/٢ظ] ومَلِكٌ، مِثلَ: فَخِذٍ، وفَخِذٍ، كَأنَّ المَلكَ مُخَفَّفٌ(١٦)
من مَلِكِ، والمَلِكُ مَقصُورٌ من مالِكِ، أو مَلِيكِ، والجَمعُ: المُلُوكُ، والأملَاكُ،
والإِسمُ: المُلكُ، والمَوضِعُ: مَملَكَةٌ. انتَهَى.
■ السَّادِسَةُ: قَولُه: ((لَا مَلِكَ إلَّا الله)) كَذَا في رِوايَتِنَا، ورِوايَةٍ مسلمٍ من
الطَّرِيقِ الأولى، وفي الرِّوايَةِ(١٧) من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: ((لَا مالِكَ إلَّا الله))، والمَلِّكُ:
(١) بعده في (ش): ((وأفخر، والخنا: الفحش)).
شرح النووي على مسلم (١٢١/١٤)، وينظر: إكمال المعلم (١٨/٧).
(٢)
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح، ش).
(٤)
في (ك٢، ح): ((أفحش)). وفي (ش): ((والفحش)).
(٥)
في (م): ((الإهلاك)).
(٧) في (ش): ((أبخع)).
(٩) بياض في (ش).
(١١) في (ش): ((وهذا)).
(١٣) في (م): ((یرضى)).
(٦) غريب الحديث (١٧/٢).
(٨) في (ح، ش): ((والبخع)).
(١٠) في (ش): ((یسمی).
(١٢) ليست في (م).
(١٤) في (م): ((منه)).
(١٥) الصحاح للجوهري (١٦١٠/٤).
(١٦) في (ك٢): ((مخففة)). وفي (ح): ((فخفف)).
(١٧) في (ك٢، ح، ش): ((روايته)).

الأسماء
٦٧
=
مَن لَه المُلكُ بِضَمِّ المِيم، والمالِكُ: مَن لَه المِلكُ بِكَسرِها(١)، والمَلِكُ
أمدَحُ، والمالِكُ أخَصُّ، وكِلَاهما واجِبٌ لله تعالى، وفي التَّنزِيلِ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ
[الفاتحة: ٤] وقَرَأْ عَاصِمٌ والكِسَائِيُّ ((مالِكِ)) (١٥١/٨م) بِالألِفِ(٢).
٤
الدّينِ
■ السَّابِعَةُ(٣): قَولُ(٤) سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ مِثلَ ((شَاهان شَاه))، هو بِالفَارِسِيَّةِ
بِمَعنَى: مَلِكِ الأملَاكِ، وما كَانَ أغنَاه عن تَفسِيرِ (٥) العَرَبِيةِ بِالعَجَمِيَّةِ، وكَأنَّه إنَّما
فَعَلَ ذلك لاشتِهِارِ هَذَا(٦) اللفظِ بَينَ مُلُوكِ العَجَم. وقَد حُكِيَ عن عَضُدِ الدَّولَةِ
ابنِ بويه(٧) أنَّه سَمَّى نَفسَه (٨) مَلِكَ الأملَاكِ، [وقال في شِعرٍ لَه:
مَلِكُ الأملَاكِ](٩) غَلَّبُ القَدَر(١٠)
(٨) هَلَكَ عَّ سُلْطَنِيَةْ
٢٩
فَكَانَ عِندَ(١١) مَوتِه يُنَادِي: ﴿مَآ أَغْنَى عَنِّ مَاِيَّةٌ
[الحاقة: ٢٨، ٢٩].
والواقِعُ في نُسَخِ البخاريِّ، ومسلمٍ: ما ذَكَرته من ((شَاهان شَاه)).
قال القَاضِي عِيَاضٌ(١٢): ووقَعَ في رِوايَةٍ: شَاءٍ شَاه، قال: وزَعَمَ بَعضُهم
أنَّ الأصوبَ: شَاهٍ شَاهان، وكَذَا جَاءَ في بَعضِ الأخبَارِ في كِسرَى، قَالُوا:
(١) في (ك٢، ح): ((بكسر)).
(٢) النشر (٢١٣/١).
(٣)
بياض في (ش).
في (ك٢، ح): ((قوله)).
(٤)
(٥)
ليست في (ش).
في (ك٢، ح، م): ((ذلك)).
(٦)
عضد الدولة فَنَّا خُسْرُو بن حسن بن بويه الديلمي، صاحب العراق وفارس، ابن السلطان
(٧)
ركن الدولة حسن بن بويه الديلمي. (ت٣٧٢هـ)، ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٤٩/١٦).
(٨) في (ش): ((بنفسه)).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح).
(١٠) صدر البيت: عضد الدولة وابن ركنها. ينظر: نهاية الأرب (٢٢/٢٦)، وخزانة الأدب
(١٩/٢)، وسير أعلام النبلاء (٢٥٠/١٦).
(١١) ليست في (ش).
(١٢) إكمال المعلم (١٩/٧، ٢٠).

=
٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وشَاهٍ (١): مَلِكُ(٢)، وشَاهان المُلُوكُ، وَكَذَا يَقُولُونَ لِقَاضِي القُضَاةِ موبذ
موبذان(٣).
قال القَاضِي: ولا يُنكَرُ صِحَّةُ ما جَاءَت بِهِ الرِّوايَةُ؛ لِأَنَّ كَلَامَ العَجَمِ مَبنِيٍّ
على التَّقْدِيمِ والتَّخِيرِ، في المُضَافِ والمُضَافِ إلَيهِ، فَيَقُولُونَ في غُلَامِ زَيدٍ : زَيدِ
غُلَامُ، فَهَذَا أكثَرُ كَلَامِهِم، فَرِوايَةُ مسلمٍ صَحِيحَةٌ. انتَهَى.
■ الثَّامنةُ: فيه تَحرِيمُ الَّسَمِّي بِهَذَا الإِسمِ، سَواءٌ كَانَ بِالعَرَبيةِ أو
بِالعَجَمِيَّةِ لِتَرَتِيبِهِ(٤) هَذَا الوعِيدَ الشَّدِيدَ عليه، ودَلَالَتِهِ على أنَّ غَضَبَ الله تعالى
على المُسَمَّى(٥) بِهِ أشَدُّ من غَضَبِهِ على غَيرِه.
■ التَّاسِعَةُ: ويلتحِقُ (٦) بِه التَّسَمِّي بِأسماءِ الله تعالى المُختَصَّةِ بِهِ؛
كالرَّحمَنِ والقُدُّوسِ والمُهَيمن وخَالِقِ الخَلقِ ونَحوِها .
■ العَاشِرَةُ(٧): استَنِبَطَ منه (٨) بَعضُهم: تَحرِيمَ أن يُقال لِلإِنسَانِ: أَقْضَى
القُضَاةِ (٩ وقاضي القضاة٩)؛ لأنَّه في مَعنَاه. وسَمِعتُ والِدِي تَخْتُهُ يَحكِي عن
شَيخِنَا قَاضِي القُضَاةِ عِزِّ الدِّينِ ابنِ جَمَاعَةَ دَُّهُ: أنَّه رَأى والِدَه في النَّومِ، فقال
لَه: ما كَانَ عَلَيَّ أضَرُّ من هَذَا الاسم؛ يعني: قَاضِي القُضَاةِ، فَلِذلك مَنَعَ
المُوقِّعِينَ أن يَكتُبوا لَه في التَّسجِيلَاتِ الحُكمِيَّةِ: قَاضِي القُضَاةِ، وأمَرَهم ألَّ
(١)
في (م): ((شاهٍ)).
(٢)
في (ك٢، ح): ((الملك)).
(٣) في الأصل: ((موند موندان)). وفي (م): ((موزو مندان)). وينظر: إكمال المعلم (٧/ ٢٠)،
وشرح النووي على مسلم (١٢٢/١٤)، ومفاتيح العلوم (ص١٣٨)، والنهاية في غريب
الحديث (٣٦٩/٤).
في (ك٢، ح): ((لترتب)). وفي (م): (الترتيب)).
(٤)
(٥) في (ك٢، ح، ش): ((المتسمی)).
في (م): ((ويلحق)).
(٦)
بياض في (ش).
(٧)
(٨) ليس في: (ك٢، ح، ش).
(٩ - ٩) ليس في: الأصل، (م).

الأسماء
٦٩
=
يَكتُبُوا إِلَّا قَاضِيَ المسلمِينَ، واستَمَرَّ هَذَا إلى اليَومِ. وهو حَسَنٌ، وفي الِلَادِ
المغْربيّةِ (١) يُكتَبُ لِأكبَرِ القُضَاةِ: قَاضِي الجَماعَةِ، ولَا بَأسَ بِذلك، ويُقَالُ في
اليَمَنِ: قَاضِي الأقضِيَةِ، ولَا قُبحَ فيه أيضًا. وقال الزَّمَخشَرِيّ المُفَسِّرُ(٢) في قَوله
تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَعَّكُمُ الْكِينَ﴾ [هود: ٤٥]؛ أي: أعلَمُ الحُكَّام وأعدَلُهم؛ إذ لَا
فَضلَ لِحَاكِمِ على غَيرِهِ إِلَّا بِالعَدلِ والعِلمِ، ورُبَّ غرِيقٍ (٣) في الجَهلِ من مُتَقَلِّدِي
زَمانِنَا، قَدَ لُقِّبَ: أقضَى (١٥٢/٨) القُضَاةِ، ومَعنَاه: أحكَمُ الحَاكِمِينَ،
فَاعتَبر واستَعبر.
وقال ابنُ المُنِيرِ (٤) في نَقدِه على الزَّمَخْشَرِيِّ: رَأى(٥) أنَّ أقضَى القُضَاةِ،
أرفَعُ من قَاضِي القُضَاةِ، والذي يُلَاحِظُونَه الآنَ في عَكسِه: أنَّ القُضَاةَ يُشَارِكُونَ
أقضَاهم في الوصفِ، وإن تَرَفَّعَ(٦) عليهم، فَتَرَفَّعُوا أن يُشَارِكَهم أحَدٌ (٧)،
فَأَفْرَدُوا رَئيسَهم بِنَعتِّهِ بِقَاضِي القُضَاةِ، الذي هو يَقضِي بَيْنَ القُضَاةِ وَلَا يُشَارِكُه
أحَدٌ في وصفِه، وجَعَلُوا أقضَى الفُضَاةِ يَلِيه في الرُّتَبَةِ(٨)، وقَد أطلَقَ عليه
الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أقضَى القُضَاةِ قال ◌َ: ((أقضَاكُم عَلِيٍّ)) (٩). فَلَا حَرج أن يُطلَقَ
على أعدَلِ قُضَاةِ الزَّمانِ، أو الإقلِيمِ(١٠)، أو أعلَمِهم. أقضَى القُضَاةِ [٢٥٧/٢و]
(١) في الأصل، (م): ((الغربية)). وفي (ك٢، ح): ((العربية)).
(٢) تفسير الزمخشري مع حواشيه (٣٩٨/٢، ٢٩٩).
(٣)
في الأصل، (م): ((عريق)).
حواشي ابن المُنِير على تفسير الكشاف (٣٩٨/٢).
(٤)
لیست في (ك٢، ح).
(٥)
في (ك٢، ح): ((يرفع)).
(٦)
(٧)
في (٢٤، ح): ((أعقد)».
(٨)
في الأصل، (م): ((المرتبة)).
(٩) أخرجه ابن ماجه (١٥٤) من حديث أنس رُه مرفوعًا، بلفظ: ((وأقضاهم علي)).
وقد أُعلّ بالإرسال، ينظر: المقاصد الحسنة (١٤٢)، وكشف الخفا (١٠٨/١)، وتنزيه
الشريعة (١٦/٢)، وأحاديث معلة ظاهرها الصحة (٤٤).
(١٠) في (ح): ((وإلا قلتم)).

