Indexed OCR Text
Pages 261-280
S ٢٦١ بابُ لَا حَدَّ في النَّظَرِ والمَنطِقِ حَتَّى يُصَدِّقَ الفَرجُ النَّووِيُّ(١) من أصحَابِنَا: الصَّوابُ أنَّه لَا يَكفُرُ إِذَا لَم يَكُنْ(٢) نِيَّةً. ■ الثَّامنةِ: قَد يُستَدَلُّ بِقَولِه: ((والأذُنَانِ زِنَاهما الاستِماعُ)). عَلى أنَّ صَوتَ المَرأةِ عَورَةٌ، وقَد يُقَالُ: إنَّما المُرَادُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِشَهوةٍ، ولَا شَكَّ أنَّ الاستِماعَ إلى حديثِ الأجنبيةِ بِشَهوةٍ حَرَامٌ، والأصَحُ عند أصحَابِنَا: أنَّ صَوتَها لَيسَ .(٣) بِعَورَةٍ (٣). ( التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((واليَدُ زِنَاها البَطشرُ)). لَيسَ مَعنَاه أنَّ كُلَّ بَطشٍ مُحَرَّمٍ يُطلَقُ عليه زِنَّى، إنَّما ذَلِكَ فيما هو من مُقَدِّماتِ الزِّنَا، ويُفَسِّرُه قَولُه في رِوايَةٍ ابنِ حِبانَ(٤) في (صَحِيحِه)(٥) من حديثِ ابنِ عَباسٍ: ((والبَدُ زِنَاها اللمسُ)). فَالمُرَادُ بَطشٌ مَخصُوصٌ، وقَولُه في الفَمُ ((ِنَاهُ القُبَلُ)» جَمِعُ قُبَلَةٍ. ■ العَاشِرَةُ: فيه أنَّ النَّظَرَ المُحَرَّمَ ونحوه (٦) وإن سُمِّيَ زِنَّى مَجَازًا، لَا يَتَرَتَّبُ عليه حُكمُ الزِّنَا من إِيجَابٍ حَدٍّ ولَا غَيرِهِ، وإنَّما يَجِبُ الحَدُّ في الزِّنَا الحَقِيقِيِّ بَل لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، إِذَا لَم يَقَع مُرتَكِبُه في الكَبائِرِ، عَفوًا وكَرمًا، قال الله تعالى: ﴿إِن تَّجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ [النساء: ٣١]، فَجَعَلَ الصَّغَائرَ مُكَفَّرَةً بِاجتِنَابِ الكبائرِ، مُدْخَلًا كَرِيمًا (@) وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَِشَ إِلَّ اللَّهُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وهو عَلى المَشهورِ: ما يُلِمُّ بِهِ الإنسَانُ من صَغَائرِ الذُّنُوبِ التي لَا يَكَادُ يَسلَمُ منها إلَّا مَن عَصَمَه الله رَّك. وهذا مَعنَى قَولِ ابنِ عَباسٍ ﴿ّ: ((ما رَأيت شَيئًا أشبَهَ بِاللمَمِ مِما قال(٧) أبو هرَيرَةَ عن النبيّ ◌ِّ). أُرَادَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِهذا الحديثِ، وأنَّ النَّظَرَ والنُّطقَ ونحوهما (٨) هو المُرَادُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وكَما أنَّه روضة الطالبين وعمدة المفتين (٢٨٨/٧). (١) (٢) في (ش): ((یکن له)). (٣) روضة الطالبين (٣٦٧/٥). (٤) في (ك): ((أبي حيان)). ابن حبان (٤٤٢٢) من حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس عنده (٤٤٢٠) ليس فيه (٥) هذه الزيادة. (٦) ليس في: (م). في (م): «شبھھما)). (٨) (٧) في (م): ((قاله)). = ٢٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ لَا حَدَّ في هَذِه المُقَدِّماتِ، لَا تَعزِيرَ فيها إذَا صَدَرَت من ولِيٍّ(١) الله(٢) تعالى، كَما ذَكَرَ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ بنُ عَبدِ السَّلَامِ في ((قَواعِدِه الكُبرَى)»: أنَّه لَا يَجُوزُ لِلحُكَّامِ تَعزِيرُ بَعضِ الأولِيَاءِ فيما يَصدُرُ منه من الصَّغِيرَةِ، بَل تُقَالُ عَثْرَتُه، وتُستَرُ زَلَّتُه. قَال: وقَد جَهلَ أكثَرُ النَّاسِ، فَزَعَمُوا أَنَّ الوِلَايَةَ تَسقُطُ بِالصَّغِيرَةِ. ■ الحَادِيَةَ عَشرَةً: قال الخَطَّابي(٣): قال الشَّافِعِيُّ: إذَا قال لِرَجُلٍ: زَنَت يَدُك. كَانَ قَذْفًا (٤)، كَما يَقُولُ: زَنَى فَرِجُه. وقال بَعضُ أصحابِهِ: يَجِبُ أن لَا يَكُونَ هذا قَذْفًا. واحتَجَّ بِهذا الحديثِ، قال: وهو ظاهرٌ، كَما (٢٢/٨م) تَقُولُ: زَنَت عَيْنُك. ولَم يَخْتَلِفُوا أَنَّه لَيسَ بِقَذْفٍ. قال الخَطّابي: ويُشبِهِ أن يَكُونَ الشَّافِعِيُّ إنَّما جَعَلَه قَذْفًا؛ لِأَنَّ الأفعَالَ من فَاعِلِيها تُضَافُ إلى الأيدِي؛ كقَولِه ◌َل: ﴿وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقَولِه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ( لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ ﴾﴾ [الحج: ١٠]. ولَيسَ ذَلِكَ بِمَقْصُورٍ عَلى جِنَايَةِ الأيدِي دُونَ غَيرِها من الأعضَاءِ، فَكَأنَّه إذَا جَعَلَ اليَدَ زَانِيَةً، صَارَ الزِّنَا وصفًا لِلذَّاتِ؛ لِأنَّ الزِّنَا لَا يَتَبَغَّصُ، فَلَا يَجُوزُ أن يُحمَلَ عَلى مَعنَى الكِنَايَةِ في قَولِهِ؛ لِأَنَّ الكِنَايَةَ عنده لَيسَت قَذْفًا . انتَهَى. وهو نَقلٌ غَرِيبٌ، والمَشهورُ عند أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ (٥): الجَزمُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَذْفًا، ولَم يُفَرِّقُوا بَيْنَ نِسْبَةِ الزِّنَا لِلَيَدِ والعَينِ. والله أعلمُ. ■ الثَّانِيَةَ عَشرَةَ: قال الخَطَّابي(٦): وفي قَولِه ((والفَرجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ ويُكَذِّبُه)). استِدلَالٌ (٧) لِمَن جَعَلَ المتلَوطَ (٨) زَانِيًا يُحَدُّ أو يُرجَمُ كسَائرِ الزُّنَاةِ، وذَلِكَ أَنَّه قَد واقَعَ الفَرِجَ بِفَرجِه، وهو صُورَةُ الزِّنَا حَقِيقَةً. والله أعلم. (١) في (ك، ح): ((ذكر)). (٣) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢٢٣٠/٣، ٢٢٣١). (٤) في (ك): «قاذفاً». معالم السنن (٢٢٢/٣). (٦) في (م): ((الملوط)). (٨) (٢) في (ش): (الله)). (٥) ينظر: الحاوي (١٣٠/١١). (٧) في (ك) ومصدر التخريج: ((مستدل)). ٢٦٣ بابُ لَا حَدَّ في النَّظَرِ والمَنطِقِ حَتَّى يُصَدِّقَ الفَرجُ ■ الثَّالِثَةَ عَشْرَ: قَولُه: ((يُصَدِّقُ ما ثَمَّ)). بِفَتح الثَّاءِ المُثَلََّةِ؛ أي: ما هنَاكَ من مُقَدِّماتِ الزِّنَا، أتَى (١) بِإِشَارَةِ البَعِيدِ دُونَ القَرِيبِ، لِاستِقِذَارِ (٢) الفَوَاحِشِ، وتَبعِيدِها عن النَّفسِ، ولَا يَنبَغِي التَّعبيرُ عنها إلَّا (٣) بِما يُعَبَّرُ بِها(٤) عن البَعِيدِ حِسًّا. والله أعلمُ. (١) (٣) في (ك، ش): ((وأتى)). ليس في: (ك، ح). (٢) في (ك): (لاستقرار)). (٤) في (ك، ح): ((به)). ٢٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بابُ حَدِّ السَّرِفَةِ الحديثُ الأولُ فجّ عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: «أنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُه ثَلَاثَةُ دَرَاهمَ». ء فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجه الشيخانٍ، و((أبو دَاوُد))، و((النسائيُّ))(١) من طَرِيقِ مالِكِ. و((الشيخانِ))، و((النسائيُّ))، و((ابنُ ماجَه))(٢) من طَرِيقِ عُبيد الله(٣) بنِ عُمَرَ. و((الشيخانٍ))، و((النسائيُّ)»(٤) من طَرِيقِ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ. و((البخاريُّ)) تَعلِيقًا، و ((مسلمٌ)) و ((الترمذيُّ)»(٥) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، بِلَفِظِ «قِيمَتُه))(٦). و((مسلمٌ))، و((أبو دَاوُد))، و((النسائيُّ))(٧) (٢٣/٨م) من طَرِيقِ إسماعِيلَ بنِ أمَّيَّةَ. و((مسلمٌ)) و((النسائيُّ) (٨) من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّخِيَانِيُّ، وأيُّوبَ بنِ مُوسَى، وحَنظَلَةَ بنِ البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (٦/١٦٨٦)، وأبو داود (٤٣٨٥)، والنسائي (٤٩٢٣). (١) (٢) البخاري (٦٧٩٧)، ومسلم (١٦٨٦)، والنسائي (٤٩٢٥)، وابن ماجه (٢٥٨٤)، وينظر: تحفة الأشراف (٧٤٩٦). (٣) في (م): ((عبد الله)). البخاري (٦٧٩٨)، ومسلم (١٦٨٦)، والنسائي (٤٩٢٥). (٤) البخاري قبل حديث (٦٧٩٩)، ومسلم (١٦٨٦)، والترمذي (١٤٤٦). (٥) (٦) في (ك٢، ح، ش): ((فثمنه». مسلم (١٦٨٦)، وأبو داود (٤٣٨٦)، والنسائي (٤٩٢٤، ٤٩٢٥). (٧) مسلم (١٦٨٦)، والنسائي (٤٩٢٥)، وكما في تحفة الأشراف (٧٥٤٥)، (٤٩٢١، (٨) ٤٩٢٢). = ٢٦٥ بابُ حَدِّ السَّرِقَةِ أبي سُفيَانَ. و((البخاريُّ))(١) فَقَط من طَرِيقِ جُويرِيَةَ بنِ (٢) أسماءَ. و((مسلمٌ))(٣) فَقَطْ من طَرِيقِ أَسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وعَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ. و((البخاريُّ))(٤) تَعلِيقًا من طَرِيقٍ مُحَمَّدِ بنِ إِسحَاقَ. كُلُّهم، وهم اثنَا عَشَرَ، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ. وقال ابنُ حَزمٍ(٥): لَم يَروِهِ أحَدٌ إلَّا نَافِعٌ عن ابنٍ عُمَرَ، هَكَذَا رَواه عنه الثِّقَاتُ الأئمَّةُ. فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ الاِثْنَي عَشَرَ، إِلَّا أَسَامَةَ وعَبدَ الله بنَ عُمَرَ، وزَادَ: إسماعِيلَ بنَ عُلَيَّةَ، وحَمادَ بنَ زَيدٍ، ثُمَّ قال: وغَيرُ هَؤُلَاءِ، مِمَّن لَا يَلحَقُ بِهَؤُلَاءٍ، ولا يُختَلَفُ في اللفظِ، قال: (ثَمَنُه))، ورَواه بَعضُ الثِّقَاتِ أيضًا عن حَنظَلَةَ بنِ أبي سُفِيَانَ، فقال: ((قِيمَتُهُ خَمسَةُ دَرَاهَمَ)). انتَهَى. وهَذِهِ الرِّوايَةُ التي أشَارَ إلَيها بِلَفِظِ: ((خَمسَةٍ)) رَواها ((النسائيّ))(٦)، عن عَبدِ الحَمِيدِ، عن(٧) مُحَمَّدِ بنِ مَخلَدٍ بنِ يَزِيدَ عنه، والمَشهورُ عنه ما تَقَدَّمَ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨): هذا أصَحُّ حَدِيثٍ يُروى عن النبيّ ◌َّ في هذا البابِ، لَا يَخْتَلِفُ أهلُ العِلمِ بِالحديثِ فِي ذَلِكَ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه وُجُوبُ قَطع السَّارِقِ في الجُمْلَةِ، وهو مُجمَعٌ عليه(٩). ونَصَّ عليه القُرآنُ الكَرِيمُ، وشَرَعَ الله ◌َتْ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلأموالِ، ولَم يَجعَله في غَيرِ السَّرِقَةِ؛ كالاختِلَاسِ والإِنتِهابِ والغَصبِ. وسَبَيُّه؛ كما قال بَعضُهم: إنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسَبَةِ إلى السَّرِقَةِ، ولِأَنَّه يُمكِنُ استِرِجَاعُ هَذِهِ الأنواعِ بِالاِستِعدَاءِ إلى وُلَاةِ الأمُورِ، وتَتَيَسَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِخِلَافِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّه تَعسُرُ إِقَامَّةُ البَيِّنَةِ عليها، فَعَظُمَ أمرُها، واشتَدَّت عُقُوبَتُها، لِيَكُونَ أبلَغَ في الزَّجرِ عنها . وقَد عَسِرَ عَلى بَعضِهم فَهمُ هذا المَعنَى، ورَأى أنَّ إثباتَ القَطع في السَّرِقَةِ دُونَ الغَصبِ مِما لَا يُعقَلُ مَعنَاه، وقال: إنَّ الغَصبَ أكثَرُ هَتكّا لِلحُرمَةِ من (١) البخاري (٦٧٩٦). (٣) مسلم (١٦٨٦). (٥) المحلى (٣٥٣/١١). (٧) في (م): ((عن)). ينظر: الإجماع (ص١٥٧). (٩) (٢) في (ك): ((بنت)). (٤) البخاري بعد حديث (٦٧٩٨). (٦) النسائي (٤٩٢١). (٨) التمهيد (٣٧٥/١٤). = ٢٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ السَّرِقَةِ. وجَعَلَ ذَلِكَ شُبهَةً لَه في إنكَارِ القِيَاسِ؛ لِأَنَّ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِثلُ هَذِه الأحكَامِ التي لَا مَجَالَ لِلعَقلِ فيها، وهذا قَولٌ ضَعِيفٌ مَردُودٌ، بَيَنَّا فَسَادَه في الأصُولِ. ■ الثَّالِثَةُ: في تَقِدِ القَطعِ بِهِذا القَدرِ من السَّرِقَةِ إِشَارَةٌ إلى اعتِبارِ النِّصَابِ في المَسرُوقِ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلَماءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ (١)، وبِه قال الأئمَّةُ الأربَعَةُ. وَذَهَبَ أهلُ الظَّاهِرِ (٢) إلى أنَّه لَا يُشتَرَطُ النِّصَابُ، بَل يُقَطَعُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، وبِه قال أبو عَبدِ الرَّحمَنِ ابنُ بِنتِ الشَّافِعِيِّ. وحَكَاه القَاضِي(٣) عن الحَسَنِ (٢٤/٨م) البَصرِيِّ والخَوارِجِ وأهلِ الظَّاهرِ. وتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِظَاهرٍ قَوله تعالى: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. مَعَ قَولِه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((لَعن الله السَّارِقَ يَسرِقُ الْبَيضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُه ويَسرِقُ الحَبلَ فَتُقْطَعُ يَدُ))(٤). وَذَهَبَ ابنُ حَزمٍ إلى القَطعِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، إلَّا أن يَكُونَ المَسرُوقُ من الذَّهَبِ، فَلَا يُقْطَعُ إلَّا في رُبُع دِينَارٍ فَصَاعِدًا، لِحديثٍ عَائِشَةَ الثَّابِتِ في ((الصَّحِيحِ)): (لَا تُقْطَعُ البَدُ إِلَّا فِيَ رُبعِ دِينَارٍ فَصَاعِدً)»(٥) . وتَمَسَّكَ الجُمهورُ بِهذا الحديثِ وبِحديثِ ابنِ عُمرٍ وغَيرِهما من الأحَادِيثِ(٦) عَلى اعتبارِ النِّصَابِ. ثُمَّ اختَلَفُوا في قَدرِهِ عَلى أقوالٍ: أحَدُها: (٧)، وبِه قال الشَّافِعِيُّ (٨): إنَّه رُبُعُ دِينَارٍ ذَهَبًا، أو ما قِيمَتُه رُبُعُ دِينَارٍ، سَواءٌ أَكَانَت قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهَمَ أو أكثَرَ أو أقَلَّ؛ فَجَعَلَ الذَّهَبَ هو الأصلَ، اعتِمادًا عَلى حديثٍ عَائِشَةَ، فَإِنَّه تَحدِيدٌ من الشَّارِعِ بِالقَولِ، لَا يَجُوزُ الخُرُوجُ عنه، وقُوَّمَ ما عَدَاه بِهِ، ولَو كَانَ المَسرُوقُ فِضَّةً. وقال: إنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافي حديثَ (١) السابق، وينظر: الإفصاح (٢٧١/٢). (٢) المحلى (٣٥١/١١، ٣٥٣). (٣) إكمال المعلم (٤٩٩/٥). البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (٧/١٦٨٧)، والنسائي (٤٨٨٨)، وابن ماجه (٢٥٨٣). (٤) البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١/١٦٨٤)، وأبو داود (٤٣٨٣)، والترمذي (١٤٤٥)، (٥) والنسائي (٤٩٣٢)، وابن ماجه (٢٥٨٥). (٦) في (م): ((الأحاديث الدالة)). الأم (٣١٩/٧). (٨) (٧) في (م): ((أحدهما)). بابٌ حَدِّ السَّرِقَةِ ٢٦٧ ابنِ عُمَرَ؛ لِأنَّ رُبُعَ الدِّينَارِ في ذَلِكَ الوقتِ كَانَ ثَلَاثَةَ دَرَاهمَ؛ لِأنَّ صَرفَ الدِّينَارِ كَانَ اثنَي عَشَرَ دِرِهَمًا، ولِهذا كَانَت الدِّيَةُ عند مَن جَعَلَها بِالنَّقدِ ألفَ دِينَارٍ، أو اثنَي عَشَرَ ألفَ دِرهَم. ثُمَّ قال أصحَابُنَا(١): الاعتِبارُ بِالذَّهَبِ المَضرُوبِ، فَبِهِ(٢) يَقَعُ التَّقوِيمُ، حَتَّى لَوْ سَرَقَ شَيئًا يُسَاوِي رُبُعَ مِثْقَالٍ من غَيرِ المَضرُوبِ كالسَّبيكَةِ والحُلِيِّ، ولَا يَبلُغُ رُبُعًا مَضرُوبًا فَلَا قَطَعَ. ومالَ القَاضِي أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبي(٣) من المالِكِيَّةِ إلى هذا، فقال(٤): الصَّحِيحُ أنَّ القِيمَةَ هيَ في الذَّهَبِ لَا في الدَّرَاهم؛ لأنَّه الأصلُ في جَواهرٍ الأرضِ، وغيرُه تَبَعٌ. قال النَّووِيُّ(٥): وبِهذا قال كَثِيرُونَ، أو الأكثَرُونَ، وهو قَولُ عَائِشَةَ، وعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ، والأوزَاعِيِّ، والليثِ، وأبي (٦) ثَورٍ، وإسحَاقَ، وغَيرِهم، ورُوِيَ أيضًا عن دَاوُد. قال الخَطَّابي(٧): رُوِيَ ذَلِكَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وعُثمانَ بنِ عَفَّانَ، وعَلِيٍّ بنِ أبي طَالِبٍ، وهو أصَحُّ، وأنَّ أصلَ النَّقدِ في ذَلِكَ الزَّمانِ الدَّنَانِيرُ، فَجَازَ أن تُقَوَّمَ بِها الدَّرَاهِمُ، ولَم يَجُز أن تُقَومَ الدَّنَانِيرُ بِالدَّرَاهِمِ، ولِهذا كُتِبَ في الصُّكُوكِ قَدِيمًا: عَشَرَةُ دَرَاهمَ وزنُ سَبعَةٍ مَثَاقِيلَ. فَعُرِفَتِ الدَّرَاهُمُ بِالدَّنَانِيرِ، وحُصِرَت بِها، والدَّنَانِيرُ لَا تَخْتَلِفُ اختِلَافَ الدَّرَاهم، وقال رسولُ اللهِ وَّهِ لِمُعَاذٍ: (خُذ من كُلِّ حَالِمِ دِينَارًا))(٨). ورُوِيَ عن عُثمانَ أنَّه قَطَعَ سَارِقًا في أترُجَّةٍ قُوُّمَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ من صَرفِ اثنَي عَشَرَ دِرهَمَّا بِدِينَارٍ(٩)، فَدَلَّ عَلى (٢٥/٨م) أنَّ العِبرَةَ لِلذَّهَبِ. شرح مسلم للنووي (١٨٢/١١). (١) (٣) عارضة الأحوذي (٢٢٧/٦). (٥) شرح مسلم للنووي (١١/ ١٨٢). معالم السنن (٣٠٣/٣). أخرجه أحمد (٢٣٠/٥)، وأبو داود (٣٠٣٨)، والترمذي (٦٣٢)، والنسائي (٢٤٤٩). (٨) الموطأ (٨٣٢/٢)، وابن أبي شيبة (٤٧١/٩). (٩) (٢) في (ك٢، ح، ش): ((فيه)). (٤) عارضة الأحوذي (٦/ ٢٢٧). (٦) في (ك٢، ح): ((أبو)). (٧) = ٢٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ الثّقْرِیبِ القَولُ الثَّانِي: أنَّه إن كَانَ المَسرُوقُ ذَهَبًا، فَالنِّصَابُ رُبُعُ دِينَارٍ، وإن كَانَ فِضَّةً، فَالنِّصَابُ ثَلَاثَةُ دَرَاهَمَ، وإن كَانَ غَيرَهما، فَإِن بَلَغَت قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهَمَ قُطِعَ بِهِ، وإلَّا فَلَا. وهذا هو المشهورُ من مَذهَبِ مالِكِ، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ(١). وهو ظَاهرُ هذا الحديثِ، فَإِنَّه لَما قَومَ غَيرَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، دَلَّ عَلى أنَّها (٢) أصلٌ في التَّقوِيم. وأجَابَ عنه الخَطَّابي(٣): بِأنَّ العَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَقوِيمِ الشَّيءِ النَّافِه بِالدَّرَاهم، وإنَّما تُقَومُ الأشياءُ النَّفيسَةُ بِالدَّنَانِيرِ؛ لِأنَّها أنفَسُ النُّقُودِ، وأكرَمُ جَواهرِ الأرضِ، فَتَكُونُ الدَّرَاهِمُ الثَّلَاثَةُ رُبُعَ دِينَارٍ. والله أعلمُ. القَولُ الثَّالِثُ: كَالِذِي قَبَلَه إِلَّا أَنَّه إذَا كَانَ المَسرُوقُ غَيْرَهما يُقطَعُ بِهِ، إِذَا بَلَغَت قِيمَتُهُ أَحَدَهما، وهذا هو المَشهورُ من مَذهَبٍ أحمَدَ(٤)، وهو رِوايَةٌ عن إسحَاقَ. القَولُ الرَّابعُ: كَالذِي قَبلَه، إلَّا أَنَّه لَا (٥) يُكتَفَى في غَيرِهما، بِبُلُوعٍ قِيمَةِ أحَدِهما، إلَّا إِذَا كَانَا غَالِيَينٍ، وهو قَولٌ في مَذهَبِ مالِكِ. القَولُ الخَامِسُ: كَالذِي قَبلَه إلَّا أنَّه اعتُبِرَ في غَيرِهما أن يَبلُغَ ما يُباعُ بِهِ منهما غَالِبًا(٦). القَولُ السَّادِسُ: أَنَّ النَّصَابَ ثَلَاثَةُ دَرَاهَمَ، ويُقَومُ ما عَدَاها بِها، ولَو كَانَ ذَهَبًا. وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ أيضًا وحَكَاه الخَطَّابي(٧) عن مالِكٍ، وهو عَكسُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الذي قَدَّمِنَاه أولًا . القَولُ السَّابِعُ: أنَّ النِّصَابَ خَمسَةُ دَرَاهمَ. وهو قَولُ سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ، وابنٍ شُبُرُمَةَ، وابنٍ أبي ليلى، والحَسَنِ في رِوايَةٍ عنه، وهو مَروِيٌّ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَبه، وأنَّه قال: لَا تُقطَّعُ الخَمسُ إلَّا فِي خَمسٍ (٨). قال ابنُ العَرَبي(٩): المدونة (٦٦/١٦)، والمغني (٤١٨/١٢). (١) (٢) في (ش): ((أنه)). (٣) معالم السنن (٣٠٢/٣، ٣٠٣). (٤) المغني (٤١٨/١٢). (٥) ليس في: (ك٢، ح، ش). (٦) في (ك٢، ح): ((غاليًا)). (٧) معالم