Indexed OCR Text
Pages 21-40
= ٢١ أبوابُ الأدَبِ بِهِ نَوعٌ [٢٤٩/٢و] (١ دُونَ نَوع١). فَقَولُه بَعدَه: ((وذَا الطَّفيَتَينِ والأبتَرَ))، من عَطفٍ الخَاصِّ على العَامِّ. وتُطلَقُ الحَيَّةُ على الذَّكَرِ والأنْشَى. وإنَّما دَخَلَته الهاءُ؛ لِأِنَّه واحِدٌ من جِنسٍ كَبَظَّةٍ ودَجَاجَةٍ، على أنَّه قَد رُوِيَ عن العَرَبِ: ((رَأيت حَيًّا على حَيَّةٍ))؛ أي: ذَكَرًا على أنثَى، واشتِقَاقُها من الحَيَاةِ في قَولِ بَعضِهم. ولِهَذَا قَالُوا في النِّسْبَةِ إلَيها: حَيَوِيٌّ، ولَو كَانَ من الواوِ (٢) لَقَالُوا: حَووِيٌّ. والحَيُّوتُ بِتَشْدِيدِ اليَاءِ: ذَكَرُ الحَيَّاتِ(٣). ■ الرَّابِعَةُ: فيه الأمرُ بِقَتلِ الحَيَّاتِ. وهو عِندَ أصحَابِنَا وغَيرِهم لِلاِسْتِحبَابِ، سَواءٌ كَانَ الإنسَانُ مُحرِمًا أم لا. ومِمَّن صَرَّحَ بِذلك الرَّافِعِيُّ(٤) في ((الحَجِّ))، لَكِنَّه قال في ((أوائلِ الأطعِمَةِ)): قال صَاحِبُ التَّلخِيصِ وسَاعَدَه(٥) الأصحَابُ: ما أمِرَ بِقَتلِه من الحَيَوانِ فَهو حَرَامٌ. والسَّبَبُ فيه: أنَّ الأمرَ بِقَتلِه إسقَاطٌ لِحُرمَتِهِ ومَنعٌ من اقتِنَائه، ولَو كَانَ مأكُولًا لَجَازَ اقِتِنَاؤُهُ لِلتَّسمِينِ وإعدَادُهُ(٦) لِلأكلِ . فقال شَيخُنَا الإمامُ جَمالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإِسَوِيُّ ◌َُّهُ: هَذَا يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ ما تَقَدَّمَ. وفيما قاله نَظَرٌ؛ لِأنَّ المَذكُورَ في الأطعِمَةِ مَنعُ اقتِنَائه، ولَا يَلزَمُ من ذلك وُجُوبُ قَتِلِهِ؛ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الكَلَامَينِ . وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٧): هَذَا الأمرُ وما في مَعنَاه من بَابِ الإرشَادِ إلى دَفعِ المَضِرَّةِ المَخُوفَةِ من الحَيَّاتِ، فَمَا كَانَ منها مُحَقَّقُ الضَّرَرِ وجَبَتِ المُبَادَرَةُ إلى قَتلِه. (١ - ١) ليس في: (ح). (٢) في (م): ((الواوي)). (٣) ينظر: الصحاح (١٠٠٢/٣، ٢٣٢٤/٦)، واللسان (١٠٠٢/٣). (٤) الشرح الكبير (٤٩٣/٣ - ٤٩٤، ١٣٥/١٢) - الكتب العلمية. (٥) في (م): ((وساعد)). (٧) المفهم (٥٣٠/٥). (٦) في الأصل: ((واعتداده)). ٢٢ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قُلتُ: جَعَلَه أولًا من بَابِ الإرشَادِ، وهو مُنحَظّ عن الاِستِحِبَابِ، (١٢٧/٨م) [لِأَنَّه ما كَانَ لِمَصلَحَةٍ دُنِيَوِيَّةٍ. بِخِلَافِ الاسْتِحبَابِ، فَإِنَّ](١) مَصلَحَتَه دِينِيَّةٌ، ثُمَّ جَعَلَ المُبَادَرَةَ لِقَتِلِهِ(٢) واجِبَةً. ولَا مُنَافَاةَ بَيْنَهما، فَإِنَّ الوُجُوبَ إنَّما هو عِندَ تَحَقُّقِ الضَّرَرِ؛ وذلك بِأن يَعدُو على الإنسَانِ، فَالمُبَادَرَةُ لقَتلِه واحِبَةٌ؛ فَقَد صَرَّحَ أصحَابُنَا (٣): أنَّ الإِسْتِسلَامَ لِلبَهِيمَةِ حَرَامٌ. ■ الخَامِسَةُ: قَولُه: (وذَا الطُّفيَتَينِ))، هو بِضَمِّ الظَّاءِ المُهمَلَةِ وإسكَانٍ الفَاءِ. قال النَّوِيُّ(٤): قال العُلَماءُ: هما الخَطَّانِ الأبْيَضَانِ على ظَهرِ الحَيَّةِ، وأصلُ الطُّفيَةِ خُوصَةُ المُقلِ (٥)، وجَمعُها ◌ُفَّى، شَبَّهَ الخَطَّينِ على ظَهرِها بِخُوصَتَي المُقلِ . انتَهَى. ورُبَّمَا قِيلَ لِهَذِهِ الحَيَّةِ: طُفيَةٌ، على مَعنَى ذَاتِ طُفِيَةٍ، قال الشَّاعِرُ(٦): كَما تَذِلُّ الطُّفَى مِن رُقِيَةِ الرَّاقِي أي: ذَواتُ الظُّفَى، وقال الخَلِيلُ (٧) في ذِي الظُّفِيَتَيْنِ: هِيَ حَيَّةٌ لَيِّنَةٌ خَبِيثَةٌ، وقال الخَطَّبي (٨): هِيَ شَرُّ الحَيَّاتِ فيما يُقَالُ. ■ السَّادِسَةُ: ((الأبتَرَ))، بِالبَاءِ المُوحَّدَةِ والتَّاءِ المُثَنَّاةِ من فَوقٍ: الأفعَى، سُمِّيَت بِذلك لِقِصَرِ ذَنَبِها. وذَكَرُ الأفعَى: أفعُوانٌ بِضَمِّ العَينِ. وقال النَّضرُ بنُ (١) مكانها في (ش): ((فإن)). (٢) في (م): ((إلى قتله)). ينظر: الحاوي (٤٥١/١٣). (٣) شرح النووي على مسلم (٢٣٠/١٤). (٤) هو: شجر الدَّومِ، وهوشجر يشبه النخل. اللسان (٧٣٣/١٣). (٥) نسبه الجوهري للهذلي، وصدره: وهم يذلونها من بعد عزتها .. ينظر: الصحاح (٦) (٢٤١٣/٦)، واللسان (١٠/١٥). (٧) كتاب العين (٤٥٧/٧). (٨) أعلام الحديث شرح صحيح البخاري (١٥٢٣/٣). ٢٣ أبوابُ الأدَبِ = شُمَيلٍ (١) في الأبتَرِ: إنَّه صِنفٌ من الحَيَّاتِ أزرَقُ مَقطُوعُ الذَّنَبِ، لَا تَنْظُرُ إلَيه حَامِلٌ إلَّا ألقَت ما في بَطنِها. وقال الخَطَّابِي (٢): البَترُ: شِرَارُ الحَيَّاتِ. السَّابِعَةُ: قَولُه: (فَإِنَّهما يَلتَمِسَانِ البَصَرَ)). قال النَّووِيُّ(٣): فيه تَأْوِيلَانِ ذَكَرَهما الخَطَّابِي وَآخَرُونَ: أحَدُهما: مَعنَاه يَخطَفَانِ البَصَرِ ويَطمِسَانِهِ بِمُجَرَّدٍ نَظَرِهما إلَيه، لِخَاصَّةٍ جَعَلَها الله تعالى في بَصَرِهما إذَا وقَعَ على بَصَرِ الإِنسَانِ. ويُؤَيِّدُ هَذَا: الرِّوايَةَ الأخرَى في ((صَحِيحِ مسلم)): ((يَخطِفَانِ البَصَرَ))، والرِّوايَةُ الأخرَى: ((يَلتَمِعَانِ البَصَرَ)). والثَّانِ: أنَّهما يَقصِدَانِ البَصَرَ بِاللسعِ والنَّهشِ. قال النَّووِيُّ: والأولُ أصَحُّ وأشهَرُ، قال العُلَماءُ: وفي الحَيَّاتِ نَوعٌ يُسَمَّى النَّاظِرُ إذَا وقَعَ بَصَرُه على عَينِ إنسَانٍ ماتَ من سَاعَتِهِ. انتَهَى. