Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
بابٌ تَحرِيمِ الفُلُول
تَشِبُّهه(١) بِغَيرِ المُؤمن في جَوازٍ قِتَالِه في تِلكَ الحَالَةِ لِيَنكَفَّ عن المَعصِيَةِ، ولَو
أدَّى إلى قَتلِه، وإن قُتِلَ في هذه الحَالَةِ فَهو هَدَرٌ؛ فانتَفَت فائدَةُ الإيمَانِ في حَقِّه
بِالنِّسبَةِ إلى جَوازٍ قِتَالِه، وإهدَارِ دَمِه، وزَوالِ عِصمَتِهِ مَا دَامَ على تِلكَ الحَالَةِ،
والله أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: ((النُّهبَةُ))؛ بِضَمِّ النُّونِ: المَنهوبُ(٢). وقَولُه: ((ذَاتَ شَرَفٍ))،
بِالشِّينِ المُعجَمَةِ؛ كَذَا نَقَلَه القَاضِي عِيَاضٌ عن رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ))(٣).
وقال النَّوِيُّ(٤): إنَّه كَذلك في الرِّوايَةِ المَعرُوفَةِ والأصُولِ المَشهورَةِ
المُتَدَاولَةِ.
قال: ومَعنَاه ذَاتَ قَدرٍ عَظِيمِ، وقِيلَ: ذَاتَ استِشرَافٍ يَستَشرِفُ النَّاسُ لَها
نَاظِرِينَ إلَيها رَافِعِينَ أبصَارَهم.
قال القَاضِي عِيَاضٌ وغَيرُه: ورَواه إبراهيمُ الحَربِي بِالسِّينِ المُهمَلَةِ، وكَذَا
قَيَّدَه بَعضُهم في ((كِتَابٍ مُسلِم))، وقِيلَ: مَعنَاه أيضًا ذَاتُ قَدرٍ عَظِيمِ؛ فالرِّوايَتَانِ
حِينئذٍ بِمَعنّی واحِدٍ.
■ السَّادِسَةُ: أطلَقَ في الحديثِ ذِكرَ السَّرِقَةِ، وقَيَّدَ النُّهبَةَ بِأن تَكُونَ ذَاتَ
شَرَفٍ يَرفَعُ إِلَيه المُؤمنونَ أعيُنَهم فيها، وذلك يَدُلُّ على أنَّ السَّرِقَةَ (٢٦٣/٧م) أشَدُّ
من الغَصبِ، ويُوافِقُ هذا كَلَامَ أبي سَعِيدِ الهَرَوِيِّ من أصحَابِنَا؛ فإنَّه شَرَطَ في
كُونِ الغَصبِ من الكبائرِ: كَونَ المَغصُوبِ نِصَابًا، ولَم يَشتَرِط ذلك [في
=.. (٥)
السَّرِقَةِ(٥) .
وقَد يُقَالُ: إِنَّمَا سَكَتَ هو وغيرُه عن ذلك] (٦) في السَّرِقَةِ؛ [٢٠١/٢ و] لِأَنَّ
المُتَبادَرَ إلى الفَهم من إطلاقِها كَونُ المَسرُوقِ نِصَابًا، فإنَّه المُوجِبُ لِلقَطعِ.
(٣)
إكمال المعلم (٣١٢/١).
إكمال المعلم (٣١٢/١)، وشرح النووي (٤٤/٢).
ينظر: الحاوي (١٣٢/٧ - ١٣٦)، وروضة الطالبين (٢٢٢/١١) - المكتب الإسلامي.
(٥)
ما بين المعكوفين ليس في الأصل.
(٦)
(٢) في (ح): ((النهوب)).
في (م): ((تشبیھه)).
(١)
(٤)

=
٢٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فاذَا أطلَقَ حُمِلَ على ذلك، كَمَا كَانَ إِطَلَاقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في قَوله تعالى:
﴿وَاُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، مَحمُولًا على ذلك. ويَستَوِي
حِينَئذٍ البابانِ. وفي هذا(١) الحديثِ تَعِظِيمُ شَأْنِ الغَصبِ على غَيرِهِ؛ بِكَونِه ◌َِّل
أقسَمَ على ذلك، والقَسَمُ يَدُلُّ على التَّأْكِيدِ.
■ السَّابِعَةُ: ظَاهرُ إطلَاقِهِ: أنَّه لَا فَرِقَ في الزَّانِي بَيْنَ أن يَكُونَ مُحصَنًا أم
لَا ، ولا في شُربِ الخَمرِ بَيْنَ أن يَكُونَ المَشرُوبُ كَثِيرًا أو قَلِيلًا. وهو كذلك،
وقَد صَرَّحَ أصحَابُنَا: بِأنَّ شُرب قَلِيلِ الخَمرِ من الكبائرِ .
■ الثَّامنةُ: قال ابنُ المُنذِرِ (٢): فَسَّرَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ هذا الحديثَ،
فَقالا: النُّهبَةُ المُحَرَّمَةُ: أن يَنتَهبَ مَالَ الرَّجُلِ بِغَيرِ إذنِهِ، وهو لَه كَارِهٌ، وهو قَولُ
قَتَادَةَ. قال أبو عُبَيدِ (٣): وهذا وجه الحديثِ على مَا فَسَّرَه النَّخَعِيّ والحَسَنُ.
وأمَّا النُّهبَةُ المَكْرُوهَةُ: فَهو مَا أذِنَ فيه صَاحِبُه لِلجَمَاعَةِ، وأباحَه لَهم،
وغَرَضُه تَسَاوِيهم فيه أو مُقَارِبَةُ التَّسَاوِي؛ فإذَا كَانَ القَوِيُّ منهم يَغْلِبُ الضَّعِيفَ
ويَحْرِمُه فَلَم تَطِب نَفسُ صَاحِبِه بِذلك الفِعلِ .
واختَلَفَ العُلَمَاءُ فيمَا يُنثَرُ على رُؤُوسِ الصِّبَيَانِ وفي الأعرَاسِ فَيَكُونُ فيه
النُّهبَةُ: فَكَرِهَه مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ، وأجَازَه الكُوفيونَ. قال ابنُ المُنذِرِ: ولا يُخرِجُ
بِذلك شَهادَةَ أحَدٍ، وإنَّمَا أكرَهه؛ لِأَنَّ مَن أخَذَه إِنَّمَا أخَذَه بِفَضلِ قُوةٍ وقِلَّةِ حَيَاءٍ،
ولَا يُقْصَدُ به هو وحدَه، إنَّمَا قُصِدَ به الجَمَاعَةُ، ولَا يُعرَفُ حَظُه من حَظّ غَيرِهِ فَهو
خِلسَةٌ وسُخفٌ. واحتَجَّ الكُوفيونَ بِأنَّ النَّبِيِ وَ لَمَّا نَحَرَ الهَديَ قال: ((دُونَكُم
فانتَهبوا))(٤) .
قال ابنُ المُنذِرِ: وهذا الحديثُ حُجَّةٌ في إجَازَةِ أخذِ مَا يَنْثُرُ في المِلَاكِ
(١) ليس في (ح).
كما في شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦٠٣/٦، ٦٠٤).
(٢)
(٣)
ينظر: غريب الحديث لابن سلام (٥٤/٢).
أحمد (٣٥٠/٤)، وأبو داود (١٧٦٥) من حديث عبد الله بن قرط، بلفظ: ((من شاء
(٤)
اقتطع)).