السنن (٣٠٢/٣). ينظر: معالم السنن (٣٠٣/٣)، وشرح مسلم للنووي (١٨٢/١١). (٨) عارضة الأحوذي (٢٢٦/٦). (٩) بابُ حَدِّ السَّرِقَةِ 5 ٢٦٩ = إذَا قَطَعنَا الخَمسَ بِخَمسٍ، فَبِأَيِّ شيءٍ (١) نَقطَعُ الكَفَّ الزَّائدَةَ. وقال الترمذيُّ (٢): رُوِيَ عن أبي هَرَيرَةَ، وأبي سَعِيدٍ أنَّهما قالا: تُقَطَعُ اليَدُ فِي خَمسَةِ دَرَاهمَ. القَولُ الثَّامن: أنَّ النِّصَابَ عَشَرَةُ دَرَاهَمَ مَضرُوبَةٍ، أو ما تَبلُغُ قِيمَتُه ذَلِكَ، وإِن كَانَ ذَهَبًا. وهذا قَولُ أبي حَنِيفَةَ، وأصحَابِهِ، وسُفَيَانَ الثَّورِيِّ(٣). القَولُ التَّاسِعُ: أنَّه أربَعَةُ دَرَاهمَ. حَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ عن بَعضٍ الصحَابِةِ (٤). القول(٥) العَاشِرُ: أنَّه دِرِهَمٌ. حُكِيَ عن عُثمانَ البَتِّيِّ. القول(٦) الحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّه دِرِهَمانِ. حُكِيَ عن الحَسَنِ البَصرِيِّ. القول(٧) الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّه أربَعُونَ دِرِهَمًا، أو أربَعَةُ دَنَانِيرَ. حُكِيَ عن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ(٨). القول(٩) الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّه إن كَانَ المَسرُوقُ ذَهَبًا، فَنِصَابُه رُبُعُ دِينَارٍ، وإن كَانَ من غَيرِهِ فَيُقطَعُ في كُلِّ ما لَه قِيمَةٌ وإن قَلَّت. وقَد تَقَدَّمَ أنَّ هذا مَذهَبُ ابنِ حَزمٍ وحَكَاه هو (١٠) عن طَائفَةٍ. القول (١١) (٢٦/٨م) الرَّابعَ عَشَرَ: أنَّ النَّصَابَ ثُلُثُ دِينَارٍ أو ما يُسَاوِيه. القول(١٢) الخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّه دِينَارٌ أو ما يُسَاوِيه. القول (١٣) السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّه دِينَارٌ، أو عَشَرَةُ دَرَاهَمَ، أو ما يُسَاوِي أَحَدَهما. حَكَّى ابنُ حَزمٍ كُلَّ مِن هَذِهِ المَذَاهبِ الثَّلَاثَةِ عن طَائفَة، وقال الترمذيُّ(١٤): ليس في: (م). (١) (٢) الترمذي، عقب حديث (١٤٤٦). ينظر: إكمال المعلم (٤٩٩/٥)، وشرح مسلم للنووي (١٨٢/١١). (٣) (٤) في (م): ((أصحابه))، وينظر: إكمال المعلم (٤٩٩/٥). (٥) من (ش). (٧) من (ش). (٦) من (ش). ينظر: إكمال المعلم (٤٩٩/٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (١٨٢/١١). (٨) (٩) من (ش). (١٠) ليس في: (ش). (١٢) من (ش). (١١) من (ش). (١٣) من (ش). (١٤) الترمذي، عقب حديث (١٤٤٦). = ٢٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عن ابنِ مَسعُودٍ [أنَّه قال: ((لَا قَطعَ إلَّا فِي دِينَارٍ، أو عَشَرَةِ دَرَاهمَ)). وهو حَدِيثٌ مُرسَلٌ، رَواه القَاسِمُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن ابنِ مَسعُودٍ](١)، ولَم يَسمَع منه. وقال ابنُ حَزم(٢): إنَّه حَدِيثٌ مَوضُوعُ مَكذُوبٌ، لَا نَدرِي مَن رَواه. ورَوى أبو دَاوُد، والنسائيُ(٣) عن عَطَاءٍ، عن ابنِ عَباسٍ: ((أنَّ النبيّ ◌َِّ﴿ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي مِجَنِّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ، أو عَشَرَةُ دَرَاهمَ)). وحَكَى الخَطَّابي(٤) هذا المَذهَبَ الأخِيرَ عن سُفيَانَ الثَّورِيِّ، وأهلِ الرَّأيِ. وقال النَّووِيُّ(٥)، بَعدَ حِكَايَتِه ثَمانِيَةَ مَذَاهبَ من هَذِه: والصَّحِيحُ ما قاله الشَّافِعِيُّ ومُوافِقُوه؛ لِأَنَّ النبيّ وَّهِ صَرَّحَ بِبَيَانِ النِّصَابِ فِي هَذِه الأحَادِيثِ من لَفِظِه. وأنَّه رُبُعُ دِينَارٍ، وأما باقِي التَّقَدِيرَاتِ، فَمَردُودَةٌ لَا أصلَ لَها، مَعَ مُخَالَفَتِها لِصَرِيحِ هَذِه الأحَادِيثِ، وأما رِوايَةُ أَنَّه وَّرَ: ((قَطَعَ سَارِقًا في مِجَنِّ قِيمَتُه ثَلَاثَةُ دَرَاهمَ)). فَمَحمُولٌ(٦) عَلى أنَّ هذا القَدرَ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وهيَ قَضِيَّةُ عَينٍ لَا عُمُومَ فيها، ولَا يَجُوزُ تَرِكُ صَرِيحِ لَفِظِه في تَحَدِيدِ النِّصَابِ بِهَذِهِ الرِّوايَةِ المُحتَمَلَةِ، بَل يَجِبُ حَمِلُها عَلى مُوافَقَةٍ لَفِظِهِ نَّهِ، وَكَذَلِكَ الرِّوايَةُ الأخرَى: (لَم يَقْطَع(٧) يَدَ السَّارِقِ في أقَلَّ من مِجَنٍّ». مَحمُولٌ عَلى أنَّه كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ، ولا بُدَّ من هذا التَّأْوِيلِ لِيُوافِقَ (٨) صَرِيحَ تَقْدِيرِهِ وَّزَ، وأمّا ما يَحتَجُ بِهِ بَعضُ الحَنَفيةِ وغَيرُهم من رِوايَةٍ جَاءَت: ((قَطَعَ في مِجَنّ قِيمَتُه عَشَرَةُ دَرَاهمَ)). وفي رِوايَةٍ: ((خَمسَةٌ)) فَهِيَ رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ، لَا يُعمَلُ بِها لَو انفَرَدَت، فَكَيفَ، وهيَ مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي التَّقْدِيرِ بِرُبُعِ دِينَارٍ، مَعَ أنَّه يُمكِنُ حَملُها عَلى أنَّه كانت(٩) قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ اتِّفَاقًا، لَا أنَّه شَرَطَ ذَلِكَ في قَطْعِ السَّارِقِ، ولَيسَ في لَفِظِها ما (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٢) المحلى (٣٥٤/١١). أبو داود (٤٣٨٧)، والنسائي (٤٩٦٥، ٤٩٦٦). (٣) (٤) معالم السنن (٣٠٣/٣). شرح صحيح مسلم (١٨٢/١١ - ١٨٣). (٥) (٦) في (ك٢، ح، ش): ((محمولة)). (٨) في (ك٢، ح): ((من موافق))، وفي (ش): ((بموافق)). ليس في: (م). (٩) (٧) في (ك٢، ح): ((لا تقطع)). = ٢٧١ بابُ حَدِّ السَّرِقَةِ يَدُلُّ عَلى تَقدِيرِ النِّصَابِ بِذَلِكَ، وأما رِوايَةُ: (لَعنَ اللهُ السَّارِقَ يَسرِقُ البَيضَةَ أو الحَبلَ فَتُقْطَعُ يَدُه)). فقال جَماعَةٌ: المُرَادُ بِها بَيضَةُ الحديدِ وحَبلُ السَّفينَةِ وكُلُّ واحِدٍ منهما يُسَاوِي أكثَرَ من رُبُعِ دِینَارٍ . وأنكَرَ المُحَقِّقُونَ هذا، وضَعَّفُوه، وقَالُوا: بَيضَةُ الحديدِ وحَبلُ السَّفينَةِ لَهما قِيمَةٌ ظَاهرَةٌ، وَلَيسَ هذا السِّياقُ مَوضِعَ استِعمالِها، بَل بَلَاغَةُ الكَلَامِ تَأباه؛ لِأَنَّه لَا يُذَمُّ(١) في العَادَةِ مَن خَاطَرَ بيدِه في شَيءٍ (٢٧/٨م) لَه قَدْرٌ، وإنَّما يُذَّمُّ(٢) مَن خَاطَرَ بِها فيما لَا قَدرَ لَه، فَهو مَوضِعُ تَقلِيلٍ لَا تَكثِيرٍ . والصَّوابُ (٣أنَّ المُرَاد٣َ) التَّنبيه عَلى عِظَم (٤) ما خَسِرَ، وهيَ يَدُه في مُقَابَلَةِ حَقِيرٍ من المالِ، وهو رُبُعُ دِينَارٍ، فَإِنَّه يُشَارِكُ البَيضَةَ والحَبلَ في الحَقَارَةِ، أو أرَادَ جِنسَ البَيضِ وجِنسَ الحِبالِ. أو أنَّه إذَا سَرَقَ الْبَيضَةَ فَلَم يُقطَّع، جَرَّه ذلك(٥) إلى سَرِقَةٍ ما هو أكثرُ منها فَقُطِعَ، وكَانَت سَرِقَةُ البَيضَةِ هيَ سَبَبُ قَطْعِه. أو أنَّ المُرَادَ بِهِ قَد يَسْرِقُ البَيضَةَ أو الحَبلَ، فَيَقطَعُه بَعضُ الوُلَاةِ سِيَاسَةً، لَا قَطعًا جَائزًا شَرعًا . وقِيلَ: إِنَّ النبيّ وَّرَ قال هذا عند نُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ مُجمَلَةً من غَيرِ بَيَانِ نِصَابٍ، فقال عَلى ظَاهرِ اللفظِ. انتَهَى. وقال الشَّيخُ(٦) تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٧): الاستِدلَال بِحديثِ ابنِ عُمَرَ عَلى اعتِبارِ النِّصَابِ. ضَعِيفٌ، فَإِنَّه حِكَايَةُ فِعلٍ، ولَا يَلزَمُ من القَطعِ في هذا المِقدَارِ فِعلًا عَدَمُ القَطعُ فيما دُونَه، واعتِمادُ الشَّافِعِيِّ عَلى حديثِ عَائشَةً وهو قَولٌ، وهو أقوى(٨) في الاستِدلَالِ من الفِعلِ، وهو قَوِيٌّ في الدَّلَالَةِ عَلى الحَنَفيةِ، فَإِنَّه يَقتَضِي صَرِيحُه القَطعَ في هذا المِقْدَارِ الذي لَا يَقُولُونَ بِجَوازٍ القَطعِ بِهِ. (١) في (ك٢، ح، ش): ((يلزم). (٣ - ٣) ليس في: (ك٢، ح). (٥) ليس في: (م). (٧) إحكام الأحكام (ص٦٤٩ - ٦٥٠). (٢) في (ك٢، ح، ش): ((يلزم)). (٤) في (ك٢، ح): ((عظيم)). (٦) ليس في: (ك٢، ح). (٨) ليس في: (ش). ٢٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأما دَلَالَتْه عَلى الّاهِرِيَّةِ، فَلَيسَ من حَيثُ النُّطْقُ، بَل من حَيثُ المَفهومُ، وهو دَاخِلٌ في مَفهومِ العَدَدِ، ومَرتَبَتُهُ(١) أقوى من مَفهومِ اللقَبِ. والحَنَفيَةُ يَقُولُونَ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، وفي رِوايَةِ الفِعلِ في حديثٍ عَائِشَةَ: إنَّ التَّقوِيمَ أمرٌ ظَنِّيٍّ تَخْمِينِيٌّ، فَيَجُوزُ أن تَكُونَ قِيمَتُه عند عَائشَةَ رُبُعَ دِينَارٍ أو ثَلَاثَةً دَرَاهَمَ، ويَكُونَ عند غَيرِها أكثَرَ، وضَعَّفَ (٢) غَيرُهم هذا التَّأْوِيلَ، وشَنَّعَه عليهم: بِأَنَّ عَائِشَةَ رِثُهَا لَم تَكُن لِتُخبِرَ بِما يَدُلُّ عَلى مِقْدَارِ ما يُقْطَعُ فيه(٣)، إلَّا عن تَحِقِيقٍ لِعِظَمِ أمرِ القَطعِ. ■ الرَّابِعَةُ: في أكثَرِ الرُّوايَاتِ ثَمَنُه ثَلاثَةُ دَرَاهمَ، وفي بَعضِها قِيمَتُه، وهيَ(٤) أصَُّ مَعنّى. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ(٥): والقِيمَةُ والثَّمَنُ يَخْتَلِفَانِ(٦) في الحَقِيقَةِ والمُعتَبرُ القِيمَةُ، وما ورَدَ من ذِكرِ الثَّمَنِ، فَلَعَلَّه لِتَسَاوِيهما عند النَّاسِ في ذَلِكَ الوقتِ أو في ظَنِّ الرَّاوِي أو بِاعتِبارِ الظُّنَّةِ (٧)، وإلَّا فَلَو اختَلَفَت القِيمَةُ والثَّمَنُ الذي اشتَرَاه فيه مالِكُه لَم يُعتَبَرِ إلَّ القِيمَةُ. ■ الخَامِسَةُ: ((المِجَنُّ)»: بِكَسرِ المِيمِ، وفَتحِ الجِيمِ: التُّرسُ، مَفعَلُ من مَعنَى الإِجتِنَانِ، وهو الاِستِتَارُ والاختِفَاءُ، وما يُقَارِبُ ذَلِكَ، ومنه المِجَنُّ(٨)، وكُسِرَت مِيمُه؛ لِأَنَّه آلَةٌ في الإِجْتِنَانِ، كَأَنَّ صَاحِبَه يَستَتِرُ بِه عَما يُحَاذِرُه، قال الشَّاعِرُ(٩): ثَلَاثُ شُخُوصٍ: كَاعِبانٍ، ومُعصِرُ فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَن كُنت أنَّقِي في (٢٥، ح): ((ترتيبه)). (١) (٣) في (ش): ((به)). (٥) إحكام الأحكام (ص٦٥٠). في (ك٢، ح): ((الغلبة)). (٧) (٢) في (ك٢، ح): ((وضاعف)). (٤) في (ش): ((هو)). (٦) في (ك٢، ح، ش): ((مختلفان)). (٨) في (ش) ومصدر التخريج: ((الجن)). البيت من الطويل، ديوان عمر بن أبي ربيعة (ص ١٥٥). (٩) بابُ حَدِّ السَّرِقَةِ سسـ ٢٧٣ (٢٨/٨م) الحديثُ الثَّانِي وعن عُروةَ، عن عَائِشَةَ رِّ، قالت: ((كَانَت امرأةٌ مَخزُومِيَّةٌ تَستَعِيرُ المَتَاعَ وتَجْحَدُهُ(١)، فَأَمَرَ النبيّ ◌َِّهِ بِقَطع ◌َدِها، فَأَتَى أهلُها أسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَكَلَّمُوهِ، فَكَلَّمَ أسَامَةُ النبيَّ وَّهِ فيها. فقَال لَه النبيّ ◌َِّ: (يا أسامةُ(٢)، لَا أَرَاك تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ من حُدُودِ الله تعالى)). ثُمَّ قَامَ النبيّ نَّهِ خَطِيبًا، فقال: ((إنَّما هَلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم: بِأَنَّه إذَا سَرَقَ فيهمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوه، وإِذَا سَرَقَ فيهم الضَّعِيفُ قَطَعُوه، والذِي نَفسِي بيدِه لَو كَانَتْ فَاطِمَةَ ابنَةَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعت يَدَها))، فَقَطَعَ بَدَ المَخزُومِيَّةِ)). فيه فوائد: ■ الأولى: أخرجه مسلمٌ وأبو دَاوُد(٣) من هذا الوجه، من طَرِيقٍ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ . واثَّفَقَ عليه الأئمَّةُ السِّنَّةُ (٤) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ. واتَّفَقَ عليه الشيخانِ وأبو دَاوُد والنسائيُّ(٥) من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ. وأخرجه البخاريُّ، والنسائيُّ(٦) من طَرِيقٍ أَيُّوبَ بنِ مُوسَى. والنسائيُّ(٧) فَقَط من رِوايَةِ إِسحَاقَ بنِ رَاشِدٍ، وإسماعِيلَ بنِ أمَيَّةَ، وشُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، وسُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ؛ كلُّهم عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ (٢٩/٨م)، عن عَائِشَةَ رُنَا. في (ك٢، ح): ((وتجده)). (١) (٢) ليس في: (م). (٣) مسلم (١٠/١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٧٤). البخاري (٣٤٧٥، ٣٧٣٢)، ومسلم (٨/١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذي (٤) (١٤٣٠)، وابن ماجه (٢٥٤٧)، والنسائي (٤٩١٤). البخاري (٦٨٠٠)، ومسلم (٩/١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٩٦)، والنسائي (٤٩١٧، (٥) ٤٩١٨). البخاري (٣٧٣٣)، والنسائي (٤٩١٠، ٤٩١١). (٦) النسائي (٤٩١٢، ٤٩١٣، ٤٩١٥، ٤٩١٦). (٧) ٢٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفي رِوايَةِ الليثِ ويُونُسَ: ((إنَّ قُرَيشًا (١) أهَمَّهم شَأْنُ المَرأةِ المَخزُومِيَّةِ التي سَرَقَت، فقالوا: مَن يُكَلِّمُ فيها رسولَ الله وَّهَ؟ قَالُوا: ومَن يَجرُؤُ(٢) عليه إلَّا أسَامَةُ بنُّ زَيدٌ، حِبُّ رسولِ اللهِ وَّ)، الحديثَ. وفي رِوايَةٍ يُونُسَ: ((التي سَرَقَت في عَهدِ رسولِ اللهَِّ، فِي غَزوةِ الفَتح)). وفيها: ((فقال أسَامَةُ: استَغفِر لِي(٣) يا رسولَ الله)). وفيها: ((فَحَسُنَت تَوبَتُها بَعدُ، وتَزَوجَت، وكَانَت تَأْتِي بَعدَ ذَلِكَ، فَأْرفَعُ حَاجَتَها إلى رسولِ الله ◌َِّ)). ■ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ المَخزُومِيَّةُ اسمُها ((فَاطِمَةُ))، وهيَ ابنَةُ أَخِي ((أبي سَلَمَةَ ابنِ عَبدِ الأسَدِ زَوجُ أمِّ سَلَمَةَ رُِّهَا، ذَكَرَه الخَطِيبُ في ((مُبهَماتِه))(٤). وكَذَا قال ابنُ طَاهِرٍ في (مُبهَماتِه)): هيَ فَاطِمَةُ بِنتُ الأسودِ، بِنتُ أخِي أبي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الأسَدِ. وقال ابنُ بَشكُوالَ(٥): هيَ فَاطِمَةُ بِنتُ أبي الأسَدِ، بِنتُ أخِي أبي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الأسَدِ، ذَكَرَه عَبدُ الغَنِيِّ. وقِيلَ: هِيَ أمُّ عَمرِو بنِ سُفْيَانَ بنِ عَبدِ الأسَدِ. ذَكَرَه عَبدُ الرَّزَّاقِ. ■ الثَّالِثَةُ: استُدِلَّ بِهِ عَلى أَنَّ مَن استعارَ قَدرَ نِصَابِ السَّرِقَةِ وجَحَدَه، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ عليه بِبَيِّنَةٍ أو إقْرَارٍ قُطِعَ بِهِ، وبِه قال إسحاقُ بنُ رَاهويه، وابنُ حَزم الظّاهرِيُّ(٦)، وهو أشهرُ الرِّوايَتَينِ عن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ (٧)، وقال ابنُه عَبدُ الله(٨): سَألتُ أبي، فَقُلتُ لَه: تَذهَبُ إلى هذا الحديثِ؟ فقال: لَا أعلَمُ شَيئًا يَدَفَعُه. وذَهَبَ جُمهورُ العُلَماءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّه لَا قَطعَ عَلى جَاحِدِ العَارِيَّةِ (٩). وبِه قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وهو إحدَى الرِّوايَتَينِ عن أحمَدَ (١٠). وأجَابوا عن هذا الحديثِ (٣٠/٨م) بِأجوِيَّةٍ: في (ش): ((قد أهمهم)). (١) (٢) في (ك٢، ح، ش): ((يجترئ). (٣) في (ش): ((أستغفر الله)). الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (٢٥٦/٤، ٢٥٧). (٤) (٥) غوامض الأسماء المبهمة (٤١٦/١ - ٤١٧). المحلى (٣٥٨/١١ - ٣٦٣). (٦) (٧) المغني (٤١٦/١٢). لم أجده في مسائل عبد الله، وهو في مسائل أحمد وإسحاق بن راهويه، رواية إسحاق بن (٨) منصور (٢٤٢٧). (٩) ينظر: الإجماع (ص١٥٨). (١٠) ينظر: الإشراف (٢٠٦/٧). = ٢٧٥ بابُ حَدِّ السَّرِقَةِ أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ شَاذَّةٌ، فَإِنَّها مُخَالِفَةٌ لِجَماهيرِ الرُّواةِ، والشَّاذَّةُ لَا يُعمَلُ بِها، حَكَاه النَّوِيُّ(١) عن جَماعَةٍ من العُلَماءِ (٢). وقال أبو العَباسِ القُرطُبي(٣): رواية (٤) مَن رَوى أنَّها سَرَقَت أكثَرُ وأشهَرُ من رِوايَةِ أنَّها كَانَت تَجحَدُ المَتَاعَ. وانفَرَدَ مَعمَرٌ بِذِكرِ الجَحدِ وحدَه من بَينِ الأئمَّةِ الحُفَّاظِ، وقَد تَابَعَه عَلى ذَلِكَ مَن لَا يُعتَدُّ بِحِفظِه؛ كابنِ أخِي ابنِ شِهابٍ، ونَمَطِه، هذا قَولُ المُحَدِّثِينَ. وقال والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرح الترمذيِّ)): اختُلِفَ فيه عَلى الزُّهرِيِّ. فقال الليثُ، ويُونُسُ بنُ يَزِيدَ، وإسماعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ، وإسحَاقُ بنُ رَاشِدٍ أنَّها: (سَرَقَت))، وقال مَعمَرٌ، وشُعَيبُ بنُ أبي حَمزَةَ: إنَّها: ((استعارَت وجَحَدَت))، ورَواه سُفَيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن أيُّوبَ(٥) بنِ مُوسَى، عن الزُّهرِيِّ [أنها: ((سَرَقَت))، وهكذا رواه النسائي عن محمد بن منصور الحوار، عن ابن عيينة، عن أيوب بن موسى أنها: ((سرقت))](٦). واختُلِفَ عليه، فَرَواه البخاريُّ عن ابنِ المَدِينِيِّ، عن سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن أيُّوبَ (٧) بنِ مُوسَى، عن الزُّهرِيِّ أنَّها (سَرَقَت)). ورَواه النسائيُّ عن رِزقِ الله بنِ مُوسَى، عن سُفَيَانَ، عنه. فقال فيه: ((أَتِيَ النبيّ وََّ بِسَارِقٍ، فَقَطَعَه، قَالُوا: ما كُنَّا نُرِيدُ (٨) نَبلُغُ منه هذا)). قال: (لَو كَانَت فَاطِمَةُ لَقَطَعتها)). رَواه النسائيُّ عن إسحَاقَ بنِ رَاهويه، عن سُفْيَانَ، قال: ((كَانَت مَخْزُومِيَّةً تَستَعِيرُ مَتَاعًا، وتَجحَدُه) .. الحديثَ، وفي آخِرِهِ: قِيلَ لِسُفْيَانَ: مَن ذَكَرَه؟ قال: أيُّوبُ بنُ مُوسَى، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائشَةَ. وقَد رَواه يَحيَى بِنُ زَكَرِيًّا بنِ أبي زَائدَةَ، عن سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ، [عن الزهري: أن امرأة سَرَقَت. ولم يذكر بينه وبين الزهري أحدًا. وهذا كله اختلافٌ على (١) في (ش): ((الثوري)). (٣) المفهم (٥/ ٧٧). (٥) في (ش): ((كتاب أيوب)). في (ش): ((كتاب أيوب)). (٧) (٢) شرح صحيح مسلم (١٨٨/١١). (٤) ليست في (م). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (م). (٨) من (م) وسنن النسائي. = ٢٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ سفيان بن عيينة](١) فيه، وابنُ عُيَينَةَ لَم يَسمَعه من الزُّهرِيِّ، ولَا مِمَّن سَمِعَه من الزُّهرِيِّ، إنَّما وجَدَه في كِتَابِ أيُّوبَ بنِ مُوسَى، كَمَا بَيِّنَه البخاريُّ فِي رِوايَتِهِ، قال: ذَهَبتُ أسألُ الزُّهرِيَّ عن حديثِ المَخزُومِيَّةِ، فَصَاحَ عليّ. قال ابنُ المَدِينِيُّ: فَقُلتُ لِسُفْيَانَ: فَلَم يَحفَظه عن أحَدٍ؟ قال: وجَدتُه في كِتَابٍ كَتَبَه أيُّوبُ بنُ مُوسَى، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائشَةَ. وابنٍ عُيَينَةَ، وإن كَانَ مَقبولَ التَّدلِيسِ، كَما قال ابنُ حِبانَ، والبَزَّارُ، والأزدِيُّ(٢) (٣)، فَإنَّه اضطَرَبَت الرِّوايَةُ عنه فيه (٤)، وإنَّما أخَذَه من كِتَابٍ. انتَهَى. وعَكْسَ ابنُ حَزمٍ(٥) ذَلِكَ، فقال: لَم يَضطَرِب عَلى مَعمَرٍ، ولَا عَلى شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ في(٦) ذَلِكَ، وهما في غَايَةِ الثِّقَةِ والجَلَالَةِ، وإن خَالَفَهما الليثُ، ويُونُسُ، وإسماعِيلُ بنُ أمَيَّةَ، وإسحَاقُ بنُ رَاشِدٍ. فَإِنَّ الليثَ ويُونُسَ قَد اضطُرِبَ عليهما أيضًا، وهَؤُلَاءِ لَيسُوا فَوقَ مَعمَرٍ وشُعَيبٍ في الحِفِظِ، وقَد وافَقَهما ابنُ أخِي الزُّهرِيِّ عن عَمِّه. انتَهَى. الجَوابُ الثَّانِي: أنَّ قَطعَها إنَّما كَانَ بِالسَّرِقَةِ، وإنَّما ذُكِرَتِ العَارِيَّةُ تَعرِيفًا لَها ووصفًا، لَا لِأنَّها سَبَبُ القَطع. وبِذَلِكَ يَحصُلُ (٣١/٨م) الجَمِعُ بَيْنَ الرِّوايَتَينِ، فَإِنَّها قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ. وهذا الجَوابُ هو الذي اعتَمَدَه أكثَرُ النَّاسِ، وحَكَاه المازَرِيُّ عن أهلِ العِلمِ، والنَّووِيُّ(٧) عن العُلَماءِ، ثُمَّ قال: قال العُلَماءُ(٨): وإنَّما لَم يَذكُر السَّرِقَةَ فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ؛ لِنَّ المَقصُودَ منها عند الرَّاوِي ذِكرُ مَنعِ الشَّفَاعَةِ في الحُدُودِ، لَا الإخبارُ عن السَّرِقَةِ. انتَهَى. وقال أبو دَاوُد(٩): وقَد رَوى مَسعُودُ بنُ الأسودِ، عن النبيّ وََّ هذا الخَبَرَ، (١) ما بين المعكوفين ليس في: (م). (٢) في (م): ((الأسدي)). ينظر: طبقات المدلسين (ص٣٢). (٣) (٤) ليس في: (ش). (٥) المحلى (٣٦٠/١١). (٦) في (م): ((من)). (٧) المعلم بفوائد مسلم (١٠١/٢)، وشرح صحيح مسلم (١٨٨/١١). من (م) وشرح صحيح مسلم. (٨) (٩) أبو داود، عقب حديث (٤٣٧٤). بابُ حَدِّ السَّرْقَةِ ٢٧٧ = وقال: ((سَرَقَت قَطِيفَةً من بَيتِ رسولِ الله وَلَ))، ورَواه ابنُ ماجَه، والحَاكِمُ في (مُستَدرَكِه))(١) من طَرِيقِ ابنِ إسحَاقَ، عن مُحَمَّدٍ بنِ طَلحَةَ بنِ رُكَانَةَ، عن أمِّه عَائِشَةَ بِنتِ مَسعُودٍ بنِ الأسودِ، عن أبيها، قال: ((لَما سَرَقَتِ المَرأةُ تِلكَ القَطِيفَةَ من بَيتِ رسولِ اللهِ وَ﴿ أعظَمْنَا ذَلِكَ، وكَانَت امرَأةً من قُرَيشٍ، فَجِئْنَا إلى النبيّ ◌َّ نُكَلِّمُه، وقُلنَا: نَحنُ نَفدِيها بِأربَعِينَ أوقِيَّةً. فقال رسولُ الله وَلِلّهِ: (تَطهرُ خَيْرٌ لَها»، فَلَما سَمِعْنَا لِينَ قَولِ رسولِ اللهِ وَّهِ، أَتَيْنَا أسَامَةَ، فَقُلنَا: كَلِّم رسولَ الله وَلِّ. فَلَمَا رَأى رسولُ الله ◌ِوَِّ ذَلِكَ، قَامَ خَطِيبًا، فقال: ((ما إكثَارُكُم عليّ في حَدٍّ من حُدُودِ الله، وقَعَ عَلى أَمَةٍ من إماءِ الله؟ والذِي نَفْسِي بيدِهِ، لَو كَانَت فَاطِمَةُ نَزَلَت بِالذِي نَزَلَت بِهِ، لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ بَدَها». وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ))(٢): لَيسَ في لَفِظِ هذا الحديثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعَبَّرَ عنه امرَأَةٌ واحِدَةٌ. قال والِدِي ◌َخْتُهُ: فَجُوِّزَ أن يَكُونَا قَضِيَّتَينِ. وكَذَلِكَ رِوايَةُ النسائيّ: أَنَّه سَارِقٌ. يَجُوزُ أَن تَكُونَ قِصَّةً(٣) [أخرَى، ويَجُوزُ أن تَكُونَ القَضِيَّةُ](٤) واحِدَةً، وأنَّ المُرَادَ الشَّخصُ السَّارِقُ، وكَذَلِكَ الاختِلَافُ في كَونِ الشَّافِعِ لَها أسَامَةَ، أو أنَّها عَاذَت بِأمِّ سَلَمَةَ، أو زَيْنَبَ بِنتِ رسولِ اللهِ وَّه وسَنُوضِحُ ذَلِكَ. ويُرَدُّ أنَّهما قَضِيَّتَانِ أَنَّ أسَامَةَ رَبّه لَا يُمكِّنُهِ الشَّفَاعَةُ في حَدٍّ من حُدُودِ الله تعالى مَرَّةً ثَانِيَةً، بَعدَ نَهِهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ عن(٥) ذَلِكَ. ومالَ(٦) ابنُ حَزم(٧) إلى أنَّهما قَضِيَّتَانِ. وأجَابَ عن هذا: بِأَنَّه شَفَعَ في السَّرِقَةِ فَتُهِيَ، ثُمَّ شَفَعَ في المُستَعِيرَةِ، وهو لَا يَعلَمُ أنَّ حَدَّ ذَلِكَ أيضًا القَطعُ. ابن ماجه (٢٥٤٨)، والحاكم (٣٨٠/٤). (١) (٢) إحكام الأحكام (ص٦٥١). (٣) في (ك٢، ح): ((القصة))، وفي (ش): ((قضية)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٥) في (م): ((له عن». المحلى (٣٦١/١١). (٧) (٦) في (ش): ((وقال)). = ٢٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الجَوابُ الثَّالِثُ: أنَّ نَفسَ رِوايَةٍ مَعمَرٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَطعَ في السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لما أنكَرَ عَلى أسَامَةَ، قال: ((لَو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ بَدَها)). ثُمَّ أمَرَ بِتِلكَ المَرأةِ فَقُطِعت. قال أبو العَباسِ القُرطُبي(١): وهذا يَدُلُّ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلى أنَّ المَرأةَ قُطِعَت في السَّرِقَةِ، إذَ لَو كَانَ قَطَعَها لِأجلِ جَحدِ المَتَاعِ، لَكَانَ ذِكرُ السَّرِقَةِ هنَا (٣٢/٨م) لَاغِيًّا لَا فَائِدَةَ لَه(٢)، وإنَّما كَانَ يَقُولُ: لَو أنَّ فَاطِمَةَ جَحَدَتِ المَتَاعَ لَقَطَعتُ يَدَها . قال(٣) أبو العَباسِ القُرطُبي(٤): لَا تعارُضَ بَيْنَ رِوايَةٍ مَن رَوى: ((سَرَقَت))، ورِوايَةٍ مَن رَوى: ((جَحَدَت))؛ إذ يُمكِنُ أنَّ المَرأةَ فَعَلَت الأمرَينِ، لَكِن قُطِعَت في السَّرِقَةِ لَا في الجَحدِ، كَما شَهِدَ بِهِ مساقُ(٥) الحديثِ. قُلتُ: الكَلَامُ في لَفِظِ الحديثِ، وتَرتِيبِه في إحدَى الرِّوايَتَينِ القَطعُ عَلى السَّرِقَةِ، وفي الأخرَى عَلى الجَحدِ، وتَرِيبُ الحُكم عَلى الوصفِ مشعِرُ بِالعِلِّيَّةِ(٦)، فَكَانَت إحدَى الرِّوايَتَينِ دَالَّةً (٧)، عَلى أنَّ عِلَّةَ الْقَطْعِ السَّرِقَةُ، والأخرَى عَلى أنَّ عِلَّتَه جَحدُ العارية(٨)، فَما تَقَدَّمَ من الأجوِيَةِ أولى. الرابع(٩): أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ المُرَنِّبَةُ لِلقَطْعِ عَلى الجَحدِ قَد (١٠) عَارَضَها ما هو أولى بِالتَّمَسُّكِ بِه منها لِعَدَمِ الاختِلَافِ فيه، وهو ما رَواه أصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ))(١١) من طَرِيقِ ابنِ جُرَيجٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ، عن النبيّ وَّ قال: (لَيسَ عَلى خَائنٍ، ولَا