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطبي(٤): حَكَى أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوزِيِّ في كِتَابِهِ المُسَمَّى بـ«كَشِفِ المُشكِلِ لِما في الصَّحِيحَينِ))(٥): أنَّ بِعِرَاقِ العَجَمِ (٦) أنواعًا من الحَيَّاتِ يَهلِكُ الرَّائي لَها بِنَفسِ رُؤيَتِها، ومنها ما يَهلِكُ المُرُورُ على طَرِيقِها . ■ الثَّامنةُ: قوله(٧): ((ويَستَسقِطَانِ الحَبَلَ))، (٨قال النووي٨): مَعنَاه: أنَّ المَرأةَ الحَامِلَ إذَا نَظَرَت إلَيهما وخَافَت أسقَطَت الحَمَلَ غَالِبًا . (١) نقله النضر بن شميل عن أبي خيرة الأعرابي نهشل بن زيد، كما في كشف المشكل لابن الجوزي (ص٣٧٩)، وتأويل المختلف لابن قتيبة (ص٣٤٠). وينظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٣٠). (٢) أعلام الحديث شرح صحيح البخاري (١٥٢٥/٣). (٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٢٣٠/١٤، ٢٣١). (٤) المفهم (٥٣٣/٥). (٥) کشف المشكل ص(٣٧٩ - ٣٨٠). (٦) ينظر: معجم البلدان (٩٣/٤)، ومراصد الاطلاع (٩٢٦/٢). (٧) ليس في: الأصل، (م). (٨ - ٨) ليس في: الأصل، (م). وهو في شرح النووي على مسلم (٢٣٠/١٤). = ٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقَد ذَكَرَ مسلمٌ(١)، في رِوايَتِه عن الزُّهرِيِّ أنَّه قال: نَرَى ذلك من [٢٤٩/٢ظ] سُمِّها(٢). انتَهَى. وقال الخَطَّابي(٣): مَعنَاه أنَّها إذَا لَحَظَتِ الحَامِلَ أسقَطَت. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): وذلك بِالرَّوعِ منه أو (١٢٨/٨م) بِخَاصَّتِهِ، وهو أَظهَرُ؛ إذ يُشرِكُه غَيرُه في الرَّوعِ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥): لَا يُلتَفَتُ إلى قَولِ مَن قال: إنَّ ذلك بِالتَّروِيعِ؛ لِأَنَّ التَّروِيعَ لَيْسَ خَاصَّا بِهَذَينِ النَّوعَينِ، بَل يَعُمُّ جَمِيعَ الحَيَّاتِ، فَتَذْهَبُ خُصُوصِيَّةُ هَذَا النَّعِ بِهَذَا الإِعْتِنَاءِ العَظِيمِ والتَّحذِيرِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ إِن صَحَّ هَذَا في طَرَحِ الحَبَلَ، فَلَا يَصِحُّ فِي ذَهابِ الْبَصَرِ؛ فَإِنَّ التَّروِيعَ لَا يُذْهبُه. ■ التَّاسِعَةُ: فيه تَمَسُّكُ ابْنِ عُمَرَ بِعُمُومِ النَّهي عن قَتلِ الحَيَّاتِ، وطَرَدُه في كُلِّ حَيَّةٍ، حَتَّى نُقِلَ لَه تَخْصِيصُ ذلك بِغَيرِ ذَواتِ الْبُيُوتِ. وقَد اختَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسألَةِ(٦) على أقوالٍ، جَمَعَها ابنُ عَبدِ الْبَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٧): أحَدُها: قَتَلُهنَّ مُطلَقًا في البُيُوتِ والصَّحَارِي بِالمَدِينَةِ وغيرِها، على أيِّ صِفَةٍ كُنَّ. وتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِالعُمُومَاتِ في قَتلِهِنَّ مَعَ التَّرغِيبِ في ذلك والتَّحذِيرِ من ترکِه(٨). ثَانِيها: قَتلُهنَّ إلَّا ما كَانَ منهنَّ في البُيُوتِ بِالمَدِينَةِ خَاصَّةٌ دُونَ غَيرِها على أيِّ صِفَةٍ كُنَّ؛ فَلَا يُقتَلنَ إلَّا بَعدَ الإنذَارِ ثَلَاثًا، وبِهَذَا قال ابنُ نَافِعِ والمازَرِيُّ والقَاضِي عِيَاضٌ وغَيرُهم(٩). (١) مسلم (١٢٩/٢٢٣٣). (٢) في (م): ((سمهما)). (٣) أعلام الحديث شرح صحيح البخاري (١٥٢٤/٣). (٤) إكمال المعلم (٨٦/٧). (٥) المفهم (٥٣٣/٥ - ٥٣٤). (٦) ليس في: (ك٢، ح). في (ش): «ترکها». (٨) (٧) التمهيد (٢٣/١٦). (٩) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٣٠/١٤)، وإكمال المعلم (٨٤/٧)، والتمهيد (٢٦٣/١٦). أبوابُ الأدَبِ S ٢٥ = وتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ ◌َلُه: أنَّه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ قال: ((إِنَّ بِالمَدِينَةِ جِنَّا قَد أسلَمُوا، فَإِذَا رَأيْتُم منها شَيئًا فَآَذِنوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِن بَدَا لَكُم بَعدَ ذلك: فَاقْتُلُوه؛ فَإِنَّما هو شَيطَانٌ))، رواه مسلمٌ في (صَحِیچِه))(١). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢)، في حَدِيثٍ سَهلِ بنِ سَعدٍ مَرفُوعًا (٣): ((إنَّ لِهَذِهِ البُيُوتِ عَوامِرَ؛ فَإِذَا رَأيتُم منها شَيئًا فَتَعَوذُوا منه، فَإِن عَادَ فَاقْتُلُوه)). وهَذَا يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ (٤أشَارَ بِه٤) إلى بُيُوتِ المَدِينَةِ، وهو الأظهَرُ. ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ إلى جِنسِ الْبُيُوتِ. ثَالِثُها: استِثِنَاءُ ذَواتِ الْبُيُوتِ؛ سَواءٌ كُنَّ بِالمَدِينَةِ أو غَيرِها إلَّا بَعدَ الإنذَارِ، وهو مَحكِيٌّ عن الإمامِ مالِكِ تَقْتُ، وصَاحِبِهِ عَبدِ الله بنِ وهبٍ، وحُكِيَ عن مالِكِ أيضًا: أنَّه يُقتَلُ ما وُجِدَ منها في المَسَاجِدِ(٥). واستَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِما في ((سُنَنِ أبِي دَاوُ))(٦)، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي لَيلى، عن أبيه: ((أنَّ رسولَ الله وَّرَ سُئِلَ عن حَيَّاتِ الْبُيُوتِ؟ فقال: إذَا رَأيْتُم منهنَّ شَيئًا فِي مَسَاكِنِكُم. فَقُولُوا: أنشُدُكُنَّ العَهدَ الذي أخَذَ(٧) عليكُنَّ نُوحٌ، أنشُدُكُنَّ العَهدَ الذي أخَذَ عليكُنَّ سُلَيمانُ (٨أن تُؤْذُونَا(٨)، فَإِن عُدنَ فَاقْتُلُوهنَّ)). فَلَم يَخُصَّ فِي هَذَا الحديثِ بُيُوتَ المَدِينَةِ من غَيرِها . (١) مسلم (١٣٩/٢٢٣٦). (٢) التمهيد (٢٦/١٦). (٣) الطبراني (١٨٣/٦) (٥٩٣٥). وينظر: مجمع الزوائد (٤٨/٤). (٤ - ٤) في (ك٢، ح): (إشارته)). (٥) الاستذكار (٥٢٥/٨)، والذخيرة (٢٨٧/١٣). (٦) أبو داود (٥٢٦٠). (٧) في (م): ((أخذه)). وكذا ما يليها. (٨ - ٨) كذا في النسخ. والذي في مصادر التخريج: (أن لا تؤذونا)). والمثبت له وجهٌ صحيحٌ في العربية، وهو حذف حرف النفي إذا دل عليه السياق، وهو بابٌ واسع عند النحاة معلوم. ينظر: المفصّل في صنعة الإعراب للزمخشري (ص٤٨٤)، شرح الرضي على الكافية (٤ /١٩٦). = ٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قال ابنُ عَبدِ البَهُ(١): وهو عِندِي مُحتَمِلٌ لِلتَّأَوِيلِ، (٢ والأظهَر٢ُ) فيه العُمُومُ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣): إنَّ هَذَا القَولَ (١٢٩/٨م) وهو عَدَمُ الشَّخصِيصِ بِذَواتِ الْبُيُوتِ في المَدِينَةِ هو الأولى، لِعُمُومِ نَهيِهِ عن قَتلِ الحَيَّاتِ (٤) التي في الْبُيُوتِ، ولِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((خَمسٌ فَواسِقُ يُقْتَلنَ في الحِلِّ والحَرَمِ)). وذَكَرَ فيهنّ(٥): الحَيَّةَ. (٦ ولَأَنَا قِد٦َ) عَلِمِنَا قَطعًا أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ رسولُ إلى الجِنِّ والإنسِ، وأنَّه بَلَّغَ الرِّسَالَةَ للَّوعَينِ (٧)، وأنَّه قَد آمَنَ بِهِ خَلقٌ كَثِيرٌ من النَّوعَينِ بِحَيثُ لَا يَحصُرُهم بَلَدٌ ولَا يُحِيطُ بِهِم عَدَدٌ. والعَجَبُ من ابنِ نَافِعٍ كَأنَّه لَم يَسمَع قَوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى (٣٠)﴾ [الأحقاف: ٢٩]، ولَا قَولَه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((إنَّ وفدَ قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ جِنِّ (٨) نَصِيبِينَ(٩) أَتَونِي، ونِعمَ الجِنُّ هم، فَسَأُلُونِي الزَّادَ»، الحديثَ. فَهَذِهِ نُصُوصٌ في أنَّ من جِنُّ غَيرٍ (١٠) المَدِينَةِ مَن أسلَمَ؛ فَلَا يُقتَلُ شَيءٌ منها، حَتَّى يُخَرَّجَ عليه كَمَا تَقَدَّمَ. رَابِعُها: استِثنَاءُ ذَواتِ الْبُيُوتِ مُطلَقًا فَلَا يُقتَلنَ ولَا بَعدَ الإنذَارِ، وهو ظَاهرُ قَولِه في حَدِيثِ أبي(١١) لُبَابَةَ: ((إِنَّه نُهِيَ عِن ذَواتِ الْبُيُوتِ)). ولَم يَذكُر إِنذَارَهنّ. خَامِسُها: استِثنَاءُ ذَواتِ البُيُوتِ؛ فَلَا يُقتَلنَ إلَّا ذَا الطّفيَتَينِ والأبتَرَ؛ فَإِنَّهما (١) التمهيد (٢٧/١٦). (٣) المفهم (٥٣١/٥، ٥٣٢). (٥) في (ك٢، ح): ((منهن)). (٦ - ٦) في (م): (ولا ناقد)). (٧) في (م): ((إلى النوعين)). (٨) ليس في: (ش). (٩) ينظر: معجم البلدان (٢٨٨/٥). (١٠) ليس في: (ك٢، ح). (١١) ليس في: (ك٢، ح). (٢ - ٢) في (ك٢، ح): ((وهو الأظهر)). (٤) في الأصل: ((الجنان)). أبوابُ الأدَبِ 5 ٢٧ = [يُقْتَلَانِ بِالمَدِينَةِ وغَيرِها بِلَا إِنذَارٍ، ويَدُلُّ لِهَذَا حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ، عن أبي لُبَابَةَ، أنَّ النبيّ ◌َ﴿ قال: ((لَا تَقْتُلُوا الحَيَّاتِ إِلَّا كُلَّ أبتَرَ ذِي طُفِيَتَينٍ))، وهو في ((صَحِيحٍ البخاريِّ)) كَما تَقَدَّمَ. وفي (سُنَنِ أبِي دَاوُد))(١) من طريق(٢) نَافِع، عن أبي لُبَابَةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِلّهِ: نَهَى عن قَتلِ الحَيَّاتِ التي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ، إلَّا أن يَكُونَ ذَا الظُّفيَتَينِ والأبتَرَ، فَإِنَّهما](٣) يَخْطَفَانِ البَصَرَ، ويَطَرَحَانِ ما في بُطُونِ النِّسَاءِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): أجمَعَ العُلَماءُ على جَوازٍ قَتلِ حَيَّاتِ الصَّحَارِي صِغَارًا كُنَّ أو كِبَارًا أيَّ نَوعِ كُنَّ من [٢/ ٢٥٠و] الحَيَّاتِ. قال: وتَرتِيبُ هَذِه الأحَادِيثِ وتَهذِيبُها بِاستِعمالِ حَدِيثِ أبي لُبَابَةَ والاعتِمادِ عليه، فَإِنَّ فيه بَيَانًا لِنَسخ قَتلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ، وأنَّ ذلك كَانَ بَعدَ الأمرِ بِقَتلِها جُمْلَةً، وفيه استِثنَاءُ ذِي الظُّفَيَتَينِ والأبتَرِ، فَهو حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ لَا إشكَالَ فيه لِمَن فَهَمَ وعَلِمَ، وهو الصَّوابُ في هَذَا الْبَابِ، وعليه يَصِحُ تَرتِيبُ الآثَارِ فیه. سَادِسُها: رَوى أبو دَاوُد(٥) في ((سُنَنِه))؛ عن عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ أنَّه قال: ((اقْتُلُوا الحَيَّاتِ كُلِّها إِلَّ الجِنَّانَ الأَبَيَضَ الذي كَأَنَّه قَضِيبُ فِضَّةٍ)). قال ابنُ عَبدِ البَرّ(٦): وهَذَا قَولٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ. ■ (١٣٠/٨م) العَاشِرَةُ: فيه التَّمَسُّكُ بِالعُمُومِ حَتَّى يَظهَرَ لَه مُخَصِّصٌ، وبِهَذَا (٧) قال الصَّيرَفي. وقال ابنُ سُرَيجٍ: يَجِبُ البَحثُ عن المُخَصِّصِ(٨) قَبلَ العَمَلِ بِالعَامِّ. هَكَذَا نَقَلَ الإمامُ فَخرُ الَّدِّينِ الرَّازِيّ (٩) المَقالتَينِ، ومالَ لِمَقالةٍ (١) أبو داود (٥٢٥٣). ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٣) (٥) أبو داود (٥٢٦١). (٦) التمهيد (٣٠/١٦). في (ك٢، ح): ((ولهذا». (٧) (٨) بعده في (م): ((إجماعًا)). المحصول للرازي (٢٩/٣) وما بعده. (٩) (٢) في (م): ((طرق عن)). (٤) التمهيد (٢٨/١٦، ٢٩، ٣٠). ٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الصَّيرَفي؛ لِأَنَّه رَدَّ دَلِيلَ ابنِ سُرَيج وسَكَتَ عن دَلِيلِهِ. فَلِذلك(١) رجحَه البَيضَاوِيُّ وغیرُه(٢) . ولَكِن حَكَى الغَزّالِيُّ والآمِدِيُ وابنُ الحَاجِبِ وغَيرُهم الإجماعَ على أنَّه لَا يَجُوزُ العَمَلُ بِالعَامِّ قَبلَ البَحثِ عن المُخَصِّصِ(٣). ثُمَّ اختَلَفُوا فَقِيلَ: يَبحَثُ إلى أن يَغْلِبَ على الظَّنِّ عَدَمُه. وقِيلَ: إلى أن يَقْطَعَ بِعَدَمِهِ. وقِيلَ: إلى أن يَعتَقِدَ عَدَمَه اعتِقَادًا جَازِمًا من غَيْرِ قَطعٍ . قَالُوا: واختِلَافُ الصَّيرَفي وابنِ سُرَيجٍ: إنَّما هو في اعتِقَادِ العُمُومِ في اللفظِ العَامِّ بَعدَ وُرُودِه وقَبلَ(٤) وقتِ العَمَلِ بِهُ، فَإِذَا جَاءَ وقتُ العَمَلِ(٥) لَا بُدَّ من البَحثِ عن المُخَصِّصِ إجماعًا، والحَقُّ أنَّ الإمامَ فَخرَ الدِّينِ لَم يَنفَرِد بِنَقلِ الخِلَافِ هَكَذَا، فَقَد سَبَقَه إلَيه الأستَاذُ (٦أبو إسحَاقَ والشَّيخُ(٦) أبو إسحَاقَ الشِّيرَازِيُّ(٧)، والله أعلمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَا يَضُرُّ (٨) الشَّكُّ في المُخبِرِ لِابنِ عُمَرَ هَل هو أبو لُبَابَةَ أو زَيدُ بنُ الخَطَّابِ؛ لِأَنَّهما صَحَابيانِ مَعرُوفَانٍ، وإِذَا دَارَ الخَبَرُ بَيْنَ ثِقَّتَيْنِ فَهو مَقبولٌ، وقَد عَرَفتَ أنَّ في ((صَحِيحِ البخاريِّ)): الجَزمَ بِأنَّهما حَدَّثَاه بِذلك، ومَعَ هَذِهِ الرِّوايَةِ زِيَادَةُ عِلمٍ؛ فَيَجِبُ الأخذُ بِها، ورجحَ جَماعَةٌ أنَّه عن أبي لُبَابَةً كَما تَقَدَّمَ، والله تعالى أعلمُ. ■ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: قَولُه: ((يُطَارِدُ حَيَّةً))؛ أي: يَطلُبُها ويَتَبَّعُها لِيَقْتُلَها. قاله النَّووِيُّ(٩). (١) في الأصل، (م): ((فلهذا)). (٢) ينظر: الإبهاج شرح المنهاج (٢٣٩/٣). (٣) المستصفى (١١٠/٢)، والإحكام للآمدي (٥٦/٣) وما بعده، ورفع الحاجب (١١٠/٣). وينظر: البحر المحيط (٢٠٥/٢). (٤) في الأصل، (ك٢، ح): ((وقيل)). (٥) بعده في (م): ((به)). (٦ - ٦) ليس في: (ك٢، ح). والمراد بالأستاذ هنا: أبو إسحاق الأسفرايني. (٧) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص١٤). (٨) في (ش): ((يضرك)). (٩) شرح النووي على مسلم (٢٣١/١٤). = ٢٩ أبوابُ الأدَبِ وقال ابنُ الأثِيرِ(١) في ((النِّهايَةِ)): أي يُخَادِعُها لِيَصِيدَها، ومنه(٢) ◌ِرَادِ الصَّیدِ . ■ الثَّالِثَةَ عَشر: قَولُه: ((إنَّه نُهيَ عن ذَواتِ البُيُوتِ))، كَذَا ضَبَطِنَاه وحَفِظْنَاه، بِضَمِّ أولِه(٣) على البِنَاءِ لِلمَفعُولِ، وقَولُ الصَّحَابي: أُمِرَ بِكَذَا، ونُهيَ عن كَذَا: حُكُمُهُ الرَّفعُ إلى النبيّ ◌ََّ على الصَّحِيحِ المَشهورِ؛ لِانصِرَافِه إلى مَن لَه الأمرُ والنَّهِيُّ(٤)، فَإِن قال ذلك التَّابِعِيُّ: فَفيه احتِمالَانِ لِلِغَزّالِيِّ (٥). وقَد وَرَدَ التَّصرِيحُ بِنَهي النبيّ وَّهِ عن ذلك، (٦ وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) من طُرُق٦ٍ)، وفي بَعضِ ظُرُقُه في الصَّحِيحِ: ((عن جِنّانِ الْبُيُوتِ))، وهو بِجِيمِ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ جَمعُ جَانٌّ وهيَ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ. (٧ وقِيلَ: الدَّقِيقَةُ الخَفِيفَةُ(٧) . وقِيلَ: الدَّقِيقَةُ الْبَيضَاءُ. وقال الخَطَّابي(٨): يُقَالُ: إنَّ الجِنَّانَ هذه(٩): الحَيَّاتُ الطَّوالُ البيضُ. وقَلَّما (١٠) تَضُرُّ شَيْئًا، فَلِذلك أمسَكَ عن قَتِلِها. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١١): إن قِيلَ: قَد وصَفَ الله تعالى (١٣١/٨م) الحَيَّةَ المُنقَلِبَةَ عن عَصَا مُوسَى بِأنَّها جَانٌّ وأنَّها تُعبَانٌ عَظِيمٌ؟ فَالجَوابُ: أَنَّها كَانَت ثُعبَانًا عَظِيمًا في الخِلقَةِ، ومِثلُ الحَيَّةِ الصَّغِيرَةِ الدَّقِيقَةِ في الخِفَّةِ والسُّرعَةِ، أَلَا تَرَى قَوله تعالى: ﴿وَهَّرُّ كَأَنَّهَا جَآَةٌ﴾ [النمل: ١٠]. هَكَذَا قال أهلُ اللُّغَةِ وأربَابُ المَعَانِي(١٢). انتَهَى. (١) النهاية في غريب الحديث (١١٧/٣). (٢) في الأصل، (م): ((وهو من)). (٣) بعده في (ش): ((وأنه)). (٤) ينظر: شرح التبصرة للعراقي (ص٦٦). (٥) المستصفى في أصول الفقه (٢٤٨/١). (٦ - ٦) مكانه في (ش): ((في الصحيحين)). (٧ - ٧) ليس في: (ح). (٨) أعلام الحديث شرح صحيح البخاري (١٥٢٦/٣). (٩) في (م): ((هي)). (١٠) في الأصل، (ك٢، ح، م): ((وقيل ما)). (١١) المفهم (٥٣٤/٥). (١٢) ينظر: لسان العرب (٢٣٦/١)، وتهذيب اللغة (٢٦٦/١٠). = ٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): يُروى عن ابنِ عَبَّاسِ رَُّهُ(٢): ((الجِنَّانُ مَسخُ الجِنِّ، كَما مُسِخَتِ القِرَدَةُ من بَنِي إسرَائيلَ)). قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): ومِثْلُه عن ابنٍ عُمَرَ (٤). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): وقال ابنُ أبي ليلى: الجِنّ الذي (٦) لَا يَعتَرِضُونَ(٧) لِلنَّاسِ، (والخُبَّلُ: الذي)(٨) يَتَخَيَّلُونَ(٩) لِلنَّاسِ ويُؤْذُونَهم. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(١٠): وقِيلَ: الجِنَّانُ: ما لَا يَعتَرِضُ لِلنَّاسِ، والخُبَّلُ(١١): ما يَعتَرِضُ لَهم ويُؤْذِيهم، وأنشَدَ(١٢): تَنَاوَحَ جِئَّانٌ وچِنٌّ (١٣) وخُبَّلُ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: لِلنَّهيِ عن ذَواتِ الْبُيُوتِ شَرطَانٍ : أحَدُهما: أن يَكُونَ ذلك قَبلَ الإنذَارِ . والثَّانِي: أن لَا يَكُونَ ذَا ◌ُفْيَتَينِ وَلَا أبتَرَ، فَمَا كَانَ بِهَذِه الصِّفَةِ يُقتَلُ ولَو (١) التمهيد (١٨/١٦، ٢١). (٢) أخرجه الطبراني (٣٤١/١١) ح (١١٩٧٤) عن ابن عباس مرفوعًا، وأخرجه أحمد (٣٤٨/١)، وابن أبي شيبة (٤٠٣/٥) عنه موقوفًا. قال ابن أبي حاتم في العلل (٢] ٢٩٠): سمعت أبا زرعة يقول: هو موقوف، لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار، ولا بأس بحديثه. إكمال المعلم (١٦٩/٧). (٣) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢١/١٦). (٦) في (م): ((الذين)). وهو موافق للتمهيد. (٤) (٥) التمهيد (١٨/١٦). في التمهيد والاستذكار والإكمال: ((يتعرضون)). وكذا في مثيلتها . (٧) في (م)، والتمهيد، والاستذكار: ((والخُيَّل الذين)). قال الزبيدي: والخُبَّل، كسُكَّر: (٨) الجن، جمع خابل. وأيده بالبيت المذكور بعدُ. تاج العروس (٣٩١/٢٨). وينظر: الحيوان للجاحظ (٤١٧/٦). (٩) في (ش): ((يتخيلون)). وفي الحيوان: ((يتخبلون)). (١٠) إكمال المعلم (١٦٩/٧). (١١) في (م)، والإكمال: ((والخُيَّل)). (١٢) عجز بيت من الطويل منسوب لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص(٥٩)، وصدره: تبدل حالًا بعد حال عهدته (١٣) في ديوان أوس، والحيوان، والاستذكار، والتمهيد: ((بهن)). أبوابُ الأدَبِ كير ٣١ كَانَ من ذَواتِ البُيُوتِ بِغَيرِ إنذَارٍ، وقَد دَلَّ على ذلك الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُتَقَدِّمُ [٢/ ٢٥٠ظ] ذِكرُها. وإنَّما تَتِمُّ فَائدَةُ الحديثِ إذَا جُمِعَت ◌ُرُقُه. وقَد اجتَمَعَ هَذَانِ القَيدَانِ من طُرُقِهِ، ولِهَذَا صَوّبَ ابنُ عَبدِ البَرِّ هَذَا القَولَ كَما تَقَدَّمَ. وهو أولى الأقاويلِ (١) بِالحَقِّ لِما بَيَّنَّه. وقَد تَقَدَّمَ كَيفيةٌ(٢) الإنذَارِ فِي حَدِيثِ أبِي لَيلى وذَكَرَنَاه في الفَائِدَةِ التَّاسِعَةِ، وهو أن يَقُولَ: ((أنشُدُكُنَّ العَهدَ الذي أخَذَ (٣) عليكُنَّ نُوحٌ، أنشُدُكُنَّ العَهدَ الذي أخَذَ عليكُنَّ سُلَيمانُ (٤أن تُؤْذُونَا(٤)). وقال المازَرِيُّ(٥): وأما صِفَةُ الإنذَارِ: فَحَكَى ابنُ حَبيبٍ، عن النبيّ ◌َِِّ أَنَّه قال: ((أنشُدُكُنَّ بِالعَهدِ الذي أخَذَ عليكُنَّ سُلَيمانُ: (٦ أن تُؤْذُونَا أو تَظهَرُوا٦) لَنَا)). وأما مالِكٌ(٧) فَإِنَّه قال: يَكفي في الإنذَارِ أن يَقُولَ: أُحرِّجُ عليك بِالله واليَومِ الآخَرِ أن لَا تَبدُو لَنَا وَلَا تُؤْذِينَا . وأظُنُّ مالِكًا إنَّما ذَكَرَ هَذَا لِقَولِه في ((صَحِيحِ مسلم)): (فَحَرِّجُوا عليها ثَلَاثًا))؛ فَلِهَذَا ذَكَرَ (٨): أُحرِّجُ عليك. انتَهَى. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٩): (٢٠٧٣) قال مالِكٌ تَخُّْهُ: أحَبُّ إلَيَّ أن يُنذَرُوا ثَلَاثَةَ أيَّام. قال عِيسَى بنُ دِينَارٍ: تُنذَرُ ثَلَاثَةَ أيَّامِ، وإن ظَهَرَت في اليَومِ مِرَارًا. يُرِيدُ: ولَ يَقتَصِرُ على إنذَارِها ثَلَاثَ مَرَارٍ (١٠) في يَومٍ واحِدٍ؛ حَتَّى يَكُونَ ذلك(١١) فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. والله أعلم. (١) في (م): ((الأقوال)). (٣) في (م): ((أخذه)). وكذا ما يليها. (٥) المعلم بفوائد مسلم (٢٨١/٢). (٦ - ٦) في المعلم: ((ألا تؤذونا وألا تظهرن)). (٧) جواهر ابن شاس (٤٣٨/٣)، وجامع الأمهات (ص٥٥٦). (٨) في (ش): ((قال)). (١٠) في (م): ((مرّات)). (٢) مكانه في (ك٢، ح): ((كيفيته وهو)). (٤ - ٤) كذا في النسخ. وقد سبق توجيهه. (٩) إكمال المعلم (١٦٧/٧، ١٦٨). (١١) ليس في: (ك٢، ح). ء ٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ (١٣٢/٨م) الحديثُ الزَّابِعُ وعن الأعرج، عن أبي هرَيرَةَ، أنَّ رسولَ الله وَلِّ قال: «إِذَا انْتَعَلَ أحَدُكُم فَلَيَبدَأْ بِاليَمِينِ، فإذَا نَزَعَ فَلَيَبدَأْ بِالشِّمالِ؛ فَلَكُن اليُمنَى أولَهما تُنْعَلُ وآخِرُهما تُنْزَعُ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجه البخاريُّ وأبو داود والترمذيُّ (١)؛ من هَذَا الوجه، من طَرِيقِ مالِكِ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هَرَيْرَةَ. وأخرجه مسلمٌ، من رِوايَةِ الرَّبيعِ بنِ مسلمٍ. وابنُ ماجَه من رِوايَةِ شُعبَةَ. كِلَاهما عن مُحَمَّدِ بنِ زِيَادٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ(٢). ■ الثَّانِيَةُ: فيه مَشْرُوعِيَّةُ لُبسِ النِّعَالِ في الجُمْلَةِ. وفي ((صَحِيحِ مسلم))(٣) من حَدِيثٍ أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ قال: سَمِعتُ رسولَ الله ◌َّه يَقُولُ فِي غَزَّوَةٍ غَزَونَاهَ(٤): ((استكثِرُوا من الِّعَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا ما انتَعَلَ)). ومَعنَاهِ: أنَّه شَبيهُ بِالرَّاكِبِ فِي خِفَّةِ المَشَقَّةِ عليه وقِلَّةٍ تَعَبِهِ وسَلَامَةِ رِجلِه مِما يَعرِضُ في الطَّرِيقِ من خُشُونَةٍ وَشَوكٍ وأَذّى ونَحوِ ذلك. ■ الثَّالِثَةُ: فيه استِحِبَابُ الابتِدَاءِ في لُبسِ النَّعلِ بِالرِّجلِ اليُمنَى وفي نَزِعِها بِالرِّجلِ اليُسرَى. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): ومَن بَدَأ (٦) في انتِعَالِه بِشِمالِهِ فَقَد أَسَاءَ وخَالَفَ السُّنَّةَ، (١) البخاري (٥٨٥٥)، وأبو داود (٤١٣٩)، والترمذي (١٧٧٩). (٢) مسلم (٦٧/٢٠٩٧)، وابن ماجه (٣٦١٦). (٣) مسلم (٦٦/٢٠٩٦). (٥) التمهيد (١٨٢/١٨). (٦) في (م): ((ابتدأ)). (٤) في (ش): ((غزاها)). أبوابُ الأدَبِ ٣٣ = وبِئسَ ما صَنَعَ إذَا كَانَ بِالنَّهي (١) عَالِمًا، ولَا يَحرُمُ عليه مَعَ ذلك لِيَاسُ(٢) نَعِلِه(٣)، ولَكِنّه(٤) لَا يَنْبَغِي لَه أن يَعُودَ، والبَرَكَةُ والخَيرُ كُلُّه في اتِّبَاعِ أَدَبٍ(٥) رسولِ اللهِ وَُّ وامتِثَالِ أمرِهِ. قُلت: كَانَ يَنْبَغِي إِذَا بَدَأْ بِاليُسرَى أَن يَنزِعَ الثَّعَلَ منها لِيَبْتَدِئَ(٦) بِالْيُمنَى، استِدرَاكًا لِما حَصَلَ منه من مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. وقَد نَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ والنَّوِيُّ والقُرطُبي(٧) الإجماعَ على أنَّ هَذَا الأمرَ لِلِسْتِحِبَابِ دُونَ الوُجُوبِ. والله أعلمُ. ■ الزَّابِعَةُ: أَّدَ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ هَذَا الأمرَ بِقَولِه في الجُملَةِ الثَّانِيَةِ: (فَلَتَكُن اليُمنَى أولَهما تُنعَلُ وآخِرَهما تُنزَعُ)). فَأَشَارَ إلى أنَّ تَقدِيمَ(٨) اليُسرَى في النَّزْعِ لَيْسَ على سَبيلِ الإِكرَامِ لَها، بَل هو من تَمامِ إِكرَامِ الْيُمِنَى، وهو زِيَادَةُ بَقَاءٍ النَّعلِ فيها بَعدَ صَاحِبَتِها . وضَبَطَنَا قَولَه: (أولَهما وآخِرَهما)). بِالنَّصبِ على أنَّه خَبَرُ كَانَ. وقَولُه: ((تُنعَلُ وتُنزَعُ))، إشَارَةٌ إلى أنَّ الْيُمنَى أولى في الاِنتِعَالِ وأخرَى في النَّزعِ. ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ [الخَبَرُ قَولُه: ((تُنعَلُ)) وقَولَه ((تُنزَعُ))،، ويَكُونَ](٩) قَولُه: ((أولَهما وآخِرَهما))، [مَنصُوبَينِ على الحَالِ. ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ قَولُه («أولَهما وآخِرَهما))](١٠)، مَرفُوعَينٍ (١١) على الابتِدَاءِ. وقَولُه: ((تُنْعَلُ وتُنزَعُ))، خَبَرَانٍ لَهما، والجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ، واللهُ أعلم. (١) في (ك٢، ح): ((باليمنى)). (٣) في (ك٢، ح، ش): ((نعليه)). (٥) في (م): («آداب)». (٦) ليس في: (ك٢، ح). (٧) إكمال المعلم (٦١٦/٦)، وشرح النووي على مسلم (٧٥/١٤)، والمفهم (٤١٦/٥). (٨) في (ح): ((تقدم)). (٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (١١) في (ك٢، ح): ((من نوعين)). (٢) في الأصل، (م): (لبس)). (٤) في (م): ((ولكن)). = ٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ] الخَامِسَةُ: قال القَاضِي أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبي(١): التَّيَامُنُ أمرٌ مَشرُوعٌ في جَمِيعِ الأعمالِ لِفَضلِ (٢) اليَمِينِ على الشِّمالِ حِسًّا في القُوةِ والاستِعمالِ، وشَرعًا في النَّدبِ(٣) إلى تَقْدِيمِها [٢٥١/٢ و] وصِيَانَتِها . وقال النَّوِيُّ(٤) ويُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمنى(٥) في كُلِّ ما كَانَ من بَابِ التَّكرِيمِ والزِّينَةِ والنَّظَافَةِ ونَحوِ ذلك؛ كلُبسِ النَّعلِ والخُفِّ والمَدَاسِ والسَّرَاوِيلِ والكُمِّ، وحَلقِ الرَّأْسِ وتَرجِيلِهِ، وقَصِّ الشَّارِبِ ونَتَفِ الإبطِ، والسِّواكِ والإِكتِحَالِ وتَقلِيمِ الأظفَارِ، والوُضُوءِ والغُسلِ والتَّيَمُمِ، ودُخُولِ المَسجِدِ والخُرُوجِ من الخَلَاءِ ودَفعٍ الصَّدَقَّةِ، وغَيرِها من أنواعِ الدَّفِعِ الحَسَنَةِ، وتَنَاوُلِ الأشياءِ الحَسَنَةِ ونَحوِ ذلك. ويُستَحَبُّ البُدَاءَةُ بِالْيَسَارِ فِي كُلِّ ما هو ضِدُّ السَّابِقِ؛ فَمن ذلك خَلعُ النَّعلِ والخُفِّ والمَدَاسِ والسَّرَاوِيلِ والكُمِّ والخُرُوجِ مِن المَسجِدِ، ودُخُولِ الخَلَاءِ والاستِنجَاءِ، وتَنَاوُلِ أحجَارِ الاِستِنجَاءِ ومَسُّ الذَّكَرِ، والامتِخَاطِ والاستِنثَارِ، وتعاطِي المُستَقْذَرَاتِ وأشباهها . السَّادِسَةُ: إِذَا بَدَأْ بِلُبسِ النَّعلِ اليُمنَى أو بِخَلعِ اليُسرَى كَما هو السُّنَّةُ، فَلَا يَنبَغِي أن يُؤَخِّرَ لُبسَ اليُسرَى أو نَزِعَ الْيُمنَى، بَل يُبَادِرُ إلى ذلك على الولَاءِ، وإِن لَم يَحصُلِ المَشيُّ(٦) بِإِحدَاهما، ولِذلك قال في رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ زِيَادٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ بَعدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ: ((وَلِيَنْتَعِلهما(٧) جَمِيعًا، أو لِيَخلَعهما جَمِيعًا))، وهو في (صَحِيحِ مسلمٍ))(٨). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): هَذَا يُبَيِّنُ لَك أنَّ اليُمنَى (١٠) مُكَرَّمَةٌ، فَلِذلك يُبدَأ بِها (١) عارضة الأحوذي (٢٧٣/٧). (٢) في (ك٢، ح): ((لتفضيل)). شرح النووي على مسلم (٧٤/١٤، ٧٥). (٤) (٥) في (م): ((واستحب البداءة باليمين)). (٦) في (ك٢، ح): ((المسمى)). (٨) مسلم (٢٠٩٧/ ٦٧، ٦٨). (١٠) في (م): ((اليمين)). (٣) في (ك٢، ح): ((البدن)). (٧) في صحيح مسلم: ((ليُنْعِلهما)). (٩) التمهيد (١٨٢/١٨). أبوابُ الأدَبِ ٣٥ 2 5 = إذَا انتَعَلَ وَيُؤَخِّرُها إذَا خَلَعَ؛ لِتَكُونَ الزِّينَةُ بَاقِيَةً عليها أكثَرَ مِما على الشِّمالِ. قال: ولَكِن مَعَ هَذَا لَا يَبقَى عليها النَّعلُ دَائمًا (١) لِقَولِه: ((لِيُحِفِهما(٢) جَمِيعًا)). والله أعلم. الحديثُ الخَامِسُ وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: «لَا يَمْشِي(٣) أحَدُكُم في نَعلٍ واحِدَةٍ: لِيُنْعِلهما جَمِيعًا، أو (١٣٤/٨م) لِيَخلَعهما جَمِيعًا)). وعن هَمام، عن أبي هرَيرَةَ رَُّبه، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((إِذَا انقَطَعَ شِعُ نَعَّلِ أحَدِكُم أو شِرَاكُه: فَلَا يَمشِي في إحدَاهما(٤) بِنَعلٍ والأخرَى حَافيةٌ؛ لِيُحِفِهما جَمِيعًا أو لِيُنعِلهما(٥) جَمِيعًا))، رواه مسلمٌ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجه من الطَّرِيقِ الأولى: البخاريُّ ومسلمٌ وأبو دَاوُد [والترمذيُّ(٦) من طَرِيقِ مالِكِ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هرَيرَةَ. ورَواه مسلمٌ](٧) والنسائيُّ وابنُ ماجَه(٨) من رِوايَةٍ أبي رَزِين، عن أبي هَرَيْرَةَ بِلَفِظِ: ((إِذَا انقَطَعَ شِعُ نَعلِ أحَدِكُم: فَلَا يَمشِ(٩) فِي نَعلِ واحِدَةٍ حَتَّى يُصلِحَها)). ورَواه (١) في الأصل: ((وإنما)). (٢) في (ك٢، ح): ((ليخلعهما)). (٤) في (ش): «أحدهما)). (٥) في (ح): (ليخلعهما)). البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٦٨/٢٠٩٧)، وأبو داود (٤١٣٦)، والترمذي (١٧٧٤). (٦) (٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٨) مسلم (٦٩/٢٠٩٨)، والنسائي (٥٣٨٥)، وابن ماجه - كما في تحفة الأشراف (٣٦٩/١٠) (١٤٦٠٨). (٩) في (م): ((يمشِي)). (٣) في (ش): ((يمشٍ)). = ٣٦ 22 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مسلمٌ(١) أيضًا من رِوايَةِ الأعمَشِ، عن أبي رَزِينٍ (٢)، وأبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ. ورَواه ابنُ ماجَه(٣) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ عَجلَانَ، عن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هَرَيْرَةَ رَُّهِ، بِلَفِظِ: ((لَا يَمشِ (٤) أحَدُكُمْ فِي نَعلِ واحِدٍ وَلَا خُقّ واحِدٍ»، الحديثَ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه النَّهيُ عن المَشي في نَعلٍ واحِدَةٍ (٥)، وذلك على طَرِيقٍ الكَرَاهَةِ دُونَ التَّحرِيمِ، كَما نَقَلَ الإجماعَ على ذلك غَيرُ واحِدٍ: منهم النَّوِيُّ(٦). وخَالَفَ فيه ابنُ حَزَمَ الظَّاهرِيُّ(٧) فقال: ولَا يَحِلُّ المَشيُّ في خُفِّ واحِدٍ (٨) ولَا نَعلٍ واحِدَةٍ. ■ الثَّالِثَةُ: بَوّبَ(٩) الترمذيُّ(١٠) بَعدَ إِيرَادِ هَذَا الحديثِ: على الرُّخصَةِ في المَشيٍ في نَعلٍ واحِدَةٍ. ورَوى فيه عن عَائشَةَ، قالت: ((رُبَّمَا مَشَى النبيّ ◌ِّ في نَعلٍ واحِدَةٍ». ثُمَّ رَواه مَوقُوفًا على عَائِشَةَ وقال: إنَّه أصَخُ. قال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي (١١): وذلك، والله أعلَمُ، عِندَ الحَاجَةِ إلَيه أو يَكُونُ يَسِيرًا(١٢) . وقال والِدِي تَظْثُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): لَعَلَّه بِتَقدِيرِ ثُبُوتِهِ وقَعَ منه نَادِرًا لِيَانِ الجَوازِ أو لِعُذرٍ، وفي بَعضِ ظُرُقِه التَّصْرِيحُ [٢٥١/٢ظ] بِالعُذرِ. رواه ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(١٣) من رِوايَةِ مَندَلٍ، عن ليثٍ (١٤)، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ القَاسِمِ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ رُِّنَا، قالت: ((رُبَّما انقَطَعَ شِعُ نَعلِ رسولِ الله ◌ِِّ؛ فَيَمْشِي في النَّعلِ الواحِدَةِ حَتَّى تَصلُحَ)). (١) مسلم (٢٠٩٨). بعده في (٢٥، ح): ((بن))، وفي (ش): ((عن)). (٢) (٣) ابن ماجه (٣٦١٧). (٥) في (ك٢، ح): ((واحد)». (٧) ينظر: المحلى (١٠٤/٢). (٩) ليس في: (ك٢، ح). ومكانه في (ش): ((بوب عليه)). (١٠) الترمذي (١٧٧٧، ١٧٧٨). (١٢) في (ش): ((تيسيرًا)). (١٤) في (م): ((الليث)). (٤) في (م): ((یمشِي)). (٦) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٧٥). (٨) ليس في: (ش). (١١) عارضة الأحوذي (٢٧٢/٧، ٢٧٣). (١٣) التمهيد (١٧٩/١٨). أبوابُ الأدَب 5 ٣٧ وهَذَا لَو ثَبَتَ كَانَ مَحمُولًا على وُقُوعِه نَادِرًا لِضَرُورَةٍ. وَيَدُلُّ عليه قَولُه: ((رُبَّمَا))، فَإنَّها لِلتَّقَلِيلِ (١). وكذلك فِعلُ عَائِشَةَ: لَعَلَّه لِعُذرٍ. ورَوى ابنُ أبي شَيْبَةَ(٢) عن ابنِ عُيَينَةَ، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ القَاسِمِ، عن أبيه: أنَّ عَائِشَةَ رَّا، كَانَت تَمْشِي فِي خُفِّ واحِدٍ، وتَقُولُ: لَأَخِيفَنَّ أَبَا هَرَيرَةَ. وإسنادُه صَحِيحٌ. قال والِدِي: فَما الذي أرَادَت بِإِخَافَةٍ أبي هرَيرَةَ أو مُخَالَفَتِهِ إن كانَت الرِّوايَةُ: (لَأَخَالِفَنَّ))(٣) . ولَعَلَّ أَبَا هَرَيْرَةَ كَانَ يُشَدِّدُ في ذلك ويَمنَعُ منه؛ فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ ضُهَا، أَن تُبَيِّنَ أنَّ ذلك لَيسَ على المَنعِ، وإنَّما هو على التَّنْزِيه والأولَوِيَّةِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): لَم يَلتَفِت (٥أهلُ العِلم٥ِ) إلى مُعَارَضَةٍ عَائِشَةَ لِأبي هُرَيْرَةَ؛ لِضَعفِ إسنَادِ حَدِيثِها، ولِأنَّ السُّنَنَ لَا تُعَارَضُ بِالرَّأيٍ. قال(٦): وقَد رُوِيَ عنها أنَّها(٧) لَم تُعَارِض أبَا هَرَيرَةَ بِرَأيِها، وقالت: ((رَأيتُ رسولَ الله وَّ﴿ يَمِشِي فِي نَعلٍ واحِدَةٍ)). قال: وهَذَا الحديثُ عِندَ أهلِ العِلمِ غَيرُ صَحِيحٍ. انتَهَى. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةً(٨) عن ابنٍ عُمَرَ: أنَّه كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أن يَمْشِيَ في نَعلٍ واحِدَةٍ إِذَا انقَطَعَ شِسعُه ما بَيْنَه وبينَ أن يُصلِحَ شِسعَه. ورَوى أيضًا(٩) من رِوايَةٍ يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ، عن رَجُلٍ من مُزَينَةُ، قال: رَأْيت عَلِيًّا يَمْشِي فِي نَعلٍ واحِدَةٍ بِالمَدَائِ كَانَ يُصلِحُ شِسعَه. قال والِدِي رَّتُهُ: وهَذَا إِسْنَاءٌ(١٠) لَا يَصِحُ عن عَلِيٍّ. لَكِن رَواه ابنُ عَبدِ البَرِّ (١) في (ش): ((للتعليل)). وينظر: مغني اللبيب (ص١٧٩). ابن أبي شيبة (٢٢٩/٨) (٢٥٤٢٩). (٢) (٤) التمهيد (١٧٩/١٨). (٦) التمهيد (١٧٩/١٨). (٨) ابن أبي شيبة (٢٢٩/٨) (٢٥٤٢٨). (١٠) في الأصل، (م): ((الإسناد)). (٣) ينظر: فتح الباري (٣١٠/١٠). (٥ - ٥) في (ك٢، ح): ((العلماء)). (٧) ليس في: (ك٢، ح). (٩) التمهيد (١٨٠/١٨). = ٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التّقْرِیبِ في ((الَّمهيد))(١) من رِوايَةِ سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ مولى(٢) أصحَابِ المَقصُورَةِ، عن مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ بِنِ (٣) عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِبٍ، عن أبيه: أنَّ عَلِيًّا كَانَ يَمْشِي في النَّعلِ الواحِدَةِ. قال والِدِي ◌َّهُ: وهَذَا إسنَادٌ جَيِّدٌ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): وهَذَا مَعنَاه لَو صَحَّ: أنَّه كَانَ عن ضَرُورَةٍ أو كَانَ يَسِيرًا؛ لِجَوازٍ أن يُصلِحَ الأخرَى، لَا(٥) أنَّه أَطَالَ ذلك، واللهُ أعلمُ. قال: ولَا حُجَّةَ في مِثلِ هَذَا الإسنَادِ. قال والِدِي كَُّ: سُلَيمانُ (٦ بنُ يَسَار٦ٍ) هَذَا، ومُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ، وأبوه: ذَكَرَهم ابنُ حِبَّنَ في ((الثِّقَاتِ)) (٧)، ووثَّقَ العِجلِيّ (٨) أيضًا أبَاه عُمَرَ بنَ عَلِيٍّ، وبَاقِيهِم رِجَالُ الصَّحِيحِ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(٩)، بِإسنَادٍ صَحِيحٍ، عن زَيدِ بنِ مُحَمَّدٍ: أنَّه رَأى سَالِمَ بنَ عَبدِ الله يَمْشِي فِي نَعلٍ واحِدَةٍ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(١٠): رُوِيَ عن بَعضِ السَّلَفِ في المَشي في نَعلٍ واحِدَةٍ أو خُفّ واحِدةٍ (١١): أثَرٌ لَم يَصِحَّ، أو لَه تَأْوِيلٌ في المشي (١٢) اليَسِيرِ بِقَدرِ ما يُصلِحُ الأخرَى(١٣). واختَلَفَ المَذهَبُ عِندَنَا في ذلك: هَل يَقِفُ حَتَّى يُصلِحَها أو يَمْشِي أثنَاءَ ما يُصلِحُها؟ فَمَنَعَ من ذلك مالِكٌ، وإن كَانَ في أرضٍ حَارَّةٍ؛ أي: مَنَعَ الوُقُوفَ في (١٣٦/٨م) نَعلٍ واحِدَةٍ والمَشيَ في نَعلٍ واحِدَةٍ مَعًا، كَما أَفصَحَ(١٤) بِهِ أبو العَبَّاسِ (١) التمهيد (١٨٠/١٨). في (م): ((من)). وأشار أنها كالمثبت في نسخة. (٢) (٣) في (ك٢، ح): ((عن)). (٥) في (ك٢، ح): ((إلا)). الثقات (٣٩٤/٦، ١٤٦/٥، ٣٥٣). (٧) ابن أبي شيبة (٢٢٩/٨) (٢٥٤٣٠). (٩) (١٠) إكمال المعلم (٦١٦/٦، ٦١٧)، وينظر: المفهم (٤١٥/٥، ٤١٦). (١١) في (م): ((واحد)). (١٣) بعده في (م): ((قال)). (٤) التمهيد (١٨٠/١٨). (٦ - ٦) ليس في: (ك٢، ح). (٨) معرفة الثقات للعجلي (١٧٠/٢). (١٢) في الأصل، (م): ((الشيء)). (١٤) في (ك٢، ح): ((أوضح)). أبوابُ الأدَبِ ٣٩ = القُرطبي وقال: لِيُحِفِهما(١) ولا بُدَّ، حَتَّى يُصلِحَ الأخرَى إلَّا في الوُقُوفِ الخَفيفِ والمَشيِ اليَسِيرِ . لَكِن حَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٢) عن مالِكٍ أنَّه سُئلَ عن الذي يَنقَطِعُ شِعُ نَعلِه، وهو في أرضٍ حَارَّةٍ، هَل يَمْشِي في الأخرَى حَتَّى يُصلِحَها؟ قال: لَا، ولَكِن لِيخلعهما(٣) جَمِيعًا أو لِيَقِف. ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هَذَا هو الصَّحِيحُ من الفَتوى، وهو الصَّحِيحُ في الأثَرِ وعليه العُلَماءُ. الرَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ(٤): قال العُلَماءُ: سَبَبُه أنَّ ذلك تَشوِيةٌ ومثلةٌ(٥) ومُخَالِفٌ(٦) لِلوقَارِ، ولِأَنَّ المُنتَعِلَةَ تَصِيرُ أرفَعَ من الأخرَى فَيَعسُرُ مَشِيُه، ورُبَّما [٢/ ٢٥٢ و] كَانَ سَبَبًا لِلِعِثَارِ. انتَهَى. وقال أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبي (٧): قِيلَ: لِأنَّها مِشيَةُ الشَّيطَانِ. وقِيلَ: لِأنَّها خَارِجَةٌ عن الاعتِدَالِ، فَهو إذَا تَحَفَّظَ بِالرِّجلِ الحَافيةِ: تَعَثَّرَ بِالأخرَى، أو يَكُونُ أحَدُ شِقَّيه أعلى في المَشى من الآخَرِ. وذلك اختِلَالٌ. وقال البَيهَقِيُّ في ((شُعَبِ الإِيمانِ))(٨): يَحتَمِلُ أن يَكُونَ النَّهيُ عن ذلك لِما فيه من القُبحِ والشُّهِرَةِ وامتِدَادِ الأبصَارِ إلى مَن يَرَى ذلك منه، وكُلُّ لِيَاسٍ صَارَ صَاحِبُهُ(٩) بِهِ شُهرَةٌ في القُبحِ: فَحُكمُه أن يُتَّقَى ويُجتَنَبَ؛ لِأَنَّه في مَعنَى المُثلَةِ. وقال الخَطَّابي(١٠): هَذَا قَدْ يَجمَعُ أمُورًا: منها: أنَّه قَد يَشُقُّ عليه المَشِيُّ على هَذِه الحَالِ (١١)؛ لِأنَّ وقعَ(١٢) (١) في (ك٢، ح): ((ليخلعهما)). (٢) التمهيد (١٨٠/١٨). (٤) شرح النووي على مسلم (١٤ /٧٥). (٣) في (م): ((ليحفهما)). (٥) في (م): ((مشقة)). (٦) في الأصل، (ك٢): ((ومخالفة)). عارضة الأحوذي (٢٧٢/٧). (٧) (٩) في (م): ((لصاحبه)). (١١) في (ح): ((الحالة)). (٨) شعب الإيمان (٣٠٤/٨). (١٠) معالم السنن (٤ /٢٠٤). (١٢) ليس في: (م): ((رفع)). وفي المعالم: ((وضع)). ٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أحَدٍ (١) القَدَمَينِ منه على الحَفَاءِ إنَّما هو مَوضِعُ الثَّوقِّي والتَّهَيُّبِ (٢) لِأَذِى يُصِيبُه أو حَجَرٍ يَصدِمُه، ويَكُونُ وضعُه القَدَمَ الآخَرَ على خِلَافِ ذلك من (٣الاعتِمادِ بِه(٣) والوضعِ لَه من غَيرِ مُحَاشَاةٍ أو تَقِيَّةِ؛ فَيَختَلِفُ من ذلك مَشِيُه، ويَحتَاجُ مَعَه إلى أن يَنْتَقِلَ عن سَجِيَّةِ المَشي و(٤) عَادَتِه المُعتَادَةِ فيه (٥)، فَلَا يَأْمَنُ عِندَ ذلك العِثَارَ(٦) والعنتَ، وقَد يُتَصَورُ فَاعِلُه عِندَ النَّاسِ بِصُورَةٍ من إحدَى رِجَلَيه أقصّرَ من الأخرَى، (٧ ولَا خَفَاء٧َ) بِقُبح (٨) مَنظَرِ هَذَا الفِعلِ، (٦ وكُلُّ أمرٍ يَشتَهرُه٩) النَّاسُ ويَرفَعُونَ إِلَيه أبصَارَهم: فَهو مَكَرُوهٌ مَرغُوبٌ عنه. ■ الخَامِسَةُ: قال ابنُ الأثِيرِ (١٠) في ((النِّهايَةِ)): النَّعلُ مُؤَنَّئَةٌ، وهي التي تُلَسُ في المَشي تُسَمَّى الآنَ: تَاسُومَةَ، انتَهَى. ومُقتَضَاه: أنَّ اسمَ النَّعلِ لَا يصدق(١١) على كُلِّ ما يُلبَسُ في الرِّجلِ. ويُوافِقُه كَلَامُ أبي بَكرِ ابنِ العَرَبي (١٢)، فَإِنَّه قال: إنَّ النَّعلَ لِبَاسُ الأنبياءِ، وإنَّما اتَّخَذَ النَّاسُ غَيرَه لِما في بِلَادِهم من الطّينِ. لَكِن قال في ((المُحكَم)» (١٣) النَّعلُ والنَّعلَةُ: ما وُقِيَت بِهِ القَدَمُ من الأرضِ. ثُمَّ قال: فَأْما قَولُ كُثَيِّرِ (١٤): لَها نَعَلٌ. (١) في (ك٢، ح): ((إحدى)). (٣ - ٣) ليس في: (ح): ((الاعتمادية)). (٥) ليس في: الأصل، (م). (٧ - ٧) في (ك٢، ح): ((والإحفاء)). (٩ - ٩) في (ح): ((وكان أمر بشهرة)). (١١) في الأصل، (م): ((يطلق)). (١٣) المحكم (١٥٩/٢). (٢) في (ش): ((والنهي)). (٤) في (م): ((على)). (٦) في (ك٢، ح): ((العبد)). (٨) في (ح): ((یقبح)). (١٠) النهاية في غريب الحديث (٨٣/٥). (١٢) عارضة الأحوذي (٢٧٣/٧). (١٤) البيت من الطويل، وهو منسوب، لكُثَيّر بن عبد الرحمن، المعروف بكُثّر عزة، وهو في ديوانه (٢/ ١١٢): لها نَعَلٌ لا تَطَّبِي الكلبَ ريحُها وإنْ جُعِلَتْ وَسْطَ المجالسِ شُمَّتٍ ينظر: الخصائص (١١/٢)، والمحكم (١٥٩/٢)، واللسان (٦٦٧/١١)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (٣٤٣/١٩)، والحيوان للجاحظ (٢٦٦/١)، وخزانة الأدب (٤٩٢/٩).