=
٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقَاضِي القُضَاةِ؛ أي: في زَمَنِهِ وبَلَدِهِ، قال الشَّاعِرُ(١):
وكُلُّ قَرِنٍ نَاجِم في زَمَنٍ فَهو شَبيه(٢) زَمَنِ فيه بَدَا
وقال العَلَمُ العِرَاقِيُّ(٣): الصَّوابُ ما ذَكَرَه(٤) الزَّمَخْشَرِيُّ من مَنعِ الاتِّصَافِ
بِأقضَى القُضَاةِ، [لأِنَّه في مَعنَى أحكْمِ الحَاكِمِينَ، وقَولُ ابنِ المُنِيرِ: إنَّ عَلِيًّا
قِيلَ في حَقِّه: أقضَى القُضَاةِ](٥)، لَيسَ بِجِيدٍ (٦)، فَإِنَّ التَّفْضِيلَ(٧) في حَقِّ عَلِيٍّ وَقَعَ
على قَومٍ مُخَاطَبينَ بِالْكَافِ والمِيمِ في قَولِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((أُقضَاكُم عَلِيٍّ»،
والشَّهادَةُ لَه بِذلك مِمَّن لَا يَنطِقُ عن الهَوى، إن هو إلَّا وحيٌ يُوحَى.
وأما إطلاقُ التَّفْضِيلِ على كُلِّ مَن (٨) يَحكُمُ بِالألِفِ واللام، وقَد قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ،﴾ [النمل: ٧٨] وقال: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ [الحجر: ٦٦]،
وقال: ﴿وَقَضَى رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى غَيرِ ذلك مِما لَا يُحصَى، فَيَجِبُ اجتِنَابُه،
والأدَبُ مَعَ الله تعالى فيما وصَفَ بِهِ نَفسَه من الصِّفَاتِ، ألّا يُدعَى أَحَدٌ (٩ إلى
فَضِيلَة٩ٍ)، والتَّقَدُّم فيها لِما فيها من الجُرأةِ وسُوءِ الأدَبِ، ولَا عِبرَةَ بِقَولِ مَن ولِيَ
القَضَاءَ مَرَّةً ونُعِتَ بِذلك، ولََّ(١٠) فِي سَمِعِه، فَتَحَيَّلَ(١١) لِنَفْسِه في إجَازَةِ إطلَاقٍ
ذلك، فَإِنَّ الحَقَّ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ، واللهُ أعلَمُ.
(١) البيت لابن دريد الأزدي، ينظر: أمالي المرزوقي (ص٣١٦).
(٢) بعده في (م): ((في)).
(٣) العَلَم العراقي عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري. كان إمامًا فاضلاً في فنون كثيرة،
خصوصًا التفسير، صنف الإنصاف في مسائل الخلاف بين الزمخشري وابن المنير
(ت٧٠٤هـ). ينظر: حسن المحاضرة (٤٢١/١)، وطبقات الشافعية الكبرى (٩٥/١٠).
(٤) في (٢٥): ((قاله)). وفي (ح): ((قال)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٦)
في (م): ((بمجید)).
(٧) في (ش): ((التفصيل)).
(٨) في (ك٢، ح): ((مره).
(٩ - ٩) في (ك٢): ((إلا فصلته)). وفي (ح): ((إلا فضلته)). وفي (ش): ((إلا فضلية)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((وله)). وفي (ش، م): ((ولد)).
(١١) في الأصل: ((فتخيل)). وفي (ح): ((فيحيل)).

الأسماء
٧١
=
الحديثُ الثَّانِي
جَ وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَم يُسَمَّ خَضِرٌ(١) إلَّا أنَّ جَلَسَ على
فَروةٍ بَيضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهتَزُّ خَضرَاءَ)). الفَروةُ: الحَشِيشُ الأبْيَضُ وما أشَبَهَه.
قال(٢) عَبدُ الله(٣) بنُ أحمَدَ: (١٥٣/٨) أَظُنُّ هَذَا تَفسِيرًا من عَبدِ الرَّزَّاقِ.
رواه البخاريُّ.
فيه فوائدُ(٤):
■ الأولى: أخرجه من هَذَا الوجه: الترمذيُّ(٥) عن يَحيَى بنِ مُوسَى، عن
عَبدِ الرَّزَّاقِ، وقال: صَحِيحٌ غَرِيبٌ(٦).
وأخرجه البخاريُّ (٧) من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ؛ كِلَاهما، عن مَعمَرٍ،
عن هَمامٍ، عن أبي هريرَةَ. وَلَيسَ في رِوايَةٍ واحِدٍ (٨) منهما تَفْسِيرُ الفَروةِ.
( الثَّانِيَةُ: قَولُه: (لَم يُسَمَّ خَضِرٌ))(٩). كَذَا ضَبَطنَا(١٠) الفِعلَ(١١) مَبنِيًّا
لِلمَفعُولِ، وخَضِرٌ نَائبُ الفَاعِلِ (١٢) أي: لَم يُسَمَّ بِهَذَا الاسم إلَّا لِهَذَا المَعنَى،
وهَذَا يَدُلُّ على أنَّه لَقَبٌّ لُقِّبَ بِهِ، دَالٌّ على رِفِعَتِه، وأنَّ الأرضَ البَيضَاءَ بِبَرَكَتِه
تَخْضَرُّ بِمُجَرَّدٍ (١٣) جُلُوسِه عليها، واسمُه: بَلِيًّا (١٤)، بِبَاءٍ مُوحَّدَةٍ مفتوحة (١٥)، ثُمَّ
(١) في (ك٢، ح): ((خضرًا)).
(٢) في الأصل: ((وقال)).
(٣)
في (ح): ((عبد الرحمن)).
(٤)
بياض في (ش).
(٥)
الترمذي (٣١٥١).
(٦) في مطبوعة الترمذي: ((حسن صحيح غريب)). وفي تحفة الأشراف (٤١١/١٠) كما ذكره
العراقي.
(٧) البخاري (٣٤٠٢).
(٩) في (ك٢، ح): ((خضرًا)).
(١١) في (ح): ((بفعل)).
(١٣) في (ك٢، ح): (لمجرد)).
(١٥) ليست في الأصل.
(٨) في (ش): ((أحد)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((ضبطناه)).
(١٢) في الأصل: ((الفعل)).
(١٤) في (ك٢، ح): ((بن ملكان)).

٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لام ساكِنةٍ(١)، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحتَ، ابنُ مَلكَانٍ، بِفَتحِ المِيمِ، وإسكّانِ اللامِ، وقِيلَ:
كُلِيَّانِ وكُنِيَتُه: أبو العَبَّاسِ.