٢٠٣
بابُ تَحرِيمِ الغُلُول
وغَيرِهِ وأبيحَ أخذُه؛ لِأنَّ المُبيحَ لَهم ذلك قَد عَلِمَ اختِلَافَ قُوتِهم في الأخذِ،
ولَيسَ في البُدنِ التي أباحَها النَّبيِوَ ◌َّ لِأصحَابِه مَعنَى إلا وهو مَوجُودٌ في
النَّارِ(١). انتَهَى.
■ النَّاسِعَةُ: ((وَلَا يَغُلُّ أحَدُكُمْ))، بِفَتحِ اليَاءِ وضَمِّ الغَينِ؛ كَذَا الرِّوايَةُ.
واقتَصَرَ عَلَيه النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))، لَكِنَّ فيه لُغَةً أخرَى: ((يُغِلُّ))(٢)، بِضَمّ
(٢٦٤/٧م) اليَاءِ وكَسرِ الغَينِ؛ حَكَاها فَّ ((الصِّحَاحِ))، و((المُحكَم))، و((المَشَارِقِ))،
وغَيرِها. ثُمَّ حَكَى في ((الصِّحَاحِ))، عن ابنِ السِّكِّيتِ أنَّه قال: لَمْ يُسمَع في المَغْنَمِ
إلا غَلَّ غُلُولًا. وقَد أطلَقَ في ((المُحكّم)): أنَّ الغُلُولَ الخِيَانَةُ. ثُمَّ قال: وخَصََّ
بَعضُهم به الخَونَ(٣) في الفَيءٍ. وقال في ((الصِّحَاحِ)): غَلَّ من المَغَمِ غُلُولًا؛ أي:
حَانَ(٤)، وأغَلَّ مِثْلَه. ثُمَّ قال: قال أبو عُبَيدِ(٥): الغُلُولُ من المَغنَمْ خَاصَّةً، ولَا
نَرَاه من الخِيَانَةِ، ولَا من الحِقدِ، ومِمَّا يُبَيِّنُ ذلك أنَّه يُقَالُ من(٦) الخِيَانَةِ: أَغَلَّ
يَغُلُّ، ومن (٧) الحِقدِ غَلَّ(٨) يَغِلُّ بِالكَسرِ، ومن الغُلُولُ غَلَّ يَغُلُّ بِالضَّمِّ.
وقال في ((المَشَارِقِ)): كُلُّ خِيَانَةٍ غُلُولٌ، لَكِنَّه صَارَ في عُرِفَ الشَّرعِ لِخِيَانَةِ
=(٩)
المَغَانِمِ خَاصَّةً(٩).
وقال في ((النِّهايَةِ)) (١٠): هو الخِيَانَةُ في المَغنَم والسَّرِقَةُ من الغَنِيمَةِ قَبلَ
القِسمَةِ، وكُلُّ مَن خَانَ فِي شَيءٍ خُفِيَةً فقد غَلَّ. وسُمِّيَت غُلُولًا؛ لِنَّ الأيدِي فيها
مَغْلُولَةٌ؛ أي: مَمنُوعَةٌ مَجعُولٌ(١١) فيها غُلٌّ، وهو الحديدَةُ التي تَجمَعُ يَدَ الأَسِيرِ
(١) بل فيها معنى ليس في غيرها بالنسبة إلى المأذون لهم؛ فإنهم كانوا الغاية في الورع
والإنصاف، وليس غيرهم في ذلك مثلهم. قاله الحافظ في الفتح (٦٣/١٢). وبنحوه في
الحاوي (٩/ ٥٦٦).
(٢)
ليس في الأصل.
في (ش): ((جار)).
(٤)
(٦)
في الأصل: ((في)».
(٨)
لیس في (ش).
(٩)
الصحاح (١٧٨٤/٥)، والمحكم (٣٦٨/٥)، والمشارق (١٣٤/٢).
(١٠) النهاية (٣٨٠/٣).
(٣) في (ش): ((الجود)).
(٥) غريب الحديث (٢٠٠/١).
(٧) في الأصل: ((في).
(١١) في (ش): ((محصول)).

=
٢٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إلى عُنُقِه، ويُقَالُ لَها جَامِعَةٌ أيضًا. انتَهَى. فإن كَانَ الغُلُولُ مُطلَقُ الخِيَانَةِ فَهو أعَمُّ
من السَّرِقَةِ، وإن كَانَ من المَغْنَمِ خَاصَّةً فَبَينَه، وبَيْنَها عُمُومٌ وخُصُوصٌ من وجهٍ.
■ العَاشِرَةُ: قَولُه: ((فإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ))، كَذَا هو في رِوايَتِنَا هنَا(١). وفي
(صَحِيحٍ مُسلِم): مَرَّتَيْنٍ. ومَعنَاه: احذَرُوا احذَرُوا، والتَّكرِيرُ لِلتَّأكِيدِ، يُقَالُ: إِيَّاكَ
وفُلَانًا؛ أي: أَحذَره، ويُقَالُ: إِيَّاكَ؛ أي: احذَر من غَيرِ ذِكرٍ فُلَانٍ، كَمَا هنَا (٢).
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُه: ((والثَّوبَةُ مَعرُوضَةٌ [٢٠١/٢ظ] بَعدُ))؛ أي: بَعدَ
مُواقَعَتِهِ لِلذَّنبِ. فَلَمَّا قَطَعَه عن الإضَافَةِ بَنَاه على الضَّمِّ. والمُرَادُ بِكَونِها مَعرُوضَةً:
أنَّ اللهَ تعالى عَرَضَها على العِبادِ؛ فأمَرَهم بها ووعَدَهم بقَبولها. وأجمع العُلَمَاءُ
على قَبولِ تَوبَةِ العَبدِ مَا لَم يُغَرغِر.
ولَها ثَلَاثَةُ أَركَانٍ: الإقلاعُ عن المَعصِيَةِ، والنَّدَمُ على فِعلِها، والعَزمُ على
أن لَا يَعُودَ إِلَيها(٣). وأهمَلَ أصحَابُنَا رُكنّا رَابِعًا، وهو النِّيَّةُ والإخلاصُ فيها
كَغَيرِها (٤) من العِبادَاتِ.
قال (٥) أصحَابُنَا وغَيرُهم: فإن تَابَ من ذَنبٍ ثُمَّ عَادَ إلَيهِ لَم تَبطُلِ تَوبَتُه، وإن
تَابَ من ذَنبٍ وهو مُتَلَبِسٌ بِآخَرَ صَحَّت تَوبَتُه؛ هذا مَذهَبُ أهلِ الحَقِّ، وخَالَفَت
المُعتَزِلَةُ فِي المَسأَلَتَينِ (٦).
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: المُرَادُ بِنَزعِ الإِيمَانِ من قَلبه (٧ وخُرُوجِه منه: كَمَالُ(٧)
الإيمَانِ لَا أصلُه؛ فَهذه الرِّوايَةُ المَحَكِيَّةُ عن ((مُسنَدِ البَزَّارِ)) في احتياجِها إلى
التَّأْوِيلِ كَالرِّوايَةِ المَشهورَةِ. والله تعالى أعلم.
(١)
لیس في (ش).
في (ح، ش): («لها».
(٣)
(٤)
في الأصل، (ح): ((كغيره).
(٥) في الأصل: ((قاله)).
(٦) شرح النووي على مسلم (٤٥/٢).
(٧ - ٧) في (م): ((خروجه من كمال)).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤٥/٢).

بابٌ كَسرِ الصَّلِيبِ وقَتلِ الخِنْزِيرِ ووضعِ الجِزِيَةِ
كو
٢٠٥
مبيبسبـ
(٢٦٥/٧م) بابُ كَسرِ الصَّلِيبٍ
وقَتلِ الخِنِزِيرِ ووضعِ الجِزْيَةِ
عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ؛ يَبْلُغُ به النَّبِي وَلِ: («يُوشِكُ أن يَنْزِلَ
فِيكُم ابنُ مَرِيَمَ؛ حَكَمًا مُقسِطًا، بَكسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقتُلُ الخِنزِيرَ، ويَضَعُ
الجِزِيَةَ. ويَفيضُ المَالُ حَتَّى لَا يَقبَلَهِ أحَدٌ».
فيه فوائدٌ:
■ الأولى: اتَّفق عَلَيه الشيخانِ وابنُ مَاجَه(١)؛ من هذا الوجه، من طَرِيقٍ
سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ. وأخرَجَه الشيخانِ أيضًا، [والتِّرمِذي(٢)؛ من طَرِيقِ الليثِ بنِ
سَعدٍ. وأخرَجَه الشيخانِ(٣) أيضًا](٤)؛ من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، وصَالِحٍ بِنِ
كَيْسَانَ. كُلُّهم عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((يُوشِلُكُ))، بِكَسرِ الشِّينِ؛ أي: يَقرَبُ. وقَولُه: ((أن
يَنزِلَ))؛ أي: من السَّمَاءِ. وقَولُه: ((فيكُم))؛ أي: في هذه الأمَةِ، وإن كَانَ خِطَابًا
لِبَعضِها مِمَّن لَا يُدرِكِ نُزُولَه. وقَولُه: ((حَكَمًا))، بِفَتح الكَافِ؛ أي: حَاكِمًا،
والمُرَادُ أنَّه يَنْزِلُ حَاكِمًا بهذه الشَّرِيعَةِ، لَا نَبيًا بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وشَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ؛ فإنَّ
هذه الشَّرِيعَةَ باقِيَةٌ إلى يَومِ القِيَامَةِ لَا تُنسَخُ، ولَا نَبِي بَعدَ نَبينَا كَمَا نَطَقَ بِذلك،
وهو الصَّادِقُ المَصدُوقُ، بَل هو حَاكِمٌ من حُكَّامِ هذه الأمَّةِ، وفي حَدِيثٍ
البخاري (٢٤٧٦)، ومسلم (٢٤٢/١٥٥)، وابن ماجه (٤٠٧٨).
(١)
(٢)
البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (٢٤٢/١٥٥)، والترمذي (٢٢٣٣).
(٣)
البخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥/ ٢٤٢).
لیس في (ح).
(٤)