مُنتَهبٍ، ولَا مُختَلِسٍ قَطعٌ)). لَفظُ الترمذيِّ، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عند أهلِ العِلم. (١) المفهم (٧٧/٥). في (ش): ((فيه))، وفي (م): «له مطلقًا)). (٣) قبلها في (م): ((الرابع)). (٢) (٤) المفهم (٧٨/٥). (٥) في (م): ((سياق)). (٦) في (ك٢، ح): ((بالغلبة))، وفي (م): ((يشعر)). (٧) في (م): ((دلالة)). (٩) في (م): ((الخامس)). (٨) في (م): ((المتاع)). (١٠) ليس في: (ش). (١١) أبو داود (٤٣٩١، ٤٣٩٢، ٤٣٩٣)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي (٤٩٨٧)، وابن ماجه (٢٥٩١، ٣٩٣٥). = بابُ حَدِّ السَّرِقَةِ ٢٧٩ وضَعَّفَه ابنُ حَزمٍ(١) بِأنَّ ابنَ جُرَيجٍ لَم يَسمَعه من أبي الزُّبَيرِ، وأبو الزُّبَيرِ لَم يَسمَعه من جَابِرٍ؛ لِأَنَّه قَد أقَرَّ عَلى نَفْسِه بِالتَّدلِيسِ. وفيما قاله نَظَرٌ، أما كَونُ ابنِ مُجُرَيجٍ (٢) لَم يَسمَعه من أبي الزُّبَيرِ، فَقَد قاله قَبلَه أبو دَاوُد(٣)، قال: وبَلَغَنِي عن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ أنَّه قال: إنَّما سَمِعَه ابنُ جُرَيجٍ من يَاسِينَ الزَّيَّاتِ. وَرَواه ابنُ عَدِيٍّ في ((الكَامِلِ)) (٤) من طَرِيق عَبدِ الرَّزَّاقِ، أخبرنَا يَاسِينُ الزَّيَّاتُ، أخبَرَنِي أبو الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ. ثُمَّ رَوى عن عَبدِ الرَّزَّاقِ أنَّه قال: أهلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ ابنَ جُرَيجٍ لَم يَسمَع من أبي الزُّبَيرِ، إنَّما سَمِعَ من يَاسِينَ. ويَاسِينُ الزَّيَّاتُ ضَعِيفٌ. قال البخاريُّ: مُنكَرُ الحديثِ. وقال النسائيُّ(٥): مَترُوكُ الحديثِ. لَكِن يُعَارِضُ هذا أنَّ ((النسائيّ))(٦) رواه من رِوايَةِ ابنِ المُبارَكِ، عن ابنِ جُرَيجِ، قال: أخبَرَنِي أبو الزُّبَيرِ. فَصَرَّحَ فيه بِالاِتِّصَالِ، لَكِن قال النسائيُّ: قَد رَوَىُ هذا الحديثَ عن ابنِ جُرَيجِ عِيسَى بنُ يُونُسَ، والفَضلُ بنُ مُوسَى، وابنُ وهبٍ (٧)، ومُحَمَّدُ بنُ رَبِيعَةَ، ومَخْلَّدُ بنُ يَزِيدَ، وسَلَمَةُ بنُ سَعِيدِ البَصرِيُّ، فَلَم يَقُل أحَدٌ منهم: حَدَّثَنِي أبو الزُّبَيرِ. ولا أحسَبُه سَمِعَه من أبي الزُّبَيرِ. انتَهَى. فَإِن تَرجّحَ أنَّ ابنَ جُرَيجِ لَم يَسمَعه من أبي الزُّبَيرِ، فَقَد تَابَعَه عليه مُغِيرَةُ بنُ مسلمٍ، [فَرَواه عن أبي الزُّبَيْرِ كَذَلِكَ، ورَواه (النسائيُّ)) (٨) من طَرِيقِه. وقَولُ ابنُ حَزم(٩): مُغِيرَةُ بنُ مسلمٍ] (١٠) لَيسَ (٣٣/٨م) بِالقَوِيِّ. مَرُدُودٌ، فَقَد وثَّقَه أحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، ويَحيَى بنُ مَعِينٍ، وأبو حَاتِمٍ، وابنُ حِبانَ، والدَّارَقُطْنِيّ، وقَد تَابَعَ أبا الزُّبَيرِ عليه عمرُو بنُ دِينَارٍ، رَواه ابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِه)(١١) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، وعَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابِرٍ. فَذَكَرَه. المحلى (٣٦١/١١). (١) أبو داود عقب (٤٣٩٣). (٣) النسائي، عقب حديث (٤٩٨٩). (٥) (٧) في (م): ((وهیب)). ينظر: تهذيب الكمال (٣٩٦/٢٨). (٩) (١١) ابن حبان (٤٤٥٧). (٢) في (ش): ((ابن حزم)). (٤) الكامل (٢٦٤٢/٧). (٦) السنن الكبرى (٧٤٦٣). (٨) النسائي (٤٩٩٠). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). ٢٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وهذا يَرُدُّ عَلى قَولِ ابنِ حَزمٍ في ((الاتِّصَالِ)): إنَّه لَم يَروِهِ أحَدٌ من النَّاسِ إلَّا أبو الزُّبَيرِ عن جَابِرٍ (١). فَظَهَرَ بِماَ قَرَّرْنَاه قُوةُ هذا الحديثِ، وصَلَاحِيَتُه لِلاحتِجَاجِ بِهِ، ثُمَّ إِنَّا (٢) نَقِيسُ المُختَلَفَ فيه من ذَلِكَ عَلى المُتَّفَقِ عليه، فَإِنَّ أحمَدَ يَجزِمُ بِعَدَمِ القَطعِ عَلى الخَائنِ في العَارِيَّةِ بِغَيرِ الجَحدِ، وعَلى الخَائِ في الودِيعَةِ، وعَلى المُنتَهِبِ، والمُختَلِسِ، والغَاصِبِ، فَلَم يَقُل أحَدٌ بِالقَطعِ في الجَحدِ مُطلَقًا. ■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((فَكَلَّمَ أسَامَةُ النبيّ ◌َِّ فِيها)). قَد يُنَافيه قَولُه في حديثِ جَابِرٍ عند ((مسلم))، و((النسائيّ))(٣): ((إنَّ امرَأةً من بَنِي مَخزُومٍ سَرَقَت، فَأْتِيَ بِها النبيّ ◌َِّ، فَعَاذَتْ بِأمِّ سَلَمَةَ زَوجِ النبيّ ◌َّه، فقال النبيُّ ◌َّهُ: ((واللهِ، لَو كَانَت فَاطِمَةَ، لَقَطَعتُ بَدَها))، فَقُطِعَتْ)). وذَكَرَ أبو دَاوُد في ((سُنَتِه))(٤) أنَّ في رِوايَةٍ أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ: ((أَنَّها عَاذَت بِزَينَبَ بِنتِ رسولِ اللهِ وَيَ)). قال والِدِي تَظّفُ، في ((شَرح الترمذيِّ)): ولا امتِنَاعَ في(٥) أنَّها عَاذَت بِأمِّ سَلَمَةَ وِزَينَبٍ، وأَنَّه شَفَعَ لَها أسَامَةُ. لَكِن ذِكرُ اسْتِعَاذَتِها بِزَيْنَبَ بِنتِ رسولِ اللهِ وَّ فيه إشكَالٌ، من حَيثُ إنَّ زَيْنَبَ بِنتَ رسولِ اللهِوَِّ تُوُفيت في جُمادَى الأولى سَنَةَ ثَمانٍ من الهجرَةِ، كَما ذَكَرَه ابنُ مَندَه في «الصَّحَابَةِ» (٦): أنَّها تُوُفيت بَعدَ سَبِعِ سِنِينَ وشَهرَينٍ من الهجرَةِ، وإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَقَد ثَبَتَ في ((الصَّحِيحَينِ)) من رِوايَةِ يُونُسَ، عن الزُّهرِيِّ، في هذا الحديثِ: ((أن قُرَيشًا أهَمَّهم شَأنُ المَرأةِ التي سَرَقَت في عَهدِ رسولِ اللهِ وَّهَ فِي غَزوةِ الفَتحِ)). وغَزوةُ الفَتحِ كَانَت بَعدَ ذَلِكَ، في بَقِيَّةِ السَّنَةِ، في شَهرِ رَمَضَانَ، فَعَلى هذا، لَعَلَّها امرَأةٌ أَخَرَى، أو أنَّ المُرَادَ بِزَينَبَ رَبِيبَةُ (٧) رسولِ اللهِ وََّ. وتَصَحَّفَ ذَلِكَ عَلى بَعضِ الرُّواةِ، فَإِنَّ المَرأةَ هَذِهِ كَانَت قَرِيبَتَها، وقَد رَواه أحمَدُ في (مُسنَدِه))، والحَاكِمُ في ((المُستَدرَكِ))(٨) من رِوايَةٍ (١) المحلى (٣٢٥/١١). مسلم (١١/١٦٨٩)، والنسائي (٤٩٠٦). (٣) (٤) أبو داود، عقب حديث (٤٣٧٤). (٦) معرفة الصحابة (٩٢٦/٢). أحمد (٣٩٥/٣)، والحاكم (٣٧٩/٤). (٨) (٢) في (م): ((إنا)). (٥) ليس في: (م). (٧) في (ك٢، ح): ((بنت)).