وقَد اختَلَفَ النَّاسُ في الخَضِرِ اختِلَافًا مُتَبَايِنًا، فَاختَلَفُوا أولًا في نَسَبِهِ، ومن
أغرَبِ ما قِيلَ في ذلك: أنَّه ابنُ آدَمَ لِصُلِهِ، وأنَّه من المَلَائِكَةِ، وقِيلَ: إِنَّه من بَنِي
إسرائيلَ، وقِيلَ: كَانَ من أبناءِ المُلُوكِ الذينَ تَزَهَّدُوا(٢) في الدُّنيا. وقال ابنُ قُتَيِبَةَ
في ((المَعَارِفِ))(٣): قال وهبُ بنُ مُنَبِّهِ: اسمُ الخَضِرِ بَلِيًّا بنُ مَلكَانِ بنِ فَالِغِ(٤) بِنِ
عابِرِ(٥) بنِ شَالَخِ(٦) بنِ أرفخشد (٧) بنِ سَامِ بنِ نُوحٍ. وذَكَرَ الثَّعلَبي(٨) ثَلَاثَةَ
أقوالٍ في أنَّ الخَضِرَ كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ وَّهَ، أَم بَعدَه بِقَلِيلٍ أم بِكَثِيرٍ،
واختُلِفَ أيضًا في نُبُوتِهِ، فالمَشهورُ(٩): أنَّه نَبِي، وحَكَاه ابنُ عَطِيَّةَ عن الجُمهورِ.
وقال القُشَيرِيُّ وكَثِيرُونَ(١٠): هو ولِيٍّ. وحَكَاه البَغَوِيّ في ((تَفسِيرِهِ))(١١) عن
أكثرِ أهلِ العِلمِ.
والذَّاهبونَ إلى نُبوتِهِ اختَلَفُوا في رِسالتِهِ، واختُلِفَ أيضًا في حَيَاتِهِ، فَكَثِيرٌ من
المُحَدِّثِينَ على وفَاتِه، واستُدِلَّ على ذلك بِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ:
((أَرَأيْتَكُمْ (١٢) لَيَلَتَكُم هَذِهِ، فَإِنَّ على رَأْسٍ مِائَةِ سَنَةٍ منها لَا يَبقَى مِمَّن هو على
ظَهرٍ(١٣) الأرضِ أحَدٌ) (١٤).
في (م): ((مكسورة)).
(١)
(٢) في (ك٢، ح): ((زهدوا)).
(٣)
المعارف (ص٤٢).
في (ك٢): ((فالح)). وفي (ح): ((فالخ)). وفي (ش): ((فالع)).
(٤)
(٥)
في (ش، ح): ((غابر)).
(٦) في (ح): ((سالح)).
(٧)
في المعارف: «أرفشخذ)».
الكشف والبيان (٧٥/٦)، والمحرر الوجيز (٥٥٧/٣)، والجواهر الحسان (٥٣٤/٣)،
(٨)
وينظر: شرح النووي على مسلم (١٣٦/١٥).
(٩) في (م): ((والمشهور)).
(١٠) شرح النووي على مسلم (١٣٦/١٥). (١١) تفسير البغوي (١٨٨/٥).
(١٢) في الأصل: ((أرأيتم)).
(١٣) ليست في (ش).
(١٤) أخرجه البخاري (١١٦)، ومسلم (٢٥٣٧) من حديث ابن عمر

الأسماء
٧٣
=
وقال(١) أبو عَمرِو ابنُ الصَّلَاحِ(٢): هو حَيٍّ عِندَ جَماهيرِ العُلَماءِ والصَّالِحِينَ
والعَامَّةِ مَعَهم في ذلك. قال: وإنَّما شَذَّ بِإِنكَارِهِ بَعضُ المُحَدِّثِينَ.
وقال النَّورِيُّ: جُمهورُ العُلَماءِ (٣) على أنَّه حَيٍّ مَوْجُودٌ بَيْنَ أظهرِنَا، وذلك
مُتَّفَقٌ عليه عِندَ الصُّوفيةِ وأهلِ الصَّلَاحِ والمَعرِفَةِ، وحِكَايَاتُهم في رُؤيَتِه،
والاجتماعِ بِهِ والأخذِ (١٥٤/٨م) عنه وسُؤَالِه وجَوابِه(٤) ووُجُودِهِ في المَواضِعِ
الشَّرِيفَةِ [٢٥٧/٢ظ]، ومَواطِنِ الخَيرِ أكثَرُ من أن تُحصَرَ، وأشهَرُ من أن تُشَهَّرَ (٥)،
قال: ويَتَأْوُلُونَ الحديثَ المُتَقَدِّمَ على (٦) أنَّه كَانَ على البَحرِ لَا على الأرضِ، أو
أنَّه عَامٌّ مَخصُوصٌ.
وقال الثَّعلَبي المُفَسِّرُ(٧): الخَضِرُ نَبِي مُعَمَّرٌ على جَمِيع الأقوالِ، مَحجُوبٌ
عن الأبصَارِ؛ يعني: عن أبصَارٍ أكثَرِ النَّاسِ. قال: وقِيلَ: إِنَّه لَا يَمُوتُ إلَّا في
آخِرِ الزَّمانِ حِينَ يُرفَعُ القُرآنُ. وصَنَّفَ أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوزِيِّ كِتَابًا في حَيَاتِهِ (٨).
■ الثَّالِثَةُ: هَذَا المَذكُورُ في الحديثِ هو الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ تَلقِيبِهِ
خَضِرًا(٩). وحَكَاه النَّووِيُّ(١٠) عن الأكثَرِينَ. ثُمَّ قال: وقِيلَ: لِأَنَّه كَانَ إِذَا صَلى،
اخضَرَّ ما حَولَه، قال: والصَّوابُ الأولُ لِهَذَا الحديثِ.
(١) بعده في (ش): ((الشيخ)).
(٢) فتاوى ابن الصلاح (١٨٥/١، ١٨٦).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣٥/١٥، ١٣٦). وهذ الخلاف الذي حكاه المصنف عن
النووي، أحكمه جمع من المحققين باستحالة حياته، ومن أبرزهم البخاري وإبراهيم
الحربي، وابن المنادي، وغيرهم.