=
٢٠٦
طرح التثريب في شَرّحِ الثّقْرِیبِ
النَّواسِ بنِ سَمعَانَ في ((صَحِيحِ مُسلِم): أنَّ حِينَ يَنزِلُ يَمتَنِعُ من التَّقَّدُّمِ لِإِمَامَةِ
الصَّلاةِ، ويَقُولُ: ((إِمَامُكُم منكُم)).
وقَولُه: ((مُقسِطًا))؛ أي: عَادِلًا، يُقَالُ: أقسَطَ يُقسِطُ إقسَاطًا فَهو مُقْسِطُ إذَا
عَدَلَ، والقِسُطُ بِكَسرِ القَافِ العَدلُ. أمَّا القَاسِطُ فَهو الجَائرُ(١)، ومنه قوله تعالى:
[الجن: ١٥]. يُقَالُ منه: قَسَطَ يَقسِطُ قَسطًا
﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (٥)﴾
بِفَتحِ القَافِ(٢) .
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((يَكسِرُ الصَّلِيبَ))، مَعنَاه: يَكسِرُه حَقِيقَةً ويُطِلُ مَا يَزِعُمُه
النَّصَارَى من تَعِظِيمِه، ويُغَيِّرُ مَا نَسَبوه إلَيه من الباطِلِ؛ كَمَا غَيَّرَهُ نَبِينَا وَلِّهِ،
وأعلَمَهم (٧/ ٢٦٦م) أنَّهم على الباطِلِ في ذلك. فَهو (٣في ذلك٣) مُصَحِّحٌ لِشَرِيعَةِ
نَبينَا، مَاشٍ على سَنَنِ الاِسْتِقَامَةِ فيها. وفيه تَغِيرُ المُنكَرَاتِ وآلَاتِ الباطِلِ (٤).
والله أعلم.
■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((ويَقتُلُ الخِنزِيرَ)). قال النَّوِيُّ: فيه دَلِيلٌ لِلمُختَارِ في
مَذْهَبِنَا ومَذهَبُ الجُمهورِ أَنَّا إذَا وجَدنَا الخِنزِيرَ في دَارِ الكُفرِ وغَيرِها وتَمَكَّنَّا من
قَتْلِهِ قَتَلْنَاه، وإبطالٌ لِقَولِ مَن شَذَّ(٥) من أصحَابِنَا وغَيرِهم، فقالُوا: يُترَكُ إذَا لَم
يَكُن فيه ضَرَاوةٌ (٦).
] الخَامِسَةُ: قَولُه: (ويَضَعُ الجِزِيَةَ)). قال النَّووِيُّ: الصَّوابُ في مَعنَاه:
أنَّه لَا يَقبَلُها، ولَا يَقبَلُ من الكُفارِ إلا الإسلامُ، ومَن بَذَلَ منهم الجِزِيَةَ لَم يَكُفَّ
عنه(٧) بها، بَل لَا يَقبَلُ إلا الإسلامَ أو القَتلَ؛ هَكَذَا قاله الخَطَّابي وغَيْرُه من
العُلَمَاءِ.
(١) ينظر: غريب الحديث، لابن الجوزي (٢٤٣/٢)، ولابن قتيبة (٤١٩/١، ٤٢٠).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٩٠/٢). والحديث عند مسلم (٢٤٤/١٥٥)، (٢٤٧/١٥٦)
عن أبي هريرة.
(٣ - ٣) في (م): ((كذلك)).
(٥) في الأصل: ((قال)).
(٧) في الأصل: ((عنهم)).
(٤) شرح النووي (٢/ ١٩٠).
(٦) شرح النووي (٢/ ١٩٠).

=
٢٠٧
بابُ كَسرِ الصَّلِيبِ وقَتلِ الخِنْزِيرِ ووضعِ الجِزِيَةِ
وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ عن بَعضِ العُلَمَاءِ مَعنَى هذا. [٢٠٢/٢ و] ثُمَّ قال:
وقَد يَكُونُ فَيَضُ المَالِ من وضعِ الجِزِيَةِ، وهو ضَربُها على جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ فإنَّه لَا
يُقَاتِلُهُ أحَدٌ، وتَضَعُ الحَربُ أوزَارَها، وانقِيَادُ جَمِيعِ النَّاسِ لَه إمَّا بِالإسلامِ(١)، وإمَّا
بِالقَاءِ يَدٍ؛ فَيَضَعُ عَلَيهِ الجِزِيَةَ ويَضرِبُها. هذا كَلَامُ القَاضِي.
قال النَّووِيُّ، ولَيسَ بِمَقبولٍ، والصَّوابُ مَا قَدَّمنَاه، وهو أنَّه لَا يَقبَلُ إلا
الإِسلَامَ(٢) .
■ السَّادِسَةُ: إن قُلتَ: كَيفَ يَضَعُ السَّيِّدُ عِيسَى عَ لَهُ الجِزِيَةَ مع أنَّ حُكمَ
الشَّرعِ وُجُوبُ قَبولِها من أهلِ الكِتَابِ، قال الله تعالى: ﴿حَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ
وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ فَكَيفَ يَحكُمُ بِغَيرِ هذه الشَّرِيعَةِ، وهو خِلَافُ مَا
قَرَّرتُم من أنَّه لَا يَحكُمُ إلا بهذه الشَّرِيعَةِ.
قُلتُ: قال النَّوِيُّ: جَوابُه: أنَّ هذا الحُكمَ لَيسَ مُستَمِرًّا إلى يَومِ القِيَامَةِ،
بَل هو مُقَيَّدٌ بِمَا قَبَلَ نُزُولٍ عِيسَى عَلَيه الصلاةُ السَّلَامُ، وَقَد أخبَرَنَا النَّبِيِ وَّ في
هذه الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِنَسخِهِ، ولَيسَ عِيسَى نَّهِ هو النَّاسِخُ، بَل نَبِينَا وَ ◌ّر هو
المُبَيِّنُ لِلنَّسخِ؛ فإنَّ عِيسَى يَحكُمُ بِشَرِنَا (٣)؛ فَدَلَّ على أنَّ الِامْتِنَاعَ من قَبَولِ الجِزيّةِ
في ذلك الوقتِ هو شَرِعُ نَبِينَا مُحَمَّدٍ وَِّ. انتَهَى.
] السَّابِعَةُ: فإن قُلتَ: مَا المَعنَى في تَغِيرِ (٤) حُكم الشَّرعِ عِندَ نُزُولِ
عِيسَى عِلَّ فِي قَبولِ الجِزِيَةِ؟
قُلتُ: قال ابنُ بَطَّالٍ (٥): إنَّمَا قَبِلنَاها نَحنُ لِحَاجَتِنَا إلى المَالِ، ولَيسَ يَحَاجُ
عِيسَى عِندَ خُرُوجِه إلى مَالٍ؛ لِأَنَّه يَفيضُ في أيَّامِه حَتَّى لَا يَقبَلَه أحَدٌ، فَلَا يَقبَلُ
إلا الإِيمَانَ بِالله وحدَه. انتَهَى.
في الأصل، (ش): ((بإسلام)).
(١)
أعلام الحديث (١٠٩٨/٢)، (١٥٦٢/٣)، وشرح النووي (١٩٠/٢)، وإكمال المعلم
(٢)
(١/ ٤٧١).
(٣)
في (م): ((بشريعتنا)).
شرح النووي (١٩٠/٢).
(٥)
(٤) في (ش): (تغير).

٢٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قُلتُ: ويَظهَرُ لِي أَنَّ قَبولَ الجِزِيَةِ من اليهودِ والنَّصَارَى لِشُبهَةِ مَا بِأيدِيهم من
الثَّورَاةِ والإنجِيلِ وتَعَلَّقِهِم بِزَعمِهم بِشَرعٍ قَدِيمٍ، فإذَا نَزَلَ عِيسَى عَلَا زَالَت تِلكَ
(٧/ ٢٦٧°م) الشُّبهَةُ لِحُصُولٍ (١) مُعَايَنَتِهِ؛ فَصَارُوا كَعَبَدَةِ الأوثَانِ في انقِطَاعِ شُبهَتِهم
وانكِشَافِ أمرِهم، فَعُومِلُوا مُعَامَلَتَهم في أنَّه لَا يَقبَلُ منهم إلا الإسلامَ، والحُكمُ
يَزُولُ بِزَوالِ عِلَّتِهِ، وهذا مَعنَى حَسَنٌ مُنَاسِبٌ لَم أرَ مَن تَعَرَّضَ لَه. وهو (٢) أولى
مِمَّا ذَكَرَه ابنُ بَطَّالٍ(٣)، والله أعلمُ.
■ الثَّامنةُ: قَولُه: ((ويَفيضَ المَالُ))، هو بِفَتحِ اليَاءِ، ومَعنَاه: يَكثُرُ وتَنزِلُ
البَرَكَاتُ، وتَتَوالى الخَيرَاتُ بِسَبَبِ العَدلِ وعَدَمِ التَّظَالُمِ، ولِمَا تُلقِيه الأرضُ من
الكُنُوزِ، كَمَا جَاءَ في الحديثِ الصَّحِيحِ: ((وتَقِيُ الأرضُ أفلَاذَ كَبِدِها))(٤). وأيضًا:
فَتَقِلُّ الرَّغَباتُ في الأموالِ لِقِصَرِ الْآمَالِ، وعِلمِ النَّاسِ بِقُربِ السَّاعَةِ؛ فإنَّ
عِيسَى لِلَّا هو آخِرُ عَلَامَاتِها تُقبَضُ عَقِبَه أرواحُ(٥) المُؤمنينَ، ولَا يَبقَى في
الأرضِ مَن يَعرِفُ اللهَ، وعَلَيهم تَقُومُ السَّاعَةُ. وهو مَأخُوذٌ من فاضَ الوادِي: إذَا
سَالَ، وفاضَ الدَّمعُ: أي كَثُرَ(٦).
والظّاهرُ: أنَّه مَنصُوبٌ عَطفًا على قَولِهِ: ((يَنزِلَ))؛ فأخبَرَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ
بِنُزُولٍ عِيسَى ◌َّهُ يفعَلُ(٧) مَا حَكَاه عنه، ويَفيضُ المَالُ حَتَّى يَتَرَنَّبَ على ذلك أنَّه
لَا يَقبَلُه أحَدٌ مع بَذلِ صَاحِبِه لَه، فَكَيفَ يَأْخُذُه ظُلمًا، ذلك أولى بأن لَا يُؤَخَذَ(٨).
والله أعلم.
في (ح، ش): ((بحصول)).
(١)
شرح ابن بطال على البخاري (٦٠٥/٦).
(٣)
(٤)
مسلم (٦٢/١٠١٣) عن أبي هريرة.
(٥)
بعده في (ش): ((جميع).
ينظر: النهاية (٤٨٤/٣).
(٦)
(٧)
في (ح، ش): ((بفعل)).
شرح النووي (١٩٠/٢، ١٩١).
(٨)
(٢) في (ح، ش): ((وهذا)).

بابٌ الهجرَةِ
٢٠٩
بابُ الهجرَةِ
الحديثُ الأولُ
ج " عن هَمَّام١)، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةٍ: «لَولَا
الهجرَةُ لَكُنت امرَّأَ من الأنصَارِ، ولَو يَندَفِعُ النَّاسُ في شُعبَةٍ، أو في وادٍ
والأنصَارُ في شُعبَةٍ، لَاندَفَعتُ مع الأنصَارِ (٢٦٨/٧م) في شُعبَتِهم)). رَواه
البخارِيُّ.
فيه فوائدٌ:
■ الأولى: أخرَجَه البخارِيُّ (٢)، في فَضَائلِ الأنصَارِ من ((صَحِيحِه))؛ من
طَرِيقِ شُعبَةَ، عن مُحَمَّدٍ بِنِ زِيَادٍ، عن أبي هريرةَ،، بلفظِ: «لَو أنَّ الأنصَارَ سَلَكُوا
وادِيًا أو شَعبًا [٢/ ٢٠٢ظ] لَسَلَكت في(٣) وادِي الأنصَارِ، ولَولا الهجرَةُ لَكُنت امرَأَ
من الأنصَارِ. فَقال أبو هريرةَ: مَا ظَلَمَ، بِأبي وأمِّي، آووه ونَصَرُوه، أو كَلِمَةً
أخرَى)). وأخرَجَ الشيخانِ(٤) هذا المَتنَ؛ من حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ زَيدِ بنِ عَاصِمٍ،
وأنَسٍ في أثنَاءِ حَدِيثِ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: (لَولَا الهجرَةُ لَكُنت امرَأَ من الأنصَارِ»؛ أي(٥): في
الأحكام والعِدَادِ، ولَا يَجُوزُ أن يَكُونَ المُرَادُ النَّسَبَ قَطعًا. وفيه فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ
(١ - ١) ليس في (ح).
(٢) البخاري (٣٧٧٩).
(٣) من (ح، ش).
البخاري (٣٧٧٨، ٤٣٣٠، ٤٣٣١)، ومسلم (١٣٩/١٠٦١).
(٤)
لیس في (ح).
(٥)

٢١٠
22
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لِلأنصَارِ، وفيه بَيَانُ فَضلِ الهجرَةِ، ومَعنَى الحديثِ: أنَّ المُهاجِرِينَ كَانُوا فَرِيقًا
وكَانَت الأنصَارُ فَرِيقًا، وكُلُّ قَبِيلَةٍ مع أحلَافِها تُعَدُّ فَرِيقًا، ولِكُلِّ فَرِيقٍ في
الحُرُوبِ رَايَةٌ، وكَانَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ في المُهاجِرِينَ؛ فَطَيَّبَ خَواطِرَ
الأنصَارِ: بِأَنَّه لَولا الهجرَةُ التي شَارَكَه المُهاجِرُونَ فيها أوجَبت أن يَكُونَ مَعدُودًا
فيهم لَكَانَ عِدَادُه في الأنصَارِ وإِن كَانَ من قُرَيشٍ، لِمَا بَيْنَه وبَيْنَ الأَنصَارِ من
المُوالَاةِ الأكِيدَةِ والمُنَاصَرَةِ الشَّدِيدَةِ، وإلى هذا أَشَارَ [(١) أبو هريرةَ رَظُهُ بِقَولِه:
(مَا ظَلَمَ، بِأبي وأمِّ))؛ أي: مَا ظَلَمَ قُرَيشًا بِذلك؛ أي: بِانفِرَادِه عنهم وعَدِّه
نَفْسَه في الأنصَارِ بِتَقدِيرِ فَقدِ الهجرَةِ؛ لِأَنَّ الأنصَارَ آووه ونَصَرُوه، وفَعَلَت قُرَيشٌ
في مَبدٍَ(٢) الأمرِ ضِدَّ ذلك، أو مَا ظَلَمَ الأنصَارَ، ولَا بَخَسَهم حَقَّهم بهذا
الكَلامِ الذي قاله فيهم.
■ الثالثة: قَولُه: ((ولَو يَندَفِعُ النَّاسُ في شُعبَةٍ)). كَذَا رَوينَاه وضَبَطْنَاه هنَا
بِضَمِّ الشِّينِ. وذَكَرَ الجَوهَرِيُّ: أنَّ الشُّعبَةَ المَسِيلُ الصَّغِيرُ، يُقَالُ: شُعبَةٌ حَافِلٌ:
أي: مُمتَلِئَةٌ سَيلًا. وقال في ((المُحكَم): الشُّعبَةُ: صَدٌ في الجَبَلِ يَأْوِي إِلَيه
المَطَرُ. والشُّعبَةُ: المَسِيلُ في ارتفاعِ قَرَارِهِ الرَّملُ. والشُّعبَةُ: مَا صَغُرَ عن(٣)
التَّعَةِ. وقِيلَ: مَا عَظُمَ من سَواقِي الأَودِيَةِ، وقِيلَ: الشُّعبَةُ مَا انشَعَبَ من الثَّعَةِ
والوادِي؛ أي: عَدَلَ عنه، وأخَذَ في غَيرِ طَرِيقِه، والجَمعُ: شُعَبٌ وشِعَابٌ(٤).
انتَھَی.
ولَفظُ ((الصَّحِيحَينِ))(٥): ((شِعبٌ))، بِكَسرِ الشِّينِ بِغَيرِ هاءٍ في آخِرِهِ، وهو مَا
انفَرَجَ بَيْن جَبَلَيْنِ، كَمَا قاله الخَلِيلُ (٢٦٩/٧م) بنُ أحمَدَ(٦). وقال ابنُ السِّكِّيتِ(٧)،
والجَوهَرِيُّ: هو الطَّرِيقُ في الجَبَلِ .
(١) من هنا خرم في (ك٢)، ينتهي في أثناء الفائدة التاسعة من الحديث الثاني في هذا الباب.
(٣) في (م): ((من).
(٢)
في (م): ((مبتدأ)).
(٤)
الصحاح (١٥٧/١)، المحكم (٣٨١/١، ٣٨٢)
(٥)
الصحاح (١٥٦/١).
إصلاح المنطق (ص٥).
(٧)
(٦) معجم العين (٢٦٢/١).

بابُ الهجرَةِ
٢١١
قال في ((النِّهايَةِ)) (١)، وفي المَغَازِي(٢): ((خَرَجَ رسولُ الله ◌َ يُرِيدُ قُرَيْشًا،
وسَلَكَ شُعبَةً))، هيَ بِضَمِّ الشِّينِ وسُكُونِ العَينِ: مَوضِعٌ قُربَ يَلِيلَ(٣)، ويُقَالُ لَه:
شُعبَةُ بنُ عَبدِ الله(٤).
■ الزَّابِعَةُ: أَشَارَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِذلك إلى أنَّه لَا يُفارِقُ الأنصَارَ
مُدَّةَ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّه جَعَلَ أرضَهم دَارَ هجرَتِهِ فَهو مُلَازِمٌ لَها إلى وفاتِهِ، وقَد قال في
الحديثِ الآخَرِ (٥): ((المَحيَا مَحَاكُم، والمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)).
الحديثُ الثَّانِي
وعن عُروةَ، عن عَائشَةَ، قالت: ((لَم أعقِل أَبُوايَ قَطَّ إلا وهمَا
يَدِينَانِ الدِّينَ(٦)، ولَم يَمُزَّ عَلَيْنَا يَومٌ إلا يَأتينا فيه رسولُ اللهِ وَ طَرَفَي
النَّهارِ بُكرَةً وعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابتُلِيَ المُسلِمُونَ: خَرَجَ أبو بَكرٍ مُهاجِرًا قِبَلَ
أرضِ الحَبَشَةِ)). الحديثُ.
فيه فوائدٌ:
■ الأولى: أخرَجَه البخارِيُّ(٧) من طَرِيقِ مَعمَرٍ، وعُقَيلٍ، وغَيرِهمَا؛ عن
الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائشَةَ. ذَكَرَه في سِتَّةِ مَواضِعَ من ((صَحِيحِه)): الصَّلَاةُ،
والإِجَارَةُ، والكَفالَةُ، والهجرَةُ، واللِّاسُ، والأدَبُ؛ طَوّلَه في بَعضِها، واختَصَرَه
في البَعضِ.
النهاية (٢/ ٤٧٧).
(١)
(٢) السيرة لابن هشام (٥٩٨/٢ - ٥٩٩).
تضبط على وجهين: وزن أمير، ووزن جعفر. ينظر: تاج العروس (١٤٤/٣).
(٣)
ينظر: الأماكن للحازمي (ص٧٩). وجاء في سيرة ابن هشام وابن كثير (٢/ ٣٦٢)
(٤)
والروض الأنف (٣٨/٣): ((شعبة عبد الله)).
(٥)
مسلم (٨٤ /١٧٨٠).
(٦) في الأصل: ((الدين)).
البخاري (٤٧٦، ٢٢٦٣، ٢٢٦٤، ٢٢٩٧، ٣٩٠٥، ٥٨٠٧، ٦٠٧٩).
(٧)