ينظر: الموضوعات لابن الجوزي (٣٠٨/١ - ٣١١)، والمنار المنيف (ص٦٧ - ٧٦)،
والحذر من أمر الخضر ملا علي القاري، والزهر النضر في حال الخضر لابن حجر،
وشرح حال الخضر لابن الجوزي، والخضر بين الواقع والتهويل لمحمد خير رمضان
یوسف.
ليست في (ك٢، ح).
(٤)
في (ش): ((يشهر)). وفي شرح النووي: ((يستر)).
(٥)
(٦)
ليست في (ش).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٣٦/١٥).
(٨)
اسمه: عجالة المنتظر في شرح حال الخضر. ينظر: معجم الكتب لابن المبرد
(ص٧٨)، وكشف الظنون (١١٢٥/٢)، وصلة الخلف (ص٣٠٦).
(٩) في (ك٢، ح): ((خضر)).
(١٠) شرح النووي على مسلم (١٣٦/١٥).

=
٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قُلتُ: والقَولُ الثَّانِي مَحكِيٍّ عن مُجَاهدٍ (١).
■ الزَّابِعَةُ(٢): هَل هَذَا الوصفُ، وهو اخضِرَارُ ما تَحتَه بِجُلُوسِه عليه،
وقَعَ لَه مَرَّةً على سَبيلِ المُعجِزَةِ أو (٣) الكَرَامَةِ، فَلُقِّبَ بِه (٤)، أو هو وصفٌ
مُستَمِرٍّ لَه؟
لَيسَ في الحديثِ ما يَدُلُّ على استِمِرَارِهِ لَه وهو مُحتَمَلٌ.
■ الخَامِسَةُ: تَفسِيرُ الفَروةِ هَا بِأنَّها الحَشِيشُ الأبْيَضُ هو المشهورُ.
قال في ((الصِّحَاحِ)) (٥): الفَروةُ: قِطعَةُ نَبَاتٍ مُجتَمِعَةٍ يَابِسَةٍ، وكَذَا حَكَاه في
((المَشَارِقِ))(٢) عن الحَربي أنَّه قال: هيَ قِطعَةٌ يَابِسَةٌ من حَشِيشٍ. ثُمَّ قال: وقال
المُطَرِّزُ، عن ابنِ الأعرابي: الفَروةُ: أرضٌ بَيضَاءُ لَيسَ فيها نَبَاتٌ. وَكَذَا قال
الخَطَّابي(٧): الفَروةُ: جِلدَةُ وجه الأرضِ، أنبَتَت وصَارَت خَضرَاءَ بَعدَ أن كَانَت
جَردَاءَ. ثُمَّ قال: ويُقَالُ: فَذَكَرَ القَولَ الأولَ، ومَشَى على ذلك: الهَرَوِيُّ،
وابنُ الأثِيرِ (٨) فَرجحًا أنَّها هنَا الأرضُ اليَابِسَةُ.
■ السَّادِسَةُ: إنَّما فَسَّرَ الفَروةَ بِالحَشِيشِ؛ لِأنَّه اسمٌ لِليَابِسِ، فَإن كَانَ
رَطِبًا، قِيلَ لَه: خَلا (٩) بِفَتح الخَاءِ مَقصُورٌ، ويُقَالُ لَهما جَمِيعًا: الكَلَأْ مَقْصُورٌ
مَهمُوزٌ. وقَولُه الأبْيَضُ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ؛ لِأَنَّه إِذَا يَبِسَ ابَيَضَّ.
■ السَّابِعَةُ: ما ظَنَّهِ عَبدُ الله ابنُ الإمام أحمَدَ من أنَّ هَذَا تَفسِيرٌ من
عَبدِ الرَّزَّاقِ، جَزَمَ بِهِ القَاضِي عِيَاضٌ(١٠)، واللّهُ أعَلَمُ.
(١) ينظر: الجواهر الحسان للثعالبي (٥٣٤/٣).
(٢)
بياض في (ش).
(٤)
لیس في: (٢۵،
مشارق الأنوار (١٥٤/٢).
(٨) النهاية في غريب الحديث (٤٤١/٣)، وينظر: إكمال المعلم (٨/ ٥٧٤).
(٩) في (م): ((خلاء)).
(١٠) إكمال المعلم (٥٧٤/٨).
(٣) في (ك٢، ح): ((و)).
(٥) الصحاح للجوهري (٢٤٥٤/٦).
(٧) أعلام الحديث (١٥٥٣/٣).
(٦)

حِفِظُ المَنطِقِ
٧٥
حِفظُ المَنطِقِ
الحديثُ الأولُ
عن الأعرج، عن أبي هرَيرَةَ، أنَّ رسولَ الله وَّ قال: «لَا يَقُولَنَّ
أحَدُكُم: يَا خَيْبَةَ (١٥٥/٨م) الدَّهرِ؛ فَإِنَّ اللهَ هو الذَّهرُ)).
وعنْ هَمام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لَا يَقُل ابنُ آدَمَ:
وا(١) خَيْبَةَ الدَّهرِ، إِنِّي أَنَا الدَّهرُ، أرسِلُ الليلَ والنَّهَارَ، فَإِذَا شِئت قَبَضتُهما)).
وعن سَعِيدٍ، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسول الله وَّةِ: (((٢ قال الله(٢):
يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ(٣) الذَّهرَ، وأَنَا الدَّهرُ، بيدِي الأمرُ؛ أَقَلِّبُ الليلَ
والنَّھارَ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه من الطَّرِيقِ الأولى: مسلمٌ(٤) من طَرِيقِ المُغِيرَةِ بنِ
عَبدِ الرَّحمَنِ الحِزَامِيِّ(٥)، عن أبي الزُّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هَرَيرَةً.
وأخرجه من الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ: البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ (٦) من
طَرِيقٍ سُفْيَانَ بِنِ عُيَيْنَةً.
(١) في (م): ((يا)). وينظر: المسند (٣١٨/٢)، أطراف المسند المعتلي لابن حجر (٩٠/٨).
(٣) في (ح): ((بسب)). وفي (ش): ((فيسب)).
(٢ - ٢) من الأصل، (ش).
(٤) مسلم (٤/٢٢٤٦).
(٥) في الأصل: ((الجزامي)). وفي (م): ((المخزومي)).