٢١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّانِيَةُ: قَولُ عَائِشَةَ ﴿ُها: ((لَم أعقِل أَبُوايَ)»، كَذَا وقَعَ في رِوايَتِنَا من
مُسنَدِ الإِمَامِ أحمَدَ(١)، بِالألِفِ، وهيَ لُغَةُ بَنِي الحَارِثِ بنِ كَعبٍ وعِدَّةٍ قَبائلَ؛
يَجعَلُونَ المُثَنَّى بِالألِفِ في الأحوالِ كُلُّها، وعَلَيها جَاءَ قَوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَانٍ
لَسَحِرَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِعَاكُمْ﴾ [طه: ٢٣]، وهيَ قِرَاءَةٌ مَشهورَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبعِ (٢).
وأنكَرَ (٢٧٠/٧م) المُبَرِّدُ هذه اللُّغَةَ. وهو مَحجُوجٌ بِنَقلِ أئمَّةِ اللُّغَةِ (٣).
ورِوايَةُ البخارِيِّ: ((أُبَويَّ)) على [٢٠٣/٢ و] اللُّغَةِ المَشهورَةِ، والمُرَادُ بِأَبَويها:
أبوها (٤) أبو بَكرِ الصِّدِّيقُ رَّتُه، وأمُّها أمُّ رُومَانَ؛ على سَبيلِ التَّغَلِيبِ.
ويَجُوزُ في الرَّاءِ من رُومَانَ: الضَّمُّ والفَتحُ. والأمرُ كَمَا ذَكَرَت من أنَّها لَم
تَعقِل أبَويها إلا وهمَا يَدِينَانِ الدِّينَ؛ أي: الإسلامَ؛ فإنَّ مَولِدَها قَبلَ الهجرَةِ بِنَحوِ
(٥) .
سَبِعٍ سِنِينَ، وكَانَ أَبَواها مُتَقَدِّمَي الإسلَامِ، وذلك مَعُرُوفٌ في الصِّدِّيقِ
وذَكَرَ أبو عُمَرَ في ((الاستيعَابِ))(٦): أنَّ وفاةَ أمِّ رُومَانَ في حَيَاةِ النَّبِي ◌َِّ؛ قِيلَ:
سَنَةَ أَرْبَعٍ. وقِيلَ: خَمسٍ. وقِيلَ: سِتِّ. ((وأَنَّه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ نَزَلَ قَبرَها؛
فاسْتَغْفَرَ لُّها. وقال: اللَّهُمَّ لَم يَخْفَ عَلَيك مَا لَقِيَت أمّ رُومَانَ فيك وفي رسولِك)).
■ الثالثة: قَولُها: ((وَلَم يَمُرَّ عَلَيْنَا يَومٌ إلا يَأتينَا فيه رسولُ الله ◌َّهِ طَرَفَي
النَّهارِ: بُكرَةً، وعَشِيَّةً))، فيه فَضِيلَةُ الصِّدِّيقِ (٧) رَبه، وبَيَانِ تَواضُعِهِ نَُّ ومُواذَّتِهِ
أصحَابَه، وأنَّه لَا بأسَ بِإِكثَارِ الزِّيَارَةِ عِندَ تَأكُّدِ المَوذَّةِ أو الاحتياجِ لِذلك، وأمَّا
قَولُهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: (زُر غِبًّا تَزْدَد حُبَّ)) (٨)؛ فَهو في غَيرِ هاتَينِ الحَالَتَينِ.
المسند (١٩٨/٦).
(١)
هي قراءة نافع، وابن عامر، وحمزة، والكِسائيّ، وأبي جعفر، ويعقوب، وخلف
(٢)
العاشر. ينظر: السبعة لابن مجاهد (ص٢٤٢)، والنشر (١٦٠/٢)، والإتحاف للدمياطي
(ص٣٨٤)، والحجة لابن زنجلة (ص٤٥٤).
ينظر: سر صناعة الإعراب (٣٦٠/١)، ومغني اللبيب (ص٣٧)، وهمع الهوامع (١٤٥/١).
(٣)
ليس في (ح، ش).
(٤)
(٥)
ينظر: طبقات ابن سعد (٥٨/٨ - ٨١)، الاستيعاب (١٨٨١/٤).
(٦)
الاستيعاب (١٩٣٥/٤، ١٩٣٦).
(٧) في (م): ((للصديق)).
ابن حبان (٦٢٠) عن عائشة، والحاكم (٣٤٧/٣) عن حبيب بن مسلمة، والطيالسي =
(٨)

بابُ الهجرَةِ
كي
٢١٣
والظّاهرُ: أنَّ ذلك إنَّمَا كَانَ بِمَكَّةَ قَبلَ الهجرَةِ لِشِدَّةِ الاحتياج إلى التعاونِ على
الدِّينِ والتَّنَاصُرِ فيه وإعمَالِ الرَّأيِ في ذلك. وأمَّا بَعدَ الهجرَةِ: فَمَا أُنُّه كَانَ يَفْعَلُ
ذلك، والله أعلمُ.
■ الرَّابِعَةُ: قَولُها: ((فَلَمَّا ابتُلِيَ المُسلِمُونَ))، بِضَمِّ الثَّاءِ؛ أي: امتُحِنُوا
(٢٧١٧م) بِأذَى المُشرِكِينَ. وأصلُ الابتِلَاءِ: الامتِحَانُ والاختِبارُ. ويَكُونُ في
الخَيرِ والشَّرِّ مَعًا، ومنه (١) قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلِشَرِّ وَاْخَرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
قال ابنُ قُتَيبَةً(٢): يُقَالُ من الخَيرِ: أبلَيتُه (٣) أُبِيه(٤) إِبلَاءً، ومن الشَّرِّ:
(٥بَلَوته إِبَلَاء٥ً). قال في ((النِّهايَةِ)): والمَعرُوفُ: أنَّ الابتِلَاءَ يَكُونُ في الخَيرِ والشَّرِّ
مَعًا؛ من غَيرِ فَرِقٍ بَيْنَ فِعلَيهِمَا .
■ الخَامِسَةُ: قَولُها (٦): ((خَرَجَ أبو بَكرٍ مُهاجِرًا قِبَلَ أرضِ الحَبَشَةِ))، كَانَت
الهجرَةُ إلى الحَبَشَةِ مَرَّتَينٍ، وعَدَدُ المُهاجِرِينَ في الأولى: اثنَي عَشَرَ رَجُلًا وأربَعُ
نِسوةٍ، ثُمَّ رَجَعُوا لَمَّا بَلَغَهم عن المُشرِكِينَ سُجُودَهم مع رسولِ اللهِ وَّهِ عِندَ قِرَاءَةٍ
سُورَةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾؛ فَلَقُوا من المُشرِكِينَ أَشَدَّ مِمَّا عَهِدُوا فَهَاجَرُوا ثَانِيَةً، وكَانُوا ثَلَاثَةً
وثَمَانِينَ رَجُلًا وثَمَانِي عَشرَةَ امرَأةً، ولَم يُعَدَّ أبو بَكرٍ رَُّه في أصحَابِ الأولى
ولَا الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّه لَم يَصِل إلَيها، بَل رَجَعَ من الطَّرِيقِ كَمَا ذَكَرَه في الحديثِ(٧) .
السَّادِسَةُ: ((بَرِكُ الغِمَادِ))، بِفَتحِ الباءِ المُوحَّدَةِ على المَشهورِ، وبِكَسرِها:
لِلأصِيلِيِّ والمُستَملِي وغَيرِهمَا. والرَّاءِ سَاكِنَةٌ على كُلِّ حَالٍ، والغِمَادُ: بِكَسرِ الغَيْنِ
المُعجَمَةِ وضَمِّها؛ كَمَا حَكَاه في ((المَشَارِقِ)) عن ابنِ دُرَیدٍ .
قال في ((المَشَارِقٍ)): هو مَوضِعٌ في أقَاصِي هَجَرَ. وقال في ((النِّهايَةِ)): هو
(٢٦٥٨) عن أبي هريرة. وفي الباب عن أبي ذر، وابن عباس، وابن عمر.
=
(١)
بعده في (م): ((من غير فرق بين فعليهما)). وليست في النسخ.
(٢)
النهاية (١٥٥/١).
(٤)
لیس في (ش).
(٥ - ٥) في (م)، والنهاية: ((بلوته أبلوه بلاء)).
(٦) في (ح، ش): ((قوله)).
(٧) ينظر: سيرة ابن إسحاق (١٩٣/٤) وما بعده.
(٣) في (ح): ((ابتليته)).

=
٢١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
اسمُ مَوضِعِ بِاليَمَنِ. [وقِيلَ: هو مَوضِعٌ وَرَاءَ مََّةَ بِخَمسٍ (٧/ ٢٧٢م) لَيَالٍ، ولَم
يَذكُر في ((الصِّحَاح)) بَركَ الغِمَادِ، وإنَّمَا قال: بِركَ مِثل قِردٍ، اسمُ مَوضِعٍ
بِالْيَمَنِ](١). انتَهَى. فَلا أدرِي هو هذا أم لا؟(٢).
السَّابِعَةُ: ((ابنُ الدَّغِنَةِ))، هو (٣) بِفَتحِ الدَّالِ المُهمَلَةِ، وكَسرِ الغَينِ
المُعْجَمَةِ، وفَتح النُّونِ وتَخفيفِها؛ هذا هو المَشهورُ المَضبوطُ المَحفُوظُ. وحَكَى
فيه القَاضِي عِيَاضٌ في ((المَشَارِقِ)) مع ذلك وجهَينٍ آخَرَينِ: وهمَا فَتحُ الغَينِ،
وإسكَانُها. ووجهًا رَابِعًا: حَكَاه عن القَابِسِيِّ، وهو الدُّغْنَّةُ بِضَمِّ الدَّالِ والغَينِ
وتَشدِيدِها، وحَكَى الجَيَّانِيُّ الوجهَ الأولَ والرَّابِعَ، وقال: وبهمَا رَوينَاه. انتَهَى.
والرَّابِعُ: أشهَرُ من المُتَوسِّطَينِ؛ فَهِمَا غَرِيبانٍ، ولَم يَذكُر في ((الصِّحَاحِ)) هذه
المَادَّةَ. وقال في ((المُحكّم)): دَغَنَ يَومُنَا كَدَجن عن ابنِ الأعرابي. قال: وإنَّه
لِذُو دُغْنَّةٍ كَدُجُنَّةٍ، ودُغَيِنَةٍ: الأحمَقُ مَعرِفَةٌ، ودُغَيِنَةُ اسمُ امرأةٍ (٤).
■ الثَّامنةُ: ((القَارَةُ)) بِالقَافِ وفَتْحِ الرَّاءِ، وتَخفيفِها قَبِيلَةٌ مَعرُوفَةٌ [٢٠٣/٢ظ].
قال في ((الصِّحَاح))(٥): هم عَضَلٌ، والدِّيشُ؛ ابنَا الهونِ بنِ خُزَيمَةَ، سُمُّوا
قَارَةً لِاجْتِمَاعِهِم والتفافهم(٦) لَمَّا أَرَادَ ابنُ الشَّدَّاخِ(٧) أن يُفَرِّقَهم في بَنِي كِنَانَةَ؛
فَقال شَاعِرُهم :
دَعُونَا قَارَةَ لَا تُنفِرُونَا فَنُجفِلَ مِثلَ إجفالِ الظَّلِيم
وهم رُمَاةٌ، وفي المَثَلِ: ((أنصَفَ القَارَّةَ مَن رَامَاها (٨)(٩).
(١)
(٢)
ليس في (ح).
المشارق (١١٥/١)، والنهاية (١٢١/١)، الصحاح (١٥٧٥/٤). وينظر: فتح الباري
(٢٣٢/٧).
لیس في (ح).
(٣)
(٤)
المشارق (٢٦٦/١)، والمحكم (٤٦٧/٥، ٤٦٨).
(٥)
الصحاح (٨٠٠/٢).
(٦) في (م): ((واتفاقهم)).
(٧)
هو: يعمر بن عوف بن الشداخ من بني ليث. وينظر: نهاية الأرب (٣٦١/٢).
(٨)
في (م): ((رماها)).
وينظر: جمهرة اللغة (٧٩٥/٢)، والاشتقاق (ص١٧٩)؛ لابن دريد، وفصل المقال =
(٩)

بابٌ الهجرَةِ
٢١٥
■ التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((أخرَجَنِي قَومِي))؛ أي: تَسَبَّبوا في إخرَاجِي، لَا أنَّهم
باشَرُوا إخرَاجَه، وهو مِثلَ قَولِه: ﴿مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ﴾ [محمد: ١٣]، وقَولُه:
كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] (٧/ ٢٧٣م).
أَخْرَجَهُ الَّذِينَ
وقَولُ الشَّيخ تَظْلَتُهُ: ((فذكر (١) الحديثَ)). أَشَارَ إلى قِطعَةٍ من الحديثِ
اختَصَرَها لِطُولِها، ولِعَدَمِ الاحتياجِ إلَيها هنَا، ولَفِظُها عِندَ البخارِيِّ(٢) في الهجرَةِ:
((فأرِيدُ أن أسِيحَ في الأرضِ وأعبُد رَبِي. فَقال ابنُ الدَّغِنَةِ: فإنَّ مِثلَك يا أبا بَكرٍ
لَا يَخرُجُ ولَا يُخرَجُ؛ إِنَّك تَكسِبُ المُعدَمَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَقرِي
الضَّيفَ](٣)، وتُعِينُ على نَوائبِ الحَقِّ، فأنَا لَك جَارٌ، ارجِع واعْبُد رَبَّك بِبَلَدِك،
فَرَجَعَ وارتَحَلَ معه ابنُ الدَّغِنَةِ. فَطَافَ ابنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً في أشرَافِ قُرَيشٍ. فَقال
لَهم: إنَّ أبا بَكرٍ لَا يَخرُجُ ولَا يُخرَجُ، أَتُخرِجُونَ رَجُلًا يُكسِبُ المُعدَمَ، ويَصِلُ
الرَّحِمَ، ويَحمِلُ الكَلَّ، ويَقرِي الضَّيفَ، ويُعِينُ على نَوائبِ الحَقِّ، فَلَم تُكَذِّب
قُرَيشٌ جِوارَ ابنِ الدَّغِنَةِ، وقَالُوا لِابنِ الدَّغِنَةِ: مُر أبا بكرٍ فَلَيَعْبُد رَبَّه في دَارِهِ
فَلْيُصَلِّ فيها، وليَقرَأْ مَا شَاءَ، ولَا يُؤذينَا بِذلك، ولَا يَستَعلِن به؛ فإنَّا نَخشَى أن
يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبنَاءَنَا. فَقال ذلك ابنُ الدَّغِنَةِ لِأبي بَكرٍ؛ فَلَبِثَ أبو بَكرٍ بِذلك يَعْبُدُ
رَبَّه في دَارِهِ، ولَا يَستَعِنُ بصَلَاتِهِ، ولَا يَقرَأ في غَيرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأبي بَكرٍ ؛
فابتَنَى مَسجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وكَانَ يُصَلِّي فيه ويَقرَأ القُرآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيهِ نِسَاءُ
المُشرِكِينَ وأبنَاؤُهم وهم(٤) يَعجَبونَ منه ويَنْظُرُونَ إِلَيه. وكَانَ أبو بَكرٍ رَجُلَا بَكََّاءً
لَا يَملِك عَينَيَه إِذَا قَرَأ القُرآنَ، فأفزَعَ ذلك أشرَافَ قُرَيشٍ من المُشرِكِينَ؛ فأرسَلُوا
إلى ابنِ الدَّغِنَةِ فقدِمَ عَلَيهم، فقالُوا: إنَّا كُنَّا أجَرنَا أبا بَكرٍ بِجِوارِك على أن يَعْبُدَ
رَبَّه (° في دَارِهْ) فقد جَاوزَ ذلك، وابتَنَى مَسجِدًا بِفِنَاءِ دَارِه فأعلَنَ بِالصَّلَاةِ والقِرَاءَةِ
في شرح الأمثال للبكري (ص٢٠٤).
=
(١)
ليس في (م).
(٢) البخاري (٣٩٠٥، ٢٢٩٧).
هنا انتهى الخرم المشار إليه في (ك٢) في أثناء الفائدة الثانية من الحديث الأول في هذا
(٣)
الباب؛ باب الهجرة.
ليس في (ح).
(٤)
(٥ - ٥) ليس في الأصل.