(٦) البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢/٢٢٤٦)، وأبو داود (٥٢٧٤)، والنسائي في الكبرى
(١١٤٨٧).

ـ
٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ومسلمٌ(١) وحدَه من طَرِيقِ مَعمَرٍ؛ كِلَاهما عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن
أبي هرَيرَةً.
واتَّفَقَ عليه الشيخانِ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقِ يُونُسَ، عن الزُّهرِيِّ، عن
أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرَةَ نَظُه.
قال ابنُ عَبدِ البَرُ(٣): وهما جَمِيعًا صَحِيحَانِ.
وأخرجه مسلمٌ(٤) من طَرِيقٍ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيرَةَ بِلَفِظٍ:
((لَا تَسُبُوا الدَّهرَ؛ فَإِنَّ اللهَ هو الدَّهْرُ)).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): لَمَا ذَكَرَ الرِّوايَةَ الأولى: هَكَذَا هَذَا الحديثُ في
((المُوطَّ)) بِهَذَا الإسنَادِ، عند (٦) جَماعَةِ رُواتِهِ(٧) فيما عَلِمتُ.
ورَواه إبراهيمُ بنُ(٨) خَالِدِ بنِ عَثْمَةَ، عن مالِكِ، عن سَمِيٍّ، عن أبي صَالِحِ،
عن أبي هرَيرَةً، والصَّوابُ فيه إسنَادُ ((المُوطَّ)). قال: وفي ((المُوطَّ)) عند (٩) جَماعَةٍ
رِوايَةٌ فِي هَذَا الحديثِ: ((لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُم: يَا خَيْبَةَ الدَّهرِ)).
وقال فيه سَعِيدُ بنُ هِشَامِ، بِإِسنَادِ [٢٥٨/٢ و] ((المُوطَّ)): ((لَا تَسُبُوا الدَّهرَ)).
وقال فيه يَحيَى: ((فَإِنَّ الدَّهرَ هو الله)).
وغَيرُه يَقُولُ: ((فَإِنَّ اللهَ هو الدَّهْرُ)).
وهَذَا الحديثُ قَد اختُلِفَ في (١٥٦/٨م) ألفَاظِه عن أبي هرَيرَةَ. والصَّحِيحُ
في لَفِظِهِ: ما رَواه ابنُ شِهابٍ(١٠) وغَيْرُه من الفُقَهاءِ ذَوِي الألْبَابِ، انتَهَى.
(١)
مسلم (٣/٢٢٤٦).
البخاري (٦١٨١)، ومسلم (١/٢٢٤٦)، والنسائي في الكبرى (١١٤٨٦).
(٢)
(٣)
التمهيد (١٥٤/١٨).
(٤) مسلم (٥/٢٢٤٦).
(٥)
التمهيد (١٥١/١٨ -١٥٣)، والاستذكار (٣٠٣/٢٧).
(٦)
في الأصل، (م): ((عن)).
في (م): ((رواية)). وأخرجه في الموطأ برواية يحيى (٩٨٤/٢)، ورواية أبي مصعب
(٧)
(٢٠٧١)، ورواية سويد (٧٦٠)، ورواية القعنبي عند الجوهري في مسند الموطأ (٥٧٠).
(٨) في (ك٢، ح): ((عن)).
(١٠) في (م): ((هشام)).
(٩) في (م): ((عن)).

=
S
٧٧
حِفظُ المَنطِقِ
■ الثَّانِيَةُ: الخَيْبَةُ، بِفَتحِ الخَاءِ المُعجَمَةِ، وإسكَانِ الْيَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ.
بَعدَها بَاءٌ مُوحَّدَةٌ: الحِرمانُ والخُسرَانُ وعَدَمُ نَيلِ المَطْلُوبِ، فَقَولُ القَائلِ: يَا خَيْبَةَ
الدَّهرِ، أو وا خَيبَةَ الدَّهرِ، هو مَنصُوبٌ على النُّدبَةِ، وهيَ نِدَاءُ مُتَفَجَّعِ عليه حَقِيقَةً
(١ أو حُكمًا١) أو مُتَوجَّع منه، كَأنَّه فَقَدَ الدَّهرَ لِما يَصدُرُ عنه من الأمُورِ التي(٢)
يَكرَهِها فَنَدَبَه.
■ الثَّالِثَةُ(٣): فيه النَّهيُ عن هَذَا الكَلَام، وقَد كَانَ أهلُ الجَاهِلِيَّةِ
يَستَعمِلُونَ مِثلَ ذلك. ومن عَقِيدَةِ بَعضِهم: أنَّ الزَّمانَ هو الفَاعِلُ حَقِيقَةً؛ لِتَعْطِيلِهِم
ونَفيهم (٤) الإلَهَ.
واستَعمَلَ الإسْلَامِيُّونَ(٥) قَرِيبًا من ذلك غَيرَ قَاصِدِينَ بِهِ ذلك، ولَكِنَّهم يَدُمُّونَ
الدَّهرَ إذَا لَم تَحصُل(٦) لَهم(٧) أغرَاضُهم(٨)، ويَمدَحُونَه إذَا حَصَلَت لَهم.
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٩): ولَا شَكَّ في كُفرٍ مَن نَسَبَ تِلكَ الأفْعَالَ أو
شَيئًا منها لِلذَّهرِ حَقِيقَةً واعتَقَدَ ذلك.
وأما مَن جَرَتِ هَذِهِ الألفاظُ على لِسَانِهِ ولَا يَعتَقِدُ صِحَّةَ تلك (١٠) فَلَيسَ
بِكَافِرٍ، ولَكِنَّه قَد تَشَبَّهَ بِأهلِ الكُفرِ وبِالجَاهِلِيَّةِ في الإطلَاقِ، وقَد ارتَكَبَ ما نَهاه
رسولُ اللهِ وَّرِ عنه، فَلَيَتُب وليَسْتَغْفِرِ اللهَ.
والدَّهرُ والزَّمانُ والأبَدُ كُلُّها (١١) بِمَعنَى واحِدٍ، وهو رَاجِعٌ إلى حَرَكَاتٍ
الفَلَكِ وهيَ الليلُ والنَّهَارُ، واللهُ أعلمُ.