٢١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فيه، وإنَّا قَد خَشِينَا أن يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبنَاءَنَا فانهَه، فإن أحَبَّ أن يَقتَصِرَ على أن
يَعْبُدَ رَبَّه في دَارِهِ فَعَلَ، وإن أبَى إلا أن يُعلِنَ بِذلك فَسَله أن يَرُدَّ إلَيك ذِمَّتَك فإنَّا
قَد كَرِهِنَا أن نَخْفِرَك، ولَسنَا مُقِرِّنَ لِأبي بَكرٍ الاستِعلَانَ. قالت عَائِشَةُ: فأتَى
ابنُ الدَّغِنَةِ إلى أبي بَكرٍ، فَقال: قَد عَلِمتَ الذي عَاقَدتُ لَك عَلَيه؛ فإمَّا أن تَقْتَصِرَ
على ذلك، وإمَّا أن تَرجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتي؛ فإِنِّي لَا أحِبُّ أن تَسمع العَرَبُ أنِّي أُخفِرت
في رَجُلٍ عَقَدتُ لَه؟ فَقالَ له(١) أبو بَكرٍ: فإِّي أرُدُّ إلَيك جِوارَك، وأرضَى
بِجِوارِ الله ◌َ، والنَّبِي ◌ِ يَومَئذٍ بِمَكَّةَ)).
والصَّحِيحُ: جَوازُ الاقتِصَارِ على بَعضِ الحديثِ إذَا كَانَ المَحذُوفُ مُنفَصِلًا
عن المَذكُورِ لَا يَختَلُّ مَعنَاه بِحَذْفِهِ(٢)، والله أعلمُ.
■ العَاشِرَةُ: قَولُه: ((قَد أُرِيتُ(٣) دَارَ هجرَتِكُم)). (٢٧٤/٧م) يَحتَمِلُ: أن
يَكُونَ في الْيَقِظَةِ. ويَحْتَمِلُ: أَن يَكُونَ في المَنَامِ، وقَولُه: ((أُرِيتُ سَبخَةً)) هو بِفَتحِ
السِّينِ المُهمَلَةِ، والباءِ المُوحَّدَةِ، والخَاءِ المُعجَمَةِ: الأرضُ التي تَعلُوها مُلُوحَةٌ،
وجَمعُها سِباخٌ، وهذا الذي ذَكَرته من فَتحِ الباءِ. هو إذَا لَم تَجعَلها صِفَةً لِأرضٍ؛
فإن قُلتَ: أرضٌ سَبِخَةٌ كَسَرت الباءَ؛ ذَكَرَه في ((الصِّحَاحِ))، و((المَشَارِقِ))(٤).
وقَولُه ((بَينَ لَابَتَينٍ))، بِتَخفيفِ الباءِ المُوحَّدَةِ، قال في نَفسِ الحديثِ: ((وهمَا
حَرَّتَانٍ)). والحَرَّةُ: بِفَتح الحَاءِ المُهمَلَةِ وتَشدِيدِ الرَّاءِ، أرضٌ تركبها (٥) حِجَارَةٍ سُودٍ
بِحَرَّةٍ؛ كَأنَّها أُحرِقَت بِالنَّارِ (٦) .
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُه: ((على رِسلِك))، بِكَسرِ الرَّاءِ، [وإسكَانِ السِّينِ؛
من الأصل، (م).
(١)
ليس في (ش). وينظر: فتح المغيث (٢٥١/٢).
(٢)
(٣)
في (م): ((رأیت)).
الصحاح (٤٢٣/١)، والمشارق (٤٠٢/٢). وينظر: فتح الباري (٤٤٧/١).
(٤)
(٥)
في (م): ((ذات)).
ينظر: إحكام الأحكام (٢٧١) - الرسالة، والغريب؛ لابن الجوزي (٢٠١/١)،
(٦)
وللخطابي (٢٠٣/٢).

بابُ الهجرة
٢١٧
أي: تُؤَدَتِك وهينَتِك، وضَبَطَه القَاضِي عِيَاضٌ في ((المَشَارِقِ)) بِكَسرِ الرَّاءِ] (١)
وفَتحِها. قال: فَبِكَسرِها؛ على تُؤَدَّتِكُم، وبِالفَتحِ؛ من اللِّينِ والرِّفقِ، وأصلُه:
السَّيرُ الليِّنُ، ومَعنَاهمَا [٢٠٤/٢و] مُتَقَارِبٌ، وقِيلَ: همَا بِمَعنَى من التُّؤَدَةِ، وتَركِ
العَجَلَةِ(٢). والله أعلم.
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: ((السَّمُرُ))، بِفَتحِ السِّينِ المُهمَلَةِ وضَمِّ المِيمِ: نَوعٌ من
شَجَرِ الطّلحِ. يُقَالُ لِمُفرَدِهِ: سَمُرَةٌ، ويُجمَعُ أيضًا على سَمُرَاتٍ.
■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: ((الظَّهيرَةُ))، بِفَتح الّاءِ وكَسرِ الهاءِ: الهاجِرَةُ، وهيَ
نِصفُ النَّهارِ عِندَ اشْتِدَادِ الحَرِّ. ((ونَحرُهَا)): أولُها، كَمَا قال ابنُ السِّكِّيتِ،
وابنُ سِيدَه. ولَا يُقَالُ في الشِّتَاءِ: ظَهيرَةٌ. وقال في ((النِّهايَةِ))، تَبَعًا لِإبراهيمَ
الحَربي: (نَحرُ الظَّهيرَةِ»، هو حِينَ تَبلُغُ الشَّمسُ مُنتَهاها من الارتفاعِ، كَأَنَّها
وصّلَت إلى النَّحرِ، وهو أعَلَا الصَّدرِ (٣).
■ الرَّابِعَةَ عَشرَ: ((التَّقَتُّعُ)) مَعرُوفٌ، وهو تَغْطِيَةُ الرَّأسِ بِطَرَفِ العِمَامَةِ أو
بِرِدَاءٍ أو نَحوِ ذلك.
ثُمَّ يَحتَمِلُ أن يَكُونَ سَبَبُه في تِلكَ الحَالَةِ وِقَايَةَ الرَّأسِ من الحَرِّ لِشِدَّتِه في
ذلك الوقتِ، وأن يَكُونَ سَبَبُه إرَادَةَ الاختِفاءِ، وأن لَا يَطَّلِعَ أحَدٌ على مَجِيئه
إِلَيهم(٤) ذلك الوقتَ (٥).
] الخَامِسَةَ عَشْرَ: قَولُه: ((فِدَّى لَه أبي وأمِّي))، خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ومُبتَدَأْ مُؤَخَّرٌ،
وهو بِكَسرِ الفاءِ، وفيه المَدُّ والقَصرُ. وبِالقَصرِ رَوينَاه في هذا الحديثِ.
وحَكَى الفَرَّاءُ: فَدَّى لَك؛ مَفتُوحٌ ومَقصُورٌ. أمَّا المَصدَرُ من ((فادَيت)):
فَمَمْدُودٌ لَا غَيرُ، والمُرَادُ: أَنَّ أباه وأمَّه فِدَاءٌ لِلنَّبِيِ وَلِّ مِن المَكَارِهِ، وهذه كَلِمَةٌ
تَستَعمِلُها العَرَبُ في التَّعِظِيمِ والتَّحَبُّبِ(٦).
(١)
لیس في (ح).
(٢) المشارق (٢٩٩/١).
(٣) النهاية (٢٧/٥)، (١٦٤/٣)، والمحكم (٣٠٤/٣)، (٢٩٠/٤).
(٤)
بعده في (ش): ((في)).
(٥) ينظر: فتح الباري (١٠/ ٢٧٤).
المشارق (١٤٩/٢)، وشرح النووي (١٦٦/١٢، ١٦٧).
(٦)

S
٢١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: فيه أنَّه لَا بأسَ بِاجتِمَاعِ الإنسَانِ بِصَاحِبِه وقتَ القَائِلَةِ
في الأمُورِ المُهمَّةِ.
] السَّابِعَةَ عَشَرَ: فيه أنَّه لَا بُدَّ من الاستِذَانِ، مع أنَّ أهلَ البَيتِ: زَوجَتُه
عَائِشَةُ، وأمُّها أمُّ رُومَانَ، والصِّدِّيقُ. لَكِن يَحتَمِلُ وُجُودُ (٢٧٥/٧م) غَيرِهم، بَل
وُجُودُ غَيرِهم مُحَقَّقٌ، وهو أسمَاءُ بِنتُ الصِّدِّيقِ، ولَو لَم يَكُن غَيرُهم: فَيَحتَمِلُ
عُذرٌ من كَشفِ عَورَةٍ وغَيرٍ ذلك، ولَا سِيَّمَا ذلك(١)، وهو حِينَ وضعِ ثِيَابهم من
الَّهِيرَةِ؛ فَهو أحَدُ المَواضِعِ الثَّلَاثِ (٢) المَأمُورِ مِلكَ(٣) اليَمِينِ ومَن لَمَ يَبلُغ الحُلُمَ
بِالاِستِئِذَانِ فیها .
■ الثَّامنةَ عَشَرَ: قَولُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((أُخرِجْ مَن عِندَك ... ))،
سَبَبُه: شِدَّةُ التَّحَرُّزِ في أمرِ الهجرَةِ لِئَلَّا يَعُوقَ عنها عَائقٌ؛ فإنَّ فُشُو السِّرِّ(٤) سَبَبٌ
لِحُصُولِ المَفسَدَةِ، فَلَمَّا أعلَمَه الصُّدِّيقُ بِأنَّه لَيسَ هنَاكَ مَن يُتَوقَّعُ منه إفشَاءُ(٥) السِّرِّ
بِقَولِه: ((إِنَّمَا هم أهلُك))، تَكَلَّمَ بِمَا عِندَه(٦).
■ التَّاسِعَةَ عَشَرَ: وَقَولُ أبي بَكرٍ: ((فالصَّحَابَةَ))، مَنصُوبٌ بِفِعِلٍ مَحذُوفٍ
تَقدِيرُه: أسألُك أو أطلُبُ منك. وصَدَرَ هذا الكَلامِ من الصِّدِّيقِ لِشِدَّةِ حِرصِه على
صُحبَةِ النَّبِيِنَّهِ، وقَد حَقَّقَ الله تعالى لَه(٧) ذلك، ووصَفَه في التَّنْزِيلِ به، وإلا
فَهذا كَانَ في عَزِمِ النَّبِي وََّ، ولِهذا استَمِهَلَ أبا بَكرٍ لَمَّا أرَادَ الهجرَةَ، وقال:
((على رِسلِك؛ فانِّي أَرْجُو أن يُؤْذَنَ لِي)).
■ العِشرُونَ: إن قُلتَ: لِمَ امتَنَعَ النَّبِي ◌َ ﴿ من أخذِ إحدَى رَاحِلَتَي الصِّدِّيقِ
إلا بِالثَّمَنِ، مع قَولِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إنَّ أمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ في مَالِه وصُحِبَتِه
(١)
بعده في (م): ((الوقت)).
(٢)
في (م): ((الثلاثة)). وهما وجهان في اللغة.
(٣)
في (م): ((مالك)».
(٥)
(٦)
ينظر: شرح ابن بطال على البخاري (٩٣/٩).
(٧)
ليس في الأصل، (م).
(٤) في (ح): ((السرية)).
لیس في (ح).

بابُ الهجرَةِ
٢١٩
أبو بَكرٍ)) رَظُه. وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) من حَدِيثِ أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ(١). ورَوى
الثِّرمِذي(٢) عن أبي هريرةَ رَُّبه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «مَا لِأحَدٍ عِندَنَا يَدٌ إلا
وقَد كَافأْنَاه، مَا خَلَا أبا بَكرٍ؛ فإنَّ لَه عِندَنَا يَدًا يُكَافِئُه الله بها يَومَ القِيَامَةِ، ومَا
نَفَعني مَالُ أحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعني مَالُ أبِي بَكرٍ))؟
قُلتُ: قَد يُقَالُ: لَا يَلزَمُ من انتِفاعِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِمَالِ أبِي بَكرٍ
ومنتِهِ عَلَيه فيه أن يَكُونَ أخَذَه منه بِغَيرِ عِوضٍ؛ فَيَصدُقُ ذلك مع العِوضِ.
ويَحْتَمِلُ: أَنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ يَأْخُذُ منه بِغَيرِ عِوضٍ، وإنَّمَا امتَنَعَ هنَا إلا
بِعِوضٍ؛ لِأنَّ هذه الهجرَةَ قُربَةٌ عَظِيمَةٌ، فَأرَادَ انفِرَادَه بِالأجرِ فيها. والله أعلمُ.
■ الحَادِيَةُ والعِشرُونَ: قَولُها: ((فَجَهَّزْنَاهِمَا أحَثَّ الجِهازِ))؛ أي: أسرَعَه
وأعجَلَه، وهو بِالثَّاءِ المُثَلَّئَةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَطْلبُ حَئِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]،
[٢٠٤/٢ظ] وفي جِيم الجهازِ وجهانِ؛ الفَتحُ والكَسرُ، والجِرَابُ: بِكَسرِ الجِيمِ
مَعُرُوفٌ(٣) .
■ الثَّانِيَةُ والعِشرُونَ: ((النِّطَاقُ))، بِكَسرِ النُّونِ: شُقَّةٌ تَلَبَسُها المَرأةُ، وتَشُدُّ
وسَطَها، ثُمَّ تُرسِلُ الأعلى على الأسفَلِ إلى الرُّكَبَةِ، والأسفَلُ يَنجَرُّ على (٤)
الأرضِ؛ كَذَا قَيَّدَه الجَوهَرِيُّ: بِكُونِ الأعلى إلى الرُّكَبَةِ، ولَم يُقَيِّدِه بِذلك أصحَابُ
((المُحكَم))، و((المَشَارِقٍ)) و((النِّهايَةِ)).
وقال في ((النِّهايَةِ)): (٢٧٦/٧م) تَفعَلُه عِندَ مُعَانَاةِ الأشغَالِ؛ لِئَلَّا تَعثُرَ في
ذَيلِها(٥) .
وقَولُها: (فَلِذلك كَانَت تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ)). كَذَا في هذه الرِّوايَةِ هنَا، وفي
((صَحِيحِ البخارِيِّ)). وفي حَدِيثٍ آخَرَ ((ذَاتَ النِّطَاقَينِ))؛ رَواه مُسلِمٌ(٦) في
((صَحِيحِه))، عن أسمَاءَ ◌َُّنَا أنَّها قالت لِلحَجَّاجِ: بَلَغَنِي أَنَّك تَقُولُ لَه: يَا ابنَ ذَاتِ
(٢) الترمذي (٣٦٦١).
البخاري (٤٦٦)، ومسلم (٢/٢٣٨٢).
(١)
(٣)
ينظر: فتح الباري (٢٣٥/٧، ٢٣٦).
(٤) في (م): ((إلى)).
الصحاح (١٥٥٩/٤)، والمحكم (٢٨٢/٦)، والنهاية (٧٥/٥)، والمشارق (١١/٢).
(٥)
مسلم (٢٢٩/٢٥٤٥).
(٦)

=
٢٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
النِّطَاقَينِ، أَنَا والله ذَاتُ النِّطَاقَينِ؛ أمَّا أحَدُهمَا: فَكُنت أرفَعُ به طَعَامَ
رسولِ الله وَ﴾، وَطَعَامَ أبي بَكرِ الصِّدِّيقِ رَظُبه من الدَّوابِ، وأمَّا الآخَرُ: فَنِطَاقُ
المَرأة التي لَا تَستَغني عنه.
وفي ((صَحِيحِ البخارِيِّ))(١) عن أسمَاءَ قالت: ((صَنَعتُ سُفْرَةَ رسولِ الله ◌ُِّ
في بَيتِ أبي بَكرٍ حِينَ أرَادَ أن يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ. قال: فَلَم نَجِد لِسُفْرَتِه ولَا
لِقَائِه مَا نَربِطُهمَا به. فَقُلتُ لِأبي بَكرٍ: لَا والله مَا أجِدُ شَيئًا أربِطُ به إلا نِطَاقِي.
قال: فَشُقِّيه بِاثنَينِ، فاربُطِيه(٢): بِواحِدِ السِّقَاءَ، وبِواحِدِ السُّفْرَةَ. فَفَعَلت؛ فَلِذلك
سُمِّيت ذَاتَ النِّطَاقَينِ)).
وهذا هو الصَّحِيحُ المَشهورُ في سَبَبِ تَلقِيبٍ أسمَاءَ بِنتِ الصِّدِّيقِ رَّا بِذَاتِ
النِّطَاقَينِ. وقِيلَ: بَل لِأَنَّ (النَّبِي وَي قال لَها: قَد أعطَاك الله بهمَا نِطَاقَينٍ في
الجَنَّةِ)). حَكَاه في ((المَشَارِقِ)). وقِيلَ: لِأَنَّها كَانَت تُطَارِقُ نِطَاقًا فَوقَ نِطَاقٍ تَسَتُّرًا،
وبه صَدَّرَ في ((النِّهايَةِ)) كَلَامَه. وقِيلَ: كَانَ لَها نِطَاقَانِ تَلَبَسُ أحَدَهمَا، وتَحمِلُ في
الآخَرِ الزَّادَ إلى النَّبِيَِه، وأبي بَكرٍ رَظُه، وهمَا في الغَارِ حَكَاه في ((الِّهَايَةِ)).
قال في ((المَشَارِقٍ)): ومَا فَسَّرَت به هيَ نَفسَها خَبرَها: فإنَّه أولى مَا قِيلَ(٣). انتَهَى.
فإن قُلتَ: كَيفَ الجَمِعُ بَيْنَ اختِلَافِ الرِّوايَاتِ؛ في أنَّها استَعمَلَت فِي حَاجَةٍ
النَّبِيِ وَّهِ الشِّقَّينِ مَعًا؛ أحَدُهمَا في السُّفْرَةِ، والآخَرُ في السِّقَاءِ أو استَعمَلَت في
حَاجَتِهِ أحَدَهمَا فقط، وأبَقت الآخَرَ لِنَفْسِها؟
قُلتُ: الذي يَنبَغِي تَقدِيمُهُ الرِّوايَةُ بِاستِعمَالِها لَهمَا فِي حَاجَتِهِ؛ فإنَّ معها
زِيَادَةَ عِلم، وهيَ مُخِرَةٌ به (٤) عن نَفسِها، بِخِلَافِ الآخَرِ: فإنَّ النَّاقِلَةَ لَه عَائِشَةُ،
وكَانَت إذَ ذَاكَ صَغِيرَةً وغَيرَ صَاحِبَةِ القَضِيَّةِ. وأمَّا رِوايَةُ مُسلِم عن أسمَاءَ المُوافِقَةُ
ے
لِذلك: فَقالتها في آخِرِ عُمرِها وحُزنِها على ولَدِها وغَيظِها من الحَجَّاجِ؛ فالذي
قالته قَبلَ ذلك أقرَبُ إلى الضَّبطِ، والله أعلمُ.
البخاري (٢٩٧٩، ٣٩٠٧).
(١)
(٣)
المشارق (١١/٢)، والنهاية (٧٥/٥، ٧٦).
(٤) من الأصل، (م).
(٢) في (م): ((فاربطي)).