■ الرَّابِعَةُ: قال القُرطُبي أيضًا (١٢): لَيسَ هَذَا النَّهيُّ مَقصُورًا على هَذَا
(١ - ١) ليس في: (ك٢، ح).
(٣) طمس في (ش).
(٥) في (م): ((السلاميون)).
(٧) ليس في: الأصل.
(٩) المفهم (٥/ ٥٤٧، ٥٤٨).
(١٠) في (م): ((ذلك)).
(١١) ليس في: (ك٢، ح).
(١٢) المفهم (٥٤٨/٥).
(٢) ليس في: (ك٢).
(٤) في (ش): ((وتفھیم)).
(٦) في (ح): ((يحصل)).
(٨) في (ك٢، ح): ((أغراض)).

٧٨
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
اللفظِ، بَل يُلحَقُ (١) بِه كُلُّ ما في مَعنَاه من قَولِهم: خَرُفَ(٢) الفَلَكُ، وانعَكَسَ
الذَّهرُ وتَعِسَ، وما في مَعنَى ذلك.
■ الخَامِسَةُ(٣): قَولُه: ((فَإِنَّ اللهَ هو الدَّهرُ)). قال النَّورِيُّ(٤): قال العُلَماءُ:
هو مَجَازٌ، وسَبَبُه: أنَّ العَرَبَ كَانَ شَأْنُها أن تَسُبَّ الذَّهرَ عِندَ النَّوازِلِ والحَوادِثِ
والمَصَائبِ النَّازِلَةِ بِها من مَوتٍ أو هَرَمِ(٥) أو تَلَفِ مالٍ أو غَيرِ ذلك، فَيَقُولُونَ: يَا
خَيبَةَ الدَّهرِ، [ونَحو هَذَا من ألفَاظِ سَبِّ الدَّهرِ](٦)، فقال النبيّ ◌َّ: («لَا تَسُبوا
الدَّهرَ؛ فَإِنَّ اللهَ هو الذَّهرُ))؛ أي: لَا تَسُبوا فَاعِلَ النَّوازِلِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا(٧) سَبَبْتُم
فَاعِلَها (٨) وقَعَ السَّبُّ على الله (٩تعالى؛ لِأَنَّه هو فَاعِلُها و٩) مُنَزِّلُها .
وأما الدَّهرُ الذي هو الزَّمانُ: فَلَا فِعلَ لَه، بَل هو مَخلُوقٌ من جُملَةِ خَلقِ الله
تعالى. ومَعنَى ((فَإِنَّ اللهَ هو الذَّهرُ))؛ أي: فَاعِلُ النَّوازِلِ والحَوادِثِ، وخَالِقُ
الكَائنَاتِ، واللهُ أعلمُ.
السَّادِسَةُ: استَدَلَّ بِهِ بَعضُهم (١٠) على أنَّ الدَّهرَ من أسماءِ الله تعالى.
قال القَاضِي عِيَاضٌ (١١): ذَكَرَ بَعضُ مَن لَا تَحقِيقَ لَه أنَّ الدَّهرَ اسمُ من
أسماءِ الله تعالى! وهَذَا (١٢) جَهلٌ (١٥٧/٨م) من قَائِلِه، وذَرِيعَةٌ إلى مُضَاهاةٍ قَولِ
الدَّهرِيَّةِ والمُعَطِّلَةِ، ويُفَسِّرُهُ(١٣) قَولُه في الحديثِ الآخَرِ: ((فَإِنِّي أَنَا الدَّهرُ؛ أَقَلِّبُ
لَيلَه ونَهارَه)»، فَهَذَا هو مَعنَى ما أَشَارَ إِلَيه المُفَسِّرُونَ من أنَّ فَاعِلَ ذلك في الذَّهرِ
(١) في (م): ((يلتحق)).
في (ك٢، ح): ((حزن)). وفي (ش): ((خرب)). وفي (م): ((خرق)).
(٢)
(٣)
طمس في (ش).
(٤) شرح النووي على مسلم (٣/١٥).
(٥)
في (ك٢، ح): ((هَم))، وفي (م): ((مرض)).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٧) في (ك٢، ح): ((إن)).
(٨) بعده في (ك٢، ح): ((فقد)).
(٩ - ٩) ليس في: (ك٢، ح).
(١٠) هو قول نعيم بن حماد، وابن حزم، وطائفة من المحدثين. ينظر: مجموع الفتاوى
لابن تيمية (٢ /٤٩٤).
(١١) إكمال المعلم (١٨٤/٧).
(١٣) في (ح): ((مفسره))، و (ش): ((وتفسيره)).
(١٢) في (ك٢، ح): ((وذلك)).

٧٩
حِفِظُ المَنطِقِ
هو الله رَتْ، والدَّهرُ(١) مُدَّةٌ (٢) زَمانَ الدُّنيا. قال بَعضُهم: هو أمَدُ(٣) مَفْعُولَاتِ الله
تعالى. وقِيلَ: بَل هو فِعلُه كَما قِيلَ: أنَا المَوتُ(٤). وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُمْ
[آل عمران: ١٤٣].
(١٤٣)
تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ(
وإنَّما رَأوا أسبَابَه، وقَد شَبَّهَ جَهَلَةُ الدَّهرِيَّةِ وكَفَرَةُ المُعَطَّةِ بِهَذَا الحديثِ على
مَن لَا عِلمَ عِندَه ولَا حُجَّةَ لَهم فيه؛ لِأَنَّ الدَّهرَ عِندَهم حَرَكَاتُ الفَلَكِ وأمَدُ
العَالَم، ولَا شَيءَ عِندَهم سِواه، ولا صَانِعَ عِندَ القَائِلِينَ بِقِدَمِ العَالَمِ منهم سِواه،
فَإِذَا كَانَ عِندَهم هو المُرَادُ بِالله، فَكَيفَ يُصَرِّفُ ويُقَلِّبُ الشَّيءَ نَفْسَه؟ تعالى الله عن
گُفرِهم وضلالهم. انتَهَى.
■ السَّابِعَةُ: قَولُه: ((يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ))، قال المازَرِيُّ(٥): هو مَجَازٌ
[٢٥٨/٢ظ]، والبَارِئُ تعالى لَا يَتَأْذَّى من شَيءٍ، فَيُحتمَلُ (٦) أن يُرِيدَ: أَنَّ هَذَا
عِندَكُم أذىً؛ لِأَنَّ الإنسَانَ إذَا أحَبَّ آخَرَ لَم يَصِحَّ أن يَسُبَّه لِعِلمِه أنَّ السَّبَّ يُؤْذِيه،
والمَحَبَّةُ تَمنَعُ من الأذَى، ومن فِعلِ ما يَكرَهه المَحبوبُ، فَكَأنَّه قال: يَفعَلُ ما
أنهاه عنه وما يُخَالِفُنِي فيه، والمُخَالَفَةُ فيها أذَّى فيما بَينَكُم؛ فَتَجَوزَ فيها في حَقِّ
الْبَارِئ ◌َُ. انتَهَى.
وأحسَنَ الثَّووِيُّ(٧) الثَّعبيرَ عن ذلك مُختَصَرًا بِقَولِه: مَعنَاه: يُعَامِلُنِي مُعَامَلَةً
تُوجِبُ الأذَی في حَقِّكُم.
■ الثَّامنةُ: قَولُه في هَذِهِ الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ: ((وأنَا الدَّهرُ))، هو بِرَفعِ الرَّاءِ
على الخَبَرَ، كَما صَرَّحَ بِهِ في الرِّوايَةِ (٨الأولى بِقَولِه٨): ((فَإِنَّ اللهَ هو الدَّهُرُ)).
(١) ليس في: (ش).
(٢) في (م): ((بیده)).
(٣) في (م)، وإكمال المعلم: ((أحد)). وينظر: الفتح (٥٦٦/١٠)، والزرقاني على الموطإ
(٤/ ٥١٤).
هي كلمة يقولها العربي لمن يريد قتله، لأن الموت ينزل بسببه. وقد ورد كثيرًا على لسان
(٤)
جماعة من الشعراء؛ كجرير، والفرزدق، وأبي تمام، وغيرهم؛ ينظر: عارضة الأحوذي
(٢٩/٢)، ومشارق الأنوار (٢٦٢/١)، وديوان جرير ص(٥)، وأبي تمام ص (٧٨٦)،
والأغاني (٣٥٧/١٠).
(٥)
المعلم بفوائد مسلم (٢٨٤/٢).
(٧) شرح النووي على مسلم (٢/١٥).
(٦) في (م): ((فیحمل)).
(٨ - ٨) في (ش): ((الأخرى في)).

=
٨٠
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال الثَّورِيُّ(١): هَذَا هو الصَّوابُ المَعْرُوفُ الذي قاله الشَّافِعِيُّ وأبو عُبَيْدٍ
وجَماهيرُ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأْخِّرِينَ(٢).
وقال أبو بَكرٍ مُحَمَّدُ بنُ دَاوُد الأصبَهانِيُّ الّاهرِيُّ(٣): إنَّما هو الذَّهرَ
بِالنَّصبِ على الظّرفِ؛ أي: أنَا مُدَّةَ الدَّهرِ أقَلِّبُ لَيْلَه ونَهارَه؛ فَيَكُونُ الخَبَرُ إما
قَولُه: بيدِي الأمرُ، وإما قَولُه: أقَلِّبُ الليلَ والنَّهارَ.
وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤) هَذِهِ الرِّوايَةَ عن بَعضِ أهلِ العِلمِ.
وقال النَّخَّاسُ(٥): يَجُوزُ النَّصِبُ؛ أي: فَإِنَّ اللّهَ بَاقٍ مُقِيمٌ أَبَدًا لَا يَزُولُ.
قال القَاضِي عِيَاضٌ: قال بَعضُهم: هو مَنصُوبٌ على الاختِصَاصِ، قال:
والّرفُ - أي: بِتَقْدِيرِ النَّصبِ - أصَخُ وأصوبُ.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٦) بَعدَ ذِكرِه: إنَّ الرِّوايَةَ الصَّحِيحَةَ المَشهورَةَ فيه
الرَّفعُ، والذي حَمَلَ رَاوِيَ النَّصبِ على ذلك خَوفُ أن يُقال: إنَّ الدَّهرَ من
أسماءِ (١٥٨/٨م) الله تعالى، وهَذَا ((عُدُولٌ عَما صَحَّ إلى ما لَا يَصِحُ مَخَافَةً ما لَا
يَصِحُّ))، فَإِنَّ الرِّوايَةَ الصَّحِيحَةَ عِندَ أهلِ التَّحقِيقِ: بِالضَّمِّ، ولَم يَروِ الفَتحَ مَن
يُعتَمَدُ عليه، ولَا يَلزَمُ من ثُبوتِ الضَّمِّ أَن يَكُونَ الدَّهرُ من أسماءِ الله تعالى؛
لأِنَّ أسماءَ الله تعالى لا بُدَّ فيها من الثَّوقِيفِ عليها أو استِعمالِها استِعمالَ
الأسماءِ من الكَثْرَةِ والتَّكرَارِ، فَيُخبِرُ بِهِ وعنه ويُنَادِي (٧) بِهِ، ولَم يُوجَد في الدَّهرِ
شَيءٌ من ذلك، فَلَا يَكُونُ من أسمائه تعالى، ثُمَّ لَو سَلَمَ صِحَّةُ النَّصبِ في ذلك
اللفظِ (٨): فَلَا يَصِحُّ ذلك في الرِّوايَةِ التي قال فيها: ((لَا تَسُبوا الدَّهرَ؛ فَإِنَّ اللهَ
(١) شرح النووي على مسلم (٢/١٥).
(٢) ينظر: غريب أبي عبيد (١٤٥/٢ - ١٤٧)، ومعالم السنن (١٥٩/٤، ١٥٨)، ومناقب
الشافعي (٣٣٦/١)، ومعرفة السنن للبيهقي (٣/ - ١١٥، ١١٦)
إكمال المعلم (١٨٣/٧)، والمفهم (٥٤٨/٥).
(٤)
(٣)
التمهيد (١٥٤/١٨).
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٣٨/٩).
(٥)
(٦)
المفهم لما أشكل (٥٤٨/٥، ٥٤٩).
ليس في: (ش).
(٨)
(٧) في (ك٢، ح): ((ويتأذى)).